← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثورى: وإسحق بن راهوية، ومحمد بن أسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني. [الصفات بين المفوضين والمعطلين] ونقل القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد في كتاب الاعتقاد عن ابي يوسف عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشئ من ذاته، ولكن يصفه بما وصف سبحانه به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله تعالى رب العالمين. وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر. فنثبت هذه الصفات وننفى عنها التشبيه كما نفى سبحانه عن نفسه فقال: ﴿ليس كمثله شئ﴾ . وذكر الحافظ ابن حجر في فتح البارى: أنه قد اتفق على ذلك أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ﷺ . وكلام إمام الحرمين في الإرشاد يميل إلى طريقة التأويل. وكلامه في الرسالة النظامية مصرح باختياره طريقة التفويض حيث قال فيها: والذى نرتضيه راياً وندين به عقداً اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع. والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الصحابة ﵁، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعاني المتشابهات مع أنهم كانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه

стр. 422

منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنوناً أو محتوماً لأوشك أن يكون أهتماهم بها فوق الاهتمام بفرع الشريعة. وقد اختاره أيضاً الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذى وصفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين، وفي كتابه الإبانة في أصول الديانة، وهو آخر مصنفاته فيما نقل. وقد قال البيضاوى في الطوالع: الأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء، يعنى المتشابهات، ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفى ما يقتضى التشبيه والتجسيم. اهـ. وعلى ذلك جرى محققة الصوفية فقد جمع منهم أنهم قالوا: إن الناس ما احتاجوا إلى تأويل الصفات إلا من ذهولهم عن اعتقاد أن حقيقتة تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وإذا كانت مخالفة فلا يصح في آيات الصفات قط تشبيه، إذ التشبيه لا يكون إلا مع موافقة حقيقته تعالى لحقائق، وذلك محال. وعن الشعرانى: أن من أحتاج إلى التأويل فقد جهل أولاً وآخراً. وأما أولاً - فبتعقله صفة التشبيه في جانب الحق وذلك محال، وأما آخراً فلتأويله ما أنزل الله تعالى على وجه لعله لا يكون مراد الحق سبحانه. وفي الدرر المنثورة له: أن المؤول انتقل من شرح الاستواء الجثماني على الاستيلاء على العرش المكانى بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالأمر السلطاني الحادث، وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث آخر، فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلى في الاستواء بقول الشاعر: * قد أستوى ... ... ... ... . * ... ... ... ... ... البيت وأين استواء بشر على العراق من استواء الحق سبحانه على العرش؟ ؟ فالصواب أن يلزم العبد الأدب مع مولاه، وبكل معنى كلامه إليه .

стр. 423

ونقل الشيخ إبراهيم الكواني في تنبيه العقول عن الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال في الفتوحات أثناء كلام طويل، عجب فيه من الأشاعرة والمجسمة: الاستواء حقيقة معقولة معنوية، تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات، ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهرة. والفقير قد رأى في الفتوحات ضمن كلام طويل أيضاً في الباب الثالث منها ما نصه: ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح. ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شئ ألبته، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله ﷺ ، ويقولون لا ندرى، كان يكفيهم قول الله سبحانه: ﴿ليس كمثله شئ﴾ . ثم ذكر بعد في الكلام على قوله ﷺ الذى رواه مسلم: ((إن قلوب بنى ادم كلها بين إصبعين من اصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء)) – والتخبير بين التفويض لكن بشرط نفي الجارحة ولابد، وتبين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه، وذكر أن هذا واجب على العالم عند تعينه في الرد على بدعى مجسم مشبه. وقال أيضاً فيما رواه عنه تلميذه المحقق إسماعيل بن سودكين، في شرح التجليات: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا تطابق دليله العقلى، كأخبار النزول وغيره، لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لما كان به فائدة. وقد علمنا أنه ﷺ أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم ثم رأيناه ﷺ مع فصاحته، وسعة علمه وكشفه، لم يقل لنا

стр. 424

إنه تنزل رحمته تعالى، ومن قال تنزل رحمته، فقد حمل الخطاب على الآدلة العقلية، والحق ذاته مجهولة، فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين. والعرب تفهم نسبة النزول مطلقاً، فلا تقديه بحكم دون حكم، وحيث تقرر عندها أنه سبحانه ليس كمثله شئ يحصل لها المعنى مطلقاً منزهاً، وربما يقال لك هذا يحيله العقل، فقل: الشأن هذا إذا صح أن يكون الحق من مدركات العقول: فإنه حينئذ تمضى عليه سبحانه أحكامها، أهـ. وقال تلميذه صدر الدين القونوى، في مفتاح الغيب بعد بسط كلام في قاعدة جليلة الشأن حاصلها: أن التغاير بين الذوات يستدعى التغاير في نسبه الأوصاف إليها ما نصه: وهذه قاعدة من عرفها أو كشف له عن سرها، عرف سر الآيات والأخبار التى توهم التشبيه عند أهل العقول الضعيفة، واطلع على المراد منها فيسلم من ورطتى التأويل والتشبيه، وعاين الأمر، كما ذكر مع كمال التنزيه. أهـ. وخلاصة الكلام في هذا المقام: أنه قد ورد في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة ألفاظ توهم التشبيه والتجسيم، وما لا يليق بالله تعالى الجليل العظيم، فتشبث المجسمة والمشبهة بما توهمه، فضلوا وأضلوا، ونكبوا عن سوء السبيل وعدلوا. وذهب جمع إلى أنهم هالكون، وبربهم كافرون. وذهب آخرون إلى أنهم مبتدعون. وفصل بعض فقال: هم كفرة إن قالوا: هو سبحانه جسم كسائر الأجسام، ومبتدعة إن قالوا: جسم لا كالأجسام. وعصم الله تعالى أهل الحق مما ذهبوا إليه، وعولوا في عقائدهم عليه. فأثبت طائفة منهم ما ورد، كما ورد مع كماله التنزيه، للبرأ عن التجسيم والتشبيه. فحقيقة الاستواء، مثلاً المنسوب إليه تعالى شانه، لا يلزمها ما يلزم في الشاهد، فهو جل وعلا مستو على العرش مع غناه سبحانه عنه، وحمله

стр. 425

بقدرته للعرش وحملته وعدم مماسته له وانفصال مسافة بينه تعالى وبينه. ومتى صح للمتكلمين أن يقولوا: إنه تعالى ليس عين العالم ولا داخلاً فيه ولا خارجاً عنه، مع أن البداهة تكاد تقضى ببطلان ذلك بين شئ وشئ - صح لهؤلاء الطائفة أن يقولوا ذلك في استوائه تعالى الثابت بالكتاب والسنة، فالله سبحانه وصفاته وراء طور العقل، فلا يقبل حكمه إلا فيما كان طور الفكر، فإن القوة المفكرة شأنها التصرف فيما في الخيال والحافظة من صور المحسوسات والمعاني الجزئية، ومن ترتيبها على القانون يحصل للعقل علم آخر يبنه وبين الأشياء مناسبة، وحيث لا مناسبة بين ذات الحق جل وعلا، وبين شئ لا يستنتج من المقدمات التى يرتبها معرفة الحقيقة فأكف الكيف مشلولة، وأعناق التطاول إلى معرفة الحقيقة مغلولة، وأقدام السعي إلى التشبيه مكبلة، وأعين الأبصار والبصائر عن الإدراك مسملة: [وافر] مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تيبد وقد أخرج اللالكائى في كتاب السنة من طريق الحسن، عن أمه، عن أم سلمه ﵂ قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن انه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى اله تعالى إرساله، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم. ومتى قالوا بنفي اللوازم بالكلية اندفع عنهم ما تقدم من الاعتراضات، وحفظوا عن سائر الأفات. وهذه الطائفة قيل هم السلف الصالح. وقيل: إن السلف بعد نفى ما يتوهم من التشبيه يقولون لا ندرى ما معنى ذلك، والله تعالى أعلم بمراده. واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على نحو ذلك كثيرة جداً

стр. 426

ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى ورسوله ﷺ ، العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدرى معناه. وأيضاً قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المعنى من مثل ذلك، فقد أخرج أبو نعيم عن الطبراني قال: ثنا عياش بن تميم، ثنا يحيى بن أيوب المقابرى، ثنا سلم بن سالم، ثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول ((إن الله تعالى يضحك من يأس عباده وقنوطهم، وقرب الرحمة منهم)) . فقلت: بأبي أنت وامى يا رسول الله؟ أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، والذى نفسى بيده إنه ليضحك، قلت: فلا يعدمنا خيراً إذا ضحك)) فإنها رضي الله تعالى عنها لو لم تفهم من ضحكة تعالى معنى لم تقل ما قالت. وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا، ففي صحيح البخارى قال مجاهد: استوى على العرش: علا على العرش. وقال أبو العالية: استوى على العرش: ارتفع. وقيل: إن السلف قسمان: قسم منهم بعد أن نفوا التشبيه عينوا المعنى الظاهر المعرى عن اللوازم. وقسم رأوا صحة تعيين ذلك، وصحة تعيين معنى آخر لا يستحيل عليه تعالى، كما فعل بعض الخلف فراعوا الأدب واحتاطوا في صفات الرب، فقالوا: لا ندرى ما معنى ذلك، أى ما المعنى المراد له ، والله تعالى أعلم بمراده. وذهب طائفة من المنزهين عن التشبيه والتجسيم إلى أنه ليس المراد الظواهر مع نفى اللوازم، بل المراد معنى معين هو كذا، وكثيراً ما يكون ذلك معنى مجازياً، وقد يكون معنى حقيقياً للفظ. وهؤلاء جماعة من الخلف

стр. 427

وقد يتفق لهم تفويض المراد إليه جل وعلا أيضاً، وذلك إذا تعددت المعاني المجازية أو الحقيقة التى لا يتوهم منها محذور، ولم تقم عندهم قرينة ترجح واحداً منها فيقولون: يحتمل اللفظ كذا وكذا، والله تعالى أعلم بمراده من ذلك. ومذهب الصوفية على ما ذكره الشيخ إبراهيم الكوراني وغيره: إجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفى اللوازم والتنزيه بليس كمثله شئ، كمذهب السلف الأول، وقولهم بالتجلى في المظاهر على هذا النحو. وكلام الشيخ الأكبر قدس سره في هذا المقام مضطرب كما يشهد بذلك ما سمعت نقله عنه أولا مع ذكره في الفصل الثاني من الباب الثاني من الفتوحات، فإنه قال في عدد من الطوائف المنزهة، وطائفة من المنزهة أيضاً وهم العللية وهم اصحابنا، فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها، وقالوا حصل في نفوسنا من تعظيم الله تعالى الحق ﷻ بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر، فأشبهوا في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم حيث لم ينظروا ولم يؤلوا بل قالوا: لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات، وذلك بأن تفرغ قلوبنا من النظر الفكرى، ونجلس مع الحق سبحانه بالذكر على بساط الأدب والمرقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد منه تعالى، حتى يكون الحق سبحانه متولى تعليمنا بالكشف والتحقق لما سمعوه تعالى يقول ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ ، ﴿وإن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾ ، ﴿وقل رب زدني علماً﴾ ، ﴿وعلمناه من لدنا علماً﴾ فعند ما توجهت قلوبهم وهممهم إلى الله لجأت إليه سبحانه، وألقت عنها ما أستمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول، كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة.

стр. 428

فعندما كان منهم هذا الإستعداد تجلى لهم الحق عياناً معلماً، فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني تلك الكلمات دفعة واحدة، فعرفوا المعنى التنزيهي الذى سيقت له، ويختلف ذلك بحسب اختلاف مقامات إيرادها، وهذا حال طائفة منا. وحال طائفة أخرى منا أيضاً ليس لهم هذا التجلى، لكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتاب، وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامات عندهم لا يعرفها سواهم، فيخبرون بما خوطروا به، وبما ألهموا وما ألقى إليهم أو كتب - أنتهى المراد منه. ولعل من يقول بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفي اللوازم كمذهب السلف الأول من الصوفية طائفة، لم يحصل لهم ما حصل لهاتين الطائفتين والفضل بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء. هذا بقى هل يسمى ما عليه السلف تأويلاً أم لا. والمشهور عدم تسمية ما عليه المفوضة منهم تأويلاً، وسماه بعضهم تأويلاً كالذى عليه الخلف. قال اللقانى: أجمع الخلف ويعبر عنهم بالمؤولة، والسلف ويعبر عنهم بالمفوضة على تنزيه تعالى عن المعنى المحال الذى دل عليه الظاهر، وعلى تأويله وإخراجه عن ظاهرة المحال، وعلى الإيمان به بأنه من عند الله تعالى، جاء به رسول الله ﷺ ، وإنما أختلفوا في تعيين محمل له معنى صحيح، وعدم تعيينه بناء على أن الوقف على قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ أو على قول سبحانه ﴿إلا الله﴾ ويقال لتأويل السلف إجمالى، ولتأويل الخلف تفصيلى. أنتهى ملخصاً. وكان شيخنا العلامة علاء الدين يقول: ما عليه المفوضة تأويل واحد وما عليه المؤولة تأويلان. ولعله راجع إلى ما سمعت.

стр. 429

وأما ما عليه القائلون بالظواهر مع نفى اللوازم فقد قيل: إن فيه تاويلاً أيضاً لما فيه من نفى اللوازم، وظاهر الألفاظ أنفسها تقتضيها ففيه إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر، وإخراج اللفظ عن ذلك لدليل لو مرجوحاً تأويل. ومعنى كونهم قائلين بالظواهر أنهم قائلون بها في الجملة. وقيل: لا تأويل فيه، لأنهم يعتبرون اللفظ من حيث نسبته إليه عز شأنه وهو من هذه الحيثية لا يقتضى اللوازم، فليس هناك إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر. ألا ترى أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على رؤية اله تعالى في الآخرة مع نفى لوازم الرؤية في الشاهد من المقابلة والمسافة المخصوصة وغيرها، مع أنه لم يقل أحد إن ذلك من التأويل في شئ. وقال بعض الفضلاء: كل من فسر فقد أول، وكل من لم يفسر لم يؤول، لأن التأويل هو التفسير، فمن عدا المفوضة مؤولة، وهو الذى يقتضيه ظاهر قوله تعالى: ﴿وما يعلم إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ بناء على أن الوقف على ﴿إلا الله﴾ ولا يخفى أن القول بأن القائلين بالظواهر مع نفى اللوازم الغير الداخلين في الراسخين في العلم، بناء على الوقف المذكور لا يتسنى مع القول بأنهم من السلف الذين هم هم. وقد يقال: إنهم داخلون في الراسخين، والتأويل بمعنى آخر يظهر بالتتبع والتأمل. وقد تقدم الكلام في المراد بالمتشابهات وذكرنا ما يفهم منه الاختلاف في معنى التأويل. [رأى المؤلف في الصفات] وأنا أميل إلى التأويل وعدم القبول بالظواهر مع نفى اللوازم في بعض ما ينسب إلى الله تعالى، مثل قوله سبحانه: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾

стр. 430

وقوله : ﴿يا حسرتا على العباد﴾ كما في بعض القراءات، وكذا قوله ﷺ إن صح: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن قبله أو صافحه فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه)) فأجعل الكلام فيه خارجاً مخرج التشبيه لظهور القرينة، ولا أقول الحجر الأسود من صفاته تعالى كما قال السلف في اليمين. وأرى من يقول بالظواهر ونفى اللوازم في الجمع بينه وبين القول بوحدة الوجود على الوجه الذى قاله محققو الصوفية مثل ما بين سواد العين وبياضها. وأميل ايضاً إلى القول بقبيب العرش، لصحة الحديث في ذلك، والأقرب إلى الدليل العقلى القول بكريته. ومن قال بذلك أجاب عن الأخبار السابقة بما لا يخفى على الفطن. وقال الشيخ الكبر محيى الدين قدس سره في الباب الحادى والسبعين والثلثمائة من الفتوحات: إنه ذو أركان أربعة، ووجوه أربعة هي قوائمه الصلية، وبين كل قائمتين قوائم وعددها معلوم عندنا ولا أبينها - إلى آخر ما قال. وبفهم كلامه أن قوائمه ليست بالمعنى الذى يتبادر إلى الذهن، وصرح بأنه أحد حملته، وأنه أنزل عند أفضل القوائم وهي خزانة الرحمة، وذكر أن العماء محيط به، وأن صورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية - وأطال الكلام في هذا الباب، وأتى فيه بالعجب العجاب. وليس له في أكثر ما ذكره فيه مستند نعلمه من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ . ومنه ما لا يجوز لنا ان تقول بظاهرة والظاهر أن العرش واحد. وقال: من قال من الصوفية بتعدده. ولا يخفى ما في نسبة الاستواء إليه تعالى بعنوان الرحمانية مما يزيد قوة الرجاء به جل وعلا، وسبحان من وسعت رحمته كل شئ. أنتهى. وإنما سقته بطوله لأنه قلما تجده في كتاب.

стр. 431

وقال الوالد عليه الرحمة في كتابه النزهة من كلام طويل ما نصه: وأنت تعلم أ، القول بالظواهر مع التنزيه خال عن ذلك، وإلا أن تفويض العلم بالمراد فيه إلى الله تعالى لا يخلو عن خفاء لما أن فيه الجزم بأن المراد هو الظاهر، غاية ما في الباب أنه مجرد عن اللوازم كرؤيته تعالى مصدر المبنى للفاعل ومصدر المبنى للمفعول، فإن لوازمها بالمعنيين في الشاهد منفية فيه تعالى. وحيث إنى من المفوضين فيما عدا ما سمعت بالتفويض على حد ما عليه جمهور السلف، إلا أنى أعد الظاهر الذى جزموا – كما أشار غليه الجلال المحلى وغيره – بأنه غير مراد هو المعنى المستدعى للوازم، فأقول في الاستواء مثلاً: ليس المراد به المعنى الحقيقى بلوازمه قطعاً، لإباء قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ مع الدليل العقلى عنه. بل المراد معنى لائق به لا أعلمه هو يعلمه، وأقطع بذلك من غير تعيين. نعم، أقول هو محتمل لأن يكون المعنى المجرد عن اللوازم، ومحتمل لأن يكون غيره مما يليق به جل شانه وعز سلطانه. وربما ارجح الأول من الاحتمالين بان عليه جملة من السلف الصالح، وطائفة عظيمة من الصوفية الذين لا يؤثر بعلو شأنهم قدح قادح، لكن لا أجزم لأن مراد الله تعالى كما أجزم بأن الطاهر بلوازمه غير مراد له تعالى – فأنا والحمد لله تعالى مؤمن بما ورد في الله تعالى على المعنى أراده ﷻ . ومن أين لعنكبوت العقل العروج بلعابه إلى رفيع قدس العرش وما حواه أدنى من ذرة بالنسبة إلى جنابه، وأقول بالوقف على قوله تعالى: ﴿إلا الله﴾ فقد حكاه محيى السنة البغوى في المعالم، وغيره في غيره عن أكثر الصحابة والتابعين والنحويين رضي الله تعالى عنهم اجمعين. وقال الأستاذ أبو منصور: إنه الأصح، وبالغ ابن السمعاني وغيره من

стр. 432

الأجلة في نصرته، ولا يثنينى عن ذلك حكاية إمام الحرمين في البرهان: الوقف على ((العلم)) عن أكثر القراء والنحاة، ولا نقله ذلك فيه عن ابن عباس ﵁، وابن مسعود ﵁، ولا مبالغته في تأييده في التلخيص حتى قال: إن مقابلة قول باطل، لما أنه خلاف مقتضى مادان الله تعالى به في الرسالة النظامية كما قدمناه لك، وهى أبعد البرهان تأليفاً، وخلاف مقتضى ما نقله الألوف عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين. وقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه كان يقرأ: وإن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به. وكذا لا يثنينى قول النووى عليه الرحمة في شرح صحيح مسلم: إنه الأصح، لأنه يبعد أن يخاطب اله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته. فإنه خلاف مقتضى ما ذهب إليه إمامه الشافعي ﵁ مما أخرجه ابن أبي حاتم في مناقبه عن يونس بن عبد الأعلى عنه، ونقله العلامة الكوراني في تنبيه العقول، والبعد الذى ذكره ممنوع حيث كان الخطاب بذلك للابتلاء، وقد أبتلى سبحانه عباده بتكالبف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد السر فيها والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل، وكسر سورة الفكر، وإذهاب عجب طاوس النفس، ليتوجه القلب بشراشرة تجاه كعبة العبودية، ويخضع تحت سرادقات الربوبية، ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى الحور المقصورات في هاتيك القصور. وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة. وكذا لا يثنينى وجوده ذكرها الخلف في ترجيح الوقف على ((العلم)) فقد رددتها والحمد لله تعالى في تفسيرى روح المعاني. وذكر مما يرجح الوقف على ((إلا الله)) ما فيه مقنع لمن أوتى قلباً سليماً

стр. 433

وفهماً مستقيماً. (بقى شئ) وهو أن ابن السبكى قال في جمع الجوامع ما نصه: ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية، أنتهى. وكتب عليه شيخ الإسلام (١) ما نصه: المراد بما لا معنى له ما يتعذر التوصل إلى معناه ليصح محلاً للنزاع إذ لم يقل أحد بظاهر ذلك. أنتهى. فيلزم من ذلك وكون السلف قائلين إن المتشابه ما يتعذر التوصل إلى معناه كما أفصح به تعريف الحنفية إياه بما استأثر الله تعالى بعلمه دون ما لم يتضح معناه، كما عرفه به معظم الشافعية مخالفين لمقتضى ما روى عنه من قوله: إن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، كون أولئك الأجلة الذين هم سادات الملة. كالحشوية الذين قال الحسن البصرى لما وجد قولهم ساقطاً وكانوا يجلسون في حلقتة أمامه: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أى جانبها. أو الطعن في الحسن البصرى الذى هو أفضل التابعين عند اهل البصرة حيث رأى سقوط قول هو عين قول السلف القائلين بقولهم. وقد أخرج - كما قال الحافظ ابن حجر في شرح البخارى - أبو القاسم اللالكائى في كتاب السنة من طريق الحسن عن امه عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. وقد كنت سالت شيخى علاء الدين الموصلى عن ذلك أثناء الدرس فقال: الفرق بيم مذهب السلف ومذهب الحشوية: أن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه الرماد مطلقاً، فالاستواء مثلاً عندهم له معنى يتوصل إليه بمجرد سماعه من يعرف المعلومات اللغوية، إلا أنه غير مراد لأنه

стр. 434

خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به تعالى لا يعلمه إلا هو . وقد يقال: الأولى في الجواب إبقاء كلام ابن السبكى على ظاهرة وعدم الالتفات إلى كلام شيخ الإسلام، وقوله: أنه لم يقل به أحد، فالمثبت لا سيما إذا كان كابن السبكى الإمام ابن الإمام - مقدم على النافي ولو كان كشيخ الإسلام، فتأمل جميع ما تلوناه عليك وهو يغنيك عن مراجعة كثير من الكتب إن أخذت العناية بيديك. وبقيت في هذا المقام أبحاث كثيرة يضيق عنها نطاق الكلام. وفي كتب الحنابلة من ذلك ما يجلو غياهب الأوهام، ويروى الغلل ويبرئ العلل والأسقام فمتى أشكل عليك أمر فارجع إليها ينشرح بإذن الله تعالى منك الصدر. أنتهى كلام الوالد، لا زال بنعيم متزايد. وقد مر عليك غير مرة أن كثيراً من المؤولة يسمى غالب السلفيين بالحشوية ولا سيما المعتزلة. وذكر الوالد في سبب التسمية ما تقدم. والشيخ ابن القيم نسبها في النونية إلى غير من تعلم كعمرو بم عبيد والله تعالى أعلم - بما نصه: [كامل] ومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن ويظن يعنون حشوا في الوجو ... د وفضله من أمه الإنسان ويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان إذ قولهم فوق العباد وفي السما ... ء الرب ذو الملكوت والسلطان ظن الحمير بأن في للظرف والر ... حمن محوى بظرف مكان والله لم يسمع بذا من فرقة ... قالته في زمن من الأزمان لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تباً لذى البهتان بل قولهم إن السماوات العلا ... في كف خالق هذه الأكوان

стр. 435

حقاً كخردلة ترى في كف ممـ ... سكها تعالى الله ذو السلطان أتونه المحصور بعد أم السما ... يا قومنا ارتدعوا عن العدوان كم ذا مشبهة وذا حشوية ... فألبهت لا يخفى على الرحمن يا قوم إن كان الكتاب وسنة الـ ... مختار حشوا فاشهدوا ببيان أنا بحمد إلهنا حشوية ... صرف بلا جحد ولا كتمان تدرون من سمت شيوخكم بهـ ... ذا الاسم في الماضي من الأزمان سمى به عمرو لعبد الله ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان فورثتموا عمرً كما ورثوا لعبد ... الله أنى يستوى الإرثان تدرون من أولى بهذا الاسم وهو ... مناسب أحواله بوزان من قد حشى الأوراق والأذهان من ... بدع تحالف موجب القرآن هذا هو الحشوى لا أهل الحديـ ... ث أئمة انثلام والإيمان أنتهى. ويمكن التوفيق فتدبر. وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧١ في تأويل مختلف الأحاديث ما نصه: إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والناتية والمجبرة والجبرية، وسموهم الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خير عن رسول الله ﷺ . كما أتى في القدرية أنهم مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا يشهدوا جنائزهم. وفي الرافضة برواية ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنهم مشركون)) وفي المرجئة: ((صنفان من أمتى لا تنالهم شفاعتى لعنوا على لسان سبعين نبياً المرجئة والقدرية)) (١)

стр. 436

وفي الخوارج: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وكلاب أهل النار)) هذه أسماء رسول الله ﷺ ، وتلك أسماء مصنوعة. أنتهى. وقال الشيخ عبد القادر الكيلانى قدس سره: إن الباطنية تسمى أهل الحديث حشوية لقولهم بالأخبار وتعلقهم بالآثار. أنتهى فليحفظ. وقال في مسند الوقت الشيخ الأجل أحمد ولى الله المحدث الدهلوى في كتابه حجة الله البالغة: واستطال هؤلاء الخاضعون على معشر أهل الحديث وسموهم مجسمة ومشبهة، وقالوا: هم المتسترون بالبلكفة. وقد وضح على وضوحاً بيناً أن أستطالتهم هذه ليست بشئ، وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى. أنتهى. [مذهب ابن تيمية في الصفات] فصل وأما الشيخ ابن تيميه فقد ألف في الصفات كتباً عديدة، وأتى بمباحث فريدة، أيد فيها مذهب السلف، وصرح بأنه معتقد بجميع ما قالوه نابذاً لكلام الخلف. فمن ذلك ما في فتاويه: سئل شيخ الإسلام، وقامع البدعة في الأنام، ابو العباس أحمد بن تيمية نفعنا الله تعالى بعلومه الربانية - عن رجلين أختلفا في الاعتقاد فقال أحدهما: من يعتقد أن الله تعالى في السماء فهو ضال. وقال الآخر: لا ينحصر في مكان، وهما شافعيان - فبينوا لنا ما تتبعه من عقيدة الشافعي ﵁، وما الصواب في ذلك؟ فأجاب: الحمد لله. واعتقاد الشافعي رحمه الله تعالى هو اعتقاد سلف أئمة الإسلام كمالك والثورى والأوزاعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض وأبى

стр. 437

سليمان الدارانى وسهل بن عبد الله التسترى وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين. وكذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو مما نطق به الكتاب والسنة. وقال الشافعي في أول خطبة الرسالة: الحمد لله الذى هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه، فبين رحمه الله تعالى أن الله سبحانه موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسول الله ﷺ . وكذلك أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، قال: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ ، لا تتجاوز القرآن والحديث. وهكذا مذهب سائرهم أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يثبتون له ما اثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، ويعلمون أنه ليس كمثله شئ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإنه كما أن ذاته سبحانه ليست مثل الدوات المخلوقة، فصفاته ليست كالصفات المخلوقة، بل سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، فهو حي قيوم، سميع بصير، عليم قدير، رءوف رحيم، وهو الذى خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستة ايام، ثم أستوى على العرش، وهو الذى كلم موسى تكليماً، وتجلى للجبل فجعله دكا، ولا يماثله شئ من الأشياء في شئ من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة احد، ولا كاستوائه أحد، ولا كسمعه وبصره، ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد،

стр. 438

ولا كتجليه تجلى أحد. والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحماً ولبناً، وعسلاً وماء،وحريراً وذهباً. وقد قال ابن عباس، ﵁ ليس في الدنيا مما في الأخرة إلا الأسماء، فإذا كانت المخلوقات الفانية ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقها في الأسماء، فالخلق تعالى أعظم علواً ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء. وقد سمى نفسه حياً وعليماً، وسميعاً بصيراً، وملكاً رءوفاً رحيماً، وسمى ايضاً بعض مخلوقاته حياً وبعضها عليماً، وبعضها سميعاً بصيراً، وبعضها رءوفاً رحيماً، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم. وقال تعالى: ﴿يخرج الحي من الميت﴾ . وقال تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾ . وقال تعالى: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ ، وهو سبحانه قد قال في كتابه: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً﴾ [الملك ١٦، ١٧] وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه قال للجارية: ((أين الله؟ قالت: في السماء، قال من انا قالت: رسول الله ﷺ ، قال أعتقها فإنها مؤمنة)) . وهذا الحديث رواه مالك والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومسلم في صحيحه وغيرهم.ولكن ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء، وان السماوات تحصره وتحويه، فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله سبحانه: فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته. وقال مالك بن انس، رحمه الله تعالى: إن الله تعالى في السماء وعلمه في كل مكان. وقالوا لعبد الله بن المبارك: بماذا يعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه. وقال أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، كما قال هذا وهذا.

стр. 439

قال الشافعي، رحمه الله تعالى: خلافة أبي بكر، حق قضاها الله تعالى في سمائه، وجمع عليها قلوب أوليائه. وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون، نقر بأن الله سبحانه فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، فمن اعتقد أن الله تعالى في جوف السماوات محصور محاط به، أو أنه مفتقر إلى العرش، أو غير العرش من المخلوقات، أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل. ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلى له ويسجد، وأن محمداً لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل القرآن من عنده فهو معطل فرعونى، ضال مبتدع، فإن فرعون كذب موسى في ان ربه فوق السماوات، وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً لعلى ابلغ الأسباب، أسباب السماوات فاطلع إلى إله موسى وغنى لأظنه كاذباً﴾ [غافر ٣٧] ، ونبينا محمد ﷺ ، صدق موسى ﵇ أن ربه تعالى فوق السماوات، فلما كان ليلة المعراج، وعرج به إلى الله عز ودل، وفرض عليه خمسين صلاة، ذكر أنه رجع إلى موسى وقال له: ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف لأمتك - وهذا الحديث في الصحاح، فمن وافق فرعون وخالف موسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، فهو ضال، ومن مثل الله تعالى وشبهه بخلقه، فهو ضال. قال نعيم بن حماد: من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله تعالى ب نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله تعالى به نفسه، ولا رسوله ﷺ تشبيهاً. وقد قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ ، [فاطر ١٠] وقال لعيسى ﵇: ﴿إنى متوفيك ورافعك إلى﴾

стр. 440

[آل عمران ٥٥] ، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء ١٥٨] ، وقال ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام ١١٤] وقال: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ [الجاثية والأحقاف ٢] وقال تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته [الأنبياء ٢٠] ، فدل بذلك على ان الذين عنده هم قريبون إليه، وإن كانت المخلوقات تحت قدرته. فالقائل الذى قال: من لا يعتقد أن الله تعالى في السماء فهو ضال، إن أراد بذلك من لا يعتقد أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ. وإن أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء به من الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذباً للرسول ﷺ متبعاً غير سبيل المؤمنين بل يكون في الحقيقة معطلاً لربه نافياً له فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده ولا رب يسأله ويقصده وهذا قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون المعطل والله سبحانه فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا ادعوا توجهت قلوبهم إلى العلو ولا يقصدونه تحت أرجلهم. ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط يا ألله إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة. وأما القائل الذي يقول: إن الله تعالى لا ينحصر في مكان إن أراد به أن الله تعالى لا ينحصر في جوف المخلوقات وأنه لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب وإن أراد أن الله ليس فوق السماوات ولا هو مستو على العرش استواء لائقاً بذاته وليس هناك إله يعبد ومحمد ﷺ لم يعرج به إلى الله تعالى فهذا جهمي فرعوني معطل.

стр. 441

ومنشأ الضلال أن يظن الظان أن صفات الرب سبحانه كصفات خلقه فيظن أن الله تعالى على عرشه كالملك المخلوق على سريره فهذا تمثيل وضلال. وذلك أن الملك مفتقر إلى سريره ولو زال سريره لسقط والله غنى عن العرش وعن كل شيء وكل ما سواه محتاج إليه وهو حامل العرش وحملة العرش وعلوه عليه لا يوجب افتقاره إليه فإن الله تعالى قد جعل المخلوقات عالياً وسافلاً وجعل العالي غنياً عن السافل كما جعل الهواء فوق الأرض وليس هو مفتقراً إليها وجعل السماء فوق الهواء وليست محتاجة إليه فالعلى الأعلى رب السموات والأرض وما بينهما أولى أن يكون غنياً عن العرش وسائر المخلوقات وإن كان عالياً عليها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. والأصل في هذا الباب أن كل ما يثبت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ وجب التصديق به مثل علو الرب واستوائه على عرشه ونحو ذلك. وأما الألفاظ المبتدعة في النفى والإثبات، مثل قول القائل: هو في جهة أو ليس في جهة، وهو متحيز أو ليس بمتحيز، ونحو ذلك من الألفاظ التى تنازع فيها الناس، وليس مع أحدهم نص لا عن الرسول ﷺ ، ولا عن الصحابة ﵁ والتابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين - هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله تعالى في جهة، ولا قال ليس هو في جهة، ولا قال: هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز، بل ولا قال: هو جسم أو جوهر، ولا قال: ليس بجسم، ولا جوهر - فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب، ولا السنة، ولا الإجماع. والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحاً، فإن يريدوا معنى صحيحاً يوافق

стр. 442

الكتاب والسنة كان ذلك مقبولاً منهم. وإن أرادوا معنى فاسجاً يخالف الكتاب والسنة، كان ذلك المعنى مردوداً عليهم. فإذا قال القائل: إن الله تعالى في جهة، قيل ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به، مثل أن يكون في جوف السماوات، أم تريد بالجهة أمراً عدمياً وهو فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شئ من المخلوقات، فإن أردت الجهود الموجودة، وجعلت الله تعالى محصوراً في المخلوقات فهذا باطل. وإن أردت الجهة العدمية، وأردت الله تعالى وحده فوق المخلوقات بائن عنها، فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئاً من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالى عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الآية. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : ((أن الله يقبض الأرض يوم القيامة ويطوى السماوات بيمينه، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض)) وقد قال ابن عباس ﵁: ((ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)) وفي حديث آخر: ((أنه يرميها كما يرمى الصبيان للكرة فمن يكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى؟)) إلى هذا الحقر والصغار كيف تحيط به وتحصره؟ . ومن قال: إن الله تعالى ليس في جهة. قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على عرش إله، ونبينا محمد ﷺ لم يعرج به إلى الله تعالى، والأيدى لا ترفع إلى الله تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه، فهذا فرعوني معطل، جاحد لرب العالمين.

стр. 443

وإن كان يعتقد أنه مقر به فهو جاهل متناقض في كلامه. ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد وقالوا: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، وإن وجود المخلوقات هو وجود الخالق. وإن قال: مرادى بقولى: ليس فى جهة، أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب في هذا المعنى. وكذلك من قال: إن الله تعالى متحيز، أو قال ليس بمتحيز، إن أراد بقوله متحيز أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ. وإن اراد به منحاز عن المخلوقات بائن عنها عال فقد أصاب. ومن قال ليس بمتحيز، إن أراد المخلوقات لا تحوزه فقد اصاب. وإن أراد ليس ببائن عنها بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ. والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: أهل الحلول، والاتحاد، وأهل النفي والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة. فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والواحدة فيقولون: وجود المخلوقات وجود الخالق، كما صرح به ابن عربي في الفصوص وابن سبعين ونحوهما. وأما أهل النفى والجحود فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج ولا مباين له ولا حال فيه، ولا فوق العالم ولا فيه، ولا ينزل منه شئ ولا يصعد إليه بشئ، ولا يتقرب إليه بشئ، ولا يدنو إليه بشئ، ولا يتجلى لشئ ولا يراه أحد، ونحو ذلك. وهذا قول متكلمة الجهمية المعطلة، كما أن الأول قول عباد الجهمية، فمتكلمة الجهمية لا يعبدون كل شئ، وكلامهم يرجع إلى التعطيل والجحود الذى هو قول فرعون. وقد علم أن الله تعالى كان قبل أن يخلق السماوات والأرض ثم خلقها فإما أن يكون دخل فيهما وهذا حلول باطل، وإما أن يكونا دخلاً فيه وهو

стр. 444

أبطل وأبطل، وإما أن يكون الله سبحانه بائناً عنهما لم يدخل فيهما ولم يدخلا فيه، وهذا قول أهل الحق والتوحيد والسنة. ولأهل الجحود والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر الله تعالى عليه عباده، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة. فإن هذه الأدلة كلها متفقة على أن الله تعالى فوق مخلوقاته عال عليها، قد فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)) ثم قال أبو هريرة ﵁: أقرءوا إن شئتم ﴿فطرة الله التى فرط الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم ٣٠] وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب، عليك بما فطرهم الله تعالى عليه، فإن الله سبحانه فطر عباده على الحق، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها. وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم فيريدون أن يغيروا فطرة الله تعالى ودينه ، ويوردون على النفس شبهات بكلمات متشبهات لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها، ولا يحسن أن يجيبهم، وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ المتحيز والجسم والجهة ونحو ذلك. فمن كان عارفاً بحال شبهاتهم بينها

стр. 445

ومن لم يكن عارفاً بذلك فليعرض عن كلامهم، ولا يقبل إلا ماجاء به الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [الأنعام ٦٨] . ومن تكلم في الله تعالى وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله تعالى بالباطل. وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه، فينسبون إلى الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه، ويقولون لمن أتبعهم هذا الذى نقوله اعتقاد الإمام الفلاني، فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم في ذلك، كما تبين كذبهم فيما ينقلونه عن النبي ﷺ في كثير من البدع والأقوال الباطلة. ومنهم من إذا طولب بتحقيق نقله يقول: هذا القول قاله العقلاء والإمام الفلاني لا يخالف العقلاء، ويكون العقلاء طائفة من أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة رحمهم الله تعالى. فقد قال الشافعي: حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، فإن كان هذا حكمه فيمن أعرض عنهما فكيف حكمه فيمن يعارضهما بغيرهما. وكذلك قال أبو يوسف القاضي رحمه الله تعالى: من طلب الدين بالكلام تزندق. وكذلك قال أحمد بن حنبل: ما أرتدى أحد بالكلام فأفلح. وقال: علماء الكلام زنادقة، وكثير من هؤلاء قرءوا كتباً من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم ولم يهتدوا لجوابهم، فإنهم يجدون في تلك الكتب أنه لو كان

стр. 446

الله تعالى فوق الخلق للزم التجسيم والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ ولا ما أراد بها أصحابها. فإن ذكر لفظ الجسم في أسماء الله تعالى وصفاته لم ينطق بها كتاب ولا سنة، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولم يقل أحد منهم إن الله تعالى جسم، ولا أن الله تعالى ليس بجسم، ولا أن الله تعالى جوهر، ولا أن الله تعالى ليس بجوهر. ولفظ الجسم لفظ مجمل، فمعناه في اللغة هو البدن. ومن قال: إن الله تعالى مثل بدن الإنسان فهو مفتر على الله ، بل من قال: إن الله تعالى يماثل شيئاً من مخلوقاته فهو مفتر على الله ضال. ومن قال: إن الله تعالى ليس بجسم وأراد بذلك أنه لا يماثل شيئاً من المخلوقات فالمعنى صحيح وإن كان اللفظ بدعة. وأما من قال: إن الله تعالى ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة، وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي، بل القرآن العربي مخلوق، أو هو تصنيف جبريل ﵇ أو نحو ذلك، فهو مفتر على الله فيما نفاه عنه وهذا أصل ضلال الجهمية من المعتزلة ومن وافقهم على مذهبهم. فإنهم يظهرون للناس التنزيه وحقيقة كلامهم التعطيل، فيقولون: نجن لا نجسم بل نقول: الله ليس بجسم، ومرادهم بذلك نفي حقيقة أسمائه وصفاته فيقولون: ليس لله تعالى علم ولا قدرة. ولا حياة ولا كلام ولا سمع ولا بصر. ولا يرى في الآخرة، ولا عرج بالنبي ﷺ ، ولا تنزل منه شئ ولا يصعد إليه شئ، ولا يتجلى لشئ، ولا يقرب إلى شئ، ولا يقرب منه شئ، وأنه لم يتكلم بالقرآن بل القرآن مخلوق أو هو كلام جبريل ﵇، وأمثال ذلك من مقالات المعطلة الفرعونية الجهمية، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام ١٠٣] أى لا تحيط به.

стр. 447

فكما أنه يعلم ولايحاط به علماً، فكذلك هو سبحانهن يرى ولا يحاط به رؤية فهو سبحانه نفى الإدراك ولم ينف الرؤية، ونفى الإدراك يدل على عظمته تعالى، وأنه من عظمته لا يحاط به. واما نفى الرؤية فلا مدح فيه فإن المعدومات لا ترى، ولا مدح لشئ من المعدومات، بل المدح إنما يكون بالأمور الثبوتية لا بالأمور العدمية، وإنما يحصل المدح بالعدم إذا تضمن ثبوتاً، كقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة ٢٥٥] . فنزه سبحانه نفسه عن السنة والنوم، لأن ذلك يتضمن كمال حياته وقيوميته، كما قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذى لا يموت﴾ [الفرقان ٥٨] فهو سبحانه حي لا يموت، قيوم لا ينام، وكذلك قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق ٣٨] فنزه نفسه المقدسة عن مس اللغوب وهو الإعياء والتعب، ليتبين كمال قدرته. فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، موصوف بالحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والكلام. منزه عن الموت والجهل والعجز والصم والبكم. وهو سبحانه لا مثل له في شئ من صفات الكمال. وهو منزه عن كل نقص وعيب، فإنه قدوس سلام، تمتنع عليه النقائص والعيوب بوجه من الوجوه. وهو سبحانه لا مثل له في شئ من صفات كماله، بل هو الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. وهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينزهونه عما نزه عن نفسه من مماثلة المخلوقات - إثبات بلا تمثيل، وتنزيه

стр. 448

بلا تعطيل، قال عز شأنه: ﴿ليس كمثله شئ وهو السميع البصير﴾ [الشورى ١١] فقوله ﴿ليس كمثله شئ﴾ رد على الممثلة، وقوله تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾ رد على المعطلة. قال بعض العلماء: المعطل بعبد عدما، والممثل بعبد صنما. المعطل أعمى، والممثل أعشى، ودين الله سبحانه بين الغالى فيه والجافي عنه، وقد قال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة ١٤٣] والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل، وأهل السنة وسط في الصفات بين أهل التمثيل وأهل التعطيل، وهذا هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. فنسأل الله تعالى العظيم أن يجعلنا وسائر إخواننا منهم - وصلى الله تعالى وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين. أهـ. [كلام ابن تيمية في العرش وإحاطة الله بمخلوقاته] تنبيه وقد سئل عليه الرحمة أيضاً عن العرش، هل هو كرى أم لا، فإذا كان كرياً والله من ورائه محيط به، بائن عنه، فما فائدة توجه العبد إلى الله سبحانه حين الدعاء والعبادة فبقصد العلو دون غيره، إذ لا فرق حينئذ بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط بالداعى، ومع هذا نجد في قلوبنا قصداً يطلب العلو لا يلتفت يمنه ولا يسره فأخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها؟. فأجاب بجواب مفصل، قد كشف فيه هذا المفصل ولنذكر بعضا منه على وجه التخليص والاختصار، فقد يكتفى بالتهتان عن الوابل المدرار. فنقول: قال عليه الرحمة: إنه لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد أن العرش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية، وإنما ذكره طائفة من المتأخرين

стр. 449

الذين نظروا في علم الهيئة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع هو الأطلس محيط بها، وهو الذى يحركها الحركة المشرقية، وغن كان لكل فلك حركة تخصه،ثم سمعوا في أخبار الأنبياء ذكر عرش الله سبحانه وكرسيه والسماوات السبع فقالوا بطريق الظن. إن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء ذلك شئ - إما أنه ليس وراءه مخلوق. ثم إن منهم من رأى أنه هو الذى يحرك الأفلاك كلها فجعلوه مبدأ الحوادث، وربما سماه بعضهم الروح أو النفس، وجعله بعضهم في اللوح المحفوظ، وبعض الناس أدعى أنه علم ذلك بطريق الكشف. وذلك غير صحيح، بل أخذه عن هؤلاء المتفلسفة كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. والأخبار تدل على أن العرش مباين لغيره من المخلوقات وأنه قبل السموات والأرض فقد ثبت في صحيح البخاري أنه ﷺ قال: ((كان الله ولم يكن شئ غيره على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض وأن له قوائم)) كما في حديث أبي سعيد: ((فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)) وقد استدل من قال إنه مقبب بما رواه أبو داود من قوله ﵊: ((وأن الله تعالى على عرشه، وأن عرشه على سمواته وسمواته فوق أرضه هكذا - وقال بأصبعه - مثل القبة)) وهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك ولا مستدير مثل ذلك. لكن القبة يستلزم استدارة من العلو لا من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل ولفظ الفلك يستدل به على الاستدارة مطلقاً كما قال ابن عباس في ((وكل في فلك)) في فلكة مثل فلكة المغزل وأما لفظ القبة فإنه لا يتعرض لهذا المعنى لا بنفي ولا إثبات لكن يدل على الاستدارة من العلو.

стр. 450

واعلم أن العرش سواء كان هذا الفلك التاسع أو جسماً محيطاً به أو كان فوقه من جهة وجه الأرض محيط به أو قيل فيه غير ذلك في غاية الصغير كما قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [الزمر:٦٧] . (وفي الصحيحين) عن النبي ﷺ أنه قال: ((يقبض الله ﵎ يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض)) . (وفي الصحيحين) عن عبد الله بن عمر عنه عليه الصلاة السلام أنه قال: ((يطوى السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون! أين المتكبرون! ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون! اين المتكبرون!)) وفي لفظ: وبتميل رسول الله ﷺ على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفله شئ. وفي رواية أخرى قال: قرأ على المنبر ﴿والأرض جمعياً قبته يوم القيامة الآية. قال: ((مطوية في كفه يرى بها كما يرمى الغلام بالكرة)) ففي هذه الأحاديث وغيرها المتفق على صحتها ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمته أصغر من أن تكون مع قبضة لها إلا كالشي الصغير في يد أحدنا حتى يدحوها كما تدحى الكرة. [أسماء الله وصفاته توقيفية دون زيادة ولا نقصان] ثم قال في الجواب: فما وصف الله تعالى من نفسه وأسمائه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه ولم نتكلف علم سواه فلا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف وإذ كان كذلك فهو قادر على أن

стр. 451

يقبضها ويدحوها كالكرة وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى وإن شاء لم يفعل. وبكل حال فهو مباين لها ليس بمجانب لها ومن المعلوم أن الواحد منا - والله المثل الأعلى - إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته فهو في الحالين مباين لها. وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها أم قيل إنه فوقها وليس محيطها بها كوجه الأرض الذي نحن عليها بالنسبة إلى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها أو غير ذلك فعلى التقدير يكون العرش فوق المخلوقات والخالق سبحانه فوقه والعبد في توجهه إليه يقصد العلو دون التحت. وتمام هذا البحث بأن يقال: لا يخلو إما أن يكون العرش كريا كالأفلاك ويكون محيطها بها وإما أن يكون فوقها وليس بكرى فإن كان الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كرية وأن الجهة العليا هي جهة المحيط وهو الحدود وأن الجهة السلفى هي المركز. وليس للأفلاك إلا جهتان: العلو والسفل فقط، وأما الجهات الست فهي للحيوان فإن له ست جوانب: يؤم جهة فتكون أمامه ويخلف أخرى فتكون خلفه وجهة تحاذى شماله وجهة تحاذى يمينه وجهة تحاذى رأسه وجهة تحاذى رجليه. وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لا زمة بل هي بحسب النسبة والإضافة فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا لكن جهة العلو السفل للأفلاك لا تتغير فالمحيط هو

стр. 452

العلو والمركز هو السفل مع أن وجه الأرض التي وضعها الله تعالى للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس والبهائم وغيرهما. فأما الناحية الأخرى منها فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم ولو قدر أن هناك أحداً لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة ولا من في هذه تحت من في هذه كما أن الأفلاك محيطة بالمركز وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر تحت ولا القطب الشمالي تحت الجنوبي ولا بالعكس وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا بحسب بعد الناس عن خط الاستواء. فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذي يسمى عرض البلد. فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستدير ليس بعضها فوق بعض ولا تحته، فكذلك من يكون على الأرض لا يقال إنه تحت أولئك، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان وهو تحت إضافي، كما لو كانت نملة تمشى تحت سقف فالسقف فوقها وإن كانت رجلاها تحاذيه. وكذلك من علق منكوساً فإنه تحت السماء وإن كان رجلاه تلى السماء. وكذلك قد يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض أو الفلك أن الجانب الآخر تحته، وهذا أمر لا يتنازع فيه أثنان ممن يقول: إن الأفلاك مستديرة، وهذا كما انه قول اهل الهيئة والحساب فهو الذى عليه علماء المسلمين، كما ذكره أبو الحسين المناوي، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزى، وغيرهم، وهو المأخوذ من قول ابن عباس وغيره. ومن ظن أن من يكون في الفلك من ناحية يكون من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر فهو متوهم عندهم. فإذا كان الأمر كذلك، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات

стр. 453

كان هو أعلاها وسقفها، وهو فوقها مطلقاًُ فلا يتوجه إليه وإلى ما فوقه الإنسان إلا من العلو. ومن توجه إلى الفلك الثامن أو التاسع مثلاً من غير جهة العلو بانفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش، أو إلى ما فوقه ! . وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السماوات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. وأما قول القائل: إذا كان كرياً والله من ورائه محيط بائن عنه فما فائدة التوجه إلى العلو دون التحت، ومع هذا نجد في قلوبنا قصد العلو؟ فيقال: هذا إنما ورد لتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم. وهذا غلط، فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة، فكان يلزم أن يكون تحت الأرض مطلقاً. وهذا قلب للحقائق إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقاً. وأهل الهيئة يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقى في الخرق شء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهى إلى المركز، حتى لو ألقى من تلك الناحية جحر آخر لالتقيا جميعاً في المركز، أى الذى هو النقطة المتوسطة في كرة الأرض. ولو قدر إن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجر لا لتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت الآخر، بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك. وإذا كان مطلوب أحد ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لأن مطلوبه من تلك الجهة أقرب، لأنه لو قدر أن رجلاً أو ملكاً يصعد إلى السماء كان صعوده مما يلى، ولا يقول عاقل إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك

стр. 454

الناحية أو يدهب يميناص أو شمالاً ثم يصعد. ولو أن رجلاً أراد مخاطبة القمر فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا، مع أنه قد يشرق ويغرب، فكيف بما هو فوق كل شئ لا يأفل ولا يغيب. ! وكما أن حركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق وهو الخط المستقيم، فالطلب الإدارى الذى يقوم بقلوب العباد، كيف يعدل عن الصراط المستقيم - إلى أن قال: وحديث الإدلاء الذى رواه أبو هريرة، وأبو ذر، قد رواه الترمذى وغيره من حديث الحسن عن أبي هريرة وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع، فإن كان ثابتاً فمعناه موافق لهذا. فإن قوله ﵊: ((لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله)) إنما هو تقدير مفروض: أى لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلى احد على الله شيئاً، لأنه عال بالذات. وإذا أهبط شئ إلى جهة الأرض وقف في المركز. والمقصود بيان إحاطة الخالق سبحانه، كما بين انه يقبض السماوات ويطوى الأرض، ونحو ذلك مما فيه من بيان إحاطته تعالى، ولهذا قرا في تمام الحديث: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم﴾ [الحديد ٣] . وهذا كله على تقدير صحته، فإن الترمذى لما رواه قال: وفسره بعض اهل العلم بانه هبط على علم الله. وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن فيه ما يدل على زعمه الباطل، من أنه سبحانه حال بذاته في كل مكان، أو أن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك. وكذلك تاويله بالعلم غير مستقيم، بلى على تقدير ثبوته، فالمراد به الإحاطة، ونحن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلمه أمسكنا عنه، وقد فطر الله تعالى الناس على التوجه في الدعاء إلى جهة العلو، وقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التى فطر الناس عليها﴾ [الروم ٣] فجاءت الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة.

стр. 455

وقد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره أو تحت رجله)) وفي رواية ((إنه أذن أن يبصق في ثوبه)) وفي حديث أبي رزين المشهور لما أخبر ﷺ ((أنه ما من أحد إلا سيخلو به ربه)) فقال له أبو رزين: كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد ونحن جمع؟ فقال: ((سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله تعالى، هذا القمر آية من آيات الله تعالى كلكم يراه مخلياً به فالله أكبر)) وفي الصحيحين ((لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أولا ترجع إليهم أبصارهم)) . واتفق العلماء أن رفع المصلى بصره إلى السماء منهي عنه. وروى محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى نزل: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده. فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلاً للفطرة، لأن الداعى المأمول بالذل لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه، خلافاً للجهمية الذين لا يفرقون بين العرش وقعر البحر، وقد قال تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة ١٤٤] . [ما روى في الحجر الأسود أنه يمين الله وتأويله] ثم بين تأويل ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه)) وقال: قد ظنوا أن هذا وأمثاله محتاج إلى التأويل، وهذا وهم، لأنه لو كان هذا اللفظ ثابتاً عن النبي ﷺ فإنه صريح في أن الحجر ليس هو من صفاته تعالى، وتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإطلاق، فلا تكون اليد حقيقية.

стр. 456

وقوله: ((فكأنما صافح الله تعالى)) إلخ. صريح في أن المصافح ليس مصافحاً له تعالى، لأن المشبه ليس هو المشبه به - إلى أن قال ٠ فهذا كله بتقدير كرية العرش وأما إذا قدر أنه ليس بكرى الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض وأنه فوق الأفلاك الكرية كما أم وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري أو غير ذلك ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه فعلى كل تقدير لا يتوجه إلى الله تعالى إلا إلى العلو مع كونه على عرشه مبايناً لخلته وعلى ما ذكرناه لا يلزم شيء من المحذور والتناقض. وهذا يزيل كل شبهة تنشأ عن اعتقاد فاسد وهو أن يظن أن العرش إذا كان كريا والله تعالى فوقه كما تقضيه ذاته سبحانه عن مشابهة المخلوقين وجب فيما عند الزاعم أن يكون سبحانه كرياً ثم اعتقد أنه إذا كان كرياً فيصبح التوجه إلى ماهو كرى كالفلك التاسع من جميع الجهات وهذا خطأ فإن القول بأن العرش كرى لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها وفي أقدارها أو صفاتها بل قد تبين أنه سبحانه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. فإذا كانت الحمصة مثلاً في يد الإنسان أو تحته أو نحوه ذلك هل يتصور عاقل إذا استشعر علو الانسان على ذلك وإحاطته بأن يكون الانسان كالفلك فالله تعالى وله المثل الأعلى أعظم من أن يظن به ذلك وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق والأرض جمعياً قبضته يوم القيامة السموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون وإذا لم يكن كرياً فالأمر ظاهر مما تقدم. وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة والله تعالى أعلم. اهـ وقد أطنب هو وتلميذه العلامة ابن القيم في إثبات جهة العلة بأدلة شرعية

стр. 457

وعقلية في تصنيفات مخصوصة سنية وقد أسلفنا لك شيئاً من ذلك فتدبره سالكا أحسن المسالك بحوله سبحانه وتوفيقه. [عقيدة الشيخ عبد القادر الكيلاني] وقال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني في كتابه ((الفنية)) في باب معرفة الصانع ما بعضه: واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴿ليس كمثله شئ وهو السميع البصير﴾ لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا شريك. ليس بجسم فيمن، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضى، ولا ذى تركيب أو آلة أو تأليف، أو مائية وتحديد، ولا طبيعة من الطبائع، ولا طالع من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر. هو حاضر الأشياء علماً، شاهد من غير مماسة. وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ خلق الخلائق وأفعالهم - إلى قال - يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، يعطي ويمنع. له يدان وكلتا يديه يمين قال جل وعلا: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ . وروى نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ على المنبر ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ وقال: ((تكون في يمينه يرمى بها كما يرمى الغلام بالكرة، ثم يقول أنا العزيز)) قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يتحرك على المنبر حتى كان يسقط. قال ابن عباس ﵁: يقبض الأرضين والسماوات جميعاً، فلا يرى طرفها من قبضته. وعن أنس بن مالك عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((المقسطون يوم القيامة على

стр. 458

منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)) وخلق آدم ﵇ بيده على صورته، وغرس جنة عدن بيده، وغرس شجرة طوبي بيده، وكتب التوراة بيده، ناولها موسى من يده إلى يده، وكلمه تكليماً من غير واسطة ولا ترجمان، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويوعيها مااراد، والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه، كما جاء في الحديث: ((ويضع قدمه في جهنم فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط)) ، ويخرج قوم من النار بعده، وينظر أهل الجنة في وجهه ويرونه ولا يضامون في رؤيته ولا يضارون كما جاء في الحديث ((يتجلى لهم ويعطيهم ما يتمنون)) وقال عز من قائل: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس ٣٦] قيل: الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم. وقال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، يتولى حسابهم بنفسه، ولا يتولى ذلك غيره. وان الله تعالى خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، ومن الأرض العليا إلى السماء الدنيا خمسمائة عام. وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمه وما هو أعلم به. وللعرش حملة يحملونه، قال الله : ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر ٧] . وللعرش حد يعلمه الله تعالى ﴿وترى الملائكة حافين حول العرش﴾ [الزمر ٧٥] وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان ولا يجوز وصفه بانه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ والنبي ﷺ بإسلام الأمة لما قال لها:

стр. 459

أين الله؟ فأشارت إلى السماء: قال ﷺ : ((لما قضى الله سبحانه الخلق كتب كتاباً على نفسه وهو عنده فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي)) وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى العلو، كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، وقد روى عن أم سلمه زوج النبي ﷺ في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر. وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي ﷺ في صحيحه. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه، ولا تعطيل. وقال أيضاً في رواية بعضهم: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شئ من هذه الأماكن في كتاب الله أو حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه ﵄ أو عن التابعين. فإما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب : كيف ولم؟ لا يقول ذلك إلا شاك. وقال أحمد في رواية عنه: نحن نؤمن بان الله تعالى على العرش كيف يشاء وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحدها حاد، لما روى عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال: قال الله تعالى في التوراة: ((أن الله فوق عبادى وعرشي فوق جميع خلقى، وأنا على عرشي أدبر عبادي، ولا يخفى على شئ

стр. 460

من عبادي)) . وكونه على العرش مذكور في كل كتاب انزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات بعد ما أخبرنا به وأكده في سبع آيات من كتابه والسنة الماثورة به، وهو صفة لازمة له ولائقة به كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله . كما قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى نفسه في كتابه فتفسيره قراءته ولم نتكلف غير ذلك، فغنه غيب لا مجال للعقل في إدراكه. وانه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف يشاء وكما يشاء. فيغفر لمن أذنب. ولا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما أدعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها مارواه الصديق ﵁ أنه ﷺ قال: ((ينزل الله ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا الإنسان في قلبه شحناء أو شرك بالله ) . وقال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟ وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب ينزل، فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء - أنتهى باقتصار. فتبين منه أن عقيدة الشيخ الجيلاني نفعنا الله تعالى بعلومه طبق عقيدة الشيخ ابن تيميه، وكذا سائر الحنابلة. والشيخ عبد القادر قدس سره من رؤسائهم كما هو المشهور في كافة التواريخ والطبقات، وهو المؤيد لمذهب الإمام أحمد، والمروج له في عصره بالعراق وسائر الآفاق. وأن ما نقله الشيخ ابن حجر في فتاواه عن الشيخ نجم الدين من رجوعه عن هذه العقيدة المحررة لا يعول عليه، لعدم وجود برهان على ما ذكره. وكذا لا عبرة بما صنعه بعض العلماء الخلفيين من رفع هذا البحث من كتاب
следующие страницы →