أمتثالا لأمر رب العالمين: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة ٦٧] . وروى عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: ((هل من رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشاً منعونى أن أبلغ كلام ربي)) . وقال : ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ، وكلام الله تعالى هو القرآن الشريف غير مخلوق كيفما قرئ وتلى وكتب، وكيفما تفرقت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ وحفظ حافظ.
هو كلام الله تعالى وصفه من صفات ذاته، غير محدث، ولا مبدل، ولا مغير، ولا مؤلف، ولا منقوص، ولا مصنوع، ولا مزاد فيه. منه بدأ تنزيله، وإليه يعود حكمه، كما قال النبي ﷺ في حديث عثمان بن عفان ﵁: ((إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه)) .
وذلك أن القرآن الشريف منه ﵎ خرج، وإليه يعود حكمه، فمعناه أن تنزيله وظهوره منه ، وإليه يعود حكمه الذى هو العبادات من أداء الأوامر وأنتهاء النواهى، لأجله تفعل وتترك، فالأحكام عائدة إليه . وقيل: منه بدأ حكماً وإليه يعود علماً.
هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في اكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان حيثما رؤى ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظى بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط، ولا يؤاكل، ولا يناكح، ولا يجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح
стр. 352
ولا يته في نكاح وليه، ولا يصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثاُ كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل.
سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عمن قال: لفظى بالقرآن مخلوق؟ فقال: كفر.
وقال رحمه الله تعالى: فمن قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق والتلاوة مخلوقة كفر. وروى عن أبي الدرداء ﵁ أنه سئل النبي ﷺ عن القرآن فقال ((كلام الله غير مخلوق)) . وروى عن عبد الله ابن عبد الغفار - وكان مولى لرسول الله ﷺ عتاقة - عن النبي ﷺ قال: ((إذا ذكر الله (١) فقولوا كلام الله غير مخلوق فمن قال مخلوق فهو كافر)) . وقال الله : ﴿ألا له الخلق والآمر﴾ [الأعراف ٥٤] ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره الذى هو ((كن)) الذى به يخلق الخلق مخلوقاً له كان ذلك تكراراً وعيباً لا فائدة فيه، كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، والله تعالى منزه عن ذلك. وعن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما فسروا قوله : ﴿قرآنا عربياً غير ذى عوج﴾ [الزمر ٢٨] أنه غير مخلوق.
وقد هدد الله تعالى الوليد بن المغيرة المخزومي حين سمى القرآن قول البشر ((بسقر)) فقال: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر. وإن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر﴾ فكل من قال: القرآن عبارة أو مخلوق أو لفظي بالقرآن مخلوق فله سقر، كما قال للوليد إلا أن يتوب. وقال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ولم يقل حتى يسمع كلامك يا محمد. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر ١] .
стр. 353
يعنى القرآن الذى هو في الصدور. وقال الله : ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف ٢٠٤] . وقال تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لقرأه على الناس على مكث﴾ [النساء ١٠٦] والناس إنما سمعوا قراءة النبي ﷺ ولفظه، فلفظه بالقرآن هو القرآن. ومدح الله الجن الذين سمعوا قراءة النبي ﷺ فقالوا: ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد﴾ [الجن ١] الآية. وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف ٣٩] وسمى الله تعالى قراءة جبريل ﵇ للقرآن قرآنا فقال جل وعلا: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة ١٦] وقال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل ٢٠] وأجمع المسلمون على أن من قرأ فاتحة الكتاب في صلاة أنه قارئ كتاب الله تعالى، وأن من حلف ألا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث، فدل على أنه ليس بعبارة، قال النبي ﷺ في حديث معاوية بن الحكم ﵁: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين، وإنما هي القرآن والتسبيح، التهليل وتلاوة القرآن)) فأخبر أن تلاوة القرآن هي القرآن، فعلم بذلك أن التلاوة هي المتلو، والله تعالى ورسوله ﷺ أمر المؤمنين بالقراءة في الصلاة ونهيا عن الكلام، فلو كانت قراءتنا كلامنا لا كلام الله تعالى لكنا مرتكبين للنهى في الصلاة.
فصل
ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة ، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس والساكت متكلماً ناطقاً، وكلام الله لا ينفك عن ذلك فمن ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته. قال الله : ﴿آلم ذلك الكتاب. حم. طسم. تلك آيات الكتاب﴾ فقد ذكر حروفاً وكنى
стр. 354
عنها بالكتاب: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] فأثبت لنفسه كلمات متعددة غير متناهية الأعداد. وكذلك ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي﴾ [الكهف ١٠٩] وقال النبي ﷺ : ((أقرءوا القرآن تؤجرون عليه بكل حرف عشر حسنات، أما إنى لا أقول ألم حرف ولكن الألف عشر واللام عشر والميم عشر فذلك ثلاثون)) وقال النبي ﷺ : ((أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف)) وقال تعالى في حق موسى ﵇: ﴿وإذ نادى ربك موسى - وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم ٥٢] وقال تعالى: لموسى ﵇: ﴿إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدنى﴾ [طه ١٤] كل هذا لا يكون إلا صوتاً، ولا يجوز أن يكون هذا النداء وهذا الاسم والصفة إلا لله دون غيره من الملائكة وسائر المخلوقات. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا كان يوم القيامة يأتى الله في ظلل من الغمام فيتكلم بكلام طلق ذلق فيقول وهو أصدق القائلين: أنصتوا فطالما أنصت لكم منذ خلقتكم أرى أعمالكم وأسمع أقوالكم، فإنما هي صحائفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) .
وروى البخارى في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن أنيس ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان)) .
وروى عبد الرحمن بن محمد المحاربى عن الأعمش عن مسلم بن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع صوته
стр. 355
أهل السماء فيخرون سجداً حتى إذا فزع عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق قال كذا وكذا. يعنى ذكر الوحي. وعن عبد الله بن الحرث عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ((إن الله ﵎ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتاً كصوت الحديد إذا وقع على الصفا فيخرون له سجداً، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير)) .
قال محمد بن كعب: قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: بم شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوت ربي الرعد حين لا يرتجع.
وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوت. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصون في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية، من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل، والله سبحانه لم يزل متكلماً وقد احاط كلامه بجميع معانى الأمر والنهى والاستخبار.
وقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: كلام الله تعالى متواصل لا سكوت فيه ولا صمت. وقيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: هل يجوز أن نقول إن الله تعالى متكلما ويجوز عليه السكوت؟ فقال رحمه الله تعالى: نقول في الجملة: إن الله تعالى لم يزل متكلماً، ولو ورد الخبر بأنه سكت لقلنا به، ولكنا نقول: إنه متكلم كيف شاء بلا كيف ولا تشبيه.
стр. 356
فصل: [حروف المعجم أمخلوقة هي أو قديمة ؟]
وكذلك حروف المعجم غير مخلوقة، سواء كان ذلك في كلام الله تعالى أو في كلام الآدميين، وقد أدعى قوم من أهل السنة انها قديمة في القرآن الشريف محدثة في غيره. وهذا خطأ منهم، بل القول السديد هو الأول من مذهب أهل السن بلا فرق، لقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس ٧٢] وهي حرفان، فلو كانت ((كن)) مخلوقة لا حتاجت إلى ((كن)) أخرى تحلق بها إلى ما لا نهاية له، وقد تقدمت أدلة كثيرة من الآيات فلا نعيدها.
وأما من السنة فما روى عن النبي ﷺ أنه قال لعثمان بن عفان لما سئل عن اب ت ث إلى آخر الحروف فقال: ((الألف من اسم الله الباعث (١) والوارث)) حتى أتى إلى آخرها فذكر أنها كلمة من اسماء الله تعالى وصفاته، وأسماؤه غير مخلوقة. وقال النبي ﷺ في حديث على كرم الله وجهه لما سأله عن معنى أبجد هوز حصى إلى آخرها: ((يا على، ألا تعرف تفسير أبي جاد؟ الألف من اسم الله الذى هو الله، والباء من اسم الله الذى هو البارى، والجيم من أسم الله الذى هو الجليل ... ..)) إلى آخرها. فذكر النبي ﷺ أنها من أسماء الله تعالى وهي في كلام الآدميين.
وقد نص احمد بن حنبل رحمه الله تعالى على قدوم حروف الهجاء، فقال في رسالته إلى أهل نيسابور وجرجان: ومن قال إن حروف التهجى محدثة فهو
стр. 357
كافر باله ، ومتى حكم ذلك مخلوق فقد جعل القرآن مخلوقاً، ولما قيل له رحمه الله تعالى: إن فلاناً (١) يقول: إن الله تعالى لما خلق الحروف أنضجعت اللام وانتصبت الألف: لا أسجد حتى أؤمر، فقال أحمد: هذا كفر من قائله.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا نقول بحدوث الحروف، فإن اليهود ما هلكت بهذا، ومن قال بحدوث حرف من الحروف فقد قال بحدوث القرآن، ولأنه لا يخلو إما أن يقال: هي قديمة في القرآن فوجب أن تكون قديمة في غيره، لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد قديماً وهو بعينه محدث. فإن ذلك في القرآن فكذلك في غيره. فإن قالوا: فهذا يفضى إلى جميع الكلام أن يكون قديماً قيل يلزم القرآن لما لم يقل ذلك فيه كذلك في حروف الهجاء (٢) أهـ بحروفه.
وقال الشيخ محمد صفى الدين البخارى نزيل نابلس المتوفى سنة ألف ومائة وتسع وتسعين في كتابه ما نصه: ذكر ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في مسألألة الحروف والصوت - حدث أبو طالب قال: جاءنى في كتاب من طرطوس أن سريا السقطي قال: لما خلق الله تعالى الحروف سجدت إلا الألف فإنها قالت: لا أسجد حتى أؤمر، فقال: هذا كفر. قلت: هذا إسناد صحيح. وقال صالح ابن الإمام أحمد، سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كفر. وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية تأليفه: سالت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله تعالى موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى، تكلم جل ثناؤه بصوت، هذه الأحاديث نرويها
стр. 358
كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود: ((إذا تكلم الله تعالى سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان)) قال: وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس. ثم قال: حدثنا المحاربى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: ((إذا تكلم الله ﵎ بالوحي سمع صوته أهل السمع فيخرون سجداً)) . قلت: قوله هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، أى لا نتصرف فيها بتأويل ولا تشبيه، ونؤمن بأن الصوت صفة من صفات ذاته لا تشبه صفات المخلوقين. أهـ.
وقال العلامة عبد الرحمن بن الجوزى في كتابه ((تلبيس إبليس)) ما نصه: الطريق السليم من تلبيس إبليس ما كان عليه النبي ﷺ وتابعوه بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وصفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال على كرم الله وجهه: ما حكمت مخلوقاً إنما حكمت القرآن وإنه للمسموع، لقوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] وأنه في المصاحف لقوله : ﴿في رق منشور﴾ [الطور ٣] ولا نتعدى مضمون الآيات ولا نتكلم في ذلك برأينا.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينهى أن يقول الرجل: لفظى بالقرآن مخلوق، لئلا يخرج عن الأتباع للسلف إلى حدث. وعن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقول (١) : من قال: القرآن مخلوق فهو كافر: وقال عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الصبى في الكتاب والأعرابي، واله عما سواهما أهـ. باختصار.
стр. 359
وقال أبو محمد على بن حزم الظاهرى المتوفى سنة ٤٥٦ رداً على الأشعرية في كتابه ((الملل والنحل)) ما نصه: وقالوا كلهم: إن شاء الله تعالى له إلا كلام واحد، وليس كلمات متكثرة. قال أبو محمد: وهذا كفر مجرد لتكذيبهم الله في قوله: ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً﴾ [الكهف ١٠٩] وفي قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] ومع هذا، فقولهم: ليس لله إلا كلام واحد أسخف قول سمع، لأنه لا يعقل، ولا يفهم، ولا جاء به نص ولا قام به دليل، ولا يتشكل في هاجس! وإنما هو هذيان محض.
ويقال لهم: لا يخلو القرآن عندكم من انه كلام الله ، أو ليس هو كلام الله تعالى؟ ! فإن قالوا: ليس هو كلام الله كفروا من قرب، وكفوا الناس مئونتهم. وإن قالوا: بل هو كلام الله قلنا لهم: فالقرآن بلا شك مائة سورة وأربع عشرة سورة، فيها ستة آلاف آية ونيف، كل سورة منها اهل الإسلام غير الأخرى، وكل آية غير الأخرى، فكيف يقول هؤلاء النوكى: إنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد؟ ما هذا إلا من الكفر البارد، والقحة السمجة. ونعوذ بالله تعالى من الضلال! وقالوا كلهم: إن القرآن لم ينزل به جبريل على قلب محمد رسول الله ﷺ ، وإنما نزل بشئ آخر وهو العبارة عن القرآن، والقرآن ليس هو ألبته عندنا إلا على المجاز، وإن الذى نرى في المصاحف، ونسمع من القراء، ونقرأ في الصلاة، ويحفظ في الصدور ليس هو القرآن، ولا هو كلام الله ، بل هو شئ آخر، وإن كلام الله لم يفارق ذات الله تعالى.
стр. 360
قال أبو محمد: وهذا من أعظم الكفر، لأنه تكذيب لله في قوله سبحانه: ﴿نزل الروح الأمين. على قلبك﴾ [الشعراء ١٩٤] وقال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور اللذين أتوا العلم﴾ [العنكبوت ٤٩] وقد قال ﷺ : ((أقرءوا القرآن)) وقال ﷺ : ((إنى أحب أن أسمعه من غيري)) يعنى القرآن. وقال رسول الله ﷺ :
((الذي يقرأ القرآن مع السفرة)) ونهى ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض الحرب. مع إجماع عامة المسلمين وخاصتهم وجاهلهم وعالمهم على القول: حفظ فلان القرآن إلى آخر قل أعوذ برب الناس.
وقال السمنانى نصاً: إن الباقلانى وشيوخه قالوا: إن النبي ﷺ إنما أطلق القول بأن ما أنزل الله تعالى عليه هو القرآن وهو كلام الله ، إنما هو معنى أنه عبارة عن كلام الله تعالى، وأنه بفهم به أمره تعالى ونهيه فقط. وقال أبو محمد: ونقول لهم: أخبرنا عن قولكم: إن الذي في المصحف والقراءة المسموعة في المحاريب، كل ذلك إنما هو عبارة عن القرآن ماذا تعنون بذلك؟ وهل هو منكم إلا تمويه ضعيف؟ وهل كل ما في المصحف عبارة إلا عن معانيه التى ارادها الله في شرع دينه من الإيمان، والصلاة والصيام، وغير ذلك، وأخبار الأمم السالفة، وصفة الجنة والنار والبعث وغيرها، مما لا يختلف من أهل الإسلام أحد في أن المعبر عن بذلك الكلام ليس هو كلام الله تعالى! ، لأن ذات الجنة وذات النار وحركات المصلى، وعمل الحاج، وعمل الصائم، أجساد عاد، وأشخاص ثمود ليس شئ من ذلك كلام الله ولا قرآنا! فثبت أن ليس
стр. 361
القرآن ولا كلام الله تعالى إلا العبارة المسموعة، والخط المكتوب في المصحف بلا شك، إذ لم يبق غير ذلك، أو الكفر، أو تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله ﷺ في أن القرآن أنزل علينا وإلينا، وأنا نسمع كلام الله تعالى، فأوهمتم أهل الضعف أن الذى هو عند جميع أهل الإسلام كلام الله تعالى، القرآن ليس هو القرآن ولا كلام الله تعالى، ثم أوهمتموهم باستخفافكم أن حركات المصلى وذات النار والجنة هي كلام الله تعالى وهي القرآن! فهل في الضلال والسخرية بضعفة المسلمين، والهزء بآيات الله تعالى أكثر من هذا! ولقد أخبرني على بن حمزة المرادى لصقلي الصوفي: أنه رأى بعض الأشعرية ينطح (١) المصحف برجله قال: فأكبرت ذلك، وقلت له. ويحك؟ تفعل هذا الفعل بالمصحف، وفيه كلام الله ! فقال لي: ويلك! والله ما فيه إلا السخام والسواد، وأما كلام الله تعالى فلا. أو كلاما هذا معناه.
قال أبو محمد: وكتب لي أبو المرجا على بن زوار المصرى رحمه الله تعالى: أن بعض ثقات إخوانه من طلاب السنن أخبره أن رجلاً من الأشعرية قال له مشافهة على من يقول إن الله تعالى قال ﴿قل هو الله أحد. الله الصمد﴾ - ألف لعنة. قال أبو محمد: بل على من ينكر أن الله تعالى قالها - ألف ألف لعنة، وعلى من ينكر أنه سمع كلام الله ويقرأ كلام الله ألف ألف لعنة تترى عليه من عند الله ، ثم من ملائكته وأنبيائه وجميع الصالحين من الإنس والجن.
فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله ، ومخالفة القرآن وتكذيب رسول الله ﷺ ، ومضادة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة! .
стр. 362
قال أبو محمد: وقالت الأشعرية كلها: إن الله تعالى لم يزل قائلاً لكل ما خلق أو يخلق في المستأنف ((كن كن)) إلا أن الأشياء لم تكن إلا حين كونها، صرح الأشعرى بذلك في كتابه المبتذل عند أصحابه الموسوم بالشرح والتفصيل، فقال فيه: إنه لم يزل قائلاً لنوح ﵇ ولغيره كل ما أخبر أنه قاله أو أنه يقوله.
قال أبو محمد: وهذا تكذيب منهم لله مكشوف: إذ يقول : ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس ٧٢] فبين أنه لا يقول لشئ كن إلا إذا أراد تكوينه، وأنه تعالى إذا قال: كن، كان الشئ في الوقت بلا مهلة، ولا زمان بينهما، يعنى بين قوله وبين كونه المقول له كن، لأن هذا هو مقتضى الفاء في اللغة التى بها نزل القرآن. فجمعوا إلى تكذيب الله في خبريه جميعاً إيجاب أزلية العالم، لأن الله تعالى إذا كان لم يزل قائلاً لكل ما يكون كن، فالتكوين لم يزل. وهذه دهرية محضة أهـ كلام ابن حزم الظاهرى الأندلسي، وبقى ما لا تطاوعني على قله نفسي، بل لا يكاد إلى آخر الدهر يجرى به نِقْسى (١) ، وهو بالنسبة إلى مقام الأشعرية الرفيع الجناب، كطنين ذباب، أ, كصرير باب. وإنما نقلته لك لتزداد إطلاعاً على أختلاف العلماء في مسألة الكلام، وتعلم أنها كم زلت فيها أقدام أقوام، وان الأشعرية طائفتان كما تقدم، فاستمسك بالأثرية منهما، مقل: اللهم علمنا ما لم نعلم فهو الموفق للمذهب الأسلم، والسلام.
فصل
[البيهقي يستدل لكون القرآن غير مخلوق]
ولنذكر بعض ما ذكره الإمام الحافظ ابو بكر أحمد الشافعي البيهقى في
стр. 363
كتاب الصفات فإنه قال فيه: (باب ما جاء في إثبات صفة الكلام، وأ، هـ غير مخلوق) قال الله : ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً﴾ [الكهف ١٠٩] . وقال تعالى: ﴿لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] وقال عز من قال: ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ولم يقل حتى يرى خلق الله، ونظائرها كثيرة. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة)) رواه البخارى في الصحيح. وروى مسلم في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ((اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى)) وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ((أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة - ثم يقول - كان أبوكم إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحق)) وعن على ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول عند مضجعه: ((اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من كل شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم إنك تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك)) فاستعاذ ﷺ في هذا الخبر بكلمات الله كما استعاذ بوجهه الكريم. فكما أن وجهه الذي أستعاذ به غير مخلوق، فكذلك كلمات الله تعالى التى أستعاذ بها غير مخلوقة،
стр. 364
وكلام (١) الله تعالى واحد، وإنما جاء بلفظ الجمع على معنى التعظيم، وإنما سماها تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه سبحانه عيب أو نقص، كما يكون ذلك في كلام الآدميين.
وبلغني عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق قال: وذلك لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص. وقال ﵊ من حديث: ((فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) .
باب
[القول والكلام يتواردان على معنى واحد]
(ما جاء في إثبات صفة القول، وهو والكلام عبارتان عن معنى واحد) قال الله تعالى: ﴿ولكن حق القول منى﴾ [السجدة ١٣] وقال تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ [يس ٧] وقال تعالى ﴿من أصدق من الله قيلا﴾ [النساء ١٢٢] وقال سبحانه ﴿من أصدق من الله حديثاً﴾ [النساء ٨٧] وقال تعالى ﴿فالحق والحق أقول﴾ [ص ٨٤] فأثبت الله جل ثناؤه لنفسه صفة القول في هذه الآيات. وقال ﵊: ((خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) وفي حديث الإسراء ((باب، إن أمتى ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وابصارهم فخفف عنا. فقال: إنى لا يبدل القول لدى. هي كما كتبت عليك في أم الكتاب ولك بكل حسنة عشر أمثالها هي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك)) أخرجاه في الصحيح.
стр. 365
باب
[ما جاء في إثباته صفة التكليم والتكلم والقول سوى ما مضى]
قال الله جل ثناؤه: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء ١٦٤] فوصف نفسه بالتكلم ووكده بالتكرار فقال ﴿تكليماً﴾ . وقال عز من قائل: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف ١٤٣] . وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ [البقرة ٢٥٣] وذكر في غير آية من كتابه ما كلم به موسى ﵇ فقال: ﴿يا موسى أنى انا ربك فأخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى. وأنا أخترتك فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدنى﴾ [طه ١٢ - ١٤] .
فهذا كلام سمعه ﵇ من ربه بإسماع الحق إياه بلا ترجمان كان بينه وبينه، دله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته، وأمره بعبادته وإقامة الصلاة لذكره، وأخبر أنه أصطنعه لنفسه.
وروى البخارى في الصحيح قال رسول الله ﷺ : ((أحتج آدم وموسى فقال له أنت آدم الذى أخرجت ذريتم من الجنة. فقال له آدم أنت موسى الذى أصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه تلومنى على أمر قد قدر قبل أن أخلق، فحج آدم موسى)) .
وروى في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ((يجمع المؤمنون يومئذ فيهيمون لذلك اليوم ويقولون: لو استشفعنا على ربنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون له: يا آدم، أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شئ فاشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته، التى أصاب، ولكن أئتوا نوحاً أول رسول بعثه الله إلى الأرض. فيأتون نوحاٌ فيقول: لهم لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التى أصاب، ولكن أئتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطاياه التى أصاب، ولكن أئتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلمه تكليماً. فيأتون موسى فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته
стр. 366
التى اصاب، ولكن أئتوا عيسى رسول الله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى فيقول لهم: لست هناكم، ولكن أئتوا محمداً عبداً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال رسول الله ﷺ : فيأتون، فأنطلق معهم فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعنى ما شاء الله أن يدعنى، ثم يقول لي: يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، فأحد لهم حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرفع الثانية فأستأذن على ربي فيؤذن لى، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً فيدعنى ما شاء الله أن يدعنى، ثم يقول لى: يا محمد، أرفع رأسك سل تعط، وأشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أحد ثانياً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع الثالثة فاستأذن على ربي فيؤذن لى، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعنى ما شاء الله أن يدعنى، ثم يقول: يا محمد، أرفع راسك سل تعط واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أحد لهم حداً فأدخلهم الجنة حتى ارجع فاقول: يارب، ما بقي في النار إلا من وجب عليه الخلود أو حبسه القرآن)) .
وفي هذا أن موسى ﵇ مخصوص أن الله كلمه تكليماً، ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية. وقوله في عيسى ﵇ ((إنه كلمته)) فإنما يريد أن يكلمه الله تعالى صار مكوناً من غير أب.
стр. 367
باب
[كيف يكلم الله البشر ؟]
﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى ٥١] .
قال بعض أهل التفسير: فالوحي الأول ما أرى الله سبحانه الأنبياء ﵈ في منامهم، كما أمر إبراهيم عليه لسلام في منامه بذبح أبنه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال غير واحد من أهل التفسير: رؤيا الأنبياء وحي، لقول ابن إبراهيم الذى أمر بذبحه: أفعل ما تؤمر.
وأما الكلام من وراء حجاب فهو كلام الله موسى ﵇ من وراء حجاب، والحجاب المذكور في هذا الموضع وغيره يرجع إلى الخلق دون الخالق.
وأما الكلام بالرسالة فهو إرسال الروح الأمين بالرسالة إلى من شاء من عباده، قال الله : ﴿إنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء ١٩٣] .
وقد ذهب الزهرى رحمه الله تعالى في تقسيم الوحى إلى زيادة بيان، وذلك فيما روى يونس بن زيد قال: سمعت الزهرى سئل عن قول الله : ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً﴾ [الشورى ٥١] الآية. قال: نزلت هذه الآية من أوحى الله إليه من النبيين، فالكلام كلام الله الذى كلم به موسى من وراء حجاب، والوحى ما يوحى الله تعالى به إلى النبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراه من وحيه في قلب النبي فيتكلم به النبي ﵇ ويبينه، وهو كلام الله ووحيه.
ومنه ما يكون بين الله تعالى ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحداً
стр. 368
من الناس، ولكنه سر غيب بين الله تعالى ورسله.
ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابة ولكنهم يحدثون به الناس حديثاً، ويبينون بهم أن الله أمرهم أن يبينوا للناس، ويبلغوهم من الوحى ما يرسل به إليه فيوحون وحياً في قلوب من يشاء من رسله.
وقد بين الله وجل لنا في كتابه أنه يرسل جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ ، فقال الله في كتابه: ﴿من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين﴾ [البقرة ١٧] وذكر أنه الروح الأمين فقال: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين، على قلبك﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤] الآية - فذهب في الوحي الأول إلى أنه ما يوحى الله به إلى النبي ﵇ فيثبت ما أراد من وحيه في قلبه فيتكلم به النبي ﷺ ، وهذا يجمع حال اليقظة والنوم.
وذهب فيما يوحى الله إلى النبي بإرسال الملك إليه إلى أنه يكون على نوعين: أحدهما - أن ياتيه الملك فيكلمه بأمر الله تكليماً، والآخر أن يأتيه فيلقى في روحه (١) ما أمر الله ، وكذلك بين في الأخار.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن الحرث بن هشام سأل النبي ﷺ ، كيف يأتيك الوحي؟ قال: ((كل ذلك يأتى الملك أحياناً في مثل صلصلة الجرس فيصم عنى وقد وعيت ما قال وهو أشده على، ويتمثل في مثل الملك أحياناً رجلاً فليكلمنى فأعى ما يقول)) رواه البخارى في الصحيح.
وروى المطلب بن حنطب أن رسول الله ﷺ قال: ((ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت
стр. 369
شيئاً مما نهاكم الله تعالى عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد ألقى في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها فأجملوا في الطلب)) .
باب
[إسماع الرب ملائكته]
ما جاء في إسماع الرب بعض ملائكته كلامه الذى لم ينزل به موصوفاً ولا يزال به موصوفاً، وتنزيل الملك به إلى من أرسله إليه، وما يكون في أهل السماوات من الفزع عند ذلك.
قال الله : ﴿حتى إذا فزع (١) عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ ٢٣] قال سفيان بن عيينة: قال أبو هريرة ﵁: إن النبي ﷺ قال: ((إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا للذى قالوا (٢) الحق وهو العلى الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، هكذا بعضهم فوق بعض - وصف سفيان بعضها فوق بعض قال - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا الكلمة التى سمعت من السماء فيصدق بتلك الكلمة التى سمعت من السماء)) رواه البخاري.
وروى رجاء بن حيوة بسنده أن يوحى بأمره وكلم الوحي فإذا تكلم أخذت السماوات رجفة، أو قال رعدة شديدة - خوفاً من الله ، فإذا
стр. 370
سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله تعالى سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇ فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضى جبريل ﵇ على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فينتهى جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله من السماء والأرض)) .
وروى البخاري في الصحيح: أن النبي ﷺ قال ((يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)) .
وروى خليفة بن عدى قال: كنت عند رسول اله ﷺ فجاءه رجلان أحدهما يشكو العليلة، والآخر يشكو قطه السبيل، قال فقال: ((لا يأتى عليك إلا قليل حتى تخرج المرأة من الحيرة إلى مكة بغير خفير، ولا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم بصدقته فلا يجد من يقبلها منه، ثم ليفيض المال، ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ولا ترجمان فيترجم له، فيقول: ألم أوتك مالاً فيقول: بلى، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، وينظر عن يساره فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة)) رواه البخاري عن عبد الله عن أبي عاصم.
ثم قال الشيخ الإمام أحمد - يعنى البيهقي -: والكلام هو نطق نفس المتكلم، بدليل ما رويناه عن أمير المؤمنين عمر في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر ﵁ يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلاماً قد أعجبني.
وفي رواية أخرى: وكنت زورت مقالة أعجبتنى، فسمى تزويره الكلام في نفسه كلاماً قبل التلفظ به. ثم إن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات. وإن كان المتكلم غير ذى مخارج سمع كلامه
стр. 371
غير ذى حروف وأصوات، فالبارئ جل ثناؤه ليس بذى مخارج فكلامه ليس بحروف ولا أصوات، فإذا نحن تلوناه تلوناه بحروف وأصوات.
وقد أخبرنا أبو عبد الحافظ قال: أخبرنا أبو العباس المحمود قال: حدثنا شعبة بن مسعود قال: حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا همام بن يحيى عن عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ في حديث الظالم قال: ((يحشر الله العباد - أو قال الناس - عراة غر لا بهما ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان)) . وهذا حديث ينفرد به القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل، وابن عقيل والقاسم لم يحتج بهما الشيخان أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى، ولم يخرجا هذا الحديث في الصحيح بإسناده، وإنما أشار البخاري إليه في ترجمة الباب.
واختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه.
ولم تثبت (١) صفة الصوت في كلام الله تعالى في حديث صحيح عن النبي ﷺ غير حديثه، فليس بنا ضرورة إلى إثباته.
وقد يجوز أن يكون الصوت إن كان ثابتاً راجعاً إلى غيره، كما رويناه عن ابن عبد الله بن مسعود موقوفاً ومرفوعاً: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاة)) وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان)) ففي هذين الحدثين الصحيحين دلالة على أنهم يسمعون عند الوحي صوتاً لكن للسماء ولأجنحة الملائكة، تعالى الله عن شبه المخلوقين علواً كبيراً!
стр. 372
وأما الحديث الذى ذكره البخارى عن عمر بن حفص أن النبي ﷺ قال: ((يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ... ..)) فهذا لفظ ينفرد به ابن حفص. أو معناه: ينادى آدم ملك بصوت.
وأما الحديث الذى روى عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال ((لما كلم الله موسى يوم الطور قال له موسى: يارب، هذا كلامك الذى كلمتنى به يوم ناديتنى؟ فقال: يا موسى لا، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولى قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك)) فلما رجع موسى إلى بنى إسرائيل قالوا له: يا موسى صف لنا كلام الرحمن؟ قال: قال: سبحان الله! من يطيق! قالوا: فشبهه لنا، قال: ألم تروا إلى أصوات الصواعق حين تقبل في أحلى حلاوة سمعتموه، فإنه قريب منه وليس به - فبعض رواته ضعيف الحديث. أنتهى ثم ذكر ما يقرب منه، ثم ضعف لبعض وأول الباقي.
وأنت تعلم أن الأحاديث التى فيها إثبات الصوت تزيد على أربعين حديثاً، أخرج غالبها الإمام أحمد واحتج به، وكذا غيره من أئمة الحديث، كما حكاه الكوراني والسفاريني وغيرهما عن جمع السلف كما سيأتى.
ثم قال الإمام البيهقي: والذي يدل على أ، كلام الله تعالى لم يزل ولا يزل وأنه لا يقال في كلامه إنه لم يكن ثم كان، أو كان ثم انقضى، فإنه لا يشبه كلامه كلام المخلوقين - أنه جل ثناؤه يقول لكل ما يريد إحداثه ((كن)) يعنى كن موجوداً فيكون، ولكل ما يريد فناءه ((كن)) يعنى فانياً فيفنى، وبقول لمن قرأ الفاتحة فقال: الحمد لله رب العالمين: حمدني عبدى، ولمن قال: الرحمن الرحيم: أثنى على عبدى، ولمن قال: مالك يوم الدين: مجدنى عبدى، ولمن قال إياك نعبد وإياك نستعين: هذه الآية بينى وبين عبدى، ولمن قال
стр. 373
أهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها: هذه لعبدى ولعبدى ما سال، ويقول لمن أصاب ذنباً فقال: يا رب قد أذنبت ذنباً فاغفره لي: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدى.
وروينا في الأبواب قبل هذا ما يقول الله لملائكته وعباده لكل منهم في وقت واحد: كن، ولآخر: كن، ولواحد: حمدنى، ولآخر: أثنى على - وربنا ثناؤه يقول جميع ذلك في وقت واحد، ويحاسب الخلق أجمعين يوم القيامة، لا تشغله محاسبة واحد عن الآخر.
دل على أن كلامه ليس بحروف ولا أصوات، وأنه لا يقال في كلامه إنه لم يكن ثم كان، ولا كان ثم انقضى، ثم يقال في كلام المخلوقين، وأن كلامه صفة قائمة بذاته تعالى لم يزل، غير أن تعلقه بالمعلوم يكون وقت وجوده. وبالله التوفيق، والله أعلم. أنتهى فتدبره.
وقال أيضاً:
باب
[ما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين رضي الله تعالى عنهم
في أن القرآن كلام الله غير مخلوق]
عن ابن عباس في قوله : ﴿قرآنا عربياً غير ذي عوج﴾ [الزمر ٢٨] قال: غير مخلوق.
وعن عكرمة قال: حمل ابن عباس جنازة فلما وضع الميت في قبره قال له الرجل: اللهم رب القرآن اغفر له. فقال ابن عباس: مه! لا تقل مثل هذا، منه بدأ وإليه يعود.
قلت: قول ((منه بدأ)) معناه منه سمع، وبتعليمه تعلم، وبتفهيمه فهم.
стр. 374
وقوله: ((إليه يعود)) فمعناه وإليه تلاوتنا لكلامه، وقيامنا بحقه. وقيل: معناه هو الذي تكلم به، وهو الذى أمر به فيه ونهى عما خطر فيه، وإليه يعود، وهو الذي يسألك عما امرك به، ونهاك عنه.
وقال أبو الفرج بن يزيد الكلاعى: قالوا لعلى كرم الله تعالى وجهه: حكمت كافراً ومنافقاً فقال: ما حكمت مخلوقاً! ما حكمت إلا القرآن. وعن موسى بن الربيع قال: سألت جعفر بن محمد ﵁ عن القرآن؟ فقال: كلام الله قلت: فمخلوق؟ قال: لا. قلت: فما القول فيمن زعمر أنه مخلوق؟ قال: يقتل ولا يستتاب. وقال مالك ابن أنس: من يقول القرآن مخلوق هو عندي كافر فأقتلوه.
وقال عبد الرحمن بن مهدى وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق فقال: إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش أستوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى، وقال الله : ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء ١٦٤] وارادوا أن ينفوا أن القرآن كلام الله، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
وقال وكيع: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر بالله العظيم.
وقال أبو يوسف القاضي: كلمت أبا حنيفة سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
وقال الربيع: لما كلم الشافعي حفص الفرد فقال حفص: القرآن مخلوق. قال له الشافعي: كفرت باله العظيم.
وقال الربيع: سمعت البويطى يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، قال الله : ﴿إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾
стр. 375
[النحل ٤٩] فأخبرنا الله تعالى أنه يخلق الخلق ((بكن)) فمن زعم أن ((كن)) مخلوق فقد زعم أن الله ﷻ يخلق الخلق بخلق.
وقال البخاري: حدثوني عن وكيع أنه قال: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون الله التعطيل.
وقال الإمام البيهقي: قلت وقد روينا نحو هذا عن جماعة من فقهاء الأمصار وعلماؤهم، ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن احد من الناس في زمان الصحابة والتابعين ﵄ أجمعين. واول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم، فأنكره عليه خالد بن عبد الله القسرى وقتله وقد خطبهم في يوم أضحى بواسط فقال: ارجعوا أيها الناس فضحوا، تقبل الله منكم، فإنى مضح بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم. قال: ثم نزل فذبحه قال أبو رجاء: وكان يأخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم، رواه البخاري في كتاب التاريخ.
باب
[الفرق بين التلاوة والمتلو]
قال الله : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر ١٧] وقال: ﴿والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور﴾ [الطور ١ - ٣] وقال: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت ٤٩] وقال: ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] فالقرآن الذي نتلوه هو كلام الله ، وهو متلو بألسنتنا على الحقيقة، و\مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في صدرونا، مسموع في أسماعنا، عير حال في شئ منها، إذ هي من صفات غير بائنة منه، وهو كما أن
стр. 376
البارى سبحانه معلوم بقلوبنا / مذكور بألسنتنا، مكتوب في كتابنا، معبود في مساجدنا، مسموع بأسماعنا، غير حال في شئ منها وأما قراءنتا وكتابتنا وحفظنا فهو من أكسابه مخلوقة لا شك فيها.
قال الله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج ٧٧] وسمى رسول الله ﷺ تلاوة القرآن فعلاً في قوله ﵊ ((لا حسد إلا في أثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتى هذا لفعلت كما يفعل. ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتى هذا عملت مثل ما يعمل)) قال يحيى بن سعيد: مازلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة.
قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم، وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب المحفوظ في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق
وعن ابن عباس في قوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر ١٧] لولا أن يسره على لسان الآدميين ما أستطاع أحد أن يتكلم بكلام الله .
وقال ابن المبارك: لا أقول القرآن خالق، ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى ليس منه ببائن.
قال الشيخ البيهقى: قلت هذا هو مذهب السلف والخلف من أصحاب الحديث، أن القرأن كلام الله تعالى وهو صفة من صفات ذاته ليست ببائنة منه.
وإذا كان هذا الأصل مذهبهم في القرآن، فكيف يتوهم عليهم خلاف ما ذكرنا في تلاوتنا وكتابتنا وحفظنا، إلا أنهم في ذلك على طريقين: منهم من فصل بين التلاوة والمتلو كما فصلنا. ومنهم من أحب ترك الكلام فيه مع إنكار قول من زعم أن لفظى بالقرآن غير مخلوق.
стр. 377
ولصحة ذلك أنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: سمعت أبا بكر محمد بن إسحق يقول: سمعت ابا محمد فوران يقول: جاءني ابن شداد برقعة فيها مسائل وفيها: أن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فدفعتها إلى أبي بكر المروزى فقلت له: أذهب بها إلى بن عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - وأخبره أن ابن ابي شداد ههنا، وهذه الرقعة قد جاء بها، فما كرهت منها وأنكرته فاضرب عليه فجاءنى بالرقعة وقد ضرب على موضع ((لفظي بالقرآن غير مخلوق)) وكتب: ((القرآن)) حيث تصرف غير مخلوق.
ثم ذكر الإمام البيهقى أخرى مثلها، ثم قال: فهاتان الحكايتان تصرحان بأن أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ برئ مما خالف مذهب المحققين من أصحابنا، إلا أنه كان يستحب قلة الكلام في ذلك، وترك الخوض فيه مع إنكار ما خالف مذهب الجماعة.
وفي مثل ذلك ما روى عن ابن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سمعت أبي يقول: من قال لفظى بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو كافر.
قال البيهقي: قلت فهذا تقييد حفظه عنه ابنه عبد الله، وهو قول يريد به القرآن قد غفل عنه غيره. ومما رويناه أن أبا بكر أحمد بن إسحق الفقيه رحمه الله تعالى أملى اعتقاده واعتقاد رفقائه على أبي بكر عثمان، وعرضه على محمد بن إسحق بن خزيمة فاستصوبه محمد بن إسحق وارتضاه.
وكان فيما أملى من اعتقادهم: من زعم أن الله جل ذكره لم يتكلم إلا مرة، ولا يتكلم إلا ما تكلم به ثم انقضى كلامه، كفر بالله.
بل لم يزل الله متكلماً، ولا يزال متكلماً لا مثل لكلامه، لأنه صفة من صفات ذاته فنفى اله المثل عن كلامه، كما نفى المثل عن نفسه
стр. 378
ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه، سبحانه، فقال تعالى: ﴿كل شئ هالك إلا وجهه﴾ [القصص ٨٨] وقال: ﴿قل لو كان البحر مداداً﴾ [الكهف ١٠٩] الآية.
فكلام اله تعالى غير بائن عن الله، ليس هو دونه ولا غيره، ولا هو هو. بل ربنا عالماً، ولا يزال عالماً، ولم يزل متكلماً، ولا يزال متكلماً، فهو الموصوف بالصفات العلا، لم يزل بجميع صفاته التى هي صفاته واحداً، ولا يزال وهو اللطيف الخبير، أنتهى باختصار، وحذف أسانيده الغزار، وهو خلاصة ما ذكره في بحث الكلام فتدبره، وما قبله، فقلما تجده في كتب الأعلام.
ثم إني قد وقفت بعد تحرير هذا المقام على كتاب ((الجوائز والصلات في جمع الأسامي والصفات)) للسيد البدر أبى الخير الطيب الحسيني فوجدته مسك الختام، في بيان مسائل الصفات له ، فمن شاء الإحاطة بهذا فعليه بذلك.
[هل كان ابن تيمية دهرياً يقول بقدم العالم ؟]
قوله: (وإن العالم قديم النوع، ولم يزل مع الله تعالى مخلوقاً دائماً فجعله موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار) - أقول: قد نصب بعض العلماء هذا القول للشيخ محيى الدين ابن عربي عليه الرحمة، وذب عنه الشيخ الشعراني في ((الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية)) بما نصه: ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ ﵁ يقول بقدم العالم، وأنه دهرى الاعتقاد، وأن الأفلاك قديمة. وذلك من جملة ما افتراه على الشيخ فقد ذكر في عقيدته أول الفتوحات ما يكذب المفترى.
стр. 379
وقد بسط الشيخ الكلام على نفى قدم العالم وحدوثه، وقدم الصفات في الباب ((الثامن والخمسين وخمسمائة)) من الفتوحات فراجعه إن شئت.
وحاصله: أن العالم قديم في العلم الإلهي، من حيث كونه معلوم علم الله الذي لا افتتاح له، وأنه حادث في الظهور لعالم الشهادة. أنتهى باقتصار.
ونسبه الملا جلال الدواني للشيخ ابن تيميه في العرش وحاشاه من القول بذلك، بل هو قول مفترى، عامل الله تعالى من أفتراه بعدله. وكيف يتخيل عاقل، أو يظن جاهل فضلاً عن فاضل، وأن الشيخ ابن تيميه يقول ذلك ويسلك أخوف المسالك: وهذه ترجمته قد سطرتها المؤرخون، وسيره حررتها العلماء العاملون، وأعظم شاهداً تآليفه وعقائده المنشورات في الأنام، وتأييده للكتاب وسنة خير الأنام عليه افضل الصلاة والسلام. وله في العقائد كتب مبسوطة، وفي رد الفلاسفة والدهرية والمبتدعة تصنيفات مقبولة مغبوطة.
ولعمرى إن الشيخ ابن حجر هذا من غير تثبت واحتياط، ولا يقدر أن يصحح ما رواه عنه حتى يلج الجمل في سم الخياط.
وقد رأيت في كتاب ملخص من بعض كتبه ما نصه: قوله ﵊: ((كان الله ولا شئ معه، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ)) نفى وجود المخلوقات من السماوات والأرض وما فيهما لا ينفى وجود العرش.
ولهذا ذهب كثير من السلف إلى أن العرش متقدم على اللوح والقلم مستدلين بهذا الحديث، وحملوا قوله ﷺ : ((أول ما خلق الله تعالى القلم)) على هذا المذكور من الخلق في قوله ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود ٧] .
وهذا نظير حديث ابي رزين: ((أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال
стр. 380
كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء)) فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه العلماء. وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله تعالي: ﴿هل ينظرون إلى أن يأتيهم الله في ظل الغمام﴾ [البقرة ٢١٠] وفيه آثار معروفة. أنتهى.
وكتب الوالد عليه الرحمة على قول الداونى رحمه الله تعالى: وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول به في العرش إلى آخره ما نصه: حاشا لله تعالى أن يكون ذلك من تصانيفه! بل نسبته إليه كنسبة الرسالة التى فيها القول بإيمان فرعون ونجاته يوم القيامة إلى الشارح - يعنى الملأ جلال الدواني - فاحفظ ذلك. أنتهى.
وكتب أيضاً على هذه العبارة العلامة الشيخ إبراهيم الكوراني في حاشيته المسماه: ((مجلى المعاني)) على الشرح المذكور ما نصه: لم أقف على هذا التصنيف للشيخ ابن تيميه، ولكن الحافظ ابن حجر في فتح الباى قال في حديث البخارى الذى أسنده في باب ((وكان عرشه على الماء كان الله ولم يكن شئ قبله)) تقدم في بدء الخلق بلفظ ((ولك يكن شئ غيره)) وفي رواية الإسماعيلي في صحيحه ((كان الله قبل كل شئ)) وهو بمعنى كان الله ولا شئ معه. وهي أصرح في الرد على حوادث لا أول لها في رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية
ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التى في بدء الخلق لا العكس، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق. أنتهى كلام الكورانى. ثم بعد هذا برأه مما نسب إليه كما قدمناه في التراجم فعض بالنواخذ عليه.
(قلت) : ومن جملة ما يبرأ به الشيخ ابن تيميه عن القول بقدم العالم سواء كان القدم بالذات أم النوع - أنه قد صرح بكفر ابن سينا وأضرابه لقولهم بقدم العالم. وقال تلميذه المحقق في نونيته ما نصه: [كامل]
стр. 381
والله سابق كل شئ غيره ... ما ربنا والخلق مقترنان
والله كان وليس شئ غيره ... سبحانه جل العظيم الشأن
لسنا نقول كما يقول الملحد الزند ... يق صاحب منطق اليونان
بدوام هذا العالم المشهود وا ... لأرواح في أزل وليس بفانى
وقد قال غير واحد من العلماء: إن العالم محدث بإجماع أهل الملل، ولم يخالف فيه إلا الفلاسفة.
قال ابن ابي زرعه: ومنهم الفارابى وابن سينا قالوا: إنه قديم بمادته وصورته، وقيل قديم المادة محدث الصورة. وضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم، واستدلوا على ذلك بأدلة عقلية ونقلية، ومنها ما في صحيح البخاري عن عمران بن حصين. داء نفر من اليمن فقالوا: يا رسول الله، جئناك نتفقه في الدين ونسالك عن أول هذا الآمر؟ فقال ﵊: ((كان الله ولم يكن شئ قبله، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ، وخلق السماوات والأرض)) وفي لفظ ((ثم خلق السماوات والأرض)) أنتهى.
وقال الشيخ السفاريني عند شرح قوله: [الرجز]
وسائر الأشياء غير الذات ... وغير ما الأسماء والصفات
مخلوقة لربنا من العدم ... وضل من أثنى عليها بالقدم
وربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة ولا أضطرار
ما ملخصه: وقد اخبر سبحانه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
وقال ﷺ : ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)) قال شيخ
стр. 382
الإسلام ابن تيميه في الأجوبة الاسكندرية: قد أخبرت الكتب الإلهية أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فتلك الأيام ليست مقدرة بحركة الشمس والقمر، فإنه فيها خلق الشمس والقمر والأفلاك وسواء كانت بقدر هذه الأيام، أو كان كل يوم بقدر ألف سنة، وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون.
وقال في شرح الأصفهانية. أول من عرف منه القول بقدم العالم أرسطو وكان ضالاً مشركاً يعبد الأصنام - يعني المصورات في هياكلهم على صور الكواكب السيارة - وله في الهيئات كلام كله خطأ قد تعقبه في الرد عليه طوائف من المسلمين حتى الجهمية والمعتزلة، وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه قال: وأما الأساطين قبله فلم يكونوا يقولون بقدم صور الفلك، وإن كان لهم في المادة أقوال أخر، وليس لأرسطو ولغيره حجة واحدة تدل على قدم شئ من العالم أصلاً.
والحاصل - أن الله تعالى خالق لكل ما سواه، فليس معه شئ قديم بقدمه لا نفس ولا عقل ولا غيرهما. أنتهى.
وقد مر لك شئ مما يتعلق بأقوالهم فتذكر، وإن أردت تكميل بحث الاختيار فعليك بشرح السفاريني، وكتب العقائد الكبار. وإذا أحطت خبراً بما تقدم تبينت لك براءة الشيخ ابن تيمية من هذا العزو الشنيع، غير أن تبرئته الشيخ الأكبر منه فيها نوع ما من الصعوبة وإن ذب عنه الشعراني، كما تقدم آنفاً، لما ذكره عبد الكريم الجبلى في الباب الثالث في الإرادة من كتاب الإنسان الكامل، ونقله عنه الوالد عليه الرحمة في المجمعة الوسطى: أن الشيخ الأكبر قدس سره قال في الفتوحات، وقد تكلم في سر الإرادة: إنه لا يجوز أن يسمى الله تعالى مختاراً، فإنه لا بفعل شيئاً بالاختيار، بل يفعله على حسب
стр. 383
ما اقتضاه العالم من نفسه، وما أقتضى العالم من نفسه إلا هذا الوجه الذى هو عليه فيكون مختاراً. أنتهى.
قال: وقد رد عليه عبد الكريم، ويكفى في ظاهر رده قوله تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص ٦٨] فتأمل، لأن المتبادر من كلام الشيخ قدس سره مشكل عند أهل السنة، والله تعالى العاصم. أنتهى كلام الوالد فتدبر.
[وهل كان يقول بالحسمية والجهة والانتقال]
(قوله بالجسمية والجهة والانتقال) - أقول: اجتمعت الفرقة الناجية أنه سبحانه منزه عن مشابهته لخلقه في ذاته وصفاته، وأنه سبحانه ليس بجسم، خلافاً للمجسمة والمشبهة فإنهم قالوا: إنه تعالى جسم، ثم اختلفوا فقالت الكرامية - وهم أصحاب أحمد بن كرام أى فرقة منهم -: وهو جسم أى موجود.
وقوم آخرون منهم قالوا: هو جسم أى قائم بنفسه، فلا نزاع معهم على التفسير إلا في التسمية أى إطلاق لفظ الجسم عليه سبحانه، ومأخذها التوقيف ولا توقيف هنا.
والمجسمة قالوا: هو جسم حقيقة، فقيل: مركب من لحم ودم، كمقاتل ابن سليمان وغيره قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقيل هو نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله شبعة أشبار من شبر نفسه.
ومن المجسمة من يبالغ ويقول: إنه على صورة إنسان، فقيل: شاب أمرد جعد قطط أى شديد الجعودة. وقيل: هو شيخ أشمط الرأس واللحية.
وقال السفاريني الحنبلي: هم أقسام، فمنهم مشبهه غلاة الشيعة، ومنهم مشبهه الحشوية قالوا: هو سبحانه من لحم ودم، وله الأعضاء، حتى قال بعضهم
стр. 384
لأصحابه: أعفوني من اللحية والفرج، وسلونى عما وراءهما، ومنهم مشبهه الكرامية أصحاب عبد الله بن أبى محمد بن كرام - كشداد - قالوا: إن الله تعالى على العرش من جهة العلو. وتجوز عليه الحركة والنزول، فقيل يملأ العرش. واختلفوا بعد أمتناه أو غيره. ومنهم من اطلق عليه لفظ الجسم.
قالوا: وتحل الحوادث في ذاته تعالى، وإنما يقدر عليها دون الخارجة عن ذاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! ولهم اعتقادات أخر من أرادها فليرجع إلى الكتب المفصلة: أنتهى.
وقد شذ بعض من الحنابلة فأومأوا إلى التجسيم كأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء، فقد قال ابن الوردى في ترجمته عنه: انتشر مذهب أحمد وله كتاب الصفات فيه كل عجيبة، ويدل على التجسيم المحض حتى كان ابن التميمى الحنبلى يقول: لقد نجس أبو يعلى الفراء، الحنابلة بشئ لا يغسله الماء.
وكذا ابن الجوزى تكلم في ابن الزاغوانى الحنبلى ومن وافقه بمثل ذلك، وبين أن مذهب الإمام أحمد قد شانته بالتجسيم اقوال أولئك. وأما الإمام وسائر متابعته فحاشاهم من التجسيم، كما لا يخفى على منصف نبيه ومطلع سليم.
وقال الأصفهاني في شرح الطوالع: أعلم أن جميع المجسمة اتفقوا على أنه تعالى في جهة. والكرامية اختلفوا فقال محمد بن الهضيم منهم: إنه تعالى في جهة فوق العرش لا نهاية لها، والبعد بينه وبين العرش أيضاً لا نهاية له. وقال بعض أصحابه: البعد متناه، وكلهم نفوا عنه خمساً من الجهات، واثبتوا له التحت الذى هو مكان غيره وباقى اصحاب محمد بن الهضيم قالوا بكونه على صورة أي صورة إنسان قلت: ولعل شبهتهم ما روى: ((أن الله خلق آدم على صورته)) وأمثال ذلك من المتشابه. وقالوا بمجيئه وذهابه.
стр. 385
واحتج المصنف على نفى الجهة، ولم يحتج على نفى الجسمية، لأن نفى الجهة يستلزم نفي الجسمية، ولأن الحجة على نفي الجهة مشتملة على نفي الجسمية. إذا عرفت هذا فنقول: لو كان الله تعالى في جهة وحيز فإما أن ينقسم فيكون جسماً وكل جسم مركب ومحدث، فيكون الواجب مركباً ومحدثاً وهذا خلف.
أولاً ينقسم فيكون جزءاً لا يتجزأ وهو محال بالاتفاق.
وأيضاً لو كان الله تعالى في جهة وحيز لكان متناهي القدر، واللازم باطل فالملزوم مثله. قيل: والأولى أن يقال: لو كان الله تعالى جهة وحيز لكان قابلاً للقسمة والأشكال والأكوان، إى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وكل ذلك في حقه تعالى محال، لأن وجوب الوجود ينافى هذه الأمور.
واحتج المثبتون للجهة والحيز بالعقل والنقل، أما العقل فمن وجهين:
الأولى: أن بديهة العقل حاكمة بان كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما سارياً في الآخر، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر كالجوهر وعرضه. أو أحدهما مبايناً عن الآخر في الجهة كالسماء والأرض، والله سبحانه ليس محلاً للعالم ولا حالا فيه، فيكون مبايناً عن العالم في الجهة.
الثاني: الجسم يقتضي الحيز والجهة، لكونه موجوداً قائماً بنفسه فيكون مشاركاً للجسم في اقتضاء الحيز والجهة، فيكون في حيز وجهة.
وأما النقل فآيات وأحاديث تشعر بالجسمية والجهة، منها قوله تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر ٦٧] وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدى﴾ [ص ٧٥] وقوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح ١٠] وقوله تعالى:
стр. 386
﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر ١٠] وقوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن ٢٧] . وقوله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر ٢٢] وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٩] وقوله تعالى: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً﴾ [غافر ٣٦] وقوله تعالى: ﴿دنا فتدلى﴾ [النجم ٨] وقوله ﵊: ((قلب المؤمن بين أصبعين من اصابع الرحمن)) وقوله ﵇: ((يضع الجبار قدمه على النار)) وقوله ﵇: ((الكرسى موضع القدمين)) وقوله ﵇ ((إن الله خلق آدم على صورته)) وقوله ﵇: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) وقوله ﵇: ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال: مه، فقالت: هذا مكان العائد بك من القطيعة)) وقوله ﵇: ((إن نفس الرحمن من قبل اليمن)) وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قال الأصفاني: أوجيب عن الوجه الأول بمنع الحصر، بأنا لا نسلم أن كل موجودين يجب أن يكون أحدهما سارياً في الآخر أو مبايناً له في الجهة، لجواز أن يكون مبايناً له في الذات والحقيقة لا في الجهة، ويمنع شهادة البديهة لاختلاف العقلاء فيه فإنه لو كان بديهة العقل شاهدة بأن كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً عنه في الجهة لما أختلف العقلاء فيه.
وأجيب عن الوجه الثاني بأن الجسم يقتضى الحيز والجهة بحقيقة المخصوصة والله سبحانه لا يشاركه في اقتضاء الحيز والجهة.
وأجيب عن الآيات المذكورة القابلة للتأويل: بأنها لظهورها لا تعارض القواطع العقلية التى لا تقبل التأويل لقطعها. وحينئذ إما أن تفوض علمها إلى الله تعالى كما هو مذهب السلف. وقول من أوجب الوقف على ((إلا الله)) في
стр. 387
قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران ٧] ، وإما أن تؤول كاليد بالقدرة، والاستواء بالاستيلاء، كما هو مذهب المؤولين. وقول من عطف قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ على ﴿إلا الله﴾ والتأويلات مذكورة في المطولات، أنتهى.
وأنت تعلم أن من السلف من يؤمن بظاهرها كالاستواء المعلوم حقيقته، المجهولة كيفيته بالنسبة للبارئ سبحانه، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، كما سيأتى تفصيل ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك جرى الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وسائر الحنابلة السلفيين. قال ابن القيم في نونيته: [كامل]
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان
كلا ولا نخيله من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان
من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصرانى
أو عطل الرحمن عن أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان
وأنت تعلم أن المعتزلة والجهمية يعطلون الصفات ويؤولون الآيات، كما سيتضح في الأبحاث الآتيات. وأنهم اختلفوا في تكفيرهم، وصححوا أن المجسم والقائل بالجهة لا يكفر كما صرح به العز بن عبد السلام وغيره، كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
[تبرئة ابن تيمية مما نسبه إليه ابن حجر من التجسيم]
وأما مارمى الشيخ ابن حجر ابن تيميه به فليس كما قال، بل هو عن ذلك بمعزل، وبعيد عنه بألف ألف منزل، فتأليفاته وعباراته التى سمعتها قاضية بكذب ماعزى إليه، وكذلك شهادات العلماء حاكمة باختلاف
стр. 388
مازور عليه. فمن ذلك ما قاله الشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي في حاشيته المسماه ((بمجلى المعاني على شرح عقائد الدوانى)) ما نصه: قوله: قيل ولعل وجه قول ابن تيمية بالتسلسل على سبيل التعاقب في العرش أنه من المجسمة الخ. أقول: ابن تيمية ليس قائلاً بالتجسيم، فقد صرح بأن الله تعالى ليس جسماً في رسالة تكلم فيها على حديث النزول كل ليلة إلى السماء الدنيا. وقال في رسالة أخرى: من قال: إن الله تعالى يماثل المخلوقات فهو مفتر على الله سبحانه، بل هو على مذهب السلف من الإيمان بالمتشابهات مع التنزيه بليس كمثله شئ. ولكنه قائل بأن الله تعالى فوق العرش حقيقة مع نفي اللوازم. ونقل عليه إجماع السلف - صرح في الرسالة القدرية، أنتهى نقل الكوراني.
ورأيت بخط الوالد تغمده الله تعالى برحمته على هامش هذا البحث في الشرح وحاشيته ما نصه: حاشا لله تعالى أن يكون من المجسمة! بل هو أبرأ الناس منهم، نعم، يقول بالفوقية على المعنى الذى أراده الله سبحانه ورسوله ﷺ ، وذلك مذهب السلف في المتشابهات، وهو بمعزل عن التجسيم. وجلال الدين واضرابه أجهل الناس بالأحاديث وكلام السلف الصالح كما لا يحفى على العارف المنصف. أنتهى.
والعجب من الشيخ ابن حجر كيف ينسب إليه هذه الأقوال من غير نقل عنه وإسناد، وقد قالوا: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولنذكر بعض عبارات العلماء وما قاله الشيخ ابن تيميه وغيره من ائمة الملة الحنيفية ليتضح الحال، ويعرف بالحق الرجال.
قال الحافظ أبو بكر أحمد البيهقي في كتابه الشهير ((بالأسماء والصفات ما نصه: (باب ماجاء في قول الله : ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] وقوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الرعد ٢] وقال: ﴿إن ربكم
стр. 389
الله الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش﴾ [يونس ٣] وقال: ﴿الله الذى رفع السماوات بغير عمر ترونها ثم أستوى على العرش﴾ [الرعد ٢] .
أخبرنا أبو على الحسين بن محمد الروذبارى قال: أخبرنا أبو العباس محمد ابن يعقوب ابن محمد بن عبد الرحيم الهروى بالرملة قال نا آدم بن أبي إباس قال نا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع حدث عن أبي رزين العقيلى قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: ((كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه ﵎) وقد مضى الكلام في معنى هذا الحديث دون الاستواء.
فأما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا ﵁ كانوا لا يفسرونه ولا يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في امثال ذلك. اخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن على الجوهرى ببغداد، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم نا محمد بن كثير المصيمصى قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته.
ونا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحرث الفقيه الأصبهاني قال نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان المعروف ((بأبي الشيخ)) قال نا أبو جعفر أحمد اليزدى قال: سمعت محمد بن عمرو بن نصر النيسابورى يقول: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك بن انس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش أستوى، كيف استوى؟ قال: فاطرق مالك حتى علاه الرحضاء (١) ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير
стр. 390
معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً فأمر أن يخرج.
وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف اله تعالى من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: هذه نسخة الكتاب الذى أملاه الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحق بن ايوب رحمه الله تعالى في مذهب أهل السنة فيما جرى بين محمد بن اسحق بن خزيمة رحمه الله تعالى، وبين أصحابه، فذكر منها: الرحمن على العرش استوى بلا كيف. والآثار عن السلف في مثل هذا كثيرة. وعلى هذه لطريقة يدل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وإليها ذهب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، والحسين بن الفضل البجلى رحمه الله تعالى، ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى، وذهب أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى إلى أن الله ثناؤه فعل في العرش فعلا سماه استواء، كما فعل في غيره فعلا سماه رزقاً ونعمة أو غيرهما من أفعاله، ثم لم يكيف الاستواء إلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [يونس ٣] و ((ثم)) للتراخى، والتراخى إنما يكون في الأفعال وأفعال الله تعالى توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة.
وذهب أبو الحسن على بن محمد بن مهدى الطبرى في آخرين من أهل النظر إلى أن الله تعالى في السماء فوق كل شئ مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول: استويت على رأسى، واستوى الطير على قمة راسى، بمعنى علا في الجو فوجد فوق راسى. فالقديم سبحانه عال على عرشه ولا قائم، ولا مماض ولا مباين عن العرش، يريد