← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بالفعل نعم، وهي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أول بان تكون حقيقية، وأخرى مجازاً. وقال المخالفون: أستعمل لغة في النفسي والعبارة. قلنا: نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، والمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع، قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة. قلنا: والأصل عدم الإشتراك. ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات، والكثرة دليل الحقيقة. وأما قوله تعالى: ﴿يقولون في أنفسهم﴾ [المجادلة ٨] فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة ((في أنفسهم)) ولو أطلق لما فهم إلا بالعبارة. وأما قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم﴾ [الملك ١٣] الآية - فلا حجة فيه، لأن الإسرار خلاف الجهر، وكلاهما عبارة عن ان يكون أرفع صوتاً من الآخر، وأما بيت الأخطل وهو: إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ... إلخ فالمشهور: إن البيان. وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز عن مادته وهو في التصورات المصححة له، إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلاماً. ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان. أنتهى. وفيه ما لا يخفى. واما أولاً - فلأن ما أدعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه، لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفاً في النفسي، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وقوله: ((والأصل عدم الإشتراك)) قلنا: نعم، وإن أردت به الإشتراك اللفظي ونحن لا ندعيه وإنما ندعى الاشتراك المعنوي، وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين: ما يتكلم به قليلاً كان أو كثيراً، حقيقة أو حكماً. وأما الثانية - فلأن ما أدعاه من ان المؤثر في نفس المسامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية، الأمر فيه بالعكس بدليل أن الإنسان إذا سمع

стр. 317

كلاماً لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئاً. وقد يتذكر الإنسان في حالة سروره كلاماً يحزنه، وفي حالة حزنه كلاماً يسره فيتأثر بهما، ولا صوت ولا حرف هناك، وإنما هي حروف وكلمات مخيلية نفسية، وهو الذى عناه الشيخ بالكلام النفسي. وعلى هذا فالسمع في قولهم لتأثيره في نفس السامع ليس بقيد واللتأثير في النفس مطلقاً معتبر في وجه التسمية. وأما ثالثاً - فلأن ما قاله في قوله تعالى ﴿يقولون في أنفسهم﴾ من أنه مجاز على المعنى النفسي فيه بقرينه ((في أنفسهم)) ولو أطلق لما فهم إلا العبارة يرده قوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم - وفي ىية - بالسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ إذا لو كان مجرد ذكر ((في انفسهم)) قرينة على كون القول مجازاً في النفسي لكان ذكر ((بأفواههم)) و ((ألسنتهم)) قرينة على كونه مجازاً في العبارة واللازم باطل فكذا الملزوم. نعم، والتقييد على دليل على ان القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي وعين بن المراد من فردية فهو لنا لا علينا. واما رابعاً - فلأن ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿وأسروا﴾ الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره من مكان خال ويساعده الكتاب والآثر واللغة، كما لا يخفى على المتتبع. وأما خامساً: فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه: أما أولاً فعلى تقدير أن يكون المشهور ((البيان)) بدل ((الكلام)) يكفينا في البيان لأنه اسم مصدر بمعنى ما يبين به، أو مصدر بمعنى التبيين. وعلى الأول هو بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ. وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به، عن كان المراد التبيين القلبي، اعنى ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها.

стр. 318

واما ثانياً - فلأن قوله ((وبتقدير)) ان يكون)) إلخ إقرار بالكلام النفسي من غير شعور. واما ثالثاً - فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الأطلاق الحقيقة. واما رابعاً - فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع بل هو تحقيق من غير المبالغة كما يفهم مما سلف، فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر أو كانت منه رمية من غير رام، فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد ((العينان دليلان، والأذنان قمعان والسان ترجمان - إلى أن قال - والقلب ملك فإذا صلح)) الحديث. وفي حديث أبي هريرة ((القلب ملك وله جنود - إلى ان قال - واللسان ترجمان)) الحديث. فما قيل: إن هذا الشاعر نصراني عدو الله ورسوله؟ أفيجيب أطراح كلام الله ورسوله تصحيحاً لكلامه، أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه. وايضاً يحتاجون إلى أثبات هذا الشعر والشهرة غير كافية، فقد فتش ابن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت. أنتهى - كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت، وأنه لأوهن البيوت. أما أولاً - فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي حيث اعترفوا به في عين إنكارهم. وأما ثانياً - فلأنا أغناها الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر. واما ثالثاً - فلأن عدم وجدان ابن الخشاب لا يدل على انتفائه بالكلية كما لا يخفى. والحاصل. ان الناس أكثروا القال والقيل، في حق هذا الشيخ الجليل، وكل ذلك من باب [وافر] .

стр. 319

وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفم السقيم نعم، البحث دقيق، ولا يرشد إليه إلا توفيق، كم أسهر اناساً، وأطثر وسواساً، أثار فتنة، وأورث محنة، وسجن أقواماً واضر إماماً: [وافر] مرام شط العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب، وخلاصة ما ذكره والأصحاب، وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام، وخفى على أفهام ذوى الأفهام، ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غني زاده في التخلص عن هاتيك الشبه ما نصه: ثك اعلم أنى ما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف، إلى أنه لا ينبغي لذى الفطرة السليمة أن يدعى قدم اللفظ لاحتياجه إلى هذه التطليفات، وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به، وكيف ومعنى قصة نوح مثلاً ليس بشئ يمكن أتصاف الذات به إلا بتحمل بعيد. فالحق الذى لا محيد عنه هو ان المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم، لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسمياً يستدعيه حدوث الحوادث فيما لا يزال أقتضى الذات أقتضاؤ أزلياص إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث فيما لا يزال. فهذا الاقتضاء صفة قديمة للذات هو بها في الأزل مسماه يكون فيما لا يزال، والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة، وهذا هو غاية الغاية الغاايات في هذا الباب. والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب. أهـ. وفيه أن غاية الغايات في الجسارة على باب الأرباب، وإحداث صفة قديمة ما انزل الله بها من كتاب إذ لم يردفي كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ ولا روى عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الإقتضاء

стр. 320

كلاماً، بل لا يقتضيه عقل ولا نقل، على انه لا يحتاج إليه، عند من أخذت العناية بيديه. هذا، وإذا سمعت ما تلوناه، ووعيت ما حققناه فاسمع الآن تحقيق الحق، في كيفية سماع موسى ﵇ كلام الحق. فأقول: الذي أنتهى إليه كلام ائمة الدين، كالماتريدي والأشعري وغيرها من المحققين: أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كم تدل عليه النصوص التى بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ,لا يناسب في مقابلته قال وقيل، بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحدايث لا تحصى، واخبار لا تستقصى. وروى البخاري في الصحيح: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)) . ومن علم أن الله الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء، وانه منزه في تجليه، قريب في تعاليه، لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق، إنه لخ الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق، زالت عنه إشكالات، واتضحت لديه متشابهات، ومما يدل على ثبوت التجلى في المظهر لله تعالى قول ابن عباس، ترجمان القرآن في قوله تعالى: ﴿أن بورك من النار﴾ [النمل ٨] كما الدر المنثور. يعني ﵎ نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة. وفي رواية عنه ((كان الله في النور ونودي من النور)) وفي صحيح مسلم: ((حجابه النور)) وفي رواية له ((حجابه النار)) ودفع الله تعالى توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله: ﴿وسبحان الله﴾ أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن نادى، لأنه لكونه موصوفاً بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره المتجلي ﴿أنا الله العزيز﴾ فلا أتقيد لعزتى ولكني ﴿الحكيم﴾ فاقتضت حكمتى الظهور والتجلي في صورة مطلوبك. فالمسموع على هذا حرف وصوت سمعهما موسى من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار لما اقتضاه الحكمة،

стр. 321

فهو ﵇ كليم الله بلا واسطة لكن من وراء حجاب مظهر النار، وهو عين تجلى الحق تعالى له. اما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع النفسي القائم بذاته تعالى فهو من باب التجويز والإمكان، لا أن موسى ﵇ سمع ذلك بالفعل، إذ هو خلاف البرهان. ومما يدل على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به)) الحديث ومن الواضح أن الله تعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية أو حسية - سمع العبد على الوجه اللائق الجامع أ ((ليس كمثله شئ)) عند من يتحقق معنى الإطلاق الحقيقي، صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت، لأنه بالله يسمع إذ ذاك، واله سبحانه يسمع السر والنجوى. والإمام الماتريدي أيضاً يجوز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كلام التوحيد، فما نقله ابن الهمام عنه من القول بالاستحالة العادية فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق. ومعنى قول الأشعري: إن كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تالٍ وقراءة كل قارئٍ - أن المسموع أولاً وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذى حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك، لكن الكلمات اللفظية صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق، فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي، لأنه صورته لا من حيث الكلمات الغيبية فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة. وقول الباقلاني: إنما نسمع التلاوة، دون المتلو، والقراءة دون المقروء يمكن حمله على انه أراد إنما يسمع أولاً وبالذات التلاوة، أى المتلو اللفظي الذى حروفه

стр. 322

عارضة لصوت التالي، لا النفسي الذى حروفه غيبية مجردة عن المواد الحسية والخيالية، فلا نزاع في التحقيق أيضاً. والفرق بين سماع موسى ﵇ سمع من اله بلا واسطة لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظي المتلو بلسانه العارض من حروفه لصوته، لا من الله تعالى المتجلى من وراء حجاب العبد فلا يكون سماعاً من الله بلا واسطة. وهذا واضح عند من له قدم راسخةفي العرفان، وظاهر عند من قال بالمظاهر من تنزيه الملك الديان. وأنت إذا أمعنت النظر في قول أهل السنة: القرآن كلام الله غير مخلوق وهو مقروء بالسنتنا مسموع بآذاننا، محفوظ في صدورنا، مكتوب في مصاحفنا غير حال في شئ منها رايته قولاً بالمظاهر، ودلا على أن تنزل القرآن القديم القائم بذاته تعالى فيها غير قادح في قدمه، لكونه غير حال في شئ منها مع كون كل منها قرآناً حقيقة شرعية بلا شبهه. وهذا عين الدليل على ان تجلي القديم في مظهر حادث لا ينافي قدمه وتنزيهه، وليس من باب الحلول والتجسيم، ولا قيام الحوادث بالقديم، ولا ما يشاكل ذلك من شبهات تعرض لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك، ومنه يظهر معنى القرآن في صورة الرجل الصاحب يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر، وظهوره خصماً لمن حمله، فخالف أمره، وخصماً دون من حمله فحفظ الأمر، بل من احاط خبراً بأطراف ما ذكرناه، وطاف فكره المتجرد عن مخيط الهوى في كعبة حرم ما حققناه - أندفع عنه كل غشكال في هذا الباب. وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة، واندفع عنه بفضل الله تعالى كل محنة، فلا باس بأن نحكى بعض الأقوال (فنقول) :

стр. 323

أما المعتزلة فاتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلماً: أنه خالق الكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية، كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية. وأتفقوا أيضاً على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات، وأنه محدث مخلوق. ثم أختلفوا فذهب الجبائي وابنه أبو هاشم إلى انه حادث في محل. ثم زعم الجبائي أن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قارئ كلاماً لنفسه في محل القراءة، وخالفه الباقون. وذهب أبو الهذيل بن العلاف واصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله ﴿كن﴾ وبعضه لا في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار. وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام البارى إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم. وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات. ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى انه قديم أزلي قائم بذات الرب تعالى، لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر. وبعضهم قال لا، بل الحروف حرفان، والصوت صوتان: قديم وحادث والقديم منهما ليس من جنس الحادث. وأما الكرامية فقالوا: إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم، وقد يطلق على الأقوال والعبارات، وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات الله تعالى، لكن إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لآكثر فيه، وغن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثر. واما الواقفية فقد أجتمعوا على أن كلام الرب تعالى كان بعد أن لم يكن لكن منهم م توقف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه. ومنهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق وأطلق وأطلق أسم الحادث. ومن القائلين بالحدوث من قال ليس جوهراً ولا عرضاً. وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف

стр. 324

بكونه متكلماً لا بكلام ولا بغير كلام. والذى أوقع الناس في حيص وبيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة، وهما كلام الله تعالى صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، فكلام الله قديم، وكلام الله تعالى مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث، فكلام الله تعالى حادث فقوم ذهبوا: إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات وهي قديمة، ومنعوا ان كل ما هو مؤلف من حروف واصوات فهو حادث، ونسب إليهم اشياء برآء منها وآخرون قالوا بحدوثه، وأنه مؤلف من اصوات وحروف، وهو قائم بغيره، ومعنى كونه متكلماً عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في جسم، كاللوح أو ملك كجبريل، أو غير ذلك. فهم منعوا أن المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى. وأناس لما رأوا مخالفته الأولين للضرورة الظاهرة التى هي اشنع من مخالفة الدليل، أو مخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة ذهبوا إلى ان كلامه صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى. فهم منعوا أن كل ما هو صفة له تعالى فهو قديم. وجمع قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات، وكثر في حقهم القال والقيل، والنزاع الطويل. وبعضهم تحير فوقف، وحبس ذهنه في مسجد الدهشة واتعكف. وعندي القياسان صحيحان والنتيجتان صادقتان، ((ولكل مقام مقال)) ، ((ولكل كلام أحوال)) ولا أظنك تحوجني إلى التفصيل بعد ما وعاه فكرك الجميل، بل ولا تكلفني رد هذه الأقوال اشنيعة التى هي لديك إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيمة، فليطر شحرور القلم إلى روضة أخرى، وليغرد بفائدة لعلها أولى من افطالة وأحرى. والله تعالى الموفق - انتهى.

стр. 325

[فتوى لابن تيميه عن كلام الله] ولنذكر من كلام الشيخ ابن تيميه - أعلى الله تعالى درجته - في ذلك، حتى يتبين لك أنه سلك من المذاهب الأحمد معروف المسالك، فقد قال في فتاويه ما نصه: وسئل عن رجلين تنازعاً، فقال أحدهما: القرآن حرف وصوت. وقال الآخر: ليس هو بحرف ولا صوت. وقال أحدهما: النقط التى في المصحف والشكل من القرآن. وقال الآخر ليس ذلك من القرآن. فما الصواب من ذلك حتى نعتقده. فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس. ويخلطون فيها الحق بالباطل، فالذى قال: إن القرآن حرف وصوت. إن أراد بذلك أن هذه القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله ، الذى نزل به الروح الأمين، على سيدنا محمد خاتم النبيين ﷺ ، وان جبريل سمعه من الله ﵎، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والمسلمون سمعوه من الرسول ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ [النحل ١٠٢] وقال تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام ١١٤] فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله تعالى به، وإنما هو كلام جبريل ﵇ أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله تعالى، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقها. فهو قول باطل من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم بالذات، وغن معنى التوراة

стр. 326

والإنجيل والقرآن واحد، لأنه لا يتعدد ولا يتبعض، وإنه إن عبر عنه بالعربي كان قرآناً، وبالعبرية كان توراة، وبالسريانية كان إنجيلاً، فيجعلون آية الكرسي، وآية الدين، وقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب، والتوراة والإنجيل، وغيرها معنى واحداً. وهذا قول فاسد بالعقل والشرع وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه أحد من السلف. وغن أراد القائل بالحرف والصوت أن الأصوات المسموعة من القراء والمداد الذى في المصاحف قديم أزلي فقد اخطأ في ذلك وابتدع، وقال ما يخالف العقل والشرع، فإن النبي ﷺ قال: ((زينوا القرآن باصواتكم)) فبين أن الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الله تعالى، كما قاله سبحانه: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأحره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] فالقرآن الذى يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى لا كلام غيره، كما ذكر الله تعالى ذلك. وفي السنن عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشاًَ قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) وقالوا لأبي بكر الديق ﵁ لما قرا عليهم: ﴿آلم غلبت الروم﴾ [الروم ٢] هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى. والناس إذا بلغوا كلام النبي كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) يعلمون أن الحديث الذى يسمعونه حديث النبي ﷺ ، تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه، والمحدث بلغة عنه بصوت النبي ﷺ . فالقرآن أولى أن يكون كلام الله تعالى إذا بلغته الرسل عنه، وقرأته

стр. 327

الناس بأصواتهم، والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، ولا مثل صوته، فإن الله ليس كمثله شئ، لا في ذاته ولا في أفعاله. وقد نص أئمة المسلمين على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله تبارك وتعال ينادي بصوت،وان القرآن كلامه تكلم به بحروفه ليس منه شئ كلاماً لغيره، لا جبريل ولا غيره، وان العباد يقولونه باصوات أنفسهم وافعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ، والكلام كلام البارى ﵎. وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينتفيهما جميعاً أو يثبتهما جميعاً. فإذا نفى الحرف والصوت نفى ان يكون صوت العبد صفة لله تعالى، ثم جعل كلام الله تعالى الفرق دون ذاك النفي الذى فيه نوع من الإلحاد والتعطيل، حيث جعل الكلام المتنوع شيئاً واحداً لا حقيقة له عند التحقيق. وغذا اثبت جعل صوت الرب سبحانه هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما مع قوله إن الحروف متعاقبة في الوجود، مقترنة في الذات، قيمة أزلية الأعيان، فجعل عين صفة الرب تحل في العبد أو تتحد بصفة، فقال بنوع في الحلول والاتحاد يفضى إلى نوع من التعطيل. وقد علم أن نفي الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته خطأ وضلال، لم يذهب إليه احد من سلف الأمة وائمتها، بل هم متفقون على التمييز

стр. 328

بين صوت الرب وصوت العبد، ومتفقون على أن الله تعالى تكلم بالقرآن الذى أنزله على نبيه محمد ﷺ حروفه ومعانيه، وأن ينادي عباده بصوته. ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد، وعلى أنه ليس شئ من أصوات العباد، ولا مداد المصاحف قديماً، بل القرآن مكتوب في مصاحق المسلمين، مقروء بالسنتهم، محفوظ بقلوبهم وهو كله كلام الله تعالى. والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط، لأنهم كانوا عرباً لا يلحنون. ثم لما حدث الحن نقط الناس المصاحف وشكلوها، فإن كتبت بلا شكل ولا تلفظ جاز، ولم يكره في أظهر قولى العلماء، وهو إحدى الروايتين عن احمد رحمه الله تعالى، وحكم النقط والشكل حكم الحروف، فإن الشكل يبين إعراب القرآن كما يبين النقط والحروف، والمداد الذى تكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط مخلوق، وكلام الله تعالى العربي الذى أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ونقط ليس بمخلوق. وحكم الإعراب حكم الحروف، لكن الإعراب لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المنطوقة. والشكل والنقط لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المرسومه، فلهذا لا يحتاج إلى تجريدهما وإفرادهما بالكلام، بل القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله سبحانه معانيه وحروفه وإعرابه، والله ﵎ تكلم بالقرآن العربي الذى أنزله على نبينا محمد ﷺ ، والناس يقرءمنه بأفاعلهم وأصواتهم. والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله ، وهو القرآن العربي الذى انزله على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، سواء كتب بشمل ونقط أو بغير شكل ونقط. والمداد الذى كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق. والقرآن الذى

стр. 329

كتب في المصحف هو كلام اله ﵎ منزل غير مخلوق. والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين، لأن كلام الله تعالى مكتوب فيها، واحترام النقط والشكل إذا كتب المصحف منقوطاً كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين. ولهذا قال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. والله تعالى تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله تعالى. فلا يقال: بعضه كلام كلام الله تعالى، وبعضه ليس كلام الله . وهو سبحانه نادى موسى ﵇ بصوت سمعه موسى، فإنه سبحانه قد اخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن، كما قال تعالى: ﴿هل أتلك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادى المقدس طوى﴾ [النازعات ١٦] والنداء لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة. وقد قال الله تعالى: ﴿أنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده واوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وايوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤] ، فمن قال: إن موسى لم يسمع صوتاً بل ألهم معنى لم يفرق بين موسى وغيره. وقد قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ [البقرة ٢٥٣] .

стр. 330

وقال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل فيوحي بغذنه ما يشاء﴾ [الشورى ٥١] ، فقد فرق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب كما كلم الله موسى، فمن سوى بين هذا وهذا كان ضالاً. وقد قال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: لم يزل الله متكلماً إذا شاء، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته، يتكلم بشئ بعد شئ، كما قال تعالى ﴿فلما أتاها نودي يا موسى﴾ [طه ١١] فناداه حين أتاها لم يناده قبل ذلك. وقال تعالى: ﴿فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشحرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ [طه ١٢١] فهو سبحانه ناداهما حين أكلا منها لم ينادهما قبل ذلك. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ [الأعراف ١١] بعد أن خلق آدم ﵇ وصوره لم يأمره قبل ذلك. وكذا قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران ٥٩] . فأخبر أنه قال له ((كن فيكون)) بعد أن خلقه من تراب. ومثل هذا في القرآن كثير، يخبر أنه تكلم في وقت معين، ونادى في وقت معين، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه لما خرج من باب الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة ١٥٨] . قال: ((نبدأ بما بدأ الله تعالى به)) فأخبر أن الله تعالى بدأ بالصفا قبل المروة. والسلف اتفقوا على أن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فظن بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين. ثم قالت طائفة: وهو معني واحد، وهو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل منهي. والخبر بكل

стр. 331

مخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبر عنه بالعبيرية مان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. وهذا قول مخالف للشرع والعقل. وقالت طائفة: هو حروف وأصوات قديمة الأعيان، لازمة لذات الله تعالى لم تزل لازمة لذاته، وأن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معاً أزلاً وأبداً، لم يسبق منها شئ سيئاً. وهذا أيضاً مخالف للشرع والعقل. وقالت طائفتان: إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه في الأزل كان متكلماً بالنداء الذى سمعه موسى ﵇، وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى الوادى المقدس، بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء. وهؤلاء وافقوا الذين قالوا: إن القرآن مخلوق في اصل قولهم: إن الرب سبحانه لا تقوم به الأمور الاختيارية، فلا يقوم به كلام ولا فعل باختياره ومشيئته. وقالوا هذه حوادث، والرب ﷻ لا تقوم به الحوادث، فخالفوا صحيح المنقول، وصريح المعقول. واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم، واخطئوا في ذلك ٠ فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا. وادعوا أن الرب سبحانه لم يكن قادراُ في الأزل على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله، وانه صار قادراً بعد أن لم يكن قادراً بغير أمر حدث. أو يغيرون العبارة فيقولون: لم يزل قادراص، لكن يقولون: إن المقدور كان ممتنعاً، وأن الفعل صار ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً عليه من غير تجدد شئ. وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا: كان قادراً في الأزل على ما يمكن فيما لا يزال على ما يمكن في الأزل، فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه قادراً في حال كون المقدور عليه ممتنعاً عندهم، لو يفرقوا بين نوع الكلام والفعل وبين عينه، كما لم يفرق

стр. 332

الفلاسفة بين هذا وهذا، بل المتفلسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم بقدمه: فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول. فإن الأدلة لا تدل على قدم شئ بعينه من العالم، بل تدل على أن ما سوى الله تعالى مخلوق حادث بعد أن لم يكن، إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته، كما تدل على ذلك الدلائل القطعية والفاعل بمشيئته لا يكون شئ من مفعوله لازماً لذاته بصريح العقل. واتفاق عامة العقلاء، بل وكل فاعل لا يكون شئ من مفعوله لازماً لذاته، ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له، ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة فكيف بالفاعل بالإرادة؟ وما يذكر من أن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل يجرى مجرى الشروط، فإن الشرط يجب أن يتقدم على المشروط بل يقارنه كما تقدم الحياة العلم، واما ماكان فاعلاً سواء علة أو لم يسم علة فلابد أن يتقدم على الفعل المعين، والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شئ من مفعولاته، ولا يعرف العقلاء عاقلاً قط يلتزمه مفعول معين، وقول القائل: حركت يدى فتحرك الخاتم، هو من باب المشروط لا من باب الفاعلين. ولأنه لو كان العالم قديماً لكان فاعله موجباً بذاته في الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه، ولو كان كذلك لم يحدث شئ من الحوادث. وهذا خلاف المشاهدة. وإن كان هو سبحانه لم يزل قادراً على الكلام والفعل، بل لم يزل متكلماً إذا شاء، وفاعلاً لما يشاء، ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام، والعالم فيه من الإحكام والاتقان مادل على علم الرب سبحانه، وفيه من الاختصاص مادل على مشيئته، وفيه من الإحسان مادل على علم الرب تعالى وفيه من الاختصاص مادل على مشيئته، وفيه من الإحسان ما دل على رحمته، وفيه من العواقب الحميدة ما دل على حكمته، وفيه من الحوداث ما دل على قدرة الرب تعالى، مع أن الرب مستحق لصفات الكمال لذاته، فإنه مستحق لكل كمال ممكن الوجود لا نقص فيه، منزه عن كل نقص.

стр. 333

وهو سبحانه ليس كفؤ في شئ من أمور، فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفضيل، منزه فيها عن التشبييه والتمثيل، ومنزه عن النقائض مطلقاً، فإن وصفه بها من اعظم الأباطيل، وكماله من لوازم ذاته المقدسة لا يستفيده من غيره، هو المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء وما جعله فيهم من صفات الإحياء، وخالق صفات الكمال أحق بها ممن لا كفء له فيها. وأصل أضطراب الناس في مسألة الكلام - أن الجهمية والمعتزلة لما ناظرت الفلاسفة في مسالة حدوث العالم اعتقدوا ان ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثاً، بناء على أن مالا يتناهى لا يمكن وجوده، والتزموا أن الرب سبحانه كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام، بل كان ذلك ممتنعاً عليه، وكان معطلاً عن ذلك. وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادراً في الأزل على الفعل فيما لا يزال مع امتناع الفعل عليه في الأزل، فيجمعون بين النقيضين حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته، إذ كان الفعل يستلزم أن يكون له اولاً، والأزل لا أول له، والجمع بين إثبات الأولية ونفيها جمع بين النقيضين. ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين وبين ما يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام، بل هذا يكون دائماً، وإن كان كل من آحاده حادثاً كما يكون دائماً في المستقبل، وإن كان كل آحاده فانياً بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائماً، فإن هذا هو الباطل في صريح العقل وصريح النقل. لهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك، لم ينافه إلا شرذمة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين يزعمون أن الممكن المفعول قد يكون قديماً واجب الوجود بغيره، فخالفوا بذلك جماهير العقلاء، مع مخالفتهم أرسطو وأتباعه،

стр. 334

فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك، وإن قالوا بقدم الإفلاك، وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين، بناء على إثبات علة غنائية لحركة الفلك بتحرك الفلك للتشبيه بها لم يثبتوا له فاعلاً مبدعاً، ولم يثبتوا ممكناً قديماً واجباً بغيره. وهم وغن كانوا أجهل بالله ﵎ وأكفر من متأخريهم، فهم يسلمون لجمهور العقلاء أن ما مكناً بذاته فلا يكون محدثاً مسبوقاً بالعدم. فاحتاجوا أن يقولوا: كلامه مخلوق منفصل عنه. وطائفة وافقتهم على امتناع وجود مالا نهاية له، لكن قالوا له: تقوم به الأمور الاختيارية فقالوا: إنه في الأزل لم يكن متكلماً، بل ولا كان الكلام مقدوراً له، ثم صار متكلماً بلا حدوث حادث بكلام بقوم به، وهو قول الهاشمية والكرامية وغيرهم. وطائفة قالت: إذا قال القرآن غير مخلوق فلا يكون إلا قديم العين لازماً لذات الرب سبحانه، فلا يتكلم بمشيئته وقدرته. ثم منهم من قال: هو معني واحد قديم، فجعل ىية الكرسي، وآية الدين، وسائر أيات القرآن والتوراة والأنجيل، وكل كلام يتكلم الله به - معنى واحداً لا يتعدد ولا يتبغض. ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات. وهؤلاء أيضاً وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم: إنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه وبمشيئته قدرته، وأنه لا تقوم به الأمور الاختيارية. وقالوا إنه لم يستوا على عرشه بعد ان خلق السماوات والأرض، ولا ياتى يوم القيامة، ولم يناد موسى حين ناداه، ولا تغضبه المعاصي ولا ترضيه الطاعات، ولا تفرحه توبة التائبين. وقالوا في قوله : ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ [التوبة ١٠٥] ونحو ذلك: إنه لا يراها إذا وجدت،

стр. 335

بل إما أنه لم يزل رائياً لها، وإما أنه يتجدد شئ موجود بل تعدد معدوم، إلى أمثال هذه المقالات التى خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة مع مخالفة صريح العقل. والذى ألجأهم إلى ذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم في أنه سبحانه لا يقدر في الأزل على الفعل والكلام، وخالفوا السلف والأئمة في قولهم: لم يزل الله تعالى متكلماً إذا شاء، ثم افترقوا أحزاباً أربعة كما تقدم: الخلقية والحدوثية، والاتحادية، والافتراقية. وشر من هؤلاء الصابئة والفلاسفة الذين يقولون: إن الله سبحانه لم يتكلم بكلام قائم بذاته، ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته، لا قديم النوع ولا قديم العين، ولا حادث ولا مخلوق، بل كلامه عندما يفيض على نفوس الأنبياء ﵈. ويقولون: إنه كلمة موسى من سماء عقله، وقد يقولون: إنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات فإنه إنما يعلمها على وجه كلي. ويقولون مع ذلك: إنه يعلم نفسه ويعلم ما يفعله. وقولهم: نفسه ومفعولاته حق، كما قال تعالى:: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك ١٤] لكن قولهم مع ذلك: أنه لا يعلم الأعيان المعينة جهل وتناقض، فإن نفسه المقدسة معينة، والأفلاك معينة، وكل موجود معين، فإن لم يعلم المعينات لم يعلم شيئاً من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئاً من الموجودات - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وهم إنما ألجأ لهم إلى هذا الإلحاد فرارهم من تجدد الأحوال للبارئ تعالى مع ان هؤلاء يقولون: إن الحوادث تقوم بالقديم، وإن الحوادث لا أول لها، لكن نفوا ذلك عن البارئ ، لاعتقادهم أنه لا صفة له، بل هو وجود مطلق. وقالوا: إن العلم نفس عين العالم، والقدرة نفس عين القادر.

стр. 336

والعلم والعالم شئ واحد، والمريد والإرداة شئ واحد. فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، وجعلوا الصفات هي الموصوف. ومنهم من يقول: بل العلم هو المعلوم، كما يقوله الطوسي صاحب شرح الإشارات، فغنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه. وابن سينا أقرب إلى الصواب، لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به، وجعل الصفة عين الموصوف، وكل صفة هي الأخرى. ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول: معاني الكلام شئ واحد، لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا: إذ جاز المعاني المتعددة شيئاً واحداً جاز أن يكون العلم هو القدرة هي الإرادة. فاعترف حذاق أولئك بان هذا الإلزام لا جواب عنه. ثم قالوا: وإذ جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى جاز أن تكون الصفة هي الموصوف. فجاء ابن عربي وابن سبعين والقونوى ونحوهم من الملحدة فقالوا: إذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الاخرى، والصفة هي الموصوف جاز أن يكون الموجود الواجب القديم الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق، فقالوا: إن وجود كل مخلوق هو وجود الخالق. وقالوا: الوجود واحد، ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد بالعين، كما لم يفرق أولئك بين الكلام الواحد بالعين والكلام الواحد بالنوع. وكان منتهى أمر أهل الإلحاد في الكلام إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد الذى قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات، كما أن الذين لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه، وقالوا: هو يتكلم بحرف وصوت قديم. قالوا: أولاً إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته. ولا تسبق الباء السين، بل لما نادى موسى فقال: ﴿أننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني﴾ [طه ١٤] ،

стр. 337

﴿إنى أنا الله رب العالمين﴾ [القصص ٣٠] كانت الهمزة والنون وما بينهما موجوداً في الأزل يقارن بعضها بعضاً، لم تزل ولا تزال لازمة لذات الله تعالى. ثم قال فريق منهم: إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القراء. وقال بعضهم: بل المسموع صوتان قديم وحادث. وقال بعضهم: اشكال المداد قديمة أزلية. وقال بعضهم: محل المداد قديم أزلي. وحكى عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي. وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ولا يفهمون معناه، بل منهم من يظن أن معناه أنه قديم في علمه، ومنهم من يظن أن معناه أنه متقدم على غيره، ومنهم من يظن أن معنى اللفظ أنه غير مخلوق، ومنهم من لا يميز ما هو له فصار هؤلاء حلولية اتحادية في الصفات، ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في الذات مع الصفات. وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل. والصواب في هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها - أنه سبحانه لم يزل متكلماً إذا شاء، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان كلماته لا نهاية لها، وأنه نادى موسة ﵇ بصوت سمعه موسى، وإنما ناداه حين أتى لم يناده قبل ذلك، وان صوت الرب تبارك أسمه لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم، وقدرته لا تماثل قدرتهم، وانه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته وصفاته القائمة بذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته. وأن أقوال أهل التعطيل ولا تحاد الذين عطلوا اللذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال باطلة، وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات أو الصفات باطلة، وهذه المور مبسوطة في غير الموضع، وقد بسطناها في الواجب الكبير. والله تعالى اعلم بالصواب، والحمد لله تعالى وحده - أنتهى بحروفه.

стр. 338

وقال السفاريني في شرح العقيدة ما نصه: وقد روى في إثبات الحرف والصوت أحاديث تزيد على اربعين حديثاً، وأخرج الإمام أحمد عالبها واحتج به. واخرج الحافظ ابن حجر أيضاً في شرح البخاري، واحتج بها البخاري وغيره من أئمة الحديث ٠ على ان الحق سبحانه يتكلم بحرف وصوت. وقد صححوا هذا الأصل واعتقدوه، واعتمدوا على ذلك منزهين الله تعالى عما لا يليق بجلاله من شبهات الحدوث وسمات النقص. كما قالوا في سائر الصفات معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم في أقواله وأفعاله، الذى لا ينطق عن الهوى ﷺ . وممن ذهب إلى مذهب السلف والحنابلة من قدم الكلام وانه بحروف وصوت من متأخري محققى الأشاعرة: صاحب المواقف. أنتهى باقتصار. (قلت) : وممن ذهب إليه ايضاً من المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي الأشعري في كتابه ((إفاضة العلام بتحقيق مسألة الكلام)) وهو كتاب قلما يوجد مثله في تحقيق هذه المسألة التى حيرت الأفهام، وقد حاكم فيها الحنابلة مع الأشعرية، واثبت الكلام النفسي الذى نفته بعض الحنابلة، وحقق اللفظي المنفي عند كثير من الأشاعرة، ونقل ما يؤيد ذلك من كلام ذينك الإمامين، وأن الأئمة الأربعة في أصول الدين عير مختلفين، بل تراهم في القول بتوحيد الله تعالى وتنزيهه في ذاته وصفاته مؤتلفين. وان الأشعري رحمه الله تعالى على مناهجهم أجمعين، كما قاله ابن عساكر في كتابه ((تبيين كذب المفترى على ابى الحسن الأشعري)) فإن أردت التفصيل فعليك بذلك الكتاب الذى يعز له مثيل. ونقل أيضاً الكوراني في رسالته المسماه ((بنوال الطول في تحقيق الإيجاد

стр. 339

بالقول)) عن الشيخ محيى الدين بن عربي أنه قال: لله تعالى تجل في صورة يقبل القول والكلام بترتب الحروف قد ذكرناه في التجلي الإلهي الذى خرجه مسلم في الصحيح، وهو من رواية ابي سعيد الخدري، وفيه: ((أتاهم رب العالمين في أدنى صورة عن التى رأوه فيها - ثم قال بعده - ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التى رأوه فيها اول مرة)) . وعن البخاري بلفظ ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التى رأوه فيها أول مرة)) والأحاديث في ذلك بلغت مبلغ التواتر - أنتهى. ثم قال فيها: إن الكلام النفسي بمعنى المتكلم به قديم لا تعاقب بين كلماته، أما الكلام اللفظي المسموع من التجلي الإلهي في الصورة فبين كلماته ترتب زماني وتعاقب. واخرج الطبراني عن ابن عباس ﵁ مرفوعاً ((أن الله تعالى ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة ايام ... .)) الحديث. وهذا صريح في تعاقب الكلمات وترتيبها بحسب الزمان وصريح الأحاديث أن الله تعالى هو الذى كلم موسى ﵇ بلا واسطة رسول، لكنه من وراء حجاب الظاهر بصورة النار. وغذا ثبت ذكر الصوت في الأحاديث المتعددة وجب الإيمان به. انتهى ملخصاً. (وقال) أيضاً في شرح منظومة شيخه الشيخ أحمد القشاشى المدنى ما نصه: قال الجامى رحمه الله تعالى: ولنذكر في هذا المقام كلام الصوفية ليتضح ما هو الحق، قال حجة الإسلام: الكلام على ضربين: أحدهما يطلق في حق الباري تعالى. والثاني في حق الآدميين أما الكلام الذى نسب إليه تعالى فهو صفة من صفات الربوبية فلا تشابه بين صفات البارى وصفات الآدميين - إلى أن قال - فإذن كلام البارى تعالى ليس شيئاً سوى إفادته وإفاضته مكنونات علمه على من يريد إكرامه، كما قال: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف ١٤٣]

стр. 340

شرفه بقربه، وقربه بقدسه، وشافهه بأجل صفاته، وكلمه بعلم ذاته، فكما شاء تكلم، وكما أراد سمع. أنتهى. ثم ساق عن غيره من أكابر المحققين مامنه: أعلم أن الله تعالى قد أخبرنا بنبيه ﷺ أنه سبحانه يتجلى يوم القيامة في صور مختلفة فيعرف وينكر، ومن كانت حقيقته تقبل التجلى فلا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظ بها المسماه كلام الله تعالى لبعض تلك الصور كما يليق بجلاله فكما نقول تجلى في صورة كما يليق بجلاله، كذلك نقول تكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله، ونحمله محمل الفرح والضحك، والعين والقدم، واليد، اليمين، وغير ذلك مما قدر ورد في الكتاب مما يجب الإيمان به على المعنى المعقول من غير كيفية ولا تشبيه، فإنه يقول: ﴿ليس كمثله شئ﴾ [الشورى ١١] مع عقل المعنى. ثم ساق عن غيره من الأكابر كلاماً في تحقيق الكلام إلى أن قال في آخر ذلك: فالذى يظهر من كلام هؤلاء الأكابر أن الكلام الذى هو صفته سبحانه ليس سوى إفادته وإفاضته مكنونات علمه على ما يريد إكرامه، وان الكتب المنزلة المنظومة من حروف وكلمات كالقرآن وامثاله أيضاً كلامه لكنها في بعض صور تلك الإفادة والإفاضة ظهرت بتوسط العلم والإرادة والقدرة في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة، يعني عالم المثال من بعض مجاليه الصورية المثالية كما يليق به سبحانه. فالقياسان المذكوران في صدر البحث ليسا بمتعارضين في الحقيقة، فإن المراد بالكلام في القياس الأول الصفة القائمة بذاته سبحانه، وفي الثاني ما ظهر في البرزخ من بعض المجالي الإلهية والاختلاف الواقع بين فرق المسلمين لعدم الفرق بين الكلامين. انتهى. (أقول) : دل كلام هؤلاء الأكابر على ان الحق سبحانه له أن يتجلى

стр. 341

في أي صورة شاء مع تنزيهه عن كل صورة في كل حال، وينبغي لطالب الحق غير الجامد على المألوف من الرسوم المقررة - أن يتنبه لنفاسة هذا الكلام، وجلالة هذه الفائدة الصادرة عن مقام الرسوخ في العلم من طريق الوهب والله يجتبى إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. انتهى فليتدبر. [كلام نفيس لابن القيم في الموضوع] (ومن جملة) كلام للشيخ ابن القيم في مبدأ كتابه ((المنظومة النونية، المسماه بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)) ما نصه: فلا نجحد صفات ربنا ﵎ لتسمية الجهمية والمعتزلة لنا مجسمة مشبهه خشوية: [طويل] فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته ... لديكم فإنى اليوم عبد مجسم ورضي الله تعالى عن الشافعي حيث يقول: إن (١) كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي وقدس الله تعالى روح القائل وهو شيخ الإسلام ابن تيميه إذ يقول: إن كان نصبا حب صحب محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي فصل: [عقيدة ابن القيم وشيخه في القرآن] وأما القرآن فإنى أقول: إنه كلام اله منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود: تكلم الله تعالى به صدقاً، وسمعه منه جبريل حقاً، وبلغه محمداً ﷺ وحياً، وإن كهيعص، وحم عسق، وآلر، وقّ، ون، عين كلام الله تعالى حقيقة. وأن الله تعالى تكلم بالقرآن العربى الذى سمعه الصحابة من رسول الله ﷺ ، وأن جميعه كلام الله

стр. 342

تعالى وليس قول البشر. ومن قال: إنه قول البشر فقد كفر، والله يصليه سقر. ومن قال: ليس لله سبحانه بيننا كلام فقد جحد رسالة محمد ﷺ ، فإن الله تعالى بعثه يبلغ عنه كلامه، والرسول إنما يبلغ كلام مرسله، فإذا انتفى كلام المرسل أنتفت رسالة الرسول , أقول: إن الله ﵎ فوق سماواته مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته، فقلب المعطل متعلق بالعدم، فهو أحقر الحقير. وقلب المشبه عابد الصنم الذي قد نحت بالتصوير والتقدير، والموحد قلبه متعبد لمن ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. أنتهى. وقال في النظم ما بعضه: [كامل] [مقتطفات من نونية ابن القيم] وله الحياة كمالها فلأجل ذا ... ما للمات عليه من سلطانِ وله الكمال المطلق العارى عن التشبيه ... والتمثيل بالإنسان والله ربي لم يزل متكلماً ... وكلامه المسموع بالآذان صدقاً وعدلاً أحكمت كلماته ... طلباً وإخباراً بلا نقصان ورسوله قد عاد بالكلمات من ... لدغ ومن عين ومن شيطان أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ ... إشراك وهو معلم الإيمان بل عاذ بالكلمات وهي صفاته ... سبحانه ليست من الأكوان وكذلك القرآن عين كلامه المـ ... سموع منه حقيقة ببيان هو خلق ربي كله لا بعضه ... لفظاً ومعنا ما هما خلقان تنزيل رب العالمين وقوله الـ ... لفظي والمعنى بلا روغان (١) لكن أصوات العباد وفعلهم ... كمدادهم والرق مخلوقان

стр. 343

والصوت للقارى ولكن الكلا ... م كلام رب العرش ذي الإحسان هذا إذا ما كان ثم وساطة ... كقراءة المخلوق للقرآن فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما ... قد كلم المولود من عمران فهنالك المخلوق نفس السمع لا ... شئ من المسموع فافهم ذان هذى مقالة أحمد ومحمد ... وخصومهم من بعد طائفتان إحداهما زعمت بأن كلامه ... خلق له ألفاظه ومعانى والآخرون أبوا وقالوا شطره ... خلق وشطر قام بالرحمن زعموا القرآن عبارة وحكاية ... قلنا كما زعموه قرآنان هذا الذي نتلوه مخلوق كما ... قال الوليد وبعده الفئتان والآخر المعنى القديم فقائم ... بالنفس لم يسمع من الديان والآمر عين النهى واستفهامه ... هو عين أخبار وذو وجدان وهو الزبور وعين توراة وإنجـ ... يل وعين الذكر والفرقان الكل شئ واحد في نفسه ... لا يقبل التبعيض في الأذهان ما إن له كل ولا بعض ولا ... حرف ولا عربى ولا عبراني ودليله في كل ذاك بيت قاله ... فيما يقال الأخطل النصراني ومنه [كامل] وإذا أردت مجامع الطرق التى ... فيها افتراق الناس في القرآن فمدارها أصلان قام عليهما ... هذا الخلاف هما له ركنان هل قوله بمشيئة أم لا وهل ... في ذاته أم خارج هذان أصلاً اختلاف جميعه أهل الأرض في ... القرآن فاطلب مقتضى البرهان ثم الألى قالوا بغير مشيئة ... وإرادة منه فطائفتان إحداهما جعلته معنى قائماً ... بالنفس أو قالوا بخمس معانى والله أحدث هذه الألفاظ كي ... تبديه معقولا إلى الأذهان

стр. 344

وكذلك قالوا إنها ليست هي القـ ... رآن بل دلت على القرآن ولربما سمى بها القرآن ... تسمية المجاز وذاك وضع ثان وكذلك اختلفوا فقيل حكاية ... عنه وقيل عبارة لبيان إن كان ما يحكى حمحكى وهـ ... ذا اللفظ والمعنى فمختلفتان ولذا يقال حكى الحديث بعينه ... إذ كان أوله نظير الثاني فلذاك قالوا لا نقول حكاية ... ونقول ذاك عبارة الفرقان والآخرون يرون هذا البحث لفـ ... ظياً وما فيه كبير معاني فصل: في مذهب الاقترانية والفرقة الأخرى فقالوا إنه ... لفظ ومعنى ليس منفصلان واللفظ كالمعنى قديم قائم ... بالنفس ليس يقابل الحدثان فالسين عند الباء لا مسبوقة ... لكن هما حرفان مقترفان والقائلون بذا يقولوا إنما ... ترتيبهما في السمع بالآذان ولها اقتران ثابت لذواتها ... فاعجب لذا التخليط والهذيان لكن زاغونيهم قد قال إن ... ذواتا ووجودها غيران فترتب لوجودها لا ذاتها ... يا للعقول وزيغة الأذهان ليس الوجود سوى حقيقتها لدى ... الأذهان بل في هذه الأعيان لكن إذا أخذ الحقيقة خارجاً ... ووجودها ذهناً فمختلفان والعكس أيضاً مثل ذا فإذا هما أتحـ ... دا اعتباراً لم يكن شيئان وبذا يزول جميع إشكالانهم ... في ذاته ووجوده الرحمن

стр. 345

فصل: في مذهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والإرادة والقائلون بأنه بمشيئة ... وأرادة أيضاً فهم صنفان إحداهما جعلته خارج ذاته ... كمشيئة للخلق والأكوان قالوا وصار كلامه بإضافة التـ ... شريف مثل البيت للأركان ما قال عندهم ولا هو قائل ... والقول لم يسمع من الديان فالقول مفعول لديهم قائم ... بالغير كالأغراض والأكوان هذى مقلة كل وجهى وهم ... فيها الشيوخ معلم الصبيان لكن أهل الإعتزال قديمهم ... لم يذهبوا ذا المذهب الشيطاني وهم الألى اعتزلوا عن الحسن الرضا ... البصرى ذاك العالم الرباني وكذاك اتباع على مناهجهم ... من قبل جهم صاحب الحدثان لكنما متأخروهم بعد ذ ... لك وافقوا جهماً على الكفران فهم بذا جهمية أهل اعتزا ... ل ثوبهم أضحى له علمان ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان واللا لكائى الإمام حكاه عنـ ... هم بل حكاه قبله الطبراني فصل: في مذهب الكرامية والقائلون بأنه بمشيئة ... في ذاته أيضاً فهم نوعان إحداها جعلته مبدوءاً به ... نوعاً حذار تسلسل الأعيان فيسد ذاك عليهم في زعمهم ... إثبات خالق هذه الأكوان فلذاك قالوا: إنه ذو أول ... ما للفناء عليه من سلطان وكلامه كفعاله وكلاهما ... ذو مبدأ بل ليس ينتهيان

стр. 346

قالوا ولم ينصف خصوم جعجعوا ... واتوا بتشنيع بلا برهان قلنا كما قالوه في أفعاله ... بل بيننا بون من الفرقان بل نحن أسعد منهم بالحق إذ ... قلنا هما بالله قائمتان وهموا فقالوا لم يقم بالله لا ... فعل ولا قول فتعطيلان لفاعله ومقاله شر وأبـ ... طل من حلول حوادث ببيان تعطيله عن فعله وكلامه ... شر من التشنيع بالهذيان هذى مقالات ابن كرام وما ... ردوا عليه قط بالبرهان أبى وما قال أقرب منهم ... للعقل والآثار والقرآن لكنهم جاءوا له بجعاجع ... وفراقع وقراقع بشنان فصل: في ذكر مذهب أهل الحديث والآخرون أولو الحديث كأحمد ... ومحمد وأئمة الإيمان قالوا بأن الله حقاً لم يزل ... متكلماً بمشيئة وبيان إن الكلام هو الكمال فكيف يخـ ... لو عنه في ازل بلا إمكان ويصير فيما لم يزل متكلماً ... ماذا اقتضاه له من الإمكان وتعاقب الكلمات أمر ثابت ... للذات مثل تعاقب الأزمان والله رب العرش قال حقيقة ... حاميم مع طه بغير قرآن بل أحرف مترتبات مثل ما ... قدر رتبت في مسمع الإنسان وقتان في وقت محال هكذا ... حرفان أيضاً يوجدان بآن من واحد متكلم بل يوجدا ... بالرسم أو يتكلم الرجلان هذا هو المعقول أما الأقترا ... ن فليس معقولاً لذى الأذهان وكذا كلام من سوى متكلم ... أيضاً محال ليس في إمكان

стр. 347

إلا لمن قام الكلام به فذا ... ك كلامه المعقول في الأذهان أيكون حي سامعاً أو مبصراً ... من غير ما سمع وغير عيان والسمع والإبصار قام بغيره ... هذا المحال وواضح البهتان فكلامه حقاً يقوم به وإلـ ... لا لم يكن متكلماً بقرآن والله قال وقائل وكذا يقو ... ل الحق ليس كلامه بالفانى ويكلم الثقلين يوم معادهم ... حقاً فيسمع قوله الثقلان إلى أن قال: فصل وأتى ابن حزم بعد ذاك فقال ما ... للناس قرآن ولا إثنان بل أربع كل يسمى بالقرا ... ن وذاك قول بين البطلان هذا الذى يتلى وآخر ثابت ... في الرسم يدعى المصحف العثماني والثالث المحفوظ بين صدورنا ... هذى الثلاث خليفة الرحمن والرابع المعنى القديم كعلمه ... كل يعبر عنه القرآن وأظنه قد رام شيئاً لم يجد ... عنه عبارة ناطق ببيان إن المعين ذو مراتب أربع ... عقلت فلا تخفى على إنسان في العين ثم الذهن ثم اللفظ ثـ ... م الرسم حين تخطه ببيان وعلى الجميع الإسم يصدق لكن ا ... لأولى به الموجود في الأعيان بخلاف قول ابن الخطيب فإنه ... قد قال إن الوضع للأذهان فالشيء شيء واحد لا أربع ... فدهى ابن حزم قلة الفرقان (١) والله أخبر أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والفرقان وكذا أخبرنا بأن كلامه ... بصدور أهل العلم والإيمان

стр. 348

وكذاك أخبر أنه المكتوب في ... صحف مطهرة من الشيطان وكذاك أخبر أنه المتلو والـ ... مقروء عند تلاوة الإنسان والكل شئ واحد لا أنه ... هو أربع وثلاثة وأثنان وتلاوة القرآن أفعال لنا ... وكذا الكتابة فهي خط بنان لكنما المتلو والمكتوب والـ ... محفوظ قول الواحد الرحمن والعبد يقرؤه بصوت طيب ... وبضده فما له صوتان وكذاك يكتبه بخط جيد ... وبضده فما له خطان أصواتنا ومدادنا وأداتنا ... والرق ثم كتابة القرآن ولقد أتى في نظمه بجهالة ... من قال قول الحق غير جبان إن الذى هو في المصاحف مثبت ... بأنامل الأشياخ والشبان هو قول ربى آية وحروفه ... ومدادنا والرق مخلوقان فشقى وفرق بين متلو ومصـ ... نوع وذاك حقيقة العرفان الكل مخلوق وليس كلامه الـ ... متلو مخلوقاً هنا شيئان فعليك بالتفصيل والتمييز فالـ ... إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدوا هذا الوجود وخبطوا الـ ... أذهان والآراء كل زمان وتلاوة القرآن في تعريفها ... باللام وقد يعنى بها شيئان يعنى بها المتلو فهو كلامه ... هو غير مخلوق كذى الأكوان ويراد أفعال العباد كصوتهم ... وأدائهم وكلاهما خلقان هذا الذي نصت عليه أئمة الـ ... إسلام أهل العرف والعرفان وهو الذى قصد البخارى الرضا ... لكن تقاصر قاصر الأذهان عن فهمه كتقاصر الأذهان عن ... قول الإمام الأعظم الشيباني في اللفظ لما أن نفى الضدين عنـ ... ـه وأهتدى للنفى ذو عرفان

стр. 349

فاللفظ يصلح مصدراً فعلنا ... كتلفظ بتلاوة القرآن وكذاك يصلح نفس ملفوظ به ... وهو القران فذان محتملان فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في ... نفى وإثبات بلا فرقان منه: ... للمسلمين بإفك ذي بهتان واتى ابن سينا القرمطى مصانعاً ... ـفعال علة هذه الأكوان فرآه فيضاً فاض من عقل هو والـ ... طمت على ما قال كل لسان ومنه: ... ـذا الخلق من جن ومن إنسان وأنت طوائف الأتحاد بملة ... عين الوجود وعين ذي الأكوان قالوا كلام الله كل كلام هـ ... وصفاته ما ههنا قولان إذ أصلهم إن الإله حقيقة ... حملت إليك رخيصة الأثمان فكلاهما وصفاتها هو قوله ... ألفيتها أبداً بذا التبيان هذى مقالات الطوائف كلها ... أبصرت ذا الحسن والإحسان وأظن لو فتشت كتب الناس ما ... خرقوا سياج العقل والقرآن زفت إليك فإن يكن لك ناظر ... بل ناد في ناديهم بأذان فاعطف على الجهمية المغل الألى ... ـسموع من لغة بكل لسان! شرد بهم من خلفهم واكسرهم ... ـمسلوب معناه لذى الأذهان! أفسدتم المعقول والمنقول والمـ ... ويصح غفار بلا غفران! أيصح وصف الشئ بالمشتق للـ ... لكن يقول قام إنسان أيصح علام ولا علم له ... وعليكم في ذاك محذوران فلئن زعمم أنه متكلم ... ـناه به وثبوته للثانى أو غيره فيقال هذا باطل ... قلب الحقائق أقبح البهتان نفى اشتقاق اللفظ للموجود معـ ... ذاك ابن حنبلٍ الرضا الشيبانى

стр. 350

أعنى الذي ما قام معناه به ... متكلماً إن شاء ذو إحسان ومنه: ... بالذات لم يفقد من الرحمن والآخرون أولو الحديث كأحمد ... إحسان ايضاً في مكان ثانى قد قال إن الله حقاً لم يزل ... أبداً إله الخلق ذا سلطان جعل الكلام صفات فعل قائم ... بل فاعلاً ما شاء ذا إحسان وكذاك نص على دوام الفعل بالـ ... قلنا صدقتم وهو ذو إمكان ومنه: ... هل بين ذينك من فرقان! إن كان رب العرش حقاً لم يزل ... نقل ولا نظر ولا برهان! فكذاك أيضاً لم يزل متكلماً منه: فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل كتسلسل التأثير في مستقبل والله ما افترقا لذى عقل ولا أنتهى نقل ما هو المراد منه. وإن أردت تفصيل البحث في ذلك مع الأجوبة والمذاهب المفصلة فارجع إليه. وقال الشيخ عبد القادر الكيرنى قدس سره والنورانى في كتابه ((الغنية ما نصه)) : فصل ونعتقد أن القرآن كلام الله ، وكتابه وخطابه، ووحيه الذى نزل به جبريل على رسول الله ﷺ ، كما قال: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء ١٩٣] هو الذى بلغه رسول الله ﷺ أمته

стр. 351

أمتثالا لأمر رب العالمين: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة ٦٧] . وروى عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: ((هل من رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشاً منعونى أن أبلغ كلام ربي)) . وقال : ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ، وكلام الله تعالى هو القرآن الشريف غير مخلوق كيفما قرئ وتلى وكتب، وكيفما تفرقت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ وحفظ حافظ. هو كلام الله تعالى وصفه من صفات ذاته، غير محدث، ولا مبدل، ولا مغير، ولا مؤلف، ولا منقوص، ولا مصنوع، ولا مزاد فيه. منه بدأ تنزيله، وإليه يعود حكمه، كما قال النبي ﷺ في حديث عثمان بن عفان ﵁: ((إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه)) . وذلك أن القرآن الشريف منه ﵎ خرج، وإليه يعود حكمه، فمعناه أن تنزيله وظهوره منه ، وإليه يعود حكمه الذى هو العبادات من أداء الأوامر وأنتهاء النواهى، لأجله تفعل وتترك، فالأحكام عائدة إليه . وقيل: منه بدأ حكماً وإليه يعود علماً. هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في اكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان حيثما رؤى ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظى بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط، ولا يؤاكل، ولا يناكح، ولا يجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح

стр. 352

ولا يته في نكاح وليه، ولا يصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثاُ كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل. سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عمن قال: لفظى بالقرآن مخلوق؟ فقال: كفر. وقال رحمه الله تعالى: فمن قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق والتلاوة مخلوقة كفر. وروى عن أبي الدرداء ﵁ أنه سئل النبي ﷺ عن القرآن فقال ((كلام الله غير مخلوق)) . وروى عن عبد الله ابن عبد الغفار - وكان مولى لرسول الله ﷺ عتاقة - عن النبي ﷺ قال: ((إذا ذكر الله (١) فقولوا كلام الله غير مخلوق فمن قال مخلوق فهو كافر)) . وقال الله : ﴿ألا له الخلق والآمر﴾ [الأعراف ٥٤] ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره الذى هو ((كن)) الذى به يخلق الخلق مخلوقاً له كان ذلك تكراراً وعيباً لا فائدة فيه، كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، والله تعالى منزه عن ذلك. وعن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما فسروا قوله : ﴿قرآنا عربياً غير ذى عوج﴾ [الزمر ٢٨] أنه غير مخلوق. وقد هدد الله تعالى الوليد بن المغيرة المخزومي حين سمى القرآن قول البشر ((بسقر)) فقال: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر. وإن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر﴾ فكل من قال: القرآن عبارة أو مخلوق أو لفظي بالقرآن مخلوق فله سقر، كما قال للوليد إلا أن يتوب. وقال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ولم يقل حتى يسمع كلامك يا محمد. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر ١] .

стр. 353

يعنى القرآن الذى هو في الصدور. وقال الله : ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف ٢٠٤] . وقال تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لقرأه على الناس على مكث﴾ [النساء ١٠٦] والناس إنما سمعوا قراءة النبي ﷺ ولفظه، فلفظه بالقرآن هو القرآن. ومدح الله الجن الذين سمعوا قراءة النبي ﷺ فقالوا: ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد﴾ [الجن ١] الآية. وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف ٣٩] وسمى الله تعالى قراءة جبريل ﵇ للقرآن قرآنا فقال جل وعلا: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة ١٦] وقال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل ٢٠] وأجمع المسلمون على أن من قرأ فاتحة الكتاب في صلاة أنه قارئ كتاب الله تعالى، وأن من حلف ألا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث، فدل على أنه ليس بعبارة، قال النبي ﷺ في حديث معاوية بن الحكم ﵁: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين، وإنما هي القرآن والتسبيح، التهليل وتلاوة القرآن)) فأخبر أن تلاوة القرآن هي القرآن، فعلم بذلك أن التلاوة هي المتلو، والله تعالى ورسوله ﷺ أمر المؤمنين بالقراءة في الصلاة ونهيا عن الكلام، فلو كانت قراءتنا كلامنا لا كلام الله تعالى لكنا مرتكبين للنهى في الصلاة. فصل ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة ، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس والساكت متكلماً ناطقاً، وكلام الله لا ينفك عن ذلك فمن ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته. قال الله : ﴿آلم ذلك الكتاب. حم. طسم. تلك آيات الكتاب﴾ فقد ذكر حروفاً وكنى

стр. 354

عنها بالكتاب: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] فأثبت لنفسه كلمات متعددة غير متناهية الأعداد. وكذلك ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي﴾ [الكهف ١٠٩] وقال النبي ﷺ : ((أقرءوا القرآن تؤجرون عليه بكل حرف عشر حسنات، أما إنى لا أقول ألم حرف ولكن الألف عشر واللام عشر والميم عشر فذلك ثلاثون)) وقال النبي ﷺ : ((أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف)) وقال تعالى في حق موسى ﵇: ﴿وإذ نادى ربك موسى - وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم ٥٢] وقال تعالى: لموسى ﵇: ﴿إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدنى﴾ [طه ١٤] كل هذا لا يكون إلا صوتاً، ولا يجوز أن يكون هذا النداء وهذا الاسم والصفة إلا لله دون غيره من الملائكة وسائر المخلوقات. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا كان يوم القيامة يأتى الله في ظلل من الغمام فيتكلم بكلام طلق ذلق فيقول وهو أصدق القائلين: أنصتوا فطالما أنصت لكم منذ خلقتكم أرى أعمالكم وأسمع أقوالكم، فإنما هي صحائفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) . وروى البخارى في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن أنيس ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان)) . وروى عبد الرحمن بن محمد المحاربى عن الأعمش عن مسلم بن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع صوته

стр. 355

أهل السماء فيخرون سجداً حتى إذا فزع عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق قال كذا وكذا. يعنى ذكر الوحي. وعن عبد الله بن الحرث عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ((إن الله ﵎ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتاً كصوت الحديد إذا وقع على الصفا فيخرون له سجداً، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير)) . قال محمد بن كعب: قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: بم شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوت ربي الرعد حين لا يرتجع. وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوت. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصون في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية، من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل، والله سبحانه لم يزل متكلماً وقد احاط كلامه بجميع معانى الأمر والنهى والاستخبار. وقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: كلام الله تعالى متواصل لا سكوت فيه ولا صمت. وقيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: هل يجوز أن نقول إن الله تعالى متكلما ويجوز عليه السكوت؟ فقال رحمه الله تعالى: نقول في الجملة: إن الله تعالى لم يزل متكلماً، ولو ورد الخبر بأنه سكت لقلنا به، ولكنا نقول: إنه متكلم كيف شاء بلا كيف ولا تشبيه.
следующие страницы →