← Акыда

Акыда · id 9943

جلاء العينين في محاكمة الأحمدين

ابن الألوسي

Полный текст (653 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله: ((فكأنما صافح الله تعالى)) إلخ. صريح في أن المصافح ليس مصافحاً له تعالى، لأن المشبه ليس هو المشبه به - إلى أن قال ٠ فهذا كله بتقدير كرية العرش وأما إذا قدر أنه ليس بكرى الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض وأنه فوق الأفلاك الكرية كما أم وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري أو غير ذلك ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه فعلى كل تقدير لا يتوجه إلى الله تعالى إلا إلى العلو مع كونه على عرشه مبايناً لخلته وعلى ما ذكرناه لا يلزم شيء من المحذور والتناقض. وهذا يزيل كل شبهة تنشأ عن اعتقاد فاسد وهو أن يظن أن العرش إذا كان كريا والله تعالى فوقه كما تقضيه ذاته سبحانه عن مشابهة المخلوقين وجب فيما عند الزاعم أن يكون سبحانه كرياً ثم اعتقد أنه إذا كان كرياً فيصبح التوجه إلى ماهو كرى كالفلك التاسع من جميع الجهات وهذا خطأ فإن القول بأن العرش كرى لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها وفي أقدارها أو صفاتها بل قد تبين أنه سبحانه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. فإذا كانت الحمصة مثلاً في يد الإنسان أو تحته أو نحوه ذلك هل يتصور عاقل إذا استشعر علو الانسان على ذلك وإحاطته بأن يكون الانسان كالفلك فالله تعالى وله المثل الأعلى أعظم من أن يظن به ذلك وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق والأرض جمعياً قبضته يوم القيامة السموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون وإذا لم يكن كرياً فالأمر ظاهر مما تقدم. وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة والله تعالى أعلم. اهـ وقد أطنب هو وتلميذه العلامة ابن القيم في إثبات جهة العلة بأدلة شرعية

стр. 457

وعقلية في تصنيفات مخصوصة سنية وقد أسلفنا لك شيئاً من ذلك فتدبره سالكا أحسن المسالك بحوله سبحانه وتوفيقه. [عقيدة الشيخ عبد القادر الكيلاني] وقال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني في كتابه ((الفنية)) في باب معرفة الصانع ما بعضه: واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴿ليس كمثله شئ وهو السميع البصير﴾ لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا شريك. ليس بجسم فيمن، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضى، ولا ذى تركيب أو آلة أو تأليف، أو مائية وتحديد، ولا طبيعة من الطبائع، ولا طالع من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر. هو حاضر الأشياء علماً، شاهد من غير مماسة. وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ خلق الخلائق وأفعالهم - إلى قال - يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، يعطي ويمنع. له يدان وكلتا يديه يمين قال جل وعلا: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ . وروى نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ على المنبر ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ وقال: ((تكون في يمينه يرمى بها كما يرمى الغلام بالكرة، ثم يقول أنا العزيز)) قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يتحرك على المنبر حتى كان يسقط. قال ابن عباس ﵁: يقبض الأرضين والسماوات جميعاً، فلا يرى طرفها من قبضته. وعن أنس بن مالك عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((المقسطون يوم القيامة على

стр. 458

منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)) وخلق آدم ﵇ بيده على صورته، وغرس جنة عدن بيده، وغرس شجرة طوبي بيده، وكتب التوراة بيده، ناولها موسى من يده إلى يده، وكلمه تكليماً من غير واسطة ولا ترجمان، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويوعيها مااراد، والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه، كما جاء في الحديث: ((ويضع قدمه في جهنم فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط)) ، ويخرج قوم من النار بعده، وينظر أهل الجنة في وجهه ويرونه ولا يضامون في رؤيته ولا يضارون كما جاء في الحديث ((يتجلى لهم ويعطيهم ما يتمنون)) وقال عز من قائل: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس ٣٦] قيل: الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم. وقال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، يتولى حسابهم بنفسه، ولا يتولى ذلك غيره. وان الله تعالى خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، ومن الأرض العليا إلى السماء الدنيا خمسمائة عام. وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمه وما هو أعلم به. وللعرش حملة يحملونه، قال الله : ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر ٧] . وللعرش حد يعلمه الله تعالى ﴿وترى الملائكة حافين حول العرش﴾ [الزمر ٧٥] وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان ولا يجوز وصفه بانه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ والنبي ﷺ بإسلام الأمة لما قال لها:

стр. 459

أين الله؟ فأشارت إلى السماء: قال ﷺ : ((لما قضى الله سبحانه الخلق كتب كتاباً على نفسه وهو عنده فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي)) وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى العلو، كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، وقد روى عن أم سلمه زوج النبي ﷺ في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر. وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي ﷺ في صحيحه. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه، ولا تعطيل. وقال أيضاً في رواية بعضهم: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شئ من هذه الأماكن في كتاب الله أو حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه ﵄ أو عن التابعين. فإما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب : كيف ولم؟ لا يقول ذلك إلا شاك. وقال أحمد في رواية عنه: نحن نؤمن بان الله تعالى على العرش كيف يشاء وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحدها حاد، لما روى عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال: قال الله تعالى في التوراة: ((أن الله فوق عبادى وعرشي فوق جميع خلقى، وأنا على عرشي أدبر عبادي، ولا يخفى على شئ

стр. 460

من عبادي)) . وكونه على العرش مذكور في كل كتاب انزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات بعد ما أخبرنا به وأكده في سبع آيات من كتابه والسنة الماثورة به، وهو صفة لازمة له ولائقة به كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله . كما قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى نفسه في كتابه فتفسيره قراءته ولم نتكلف غير ذلك، فغنه غيب لا مجال للعقل في إدراكه. وانه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف يشاء وكما يشاء. فيغفر لمن أذنب. ولا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما أدعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها مارواه الصديق ﵁ أنه ﷺ قال: ((ينزل الله ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا الإنسان في قلبه شحناء أو شرك بالله ) . وقال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟ وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب ينزل، فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء - أنتهى باقتصار. فتبين منه أن عقيدة الشيخ الجيلاني نفعنا الله تعالى بعلومه طبق عقيدة الشيخ ابن تيميه، وكذا سائر الحنابلة. والشيخ عبد القادر قدس سره من رؤسائهم كما هو المشهور في كافة التواريخ والطبقات، وهو المؤيد لمذهب الإمام أحمد، والمروج له في عصره بالعراق وسائر الآفاق. وأن ما نقله الشيخ ابن حجر في فتاواه عن الشيخ نجم الدين من رجوعه عن هذه العقيدة المحررة لا يعول عليه، لعدم وجود برهان على ما ذكره. وكذا لا عبرة بما صنعه بعض العلماء الخلفيين من رفع هذا البحث من كتاب

стр. 461

الفنية. لأن نقل هذه العقيدة عنه قدس سره مستفيض في كثير من كتب المؤلفين وزبر المتقدمين. واله سبحانه الموفق للحق المبين. [عقيدة الأشعري] روى غير واحد من المصنفين عن الشيخ أبي الحسن الأشعرى أنه قال: كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وهو آخر كتاب صنفه، وعليه تعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه ما نصه: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة فإن قال قائل: قد أنكر قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذى نقول به ودينانتنا التى ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا ﷺ . وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل نصر الله وجهه، ورفع درجته قائلون. ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل. والرئيس الكامل الذى أبان الله تعالى به الحق ودفع الضلال، وأوضح المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله تعالى عليه من إمام مقدم. وجليل معظم، وكبير مفخم. وجملة قولنا: إنا نقر بالله تعالى وكتبه ورسله. وبما جاء من عند الله تعالى ومما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئاً، وأنه واحد لا إله إلا هو. فرد صمد. لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وإن محمداً عبده ورسوله. أرسله بالهدى ودين الحق. وأن الجنة حق. وأن النار حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله

стр. 462

تعالى مستو على عرشه، كما قال ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وأن له وجهاً، كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وأن له يدين بلا كيف كما قال ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تجرى بأعيينا﴾ وان من زعم أن أسماء الله تعالى غيره كان ضالاً. وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب بين أصبعين من اصابع الله ، يضع السماوات على اصبع، والأرضين على اصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ . وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التى رواها الثقات عدلاً عن عدل، ونصدق بجميع الروايات التى رواها وأثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا. وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لأهل الزيغ والتضليل. ونقول: إ، الله تعالى يقرب من عباده كيف يشاء، كما قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ ، وكما قال: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ أنتهى ملخصاً. ونقل الشيخ إبراهيم في كتابه ((إمداد ذوى الاستعداد)) عن الحافظ ابن حجر العسقلاني أنه قال في فتح البارئ شرح صحيح البخاري ما نصه: وأخرج أبو القاسم اللائكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أم سلمه ﵁ أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن أنه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله تعالى إرساله وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.

стр. 463

وأخرج البيهقى بسند جيد عن الوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته سبحانه. ومن وجه آخر عن الأوزاعي قال في الجواب: هو كما وصف نفسه. وأخرج الببيهقى عن طريق يحي قال: كنا عند مالك بن أنس رحمه الله تعالى فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرخصاء. ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وأسند اللائكائي عن محمد بن الحسن الشيهاني قال: اتفق الفقهاء من المشرق إلى المغرب عن أن الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب سبحانه من غير تشبيه ولا تعطيل. قال الحافظ ابن حجر عليه الرحمة: والآثار عن السلف الصالح كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل. ثم قال: وقال إمام الحرمين في (الرسالة النظامية) : اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آى الكتاب وما يصح من السنة. وذهب أئمة السلف الصالح إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها وتقويض معانيها إلى الله . والذى نرتضيه رأياً وندين الله تعالى به عقيدة أتباع سلف الأمة للدليل القاطع أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الاضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع. أهـ. قال الحافظ ابن حجر: وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث وغيرهم، وهم فقهاء الأمصار كالثورى والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما أتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ﷺ . أهـ.

стр. 464

ونقل عن الشيخ محيى الدين بن عربي، كما نقله عنه تلميذه ابن سودكين في شرح التجليات أنه قال: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع، لكونها لا تطابق دليله العقلى كأخبار النزول وغيره، لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لما كان بالخطاب فائدة، وقد علمنا أنه ارسل ليبين للناس ما نزل إليهم ثم رأينا النبي ﷺ مع فصاحته وسعة علمه وكشفه، لم يقل لنا إنه ينزل رحمته. ومن قال ينزل رحمته فقد حمل الخطاب على الأدلة العقلية، والحق تعالى ذاته مجهولة فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين. والعرب تفهم نسبة النزول مطلقاً، فلا تقيده بحكم دون حكم خصوص. وقد تقرر عندها أنه تعالى ليس كمثله شئ فيحصل لها المعنى مطلقاً منزهاً. أهـ. وقال ابن الشحنة الحنفى في شرح الوهبانية ما نصه: وما ورد من النصوص الظاهرة في الجسمية والصورة والجوارح نفوض علمها إلى الله على ما هو دأب السلف إيثاراً للطريق الأسلم. أو نؤثرها تأويلات صحيحة على ما أختاره المتأخرون دفعاً عن الجاهلين، وجذباً لضبع العاجزين، وسلوكاً للسبيل الأحكم. وحكى والدى رحمه الله تعالى عن بعض المحققين: أن مذهب السلف أسلم وأحكم، والله تعالى أعلم. أهـ وقال جلال الدين الأسيوطي عليه الرحمه: [مجزوء الكامل] . فوض أحاديث الصفا ... ت ولا تشبه أو تعطيل إن رمت إلا الخوض في ... تحقيق معضلة فأول إن المفوض سالم ... مما تكلفه المؤول ونقل الخفاجي في شرح الشفاء عن الدارقطني في حديث: أن المقام المحمود للنبي ﷺ هو أن يجلسه معه تعالى على العرش ما نصه: [متقارب] . حديث الشفاعة عن أحمد ... إلى أحمد المصطفى بسند وجاء الحديث بإقعاده ... على العرش أيضاً ولا يجحد أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسد

стр. 465

ولا تنكروا أنه قاعد ... ولا تنكروا أنه يقعد. أهـ وقال الشيخ الكوراني في (شرح القشاشية) ما نصه: مذهب السلف كما هو الأسهل والأسلم، كذلك هو الأتقن والأحكم، إذ لا خلل فيه ولا خطر أصلاً. وأما صاحب التأويل بمجرد النظر الفكرى فهو على خطر، لأنه ليس على يقين في أنه أصاب، لبقاء الاحتمال عنده إن كان حاذقاً منصفاً، فالأولى بالناصح نفسه أن لا يسلك طريق التأويل بمجرد النظر العقلى، فإن الأمر وراء طور العقل، وفوق حده الذى حده الله تعالى له. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، في (فتح البارى) : أخرجه ابن أبي حاتم في مناقب الإمام الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الإمام الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر، فيثبت هذه الصفات وينفى عنه التشبيه، كما نفى سبحانه عن نفسه فقال: ﴿ليس كمثله شئ﴾ . أهـ. ولكن لما وقع الخوض في التأويل، كما ترى، واتسع الخرق على الراقع، لم ينجح النصح باتباع طريق السلف إلا فيمن شاء الله تعالى، وقليل ماهم. أنتهى. (قلت) : ويعجبني ما قاله علامة عصرنا، ومفتى مصرنا، من جارى الرافعى والنواوى محمد أفندى الشهير بالزهارى، ونصه: [مجزوء الرمل] وقصارى أمر من أو ل أن ظنوا طنونا فيقولون على الرحـ من ما لا يعلمونا وكذا ما قاله عصرينا أشعر أدباء زمانه ذو الفضائل المسلمة عبد الباقى أفندى الفاروقي عليه الرحمة وهو: [طويل] على عرشه الرحمن سبحانه استوى ... كما أخبر القرآن والمصطفى روى

стр. 466

وذاك استواء لائق بجنابه ... وابرأ من قولى له العرش قد حوى فمن قال مثل الفلك كان استواؤه ... على الجبل والجودى من شاهق هوى ومن يتبع ما قد تشابه يبتغي ... به فتنة أو يبغ تاويله غوى فلم اقل استولى ولست مكلفاً ... بتأويله كلاً ولم أقل احتوى ومن قال لى كيف استوى ولا أجيبه ... بشئ سوى أنى أقول له استوى. أهـ [ابن تيمية لم يكن بدعاً من الأئمة حينما رأى ما رأى] وقد تبين لك واتضح ما روى به السنة المرضية، ووافق أقوال الأئمة، وذهب إلى ما ذهب إليه كثير من علماء الأمة. فلا لوم عليه في ذلك عند المنصفين، ولا ينسب إليه الابتداع في الدين، فتأويله وكن من المستغفرين لما ولنفسك وللعلماء السالفين، رحمهم الله تعالى وإيانا أجمعين. وبه ايضاً تبين عدم صحة الشيخ ابن حجر عن الشيخ ابن تيميه أنه يقول: إنه سبحانه يقدر العرش وعدم الاعتبار بقوله. ويلزم أهل هذا المذهب الجسمية إلى آخره. ولنزدك توضيحاً لبيان أن لازم المذهب ليس بمذهب، كما أفصحت عنه عبارات المحققين، وتنبيهات السلفيين، والخلفيين، فقد قال فريد عصره العز بن عبد السلام الشافعي في قواعده الكبرى ما بعضه: وكذلك أختلف الناس، أهو في جهة؟ أم لا جهة له؟ وكل هذا مما يطول النزاع فيه ويعسر الوقوف على ادلته. وقد تردد أصحاب الأشعرى رحمهم الله تعالى في القدم والبقاء أهما من صفات السلب؟ أم من صفات الذات؟ وقد كثرت مقالات الأشعرى حتى جمعها ابن فورك في مجلدين، وكل ذلك مما لا يمكن تصويب المجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم م، والباقون مخطئون خطأ معفواً عنه لمشقة الخروج

стр. 467

منه، ولا سيما معتقد الجهة، فإن اعتقاده موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا مغفل من العالم، ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه. لا يهتدى إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، ولا يهتدى إليه إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك، عسرة الفهم، فلأجل هذه المشقة عفا الله تعالى عنها في حق العامة، ولذلك كان ﷺ لا يلزم أحداً ممن أسلم بالبحث عن ذلك، بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه. وقد رجع الأشعرى عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلاً بالمواصفات. [لازم المذهب ليس بمذهب] فإن قيل: يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثاً. قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب، لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة، وجازمون بأنه قديم أزلى ليس بمحدث، فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافة، وإن كان لازماً من قوله. والعجب أن الأشعرية أختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء، والوجه واليدين. وفي الأحوال كالعالمية والقادرية. وفي تعدد الكلام وإيجاده، ومع ذلك لا يكفر بعضهم بعضاً. واختلفوا في تكفير نفاة الصفات. أهـ. وقال العلامة ابن القيم من كلام طويل في كتاب (الروح) ما نصه: وأما السلام على أهل القبور وخطابهم، فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة، وأنها على أفنية القبور فهذا سيد ولد آدم ﵊ الذى روحه في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى يسلم عند قبره ويرد سلام الملمين عليه. وقد وافق ابن عمر رحمه الله تعالى على أن أرواح الشهداء في الجنة، ويسلم عليهم عند قبورهم، كما يسلم على غيرهم، كما علمنا النبي ﷺ أن نسلم عليهم. وكما كان الصحابة يسلمون على شهداء أحد،

стр. 468

وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث تشاء كما تقدم. ولا يضيق عطئك عن كون الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت، وتسمع سلام المسلم عليها عند القبر، وتدنو حتى ترد ﵇. وللروح شأن آخر غير شان البدن. وهذا جبريل صلوات الله تعالى عليه وسلامه، رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح، منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب وكان يدنو من النبي ﷺ حتى يضع ركبتيه ويديه على فخديه. وما أظنك يتسع بطانك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السماوات حيث هو مستقره، وقد دنا من النبي ﷺ هذا الدنو، فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له وأهلت لمعرفته. ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو ضيق أن يتسع للإيمان الإلهي إلى سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه، لا يكون فوقه شئ ألبته، بل هو العالى على كل شئ، وعلوه من لوازم ذاته. وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف. وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره. وكذلك مجيئه إلى الأرض حين دحاها وسواها ومدها وبسطها وهيأها لما يردا منها. وكذلك مجيئه إليها قبل يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى أحد، كما قال النبي ﷺ : ((فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد)) هذا، وهو فوق سماواته على عرشه. أهـ. وقد أطال في بحث الروح، وأنها تكون في السماوات في أعلى عليين وترد إلى القبر فترد السلام، وتعلم بالمسلم وهي في مكانها هناك. فإن أردت تكميل البحث فارجع إليه. والمراد هنا: إن ابن القيم ايضاً كشيخه ابن

стр. 469

تيميه لم يقل أيضاً بالانتقال والحركة اللازميين للأستواء والنزول، بل ذهب إلى الإيمان بذلك مع نفي اللوازم فلا تغفل. وقال أيضاً في نونيته ما بعضه [كامل] . واحذر حكايات لأرباب الكلا ... م عن الخصوم كثيرة الهذيان فكموا بما ظنوه يلزمهم فقا ... لوا ذاك مذهبهم بلا برهان كذبوا عليهم باهتين لهم بما ... ظنوا يلزمهم من البهتان فحكى المعطل عن اولى الإثبات قو ... لهم بان الله ذو جثمان وحكى المعطل أنهم قالوا بأ ... ن الله ليس يرى لنا بعيان وحكى المعطل أنهم قالوا يجو ... ز كلامه من غير قصد معاني وحكى المعطل أنهم قالوا بتحـ ... ييز الإله وحصره بمكان وحكى المعطل أنهم قالوا الـ ... أعضاء جل الله من بهتان وحكى المعطل أن مذهبهم هو القشـ ... بيه للخلاف بالإنسان وحكى المعطل عنهم ما لم يقو ... لوه ولا أشياخهم بلسان ظن المعطل أن هذا لازم ... فلذا أتى بالزور والعدوان فعليه في هذا معاذير ثلا ... ث كلها متحقق البطلان ظن اللزوم وقذفهم بلزومه ... وتمام ذاك شهادة الكفران يا شاهداً بالزور ويلك لم تخف ... يوم الشهادة سطوة الديان يا قائل البهتان غط لوازماً ... قد قلت ملزماتها ببيان والله لازمها انتفاء الذات والأ ... وصاف والأفعال للرحمن والله لزمها أنتفاء الدين والـ ... قرآن والإسلام والإيمان ولزوم ذلك بين جداً لمن ... كانت له أذنان واعيتان والله لولا ضيق هذا النظم بيـ ... نت اللزوم بأوضح التبيان

стр. 470

إلى أن قال: والله لم ينقم علينا منكم ... أبدأ خلاف النص من إنسان لكن خلاف الأشعرى بزعمكم ... وكذبتم أنتم على الإنسان (١) كفرتم من قال ما قد قاله ... في كتبه حقاً بلا كتمان هذا وخالفناه في القرآن مثـ ... ل خلافكم في الفوق للرحمن فالأشعرى مصرح بالاستوا ... ء وبالعلو بغاية التبيان ومصرح أيضاً بإثبات اليديـ ... ين ووجه رب العرش ذى السلطان ومصرح أيضاً بإثبات الأصا ... بع مثل ما قد قال ذو البرهان ومصرح أيضاً بأن لربنا ... سبحانه عينان ناظرتان ومصرح ايضاً بإثبات النزو ... ل لربنا نحو الرفيع الداني ومصرح بفساد قول مؤول ... للاستواء بقهر ذى السلطان ومصرح أن الألى قالوا بذا التـ ... أويل أهل ضلالة ببيان ومصرح أن الذى قد قاله ... أهل الحديث وعسكر القرآن هو قوله يلقى عليه ربه ... وبه يدين الله كل أوان لكنه قد قال إن كلامه ... معنى يقوم بربنا الرحمن في القول خالفناه كفراً وكا ... ن خلافكم هو مقتضى الإيمان والله لا للأشعري تبعتم ... كلا ولا للنص بالأحسان. أهـ. وأنت تعلم أن الأشعرى أيضاً قائل كالسلف بالكلام اللفظي كما تقدم تحقيقه فلا تغفل. وفي شرح الشفاء للعلامة الشهاب الخفاجي ما نصه: واعلم أنه حكى عن الأشعري والقشيرى واصحابه، أنهم قالوا: إن النبي ﷺ

стр. 471

ليس بنى في قبره، وإن رسالته عليه أفضل الصلاة والسلام أنقطعت بموته. وقد شنع عليهم جماعة بذلك وقالوا بتكفيرهم. وقال السبكي: إنه افتراء عليهم، وقد كتب بذلك إلى الأفاق. وكيف يقال مع ما صح في الحديث من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم يصلون، وإنما فهم هذا عنهم الكرامية، وادعوا أنه لازم لمذهبهم، ولا زم المذهب ليس بمذهب، فإنه ﷺ حي في قبره، باقٍ على ما كان عليه. انتهى. وقال العلامة العارف الشيخ إبراهيم الكوراني في شرح عقيدة القشاشي في بحث رؤية الله تعالى يوم القيامة: إن المعتزلة قد كفرت أهل السنة لقولهم برؤيته سبحانه يوم القيامة، ظناً منهم ان ذلك يستلزم التجسيم، وهذا ظن فاسد لأن أهل السنة يثبتونها بلا كيف، ومع التنزيه عن الجسم والجهة، حتى قال في الكشاف: ثم تعجب من المتسمين بالإسلام، والمتسمين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات اشياخهم. والقول ما قال بعض العدلية فيهم: * لجماعة سموا هواهم سنة * البيتين. أنتهى. وقد أفترى على أشياخ أهل السنة لأن هذا ليس من منصوبات الشياخ. بل أخرج ابن مردوية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ قال: ينظرون إلى ربهم للا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة، كما نقله السيوطي في الدر المنثور. وهذا نص صريح في مذهب أهل السنة وقولهم بالبلكفة، فلا يحزنك قولهم: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ستكتب شهادتهم ويسألون وهذا الحديث المحتج به للبلفكة له شواهد منها قوله تعالى: ﴿فلما جاءها نودى من شاطئ الوادى الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إنى أنا رب العالمين﴾ فإنه سبحانه تجلى

стр. 472

وظهر في النار، كما قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أن بورك من في النار﴾ يعنى ﵎ نفسه، كأن نور رب العالمين في الشجرة، وفي رواية عنه قال: وكانت تلك النار نوراً، وكان الله تعالى في النور، ونودى موسى من النور. وقد صح ((حجابه النار، وحجابه النور)) والكل صحيح، فإن الله تعالى له تجلى الجلال والجمال. وإنما سمى حجاباً لكونه حجاباً على غيب الذات والهوية، فلا تشهد الذات المقدسة إلا في مظهر ومن حولها موسى والملائكة الحاضرين ثمة. وقال بعض المحققين: المراد ((بمن)) هنا أيضاً هو الله تعالى، أى بورك من تجلى في النار، ومن تجلى فيما حولها من سائر الأكوان، لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ هو صحيح أيضاً. ولما كان التجلى في المظهر يوم التقيد بالصورة والمكان والجهة قال تعالى إزالة لهذا التوهم: ﴿وسبحان الله﴾ نزهه عن التقيد بالصورة والمكان والجهة. وإن ناداك من النار من شاطئ الوادى الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة لكونه موصوفاً بوصف رب العالمين. وما هو كذلك لا يكون ظهوره في مظهر ما موجباً للتقيد بذلك، لأن رب العالمين له إلا الإطلاق الحقيقى الذى لا يقابله تقييد القابل لكل قيد شاء الظهور فيه، فيكون منزهاً عن التقيد بذلك في عين ظهوره فيه. ولهذا قال: يا موسى إنه - أى المنادى المتجلى في هذه البقعة المباركة أنا الله العزيز. ومقتضى العزة ان لا أكون متقيداً بهذا المظهر، ولكنى الحكيم، ومقتضى الحكمة الظهور في صورة مطلوبك. ووجه الشهادة أن الآية قد دلت بظاهرها الذى فسرها به ابن عباس ترجمان القرآن: أن الله تعالى هو المتجلى في النار بمقتضى حكمته، وانه منزه عن التقييد بذلك لربوبيته وعزته. فإذا رؤى يرى بلا كيف يقيد، وإن ظهر في مظهر له كيف. والله أعلم.

стр. 473

وقول أهل السنة: إن الله تعالى يرى بلا كيف، ومعناه: أنه تعالى لا يتقيد بكيف يقتضيه مظهر التجلى، لا أنه لا يتجلى في مظهر له الكيف اصلاً، فإن هذا مع أنه لا يصح لم يلتزمه أهل السنة، فقد قال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد بعد تقرير جواز اختلاف الرؤيتين أى الخلق والحق في الشروط واللوازم ما نصه: وهذا هو المراد بالرؤية بلا كيف، بمعنى خلوها عن الشرائط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأغراض، لا بمعنى الرؤية، أى المرئي في جميع الحالات والصفات على ما يفهمه أرباب الجهالات. فيعترضون بأن الرؤية فعل من أفعال العباد، أو كسب من اكسابهم، فبالضرورة يكون من الكيفيات. انتهى. وهذا كلام حسن يوضحه الحديث المذكور في قوله ولا محدود ولا صفة معلومة، فما نفي إلا حداً متعيناً ينحصر فيه من له ذلك الحد لا مطلق الحد وصفته معلومة متعينة فيها الموصوف لا مطلق الصفات. وقال الشيخ الأشعرى في الإبانة ما نصه: وأن له عينين بلا كيف. ثم قال: وغن الله يقرب من عباده كيف يشاء. انتهى. فنفى الكيف وأثبت، والكل صحيح عند من أحاط علماً بأن الحق له الإطلاق الحقيقى - ثم قال الكوراني: وإن فرضنا إن أثبات الرؤية يستلزم التجسيم لم يلزم من غثباتها كفر، لأن الأصح أن لزم المذهب ليس بمذهب، بل صريح التجسيم مع البلفكة ليس بكفر، كما في شرح العقائد العضدية للجلال الدواني، ونقله ابن حجر الهيتمى في كتاب (الأعلام بقواطع الإسلام) : لازم المذهب ليس بمذهب، ومن ثمة قال الأسنوى: المجسمة ملتزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال مع انا لا نكفرهم على المشهور، كما دل عليه كلام الشرح والروضة في الشهادات. انتهى. قال: فالحاصل أن من

стр. 474

نفى أو اثبت ما هو صريح في النقص كفر، وما هو ملزوم للنقص فلا. ثم قال: مشى الغزالى في كتابه ((التفرقة بين الإسلام والزندقة)) والعز بن عبد السلام في فتاويه وغيرهما على عدم كفر القائلين بالجهة، وقال الشيخ ابن قاسم في حاشية التحفة: قوله: ((إن لازم المذهب)) ظاهرة إن كان لازماً بيناً (١) وهو ظاهر لجواز أن لا يعتقد اللازم وإن كان لزوم الجسمية لها لزوم بين. وقوله ((ليس بمذهب)) معناه: إنه لا يحكم به لمجرد لزومه، فإن اعتقدوه فهو مذهب، ويترتب عليه حكمه اللائق به - انتهى ما نقله. وقال الكوراني ملخصاً: نعم، إنه قد رمى بعض الحنابلة بالتجسيم واشتهر عنهم هذا المذهب الوخيم. وردهم أصحاب مذهبهم، وبينوا زيف مطلبهم. ومن الرادين العلامة الشهير عبد الرحمن الجوزى، فقد رأيت له رسالة في تأويل بعض الأحاديث النبوية، والتشنيع على من تعدى الطريقة الحنبلية. ومنها قوله: وانتدب للتصنيف ثلاثة: عبد الله بن حامد، وصاحب القاضي، ابن الزاغونى، فصنفوا كتباً شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فاثبتوا صورة ووجها زائداً على الذات وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وجبهة وهي السبحات، ويدين واصابع، وكفاً وخنصراً وإبهاماً، وصدراً وفخذاً،

стр. 475

وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدنى العبد من ذاته. وقال بعضهم، ويتنفس وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، لم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا ان يقولوا صفة حتى قالوا صفات ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل: يديه على نعمته وقدرته، ولا المجئ ولا الإتيان على معنى بر ولطف، ولا ساق على شدة. بل قالوا: نحملها على ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين والشئ إنما يحمل على حقيقته إذا امكن، وهو يتحرجون عن التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون: نحن أهل السنة. وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع، وقلت لهم: يا أصحابنا، أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر احمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه. ثم قلتم في الأحاديث: تحمل علي ظاهراه، وظاهر القدم الجارحة. فإنه لما قيل في عيسى روح اله اعتقدت النصارى أن الله سبحانه صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات. ينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل، فإذا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم. فلو أنكم قلتم: نقر الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم احد، إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئاً قبيحاً حتى لا يقال: حنبلى (١) إلا مجسم - إلى أن يقال - فرأيت الرد عليهم لازماً لئلا ينسب

стр. 476

الإمام إلى ذلك. وإذا سكت نسيب إلى إعتقاد ذلك، ولا يهولنى أمر عظيم في النفوس، لأن العمل على الدليل وخصوصاً في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فألفتى فيها، فقيل: هذا يقول لا يقول به ابن المبارك؟ فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء. وقال الإمام الشافعي ﵁: استخرت الله تعالى في الرد على الإمام مالك. أنتهى. وقال في آخر الرسالة في الكلام على الحديث المتمم ستين ما نصه: روى عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، تأتى بالرحمة وتأتى بالعذاب، فأسلوا الله تعالى خيرها، واستعيذوا بالله تعالى من شرها)) فالنفس بمعنى التنفيس عن المكروب. ومثله ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمين)) يعني تنفيسه عن المكروب، بنصره أهل المدينة من جانب اليمين. وهذا شئ لا يختلف فيه المسلمون. وقال ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله تعالى وصفاًَ في ذاته بأنه يتنفس. قال: وقالوا: الرياح الهابة مثل الرياح العاصفة والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة إلا ريحاً من صفاته هي ذات نسيم حياتى، وهي من نفس الرحمن. قلت: على من يعتقد بهذا اللعنة، لأنه يثبت جسداً مخلوقاً، ما هؤلاء بمسلمين! اهـ المراد منه فليتدبر وليحفظ. [الأقوال في آيات الصفات وأحاديثها] فتحصل أن في آيات الصفات والأحاديث المتشابهة أقوالا: ((منها)) كما قال الحافظ ابن حجر في شرح الصحيح في الكلام على قوله ﷺ : ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) : قول مدعى الجهة وهي جهة العلو، المستدل بهذا

стр. 477

الحديث ونظائره، وهو قول غير واحد من السلف والصوفية. ((ومنها)) قول من اجرى ذلك على ظاهرة وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم. قال الحافظ: ((ومنها)) قول من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة. والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث إما جهلاً وإما عناداً. ((ومنها)) قول من اجراه على ما ورد مؤمناً به على طريق الإجمال، منزهاً لله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة، والسفيانين والحمادين، والأوزاعي والليث وغيره. ((ومنها)) قول من أوله على وجه يليق، مستعمل في كلام العرب. ((ومنها)) قول من أفرط في التأويل، حتى كاد يخرج إلى نوع من التحريف. ((ومنها)) قول من فصل بين ما يكون تاويله قريباً مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً مهجوراً. فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد. قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد. إلا أن يرد ذلك عن الصادق ﷺ فيصار إليه - أنتهى - فعض بالنواجذ عليه. وإذا علمت الفكر بما حررناه ووعت أذنك ما سطرناه، أندفع ما شنع به العلامة ابن حجر على الشيخ ابن تيمية مما لم يصح به عنه اثر فمتفطن، ولا يضيق بك العطن، وهو الموفق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 478

[القول في فناء النار] (قوله: وقال إن النار تفنى) وقد شنع عليه أيضاً في كتابه الزواجر بما نصه: لا ينافي ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو: ((ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها احد)) وذلك بعد ما يلبثون فيها احقاباً، لأن في سنده من قالوا: إنه غير ثقة، وصاحب أكذاب كثيرة عظيمة. نعم، نقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة. قال ابن تيميه: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وحماد بن سلمة، وبه قال على بن طلحة الوالبى، وجماعة من المفسرين. انتهى. ويرد ما نقله الحسن البصري قول غيره، قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره، والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شئ، وعلى التنزيل فمعنى كلامهم كما قال العلماء: ليس فيها احد من عصاة المسلمين. وأما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم، لا يخرجون عنها ابداً، كما ذكره تعالى في آيات كثيرة. وفي تفسير الفخر الرازى قال: إن عذاب الله تعالى منقطع وله نهاية واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إلا ماشاء ربك) وبـ ﴿لا بثين فيها أحقابا﴾ وبأن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم. انتهى مافي الرواجز. وسيتبين لك إن شاء الله تعالى تفصيل هذا المطلب، وينجلى ببسط المذاهب فيه الغيهب، فأقول: [هل الجنة والنار موجودتان؟ وأين؟ وهل هما ابديتان ؟] أختلف أقوال المسلمين في وجود الجنة والنار الآن، وفي أبدية النار وعدم فنائها ومحلهما. فأهل السنة ذهبوا إلى أن النار كالجنة مخلوقة الآن. والمعتزلة

стр. 479

إلى عدم وجودها الان، وقالوا: بل ينشئها يوم المعاد لأن خلقها الآن عبث. وتأولوا الجنة في قصة آدم ﵇. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كافية في ردهم، دامغة لرءوسهم. واما محلهما - فالصحيح أن الجنة فوق السماء السابعة وسقفها العرش. وان النار في الأرض السابعة. وقيل: الجنة في السماء الرابعة. وقيل: كلاهما فوق السماوات. وقيل: النار تحت سبعة أبحر. وأخرج أبو الشيخ عن كعب في قوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ قال البحر يسجر فيصير جهنم. وأما أبديتهما فقد قال العلامة ابن القيم في كتابه ((حادى الأرواح)) أما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد فمما يعلم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ أخبر به، قال الله تعالى: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود ١٠٨] أى غير مقطوع. ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ نعم، أختلف السلف هذا الاستثناء فقال الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة. وقالت فرقة: العزيمة وقعت لهم من الله سبحانه بالخلود الدائم، إلا أن يشاء الله تعالى خلاف ذلك إعلاماً لهم مع خلودهم في مشيئة الله سبحانه. وهذا كما قال لنبيه ﷺ : ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك﴾ وغيره. ونظير ذلك مما يخبر به سبحانه عباده: أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت فرقة: المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبداً. وقيل غير ذلك. فقوله تعالى: ﴿غير مجذوذ﴾ وقوله سبحانه ﴿أكلها دائم وظلها﴾ ، ﴿وما هم بمخرجين﴾ والأحاديث العديدة في ذلك نصوص

стр. 480

قاطعة في عدم فناء الجنة. ولم يقل بفنائها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من ائمة المسلمين. ومن قال به فهو ضال مبتدع منحرف عن الصواب. وزعمت الجهمية، أن الجنة والنار يفنيان، وهو قول إمامهم جهم بن صفوان - وليس له في ذلك سلف. واما أبدية النار - ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف. والأصح عدم فنائها أيضاً، قال الفاضل السفارينى في كتابه ((البحور الزاخرة في أحوال الآخرة)) ناقلاً عن المحقق ابن القيم في ((حادى الأرواح)) وثمة أقوال سبعة - يعنى ما عدا القول المشهور لدى الجمهور: من دخول بعض عصاة المسلمين وخروجهم بالشفاعة، ورحمة رب العالمين، وتخليد الكفرة الفاجرين. احدها - من يدخل النار لا يخرج منها أبداً، بل كل من دخلها يخلد فيها، وهذا هو قول الخوارج والمعتزلة. الثاني - أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم ينقلب عليهم، وتبقى طبيعتهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم. وهذا قول ابن عربي صاحب الفتوحات. وهو مخالف لما علم بالاضطرار من الايات القرآنية والأخبار المحمدية. الثالث - أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود. ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون. وهذا قول حكاه اليهود للنبي ﷺ ، فاكذبهم نص اليهود على كذبهم - فهو قول اليهود ومن سلك هذا المسلك، فسلفه فيه اليهود أهل المكر والخداع، وقد علم فساده من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. الرابع - قول من يقول: يخرجون منها وتبقى ناراً على حالها ليس فيها أحد يعذب، حكاه شيخ الإسلام عن بعض الفرق - والكتاب والسنة يردانه.

стр. 481

الخامس - أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقائه - وهذا قول جهم وشيعته، ولا فرق عنده، ولا فرق بين الجنة والنار. السادس - انها تفنى حركات أهلها وحياتهم، ويصيرون جماداً لا يتحركون ولا يحسون بألم - وهذا قول أبي الحسين العلاف، إمام المعتزلة. السابع - قول من يقول: بل ينفيها ربها وخالقها ﵎ فإنه جعل لها أمداً تنتهى إليه ثم نفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: ونقل هذا عن عمر بن حميد وهو من أجل علماء الحديث عن الحسن رحمه الله تعالى قد: قال عمر ﵁: لو لبث أهل النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.

стр. 482

واعلم أن الإمام ابن القيم قدس الله تعالى روحه انتصر لهذا القول أنتصاراً عظيماً، ومال إليه ميلاً جسيماً، وذكر له خمسة وعشرين دليلاً، ثم رجع القهقرى وقال: إن قيل إلى أين أنتهى قدمك في هذه المسالة العظيمة؟ قيل: إلى قوله تعالى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فيها، حيث ذكر دخول أهل الجنة وأهل النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وما كان من خطإ فهو مني ومن الشيطان، والله تعالى ورسوله بريئان منه. وقال السفاريني في شرح قصيدته: إن لشيخ الإسلام أيضاً ميلاً إلى هذا القول انتهى. وفي الدر المنثور للإمام السيوطي على تفسير هذه الأية في سورة هود ما نصه: أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: قال عمر ﵁ لو لبث في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. وأخرج إسحق بن راهوية عن أبي هريرة ﵁ قال: سيأتى على جهم يوم لا يبقى فيها احد، وقرأ ﴿فأما الذين شقوا﴾ الآية – وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية: ﴿خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهم اسرع الدارين عمراناً، وأسرعهما خراباً. انتهى – وفي شرح عقيدة الإمام الطحاوى بعد كلام طويل ما نصه: السابع – أنه سبحانه يخرج منها من يشاء كما ورد في السنة، ثم يبقيها ما يشاء ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهى إليه. الثامن - أن الله تعالى يخرج منها ما يشاء كما ورد في السنة ويبقى فيها الكفار بقاء لا لانقضاء كما قال الشيخ يعنى الطحاوى: وما عدا هذين القولين م الأقوال المتقدمة ظاهر البطلان. وهذان القولان لأهل السنة، ولينظر في دليلهما، فمن أدلة القول الأول قوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ وقوله تعالى: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ماشاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ولم يات بعد هذين الاستثنائين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وقوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ وهذا القول أعنى بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم، ورواه عن عمر عبد ابن حميد في تفسيره المشهور.

стр. 483

قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته، وقد قال ﷺ : ((لما قضي الله تعالى الخلق كتب كتاباً فهو عندي فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي)) رواه البخاري. وقالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عظيم، وأليم، وعقيم. ولا أخبر في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: ﴿قال عذابي أصيب به من اشاء ورحمتى وسعت كل شئ﴾ وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً﴾ فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته. وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمه أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين، وأن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً. فمن مقتضى الحكمة أن الإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض، وقالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأييد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه وذلك يقتضى الخلود في دار العذاب مادامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. [أدلة القائلين بعدم فناء النار] ومن أدلة القائلين بعدم فنائها قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب مقيم - لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون - فلن نزيدكم إلا عذاباً - خالدين فيها أبداً - وما هم منها بمخرجين - وما هم بخارجين من النار - ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل

стр. 484

في سم الخياط - لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها - إن عذابها كان غراماً﴾ أى مقيماً لازماً. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وان هذا حكم مختص بهم، فلو أخرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وغير ذلك من الأدلة. وكل مدع أجاب عن أدلة صاحبه في هذه المسألة - أنتهى بأقتصار. ونقل الوالد قدس الله تعالى روحه في تفسيره عن الفهامة ابن الجوزى: أنه ضعف بعض الآثار الواردة في ذلك كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ((يأتى على جهنم يوماً ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها ابواب الموحدين)) . وأول البعض أيضاً بعضها قال: وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى، ولا يقاوم أحد منها كثير من هذه الأخبار. ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف، لأن قوله تعالى. ﴿لهم فيها زفير وشهيق، خالدين مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ يمكن أن يكون المراد بمن شاء فساق الموحدين، ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها. كما روى عن السدى، بل لا يكاد يصح القول بالنسخ في مثل ذلك. انتهى ملخصاً. وإن أردت تفصيل ما قيل في الآية الكريمة فعليك به وبالكتب المفصلة وقد صنف في ذلك علماء الإسلام مصنفات من آخرهم العلامة الشيخ مرعى الحنبلى جزءاً سماه ((توقيف الفريقين على خلود الدارين)) .

стр. 485

وأعلم أن ما نسب فيما تقدم للشيخ محيى الدين بن عربي قد أنكر صحته عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه ((الأجوبة المرضية)) بما نصه: ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ يقول بعدم خلود الكافرين في النار، وأما عذابهم فينقضى، ويخلق الله تعالى لهم مزاجاً يتلذذ بالنار حتى أنهم لو خرجوا منها إلى الجنة لتألموا بذلك - إلى آخر ما نقلوه عن الشيخ وحاشا الشيخ عنه، والذى هو أعظم المناء على الشريعة، أن يتلفظ بمثل ذلك، ويجعل المجرمين كالمسلمين، وإن وجد ذلك في بعض كتبه فهو مدسوس عليه بيقين وقد حكى هو الإجماع على خلودهم، وقال في عقيدته، أول الفتوحات: ونعتقد أن تأبيد العذاب على الكفار والمشركين والمنافقين حق وقال في الباب الرابع والستين منها: واعلم أن ابليس ومن تبعه من الكفار لا يخرجون من النار، لحديث: ((ينادى المنادى يوم القيامة يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)) . وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلى في كتابه المسمى ((بالإنسان الكامل)) ((وشرح لباب الأسرار من الفتوحات)) ان مراد باهل النار يخرجون منها هم عصاة الموحدين لا الكفار. وقال: إياك أن تحمل كلام الشيخ محيى الدين أو غيره من الصوفية في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة على الكفار، فإن ذلك كذب وخطأ، وإذا احتمل الكلام وجهاً صحيحاً وجب المصير إليه. أهـ. وقال الشعراني: ثم إنه بتقدير صحة نسب ذلك إلى الشيخ محيى الدين. فالشيخ لم ينفرد بذلك، فقد قال جمع من الظاهرية، وفرقة من الحنابلة والفدرية بفناء انار، وأن الجرجير ينبت فيها، وأن اللبث في قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ يرجع إلى نهاية في العدد على اختلاف وجوه الحقب في التفسير. انتهى.

стр. 486

وقال الشيخ محيى الدين في كتاب ((لواقح الأنوار)) : إياك أن تفهم من سياق العلماء الخلاف فيمن يخرج من النار أنه في حق من كذب الرسل من الكفار، فإن ذلك خطأ، وإنما هو في حق امة الإجابة إذا ماتوا من غير توبة وآخذهم الله تعالى، أو أنه حكاية عن مذهب من يقول بتخليد العصاة من الموحدين إذا ماتوا على غير توبة. أهـ. قلت: ورأيت في الفتوحات في الباب الثاني والستين ما نصه: وأما قوله تعالى: ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ فذلك لطائفة مخصوصة، وهم الأئمة الذين أضلوا العامة، وأدخلوا عليهم الشبه المضلة، وقالوا لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، وهو قوله تعالى: ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ وهو قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع اثقالهم﴾ فإن له وزراً من كل عمل بالضلالة، فهذا قوله: زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ فما أنزلوا من النار إلا منازل الاستحقاق، بخلاف أهل الجنة، فإن أهل الجنة نزلوا منها منازل استحقاق مثل الكفار، ومنازل ورائه ومنازل اختصاص. فلا بد لأهل النار من فضل الله تعالى ورحمته في نفس النار، فلا يموتون ولا يحيون فيعطيهم الله تعالى بعد انقضاء موازنة المدد بين العذاب والعمل نعيماً خيالياً مثل ما يراه النائم، وجلده، كما قال تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ هو كما قلنا خدرها، فزمان النضج والتبديل يفقدون الآلام، لأنه إذا انقضى زمان الإنضاج خمدت النار في حقهم، فيكونون في النار كالأمة التى دخلتها وليست من أهلها، فأماتهم الله تعالى إماتة فلا يحسون بما تفعله النار في أبدانهم ... والحديث بكماله ذكره مسلم في صحيحه. وهذا من فضل الله تعالى ورحمته. أهـ.

стр. 487

[صاحب الكبيرة] تتمة أهل الجنة: هم المؤمنون بالله تعالى ورسله. وأهل النار هم الكفرة بالله تعالى ورسله. وعصاة المؤمنين: المرتكبون الكبائر غير مخلدين في النار عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للمعتزلة كما هو مفصل في الكتب الكلامية. ومن العجائب ما في الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلى ونصه: ثم اعلم أن أهل النار أناساً هم عند الله تعالى افضل من كثير من اهل الجنة، وأدخلهم دار الشقاء ليتجلى عليهم فيها فيكونون محل نظرة من الأشقياء. وهذا سر غريب وأمر عجيب، يفعل ما يشاء ويختار. أهـ. وكتب عليه الوالد عليه الرحمة ما نصه: وأنت تعلم أن الله تعالى قال: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ أفترى من أخزاه الله تعالى يفضل من أجله دار رحمته ورضاه. سبحانك! هذا بهتان عظيم. فإن كان لصاحب الإنسان الكامل جواب عن ذلك يزعمه فنسأل الله تعالى أن يجعله من أولئك الإناس يوم الجزاء، ليكون محل نظرة من الأشقياء. أهـ. ثم أعلم أنه قد تبين لك مما نقلناه من الأقوال: أن القول الصحيح، الحرى بالترجيح، هو بقاء الجنة والنار وساكنيهما من الأخيار والفجار، وإن الشيخ ابن تيمية لم يتبين عنه نقل صحيح فيما نسب إليه، ولئن سلم أنه مال لذلك فقد ذهب إليه بعض السلف، وأفراد من الخلف، كما تقدم آنفاً، فليس في ميله ما يوجب تكفيراً عند من أنصف. على أنا لا نعلم إن صح النقل عدم رجوعه عنه، وهو لا يعد عند المنصفين إلا من العلماء المجتهدين، وأى مجتهد قرنت بالصواب جميع أقواله، وصوبت كافة أحواله، وكم رجع مجتهد عن اجتهاده الأول، ونص على خلافه وعول.

стр. 488

ومع هذا فلعله اتبع في ذلك أقوال الفاروق، وباب مدينة العلم، وترجمان القرآن، وابن مسعود، وأبي هريرة القائل: أخذت عن رسول الله ﷺ وعاءين ... الحديث الشهير. فتدبر جميع ما حررناه لك من كلام العلماء الأخيار، وأسأله سبحانه أن ينجينا وإياك من النار، ويسكننا الجنة دار القرار. آمين. [عصمة الأنبياء] (قوله: وقال الأنبياء غير معصومين) أقول: قد أجمل العلامة، ابن حجر هذا التشنيع، لم يبين المراد من ذلك، هل عدم العصمة قبل النبوة أم بعدها؟ وهل ذلك من الكبائر أو التغائر؟ ومع هذا فانت تعلم أن مسألة العصمة أختلفت فيها علماء الأمة، وأن الشيخ ابن تيمية ذكر في كتبه ما ذكره غيره مما يتعلق في مسألة العصمة، فقد نقل الشيخ السفاريني في شرح منظومته، انه قال: الناس متقفون على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين، ولكن هل بصدر منهم ما يستدركه الله تعالى فينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم الله ىياته؟ هذا فيه قولان. قال. والمأثور عن السلف يوافق القول بذلك. قال: وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع: هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر، أو من بعضها، أو هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها. وقيل: لا يجب القول في العصمة إلا بالتبليغ فقط. وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل البعث أم لا؟ قال: والذى عليه الجمهور الموافق للاثارة: إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً. قال: ووقوع الذنب إذا لم يقر عليه ما يحصل منه تنفير ولا نقص؟ فإن التوبة النصوح يرفع بها صاحبها أكثر مما كان أو لا. وكذلك التأسي بهم إنما هو فيما أقروا عليه بدليل النسخ ونحوه. أهـ.

стр. 489

وقال السعد التفتاراني في شرح النسفية: إن الأنبياء ﵈ معصومون عن الكذب، خصوصاً فيما يتعلق بأمر الشرائع وتبليع الأحكام / وإرشاد الأمة، أما عمداً فبالإجماع، وأما سهوا فعند الأكثرين. وفي عصمتهم عن سائر الذنوب تفصيل، وهو أنهم معصومون عن الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع، وكذا عن تعمد الكبائر عند الجمهور خلافاً للحشوية، وإنما الخلاف في أمتناعه بدليل السمع أو العقل، وأما سهواً فجوزه الأكثرون واما الصغائر فتجوز عمداً عند الجمهور خلافاً للجبائي واتباعه، وتجوز سهواً بالاتفاق، إلا بدليل على الخسة كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، لكن المحققين اشترطوا أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه. هذا كله بعد الوحي، وأما قبله فلا دليل على أن امتناع صدور الكبيرة. وذهبت المعتزلة إلى امتناعها، لأنها تودب النفرة المانعة عن اتباعهم فتفوت مصلحة البعثة. والحق منع ما يوجب النفرة كعهر الأمهات والفجور، والصغائر الدالة على الخسة. ومنع الشيعة صدور الصغيرة والكبيرة قبل الوحي وبعده، لكنهم جوزوا إظهار الكفر تقيه. إذا تقرر هذا. فما نقل عن الأنبياء مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن الظاهر إن أمكن. وإلا فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة. وتفصيل ذلك في الكتب المبسوطة. أهـ. وقال الوالد تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جناته، في تفسير قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ ما نصه: وعصى آدم ربه، بما ذكر من أكل الشجرة، وأوعن الرشد حيث اغتر بقول العدو. وقيل:

стр. 490

غوى أى فسد عليه عيشه، ومنه يقال: الغوى الرضاع. وقرئ ((فغوى)) بفتح الغين وكسر الواو وفتح الياء: أى فبشم من كثرة الأكل، من غوى الفصيل: إذا أنحم من اللبن، وبه فسرت القراءة الأخرى. وتعقب ذلك الزمخشرى فقال: وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفاً فيقول في فنى وبقى: فنى وبقى بالألف، ,هم بنو طيئ تفسير خبيث. وظاهر الآية يدل على أن ما وقع من الكبائر ٠ وهو المفهوم من كلام الإمام - فإن كان صدور بعد البعثة تعمداً من غير نسيان ولا تأويل أشكل على ما اتفق عليه المحققون، والأئمة المتفقون، من وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد البعثة عن صدور مثل ذلك منهم على ذلك الوجه. ولا يكاد يقول بذلك إلا الأزارقة من الخوارج، فإنهم - عليهم ما يستحقون - جوزوا الكفر عليهم، وحاشاهم! فما دونه أولى بالتجويز، وإن كان صدوره قبل البعثة كما قال به جمع. وقال الإمام: إنه مذهبنا، فإن كان تعمداً أشكل على قول أكثر المعتزلة والشيعة بعصمتهم ﵈ عن صدور مثل ذلك تعمداً قبل البعثة أيضاً. نعم، لا إشكال فيه على ما قاله القاضي أبو بكر من أنه لا يمتنع عقلاً ولا سمعاً أن يصدر من النبي ﷺ قبل نبوته معصية مطلقاً، بل لا يمتنع عقلاً إرسال من اسلم بعد كفره، ووافقه على ذلك - كما قال الآمدى في أبكار الأفكار - أكثر الأصحاب وكثير من المعتزلة. وإن كان سهواً كما يدل عليه قوله تعالى، ﴿فنسى ولم نجد له عزماً﴾ بناء على احد القولين فيه أشكل على ما نقل عن الشيعة من منع صدور الكبيرة سهواً قبل البعثة أيضاً، ولا إشكال فيه على ما سمعت عن القاضي أبي بكر، وإن كان بعد البعثة سهواً أشكل أيضاً عند بعض دون بعض، فقد عضد الملة في

стр. 491

المواقف: إن الأكثرين جوزوا صدور الكبيرة يعنى ما عدا الكفر والكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم ﵇ فيه سهوا على سبيل الخطأ منهم. وقال العلامة الشريف المختار خلافه. وذهب كثير إلى أن ما وقع صغيرة والآمر عليه هين، فإن الصغائر الغير المشعرة بالخسة تجوز - على ما ذكره العلامة الثاني في شرح العقائد - صدورها منهم ﵇ عمداً بعد البعثة عند الجمهور، خلافاً للجبائي وأتباعه. ويجوز صدورها سهواً بالاتفاق. لكن المحققين اشترطوا على أن ينتهوا على ذلك فينتهوا عنه. نعم، ذكر في شرح المقاصد عصمتهم عن صدور ذلك عمداً. والأحوط نظراً إلى مقام آدم ﵇ أن يقال: إن صدور ما ذكر منه كان قبل النبوة، وكان سهواً أو عن تاويل، إلا أنه عظم المر عليه وعظم لديه، نظراً إلى علو شانه، ومزيد فضل الله تعالى عليه وإحسانه. وقد شاع: ((حسنات الأبرار سيئات المقربين)) . ومما يدل على استعظام ذلك منه لعلو شأنه ﵇ ما اخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابي عبد الله المغربي قال: تفكر إبراهيم في شأن آدم ﵍ فقال: يارب، خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من ذكر معصيته)) ؟ فأوحى الله تعالى إليه ((يا إبراهيم، أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة)) ؟ . وذكر بعضهم أن في استعظام ذلك منه ﵇ زجراً بليغاً لأولاده عن أمثاله. وعلى العلات لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه العصيان اليوم، وأن يخبر بذلك، إلا أن يكون تألياً لما تضمن ذلك، أو راوياً له عن رسول الله ﷺ . واما أن يكون مبتدئاً من قبل نفسه فلا. وقد صرح أبو بكر بن العربي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء الأدنين إلينا المماثلين لنا، فكيف يجوز لأبينا الأقدم، والنبي المقدم الأكرم؟ وارتضى

стр. 492

ذلك القرطبي، وادعى أن ابتداء الإخبار بشئ من صفات الله تعالى المتشابهة كاليد والنزول أولى بالمنع وعدم الجواز. ثم إن ما وقع كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره، وإلا فقد روى عن أبي أمامه الباهلى والحسن: أن عقله ﵇ مثل عقل جميع ولده. وعداوة إبليس عليه اللعنة له ﵇ في غاية الظهور. وفي ذلك دليل على أنه لا ينتفع عقل، ولا يغني شئ في جنب تقدير الله تعالى وقضائه - أهـ. وأنت تعلم ما ورد في القرآن الكريم بما يخالف كقصة إبراهيم ﵇ وغيرها، وقد أوله العلماء المفسرون، والأئمة المدققون، فإن أردت الإحاطة فعليك بكتب التفسير والعقائد، ففيهما، يرتوى كل ظمآن وارد. (واقول) : قد رمى حجة الإسلام الغزالي أيضاً بأكبر مارمى به الشيخ ابن تيمية في هذه المسالة الأصولية، حتى نسب إليه بعضهم تنقيص النبي المعصوم ﷺ ، ونسبوا ذلك الإمام إلى الكفر، وحاشاه في هذا المقام! فقد رأيت في فتوى الشيخ ابن تيمية أنه سئل عن رجلين تكلما في مسالة التكفير فقال أحدهما: إن من نقص الرسول ﷺ ، وتكلم بما يدل على النقص كفر، ولو كفرنا كل عالم بمثل ذلك لزم أن نكفر الإمام الغزالي، فإنه ذكر في بعض كتبه تخطئه الرسول ﷺ في مسألة تأبير النخل، فهل يلزم من ذلك تنقيصه - أرواحنا له الفداء. لم يلزم تعزيز من كفر العلماء؟ فأجاب بما ملخصه: إن كلام الغزالي المذكور ليس فيه تنقيص والعياذ بالله تعالى، لمقام سيد المرسلين، والنبي الأمين. ولا يجوز تكفير عالم من علماء المسلمين إذا اجتهد في مسألة واخطأ فيها، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء الإسلام أعظم المنكرات.

стр. 493

وقد اتفق أهل السنة أن كل يؤخذ منه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وليس كل من ترك كلامه لخطيئة يكفر أو يفسق، بل ولا يؤثم، وقال الله تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا﴾ الآية. واتفق علماء المسلمين على انه لا يكفر أحد من علماء المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء ﵈. فالذين قالوا: إنه يجوز عليهم الصغائر والخطأ، ,لا يقرون على ذلك لم يكفر أحد منهم بذلك، بإتفاق المسلمين فغن هؤلاء يقولون: إنهم معصومون من الإقرار على ذلك، ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من ائمة المذاهب الأربعة والأشعرية واهل الحديث والتفسير والصوفية، وهم ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين، والذى حكاه عن الشيخ أبي حامد الغزالي قد قاله أيضاً الشيخ أبو حامد الأسفرايني، الذى هو غمام المذهب بعد الشافعي وابن سريج، وذلك قوله: إن عندنا أن النبي ﷺ يجوز عليه الخطا، كما يجوز علينا، لكن الفرق بيننا وبينه أن تقر عليه والنبي ﷺ لا يقر عليه، وإنما يسهوا ليسن لنا، كما روى عنه ﷺ أنه قال: ((إنما أسهو لأسن لكم)) وهذه المسالة قد ذكرها في أصول الفقه جماعة من العلماء، منهم هذا الشيخ أبو حامد، وأبو الطبيب الطبرى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازى، وغيرهم. ومنهم من ادعى إجماع السلف على هذا القول، حق قال أبو الحسن الآمدى: إن أكثر الأشعرية والمعتزلة ليقولون بذلك، والمسالة عندهم من الظنيات، كما صرح بذلك الأستاذ أبو المعالى، فكيف يكفر علماء المسلمين مسائل الظنون، وذهابهم إلى عدم العصمة من الصغائر، وإلى الخطأ الذى لا يقرون عليه عليهم الصلاة والسلام، فمن نسب إلى هؤلاء الأئمة الكفر فعليه الإثم وشديد التعزير. أهـ.

стр. 494

فقد تبين مما تقدم وتأخر: أن الشيخ ابن تيمية لم يقل إلا ما حرره كل أصولى وزبر، وما ابتدع قولاً من تلقاء نفسه، ولا ذكر في بحث العصمة شيئاً متبعاً فيه لوهمه، وحدسه، بل ذكر ما ذكرته الأفاضل، وفصل كما فصلت الأئمة الأوائل. وإن اردت الزيادة فعليك بكتب المتقدمين، وإلا فخذ هذا وكن من المنصفين، واتبع في التؤدة سبيل المؤمنين، وصل وسلم على كافة المعصومين لا سيما على من علمه وادبه رب العالمين، وآله وصحبه أجمعين. [كلام في التوسل والوسيلة والاستغاثة] (قال الشيخ ابن حجر حاكياً وإن رسول الله ﷺ لا جاه له ولا يتوسل به) . أقول: لازال ابن حجر عليه الرحمة يتتبع الشيخ ابن تيمية، ويشفع عليه في تأليفاته، ولا سيما في هذه المسالة. ففي كتابه ((الدر المنظم في زيارة القبر المعظم)) شنع بقوله أيضاً: من خرافات بعض المحرومين التى لم يقلها أحد قبله، ,صار بها بين المسلمين مثله، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به ﷺ ، وليس كما أفترى - أهـ. وقد اتبع بهذا السبكى، فقد نقل عنه المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير أنه قال: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفيع بالنبي ﷺ إلى ربه. ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف، حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم قبله، وصار بين الإسلام مثله - أهـ. وانت تعلم أن هذا التشنيع مجمل، ويحتاج إلى بيان وتفصيل، وسرد ما للعلماء في ذلك من الأقاويل، ونقل أدلة المتوسلين، واجوبة المانعين، لأن

стр. 495

مجيزى التوسل لم يجعلوه خاصاً بسيد الرسل، وأن المانعين أقسام: فمنهم من عمم المنع، ومنهم من أستثنى خاتمة الأنبياء الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام. وإنى ذاكر إن شاء الله تعالى ذلك بفضول، وخاتمة بالتوسط المقبول. فاستمع ما نتلوه عليك، واتباع أسلمها مفوض إليك. [أدلة المجوزين للتوسل والإستغاثة] الفصل الأول في أدلة المجوزين للتوسل والإستغاثة بالأنبياء والصالحين، ولا سيما ذو الجاه العظيم، الرسول الشفيع الكريم، والنبي الرءوف الرحيم، عليه افضل الصلاة والتسليم. قال العلامة القسطلاني شارح البخارى في كتابه ((المواهب اللدنية)) ما نصه: وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع، والاستغاثة والتشفع، والتوسل به ﷺ . فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه. واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه، لأنها من الجاه والوجاهة، ومعناه: علو القدر والمنزلة. وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه. ثم إن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي ﷺ ، كما ذكره في تحقيق النصرة ومصباح الظلام - واقع في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته ﷺ ، في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة. فأما الحالة الأولى فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من استشفاع آدم ﵇ به لما خرج من الجنة، وقوله
следующие страницы →