﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر ١٠] وقوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن ٢٧] . وقوله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر ٢٢] وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٩] وقوله تعالى: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً﴾ [غافر ٣٦] وقوله تعالى: ﴿دنا فتدلى﴾ [النجم ٨] وقوله ﵊: ((قلب المؤمن بين أصبعين من اصابع الرحمن)) وقوله ﵇: ((يضع الجبار قدمه على النار)) وقوله ﵇: ((الكرسى موضع القدمين)) وقوله ﵇ ((إن الله خلق آدم على صورته)) وقوله ﵇: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) وقوله ﵇: ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال: مه، فقالت: هذا مكان العائد بك من القطيعة)) وقوله ﵇: ((إن نفس الرحمن من قبل اليمن)) وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قال الأصفاني: أوجيب عن الوجه الأول بمنع الحصر، بأنا لا نسلم أن كل موجودين يجب أن يكون أحدهما سارياً في الآخر أو مبايناً له في الجهة، لجواز أن يكون مبايناً له في الذات والحقيقة لا في الجهة، ويمنع شهادة البديهة لاختلاف العقلاء فيه فإنه لو كان بديهة العقل شاهدة بأن كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً عنه في الجهة لما أختلف العقلاء فيه.
وأجيب عن الوجه الثاني بأن الجسم يقتضى الحيز والجهة بحقيقة المخصوصة والله سبحانه لا يشاركه في اقتضاء الحيز والجهة.
وأجيب عن الآيات المذكورة القابلة للتأويل: بأنها لظهورها لا تعارض القواطع العقلية التى لا تقبل التأويل لقطعها. وحينئذ إما أن تفوض علمها إلى الله تعالى كما هو مذهب السلف. وقول من أوجب الوقف على ((إلا الله)) في
стр. 387
قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران ٧] ، وإما أن تؤول كاليد بالقدرة، والاستواء بالاستيلاء، كما هو مذهب المؤولين. وقول من عطف قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ على ﴿إلا الله﴾ والتأويلات مذكورة في المطولات، أنتهى.
وأنت تعلم أن من السلف من يؤمن بظاهرها كالاستواء المعلوم حقيقته، المجهولة كيفيته بالنسبة للبارئ سبحانه، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، كما سيأتى تفصيل ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك جرى الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وسائر الحنابلة السلفيين. قال ابن القيم في نونيته: [كامل]
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان
كلا ولا نخيله من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان
من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصرانى
أو عطل الرحمن عن أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان
وأنت تعلم أن المعتزلة والجهمية يعطلون الصفات ويؤولون الآيات، كما سيتضح في الأبحاث الآتيات. وأنهم اختلفوا في تكفيرهم، وصححوا أن المجسم والقائل بالجهة لا يكفر كما صرح به العز بن عبد السلام وغيره، كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
[تبرئة ابن تيمية مما نسبه إليه ابن حجر من التجسيم]
وأما مارمى الشيخ ابن حجر ابن تيميه به فليس كما قال، بل هو عن ذلك بمعزل، وبعيد عنه بألف ألف منزل، فتأليفاته وعباراته التى سمعتها قاضية بكذب ماعزى إليه، وكذلك شهادات العلماء حاكمة باختلاف
стр. 388
مازور عليه. فمن ذلك ما قاله الشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي في حاشيته المسماه ((بمجلى المعاني على شرح عقائد الدوانى)) ما نصه: قوله: قيل ولعل وجه قول ابن تيمية بالتسلسل على سبيل التعاقب في العرش أنه من المجسمة الخ. أقول: ابن تيمية ليس قائلاً بالتجسيم، فقد صرح بأن الله تعالى ليس جسماً في رسالة تكلم فيها على حديث النزول كل ليلة إلى السماء الدنيا. وقال في رسالة أخرى: من قال: إن الله تعالى يماثل المخلوقات فهو مفتر على الله سبحانه، بل هو على مذهب السلف من الإيمان بالمتشابهات مع التنزيه بليس كمثله شئ. ولكنه قائل بأن الله تعالى فوق العرش حقيقة مع نفي اللوازم. ونقل عليه إجماع السلف - صرح في الرسالة القدرية، أنتهى نقل الكوراني.
ورأيت بخط الوالد تغمده الله تعالى برحمته على هامش هذا البحث في الشرح وحاشيته ما نصه: حاشا لله تعالى أن يكون من المجسمة! بل هو أبرأ الناس منهم، نعم، يقول بالفوقية على المعنى الذى أراده الله سبحانه ورسوله ﷺ ، وذلك مذهب السلف في المتشابهات، وهو بمعزل عن التجسيم. وجلال الدين واضرابه أجهل الناس بالأحاديث وكلام السلف الصالح كما لا يحفى على العارف المنصف. أنتهى.
والعجب من الشيخ ابن حجر كيف ينسب إليه هذه الأقوال من غير نقل عنه وإسناد، وقد قالوا: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولنذكر بعض عبارات العلماء وما قاله الشيخ ابن تيميه وغيره من ائمة الملة الحنيفية ليتضح الحال، ويعرف بالحق الرجال.
قال الحافظ أبو بكر أحمد البيهقي في كتابه الشهير ((بالأسماء والصفات ما نصه: (باب ماجاء في قول الله : ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] وقوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الرعد ٢] وقال: ﴿إن ربكم
стр. 389
الله الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش﴾ [يونس ٣] وقال: ﴿الله الذى رفع السماوات بغير عمر ترونها ثم أستوى على العرش﴾ [الرعد ٢] .
أخبرنا أبو على الحسين بن محمد الروذبارى قال: أخبرنا أبو العباس محمد ابن يعقوب ابن محمد بن عبد الرحيم الهروى بالرملة قال نا آدم بن أبي إباس قال نا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع حدث عن أبي رزين العقيلى قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: ((كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه ﵎) وقد مضى الكلام في معنى هذا الحديث دون الاستواء.
فأما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا ﵁ كانوا لا يفسرونه ولا يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في امثال ذلك. اخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن على الجوهرى ببغداد، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم نا محمد بن كثير المصيمصى قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته.
ونا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحرث الفقيه الأصبهاني قال نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان المعروف ((بأبي الشيخ)) قال نا أبو جعفر أحمد اليزدى قال: سمعت محمد بن عمرو بن نصر النيسابورى يقول: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك بن انس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش أستوى، كيف استوى؟ قال: فاطرق مالك حتى علاه الرحضاء (١) ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير
стр. 390
معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً فأمر أن يخرج.
وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف اله تعالى من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: هذه نسخة الكتاب الذى أملاه الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحق بن ايوب رحمه الله تعالى في مذهب أهل السنة فيما جرى بين محمد بن اسحق بن خزيمة رحمه الله تعالى، وبين أصحابه، فذكر منها: الرحمن على العرش استوى بلا كيف. والآثار عن السلف في مثل هذا كثيرة. وعلى هذه لطريقة يدل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وإليها ذهب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، والحسين بن الفضل البجلى رحمه الله تعالى، ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى، وذهب أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى إلى أن الله ثناؤه فعل في العرش فعلا سماه استواء، كما فعل في غيره فعلا سماه رزقاً ونعمة أو غيرهما من أفعاله، ثم لم يكيف الاستواء إلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [يونس ٣] و ((ثم)) للتراخى، والتراخى إنما يكون في الأفعال وأفعال الله تعالى توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة.
وذهب أبو الحسن على بن محمد بن مهدى الطبرى في آخرين من أهل النظر إلى أن الله تعالى في السماء فوق كل شئ مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول: استويت على رأسى، واستوى الطير على قمة راسى، بمعنى علا في الجو فوجد فوق راسى. فالقديم سبحانه عال على عرشه ولا قائم، ولا مماض ولا مباين عن العرش، يريد
стр. 391
به مباينة الذات التى هي بمعنى الاعتزال والتباعد، لأن المماسة والمباينة التى هي ضدها، والقيام والقعود من اوصاف الأجسام، والله أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ولا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام.
وحكى الأستاذ: أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى هذه لطريقة عن بعض اصحابنا أنه قال: أستوى بمعنى علا، ثم قال: ولا يريد بذلك علوا بالمسافة والتحيز والسكون في مكان متمكناً فيه.. ولكن يريد معنى قول الله : ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٦] أى من فوقها، على معنى نفى الحد عنه، وانه ليس مما يحويه طبق أو يحبط به قطر.
ووصف الله سبحانه بذلك طريقة الخبر، فلا يتعدى ما ورد به الخبر. قلت: وهو على هذه الطريقة من صفات الذات، وكلمة ((ثم)) تعلقت بالمستوى عليه لا بالاستواء، وهو كقوله تعالى: ﴿ثم الله شهيد على ما تعملون﴾ [يونس ٤٦] يعنى: ثم يكون عملكم فيشهده. وقد اشار أبو الحسن على بن إسماعيل رحمه الله تعالى إلى هذه الطريقة حكاية فقال بعض أصحابنا: إنه صفة ذات، ولا يقال: لم يزل مستوياً على عرشه، كما أن العلم بأن الأشياء قد حدثت من صفات الذات. ولا يقال: لم يزل عالماً بأن قد حدثت ولما حدثت بعد. قال: وجوابي هو الأول، وهو أن الله تعالى مستو على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها بمعنى أنه لا تحله ولا يحلها، لا يمسها ولا يشبهها وليست البينونة بالعزلة، تعالى ربنا عن الحلول والمماسة علواً كبيراً.
قال: وقد قال بعض أصحابنا: إن الأستواء صفة الله تعالى بنفى الاعوجاج عنه.
وفيما كتب إلى الأستاذ أبي موسى بن أبي أيوب رحمه الله تعالى: أن كثيراً من مبادئ أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة، ومعناه
стр. 392
أن الرحمن غالب العرش وقاهره. وفائدته الإخبار عن قهره مملوكاته، وأنها لم تقهره، وإنما خص العرش بالذكر لأنه اعظم المملوكات، فنبه بالأعلى على الأدنى. والاستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة، كما يقال: استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها، قال الشاعر في بشر بن مروان: [رجز]
قد استوى على العراق ... من غير سيف ودم مهراق (١)
يريد أنه غلب أهله من غير محاربة. قال: وليس ذلك في الآية بمعنى الاستيلاء، لأن الاستيلاء عليه مع توقع ضعف.
قال: ومما يؤيد ما قلناه قوله : ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت ١١] والاستواء إلى السماء هو القصد إلى خلق السماء، فلما جاز أن يكون القصد إلى السماء الاستواء جاز أن يكون القدرة على العرش استواء. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قال نا أبو العباس محمد ابن يعقوب نا محمد بن الجهم نا يحيى بن زياد الفراء في قوله : ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن﴾ [البقرة ٢٩] قال: الاستواء في كلام العرب على جهتين: إحداهما أن يستوى الرجل وينتهى شبابه وقوته، أو يستوى من اعوجاج، فهذان وجهان.
ووجه ثالث يقول: كان مقبلاً على فلان ثم استوى على يشاتمنى، وإلى وعلى سواء معنى أقبل إلى وعلى، فهذا معنى قوله سبحانه: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة ٢٩، وفصلت ١١] والله تعالى أعلم.
قال: وقد قال ابن عباس: ثم استوى صعد، وهذا كقولك للرجل: كان قاعداً فاستوى قائماً، وكان قائماً فاستوى قاعداً بمعنى أقبل صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق
стр. 393
السماء، والقصد هو الإرداة، وذلك جائز في صفات الله تعالى. ولفظه ((ثم)) تغلق بالخلق لا بالإرادة.
وأما ما حكى عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، والكلبي ضعيف.
وفي رواية أخرى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ أي صعد أمره إلى السماء ﴿فسواهن﴾ يعني خلق سبع سماوات. قال: أجرى النار على الماء، يعني فبخر البحر فصعد في الهواء فجعل السماوات منه. ويذكر عن ابي العالية في هذه الآية أنه قال: استوى يعنى أرتفع، ومراده من ذلك والله تعالى أعلم ارتفاع أمره وهو بخار الماء الذي منه وقع خلق السماء.
فأما ما رواه محمد بن مروان عن الكلبي الكوفي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف ٥٤] يقول: استقر على العرش. ويقال: امتلأ به. ويقال: قائم على العرش وهو السرير. وبهذا الاسناد في موضع آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ يقول: استوى عنده الخلائق، القريب والبعيد فصاروا عنده سواء.
ويقال: استوى استقر على السرير. ويقال: أمتلآ به فهذه الرواية منكرة، وفيه أيضاً ركاكة، ومثله لا يليق بقول ابن عباس.
وابو صالح هذا والكلبي ومحمد بن مروان كلهم متروك عند اهل العلم بالحديث، لا يحتجون بشئ من رواياتهم لكثرة المناكير فيها.
ومما روى أبو الحسن بن مهدى الطبرى عن ابي عبد الله نفطويه قال: أخبرني أبو سليمان يعنى داود قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال
стр. 394
يا أبا عبد الله، ما معنى قوله سبحانه ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه ٥] قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر.
فقال الرجل: إنما معنى قوله ((استوى)) أى استولى. فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على الشئ فلان، حتى يكون له فيه مضاد فايهما غلب قيل: قد استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له، فهو على عرشه كما أخبره (١) .
وقال الشيخ الأجل مسند الوقت أحمد ولى الله المحدث الدهلوى في التفهيمات وقد ذكر أنه قال: إن الله تعالى فوق العرش -: والتحقيق أن في هذه المسألة ثلاثة مقامات:
أحدها - البحث عما يصح إثباته للحق توفيقاً وعما لا يصح توفيقاً والحق في هذا المقام أن الله تعالى أثبت لنفسه جهة الفرق، وأن الأحاديث متظاهرة على ذلك. وقد نقل الترمذي ذلك عن الإمام مالك ونظراته.
ثانيها - أن العقل هل يحوز كون مثل هذا الكلام حقيقة أو يوجب حمله على المجاز؟
والحق في هذا المقام أن العقل يوجب أنه ليس على ظاهرة في نفس الأمر.
ثالثها - أنه هل يجب تأويله أو يحوز وقفه على ظاهرة من غير تعيين المراد؟ والحق فيه انه لم يثبت في حديث صحيح أو ضعيف أنه يجب تأويله، ولا أنه لا يجوز استعمال مثل تلك العبارات من الأمة إلى قوله. وهذا الذي حققناه هو مذهب الشيخ أبا الحسن الأشعري عند التحقيق، أقرأ ابو طاهر المدنى بخط أبيه أن الشيخ أبا الحسن قال في كتابه: إنى على مذهب احمد في مسالة الصفات، وأن الله فوق العرش.
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ محمول على المقام الأول والثالث.
стр. 395
وإذا رجعنا إلى الوجدان فلا نشك في ان الله تعالى خصوصية مع العرش ليست مع غيره من مخلوقاته، ولا تجد عبارة في ذلك أفصح وأقرب من الاستواء على العرش، كما أنا لا نجد عبارة في أنكشاف المسموعات والمبصرات افصح من السمع والبصر. والله أعلم بحقائق الأمور. أنتهى.
باب
[فوقية الخالق سبحانه]
قول الله : ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام ١٨، ٦١]- وقوله تعالى - ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل ٥٠] عن أنس بن مالك قال: جاء زيد بن حارثة يشكو زينب،، فجعل رسول الله ﷺ يقول: ((اتق الله وامسك عليك زوجك)) .
قال أنس: فلو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه! وكانت تفخر على ازواج النبي ﷺ تقول: زوجكن اهاليكن وزوجنى من فوق سبع سماوات.
رواه البخاري في الصحيح. وعن أبي الزناد عن الأعرج عن ابي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتى غلبت غضبي)) رواه البخاري في الصحيح.
وروى الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: مرت سحابة على رسول الله ﷺ فقال: ((ما تدرون ما هذا؟ فقلنا: السحاب، فقال: أو المزن، قالوا: قلنا: أو المزن، قال أو العنان. قلنا: أو العنان، فقال: هل تدرون بعد ما بين السناء والأرض؟ قلنا: لا، قال إحدى وسبعين، أو اثنين وسبعين، أو ثلاث وسبعين - قال: وإلى فوقها مثل ذلك حتى عدهن سبع سماوات على نحو ذلك. ثم قال: فوق السابعة
стр. 396
البحر أسفله من اعلاه ما بين سماء إلى سماء، ثم فوقه ثمانية أو عال ما بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم العرش فوق ذلك بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم إن الله تعالى فوق ذلك العرش)) أخرجه أبو داود في السنن.
وعن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال! استسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ ((سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال: ويحك! أتدرى ما الله، إن شاء أعظم من ذلك! إنه لا يستشفع به احد! إنه لفوق سبع سماوات على عرشه، وأنه عليه لهكذا - واشار وهب بيده - مثل القبة، وإنه ليئط به اطيط الرجل بالراكب)) أخرجه أبو داود في كتاب السنن، وقد تكلموا في محمد ابن إسحاق.
وقد اشتغل أبو سليمان الخطابي في تأويله فقال: هذا الكلام إذا أجرى على ظاهرة كان فيه نوع من الكيفية، وهي عنه سبحانه وعن صفاته منفية، فعقل ان ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به عظمة الله تعالى وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابياً جلفاً، لا علم له بمعاني ما دق من الكلام.
وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله ((أتدرى ما الله؟)) معناه أتدرى ما عظمة الله وجلاله. وقوله ((إنه ليئط به)) معناه: إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما
стр. 397
يكون لقوة ما فوقه، وليعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله - وارتفاع عرشه، ليعلم أن الموصوف يعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر.، وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً لشئ او مكيفاً بصورة خلق، أو مدركاً بحد، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
وروى سعد عن ابيه: أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من مرت عليه المواسى، وأن يقسم أموالهم وذراريهم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((لقد حكم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات)) .
وعن أبي يزيد المديني: أن عمر بن الخطاب ﵁ مر من ناس من أصحابه فلقيه عجوز فاستوقفته فوقف عليها فوضع يده على منكبيها، حتى قضت حاجتها، فلما فرغت قال له الرجل: حبست رجالات قريش على هذه العجوز! ؟
قال: ويحك! أتدرى من هذه؟ عجوز سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات! والله لو استوقفتنى إلى الليل لوقفت عليها إلا آتى صلاة ثم أعود إليها حتى تقضى حاجتها! .
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تفكروا في كل شئ، ولا تفكروا في ذات الله تعالى، فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك)) وقال الفراء في قوله : ﴿وهو القاهر﴾ [الأنعام ١٨، ٦١] الآية: كل شئ قهر شيئاً فهو مستعل عليه.
стр. 398
باب
[قول الله : ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٦]]
قال أبو عبد الله الحافظ قال الشيخ ابو بكر بن أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه رحمه الله تعالى: قد تضع العرب ((في)) موضع ((على)) قال الله تعالى ﴿فسيحوا في الأرض﴾ [التوبة ٢] وقال ﴿لأصلبنكم في جزوع النخل﴾ [طه ٧١] ومعناه على الأرض، وعلى النخل.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿من في السماء﴾ أي على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي ﷺ . قلت: يريد ما مضى من الروايات.
وروى عن أبي سعيد الخدري من حديث: أنه ﷺ قال: ألا تأمنونى؟ فأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءاً)) رواه البخاري ومسلم في الصحيح عن قتيبة بن سعد.
وأخبرنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسى، قال نا أبو العباس الأصم قال نا أبو العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال نا الأوزاعى قال نا يحيى بن ابي كثير عن هلال بن ابي ميمونة قال: حدثني عطاء بن يسار قال: حدثني معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت لرسول الله ﷺ ... . فذكر الحديث بطوله قال: ثم اطلعت غنيمة ترعاها جارية لي قبل احد والجوانية، فوجدت الذئب قد اصاب منها شاة، وأنا رجل من بنى آدم، آسف كما يأسفون، فصككنها صكة، ثم انصرفت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فعظم ذلك على فقلت: يا رسول الله: أفلا اعتقها؟ قال: ((بلى أئتنى بها)) قال: فجئت بها إلى رسول الله ﷺ فقال لها: ((اين الله؟ قالت الله في السماء، قال: فمن أنا؟
стр. 399
فقالت: رسول الله ﷺ ، قال: إنها مؤمنة فاعتقها)) .
وروى فضالة بن عبيد: أن رجلين اقبلا يلتمسان لأبيهما الشفاء من البول، فأنطلق بهما إلى أبي الدرداء فذكروا وجع أبيهما له، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ربنا الذى في السماء تقدس أسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء والأرض، فاغفر لنا حوبنا وخطايانا إنك رب الطيبين، فأنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ إن شاء الله تعالى)) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) . وعن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي حصين: ((كم تعبد اليوم من إله؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال فأيهم تعد لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذى في السماء، قال أما إنك إن أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك؟ قال: فلما أسلم حصين أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني الكلمتين اللتين وعدتنيهما؟ قال: قل: اللهم ألهمنى رشدى، وعافني من شر نفسي)) ومعنى قوله في هذه الأخبار ((من في السماء)) أي فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة. ثم معناه والله أعلم عند أهل النظر ما قدمنا ذكره. وقد قال بعض أهل النظر: معناه: في السماء إله. والأول أشبه بالكتاب والسنة.
стр. 400
باب
[قول الله لعيسى ابن مريم]
﴿إنى متوفيك ورافعك إلى﴾ [آل عمران ٥٥] وقوله تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء ١٥٨] وقوله : ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج ٤] وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر ١٠] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)) رواه البخاري في الصحيح، وأخرجه مسلم. وإنما أراد نزوله من السماء بعد الرفع إليه.
وعنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول: كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)) أخرجاه في الصحيح من وجه آخر. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبد مؤمن يتصدق يصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب ولا يصعد إلى السماء إلا طيب، إلا وهو يضعها في يد الرحمن أو في كف الرحمن فيربيها له كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله، وحتى أن التمرة لتكون مثل الجبل العظيم)) وقد مضى قول أهل النظر في معنى أمثال ذلك. وحكينا عن المتقدمين من أصحابنا ترك الكلام في أمثال ذلك. هذا، مع اعتقادهم نفى الحد والتشبيه والتمثيل عن الله .
قال أبو داود: كان سفيان الثورى وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمه وشريك وأبو عوانة - لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، ويرون الحديث ولا يقولون: كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر.
قال أبو داود وهو قولنا قلت: وعلى هذا مضى أكابرنا. وقال على بن
стр. 401
الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ههنا - وأشار إلى الأرض. وكذا. زعموا أنه سبحانه بكل مكان.
وأخبرنا أبو بكر بن الحرث الفقيه قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر، قال: حدثنا يحيى بن يعلى قال: سمعت نعيم ابن حماد يقول: سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهماً فدخلت الكوفة فأظننى أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس تدعو إلى رأيها: فقيل لها: إن ههنا رجلاً قد نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأتيه، فأتته فقالت: أنت الذى تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذى تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث عنها سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتاباً: إن الله ﵎ في السماء دون الأرض. فقال له رجل أرأيت قول الله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ ؟ قال: هو كما تكتب إلى رجل أنى: معك وأنت غائب عنه. قلت: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيما نفى عن الله من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية. وكذا قال سفيان الثورى في قوله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ علمه. وقال الضحاك في ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم﴾ [المجادلة ٧] قال: هو الله على العرش وعلمه معهم. انتهى باقتصار. وقال أيضاً:
стр. 402
باب
[مجئ الله]
ما جاء في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم اله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة ٢١٠] وقوله ﵎: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفا﴾ [البقرة ٢٢] .
عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ الآية يقول: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجئ فيما يشاء، وهي في القراءة ((هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)) وهي كقوله سبحانه: ﴿ويم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً﴾ [البقرة ٢٥] .
قال الشيخ: فصح بهذا التفسير أن الغمام إنما هو مكان للملائكة ومركبهم، وأن الله لا مكان له ولا مركب. وأما الإتيان والمجئ فعلى قول أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ((يحدث الله يوم القيامة قولا يسميه إتياناً ومجيئاً)) ، لا بأن يتحرك أو ينتقل، فإن الحركة والسكون والانتقال والاستقرار من صفات الأجسام، والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شئ، وهو كقوله : ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ [النحل ٢٦] لم يرد به إتياناً من حيث النقلة، وإنما أراد إحداث الفعل الذى به خرب بنيانهم، وخر عليهم السقف من فوقهم، فسمى ذلك الفعل إتياناً.
وهكذا قال في اخبار النزول: إن المراد به فعل يحدثه الله في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نزولاً بلا حركة ولا نقلة - تعالى الله عن صفات المخلوقين. أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا أحمد بن سليمان النجاد قال: قرئ على سليمان بن الأشعث وأنا أسمع قال: نا القعني عن مالك عن
стр. 403
ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له)) وفي رواية ((ثم يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم)) رواه مسلم في الصحيح، وله طرق أخر كثيرة.
قال إسحق بن راهويه: دخلت يوماً على عبد الله بن طاهر فقال لى: يا أبا يعقوب، نقول: إن الله تعالى ينزل كل ليلة؟ فقلت: أيها الأمير، إن الله تعالى بعث إلينا نبياً، نقل إلينا عنه أخباراً بها نحلل الدماء وبها نحرم، وبها تحلل الفروج، وبها تحرم، وبها تباح الأموال، وبها تحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك. قال: فأمسك عبد الله.
وقال إسحق بن إبراهيم الحنظلي: جمعنى وهذا المبتدع - يعنى إبراهيم ابن أبي صالح - مجلس الأمير ابن طاهر، وسالنى الأمير عن أخبار النزول فسردتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء. قال فرضى عبد الله كلامى.
قلت: فقد بين إسحق في هذه الحكاية أن النزول عنده من صفات الفعل، ثم أنه كان يجعله تزولا بلا كيف. قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها (١) : أن الإيمان بها وإجراءها على ظاهرها، ونفى الكيفية عنها.
وقال عبد بن المبارك: ينزل كيف يشاء. قال أبو سفيان في كتاب معالم السنن: هذا من العلم الذى أمرنا أن نؤمن بظاهره، ولا نكشف عن
стр. 404
باطنه، وهو من جملة المتشابه الذى ذكره الله في كتابه فقال: ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات﴾ الآية. فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقى والعمل. والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وإنما حظ الراسخين في العلم أن يقولوا آمنا به كل من عند ربنا.
وكذلك ما جاء في هذا الباب في القرآن، وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال فحاد عن هذه الطريقة حين روى حديث النزول، ثم اقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربنا إلى السماء؟ فقل له: ينزل كيف يشاء. فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقل: إن شاء تحرك وإن شاء لم يتحرك. وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون متعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من اعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تعالى متعال عنهما ليس كمثله شئ.
فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل نفسه فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش. وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع، فإنه ر يثمر خيراً ولا يفيد رشداً. ونسأله تعالى العصمة من الضلال، والقول بما لا يجوز من الفاسد المحال.
وقيل: قد يكون النزول بمعنى إقبالك على الشئ لإرادة النية، وكذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام.
وقال أبو منصور الخمساوى: سئل أبو حنيفة ﵁ عن
стр. 405
ذلك فقال: ينزل بلا كيف. وقال حماد بن زيد وكثير: ينزل نزولاً يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق بلا تشبيه ولا تعطيل، جل الله سبحانه عما يقول المعطلة لصفاته والمشبه بها علواً كبيراً.
أنتهى باقتصار.
وقال إمام المالكية في عصره المعروف بينهم بخليفة مالك أبو محمد عبد الله بن ابي زيد القيرواني المتوفي سنة ست وتسعين وثلثمائة في كتابه المسمى ((باكورة السعد وزبدة المذهب)) ما نصه: السميع البصير العلي الكبير، وفوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه - أنتهى. وقال شارحه أحمد بن غنيم بعد أن ذكر تأويل الخلف لما ورد ذلك ما نصه: فلا ينبغى الأعتراض على المصنف بمثل ذلك مع وروده في القرآن، وما قيل إن هذه اللفظة وهي بذاته دست على المؤلف رده ابن ناجى قائلاً: ليس هذا من إطلاق المصنف، وإنما هو من إطلاق السلف الصالح والصدر الأول. أنتهى باقتصار.
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى المتوفى سنة سبعين ومائتين في كتابه ((تأويل مختلف الحديث)) ما نصه: والأمم كلها هربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء، ما تركت على فطرها ولم ينقل عن ذلك بالتعليم. وفي الحديث: أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ بامة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أين الله؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا، قالت: رسول الله ﷺ ، قال: هي مؤمنة وأمر بعتقها)) وهذا أو نحوه. وقال أمية بن ابي الصلت: [خفيف]
مجدوا الله للمجد أهل ربنا في السماء أضحى كبيراً
الأبيات. وفي الأنجيل: أن المسيح ﵇ قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها
стр. 406
كرسى الله تعالى، وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن ربكم الذى في السماء يغفر لكم ظلمكم. أنتهى
وقال الوالد نور الله تعالى مرقده في روح المعاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ قيل: هو استمارة تمثيلية، وتصوير لقهره سبحانه وعلو بالغلبة والقدرة.
وجوز أن تكون الاستعارة في الظروف بان شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل: إنه كناية عن القهر، والعلو بالغلبة، والقدرة. وقيل: إن ((فوق)) زائدة، وصحح زيادتها، وإن كانت اسماً - كونها بمعنى على، وهو كما ترى. والداعى إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضى القول بالجهة، والله تعالى منزه عنها، لأنها محدثة بإحداث العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود، ويلزم ايضاً من كونه سبحانه في جهة مفاسد لا تخفى، وأنت تعلم أن مذهب السلف غثبات الفوقية لله تعالى، كما نص عليه الإمام الطحاوى وغيره.
واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل، وقد روى أحمد في حديث الأوعال عن العباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والعرش فوق ذلك، والله تعالى فوق ذلك كله)) .
وروى ابن ماجه يرفعه قال: بينا اهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه رءوسهم فإذا الجبار ﷻ قد اشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم - ثم قرأ ﷺ ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شئ من النعيم ماداموا ينظرون إليه)) .
وصح أن عبد الله بن رواحة أنشد بين يدى رسول الله ﷺ أبياته التى عرض بها عن القراءة لمرأته حين أتهمته بجاريته، وهي: [وافر] .
стр. 407
شهدت بأن وعد الله حق ... وان النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ... وملائكة الإله مسومينا
فأقره ﵊ على ما قال وضحك منه. وكذا أنشد حسان ابن ثابت ﵁ قوله
شهدت بإذن الله أن محمداً ... رسول الذى فوق السماوات من عل
وأن ابا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه متقبل
وأن الذى عادى اليهود ابن مريم ... رسول إلى من عند ذى العرش مرسل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقوم بذات الله فيهم ويعدل
فقال النبي ﷺ : ((وأنا أشهد)) . وروى عكرمه عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى حكاية عن إبليس عليه اللعنة: ﴿ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم﴾ أنه قال: لم يستطع ان يقول ((ومن فوقهم)) لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم. والآيات والأخبار التى فيها التصريح بما يدل على الفوقية كقوله تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ ،
﴿وإليه يصعد الكلم الطيب﴾ و ﴿بل رفعه الله إليه﴾ و ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ وقوله ﷺ فيما أخرجه مسلم: ((وأنت الظاهر فليس فوقك شئ)) كثيرة جداً.
وكذا كلام السلف في ذلك، فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصارى في كتابه ((الفاروق)) بسنده إلى أبي مطيع البلخى أنه سال أبا حنيفة ﵁ عمن قال: لا أعرف ربي سبحانه في السماء أم في الأرض؟ فقال: كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
стр. 408
وعرشه فوق سبع سماوات. فقالت: قلت: فإن على العرش، ولكن لا أدرى، العرش في السماء أم في الأرض. فقال ﵁: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، ومن أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله تعالى في اعلى عليين، وهو يدعى من أعلى لا من أسفل. أنتهى.
وأيد القول بالفوقية أيضاً بان الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك فإنه الحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفاً بضد ذلك، لأن القابل للشئ لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الإطلاق.
والقول بأنا لا نسلم أنه قليل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها مدفوع بانه سبحانه لو لم يكن قابلاً للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى سلم بأنه جل شانه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنياً فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعاً، وقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات، فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة اظهر منه وأوضح.
وإذا كانت صفة الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا إجماع كان نفيها عين الباطل، ولا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى.
وذكر محمد بن طاهر المقدسى أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس إمام الحرمين وهو يتكلم في نفى صفة العلو ويقول: كان الله تعالى ولا عرش،
стр. 409
وهو الآن على ما كان. فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنه ولا يسره، فكيف تدفع هذ الضرورة عن انفسنا؟؟ فلطم الإمام على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال حيرنى الهمدانى.
وبعضهم تكلف الجواب عن هذا: بأن هذا التوجه إلى فوق إنما هو لكون السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ثم هو ايضاً منقوض بوضع الجهة على الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض. ولا يخفى أن هذا باطل، وما أولاً - فلأن السماء قبلة الدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله تعالى به من سلطان، والذى صح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فقد صرحوا بانه يستحب للداعى أن يستقبل القبلة، وقد استقبل النبي ﷺ الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين. وأما ثانياً - فلأن القبلة ما يستقبله الداعى بوجهه كما يستقبل الكعبة في الصلاة وما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه مثلا لا يسمى قبلة أصلاً، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعى وجهه إلينا، ولم يثبت ذلك في شرع أصلاً.
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض! فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل، لا أن يميل إليه إذ هو تحته، بل هذا لا يخطر في قلب ساجد.
نعم، سمع من بشر المريسى أنه يقول: سبحان ربي الأسفل. تعالى الله سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيراً. وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأن فوق فيه بمعنى خير وأفضل، كما يقال:
стр. 410
الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم. وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة، فإن قول القائل ابتداء الله تعالى خير من عباده، أو خير من عرشه، من جنس قوله: الثلج بارد والنار حارة، والشمس أضواء من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، ونحو ذلك.
وليس في ذلك أيضاً تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل هو من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه، وهو الذى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
على أن في ذلك تنقيصاً لله تعالى شأنه، ففى المثل السائر: [طويل]
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل للسيف خير من العصى
نعم، إذا كان المقام يقتضى ذلك بأن كان احتجاجاً على مبطل، كما في قول يوسف الصديق ﵇: ﴿ ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟﴾ .
وقوله تعالى: ﴿آلله خير أم ما يشركون﴾ ، ﴿والله خير وأبقى﴾ فهو أمر لا اعتراض عليه، ولا توجه سهام الطعن إليه. والفوقية بمعني الفوقية المطلقة في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضاً، وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة، كما يثبتون فوقية الذات، ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً لئلا يثبتوا معنى فاسداً، وينفوا معنى صحيحاً، فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه.
стр. 411
وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى لا يحصره شئ ولا يحيط به شئ من المخلوقات، تعالى عن ذلك.
وإن أريد بالجهة أمر عدمى وهو فوق العالم فليس هناك إلا الله تعالى وحده، فإذا قيل إنه تعالى في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعني ذلك أنه فوق العالم حيث أنتهت المخلوقات. ونفاه لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفى العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة، وانه سبحانه كان قبلى الجهات. وأنه من قال: إنه تعالى في جهة كلام حق، ولكن الجهة ليست أمراً وجودياً، بل هي امر اعتبارى، ولا محذور في ذلك.
[مذهب السلف. تنزيه. وتفويض. وتصديق]
وبالجملة، يجب تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتفويض علم ما جاء من المتشابهات إليه عز شأنه، والإيمان بها على الوجه الذى جاءت عليه. والتأويل القريب إلى الذهن الشائع نظيره في كلام العرب مما لا بأس به عندى، على أن بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلف والخلف. والله تعالى أعلم بمراده.
وقال أيضاً في تفسير سورة الحديد. وأنت تعلم أن الأسلم التأويل، فإنه قول على الله تعالى من غير علم، ولا نؤول إلا ما أوله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه، فغن أولوا أولنا، وإن فوضوا فوضنا، ولا نأخذ تأويلهم لشئ سلماً لتاويل غيره. اهـ باقتصار. ولعله يشير بهذا إلى ما قاله بعض الخلف أنه قد ورد عن الإمام أحمد أنه قال بالتأويل في ثلاثة أحاديث:
أحدها قوله ﵊: ((الحجر الأسود يمين الله في أرضه)) .
وثانيها: ((إنى لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) .
стр. 412
وثالثها: ((أنا جليس من ذكرنى)) .
وكذا إلى ما أوله من قوله ﷺ : ((تأتى سورة البقرة وسورة كذا وكذا يوم القيامة كأنها غمامتان بثواب القارئ)) . وقوله ﵊: ((إن الرحم يتعلق بحقوى الرحمن فيقول سبحانه: أصل من وصلك)) فهذا أيضاً مما لا بد فيه من التأويل، فإذا أولوا البعض فليؤولوا البعض الآخر. والجواب ما سمعت آنفاً فلا تغفل. قلت: وكذا أولوا الحديث الإدلاء الذى رواه أبو هريرة وأبو ذر والترمذى وغيره من حديث الحسن: ((لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله)) فهو إن صح على ما قاله الشيخ ابن تيمية في رسالة العرش الآتى بعضها: تقدير مفروض، أى لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لأنه لا يمكن أن يدلى أحد على الله تعالى شيئاً، لأنه عال بالذات، وإذا اهبط شئ إلى جهة الأرض وقف في المركز. أو كما قيل: يؤول بالعلم، أى على علم الله، وهو تأويل غير مرضى له - وتمام البحث فيها.
وقال الوالد أيضاً في تفسير سورة الأعراف من كلام طويل ما بعضه: وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف الصالح في مثل ذلك تفويض المراد منه إلى الله تعالى، فهم يقولون: استوى على العرش على الوجه الذى عناه سبحانه، منزها عن الاستقرار والتمكن، وأن تفسير الاستواء بالاستيلاء تفسير مرذول، إذ القائل به لا يسعه أن يقول كاستيلائنا، بل لابد أن يقول هو استيلاء لائق بذاته . فليقل من أول الآمر: هو استواء لائق به جل وعلا. وقد أختار ذلك السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، وهو أعلم وأسلم وأحكم، خلافاً لبعضهم. ولعل لنا دعوة إلى هذا المبحث إن شاء الله تعالى أهـ.
وقال في تفسير سورة السجدة عند قوله تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء
стр. 413
إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾ الآية من كلام طويل ما بعضه: ويظهر لى أن المراد بالسماء جهة العلو في قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ وبعروج الأمر إليه صعود خبره، كما سمعت عن الجماعة. وأقوال: إن الآية من المتشابهة، واعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشئونها، ويدبرها متقنة، وهو سبحانه مستو على عرشه، وذلك هو التدبير من جهة العلو، ثم يصعد خبر ذلك مع الملك إليه إظهاراً لمزيد عظمته جلت عظته، وعظيم سلطنته عظمت سلطنته، إلى حكم هو - جل وعلا - أعلم بها، وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه، مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله.
وقول بعضهم: العرش موضع التدبير وما دونه موضع التفضيل، وما دون السماوات موضع فيه رائحة مما ذكرناه. أهـ. ومن خطه نقلته.
وقال في تفسير قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لى صرحاً﴾ الآية ما نصه: ورأيت لبعض السلفيين أن اللعين ما قال ذلك إلا لأنه سمع من موسى ﵇ أو من أحد من المؤمنين وصف الله تعالى بالعلو، أو بانه سبحانه بالسماء، فحمله على معنى مستحيل في حقه تعالى لم يرده موسى ﵇ ولا أحد من المؤمنين، فقال ما قال تهكما وتمويهاً على قومه. وللإمام في هذا المقال كلام رد به على القائلين بأن الله تعالى في السماء، ورد احتجاجهم بما أشعرت به الآية على ذلك وسماهم المشبهة، والبحث في ذلك طويل المجال، والحق مع السلف عليهم رحمة الملك المتعال، وحاشاهم ثم حاشاهم من التشبيه. أهـ. باقتصاره.
وقال أيضاً العلامة الوالد رحمه الله تعالى في تفسيره روح المعانى عند قوله : ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ من سورة طه ما نصه: والعرش
стр. 414
في اللغة. وفي الشرع، سرير ذو قوائم له حمله من الملائكة ﵈ فوق السماوات مثل القبة ويدل على أن له قوائم ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه فقال، يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهى؟ فقال النبي ﷺ ، ((أدعوه، فقال، لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله، إنى مررت بالسوق وهو يقول، والذى أصطفى موسى على البشر، فقلت يا خبيث! وعلى محمد ﷺ ! فأخذتنى غضبة فلطمته. فقال النبي ﷺ : ((لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق، فإذا انا بموسى ﵇ آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة الطور)) وعلى أن له حملة من الملائكة ﵈ قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به﴾ [غافر ٧] وما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: ((أذن لى أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة)) وعلى أنه فوق السماوات مثل القبة. ما رواه أبو داود أيضاً عن جبير بن محمد بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس ونهكت الأموال أو هلكت، فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى، ونستشفع بالله تعالى عليك. فقال رسول الله ﷺ : ((ويحك، أتدرى ما تقول! وسبح رسول الله ﷺ فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه - ثم قال - ويحك! إنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه، شأنه شأن الله تعالى أعظم من ذلك. ويحك، أتدرى ما الله! إن الله تعالى فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته هكذا، وقال باصابعه
стр. 415
مثل القبة، وإنه ليثط به اطيط الرحل الجديد بالراكب)) ومن شعر أمية بن أبي الصلت: [خفيف] .
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيراً
بالبناء العالى الذى بهر النا ... س وسوى فوق السماء سريراً
شرجعاً لا يناله طرف العي ... ن ترى حوله الملائك صوراً (١)
وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنه مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة، وهو محدد الجهات، وربما سموه الفلك الأطلس، والفلك التاسع.
وتعقبه بعض شرائح عقيدة الطحاوى بأنه ليس بصحيح، لما ثبت في الشرع من أن قوائم تحمله الملائكة ﵈، وأيضاً أخرجاه في الصحيحين عن جابر أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((أهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)) والفلك التاسع عندهم متحرك دائماً بحركة متشابهة.
ومن تأويل ذلك على أن المراد باهتزازه استشار حملة العرش وفرحهم فلا بد من دليل، على أن سياق الحديث ولفظه - كما نقل عن أبي الحسن الطبرى وغيره - بعيد عن ذلك الاحتمال.
وأيضاً جاء في صحيح مسلم من حديث جويرة بنت الحرث ما يدل على أن له زنة هي أثقل الأوزان. والفلك عندهم لا ثفيل ولا خفيف.
وأيضاً العرب لا تفهم منه الفلك، والقرآن إنما نزل بما يفهمون. وقصارى ما يدل عليه خبر أبي داود عن جبير بن مطعم التقبيب، وهو لا يستلزم الاستدارة من جميع الجوانب كما في الفلك، ولا بد لها من دليل منفصل، ثم
стр. 416
أن القوم إلى الآن بل إلى أن ينفخ في الصور لا دليل لهم على حصر الأفلاك في تسعة، ولا على أن التاسع اطلس لا كوكب فيه وهو غير الكرسى على الصحيح. فقد قال ابن جرير: قال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما الكرسى في العرش إلا كحلقة من حديد الفيت بين ظهرى فلاة من الارض)) وروى ابن أبي شبيهة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط الشيخين، عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵁ قال: الكرسى موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدرة إلا الله تعالى. وقد روى مرفوعاً والصواب وقفة الخبر. وقيل: العرش كناية عن الملك والسلطان، وتعقبه ذلك البعض بانه تحريف لكلام الله تعالى، وكيف يصنع قائل ذلك بقوله تعالى: ر ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ أيقول: ويحمل ملكه تعالى يؤمئذ ثمانية، وقوله ﵊: ((فإذا أما بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)) أيقول: آخذ بقائمة من قوائم الملك. وكلا القولين لا يقولهما من له أدنى ذوق.
وكذا يقال: أيقول أهتز عرش الرحمن - أهتز ملك الرحمن وسلطانه. وفيما رواه البخارى وغيره مرفوعاً ((لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتى سبقت غضبي)) فهو عنده سبحانه فوق الملك والسلكان وهذا كذينك القولين.
[ليس الاستواء بمعنى الاستيلاء]
والاستواء على الشئ جاء بمعنى الارتفاع والعلو عليه، وبمعنى الاستقرار كما في قوله تعالى: ﴿واستوت على الجودى﴾ و ﴿لتستوا على ظهوره﴾ وحيث كان ظاهر ذلك مستحيلاً عليه تعالى. قيل: الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء، كما في قوله:
стр. 417
قد استوى بشر على العراق *
وتعقب بأن الاستيلاء معناه، حصول الغلبة بعد العجز، وذلك محال في حقه تعالى، وأيضاً يقال: أستولى فلان على كذا، وإذا كان له منازع ينازعه وهو في حقه تعالى محال أيضاً. وأيضاً إنما يقال ذلك إذا كان المستولى عليه موجوداص قبل، والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه سبحانه. وأيضاً الاستيلاء واحد إلى كل المخلوقات، فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة.
[أنتصار الرازى لتأويلات الخلف]
واجاب الإمام الرازى بانه إذا فسر الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، ولا يخفى حال هذا الجواب على المصنف.
وقال الزمخشرى: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على العرش ألبتة، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك، لأنه أشرح وأبسط وادل على صورة الامر. ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، ولا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت. حتى إن من لم يبسط يده قط بالنوال، أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة، لمساواته عندهم قولهم جواد، ومنه قوله تعالى ﴿وقالت اليهود يد الله﴾ الآية. عفوا الوصف بالبخل، ورد عليهم بانه ﷻ جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط. أهـ.
وتعقبه الإمام قائلاً: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم يقولون ايضاً، المراد من قوله تعالى: ﴿أخلع نعليك﴾ الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل. وقوله تعالى: ﴿يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ المراد منه تخليص إبراهيم ﵇ عن يد ذلك الظالم من
стр. 418
غير أن يكون هناك نار وخطاب ألبته. وكذا القول في كل ماروى في كتاب الله تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقة، إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه - وليت من لم يعرف شيئاً لم يخ فيه أهـ.
ولا يخفى عليك أنه لا يلزم من فتح الباب في هذه الآية انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات. إذ لا داعى لها هناك، والداعى للتأويل بما ذكره الزمخشرى قوى عنده، ولعله الفرار من لزوم المحال مع رعاية جزاله المعنى. فإن ما أختاره أجزل من معنى الاستيلاء، سواء كان معنى حقيقياً للاستواء، كما هو ظاهر كلام الصحاح والقاموس وغيرهما أو مجازاً كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلاً.
واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه:
الأول: أنه سبحانه كان ولا عرش، لما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنبا عنه.
الثاني: أن المستقر على العرش لابد أن يكون الجزء الفاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره، فيكون سبحانه في نفسه مؤلفاً وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث.
الثالث: أن المستقر على العرش إما أن يكون متمكناً من الانتقال والحركة، ويلزم حينئذ أن يكون سبحانه محل الحركة والسكون، وهو قول بالحدوث. أو لا يكون متمكناً من ذلك فيكون رجل وعلاً كالزمن بل أسوأ حالاً منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الرابع: أنه قيل بتخصصه سبحانه بهذا المكان وهو العرش احتيج إلى مخصص، وهو افتقار ينزه الله تعالى منه. وإن قيل: بأنه يحصل بكل مكان لزم ما لا يقوله عاقل.
стр. 419
الخامس: أن يقول تعالى ﴿ليس كمثله شئ﴾ عام في نفي المماثلة، فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس، فحينئذ تبطل الآية.
السادس: أنه تعالى لو كان مستقراً على العرش لكان محمولاً للملائكة لقوله تعالى، ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ وحامل حامل الشئ حامل لذلك الشئ، وكيف يحمل المخلوق خالقه؟؟
السابع: أنه لو كان المستقر في المكان إلهاً ينسد باب القدح في إلهية الشمس والقمر.
الثامن: أن العالم كرة، فالجهة التى هي فوق بالنسبة إلى قوم هي تحت بالنسبة إلى آخرين وبالعكس، فليزم من إثبات جهة الفوق للمعبود سبحانه إثبات الجهة المقابلة لها أيضاً بالنسبة إلى بعض. وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال: المعبود تحت.
التاسع: أن الأمة اجتمعت على أن قوله تعالى ﴿قل هو الله أحد] من المحكمات، وعلى فرض الاستقرار على العرش يلزم التركيب والانقسام، فلا يكون سبحانه أحداً في الحقيقة فيبطل ذلك الحكم.
العاشر: أن الخليل ﵇ قال: ((لا أحب الآفلين)) فلو كان تعالى مستقرا على العرش لكان جسماً ىفلاً أبداً، فيندرج تحت عموم هذا القول. أهـ.
ثم إنه عفا الله تعالى عنه ضعف القول بأنا انقطع أنه ليس مراد الله تعالى ما يشعربه الظاهر، بل مراده سبحانه شئ آخر، ولكن لا نعين ذلك المراد خوفاً من الخطأ بأنه لما خاطبنا بلسان العرب وجب ألا نريد باللفظ إلا موضوعه في لسانهم، وإذا كان لا معنى للاستواء في لسانهم إلا الاستقرار والاستيلاء وقد تعذر حمله على الاستقار فوجب حمله على الاستيلاء، وإلا
стр. 420
لزم تعطيل اللفظ وأنه غير جائز، وإلى نحو هذا ذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال في بعض فتاويه: طريقة التأويل بشرطه - وهو قرب التأويل - أقرب إلى الحق، لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه، وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه، لأنه سبحانه قال: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ و ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ . وهذا عام في جميع آيات القرآن، فمن وقف على الدليل أفهمه الله تعالى مراده من كتابه، وهو اكمل ممن لم يقف على ذلك، إذ لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وفيه توسط في المسألة.
وقد توسط ابن الهمام في المسايرة وقد بلغ رتبة الاجتهاد كما قال عصرينا ابن عابدين الشامي في رد المختار حاشية الدار المختار - توسطاً أخص من هذا التوسط، فذكر ما حاصله: وجوب الإيمان بأنه تعالى استوى على العرش مع نفى التشبيه كون المراد استولى فأمر جائز الإرادة لا وواجبها، إذ لا دليل عليه. وإذا خيف على العامة عدم فهمهم بالاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا بالاتصال ونحوه من لوازم الجسمية، فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء، فإنه قد يثبت إطلاقه عليه لغة في قوله: [طويل]
فلما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر
وقوله: قد أستوى بشر.. البيت المشهور.
وعلى نحو ما ذكر: كل ما ورد مما ظاهرة الجسمية في الشاهد كالأصبع والقدم واليد. ومخلص ذلك التوسط في القريب بين أن تدعو الحاجة إليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو لذلك. ونقل أحمد زروق عن أبي حامد أنه قال: لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين شبهه لا ترتفع إلا به. وأنت تعلم أن طريقة كثير من الأعلام وأساطين الإسلام - الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التشبيه والتجسيم، منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزى،
стр. 421
وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثورى: وإسحق بن راهوية، ومحمد بن أسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني.
[الصفات بين المفوضين والمعطلين]
ونقل القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد في كتاب الاعتقاد عن ابي يوسف عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشئ من ذاته، ولكن يصفه بما وصف سبحانه به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله تعالى رب العالمين.
وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر.
فنثبت هذه الصفات وننفى عنها التشبيه كما نفى سبحانه عن نفسه فقال: ﴿ليس كمثله شئ﴾ . وذكر الحافظ ابن حجر في فتح البارى: أنه قد اتفق على ذلك أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ﷺ . وكلام إمام الحرمين في الإرشاد يميل إلى طريقة التأويل. وكلامه في الرسالة النظامية مصرح باختياره طريقة التفويض حيث قال فيها: والذى نرتضيه راياً وندين به عقداً اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع.
والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الصحابة ﵁، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعاني المتشابهات مع أنهم كانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه
стр. 422
منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنوناً أو محتوماً لأوشك أن يكون أهتماهم بها فوق الاهتمام بفرع الشريعة.
وقد اختاره أيضاً الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذى وصفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين، وفي كتابه الإبانة في أصول الديانة، وهو آخر مصنفاته فيما نقل. وقد قال البيضاوى في الطوالع: الأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء، يعنى المتشابهات، ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفى ما يقتضى التشبيه والتجسيم. اهـ.
وعلى ذلك جرى محققة الصوفية فقد جمع منهم أنهم قالوا: إن الناس ما احتاجوا إلى تأويل الصفات إلا من ذهولهم عن اعتقاد أن حقيقتة تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وإذا كانت مخالفة فلا يصح في آيات الصفات قط تشبيه، إذ التشبيه لا يكون إلا مع موافقة حقيقته تعالى لحقائق، وذلك محال.
وعن الشعرانى: أن من أحتاج إلى التأويل فقد جهل أولاً وآخراً.
وأما أولاً - فبتعقله صفة التشبيه في جانب الحق وذلك محال، وأما آخراً فلتأويله ما أنزل الله تعالى على وجه لعله لا يكون مراد الحق سبحانه.
وفي الدرر المنثورة له: أن المؤول انتقل من شرح الاستواء الجثماني على الاستيلاء على العرش المكانى بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالأمر السلطاني الحادث، وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث آخر، فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلى في الاستواء بقول الشاعر:
* قد أستوى ... ... ... ... . * ... ... ... ... ... البيت
وأين استواء بشر على العراق من استواء الحق سبحانه على العرش؟ ؟ فالصواب أن يلزم العبد الأدب مع مولاه، وبكل معنى كلامه إليه .
стр. 423
ونقل الشيخ إبراهيم الكواني في تنبيه العقول عن الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال في الفتوحات أثناء كلام طويل، عجب فيه من الأشاعرة والمجسمة: الاستواء حقيقة معقولة معنوية، تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات، ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهرة.
والفقير قد رأى في الفتوحات ضمن كلام طويل أيضاً في الباب الثالث منها ما نصه: ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح. ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شئ ألبته، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله ﷺ ، ويقولون لا ندرى، كان يكفيهم قول الله سبحانه: ﴿ليس كمثله شئ﴾ .
ثم ذكر بعد في الكلام على قوله ﷺ الذى رواه مسلم: ((إن قلوب بنى ادم كلها بين إصبعين من اصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء)) – والتخبير بين التفويض لكن بشرط نفي الجارحة ولابد، وتبين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه، وذكر أن هذا واجب على العالم عند تعينه في الرد على بدعى مجسم مشبه.
وقال أيضاً فيما رواه عنه تلميذه المحقق إسماعيل بن سودكين، في شرح التجليات: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا تطابق دليله العقلى، كأخبار النزول وغيره، لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لما كان به فائدة.
وقد علمنا أنه ﷺ أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم ثم رأيناه ﷺ مع فصاحته، وسعة علمه وكشفه، لم يقل لنا
стр. 424
إنه تنزل رحمته تعالى، ومن قال تنزل رحمته، فقد حمل الخطاب على الآدلة العقلية، والحق ذاته مجهولة، فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين. والعرب تفهم نسبة النزول مطلقاً، فلا تقديه بحكم دون حكم، وحيث تقرر عندها أنه سبحانه ليس كمثله شئ يحصل لها المعنى مطلقاً منزهاً، وربما يقال لك هذا يحيله العقل، فقل: الشأن هذا إذا صح أن يكون الحق من مدركات العقول: فإنه حينئذ تمضى عليه سبحانه أحكامها، أهـ.
وقال تلميذه صدر الدين القونوى، في مفتاح الغيب بعد بسط كلام في قاعدة جليلة الشأن حاصلها: أن التغاير بين الذوات يستدعى التغاير في نسبه الأوصاف إليها ما نصه: وهذه قاعدة من عرفها أو كشف له عن سرها، عرف سر الآيات والأخبار التى توهم التشبيه عند أهل العقول الضعيفة، واطلع على المراد منها فيسلم من ورطتى التأويل والتشبيه، وعاين الأمر، كما ذكر مع كمال التنزيه. أهـ.
وخلاصة الكلام في هذا المقام: أنه قد ورد في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة ألفاظ توهم التشبيه والتجسيم، وما لا يليق بالله تعالى الجليل العظيم، فتشبث المجسمة والمشبهة بما توهمه، فضلوا وأضلوا، ونكبوا عن سوء السبيل وعدلوا.
وذهب جمع إلى أنهم هالكون، وبربهم كافرون. وذهب آخرون إلى أنهم مبتدعون. وفصل بعض فقال: هم كفرة إن قالوا: هو سبحانه جسم كسائر الأجسام، ومبتدعة إن قالوا: جسم لا كالأجسام. وعصم الله تعالى أهل الحق مما ذهبوا إليه، وعولوا في عقائدهم عليه.
فأثبت طائفة منهم ما ورد، كما ورد مع كماله التنزيه، للبرأ عن التجسيم والتشبيه. فحقيقة الاستواء، مثلاً المنسوب إليه تعالى شانه، لا يلزمها ما يلزم في الشاهد، فهو جل وعلا مستو على العرش مع غناه سبحانه عنه، وحمله
стр. 425
بقدرته للعرش وحملته وعدم مماسته له وانفصال مسافة بينه تعالى وبينه. ومتى صح للمتكلمين أن يقولوا: إنه تعالى ليس عين العالم ولا داخلاً فيه ولا خارجاً عنه، مع أن البداهة تكاد تقضى ببطلان ذلك بين شئ وشئ - صح لهؤلاء الطائفة أن يقولوا ذلك في استوائه تعالى الثابت بالكتاب والسنة، فالله سبحانه وصفاته وراء طور العقل، فلا يقبل حكمه إلا فيما كان طور الفكر، فإن القوة المفكرة شأنها التصرف فيما في الخيال والحافظة من صور المحسوسات والمعاني الجزئية، ومن ترتيبها على القانون يحصل للعقل علم آخر يبنه وبين الأشياء مناسبة، وحيث لا مناسبة بين ذات الحق جل وعلا، وبين شئ لا يستنتج من المقدمات التى يرتبها معرفة الحقيقة فأكف الكيف مشلولة، وأعناق التطاول إلى معرفة الحقيقة مغلولة، وأقدام السعي إلى التشبيه مكبلة، وأعين الأبصار والبصائر عن الإدراك مسملة: [وافر]
مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تيبد
وقد أخرج اللالكائى في كتاب السنة من طريق الحسن، عن أمه، عن أم سلمه ﵂ قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن انه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى اله تعالى إرساله، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم. ومتى قالوا بنفي اللوازم بالكلية اندفع عنهم ما تقدم من الاعتراضات، وحفظوا عن سائر الأفات.
وهذه الطائفة قيل هم السلف الصالح. وقيل: إن السلف بعد نفى ما يتوهم من التشبيه يقولون لا ندرى ما معنى ذلك، والله تعالى أعلم بمراده.
واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على نحو ذلك كثيرة جداً