ابيه، فذكر الشيبة من قبيل ذكر الملزوم، وإرادة اللازم الذى هو الزمان المصروف في سبيل الله، فيكون من قبيل الكتابة عن الأعمال الصالحة، ولا يقدم عاقل على القول بالتوسل بذات الشبيه نفسها، بل بما تلبست به من الإيمان وطاعة الرحمن: وهذا على تقدير صحة الرواية بهذا، وإلا فهي ضعيفة.
[قيمة المنامات والحكايات في الاستدلال]
واما الحكاية العتبى عن الأعرابي واستحسان العلماء لذلك، وكذلك المنامات والحكايات التى أوردها في ذلك، والأقوال التى ذكرت معها من غير سند شرعي يستندون إليه، ولا طريق مرعى يوقفون الطلاب عليه - فلا نتعب أنفسنا بالجواب، ففيما ذكرناه كفاية لأولى الألباب.
(قلت) : وقال الشيخ ابن تيمية في إقتضاء الصراط المستقيم، إنهم احتجوا بهذه الحكاية التى لا يثبت بها حكم شرعي، ولا سيما في مثل هذا الأمر، بل قضاء الله تعالى حاجة مثل هذا الأعرابي لها اسباب قد بسطت في محلها، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضى أن يكون مشروعاً مأموراً به، فقد كان ﵊ يسأل في حياته المسألة فيعطيها، وتكون محرمة في حق السائل، حتى قال: ((إنى لأعطي أحدهم العطية فيعطيها، وتكون محرمة في حق السائل، حتى قال: ((إنى لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً قالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألونى، ويأبى الله تعالى لى البخل)) .
وقد يفعل الرجل العمل الذى يعتقده صالحاً، ولا يكون عالماً أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المبتدعة المنهى عنها قد يفعلها بعض الناس، ويحصل بها نوع من الفائدة: وذلك لا يدل على أنها مشروعة، ولو لم نكن مفسدتها أعظم من مصلحتها لما نهى عنها. ثم الفاعل قد يكون متاولاً، أو مخطئاً مجتهداً
стр. 527
أو مقلداً، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع المقرن بغير المشروع، كالمجتهد المخطئ. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. أهـ.
[الحياة البرزخية]
(قال المانعون) : وبقى ما أدلوا (١) علينا من حياة الأنبياء ﵈ ليتوصلوا به إلى ترويح مدعاهم من استحسان دعائهم وطلب إغاثتهم، وأولوه بان مرادهم في ذلك الاستشفاع: طلب أن يدعوا لهم. لأنهم إذا كانوا احياء فلا مانع من ذلك.
فنقول: القول بحياتهم حق ثابت بالأحاديث الصحيحة، فنعقتد حياتهم عليهم الصلاة والسلام، حياة برزخية فوق حياة الشهداء، وأن نبينا ﷺ قد جعل عند قبره الشريف ملك يبلغه سلام المسلمين الذين عند ضريحه المكرم والنائين عنه، ونعتقد أن الأنبياء ﵈ جميعهم طريون لا تأكل الأرض أجسامهم الشريفة للأحاديث الواردة في ذلك، منها حديث أوس ﵁ مرفوعاً: ((أفضل ايامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة على. قالوا: وكيف صلاتنا عليك؟ وقد أرمت - أى بليت ٠ فقال ﵊: إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) أخرجه ابن حبان وغيره.
ولكنا نمنع أن يطلب منهم شئ؟ فلا يسألون شيئاً بعد وفاتهم، كما تقدم، سواء كان لفظ استغاثة أو توجه أو استشفاع أو غير ذلك.
فجميع ذلك من وظائف الألوهية، فلا يليق جعله لمن يتصف بالعبودية فإن ادعى أحد أن حياتهم ﷺ إذا ثبتت الرواية بها
стр. 528
وهي ما اخرجه أبو يعلى والبيهقى عن انس ﵁ أنه ﷺ قال: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) حياه حقيقية، كما هو الأصل في حمل الألفاظ على حقائقها، ولم نثبت قرينه على التجوز بها فينبغي الحياة على حقيقتها. أجبناه قائلين: لا شك أنه لا يرد بهذه الحياة الحقيقية ولو أريدت لاقتضت جميع لوازمها من اعمال وتكليف وعبادة ونطق وغير ذلك، وحيث أنتفت حقيقة هذه الحياة الدنيوية بانتفاء لوازمها، وبحصول الانتقال من هذه الحياة الدنيوية الحقيقية إلى تلك الحياة البرزخية المعبر عن هذا الانتقال بالموت الحال به ﷺ وارواحنا له الفداء - كما قال تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر ٣٠] .
وقال عز من قائل: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران ١٤٤] .
وحلول الموت به ﷺ لا يمكن أحداً إنكاره.
ولما جاء الصديق ﵁، وكان غائباً بالعالية، وقد أذن له ﷺ بالذهاب فكشف عن وجهه الشريف المكرم قال له: روحي لك الفداء، طبت حياً وميتاً.
وفي حديث سالم: أنه تلا الايتين المذكورتين عند ذلك، ثم صعد المنبر فقال في خطبته: يأيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت - وتلا هذه الآية، فتراجع الناس إلى عقولهم. وقال عمر: فو الله لكأنى لم اتل هذه الآية قط.
وحيث انتفت الحياة الحقيقية بما ذكر وبغيره ثبتت الحياة البرزخية، وهي متفاوتة، فحياة الشهداء فوق حياة المؤمنين، وحياة الأنبياء ﵈ أعلى من حياة الشهداء. وقد شرف سبحانه هؤلاء الأحياء بالتشريفات العندية،
стр. 529
فقال عز من قائل في حق الشهداء الذين تتقاصر مرتبتهم عن الأنبياء ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران ١٦٩] .
(فإن قلت) : قد ثبت في الحديث السابق أن الأنبياء يصلون، واخرج الإمام أحمد ومسلم عن انس بن مالك ﵁ عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((مررت ليلة اسرى بي على موسى قائماً يصلى في قبره. وفي رواية - عند الكثيب الأحمر)) فما الجواب عن ذلك؟ .
(قلنا) : المراد من الصلاة المعنى اللغوى. أى يدعو وثيني عليه سبحانه ويذكره. وقال القرطبي: المراد الصلاة الشرعية، لظاهر الحديث، وأنها ليست بحكم التكليف بل بحكم الأكرام لهم والتشريف.
ولا تدافع بين هذا وبين رؤيته إياه تلك الليلة في السماء السادسة، لأن للأنبياء ﵈ مراقع ومسارح ينصرفون فيما شاءوا ثم يرجعون إلى قبورهم.
أو لآن أرواح الأنبياء بعد مفارقة البدن في الرفيق الأعلى، ولها إشراف على البدن وتعلق به، ويمكنون من التصرف والتقرب بحيث يرد السلام على المسلم، وبهذا التعلق رآه يصلى في قبره، ورآه في السماء السادسة.
فلا يلزم كون موسى ﵇ عرج به من قبره تلك الليلة ثم رد إليه بل ذلك مقام روحه واستقراره إلى يوم معاد الرواح إلى الأجساد. كما أن روح نبينا ﷺ بالرفيق الأعلى، وبدنه في ضريحه المطهر يرد السلام على من يسلم عليه.
ومن غلظ طبعه عن إدراك هذا فلينظر إلى السماء في علوها وتعليقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان، ولينظر إلى النار كيف تؤثر
стр. 530
في الجسم البعيد، مع أن الارتباط الذى بين الروح والبدن اقوى واتم. وتتمة الأقوال، وبسط الأحوال لأهل البرزخ من نعيم واهوال - طور عظيم وحال يجب له التسليم. وقد فصل في الكتب المخصوصة، وأثبت بادلائل المنصوصة. وهذا آخر ما تلخص من اجوبة المانعين، وتحصل من كلام المدققين، فاصح سمعك لمناديه، ولا يحملنك الهوى فتعاديه.
ولابد لك من ان تجول بجوار ذهنك في ميدان الكلامين، وتلج في لج البحرين، لتكرع من الأصفى الأعذب، وتعتقد حباص عقيدتك على الأسلم والأصوب، وذلك مفوض إليك، والسلام علينا وعليك، أدخلنا الله تعالى وإياك تحت شفاعة الشافعين، ولا سيما شفاعة نبينا سيد المرسلين، عليه وعلى آله وصحبه افضل صلاة المصلين، وازكى سلام المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
[مذهب ابن تيمية في التوسل]
تتمه
ولنذكر شيئاً من كلام الشيخ ابن تيمية ليستدل به على مرامه، وطويته في اعتصامه فاقول: قال في كتاب الاستغاثة في الرد على ابن السبكي ما نصه:
وأما قول القائل: إن المتوسل إنما هو سائل لله تعالى، راج له، عالم أن النفع والضر بيده لا شريك له، وإنما توسل إليه بمن يحبه الله تعالى لشرف منزلته عنده، ليكون أقرب إلى الإجابة، وحصول المراد: كطلب الدعاء من الرجل الصالح فيقال: توسل العبد إلى الله تعالى بما يحب، لفظ مجمل، فغن اريد بما يحب الله تعالى أن يتوسل به إليه فهذا حق، والله تعالى يحب ان يتوسل إليه بالإيمان والعمل الصالح، والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ، ومحبته وطاعته وموالاته.
فهذه ونحوها هي من الأمور التى يحب الله تعالى أن يتوسل بها إليه.
стр. 531
وإن اريد أنه يتوسل إليه بما يحب ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله تعالى أن يتوسل به، فهذا باطل عقلاً وشرعاً.
أما عقلاً فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوباً له ما يوجب كون حاجتى تقضى بالتوسل بذاته: إذا لم يكن منى ولا منه سبب تقضى به حاجتى، فإن كان منه دعاء لى، أو كان منه إيمان به وطاعة له، فلا ريب أن هذه وسيلة.
واما نفس ذاته المحبوبة لله تعالى، فأى وسيلة لي فيها إذا لم يحصل لي السبب الذى أمرت به فيها، ولهذا لو توسل به من كفر به لم ينفعه، والمؤمن به ينفعه الإيمان به، وهو أعظم الوسائل. فتبين أن الوسيلة بين العباد وبين ربهم الإيمان بالرسل وطاعتهم. وقول القائل للرجل: أدع لى: توسل بدعاء الصالحين، وهو من جملة الأسباب النافعة كشفاعة النبي ﷺ .
واما المشروع فيقال: إن العبادات مبناها على الاتباع لا الابتداع، وليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله. ألا ترى أنه ليس لأحد أن يصلى إلى قبره عليه لصلاة والسلام، ويقول هو احق بالصلاة إليه من الكعبة! وقد ثبت عنه ﵊ في الصحيح أنه قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) ومن لم يعتصم بالكتاب والسنة ضل وأضل.
وليس في قوة أحد أن يفهم أسرار العبادات ومنافعها، ومضار ما ينهى عنه من ذلك. فعليه أن يسلم للشريعة، ويعلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
وإذا رأى من العبادات التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع، علم أن ذلك لضرر فيها راجح على نفعها، ومفسدة راجحة على مصلحتها. إذ الشارع حكيم، لا يهمل المصالح. فإن قال: أنا إذا توسلت بذاته إنما توسلت بعملي
стр. 532
المعلق به، وذلك أنه لحبى له، وتعظيمي إياه توسلت به. وهذا مما يحبه الله تعالى مني.
قيل: حبك وتعظيمك له الذي هو من الإيمان به، وهو يدعوك إلى زيادة الإيمان به وطاعته، وهو الذي يحبه الله تعالى منك. وأما حبك وتعظيمك الذي لا نقصد به إلا قضاء حاجتك الدنيوية - فهذا لا يحبه الله تعالى منك.
فإذا كان الداعي لم يؤمن به ولم يطعه، بل سأل الله تعالى به وتوسل به، وأحبه وعظمه ليقضي حاجته بالتوسل به؛ لم يكن ذلك مما يحبه الله بالضرورة.
ولم يأمر الله تعالى بذلك، بل لم يأمر الله تعالى إلا بالإيمان به والطاعة، وهذا إذا حصل كان أعظم الوسائل للعبد عند الله . وإن لم يحصل فلا وسيلة للعبد عند الله تعالى.
وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع في حقيقة الدعاء. وما فيه من مشروع وغير مشروع، وأن من الدعاء ما يحصل به مقصود العهد أو بعض مقصوده،ويكون وبالا عليه، لأن ضرر ذلك أعظم من نفعه، كما قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخيفة إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف ٥٥] .
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء)) وأعرف من يستغيث برجال أحياء، فتصور له صورهم تدفع عنه ما كان يحذر. ويحصل له ما كان يطلب، وأولئك الأحياء لا شعور لهم بذلك، وإنما هي شياطين تمثلت لتضل ذلك الداعي، كما كانت الإنس تستعيذ بالجن، فكانت رؤساء الجن تعيذهم من سفهائهم باستعاذة الإنس، قال الله تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن﴾ [الجن ٦] .
стр. 533
والذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب ويعبدونها، تتنزل عليهم أرواح من الشياطين، وتقضى لهم كثيراً من الحاجات، ويسمونها روحانية ذلك الكواكب، وهو شيطان ينزل عليهم من يطير بصاحبه في الهواء، وينقله إلى بيت المقدس، ويدخل به النار فيمنعه حرها، إلى أمور كثيرة.
فالسعادة والنجاة في الأعتصام بالكتاب والسنة، وأتباع ما شرع والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلتزم الأدعية الشرعية، كما يتحرى في سائر عباداته الصورة الشرعية، فإن هذا هو الطريق المستقيم.
وأما قوله: إنه يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ أو بغيره من الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى - فهذا قول لم يقله قبله أحد من علماء المسلمين، ولا من الصحابة والتابعين ولا غيرهم.
وقائل هذه العبارة إما مفتر على الدين، أو مفتر على اللغة، مبلس على المسلمين.
بل إطلاق القائل القول: بأنه يستغاث بالنبي أو الصالح أو غيرهما في كل ما يستغاث الله فيه - لا يفهم الناس في اللغة التى يعرفونها إلا ما هو كفر صريح. وقوله: على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى - لا يخرج مدلول هذا اللفظ في اللغة المعروفة عن أن يكون كفراً، فإن الاستغاثة بالشخص طلب الغوث منه.
وقد قال هو: إن معنى الإستغاثة دائر على طلب الإغاثة، والتخليص من الكربة والشدة، سواء كان طلب ذلك من الخالق أو المخلوق. وإذا كان كذلك فهذا القول يقتضى أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق من الإستغاثة من المخلوق الحي أو الميت إزالة الأمراض والأسقام،
стр. 534
وكشف الجدب والقحط بإنزال المطر، وإسقاط الأنام، وكشف ضرر الكفار بأن ينصر عليهم المؤمنين الأبرار، بل ونطلب كشف شدة المعاصي بالمغفرة للمذنب العاصي.
وبالجملة، فإذا كانت الإستغاثة طلب الإغاثة والتخليص من الكربة والشدة، سواء كان طلب ذلك من المخلوق أو من الخالق، وقد جوز الاستغاثة بمخلوق في كل ما يستغاث الله تعالى فيه - فقد لزم أن يطلب من هذا المخلوق كل ما يطلب من الله .
وإن قيل: إنه على معنى الوسيلة، فهذا لا ينجيه.
فإنه من جوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الله تعالى فهو كافر بإجماع المسلمين، بل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يجوز طلبه من المخلوق اصلاً بإجماع المسلمين.
ومن طلب من المخلوق غفران الذنوب وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات، والنصر على الأعداء في الدين - فهو كافر برب العالمين، ,قد قال تعالى: ﴿قل أدعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً - إلى قوله تعالى - إن عذاب ربك كان محذوراً﴾ [الأسراء ٥٧] .
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيراً والملائكة، فبين الله تعالى لهم: أن هؤلاء عبادى كما أنتم عبادى، يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى، ويخافون عذابي، ,يتقربون إلى كما تتقربون إلى. وقد أخبر سبحانه عنهم: أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويله عنهم، وهذا هو الإعاثة، كما قال لخاتم الرسل: ﴿قل إنى لا أملك لكم ضراً ولا رشداً﴾ .
وقال سبحانه: ﴿قل لا أملك لنفسى نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله﴾
стр. 535
[الأعراف ١٨٨] فمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله يمتنع أن يملك ذلك لغيره. فإذا جوز هذا أن يطلب من المخلوق ما يطلب من الخالق سبحانه جاز أن يدعى أن الملائكة والأنبياء، والذين كانوا يدعونهم لم يطلبوا منهم ذلك إلا على أنهم وسيلة، لم يطلبوه لآعتقادهم أن ثم خالقاُ غير الله، فإن المشركين عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله هو الذى خلق السماوات والأرض كما أخبر عنهم بذلك في غير آية، كقوله سبحانه: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [الزمر ٣٨] .
وقوله تعالى: ﴿قل لمن الرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيها من شرك، وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ ٢٣] .
فبين سبحانه أن المدعو من دونه ليس له في ملك السماوات والأرض مثقال ذرة، ولا هو شريك في الملك، وأنه ليس ظهيراً لله، فإن الله سبحانه ليس له ظهير، ولا يحتاج إلى معين، أو مشير أو وزير أو غير ذلك، بل هو تعالى وحده خلق السماوات والأرض وما بينهما، لا يشركه في ذلك أحد، ولا يحتاج في شئ من ذلك إلى غيره، وما خلقه بأسباب فهو خلق الأسباب، والجميع فقراء إليه، وهو غني عن الجميع، ولهذا قال سبحانه: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر ٣٦] .
فهو سبحانه يكفى عبده، ولا يحتاج العبد في كفاية الله تعالى إلى غيره. ثم قال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ ٢٣] .
كما قال سبحانه: ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بأذنه﴾ [البقرة ٢٥٥] .
стр. 536
وقال في الملائكة: ﴿ولا يشفعون إلا لمن أرتضى﴾ [الأنبياء ٢٨] .
وامثال ذلك مما يبين فيه ان الشفاعة لابد فيها من إذن الشافع، فلم يثبت لما يدعى من دونه من الوسائط والوسائل - الملائكة والأنبياء وغيرهم أثراً في شئ من الأشياء إلا الشفاعة. فبين أنها لا تكون إلا بعد إذنه. ثم إذا جاز أن يقول الضال: إنه يطلب من مخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد، فكذلك يطلب منه ما يطلب من الخالق من إعطاء الفوائد فحينئذ يجوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق مطلقاً. وهذا الكفر شر من كفر عبدا الأصنام، فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبون من الرحمن، بل لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون﴾ [الأنعام ٤٠، ٤١] .
فبين أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يدعون إلا الله فلا يطلبون كشف الشدائد، وإنزال الفوائد إلا منه. فمن جوز طلب ذلك من المخلوق كان أضل من هؤلاء المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء ٦٧] .
وقال ﵊ لابن عباس: ((إذا سألت فأسأل الله، وإذا أستعنت فاستعن بالله ... ... ... )) الحديث.
وقول القائل: لكونهم أسباباً ووسائل - فكلام مجمل. فإن أراد أنهم وسائط، والداعي يزعم أنهم شفعاء، فالآيات متضافرة على منعه. وإن أراد أن الداعي لا يطلب منهم، ولكن يطلب من الله تعالى بحرمتهم وجاههم فهذا لا يسمى استغاثة بالمسئول به.
ومازلت أبحث عن هذه المسالة واكشف ما أمكننى من كلام السلف والأئمة والعلماء - هل يجوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل أحد منهم ذلك؟ فما وجدته.
стр. 537
ووقفت على فتياً للفقيه أبي محمد عبد السلام. أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما بالنبي ﵊ فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك.
وذكر القدورى في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى. وفي بعض مناسك الحج المنقولة عن الإمام أحمد: أنه يتوسل بالنبي ﷺ . وقد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به.
وبالجملة لو تكليم في مسألة التوسل بالنبي ﷺ وغيره في الدعاء لكان كلامه فيها من جنس كلام العلماء، فإنها تحتاج إلى أدلة شرعية من جانب النفي والإثبات لعدم ظهور الحكم فيها.
وأما الاستغاثة بالمخلوق بأن يطلب منه كل ما يطلب من الخالق، أو بأن يطلب من الغائب أو الميت ما يطلب من الحي الحاضر - فهذا ليس مما يخفى على عموم المؤمنين فضلاً عن علمائهم، وإن وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة ونحوهم ممن فيه زهد وصلاح دين.
فهؤلاء وامثالهم حقهم أن يرجعوا إلى العلم الموروث عن الرسول ﷺ ، ويكون علمهم، عبادتهم مقيداً بالشريعة النبوية والعلم الموروث، لا يعبدونه سبحانه بما يخطر لهم من الأهواء والآراء.
قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله تعالى بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
قال ابن مسعود وأبي كعب: اقتصاد في سنة: خير من اجتهاد في بدعة، وقد قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ ، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)) .
стр. 538
[لا يعبد الله إلا بما شرع]
وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله تعالى بما سنح له وأحبه، بل لا يعبده إلا بما كان عبادة لله عند الله تعالى، وهو العبادات الشرعية، فكل ما لم تثبت الأدلة الشرعية له عبادة لم يحكم بأنه عبادة.
ودين الإسلام مبنى على اصلين: أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والثاني: أن نعبده بما شرع ولا نعبده بالبدع، كما قال الفضيلي بن عياض في قوله تعالى: ﴿ليبلونكم أيكم أحسن عملا﴾ قال: أخلصه وأصوبه.
قالوا: يا ابا على: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل. وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، فالخالص أن يكون لله، الصواب أن يكون على السنة.
وبالجملة فقول القائل: يستغاث بالنبي ﷺ . والصالح في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى، كلام مجمل متشابه. وهؤلاء الجهلة يطلقون مثل هذا الكلام، ولا يميزون بين معانيه من اللغة، ولا بين ما شرع من ذلك، وما لا يشرع، ولكن الأقسام الواقعة في مثل هذا إذا اسغاثت به على نعنى التوسل به والاستغاثة بطلب تفريج الكربة، فإما أن يسأله نفس تفريج الكربة، وإما أن يسأل الله تعالى تفريج الكربة.، وإما أن يستشفع به فيسأل الله تعالى شفاعته، ويسأله أن يسأل الله سبحانه. وإما أن يسال الله تعالى به، ولا يسأله شيئاً.
وأما أن يسأله فعل الله مثل ما كانت الأمم تسأل الأنبياء الآيات وهو في الحقيقة سؤال لهم أن يسألوا الله تعالى. أو سؤال له تعالى أن يفعل لأجلهم، أو مركباً من الأمرين.
فالسائل المستغيث بشئ على معنى التوسل به لابد أن يكون من أحد
стр. 539
هذه الأقسام. ووجه التقسيم: أنه إما أن يسأل الله تعالى فقط، أو يسأل المخلوق فقط، أو يسألهما جميعاً، أ, يسأل سؤالاً مطلقاً، ولا يعين فيه المسئول.
فأما الأول: فمثل أن يقول: اللهم إني أسألك بفلان.
واما الثاني: فقد يسأله الله تعالى، وقد يسأله الفعل، كقول الأمم لكل نبي: اشفع لنا إلى ربك، وقول الأعرابي: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فأدع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: ((اللهم أغثنا، اللهم اغثنا)) .
وأما سؤاله الفعل، فمثل قول موسى ﵇. أرنا الله جهرة، وقول القائل: أسألك قضاء ديني، وأسألك نصرى على غيرى، فيطلب منه قضاء حاجته ولا يعين في دعائه أن يسأل الله تعالى أو لا يسأل.
والثالث: مثل أن يقول: اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة - يا محمد يا رسول الله إنى أتوجه بك إلى ربي في حاجتى ليقضيها اللهم فشفعه في.
وأما الرابع: وهو السؤال المطلق، فمثل قول الحواريين: نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، ومثل قول القائل: أنا أطلب قضاء دينى وانتصارى على عدوى، ولا يعين هل هو سؤال الله فقط بجاه الشخص مثلاً، أو سؤاله الشخص أن يسأل، وأن يكون مطلوبه، أو السؤال لهما، أو السؤال لله بدعائه، أو السؤال له أن يدعو، أو أن يكون هذا الفعل.
فهذه خمسة أقسام بل ستة كلها تدخل في قوله: يستغاث بالنبي والصالح في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى. واللفظ يعم الاستغاثة في كل حال، وفي حال حياته ومشهده، وفي حال مغيبه ومماته، و ﷺ إلى أن قال: ولفظ التوسل والتوجه يراد
стр. 540
به أن يتوسل إلى الله ، ويتوجه إليه بدعائهم وشفاعتهم - فهذا هو الذى جاء في ألفاظ السلف من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كما في صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك ﵊ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. فهذا إخبار من عمر ﵁ عما كانوا يفعلونه، وتوسل منهم بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ ، وكذلك معاوية لما أستسقى بأهل الشام توسل بيزيد بن الأسود الجرشى، فقال معاوية ﵁ عنه: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد ابن الأسود الجرشى.
يا يزيد، أرفع يديك إلى الله تعالى فرفع يديه ورفع الناس.
فهذا توسل منهم بدعاء النبي ﷺ وسؤاله وشفاعته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس ودعاء يزيد بن الأسود. وهذا هو الذى ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء قالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل.
ومن هذا الباب ما في صحيح البخارى عن ابن عمر ﵁ عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ فيستسقى، فما ينزل حتى يجيش الميزاب: [طويل]
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومن هذا الباب حديث الأعمى - فإنه أتى النبي ﷺ فقال: أدع الله تعالى أن يعافيني. فقال: ((إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك)) قال: أدع الله تعالى، فإمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء. ((اللهم إنى اسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة.
стр. 541
يا محمد، إنى توجهت بك إلى ربي في حاجتى هذه لتقضى. اللهم فشفعه في)) فهذا أمره أن يطلب من الله تعالى أن يشفع فيه النبي ﷺ .
وإنما يكون طلباً لتشفيعه فيه إذا تشفع فيه فدعا الله تعالى له، وكذلك في أول الحديث أنه طالب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدل الحديث على ان النبي ﷺ شفع له ودعا له، وأن النبي ﷺ أمره هو ان يدعو الله سبحانه، وأن يسأله قبول شفاعة النبي ﷺ فيه.
فهذا نظير توسلهم به في الاستسقاء حيث طلبوا منه أن يدعو الله لهم، وهم دعوا الله تعالى أيضاً. وقوله يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربي في حاجتى هذه لتقضى. خطاب لحاضر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وكما يستحضر الإنسان من يحبه أو يبغضه في قلبه ويخاطبه - وهذا كثير.
فهذا كله يعين أن معنى التوسل به والتوجه به وبالعباس وغيرهما في كلامهم، هو التوسل والتوجه بالدعاء. وهذا مشروع بالاتفاق لا ريب فيه.
ومن التوسل به أيضاً: التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته، وموالاته واتباع سنته، ونحو ذلك من اعمال البر المتعلقة به، فهذا أعظم القرب والوسائل إلى الله تعالى. فإن التوسل هو التوصل والتقرب، وما تقرب أحد إلى الله بأعظم من طاعة رسوله ﷺ ، بل لا يتقرب إليه إلا بدلك، فمن عمل عملاً ليس عليه أمره ﷺ فهو مردود إلا بذلك، فمن عمل عملاً ليس عليه أمره ﷺ فهو مردود - إلى أن قال -:
[نوعا الشفاعة]
فالشفاعة نوعان: أحدهما - الشفاعة التى نفاها القرآن كالتى أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال الأمة.
стр. 542
والثاني - أ، يشفع الشفيع بإذن الله تعالى، وهي التى اثبتها الله سبحانه، ,لهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتى ويسجد، قال ﵊: ((فأحمد ربي بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن.
فيقال: أى محمد، أرفع راسك، ,قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع)) فإذا أذن له في الشفاعة شفع ﷺ . قال أهل هذا القول: ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به بحضرته بمعنى أن يكون هو داعياً للمتوسل به أن يشرع ذلك في مغيبه وبعد وفاته - أرواحنا له الفداء ﷺ مع أنه هو لم يدع للمتوسل به، أو المتوسل أقسم به، أو سأل بذاته، كما أن الصحابة ﵁ قد فرقوا بين الأمرين، كما تقدم. وذلك لأنه في حياته هو يدعو الله تعالى لمن توسل به ودعاؤه ﵇ افضل دعاء مخلوق لمخلوق، فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ﵊ ولم يشفع له؟ ومن سوى بين ما دعا له الرسول وبين من لم يدع له، وجعل هذا المتوسل كهذا المتوسل فهو مخطئ. وأيضاً فإنه ليس في طلب الدعاء منه والتوسل بدعائه إلا الخير.
وليس في ذلك محذور، فإن أحداً من الأنبياء ﵈ لم يعبد في حياته بحضوره، فإنه ينهى من يعبده ويشرك به. ولو كان شركاً أصغر، كما قال ﷺ : ((لا تقل ما شاء الله وشاء محمد)) . الحديث.
وأما بعد موته ﵇ فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح وعزيز وغيرهما، ولهذا قال ﷺ : ((لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) . أخرجه البخارى.
وقال ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد)) .
стр. 543
وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: ألا نعبده إلا الله، وألا نعبده إلا بما شرع، ولا نعبده بالبدع. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿ليبلوكم ايكم أحسن عملاً﴾ [الملك ٢] . قال الفضيل: أخلصه واصوبه. وقال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ الشورى﴾ [الشورى ٢١] ولهذا قال الفقهاء: والعبادات مبناها على التوقيف،: ما في الصحيحين عن عمر ﵁ أنه قبل الحجر الأسود، وقال: والله، إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
والله سبحانه أمرنا باتباع رسوله ﵊، وطاعته ومحبته وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله تعالى وكرامته، فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران ٣١] الآية. وقال: ﴿وإن تطيعوه وتهتدوا﴾ وأمثال ذلك في القرآن كثير.
ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا الباب عما مضت به السنة، ودل عليه الكتاب، وكان عليه سلف الأمة، وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عنه فلا يقف ما ليس به علم، ولا يقول على الله ما لا يعلم، فإن الله قد حرم ذلك كله، وقد جاء في الحديث ذكر ما يسأل الله تعالى به، كقوله ﷺ : ((اللهم إنى اسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم)) رواه أبو داود وغيره.
وفي لفظ: ((اللهم إني اسألك بأنى اشهد أن لا إله إلا أنت، الحد الصمد، الذى لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)) .
стр. 544
[هل تنعقد اليمين بغير الله]
وكذلك لا يستعاذ بالمخلوق، بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته، ولهذا احتج السلف كأحمد وغيره على أن كلام الله تعالى غير مخلوق فيما احتجوا به يقول النبي ﷺ : ((أعوذ بكلمات الله التامات)) قالوا: فقد استعاذ بها ولا يستعاذ بمخلوق.
وفي الصحيح عنه ﵊ أنه قال: ((لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)) فنهى عن الرقى فيها شرك، كالتى فيها الاستغاثة بالجن،
стр. 545
ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والإقسام التى يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التى تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه خشية أن يكون فيه شرك، بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز. فإذا كان لا جوز لأحد أن يقسم قسماً مطلقاً ولا قسماً على غيره إلا بالله ولا يستعيذ غلا بالله . فالسائل بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه، وإما أن يكون طالباً بذلك السبب، كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما نتوسل بدعاء النبي ﷺ والصالحين.
فإن كان ذلك إقساماً على الله تعالى بغيره فهذا لا يجوز، وإن كان سؤالاً بسبب يقتضى حصول المطلوب كالسؤال بالأعمال الصالحة مثل السؤال بالإيمان بالرسول ﷺ ومحبته موالاته فهذا جائز، إن كان سؤالاً بمجرد ذوات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء، وقالوا: إنه لا يجوز.
ورخص فيه بعضهم. والأول أرجح كما تقدم.
وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب، بخلاف من كان طالباً بالسبب المقتضى لحصول المطلوب، كالمطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة فهذا جائز، لأن دعاء الصالحين سبب حصول مطلبنا الذى دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا. فإذا توسلنا بدعائهم وبأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا غليه الوسيلة﴾ [المائدة ٣٥] .
والوسيلة: هي الأعمال الصالحة. وقال سبحانه: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ وأما لم نتوسل إليه تعالى بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا بنفس ذواتهم، لم يكن في نفس ذواتهم سبب يقتضى إجابة
стр. 546
دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة. ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي ﷺ نقلاً صحيحاً ولا مشهوراً عن السلف.
وقد نقل في منسك المرزوى عن الإمام أحمد دعاء فيه السؤال بالنبي ﷺ ، وقد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به.
وأكثر العلماء على النهي.
وأما أن لهم الجاه فهو لا ريب فيه، إذ لهم الجاه العظيم عند الله تعالى وكذا لهم الشفاعة. وأما الإقسام على الله تعالى بالمخلوقين فلا يجوز، ولا يجوز أن يقسم بمخلوق أصلاً.
[الوسيلة الجائزة والممنوعة]
وأما التوسل إليه سبحانه بشفاعة الشفعاء المأذون لهم في الشفاعة فجائز. والأعمى كان قد طلب من النبي ﵊ أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء. وقوله: ((أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة)) أى بدعائه وشفاعته لي ﵊.
ولهذا في تمام الحديث: ((اللهم فشفعه في)) فالذى في الحديث متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام﴾ فعلى قراءة الجمهور إنما يتساءلون به وحده لا بالرحم، وتساؤلهم بالله عز شأنه، هو كما قال المفسرون يتضمن تعاهدهم بالله تعالى وتعاقدهم به سبحانه.
وليس كل سائل بالله مقسماً، فإنه لو أقسم شخص بالله ليفعلن كذا ولم يفعله لزم الحالف كفارة، ولو سأله بالله فلم يعطه لم تجب على السائل كفارة.
стр. 547
وأما على قراءة الخفض فقد قال طائفة من السلف هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم. وهذا إخبار عن سؤالها بالرحم. وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلاً على جوازه فمعنى قولك: أسأل بالرحم، ليس إقساماً بالرحم، والقسم هنا لا يسوغ لكن بسبب الرحم، أى أن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً، فيكون سؤاله بالرحم كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة، وكسؤالنا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته.
ومن هذا الباب ما روى عن على بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه ان أبن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا ساله بحق جعفر أعطاه. وليس هذا من باب الإقسام فإن الإقسام بغيرجعفر أعظم، بل ههنا باء السبب، فحقه من باب حق الرحم، لأن حق عبد الله إنما وجب بسبب أبيه جعفر وحقه على علي ﵁.
ومن هذا الباب الحديث الذى رواه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وابن ماجه مرفوعاً في دعاء الحارج إلى الصلاة: ((اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك ... ... .)) الحديث. وهذا الحديث في إسناده العوفى وفيه ضعف. فإن كان كلام النبي ﷺ فهو من هذا الباب لوجهين:
أحدهما - لأن فيه السؤال بحق السائلين، وبحق الماشين في طاعته. وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الماشين أن يثبتهم. وهذا حق أوجبه هو سبحانه على نفسه، وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق سبحانه شيئاً، ومنه قوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ ، ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ ، ﴿وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وفي الصحيح: ((حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله تعالى إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم)) .
стр. 548
وفي الصحيح: ((يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسي)) . وإذا كان حق السائلين له هو الإجابة والإثابة فذلك سؤال له بأفعاله، كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله ﷺ : ((اللهم أنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك)) فالاستعاذة بمعافاته التى هي فعله كالسؤال بإثباته التى هي فعله.
الوجه الثاني - أمن الدعاء له سبحانه والعمل له سبب لحصول مقصود العبد، فهو كالتوسل بدعاء النبي ﷺ والصالحين من امته. وقد تقدم أن الدعاء بالنبي والصالح إما أن يكون إقساماً به، وإما أن يكون تسبباً. فإن كان قوله ((بحق السائلين عليك)) إقساماً فلا يقسم على الله تعالى إلا به، كما صرحت به الحنفية وغيرهم. وإن كان تسبباً فهو تسبب وليس في شئ من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه.
وإذا قال القائل: أسألك بحق الملائكة، أو بحق الأنبياء، أو الصالحين، فإن كان يقسم بذلك فهو لا يجوز أن يقوله، ولا بقول لغيره ـ أقسمت عليك بحق هؤلاء، فإذا لم يجز له أن يحلف به، ولا يقسم على مخلوق به، فكيف يقسم على الخالق به، وإن كان لا يقسم به، وإنما كان لا يقسم به وإنما تسبب به، فليس بمجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده، بل لابد من سبب منه كالإيمان بالملائكة والأنبياء ﵈ أو منهم كدعائهم، ولكن كثيراً من الناس تعووا ذلك كما تعودوا الحلف بهم، حتى يقو أحدهم: وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله.
وغذا قال القائل مرادهم بقولهم: أسألك بحق فلان أو بجاهة، أو أسالك به، أى أسالك بإيماني به ومحبتى له له وهذا من أعظم الوسائل. قيل: من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح، لكن ليس هذا مقصود عام هؤلاء.
стр. 549
فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك ﷺ ونحو ذلك فقد أحسن في ذلك، كما قال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا إننا سمعنا منادياً ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا فأغفر لنا ذنوبنا﴾ الآيات. وقال تعالى: ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فأغفر لنا ذنوبنا﴾ الآية. وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتنى فأطعتك، ودعوتنى فأجبتك، وهذا سحر فأغفر لي.
ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين اصابهم المطر فأووا إلى الغار، وأنطبقت عليهم الصخرة، ثم دعوا الله بأعمالهم الصالحة، فأنكشفت عنهم، وهو ثابت في الصحيحين.
وروى في كتاب الحلية لأبي نعيم: أن داود ﵇ قال: يارب، بحق أبائى عليك، إبراهيم وإسحق ويعقوب، فأوحى الله إليه: يا داود وأى حق لآبائك علي؟ وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتقد عليها.
وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه، وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شئ.
يحقق هذا الأمر: أن التوسل به والتوجه به لفظ إجمال واشتراك بحسب الإصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين بدعائه وشفاعته.
ودعاؤه وشفاعته ﷺ من أعظم الوسائل عند الله . وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم عليه سبحانه بذلك، والله تعالى لا يقسم عليه بشئ من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال. فلا يقال: أقسمت عليك يارب بملائكتك ولا بكعبتك، كما لا يجوز أن يقسم الإنسان بهذه الأشياء، بل إنما يقسم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته.
стр. 550
ولهذا جاءت السنة أن يسأل الله تعالى باسمائه وصفاته، فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان. إلى آخره.
وكذلك قوله: ((اللهم إنى أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، بأسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة)) . مع أن هذا الدعاء الأخير في جواز الدعاء به قولان: فقد قال الشيخ أبو الحسن القدورى في كتابه بشرح الكرخي المعروف به والمشهود عنه في باب الكراهية:
فصل
قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة ﵁: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك. وأبو يوسف لم يكره الأول. وقال: أكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام.
قال القدورى: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
وقال البلدجى في شرح المختار: وبكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق: وهذا من أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وغيرهما، ويقتضى المنع أن يسأل الله تعالى بغيره ولا يقال: إن الرب سبحانه اقسم بمخلوقاته فلم لا يجوز أن نقسم بمخلوقاته، لأن قسمة سبحانه من باب مدحه وذكر آياته، بخلافنا ولو أقسمنا بغيره لأن الشارع منع من ذلك.
وأما القسم على الله تعالى مثل أن يقول: أقسمت عليك يارب لتفعلن كذا فهو جائز، كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف. فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((رب أشعث أغبر ذى
стр. 551
طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)) وفي حديث الربيع: ((عن من عباد الله تعالى من لو أقسم على الله لابره)) وهذا من باب الحلف بالله سبحانه ليفعلن هذا الآمر. فهذا إقسام عليه تعالى به ليس إقساماً عليه بمخلوق.
وقوله: إن الاستغاثة به بعد موته ﷺ ثابتة ثبوتها في حياته، لأنه عند الله تعالى في مزيد دائم لا ينقص جاهه، وهذا لفظ صحيح لو كان معنى الإستغاثة الإقسام والتوسل بذاته، فإن ذاته المطهرة ﷺ بعد الموت لم تنقص، بل هي في مزيد دائم - بأبي هو وأمي ﵊ لكن هذه المقدمة غير صحيحة كما عرفت.
وأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتاً كالطلب منه حياً، وعلو درجته ﵊ بعد الموت لا تقتضى أن يسأل كما لا يقتضى أن يستفتى. ولا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين مشروع، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة. وهو قد أحتج بحديث الأعمى، وهو لاحجة فيه، لأن الحديث ليس فيه استغاثة بل قد توجه بدعائه وشفاعته. فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة ﵃ يتوسلون بدعائه ﵊ في الاستسقاء، وكما توسلوا بدعاء العباس بعد وفاته ﷺ : وأما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمى، وما زال الناس يستغيثون به في حياته عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، كما يستغيثون به يوم القيامة.
وقد قلنا إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه. والطلب منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيها أحد، ولكن لا يمكن أحداً أن يقول: إن النبي ﷺ شرع لأمته أن
стр. 552
يستغيثوا بميت لا نبي ولا غيره، لا في جلب منفعة ولا دفع مضرة، لا بهذا اللفظ ولا معناه، بل لم يشرع لهم أن يدعوا ميتاً ولا يسألوه، ولا يدعوا إليه ولا أن يستجيروا به ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك، وأنا في جوارك، ولا أن يخطو إلى قبر الميت خطوات، لا ان يتوجه إلى قبر ويسأله، ولا شرع لأحد أن يقول للميت: سل الله تعالى لى، ولا أدع الله تعالى لى، ولا شرع لهم أن يشكوا إلى ميت فيقول أحدهم مشتكياً إليه: على دين، أو آذاني فلان، ونحو ذلك، سواء كان عند القبر أو بعيداً عنه، وسواء كان الميت نبياً أو غيره.
ولا شرع لأمته إذا كان لأحدهم حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعو لنفسه ظاناً أن الدعاء عند قبره يجاب. بل ولا شرع لأمته ﷺ أن يقسموا على مخلوق، ولا شرع لأمته أن يتوسلوا إلى الله تعالى بذات ميت أصلاً، بل بذات حي، إلا أن بكون التوسل بما أمر الله تعالى به من الإيمان به وطاعته، أو بدعاء المتوسل به وشفاعته. فإذا كان النبي ﵇ والصالح له عند الله تعالى الجاه العظيم والقدر - لم ينتفع المتوسل به إلا بأحد أمرين: إما أن يتوسل بما أمر الله تعالى به من الإيمان به ومحبته وطاعته ونحو ذلك، فهذه هي والوسيلة التى أمر الله تعالى بها في قوله عز من قائل: ﴿اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ .
فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول ﵊.
والأمر الثاني: أن يدعو له الرسول. فهذه أيضاً وسيلة إلى الله تعالى فإن دعاءه وشفاعته عند الله تعالى من أعظم الوسائل.
واما التوسل بالذات مع قطع النظر عما تقدم، فلم يرد عن الصحابة والتابعين. والصحابة كانوا يتوسلون بدعائه ﵊ وشفاعته،
стр. 553
ولهذا يتوسلون بعده بالعباس ﵁، ولو كان المتوسل بذاته المقدسة ممكناً بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس.
والأعمى إنما توجه بدعائه، وكذلك الصحابة في الأستسقاء، وكذلك الناس يوم القيامة، كما ورد في حديث الشفاعة. وأما مجرد الذات بعد الممات فلا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك. ونص غير واحد من العلماء أن هذا لا يجوز، وإن نقل عن بعضهم جوازه، فقد قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ الآية - إلى أن قال: ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم ولا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها.
كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، ونعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذى حرمه الله تعالى ورسوله. لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه.
ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن بها وقال: هذا أصل دين الإسلام.
وكان بعض أكابر الشيوخ من اصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينته لنا لعلمه بأن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فيدعون دعاء المضطر راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره. بخلاف عبادتهم لله تعالى، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف.
стр. 554
حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق الشام خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور، يرجون عندها كشف الضر.
وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر لو دوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الضرر (١)
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لا نهزموا، كما أنهزم من المسلمين يوم أحد لما أراد الله سبحانه ذلك.
ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذى أمر الله تعالى به ورسوله ﷺ . وما يحصل بذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الأخرة لمن عرف هذا.
وإن كان كثير من المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالاً شرعياً أخرجوا على نياتهم، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله تعالى والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا به، ولا يستغيثون بملك مقرب، ولا نبي مرسل. فلما اصلح الناس أمورهم، وصدقا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً لم يتقدم نظيره، ولا انهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، ما لم يكن قبل ذلك. فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويقوم الأشهاد. انتهى باقتصار.
стр. 555
وقال من جملة كلام طويل في فتاويه ما نصه: الثاني - أن يقال الميت أو للغائب من الأنبياء ﵈ والصالحين: أدع الله تعالى لي أو نحوه، فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة وائمتها، وإن كان السلام على أهل القبور جائزاً، ومخاطبتهم جائزة، كما كان ﷺ يعلم اصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) وقال ابن عبد البر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇) .
وفي سنن أبي داود عنه ﷺ أنه قال: ((ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله تعالى علي روحي حتى ارد السلام)) لكن ليس من المشروع أن يطلب منهم شيئاً.
وفي موطأ الإمام مالك: ((أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف)) وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة ﵁ نقل عنهم السلام على النبي ﷺ . فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى. لا يدعون وهم مستقبلو القبر المكرم، وإن كان قد وقع في ذلك بعض طوائف من الفقهاء والمتصوفة ومن العامة ومن لا اعتبار بهم. فإنه لم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله، لا من له في الأمة لسان صدق، بل قد تنازع العلماء في السلام على النبي عليه افضل الصلاة والسلام، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة، ويستدبر القبر الشريف.
وقال مالك والشافعي: بل يستقبل القبر، وعند الدعاء يستقبل القبلة، ويجعل القبر المكرم عن يساره أو عن يمينه، وهو الصحيح إذ لا محذور في ذلك.
стр. 556
انتهى باقتصار. وإن أردت كمال الوقوف على أدلته وتفصيل مراميه فارجع إلى تصنيفاته، والله الهادي لصوب الصواب، وبه الاستعانة وإليه المآب.
وقول الولي الواصل والعارف الكامل، سيدى الشيخ عند القادر الكيلاني قدس سره النوراني في كتابه (الغنيمة) ما نصه:
وأقل ما في الرضا أن يقطع عما سوى الله ، وقد ذم الله تعالى الطمع في غيره ، فروى عن يحيى بن كثير أنه قال: قرأت التوراة فرأيت فيها ان الله يقول: ملعون من كان ثقته بمخلوق مثله.
وروى في بعض الأخبار: ((أن الله يقول: وعزتى وجلالي وجودى ومجدى، لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيرى باليأس، ولألبسه ثوب المذلة بين الناس، ولأبعدنه من قربي، ولأقطعنه من وصلى. أيؤمل في الشدائد غيرى؟ ويطرق بالفكر أبواب غيرى؟ وهي مغلقة ومفاتحها بيدى)) .
وروى في خبر آخر: أن الله يقول: ((ما من عبد يعتصم دون خلقى أعلم ذلك من قلبه ونيته فتكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له من ذلك مخرجاً. وما من عبد يعتصم بمخلوق دونى غلا قطعت أسباب السماء من فوقه، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم أهلكه في الدنيا وأتعبه فيها)) .
وروى عن بعض الصحابة، رضوان الله تعالى اجمعين أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تعزز بالناس ذل)) ، وقيل: ((من اتكل على مخلوق مثله ذل)) ، فكفاه الطمع بما يناله من إطلاع قلبه، وتشتت همه وذله ومسكنته، فقد اجتمع عليه أمران: ذل في الدنيا، وبعد من الله بلا إزدياد في رزقه ذرة واحدة.
وقال بعضهم: لآ أعرف شيئاً أضر على المريدين والطالبين من الطمع، ولا أخرب لقلوبهم، ولا أذل لهم، ولا اظلم لقلوبهم، ولا ابعد لهم، ولا أشد
стр. 557
تشبيتاً لهممهم، إنما كان كذلك لأنه شرك أينما كانوا، لأن الرجل منهم أشرك بالله ؟ حيث طمع في مخلوق مثله، لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا عطاء ولا منعاً، فجعل ملك الملوك لمملوكه، فأنى يكون له ورع، فلا يتحقق ورعه حتى ينسب الأشياء إلى مالكها ، ولا يطلبها من غيره.
وقيل: الطمع له اصل وفرع، فاصله الغفلة، وفرعه الرياء والسمعة والتزين والتصنع، وحب إقامة الجاه عند الناس، وعن بعضهم: طمعت يوماً مرة في شئ من أمر الدنيا، فهتف بي هاتف وهو يقول: يا هذا، إنه لا يحمد بالحر المريد إذا كان يجد عند الله تعالى كل ما يريد أن يركن بقلبه إلى العبيد، وأعلم أنه لا يخطر على قلب مريد شئ من الطمع ويساكنه غلا لأجل كمال البعد عن الله ، حيث طمع في مخلوق مثله، وهو يرى أن مولاه مطلع عليه ثم لم يحجزه من ذلك. أهـ.
ونقل الوالد عليه الرحمة، قدس سره، أنه قال في ((فتوح الغيب)) ما نصه: من اراد السلامة في الدنيا والأخرة، فيعلمه بالصبر والرضا، وترك الشكوى إلى خلقه، وإنزال حوائجه بربه ، ولزوم طاعته،وانتظار الفرج منه سبحانه، والانقطاع إليه. فحرمانه عطاء، وعقوبته نعماء، وبلاؤه دواء، ووعده حال، وقوله فعل، وكل أفعاله حسنة، وحكمه ومصلحة، غير أنه طوى علم المصالح عن عباده، وتفرد به، فليس إلا الاشتغال بالعبودية، وأداء الأوامر واجتناب النواهي، والتسليم في القدر، وترك الاشتغال بالربوبية، والسكون عن لم وكيف ومتى. وتسند هذه الجملة إلى حديث ابن عباس قال: بينما انا رديف رسول الله ﷺ إذ قال: ((يا غلام، أحفظ الله يحفظك، وأحفظ الله تجده أمامك، وإذا سالت فأسأل الله، وإذا أستعنت فاستعن بالله، وجف القلم بما هو كائن، ولو جهد
стр. 558
العباد ان ينفعوك بشئ لم يقضه الله تعالى لم يقدروا عليه. فإن استطعت ان تعمل لله تعالى بالصدق في اليقين فأعمل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. وأعلم ان النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)) .
فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة قلبه، وشعاره ودثاره وحديثه، فيعمل به من جهة حركاته وسكناته، حتى يسلم في الدنيا والآخرة، ويجد العزة برحمة الله تعالى . انتهى بحروفه.
وقال الوالد أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ ما منه: وقد راينا كثيراً من الناس على نحو هذه الصفة التى وصف الله تعالى بها المشركين: يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم، توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكى لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن فعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره.
وقد قلت يوماً لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادى: يا فلان أغثنى، فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وإذا سالك عبادى عني فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ فغضب، وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء.
وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولى اسرع إجابة من الله . وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. انتهى.
стр. 559
وقال أيضاً في باب الإشارات على قوله تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً﴾ [الحج ٧٣] الآية، وإشارة إلى ذم الغالين في اولياء الله تعالى، حيث يستغيثون بهم في الشدة، غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذر. والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ، ونجعل ثوابه للولى - ولا يخفى أنهم في دعواهم الولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا باس لها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم، أو رد غائبهم، او نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب. ويرشدك إلى ذلك أنه لو قيل: أنذروا لله تعالى، واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنه احوج من اولئك الأولياء لم يفعلوا، ورايت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم، لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم.
والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف - قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم، وأكثر افتراءهم! منهم من يزعم انهم يخرجون من القبور، يتشكلون باشكال مختلفة. وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم مشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة اسد، او غزال أو نحوه - وكل ذلك باطل لا اصل له في الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة. وقد افسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية - نسال الله تعالى العفو والعافية. أنتهى.
وقال الشيخ ابن عربي (في الباب الثاني والستين بعد المائتين من الفتوحات ما نصه) : أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: ((يا موسى، لا تجعل غيرى موضع حاجتك، وسلنى حتى الملح تلقيه في عجينك)) . هذا تعليم
стр. 560
من الله لنبيه موسى ﵇. ولقد رايته في النوم فقال لي: وكلنى في أمورك؟ فوكلته، فما رأيت إلا عصمة محضة، لله الحمد على ذلك، جعلنا الله تعالى من الفقراء إليه به. فإن الفقر إليه تعالى به هو عين الغني، لأنه الغنى وأنت به فقير، فأنت الغني به عن العالمين، فأعلم ذاك. والله تعالى الموفق. أنتهى.
وقال أيضاً (في الباب الثامن والسبعين بعد المائة) : فما ابتلى الله تعالى عباده إلا ليلجأوا في رفع ذلك إليه، ولا يلجأوا في رفعه إلى غيره، فإن فعلوا ذلك كانوا من الصابرين.
وفي روح المعاني للوالد نور الله تعالى ضريحه: روى أنس ﵁ قال: أوحى الله تعالى إلى يوسف ﵇: ((من استنقذك من القتل حين هم إخوتك ان يقتلوك؟ قال: أنت يا رب. قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال: أنت يا رب. قال: فمن أستنقذك من المرآة التى همت بك؟ قال: أنت يا رب. قال: فما بالك نسيتنى، وذكرت آدمياً؟ قال: يارب، كلمة، تكلم بها لسانى! قال: وعزتى لأخدنك في السجن بضع سنين)) أنتهى.
وقال في باب الإشارات عل قوله تعالى: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ - قال الحنيذ قدس سره: أمنعنى وبنى ان نرى لأنفسنا وسيلة إليك غير الافتقار. وقيل: كل ما وقف العارف عليه غير الحق سبحانه فهو صنمه. وجاء: النفس هي الصنم الأكبر. أنتهى.
وقال الإمام ابو حامد الغزالي في شرحه للأسماء الحسنى ما نصه: الكريم هو الذى إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالى كم أعطى، ولا لمن اعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفا عاتب وما أستقصى، ولا يضيه من لاذ به والتجأ، ويغنيه
стр. 561
عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك الله تعالى فقط. انتهى.
وقال أيضاً في كتابه الإحياء: قال جعفر الصادق ﵁: الصدق هو المجاهدة وألا تختر على الله غيره، كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى: ﴿هو اجتباكم﴾ وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: ((إنى إذا أحببت عبداً ابلتيته بلايا لا تقوم لها الجبال، لأنظر كيف صدقه، فإن وجدته صابراً اتخذته ولياً وحبيباً، وإن وجدته جزعاص يشكونى إلى خلقى خذلته ولا أبالى)) . فإذا من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعاً، وكراهة إطلاع الخلق عليها.
وقال في باب التوكل: قال الله : ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال ٤٩] أى عزيز من أستجار به، لا يضيع من لاذ بجانبه، وألتجأ إلى ذمامه وحماه لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.
وقال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ [الأعراف ١٩٤] بين ان كل ما سوى الله عبد مسخر، حاجته مثل حاجتكم فكيف يتوكل عليه؟ وقال تعالى: ﴿إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾ [العنكبوت ١٧] . وقال : ﴿ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ [المنافقون ٧] . وقال تعالى: ﴿يدبر الآمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [يونس ٣] وكل ما في القرآن من التوحيد فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار.
وروى أنه لما قال جبريل لإبراهيم ﵇ وقد رمى إلى النار
стр. 562
بالمنجنيق ((ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا)) وفاء بقوله ﴿حسبى الله ونعم الوكيل﴾ إذ قال ذلك حين أخذ ليرمى، فإنزل الله تعالى: ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾ . وأوحى الله إلى داود ﵇: ((يا داود، ما من عبد يعتصم بي دون خلقى فتكيده السماوات والأرض إلا جعلت له مخرجاً)) . وقرأ الخواص قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذى لا يموت﴾ الآية. فقال: ما ينبغي بعد هذه الآية للعبد أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. أنتهى.
وقال من كلام طويل: الثانية أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل في حق أمه، فإنه لا يعرف غيرها، ولا يفرغ إلى أحد سواها، ولا يعتمد إلا إياها، فإن رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلعها، وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه: يا أماه، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه، فإنها مفرغة. فإنه قد وثق بكفايتها، وكفالتها وشققتها. أنتهى باقتصار.
(قلت) : وقال جدنا الأكرم، وسيدنا الأعظم، زين العابدين وابن سيد الساجدين، على جده وعليه افضل الصلاة والسلام في دعائه: اللهم إنى أخلصت بانقطاعي إليك، وأقبلت بكلى عليك، وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك، وقليت مسألتى ممن لم يستغن عن فضلك، ورأيت أن أطلب المحتاج إلى المحتاج سفه في رأيه وضلة من عقله. فكم قد رأيت يا إلهي من إناس طلبوا العز بغيرك فذلوا، وراموا الثروة من سواك فافتقروا، وحاولوا الانقطاع فاتضعوا.
فانت يا مولاى دون كل مسئول موضع مسالتى، ودونكل مطلوب إليه وبه حاجتى، أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتى، ولا يشركك أحد
стр. 563
في رجائى،ولا يتفق أحد معك في دعائي ولا ينظمه، وإياك ندائى لك - إلى آخر ما قال.
وقال أيضاً من بعض دعاء طويل: ويا من لا ينقطع عنه سؤال السائلين، ويا من حوائج المحتاجين عنده، ويا من لا يعيبه دعاء الداعين، تمدحت بالغنى عن خلقك، وأنت اهل الغنى عنهم، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل الفقر إليك، فمن حاول سد خلته، ورام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته في مظانها، وأتى طلبته من وجهها، ومن توجه إلى أحد من خلقك، أو جعله سبباً لنجحها دونك؟ فقد تعرض، واستحق من عندك فوت الإحسان.
اللهم ولى إليك حاجة قد قصر عنها جهدى، وتقطعت دونها حيلتى وسولت لي نفسى رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك، ولا يستغنى في طلباته عنك، وهي زلة من زلل الخاطئين، وعثرة من عثرات المذنبين.
ثم انتهيت بتذكيرك لي في غفلتى ونهضت بتوفيقك من زلتى، ورجعت بتسديدك من عثرتى، وقلت: سبحان الله! كيف يسأل محتاج محتاجاً! وأنى يرغب معدم إلى معدم، وإلى آخر ما قال، عليه رضوان الملك المتعال.
الخاتمة
[في التوسط بين القولين، وهو عند المنصف قرة عين الفريقين] .
فقد قال الوالد عليه الرحمة في تفسير قوله تعالى ﴿يايها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة ٣٥] ما نصه:
واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين،
стр. 564
وجعلهم وسيلة بين الله تعالى، وبين العباد، والقسم على الله بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا
ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: فلان أدع الله تعالى ليرزقنى كذا، ويزعمون ان ذلك من باب ابتغاء الوسيلة.
ويروون عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أعيتكم الأمور، فعليكم باهل القبور، أو فاستغيثوا بأهل القبور)) . وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن الاستغاثة بمخلوق، وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه، ولا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حياً، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه ﷺ قال لعمر ﵁ لما استأذنه في العمرة: ((لا تنسنا يا أخى من دعائك)) وأمره أيضاً أن يطلب من اويس القرني رحمه الله تعالى عليه ان يستغفر له. وأمر أمته ﷺ بطلب الوسيلة له، وبأن يصلوا عليه.
وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً، أو غائباً فلا يسترتب عالم أنه غير جائز، وانه من البدع التى لم يفعلها أحد من السلف.
نعم، السلام على أهل القبور مشروع، ومخاطبتهم جائزة، فقد صح أنه ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لا حقون، يرحم الله تعالى المستقدمين منكم، والمستأخرين، نسال الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا اجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)) .
ولم يرو عن أحد من الصحابة ﵁ وهم احرص الخلق
стр. 565
على كل خير - انه طلب من ميت شيئاً، بل قد صح عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول، إذا دخل الحجرة النبوية زائراً: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك.
ولا يطلب من سيد العالمين ﷺ ، أو من ضجيعيه المكرمين ﵁ شيئاً، وهم أكرم من ضمته البسيطة، وأرفع قدراً من سائر من احاطت به الفلاك المحيطة. نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة، والروضة المعظمة، أمر مشروع، فقد كانت الصحابة ﵁ تدعو الله هناك، مستقبلين القبلة، ولم يرد عنهم أستقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش.
واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، ففي مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل، بل يستدبر، ويستقبل القبلة وقال بعضهم: يستقبل وقت السلام، ويستقبل القبلة، ويستدبر وقت الدعاء، والصحيح المعول عليه: أنه يستقبل وقت السلام، وعند الدعاء يستقبل القبلة، ويجعل القبر عن اليمين أو اليسار.
فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة، وعلة الإيجاد على الحقيقة ﷺ ، فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته ﵊ ليزاد، أو يطلب من المزور بها ما ليس من وظيفة العباد.
واما القسم على الله تعالى باحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إنى أقسم عليك، أو أسألك إلا ما قضيت لى حاجتى - فعن العز بن عبد السلام جواز ذلك في النبي ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز