المواقف: إن الأكثرين جوزوا صدور الكبيرة يعنى ما عدا الكفر والكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم ﵇ فيه سهوا على سبيل الخطأ منهم.
وقال العلامة الشريف المختار خلافه. وذهب كثير إلى أن ما وقع صغيرة والآمر عليه هين، فإن الصغائر الغير المشعرة بالخسة تجوز - على ما ذكره العلامة الثاني في شرح العقائد - صدورها منهم ﵇ عمداً بعد البعثة عند الجمهور، خلافاً للجبائي وأتباعه. ويجوز صدورها سهواً بالاتفاق.
لكن المحققين اشترطوا على أن ينتهوا على ذلك فينتهوا عنه.
نعم، ذكر في شرح المقاصد عصمتهم عن صدور ذلك عمداً. والأحوط نظراً إلى مقام آدم ﵇ أن يقال: إن صدور ما ذكر منه كان قبل النبوة، وكان سهواً أو عن تاويل، إلا أنه عظم المر عليه وعظم لديه، نظراً إلى علو شانه، ومزيد فضل الله تعالى عليه وإحسانه. وقد شاع: ((حسنات الأبرار سيئات المقربين)) . ومما يدل على استعظام ذلك منه لعلو شأنه ﵇ ما اخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابي عبد الله المغربي قال: تفكر إبراهيم في شأن آدم ﵍ فقال: يارب، خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من ذكر معصيته)) ؟ فأوحى الله تعالى إليه ((يا إبراهيم، أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة)) ؟ .
وذكر بعضهم أن في استعظام ذلك منه ﵇ زجراً بليغاً لأولاده عن أمثاله. وعلى العلات لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه العصيان اليوم، وأن يخبر بذلك، إلا أن يكون تألياً لما تضمن ذلك، أو راوياً له عن رسول الله ﷺ . واما أن يكون مبتدئاً من قبل نفسه فلا. وقد صرح أبو بكر بن العربي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء الأدنين إلينا المماثلين لنا، فكيف يجوز لأبينا الأقدم، والنبي المقدم الأكرم؟ وارتضى
стр. 492
ذلك القرطبي، وادعى أن ابتداء الإخبار بشئ من صفات الله تعالى المتشابهة كاليد والنزول أولى بالمنع وعدم الجواز.
ثم إن ما وقع كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره، وإلا فقد روى عن أبي أمامه الباهلى والحسن: أن عقله ﵇ مثل عقل جميع ولده. وعداوة إبليس عليه اللعنة له ﵇ في غاية الظهور. وفي ذلك دليل على أنه لا ينتفع عقل، ولا يغني شئ في جنب تقدير الله تعالى وقضائه - أهـ.
وأنت تعلم ما ورد في القرآن الكريم بما يخالف كقصة إبراهيم ﵇ وغيرها، وقد أوله العلماء المفسرون، والأئمة المدققون، فإن أردت الإحاطة فعليك بكتب التفسير والعقائد، ففيهما، يرتوى كل ظمآن وارد.
(واقول) : قد رمى حجة الإسلام الغزالي أيضاً بأكبر مارمى به الشيخ ابن تيمية في هذه المسالة الأصولية، حتى نسب إليه بعضهم تنقيص النبي المعصوم ﷺ ، ونسبوا ذلك الإمام إلى الكفر، وحاشاه في هذا المقام! فقد رأيت في فتوى الشيخ ابن تيمية أنه سئل عن رجلين تكلما في مسالة التكفير فقال أحدهما: إن من نقص الرسول ﷺ ، وتكلم بما يدل على النقص كفر، ولو كفرنا كل عالم بمثل ذلك لزم أن نكفر الإمام الغزالي، فإنه ذكر في بعض كتبه تخطئه الرسول ﷺ في مسألة تأبير النخل، فهل يلزم من ذلك تنقيصه - أرواحنا له الفداء.
لم يلزم تعزيز من كفر العلماء؟ فأجاب بما ملخصه: إن كلام الغزالي المذكور ليس فيه تنقيص والعياذ بالله تعالى، لمقام سيد المرسلين، والنبي الأمين. ولا يجوز تكفير عالم من علماء المسلمين إذا اجتهد في مسألة واخطأ فيها، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء الإسلام أعظم المنكرات.
стр. 493
وقد اتفق أهل السنة أن كل يؤخذ منه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وليس كل من ترك كلامه لخطيئة يكفر أو يفسق، بل ولا يؤثم، وقال الله تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا﴾ الآية.
واتفق علماء المسلمين على انه لا يكفر أحد من علماء المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء ﵈. فالذين قالوا: إنه يجوز عليهم الصغائر والخطأ، ,لا يقرون على ذلك لم يكفر أحد منهم بذلك، بإتفاق المسلمين فغن هؤلاء يقولون: إنهم معصومون من الإقرار على ذلك، ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من ائمة المذاهب الأربعة والأشعرية واهل الحديث والتفسير والصوفية، وهم ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين، والذى حكاه عن الشيخ أبي حامد الغزالي قد قاله أيضاً الشيخ أبو حامد الأسفرايني، الذى هو غمام المذهب بعد الشافعي وابن سريج، وذلك قوله: إن عندنا أن النبي ﷺ يجوز عليه الخطا، كما يجوز علينا، لكن الفرق بيننا وبينه أن تقر عليه والنبي ﷺ لا يقر عليه، وإنما يسهوا ليسن لنا، كما روى عنه ﷺ أنه قال: ((إنما أسهو لأسن لكم)) وهذه المسالة قد ذكرها في أصول الفقه جماعة من العلماء، منهم هذا الشيخ أبو حامد، وأبو الطبيب الطبرى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازى، وغيرهم.
ومنهم من ادعى إجماع السلف على هذا القول، حق قال أبو الحسن الآمدى: إن أكثر الأشعرية والمعتزلة ليقولون بذلك، والمسالة عندهم من الظنيات، كما صرح بذلك الأستاذ أبو المعالى، فكيف يكفر علماء المسلمين مسائل الظنون، وذهابهم إلى عدم العصمة من الصغائر، وإلى الخطأ الذى لا يقرون عليه عليهم الصلاة والسلام، فمن نسب إلى هؤلاء الأئمة الكفر فعليه الإثم وشديد التعزير. أهـ.
стр. 494
فقد تبين مما تقدم وتأخر: أن الشيخ ابن تيمية لم يقل إلا ما حرره كل أصولى وزبر، وما ابتدع قولاً من تلقاء نفسه، ولا ذكر في بحث العصمة شيئاً متبعاً فيه لوهمه، وحدسه، بل ذكر ما ذكرته الأفاضل، وفصل كما فصلت الأئمة الأوائل.
وإن اردت الزيادة فعليك بكتب المتقدمين، وإلا فخذ هذا وكن من المنصفين، واتبع في التؤدة سبيل المؤمنين، وصل وسلم على كافة المعصومين لا سيما على من علمه وادبه رب العالمين، وآله وصحبه أجمعين.
[كلام في التوسل والوسيلة والاستغاثة]
(قال الشيخ ابن حجر حاكياً وإن رسول الله ﷺ لا جاه له ولا يتوسل به) .
أقول: لازال ابن حجر عليه الرحمة يتتبع الشيخ ابن تيمية، ويشفع عليه في تأليفاته، ولا سيما في هذه المسالة. ففي كتابه ((الدر المنظم في زيارة القبر المعظم)) شنع بقوله أيضاً: من خرافات بعض المحرومين التى لم يقلها أحد قبله، ,صار بها بين المسلمين مثله، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به ﷺ ، وليس كما أفترى - أهـ.
وقد اتبع بهذا السبكى، فقد نقل عنه المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير أنه قال: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفيع بالنبي ﷺ إلى ربه. ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف، حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم قبله، وصار بين الإسلام مثله - أهـ.
وانت تعلم أن هذا التشنيع مجمل، ويحتاج إلى بيان وتفصيل، وسرد ما للعلماء في ذلك من الأقاويل، ونقل أدلة المتوسلين، واجوبة المانعين، لأن
стр. 495
مجيزى التوسل لم يجعلوه خاصاً بسيد الرسل، وأن المانعين أقسام: فمنهم من عمم المنع، ومنهم من أستثنى خاتمة الأنبياء الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام. وإنى ذاكر إن شاء الله تعالى ذلك بفضول، وخاتمة بالتوسط المقبول. فاستمع ما نتلوه عليك، واتباع أسلمها مفوض إليك.
[أدلة المجوزين للتوسل والإستغاثة]
الفصل الأول
في أدلة المجوزين للتوسل والإستغاثة بالأنبياء والصالحين، ولا سيما ذو الجاه العظيم، الرسول الشفيع الكريم، والنبي الرءوف الرحيم، عليه افضل الصلاة والتسليم.
قال العلامة القسطلاني شارح البخارى في كتابه ((المواهب اللدنية)) ما نصه: وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع، والاستغاثة والتشفع، والتوسل به ﷺ . فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه.
واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه، لأنها من الجاه والوجاهة، ومعناه: علو القدر والمنزلة. وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه. ثم إن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي ﷺ ، كما ذكره في تحقيق النصرة ومصباح الظلام - واقع في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته ﷺ ، في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة. فأما الحالة الأولى فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من استشفاع آدم ﵇ به لما خرج من الجنة، وقوله
стр. 496
((اللهم بحق محمد عليك اغفر لي خطيئتى)) ، وقول الله تعالى: ((يا آدم لو أستشفعت إلينا بمحمد في اهل السماوات والأرض لشفعناك)) . وفي حديث عمر ابن الخطاب عند الحاكم والبيهقى وغيرهما: ((وإذا سألتنى فقد غفرت لك)) ويرحم الله تعالى ابن جابر حيث يقول: [طويل] :
به قد أجاب الله آدم إذ دعا ونجى في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره ومن أجله نال الفداء ذبيح
وأما التوسل به ﷺ بعد خلقه في مدة حياته، فمن ذلك: الاستغاثة به ﵊ عند القحط وعدم الأمطار. وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات، ومقصد العبادات في الاستسقاء.
ومن ذلك استغاثة ذوى العاهات به ﷺ . وحسبك ما رواه النسائي، والترمذي عن عثمان بن حنيف: أن رجلاً ضريراً أتاه ﷺ ، فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني. قال: فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إنى أسألك واتوجه إليك بحبيبك محمد نبي الرحمة، يا محمد أنى أتوجه بك إلى ربك في حاجتى لتقضى. اللهم شفعه في)) وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد ابصر.
وأما التوسل به ﷺ بعد موته في البرزخ فهو أكثر من ان يحصى، او يدرك باستقصا.
وفي مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك
ولقد كان حصل لى داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين فاستغيث به ﷺ ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث
стр. 497
وتسعين وثمانمائة بمكة، زادها الله تعالى شرفاً، فبينما أن نائم إذا رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوى. ثم أستيقظت فلم أجد بي والله شيئاً مما كنت أجده، وحصل الشفاء ببركة النبي المصطفى ﷺ .
وأما التوسل به ﷺ في عرصات القيامة فمما قام عليه الإجماع، تواترت به الأخبار في حديث الشفاعة. أهـ.
وقال السمهودى في تاريخ المدينة المسمى ((بخلاصة الوفا)) : التوسل والتشفيع به ﷺ وبجاهه وببركته من سنن المرسلين، وسيرة السلف الصالحين، واستدل على ذلك أيضاً بما تقدم من حديث آدم ﵇ والأعمى. وكذا مما رواه البيهقي والطبراني عن عثمان بن عفان بن حنيف ﵁: أن رجلاً لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فشكا ذلك لابن حنيف فقال له: أئت الميضاة قتوضأ ثم أئت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم انى اسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة. يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربك في حاجتى لتقضى، وتذكر حاجتك. فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاءه البواب حتى اخذ بيده فادخله على عثمان ﵁ فأجلسه معه على الطنفسة، فقال له: ما حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى الساعة، وما كانت لك من حاجة فأذكرها. ثم خرج ذلك الرجل من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله تعالى خيراً، ما كان ينظر في حاجتى حتى كلمته. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته! ولكنى شهدت رسول الله ﷺ فأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ : أو تصبر؟
стр. 498
فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد، وقد يشق علي. فقال له النبي ﷺ : ((ائت الميضأة فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم أدع بهذه الدعوات ... )) . أهـ
وبه استدل أيضاً ابن الجزرى، فذكر في ((الحصن الحصين)) : أن م آداب الدعاء أن يتوسل الداعي إلى الله تعالى بانبيائه والصالحين من عباده.
وقال ابن الحاج المالكي في كتابه ((المدخل)) ما لفظه: وأما عظيم جناب الأنبياء، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم فياتى إليهم الزائر، ويتعين قصدهم من الأماكن البعيدة.
فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل، والانكسار، والمسكنة، الفقر والفاقة، والاضطرار، والخضوع، ويحضر قلبه وخاطره إليهم، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون، ويثني على الله بما هو أهله، ثم يصلى عليهم، ويترضى عن أصحابهم، ويترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه، ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم، ويحزم بالإجابة ببركتهم، ويقوى حسن ظنه في ذلك، وانهم باب الله تعالى المفتوح، وجرت سنة الله سبحانه على قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم.
ومن عجز الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه، إلى غير ذلك. فإنهم السادة الكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم، ولا من لجأ غليهم، وهذه في زيارة الأنبياء ﵈. وأما زيارة نبينا ﷺ فيزيد على ما ذكرنا اضعافاً مضاعفة. أهـ.
وقال صاحب المبدع: يستحب الاستسقاء بمن ظهر صلاحه، لأنه اقرب إلى الإجابة، وقد استسقى عمر بالعباس ﵁، واستسقى معاوية بيزيد بن أبي الأسود الحرشي التابعي المشهور.
стр. 499
وقال صاحب التلخيص من الحنابلة: لا ياس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ، والعلماء المتقين. وقال في منتهى الإرادات للحنابلة: ويباح التوسل بالصالحين. وكذلك قال ابن مفلح الحنبلي في فروعه. وذكر السمهودى: ان النبي ﷺ لم ينزل في قبر أحد إلا خمسة قبور: قبر خديجة بمكة، واربعة بالمدينة: قبر ابن كان لخديجة في حجر النبي ﷺ ، وقبر عبد الله المزني، يقال له: ذو البجادين. وقبر ام رومان أم عائشة بنت ابي بكر ﵁. وقبر فاطمة بنت أسد بن هاشم بالروحاء.
ففي المعجم للطبراني برجال الصحيح إلا روح بن صلاح ففيه مقال، وقد وثقه ابن حبان عن أنس قال: لما ماتت فاطمة بنت اسد دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها وقال ((رحمك الله يا أمى بعد أمي ... )) وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، وأمر بحفر قبرها. وقال: فلما بلغو اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: ((الله الذى يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمى فاطمة بنت اسد، ووسع عليها مدخلها بحق الأنبياء الذين من قبلى، فإنك أرحم الراحمين)) .
ثم قال السمهودى: وذكر المحبوب قد يكون سبباً للإجابة. وفي العادة أن من يتوسل بمن له قدر أجابة عند شخص أجابة إكراماً له. وقد يتوجه بمن له جاه إلى من هو أعلى منه، وإذا جاز التوسل بالأعمال الصالحة كما في حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فدخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعو الله بأعمالهم ففرج عنهم، وهي مخلوقة، فالسؤال به ﷺ أولى.
وقد روى البيهقي عن مالك الدار ﵁، وكان خازن عمر ابن الخطاب ﵁، فجاء رجل إلى قبر النبي - صلى الله عليه
стр. 500
وسلم - فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال له: ((أئت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس)) وذكر شيئاً كثيراً مما وقع للعلماء والصالحين من الشدائد، فالتجئوا إلى النبي ﷺ فحصل لهم الفرج.
ومما حكاه أبو محمد الشيلى قال: نزل برجل من اهل غرناطة علة عجز عنها الأطباء، فكتب عنه الوزير كتاباً إلى رسول الله ﷺ وضمنه شعراً، فلما وصل الركب إلى المدينة الشريفة، وقرئ على رسول الله ﷺ هذا الشعر برئ الرجل مكانه.
وقد سئل العز بن عبد السلام عن التوسل بالذات الفاضلة؟ فقال: إن صح حديث الأعمى فهو مقصور على النبي ﷺ ، ويكون من خصوصياته. وتعقبه المجزون بقياس غيره عليه ﷺ . ومن أدلتهم أنه قد أوجب الله تعالى أمره وتوقيره، وإلزام إكرامه، وقد كانت الصحابة تتبرك بآثاره وشعره، ولا شك أن حرمته ﷺ بعد وفاته وتوقيره لازم كما كان حال حياته.
وقد روى أن أبا جعفر المنصور ناظر مالكاً في المسجد النبوى، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد النبوى، فإن الله تعالى ادب قوماً فقال: ﴿لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية. وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان ابو جعفر وقال: يا أبا عبد الله، استقبل القبلة وأدعوا؟ أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبل واستشفع به فيشفعه الله تعالى. قال الله سبحانه ﴿ولو أنهم إذ ظلموا انفسهم جاءوك
стр. 501
فاستغفر الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء ٦] وإذ قد ثبت تعظيمه وإجلاله له ميتاً ﷺ كما كان حياً، وثبت أنه حي في قبره فطلب الشفاعة منه دخول في توقيره ﷺ ، ويكون طالب الشفاعة كمن طلب شيئاً ممن له قدرة عليه، وهو ﵊ قادر على ذلك بوجه التسيب في الدعاء كما كان حياً، وكما كان وسيلة في التبليغ. فهو ﷺ الوسيلة في دعائه لأمته، ويكون طلب ذلك منه ادعى للإجابة. وفي الصحيح عن أنس ﵁: أن عمر ابن الخطاب ﵁ كان إذا أقحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ﷺ فاسقنا. قال: فيسقون. وفي رواية: ونستشفع إليك بشيبته،)) في ذلك يقول عباس بن عتبه بن ابي لهب: بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقى بشيبته عمر
توه بالعباس في الحدب راغبا إليه فما إن زال حتى اتى المطر
ومنا رسول الله فينا تراثه فهل أحد هذى المفاخر مفتخر
وقال النووي وغيره: ثم يرجع الزائر إلى موقفه قبالة وجه رسول الله ﷺ فيتوسل به ويستشفع به إلى ربه. ومن احسن ما يقول ما حكاه اصحابنا عن العتبى مستحسن له قال: كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاءه أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولو أنهم ّذ ظلموا انفسهم جاءوك﴾ الآية [النساء ٦٤] ، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول: [بسيط]
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
стр. 502
قال: ثم أنصرف. فحملتنى عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: ((يا عتبى، الحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له)) ، وممن ذكرها الإمام ابن الجوزى في كتابه ((مثير الغرام)) عن العتبى. قالوا: ونقل الواحدى في كتابه ((أسباب نزول القرآن)) عن ابن عباس، ﵁ عند قوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ أنه قال: كانت أهل خيبر تقاتل غطفان اليهود، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به.
قالوا: وما ورد في الأدعية المأثورة عن سيد الأنام ﷺ مثل: أسألك بحق السائلين عليك، ويحق ممشاى هذا إليك، يدل على جواز التوسل بأفعال العبد، فكيف بذاته الشريفة ﵊ فالتوجه به اولى، والتوجه إلى حضرة الحق به أحرى.
وقد روى البخارى عنه ﷺ أنه قال: ((ألا أخبركم باهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله تعالى لأبره)) .
قال العلماء: معناه لو حلف على الله ليفعلن كذا لأوقع مطلوبه فيبر بقسمه إكراماً له لعظم منزلته عنده، فهذا وعد الله تعالى لعباده الصالحين، فكيف بسيد المرسلين؟ ! وورد: إذا انفلتت دابة احدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله، وأعينوني (ثلاثا) . قال النووى: وقد حرب ذلك بعض أهل العلم، ونحن جربناه فصح، انتهى.
وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عباده، ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((الأبدال في أمتى ثلاثون رجلاً، بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون)) والأحاديث في مثل
стр. 503
ذلك كثيرة، فمن وقف على هذه وامثالنا، تبين له ان الله سبحانه قد جعل من عباده في الأرض غياثاً يستغيث الناس بهم، لا مانع من ذلك عقلاً وشرعاً، لأن ذلك كله بإذن الله تعالى، ومن أقر بالكرامة لم يجد بداً من اعترافه بجواز ذلك وإن كانوا في برازخهم.
فقد ورد في حديث المعراج: أن النبي ﷺ مر على موسى وهو قائم يصلى في قبره، والصلاة تستدعى بدناً حياً، فنبينا ﷺ أولى بهذه الحياة، والاستغاثة به في حياته ﷺ ثابتة بالدعاء، فكذلك بعد انتقاله ورفاقه، والأحاديث الواردة في زيارة قبره ﵊ التى تضمنت الوعد لمن زار قبره الشريف ﷺ بالشفاعة التى تتضمن البشارة بالموت على التوحيد، وذلك يفيد نيل المزيد. فكل ذلك من ثمرات زيارته والتشفيع به، ولم يزل الناس في جميع الأزمان من جميع البلدان مجمعين على زيارة قبره المنيف، رجاء الخير والبركة، والطمع في الشفاعة، ولا فرق بين ذكر التوسل والاستغاثة والتشفع، والتوجه به ﷺ أو بغيره من الأنبياء، وكذا الأولياء.
والاستغاثة: طلب الغوث. والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وغن كان أعلى منه. فالتوجه والاستغاثة به ﷺ ، وبغيره ليس لها معنى في قلوب المسلمين غير ذلك. ولم يقصد بها احد سواه. فمن لم ينشرح صدره لذلك، فليبك على نفسه.
والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى.
والنبي ﷺ واسطه بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه مستغاث، والغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي - صلى الله عليه
стр. 504
وسلم - مستغاث، والغوث منه تسباً وكسباً، ومستغاث به، والباء للاستغاثة.
وصح عن ابن عباس أنه قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊، يا عيسى، آمن بمحمد، ومر من ادركه من امتك أن يؤمنوا به، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن، فكيف لا يتوسل بمن له هذا الجاه الوسيع، والقدر المنيع، عند سيده ومولاه، المنعم عليه بما أولاه، صلى الله تعالى وسلم، وكرم وعظم. وهذا آخر أدلة المجوزين مختصرة من كتب المحققين ولا سيما العقد الثمين، وهو سبحانه الموفق لذلك المعين.
[أدلة المانعين للتوصل]
الفصل الثاني
واما المانعون فقد اطالوا الكلام في هذا المقام، واللازم تبيين ملخص دعواهم، وتنقيح الأجوبة عن دلائل من جاراهم:
(فأقول) : قد قال العلامة السويدى في ((العقد الثمين)) : أن الحاصل من متفرقات أقوالهم - أنه يجب إفراد الله تعالى، بعبادته، توحيده في معاملته، لأن الله سبحانه أرسل نبينا محمداً ﷺ داعياً إلى عبادة الله ناهياً عن عبادة غيره، وأنزل عليه كتاباً بين فيه أحوال المشركين، وما كانوا عليه من الشرك، وكان شركهم أن نصبوا أصناماً اعتقدوها مقربة لهم عند الله سبحانه، إما لكونها على صور ملائكة، وإما لكونهم اعتقدوا أن الله تعالى قد شرفها بذواتها، كما شرف الكعبة. وإما لكونها صور أنبياء، كما هو معلوم عند السابرين لأحوال المشركين.
стр. 505
فإن منهم من عبد المسيح. ومنهم من عبد عزيراً، ومنهم من عبد أناساً صالحين، كما قالوا في اللات وهو صنم في الطائف لثقيف، أو لقريش بنخلة في قراءة من شدد التاء: إنه كان رجلاً صالحاً يلت السويق بالسمن، فيطعمه للحجيج بمكة، فمات فعكفوا على قبره، وقد كانت عندهم بقية من دين إبراهيم الخليل ﵇، فكانوا يحجون ويلبون ويستغفرون.
وكانوا ايضاً يفردون الله بالخلق والرزق وملك السماوات والأرض، ويملك السمع والأبصار، وأنه يجبر – اى يغيث – من يشاء، ولا يجار عليه – أى لا يمنع منه – إلى غير ذلك مما أخبر سبحانه عنهم بقوله: ﴿ولئن سالتهم من خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر ليقولن الله﴾ [العنكبوت ٦١] ، وقوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله﴾ [المؤمنون ٨٤] ، وقوله تعالى: ﴿قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم سيقولون لله﴾ [المؤمنون ٨٦] ، وقوله : ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله واتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين﴾ [الأنعام ٤٠، ٤١] ، وقوله تعالى: ﴿أم من خلق السماوات والأرض وانزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم ان تنبتوا شجرها أإله مع الله، بل هم قوم يعدلون. أم من جعل الرض قراراً ودعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله﴾ [النمل ٦٠، ٦١] أى فعل ذلك. وهذا استفهام إنكار، والمشركون مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله سبحانه.
ومن قال من المفسرين: هل مع الله إله آخر فقد وهم، فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما دلت على ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى
стр. 506
﴿أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد﴾ [الأنعام ١٩] أى بما تشهدون، وقوله عز من قائل: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شئ﴾ [هود ١٠١] . وقال تعالى عنهم: ﴿أجعل الآلهة إلاها واحداً إن هذا لشئ عجاب﴾ [ص ٥] ولما كان المشركون معترفون بأن الله تعالى هو الرب الواحد، خالق كل شئ، فاعل هذه الأمور الجسام، معد (١) للرغبات والرهبات، كما هو حديث حصين المشهور، وذلك بنقل الله تعالى عنهم معتقدهم في آيات كثيرة ﴿ومن أصدق من الله قيلاً﴾ وكانوا ايضاً يتخذون آلهتهم شفعاء لهم، تقربهم إلى الله زلفى، ويقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما قال سبحانه عن صاحب يس، وهو حبيب النجار المذكور في سورة يس، وكان ينحت الأصنام: ﴿ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون﴾ الآية. فكان جل أحوال المشركين مع آلهتهم التوكل عليهم، والالتجاء إليهم بالشفاعة، ظناً منهم أنها نافعة عنده تعالى لهم فرد الله تعالى عليهم، وأبان معتقدهم المسئول لديهم، فأخبرنا في كتابه أن الشفاعة كلها بجميع انواعها له.
قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾ ، وأنها لا تمون إلا من بعد إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له المشار إليه بما رواه البخارى: أن أبا هريرة ﵁ قال للنبي ﷺ : من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: ((من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)) ، فهؤلاء المخلصون هم الذين اخلصوا الدين كله لله، فجعلوا الشفاعة، التوكل والرجاء، والالتجاء، وغير ذلك من خواص الألوهية حقوقاً ثابتة له سبحانه، لم يعطوها لغيره فوجدوه بها، وأخلصوا الدعوة له، فهم المؤمنون الموحدو، وبكتابه الذى أنزل على نبيه مهتدون.
стр. 507
[حقيقة الشفاعة]
وحقيقة الشفاعة الماذون فيها: أن الله سبحانه هو الذى يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذن لهم في المشفوع له ليكرمهم على حسب مراتبهم. وينال نبينا ﷺ منه المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون. ولما كان ﵊ يشفع لأمته بدعاء واستسقاء مما هو شفاعة منه لهم، فكذلك في عرصات القيامة، بفتح الله تعالى عليه في الدعاء فيشفعه، كما ورد في حديث الشفاعة.
ومن تأمل بعين الأستبصار في الشفاعة المنفية أولاً علم ان المقصود بنفي الشفاعة نفى الشرك وهو أن لا يعبد إلا الله. والدعاء عبادة كما ورد، وقال سبحانه: ﴿فلا تدعو مع الله أحداً﴾
ولا يسأل غيره، ولا يتوكل عليه لا في شفاعة ولا في غيرها. فكما أنه ليس للمؤمن أن يتوكل على أحد في أن يرزقه، وإن كان الله تعالى ياتيه برزقه باسباب، كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله تعالى في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة بشفاعة وغيرها مما لم يأذن الله سبحانه به، إذ لا فرق بينهما، فالشفاعة التى نفاها القرآن مطلقاً، كما قال تعالى: ﴿ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ ما كان فيها شرك، وتلك منفية مطلقاً.
والشفاعة المثبتة ما تكون بعد الأذن يوم القيامة، ولا تكون الشفاعة إلا لمن أرتضى، فهذه الشفاعة من التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد. فمن كان موحداً مخلصاً قطع رجاءه عن غير الله تعالى، ولم يجعل له ولياً ولا شفيعاً من دون الله سبحانه.
إذا تبين هذا، فالمشركون قد كانت عبادتهم لآلهتهم هذا الالتجاء والرجاء
стр. 508
والدعاء لأجل الشفاعة معتقدين أنها المقربة لهم، فبسبب هذا الاعتقاد والالتجاء أريقت دماؤهم واستبيحت أموالهم.
وقد ارسل ﷺ بل جميع الرسل بكلمة التوحيد ليعدلهم عما هم عليه من الضلالات، وأوحيت عليهم إفراد الحق سبحانه بالألوهية، التى من أعظم خواصها هذا الالتجاء والرجاء، وألا يجعلوا الألوهية لغيره، وقد تعبدهم الله تعالى باعتقاد هذا التوحيد والعمل بمقتضى الشهادة المشتملة على التجريد والتفريد، اللذين هما حقيقة التوحيد. فهذا الالتجاء بطلب الشفاعة ورجائها عبادة لا تصلح إلا له ، وإنها من صرف حقوقه تعالى ومن الشرك (١) .
(فإن قلت) : إن المشركين كانوا يعبدونهم ونحن لا نعبدهم؟
(فالجواب) : أن عبادتهم هي هذا الالتجاء الذى انت فيه، وكما أنك تدعو النبي ﷺ الذى بعث بإخلاص الدعوة لله تعالى، وحاشاه أن يرضى بذلك ولا يرضيه إلا ما يرضى ربه من التوحيد - فإنه ﵊ قد أمر بإخلاص العبادة، ونهى عن الشرك، وحذر وبصر، وأرشدك وبلغ، ونصح الأمة، وأزل عنا الغمة، فهدانا إلى السبيل المستقيم، وتدعو غيره ملتجئاً إليهم بطلب الشفاعة منهم. كذلك الأولون كانوا يدعون صالحين وانبياء ومرسلين، طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ فبهذا الالتجاء والتوكل على هذه الشفاعة والرجاء أشركوا.
(فإن قلت) : إن الأولين لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وينكرون البعث، ويجعلون القرآن سحراً.
стр. 509
فالجواب: إنه لا خلاف بين العلماء كلهم: أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شئ وكذبه في آخر، أنه لم يدخل في الإسلام، كما إذا آمن ببعض القرآن وكفر ببعض، فما نحن فيه من هذا القبيل.
(فإن قلت) : إن النبي ﷺ مأذون بالشفاعة ونحن نطلبها ممن هو مأذون فيها.
(فالجواب) : أنه ﵊ الآن موعود بالشفاعة في اليوم الآخر ووعد الله حق، لكنها مشروطة ببعد الإذن ورضاه عن المشفوع فيه، فينبغي لمن أراد أن يدعو بطلب الشفاعة أن يقول: اللهم لا تحرمنى شفاعته ﵊، اللهم شفعه في، وأمثال ذلك.
ولو كانت تطلب منه ﷺ الآن لجاز لنا أن نطلبها أيضاً ممن وردت الشفاعة لهم، كالقرآن والملائكة والأفراط، وهم أطفال المؤمنين، والحجر الأسود، إذ قد روى أنه يشفع لمثل ربيعة ومضر، وبالصالحين، ولجاز لنا أن ندعوهم ونلتجئ إليهم ونرجوهم بهذه الشفاعة، إذ لا فرق بين الجمع بثبوت أصل الشفاعة لهم والإذن فيها، فنصير إذن والمشركون الولين في طريق واحد، ولم نفترق إلا بالأعمال الظاهرة: كالصوم والصلاة، وقول كلمة التوحيد من غير عمل بما فيها، ومن غير اعتقاد لحقيقتها.
ولا يقدم على ذلك من له أدنى مسكة من عقل، أو فكرة فيما صح من النقل.
ومن نظر بعين افنصاف، وتجنب سبيل الاعتساف، ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم، وبماذا أرسل إليهم النبي ﷺ ، وكيف التوحيد، وما معنى الإله والتأله، وتبصر في
стр. 510
العبادات وأنواعها - تحقق أن هذا الألتجاء والتوكل والرجاء بمثل طلب الشفاعة هو الذى نهى عنه الأولون، وأرسل لأجل قمعه المرسلون، وبذلك نطق الكتاب، وبينه لنا خير من اوتى الحكمة وفصل الخطاب، سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات، ولرفع الكرب المهمات، مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات.
وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون. ومن فعل هذا بحالتى الشدة والرخاء، بل في قسمى المنع والعطاء فقد غلا وداوز حده، قال سبحانه: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد ١٤] .
وإذا علمت هذا، فاعلم أن الاستغاثة بالشئ طلب الإغاثة والغوث منه، كما ان الاستغاثة بشئ: طلب الإعانة منه. فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالاً منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلاً به إلى غيره، بل طلب منه، إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره أن يقول لمستغاثه: أستغيثك على هذا الآمر بفلان، فيوجه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له ارجو منك، أو أريد منك، أو أستغيث بك، ويقول إنه وسيلتى إلى ربي، فإن هذا غير معروف، وإن كان كما يقول فما قدر عظم المتوسل إليه حق قدره وتعظيمه، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره. كيف واستعمال العرب يأبي عنه، فإن من يقول: صار لى ضيق فاستغيث بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جبلية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به عند غيره، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو أستغيث عند الله تعالى بفلان، أو يقول لمستغاثه وهو الله سبحانه: استعيث إليك بفلان، فيكون حينئذ مدخول الباء متوسلاً به،
стр. 511
ولايصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: أستغثت بفلان، وتريد التوسل به، وسيما إذا كنت داعية وسائلة، بل قولك هذا نص على أن مدخول الباء مستغاث وليس بمستغاث به. والقرائن التى تكشفه من الدعاء له، وقصر الرجاء عليه شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول. فهذه الاستغاثة، وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإبانة، محظور على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
قال الشيخ محمد الأمين السويدى الشافعي: ولا يجوز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة، ولهذا عمت الاستغاثة بالأموات عند نزول الكربات، يسألونهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السماوات. أهـ.
قال المانعون: وهل سمعتم ان أحداً في زمانه ﷺ أو ممن بعده في القرون الثلاثة المشهود لأهلها بالنجاة والصدق، وهم أعلم منا بهذه المطالب، وأحرص على نيل مثل تيك الرغائب - استغاث بمن يزيل كربته التى لا يقدر على إزالتها إلا الله سبحانه، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك ولم يعبدوا إلا إياه.
ولقد جرت عليهم أمور مهمة وشدائد مدلهمة في حياته ﷺ وبعد وفاته. فهل سمعت عن احد منهم انه استغاث بسيد المرسلين ﷺ ! أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله! أم بلغت أنهم لاذوا بقبره الشريف، وهو سيد القبور، حين ضاقت منهم الصدور! كلا! لا يمكن لهم ذلك، وإن الذى كان بعكس ما هنالك فلقد أثنى الله تعالى عليهم ورضي عنهم فقال عز من قائل: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ [الأنفال ٩] مبيناً لما سبحانه أن هذه الاستغاثة هي اخص الدعاء، وأجلى احوال الالتجاء.
стр. 512
ففي استغاثة المضطر بغيره تعالى عند كربته: تعطيل لتوحيد معاملته الخاصة به.
(فإن قلت) : إن اللمستغاث بهم قدرة كسبيه وتسببية فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى.
(قلنا له) : إن كلامنا فيمن يستغاث به عند المام ما لا يقدر عليه غلا الله تعالى، أو لسؤال ما لا يعطيه، ويمنعه إلا الله سبحانه، وأما فيما عدا ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس، وإغاثة بعضهم ببعض فهذا شئ لا نقول به ولا ننكره؟ كما قال تعالى: ﴿فاستغاثة الذى من شيعته على الذى من عدوه﴾ [القصص ١٥] ، ونعد منعه جنوناً، كما نعد إباحة ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شركاً وضلالاً. وكون العبد له قدرة كسبية، لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، لا يستغاث به فيها لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به ولا يتوكل عليه، يلتجأ في ذلك. وأما مجئ جبريل ﵇ لإبراهيم ﵊ حين القى في النار، وقوله: هل لك من حاجة؟ فقال: إما إليك، فإن ذلك مما يقدر عليه جبريل بإذن اله تعالى، لأنه كما قال سبحانه فيه: ﴿شديد القوى﴾ فلو أذن تعالى له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض، أو يرفع إبراهيم إلى السماء لفعل. فإذا علمت ذلك فلا يقال لحي او ميت قريب أو بعيد: أرزقنى، أو أمت فلاناً، أو أشف مريضى، إلى غير ذلك مما هو من الفعال الخاصة به . وبالجملة، فالاستعاثة والاستعانة والاتوكل أغصان دوحة التوحيد، المطلوب من العبيد.
بقى ههنا بوردة المجيزون على هؤلاء المانعين، وهو أنه لا شك أن عن عبد غير الله تعالى مشرك، وأن الدعاء المختص بالله سبحانه عباده، بل هو مخ العبادة، كما ورد في الحديث. ولكن لا نسلم أن طلب الإغاثة لمن استغيث
стр. 513
بهم شرك مطلقاً، وإنما يكون شركاً لو كان المستغيث معتقداً أنهم هم الفاعلون لذلك خلقاً وإيجاداً، فحينئذ يكون من الشرك الاعتقادى قطعاً.
أما من اعتقدهم الفاعلين كسباً وتسيباً، وأن المؤثر الحقيقى هو الله تعالى، وإنما تسند هذه الأمور إليهم لكونها جرت على أيديهم فليس بمسلم. ولئن سلمنا فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلا التوسل بهم وبجاههم، وإن كان اللفظ يدل على الطلب منهم، لكن المقصود التشفيع والتوسل بهم إلى ربهم، وهو ﷺ من اشرف الوسائل إليه سبحانه.
وقد أمرنا بطلب ما يتوسل إليه بقوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ فكيف تخطرونها شركاً مخرجاً من الملة، وليس في قلوب المسلمين إلا هذا المعنى، وأن في الذى ذكرتموه تكفير أكثر الناس. وكيف تحكمون على إناس قد ظهروا شعائر انثلام من اذان وصلاة وصوم وحج وزكاة، يأتون بكلمة التوحيد، ويحبون الله تعالى وسيد المرسلين. وغاية المر أنهم لرهبتهم من ربهم ومعرفتهم بعلو مرتبة نبينا ﷺ ، وما وعده الله سبحانه به من إرضائه، كما قال تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ولا يرضى ﵊ إلا بأن يقف لأمته في مثل هذه التوسلات فينالوا الرغبات. وليس في اقوالكم هذه إلا تنقص بحق هذا النبي الأمين. الذى أوجب الله تعالى علينا حبه أكثر من محبتنا لأنفسنا والقربين، وفي مثل ذلك تدعونه بشاعة في القول، وشناعة بطريق الأولى.
فأجاب المانعون بقولهم: أما قولكم: أن ليس مقصودهم إلا التوسل والتشفيع، وإن تكلموا بما يفيد غيره،فإنه يدل على أن الشرك لا يكون إلا أعتقادياً، وأن اللفظ لا يكون كفراً إلا إذا طابق الاعتقاد.
стр. 514
هذا يقتضى سد أبواب الشرائع،ومحو الأبواب التى ذكرها الفقهاء في الردة. ولا سيما ما ذكرته الحنفية من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد، كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ والكلمة التى قالوها كانت على جهة المزح مع كونهم في زمن رسوله ﷺ ، وكانوا يجاهدون ويصلون، ويفعلون جميع الأوامر، وقال تعالى: ﴿أبالله ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ ، وقد ذكر المفسرون: أنهم قالوها على جهة المزح.
وكذلك العلماء كفروا بألفاظ سهلة جداً، وبأفعال تدل على ما هو دون ذلك، لا سيما الحنفية كما لا يخفى على من تتبع كتبهم.
ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للإعتقاد لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقاً أن يقول: لم تحكمون بردتى! ؟ فيذكر احتمالاً، ولو بعيداً، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجه عليه لوم أبداً.
وهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد ان يتكلم بكل ما أراد، فتئسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ.
قالوا: وأما ما ذكرتم من انه ﷺ من اشرف الوسائل فهي كلمة حق أريد بها بالطل، كقولهم: إنه ذو الجاه العريض، والمقام المنيع، ونحن أولى بهذا المقام منكم لاتباعنا لأقواله وأفعاله، واقتدائنا به ﷺ في جميع احواله، مقنفين لأثاره، واقفين عند اخباره، فهو ﷺ نبينا وهادينا إلى سبل الإسلام، ومنقذنا برسالته من مهاوى اولئك الجفاة الطغام. فلا نعمل إلا بأمره، ونتلقى ذلك بالسمع والطاعة في حلوه ومره. وقد أوجب سبحانه علينا ان نتبع سبيل
стр. 515
المؤمنين، ونهانا عن الغلو في الدين. وهذا طريق سلفنا الصالح، والاعتقاد الراجح.
هذا، وإن نبينا ﵊، وأرواحنا واولادنا وأموالنا له الفداء، لا يرضى بما يغضب الرب المتعال. وكيف وقد بعث بحماية التوحيد من هذه الأقوال والأفعال، وقد قالت عائشة ﵁: ((كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه)) فليس لنا وسيلة إلى الله تعالى إلا طاعة رسوله، والأعمال الصالحة، والدعاء المبني على أصول الذل والافتقار وهو مخ العبادة.
هذا، وقد اختلف العلماء بعد أن اتفقوا على استحباب سؤاله به وباسمائه وبصفاته وأفعاله في جواز التوسل بالذوات المنفية والأماكن والأوقات الشريفة، فعن العز بن عبد السلام ومن تابعه: عدم الجواز إلا بالنبي ﷺ ، وعن الحنابلة في اصح القولين: إنه مكروه كراهة تحريم. وهذا إذا كان الداعي متوجهاً إلى ربه متوسلاً إليه بغيره، مثل أن يقول: أسألك بجاه فلان عبدك، أو بحرمته أو بحقه.
وأما إذا توجه إلى ذلك الغير فطلب منه كما يفعله كثير من الجهلة فهو شرك كما تقدم.
ونقل القدورى وغيره عن الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة ﵁:لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به.
وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتار خانية عن ابي حنفية أنه قال: لا ينبغي لأحد أن الله يدعو سبحانه إلا به. والدعاء المأذون فيه المامور به: ما استفيد من قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها﴾ قال: وكذا لا يصلى أحد إلا على النبي ﵊. أهـ.
وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء،
стр. 516
وبحق البيت والمشعر الحرام - مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
وأما حديث الخارج إلى الصلاة: أسالك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى، وبحق نبيك والأنبياء من قبله فغني لم أخرج أشراً ولا يطرأ، ولا رياء ولا سمعه، وبكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذنى من النار وان تدخلنى الجنة)) فرواه العوفى، وفي رواية وهن.
وعلى فرض صحتها، فالمراد بهذا الحق ما أوجبه الله تعالى على نفسه، وذلك من أفعاله ، لأن حق السائلين الإجابة، وحق المطيعين الإثابة، وحق الأنبياء التقريب والتفضيل بما يخص أولئك العصابة، ﷺ وذلك كقوله تعالى: ﴿ولكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ .
وقوله ﷺ : ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله تعالى أن لا يعذبهم)) أو السؤال بالأعمال لأن الممشى إلى الطاعة امتثالاً لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يايها الذين أمنوا أتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ ومن نظر إلى الدعية الواردة في الكتاب والسنة وعن الصحابة والأئمة لم يجدها خارجة عما ذكرنا.
[سقوط الاستدلال بحديث الأعمى]
وقالوا في الجواب عن حديث الأعمى الذى رواه عثمان بن حنيف ﵁، الذى دل على الجواز في حياته ﵊، وفي الرواية الأخرى بعد وفاته، وهو ما نقل العلامة السويدى العمدة في الاستدلال عند المجوزين، لأن غيره من الأحاديث إما أن يكون ضعيفاً لا يصلح للاستدلال، أو انه دليل على المجوزين لا لهم، كحديث استسقاء عمر بالعباس ﵁.
стр. 517
فاعلم أنه قد روى النسائى والترمذى عن عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلاً ضريراً أتاه ﵊ فقال: أدع الله تعالى ان يعافيني؟ فقال ﷺ : ((إن شئت أخرت وهو خير، إن شئت دعوت)) قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه. وفي رواية: ويصلى ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم اني اسألك) أى أطلب منك (وأتوجه إليك نبيك محمد) صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك قصر السؤال الذى هو أصل الدعاء على الملك المتعال، ولكنه توسل به الصلاة والسلام أى بدعائه كما قال عمر، كنا نتوسل إليك بنبيك ﵊. فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد. ولذا قال في آخره: اللهم فشفعه في. إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعاً.
ولو كان المراد بذاته الشريفة فقط، لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله: ((بنبيك)) كاف في إفادة هذا المعنى. وأيضاً قول الأعمى للنبي ﷺ : أدع الله تعالى أن يعافيني، وجوابه ﵊ له: ((إن شئت أخرت وهو خير وإن شئت دعوت)) ، وقول الأعمى ((فادعه)) دليل واضح، وبرهان راجح، على ان التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة ﵊. وقوله: (يا محمد انى وجهت بدعائك بك إلى ربي) ، قال الطيبى: الباء في بك للأستعانة، أى استعنت بدعائك إلى ربي.
وقوله: (إنى توجهت) بعد قوله: (أتوجه إليك) فيه معنى قوله تعالى: ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه﴾ فيكون خطاباً لحاضر معين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه ﵊، الذى هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك
стр. 518
أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه ﵊، فكأنه استحضر وقت ندائه، ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية، والقرائن الاعتبارية، كما يقول المصلى في تشهده: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته.
ونقل السويدى عن أقتضاء الصراط المستقيم للشيخ: أن الإنسان يفعل مثل هذا كثيراَ، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به والسؤال به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، فإنه يراد به التسبب به لكونه داعياَ وشافعاً مثلاً، أو لكون الداعي محباً له، مطيعاً لأمره، مقتدياً به.
فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد الإقسام والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا شىء منه ولا شىء من السائل؛ بل بذاته لمجرد الإقسام به على الله تعالى فهذا الثاني هو الذى نهوا عنه. وكذلك لفظ السؤال قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام.
ومن الأول حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار، وهو حديث مشهور؛ فهم دعوا الله تعالى بصلاح الأعمال؛ لأنها من أعظم ما يتوسل به العبد إليه تعالى ويسأله به؛ لأنه وعد الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله. اهـ.
وقوله: (في حاجتي هذه لتقضى) أي ليقضيها ربي بشفاعته أي في دعائه، وذلك مشروع مأمور به؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يطلبون منه ﵊ الدعاء، وكان يدعوا لهم. وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلاً صالحاً فتطلب منه الدعاء لك، بل يجوز للأعلى أن يطلبه
стр. 519
من الأدنى كما طلب النبي عليه أكمل الصلاة وأفضل السلام من الفاروق ﵁ في عمرته بأن قال له: ((لا تنسنا يا أخي من دعائك)) . قال عمر: ما يسرني بها حمر النعم، وكذلك أمر أمته أن يسألوا له الوسيلة.
وقال العلامة المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير: سأل الله تعالى أولا أن يأذن لنبيه ﵊ أن يشفع له، ثم أقبل على النبي ﷺ ملتمساً شفاعته له، ثم كرَّ مقبلاً على ربه أن يقبل شفاعته.
والباء في ((بنبيك)) للتعدية وفي ((بك)) للاستعانة، وقوله: (اللهم فشفعه فيّ) أي أقبل شفاعته في حقي، والعطف بالفاء على معطوف عليه مقدر: أى أجعله شفيعاً لى فشفعه؛ فيكون قوله ((اللهم)) معترضة، وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك، وهو دعاؤه ﷺ له بكشف عاهته، وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء الخاص، والدعاء أخص من النداء، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقاً، بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم.
وأما كونهم وسئل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقرب إليهم، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون كما تقدم.
قال الشارح: ثم اعلم أن المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما - أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حياً أو ميتاً، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم؛ بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية. الثاني - أن
стр. 520
يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله تعالى، أو نحو ذلك فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها السلف، وإن كان السلام على أهل القبور حائزاً، ومخاطبتم جائزة، كما كان عليه أصحابه يعلم أصحابه ﵊ إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون)) كما سيأتي.
الثالث: أن يقول: أسألك بجاه فلان عبدك، أو بحرمته، أو نحو ذلك. فهذا الذي تقدم عن العز بن عبد السلام أنه أفتى أنه لا يجوز في غير النبي ﷺ ، وعن الحنابلة في أصح القولين، أنه مكروه كراهة تحريم، وهو ما تقدم نقله عن أبي حنيفة وأبي يوسف عليهما الرحمة، فتفطن.
وأما ورود هذا الحديث عن عثمان بن حنيف في زمن أمير المؤمنين عثمان ففي سنده مقال.
بل قال بعضهم: إن أمارات الوضع لائحة عليه، فكيف يعارض به الكتاب والسنة وعمل الصحابة؟ وهل سمعت أحداً منهم جاء إلى قبره الشريف فطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ وهم حريصون على مثل هذه المثوبات لا سيما والنفوس مولعة بقضاء حوائجها؟ .
نعم كان ابن عمر يأتي القبر المكرم ويقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف.
وكذلك أنس وغيره. فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة؛ فلو صح عند أحدهم الطلب منه ﵊ لرأيت أصحابه يتناوبون قبره المشرف زمراً زمراً. ومثل ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولأوسع الله تعالى طريقاً لم يتسع للصحابة والتابعين وصلحاء علماء الدين، وستأتي تتمة لهذا في بحث ((شد الرحال)) بعون الملك المتعال.
стр. 521
[توسل عمر بالعباس]
وأما ما ذكره من الاستدلال بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب ﵁ تعالى عنهما، فالمراد بذلك أن يدعو لهم - يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا، كما جاءت به بقيت الروايات. ومثله استسقاء معاوية في الشام بيزيد بن الأسود، فإنه قال: يا يزيد ارفع يديك؛ فرفع يديه ودعا ودعا الناس حتى سقوا.
وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في باب الاستسقاء، ومرادهم التوجه إلى الله تعالى بدعاء الصالحين، فإن دعائهم أرجى للإجابة.
ولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب؛ والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل، وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة؛، ولو بندائهم ودعائهم، كما مر تقريره من دليلهم، وأنه على معنى الشفعاء يدعون لهم،وقالوا: لا مانع من ذلك عقلاً وشرعاً، فإنهم أحياء في قبورهم لكان التوسل بالنبي ﷺ في ذلك الأمر المهم، وهم عنده بالمدينة أولى.
ولكان قولهم كما في رواية البخارى عن أنس أن عمر ﵁ استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنه وقال: ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون)) .
من هذا الحديث: ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا - إلى آخره -)) عبثاً ضائعاً، بل مخلا بما يقولون ويدعون، لأنه لو كان الاستسقاء به ﵊ جائزاً بعد موته - أرواحنا له الفداء - لما عدل عنه الفاروق.
بل هذا الدليل الذى تمسكوا به من أقوى الأدلة وأرجحها وأظهرها على ما ندعيه من عدم الجواز، فهو عليهم لالهم، عند من له أدنى فهم وإنصاف والله يهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 522
[حديث آدم]
وأما حديث آدم الذى رواه الطبراني، وهو ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما أقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا أدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال:: لأنك يا رب لما خلقتنى بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى أسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال له: وإذا سألتنى بحقه غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك)) رواه البيهقى في دلائله من حديث عبد الرحمن، ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبراني وزاد فيه: ((وهو آخر الأنبياء من ذريتك)) ففيه ضعف كما ذكره المحدثون، وقد علم أيضاً جوابه مما مر من قوله: ((بحق انبيائك)) وما قاله أبو حنيفة، وأبو يوسف، فتفطن.
وأما الدليل الذى ساقه القسطلاني أيضاً في المقصد الأول، وهو ما روى ((أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوباً على ساق العرش، وعلى كل موضع في الجنة اسم محمد ﷺ مقروناً باسم الله تعالى فقال: يارب هذا محمد من هو؟ فقال : هذا ولدك الذى لولاه ما خلقتك. فقال: يارب بحرمة هذا الولد أرحم هذا الولد، فنودى: يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك)) أنتهى، فلم يذكر رواته، ومع هذا لا يفيد ما هم فيه كما تحقق.
[حديث الأعرابي]
واما حديث الأعرابي لذى ذكر الأبيات فقد تفرد به البيهقى لبيان دلائل نبوته ﷺ . وقد جرت عادة المحدثين في مثل ذلك المقام أن لا يتحاشوا عن إيراد الحدث الضعيف وهم جمع، فكيف بهذا
стр. 523
الحديث الفرد، فكيف يثبت به حكم هو مبني الدين، وأساس ملة المسلمين؟ على أنه لا شاهد فيه أيضاً، لأنه دل على طلب الدعاء من الرسول ﷺ . فإنهم لما حصل لهم الجدب فروا إلى نبينا ﷺ ليدعو لهم بكشف ما أهمهم.
وأما باقى الأحاديث فلا تخلو عن ضعف أو كذب رواه، أو غير ذلك مما يمنع العمل بموجبه، وإن نظرت إليها بعين الإيمان وجدت آثار الوضع لأئحة عليها، وأحوال الصحابة تدل على انهم غير معترفين بما فيها. ولو كان عندهم من ذلك أدنى رائحة لجاءوا إلى قبره المطهر في جميع ما ينوبهم على الرواحل، وتركوا عند ذلك جميع المشاغل، ولا زالت الصحابة تسد ذرائع التوسل الذى أدعاه المجزون، كما فعل عمر ﵁ من قطع الشجرة التى بويع تحتها رسول الله ﷺ .
وما ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه عن أبي العالية، قال: لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له، فإخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعباً ﵁ فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه فقرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم واموركم ولحن كلامكم وما هو كائن بعد.
فقلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه.
قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم، أبرزوا السرير فيمطرون.
فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال.
فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلثمائة سنة. قلت: ما كان
стр. 524
تغير منه شئ؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء، لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.
فلو كان الدعاء عند القبور سنة أو فضيلة لنصبوا عليه علماً عنده، ولكن كانوا أعلم بالله وبرسوله ودينه من الخلوف التى خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان درجوا على سبيلهم، فقد كان عندهم من قبور الصحابة عدد كثير في الأمصار، فما منهم من استغاث بها ولا دعا عندهم، ولا أستسقى بها ولا استنصر، ولو كان لتوفرت الدواعي على نقله، وقد عمت البلوى الآن والنذور من اعظم العبادات، وأجل الغربات، وتفاخروا بوضع الزينة على تلك المقابر، وألهاهم عن اتباع السنة التكاثر، وحسب كثير منهم أن ذلك من السنن، وفشا المنكر، وظهرت - والعياذ بالله تعالى - الفتن، حتى نسج العالم الخبير على فمه من السكوت لثام، وترك الأمر بالمعروف خوفاً من مناقشة الجهلة اللئام، فإنا لله! ولا حول ولا قوة إلا بالله! .
[حديث مالك]
(قال المانعون) : وأما حديث الإمام مالك الذى رواه صاحب الشفاء فهو معارض برواية المبسوط، ورواها أيضاً القاضي عياض وغيره: أن مالكاً قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضى.
وقال ايضاً في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ور يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن
стр. 525
أحد من اهل الفقه، ولا يصلح هذه المة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر او أراده. وقد ورد عن السلف ما يوافقه. وهذه الرواية موافقة لمذهبه، لأن سد الذرائع مشهور من مذهبه، فحمل رواية الشفاء على السقوط أولى، لكون رواية المبسوط أصح وأوفق لمذهبه.
غاية المر التعارض، وإذا تعارضت الروايتان لم يمكن الجمع بينهما فنسقطهما ونرجع إلى الأصل المرجوع إليه في الأقياس، والأصل ما ذكرناه لدلالة الكتاب والسنة، فالعمل به هو الواجب، سيما في مثل هذه المطالب.
[التبرك بآثار النبي ﷺ -]
وأما ما ذكرتم من التبرك بآثاره الشريفة في حياته ﷺ ، أى آثار نفسه من اجزائه المقدسة المطهرة، ومماس أعضائه الشريفة من ملابسه، فذلك حق واجب علينا أيها المسلمون، ففديه بأنفسنا واولادنا، وذلك من تعظيمه وتبجيله وبالغ توقيره ﷺ ، وشرف وكرم. وما عدا ذلك من كل ما يرضي الله تعالى ويرضيه لا نقول به، ولا نعمل إلا بما ورد، فنعهد الله سبحانه بهذه الطاعة والتعظيم لنبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، بالاتباع لا بالابتداع.
واما استشفاع عمر بشيبه العباس ﵁، فالمراد بذلك ذكر ما يكون سبباً لاستدرار الرحمة، وتنزل النعمة، كما يقول الإنسان في دعائه: ((اللهم كبر سنى ووهن عظمى فارحم شيبتى)) سيما إذا كانت شيبته شابت في الإسلام.
كما ورد في الحديث ((إن الله يستحى من ذى الشيبة المسلم أن يعذبه)) وسيما إذا كان الداعى مثل العباس عم رسول الله ﷺ وصنو
стр. 526
ابيه، فذكر الشيبة من قبيل ذكر الملزوم، وإرادة اللازم الذى هو الزمان المصروف في سبيل الله، فيكون من قبيل الكتابة عن الأعمال الصالحة، ولا يقدم عاقل على القول بالتوسل بذات الشبيه نفسها، بل بما تلبست به من الإيمان وطاعة الرحمن: وهذا على تقدير صحة الرواية بهذا، وإلا فهي ضعيفة.
[قيمة المنامات والحكايات في الاستدلال]
واما الحكاية العتبى عن الأعرابي واستحسان العلماء لذلك، وكذلك المنامات والحكايات التى أوردها في ذلك، والأقوال التى ذكرت معها من غير سند شرعي يستندون إليه، ولا طريق مرعى يوقفون الطلاب عليه - فلا نتعب أنفسنا بالجواب، ففيما ذكرناه كفاية لأولى الألباب.
(قلت) : وقال الشيخ ابن تيمية في إقتضاء الصراط المستقيم، إنهم احتجوا بهذه الحكاية التى لا يثبت بها حكم شرعي، ولا سيما في مثل هذا الأمر، بل قضاء الله تعالى حاجة مثل هذا الأعرابي لها اسباب قد بسطت في محلها، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضى أن يكون مشروعاً مأموراً به، فقد كان ﵊ يسأل في حياته المسألة فيعطيها، وتكون محرمة في حق السائل، حتى قال: ((إنى لأعطي أحدهم العطية فيعطيها، وتكون محرمة في حق السائل، حتى قال: ((إنى لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً قالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألونى، ويأبى الله تعالى لى البخل)) .
وقد يفعل الرجل العمل الذى يعتقده صالحاً، ولا يكون عالماً أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المبتدعة المنهى عنها قد يفعلها بعض الناس، ويحصل بها نوع من الفائدة: وذلك لا يدل على أنها مشروعة، ولو لم نكن مفسدتها أعظم من مصلحتها لما نهى عنها. ثم الفاعل قد يكون متاولاً، أو مخطئاً مجتهداً
стр. 527
أو مقلداً، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع المقرن بغير المشروع، كالمجتهد المخطئ. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. أهـ.
[الحياة البرزخية]
(قال المانعون) : وبقى ما أدلوا (١) علينا من حياة الأنبياء ﵈ ليتوصلوا به إلى ترويح مدعاهم من استحسان دعائهم وطلب إغاثتهم، وأولوه بان مرادهم في ذلك الاستشفاع: طلب أن يدعوا لهم. لأنهم إذا كانوا احياء فلا مانع من ذلك.
فنقول: القول بحياتهم حق ثابت بالأحاديث الصحيحة، فنعقتد حياتهم عليهم الصلاة والسلام، حياة برزخية فوق حياة الشهداء، وأن نبينا ﷺ قد جعل عند قبره الشريف ملك يبلغه سلام المسلمين الذين عند ضريحه المكرم والنائين عنه، ونعتقد أن الأنبياء ﵈ جميعهم طريون لا تأكل الأرض أجسامهم الشريفة للأحاديث الواردة في ذلك، منها حديث أوس ﵁ مرفوعاً: ((أفضل ايامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة على. قالوا: وكيف صلاتنا عليك؟ وقد أرمت - أى بليت ٠ فقال ﵊: إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) أخرجه ابن حبان وغيره.
ولكنا نمنع أن يطلب منهم شئ؟ فلا يسألون شيئاً بعد وفاتهم، كما تقدم، سواء كان لفظ استغاثة أو توجه أو استشفاع أو غير ذلك.
فجميع ذلك من وظائف الألوهية، فلا يليق جعله لمن يتصف بالعبودية فإن ادعى أحد أن حياتهم ﷺ إذا ثبتت الرواية بها
стр. 528
وهي ما اخرجه أبو يعلى والبيهقى عن انس ﵁ أنه ﷺ قال: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) حياه حقيقية، كما هو الأصل في حمل الألفاظ على حقائقها، ولم نثبت قرينه على التجوز بها فينبغي الحياة على حقيقتها. أجبناه قائلين: لا شك أنه لا يرد بهذه الحياة الحقيقية ولو أريدت لاقتضت جميع لوازمها من اعمال وتكليف وعبادة ونطق وغير ذلك، وحيث أنتفت حقيقة هذه الحياة الدنيوية بانتفاء لوازمها، وبحصول الانتقال من هذه الحياة الدنيوية الحقيقية إلى تلك الحياة البرزخية المعبر عن هذا الانتقال بالموت الحال به ﷺ وارواحنا له الفداء - كما قال تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر ٣٠] .
وقال عز من قائل: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران ١٤٤] .
وحلول الموت به ﷺ لا يمكن أحداً إنكاره.
ولما جاء الصديق ﵁، وكان غائباً بالعالية، وقد أذن له ﷺ بالذهاب فكشف عن وجهه الشريف المكرم قال له: روحي لك الفداء، طبت حياً وميتاً.
وفي حديث سالم: أنه تلا الايتين المذكورتين عند ذلك، ثم صعد المنبر فقال في خطبته: يأيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت - وتلا هذه الآية، فتراجع الناس إلى عقولهم. وقال عمر: فو الله لكأنى لم اتل هذه الآية قط.
وحيث انتفت الحياة الحقيقية بما ذكر وبغيره ثبتت الحياة البرزخية، وهي متفاوتة، فحياة الشهداء فوق حياة المؤمنين، وحياة الأنبياء ﵈ أعلى من حياة الشهداء. وقد شرف سبحانه هؤلاء الأحياء بالتشريفات العندية،
стр. 529
فقال عز من قائل في حق الشهداء الذين تتقاصر مرتبتهم عن الأنبياء ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران ١٦٩] .
(فإن قلت) : قد ثبت في الحديث السابق أن الأنبياء يصلون، واخرج الإمام أحمد ومسلم عن انس بن مالك ﵁ عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((مررت ليلة اسرى بي على موسى قائماً يصلى في قبره. وفي رواية - عند الكثيب الأحمر)) فما الجواب عن ذلك؟ .
(قلنا) : المراد من الصلاة المعنى اللغوى. أى يدعو وثيني عليه سبحانه ويذكره. وقال القرطبي: المراد الصلاة الشرعية، لظاهر الحديث، وأنها ليست بحكم التكليف بل بحكم الأكرام لهم والتشريف.
ولا تدافع بين هذا وبين رؤيته إياه تلك الليلة في السماء السادسة، لأن للأنبياء ﵈ مراقع ومسارح ينصرفون فيما شاءوا ثم يرجعون إلى قبورهم.
أو لآن أرواح الأنبياء بعد مفارقة البدن في الرفيق الأعلى، ولها إشراف على البدن وتعلق به، ويمكنون من التصرف والتقرب بحيث يرد السلام على المسلم، وبهذا التعلق رآه يصلى في قبره، ورآه في السماء السادسة.
فلا يلزم كون موسى ﵇ عرج به من قبره تلك الليلة ثم رد إليه بل ذلك مقام روحه واستقراره إلى يوم معاد الرواح إلى الأجساد. كما أن روح نبينا ﷺ بالرفيق الأعلى، وبدنه في ضريحه المطهر يرد السلام على من يسلم عليه.
ومن غلظ طبعه عن إدراك هذا فلينظر إلى السماء في علوها وتعليقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان، ولينظر إلى النار كيف تؤثر
стр. 530
في الجسم البعيد، مع أن الارتباط الذى بين الروح والبدن اقوى واتم. وتتمة الأقوال، وبسط الأحوال لأهل البرزخ من نعيم واهوال - طور عظيم وحال يجب له التسليم. وقد فصل في الكتب المخصوصة، وأثبت بادلائل المنصوصة. وهذا آخر ما تلخص من اجوبة المانعين، وتحصل من كلام المدققين، فاصح سمعك لمناديه، ولا يحملنك الهوى فتعاديه.
ولابد لك من ان تجول بجوار ذهنك في ميدان الكلامين، وتلج في لج البحرين، لتكرع من الأصفى الأعذب، وتعتقد حباص عقيدتك على الأسلم والأصوب، وذلك مفوض إليك، والسلام علينا وعليك، أدخلنا الله تعالى وإياك تحت شفاعة الشافعين، ولا سيما شفاعة نبينا سيد المرسلين، عليه وعلى آله وصحبه افضل صلاة المصلين، وازكى سلام المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
[مذهب ابن تيمية في التوسل]
تتمه
ولنذكر شيئاً من كلام الشيخ ابن تيمية ليستدل به على مرامه، وطويته في اعتصامه فاقول: قال في كتاب الاستغاثة في الرد على ابن السبكي ما نصه:
وأما قول القائل: إن المتوسل إنما هو سائل لله تعالى، راج له، عالم أن النفع والضر بيده لا شريك له، وإنما توسل إليه بمن يحبه الله تعالى لشرف منزلته عنده، ليكون أقرب إلى الإجابة، وحصول المراد: كطلب الدعاء من الرجل الصالح فيقال: توسل العبد إلى الله تعالى بما يحب، لفظ مجمل، فغن اريد بما يحب الله تعالى أن يتوسل به إليه فهذا حق، والله تعالى يحب ان يتوسل إليه بالإيمان والعمل الصالح، والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ، ومحبته وطاعته وموالاته.
فهذه ونحوها هي من الأمور التى يحب الله تعالى أن يتوسل بها إليه.