عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك الله تعالى فقط. انتهى.
وقال أيضاً في كتابه الإحياء: قال جعفر الصادق ﵁: الصدق هو المجاهدة وألا تختر على الله غيره، كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى: ﴿هو اجتباكم﴾ وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: ((إنى إذا أحببت عبداً ابلتيته بلايا لا تقوم لها الجبال، لأنظر كيف صدقه، فإن وجدته صابراً اتخذته ولياً وحبيباً، وإن وجدته جزعاص يشكونى إلى خلقى خذلته ولا أبالى)) . فإذا من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعاً، وكراهة إطلاع الخلق عليها.
وقال في باب التوكل: قال الله : ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال ٤٩] أى عزيز من أستجار به، لا يضيع من لاذ بجانبه، وألتجأ إلى ذمامه وحماه لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.
وقال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ [الأعراف ١٩٤] بين ان كل ما سوى الله عبد مسخر، حاجته مثل حاجتكم فكيف يتوكل عليه؟ وقال تعالى: ﴿إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾ [العنكبوت ١٧] . وقال : ﴿ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ [المنافقون ٧] . وقال تعالى: ﴿يدبر الآمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [يونس ٣] وكل ما في القرآن من التوحيد فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار.
وروى أنه لما قال جبريل لإبراهيم ﵇ وقد رمى إلى النار
стр. 562
بالمنجنيق ((ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا)) وفاء بقوله ﴿حسبى الله ونعم الوكيل﴾ إذ قال ذلك حين أخذ ليرمى، فإنزل الله تعالى: ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾ . وأوحى الله إلى داود ﵇: ((يا داود، ما من عبد يعتصم بي دون خلقى فتكيده السماوات والأرض إلا جعلت له مخرجاً)) . وقرأ الخواص قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذى لا يموت﴾ الآية. فقال: ما ينبغي بعد هذه الآية للعبد أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. أنتهى.
وقال من كلام طويل: الثانية أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل في حق أمه، فإنه لا يعرف غيرها، ولا يفرغ إلى أحد سواها، ولا يعتمد إلا إياها، فإن رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلعها، وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه: يا أماه، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه، فإنها مفرغة. فإنه قد وثق بكفايتها، وكفالتها وشققتها. أنتهى باقتصار.
(قلت) : وقال جدنا الأكرم، وسيدنا الأعظم، زين العابدين وابن سيد الساجدين، على جده وعليه افضل الصلاة والسلام في دعائه: اللهم إنى أخلصت بانقطاعي إليك، وأقبلت بكلى عليك، وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك، وقليت مسألتى ممن لم يستغن عن فضلك، ورأيت أن أطلب المحتاج إلى المحتاج سفه في رأيه وضلة من عقله. فكم قد رأيت يا إلهي من إناس طلبوا العز بغيرك فذلوا، وراموا الثروة من سواك فافتقروا، وحاولوا الانقطاع فاتضعوا.
فانت يا مولاى دون كل مسئول موضع مسالتى، ودونكل مطلوب إليه وبه حاجتى، أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتى، ولا يشركك أحد
стр. 563
في رجائى،ولا يتفق أحد معك في دعائي ولا ينظمه، وإياك ندائى لك - إلى آخر ما قال.
وقال أيضاً من بعض دعاء طويل: ويا من لا ينقطع عنه سؤال السائلين، ويا من حوائج المحتاجين عنده، ويا من لا يعيبه دعاء الداعين، تمدحت بالغنى عن خلقك، وأنت اهل الغنى عنهم، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل الفقر إليك، فمن حاول سد خلته، ورام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته في مظانها، وأتى طلبته من وجهها، ومن توجه إلى أحد من خلقك، أو جعله سبباً لنجحها دونك؟ فقد تعرض، واستحق من عندك فوت الإحسان.
اللهم ولى إليك حاجة قد قصر عنها جهدى، وتقطعت دونها حيلتى وسولت لي نفسى رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك، ولا يستغنى في طلباته عنك، وهي زلة من زلل الخاطئين، وعثرة من عثرات المذنبين.
ثم انتهيت بتذكيرك لي في غفلتى ونهضت بتوفيقك من زلتى، ورجعت بتسديدك من عثرتى، وقلت: سبحان الله! كيف يسأل محتاج محتاجاً! وأنى يرغب معدم إلى معدم، وإلى آخر ما قال، عليه رضوان الملك المتعال.
الخاتمة
[في التوسط بين القولين، وهو عند المنصف قرة عين الفريقين] .
فقد قال الوالد عليه الرحمة في تفسير قوله تعالى ﴿يايها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة ٣٥] ما نصه:
واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين،
стр. 564
وجعلهم وسيلة بين الله تعالى، وبين العباد، والقسم على الله بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا
ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: فلان أدع الله تعالى ليرزقنى كذا، ويزعمون ان ذلك من باب ابتغاء الوسيلة.
ويروون عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أعيتكم الأمور، فعليكم باهل القبور، أو فاستغيثوا بأهل القبور)) . وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن الاستغاثة بمخلوق، وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه، ولا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حياً، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه ﷺ قال لعمر ﵁ لما استأذنه في العمرة: ((لا تنسنا يا أخى من دعائك)) وأمره أيضاً أن يطلب من اويس القرني رحمه الله تعالى عليه ان يستغفر له. وأمر أمته ﷺ بطلب الوسيلة له، وبأن يصلوا عليه.
وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً، أو غائباً فلا يسترتب عالم أنه غير جائز، وانه من البدع التى لم يفعلها أحد من السلف.
نعم، السلام على أهل القبور مشروع، ومخاطبتهم جائزة، فقد صح أنه ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لا حقون، يرحم الله تعالى المستقدمين منكم، والمستأخرين، نسال الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا اجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)) .
ولم يرو عن أحد من الصحابة ﵁ وهم احرص الخلق
стр. 565
على كل خير - انه طلب من ميت شيئاً، بل قد صح عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول، إذا دخل الحجرة النبوية زائراً: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك.
ولا يطلب من سيد العالمين ﷺ ، أو من ضجيعيه المكرمين ﵁ شيئاً، وهم أكرم من ضمته البسيطة، وأرفع قدراً من سائر من احاطت به الفلاك المحيطة. نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة، والروضة المعظمة، أمر مشروع، فقد كانت الصحابة ﵁ تدعو الله هناك، مستقبلين القبلة، ولم يرد عنهم أستقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش.
واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، ففي مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل، بل يستدبر، ويستقبل القبلة وقال بعضهم: يستقبل وقت السلام، ويستقبل القبلة، ويستدبر وقت الدعاء، والصحيح المعول عليه: أنه يستقبل وقت السلام، وعند الدعاء يستقبل القبلة، ويجعل القبر عن اليمين أو اليسار.
فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة، وعلة الإيجاد على الحقيقة ﷺ ، فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته ﵊ ليزاد، أو يطلب من المزور بها ما ليس من وظيفة العباد.
واما القسم على الله تعالى باحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إنى أقسم عليك، أو أسألك إلا ما قضيت لى حاجتى - فعن العز بن عبد السلام جواز ذلك في النبي ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز
стр. 566
أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء، والملائكة، والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته.
وقد نقل ذلك عنه المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير. ودليله في ذلك ما رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف ﵁: أن ردلاً ضرير البصر اتى النبي ﷺ فقال: أدع الله تعالى ان يعافيني.
فقال: ((إن شئت دعوت وغن شئت صبرت فهو خير لك)) قال: فأدعه. فامر ﵊ أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم أنى أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة، يا رسول الله، إنى توجهت بك إلى ربي في حاجتى لتقضى لى، اللهم فشفعه في. ونقل عن أحمد مثل ذلك.
ومن الناس من منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقاً، وهو الذى يرشح به كلام التقى ابن تيميه، ونقله عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام.
وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاد، أى بدعاء، أو شفاعة نبيك ﷺ ، ففيه جعل الدعاء وسيلة، وهو جائز بل مندوب.
والدليل على هذا التقدير قوله في أخر الحديث: ((اللهم فشفعه في)) بل في أوله أيضاً ما يدل على ذلك. وقد شفع السبكى كما هو عادته على التقى فقال: ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي ﷺ إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيميه فأنكر ذلك، وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم، وصار بين الأنام مثل. أنتهى.
стр. 567
وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن اهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة ليس فيها التوسل بالذات المكرمة ﷺ . ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤول بتقدير مضاف كما سمعت أو نحو ذلك، كما ستسمع إن شاء الله تعالى، ومن ادعى النص فعليه البيان.
وما رواه أبو داود في سننه وغيره من ان رجلا قال لرسول الله ﷺ : إنا نستشفع بك إلى الله تعالى، ونستشفع بالله تعالى عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى رؤى ذلك في وجوه أصحابه، فقال ﷺ : ((ويحك! أتدرى ما الله تعالى؟ إن الله تعالى لا يشفع به على أحد من خلقه، شأن الله تعالى أعظم من ذلك)) لا يصلح دليلاً على ما نحن فيه، حيث أنكر عليه قوله: ((نستشفع بك على الله)) لأن معنى الاستشفاع به ﷺ طلب الدعاء منه، وليس معناه الإقسام به على الله تعالى.
ولو كان الإقسام معنى للاستشفاع فلم أنكر النبي ﷺ مضمون الجملة الثانية دون الأولى؟ وعلى هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله دليلاً لمن أدعى جواز الإقسام بذاته ﷺ حياً وميتاً.
وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقاً، قياساً عليه، ﵊ بجامع الكرامة، وإن تفاوتت قوة وضعفاً. وذلك لأن ما في الخبر الثاني أستشفاع لا إقسام، وما في الخبر الول ليس نصاً في محل النزاع. وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام بالجي والتوسل به، وتساوى حالتى حياته ووفاته ﷺ في هذا الشأن يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه.
стр. 568
ففي صحيح البخارى عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا اقحطوا استسقى بالعباس ﵁، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك ﷺ فتسقيا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، فيسقون. فإنه لو كان التوسل به علينا الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار جائزاً لما دعوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك نبينا فاسقنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس، إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون ادنى مساغ لذلك.
فعدلهم هذا مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، ,بحقوق الله تعالى ورسوله ﵊، وما يشرع من الدعاء، وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق - دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره، وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه ﷺ مع التفاوت في الكرامة، الذى لا ينكره إلا منافق مما لا يكاد يسلم.
على أنك قد علمت إن الإقسام به ﷺ على ربه عز شانه حياً وميتاً مما لم يقم النص عليه. لا يقال إن في خبر البخارى دلالة على صحة الإقسام به ﵊ حياً، وكذا بغيره كذلك.
أما الأول فلقول عمر ﵁: كنا نتوسل بنبيك ﷺ . وأما الثاني فلقوله: إنا نتوسل بعم نبيك - لما قيل: إن هذا التوسل ليس من باب الإقسام، بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاؤه وشفاعته.
ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمنون لدعائه حتى سقوا. وقد
стр. 569
ذكر التقي: ان لفظ التوسل بالشخص والتوجه إليه وبه، فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح. فمعناه في لغة الصحابة ﵁: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته وذلك مما لا محذور فيه.
واما في لغة كثير من الناس فمعناه: أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه، وهذا هو محل النزاع، وقد علمت الكلام فيه. وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل: اللهم أسألك بجاه فلان، فإنه لم يرد عن احد من السلف أنه دعا كذلك. وقال: إنما يقسم به تعالى وباسمائه وصفاته، فيقال: ((أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا ألله المنان، بديع السماوات والارض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك. ... ... ..)) الحديث. ونحو ذلك من الأدعية المأثورة.
وما يذكره به بعض العامة من قوله ﷺ : ((إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألوا الله تعالى فإن جاهي عند الله عظيم)) لم يروه أحد من أهل العلم، وهو شئ في كتب الحديث. وما رواه القشيرى عن معروف الكرخي قدس سره أنه قال لتلامذته: إن كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاقسموا عليه بي، فإني الواسطة بينكم وبينه ﷻ الآن. لا يوجد له سند يعول عليه عند المحدثين. واما مارواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدرى عن النبي ﷺ في دعاء الخارج إلى الصلاة: ((اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعه، ولكن خرجت إتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، ان تنقذني من النار، وان تدخلني الجنة)) ففي سنده العوفي
стр. 570
وفيه ضعف. وعلى تقدير ان يكون من كلام النبي ﷺ يقال فيه: إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم، وحق الماشين في طاعته أن يثبتهم، والحق بمعنى الوعد الثابت المتحقق الوقوع، فضلا لا وجوباً، كما في قوله تعالى: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ .
وفي الصحيح من حديث معاذ ((حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم)) .
فالسؤال حينئذ بالإثابة والإجابة، وهما من صفات الله تعالى الفعلية، والسؤال بها مما لا نزاع فيه، فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في قوله ﷺ : ((اعوذ برضاك من، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك)) ، فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثباته وإجابته، وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله بأعمالهم، على ان التوسل بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود. ولا شك ان الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولا كذلك ذوات الأشخاص أنفسها.
والناس قد افرطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى، فأقسموا عليه عز شانه بمن ليس في العير ولا في النفير، وليس عنده من الجاه قدر قطمير.
واعظم من ذلك أنهم يطلبون من اصحاب القبور نحو شفاء المريض، وإغناء الفقير، ورد الضالة، وتيسير كل عسير. وتوحي إليهم شياطينهم خبر: إذا أعيتكم الأمور. إلخ. وهو حديث مفترى على رسول الله ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، بم يروه أحد من العلماء، ولا يوجد في شئ من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبي ﷺ : عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن على ذلك، فكيف يتصور منه ﵊ الأمر بالاستغاثة، والطلب من اصحابها! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وعن أبي يزيد البسطامي قدس سره، أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق،
стр. 571
كاستغاثة المسجون بالمسجون. ومن كلام السجاد ﵁: أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رايه، وضلة في عقله. ومن دعاء موسى ﵇: ((وبك المستغاث)) وقال ﷺ لابن عباس ﵁: ((إذا أستعنت فاستعن بالله ... )) الخبر. وقال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ . وبعد هذا كله، أن لا أرى باساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي ﷺ عند الله حياً وميتاً.
ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته. فيكون معنى قول القائل: إلهى أتوسل بجاه نبيك ﷺ ، أن تقضى لى حاجتى - إلهى أجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتى. ولا فرق بين هذا وقولك: إلهى أتوسل برحمتك أن تفعل كذا، إذ معناه أيضاً إلهى اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا.
بل لا أرى باساً أيضاً بالإقسام على الله بجاهه ﷺ بهذه المعنى. والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه، ولا يجرى ذلك في التوسل، والإقسام بالذات البحت. نعم، لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن احد من الصحابة ﵁، ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يتعلق به في اذهان الناس إذ ذاك، وهم قريبو عهد التوسل بالأصنام - شئ ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين.
وقد ترك لرسول الله ﷺ هدم الكعبة وتاسيسها على قواعد إبراهيم، لكون القوم حديثى عهد بكفر، كما ثبت ذلك في الصحيح. وهذا الذى ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس، والفرار من دعوى تضليلهم، كما يزعمه البعض في التوسل بجاه عريض الجاه ﷺ ، لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من أستعمال الأدعية المأثورة
стр. 572
التى جاء بها الكتاب ومدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في ان ما علمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، ودرج عليه الصحابة الكرام ﵁، وتلقاه من بعدهم بالقبول - أفضل واجمع وانفع واسلم * فقد قيل ما قيل إن حقاً وإن كذباً *.
بقى ههنا امران: الأول - أن التوسل بجاه غير النبي ﷺ لا بأس به ايضاً، وإن كان المتوسل بجاهه ممن علم أن له جاهاً عند الله تعالى، كالمقطوع بصلاحه، وولا يته.
واما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه، لما فيه من الحكم الضمنى على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه - عز شانه - وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى.
الثاني - ان الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدى فلان أغثني، وذلك ليس من التوسل المباح في شئ.
واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وألا يحوم حول حماه، وقد عدة أناس من العلماء شركاء، وإن لا يكنه فهو قريب منه. ولا أرى احداً ممن يقول بذلك إلا وهو يعتقد أن الحي الغائب، أو الميت المغيب يعلم الغيب، أو يسمع النداء، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير ودفع الذى، وإلا لما دعاه، ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوى الغني، الفعال لما يريد.
ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من انه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذى المؤمنين، فقال الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فجاءوا إليه فقال: ((إنه لا يستغاث بي، إنه يستغاث بالله تعالى)) ،
стр. 573
لم يشك في ان الاستغاثة باصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه، وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقى ألهاه عذابه، وحبسه في النيران عن إجابة مناديه، والاصاخة إلى أهل ناديه - امر يجب اجتنابه ولا يليق بارباب العقول ارتكابه.
ولا يغرنك ان المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته، وتنجح طلبته - فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه .
وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذى استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به هيهات! هيهات! إنما هو شيطان اضله واغواه، وزين له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام، ليضل عبدتها الطغام.
وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له. ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور، وإن كانا ممكنين، لكن لا في مثل هذه الصورة، وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسال الله تعالى باسمائه ان يعصمنا من ذلك، نتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم حسن المسالك. انتهى.
وهو توسط عند ذوى العقول مقبول، موافق للمنقول والمعقول، ولا اظنك تجده في كتاب فهو اللباب لذوى الألباب.
وقال الوالد عليه الرحمة ايضاً في باب الإشارة من تفسيره ما نصه: قال تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ترف في وجوه الذين كفروا المنكر ... .﴾ الآية [الحج ٧١]- فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الايات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والمبسور، وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا غليه راجعون.
وفي قوله تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ... ... ..﴾
стр. 574
الأية [الحج ٧٣]- إشارة إلى ذم الغالين في اولياء الله تعالى، حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور. والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما تنذر لله ، وتجعل ثوابه للولى.
ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام، القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا بأس بها ولو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم، أو رد غائبهم، أو نحو ذلك.
والظاهر من حالهم الطلب ويرشدك إلى ذلك أنه لو قيل: آنذروا لله تعالى، واجعلوا ثوابه لوالديكم، فإنهم أحود من اولئك الأولياء لم يفعلوا.
[الاستغاثة بالمشايخ والموتى]
وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: ﴿دعوا الله مخلصين له الدين ... ..﴾ الاية - ما بعضه: فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك، وانت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر، ودعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادى أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث باحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة! ولا ترى فيهم أحداً يحص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال، أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الاهوال، فبالله تعالى عليك، قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلاً! وأى الداعيين أقوم قيلاً!؟ وإلى الله سبحانه المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وغرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهى عن المنكر صنوف الحتوف. أنتهى.
стр. 575
ومما يفتى به في هذا المقام ما انشد نيه لنفسه مفتى مصرنا مدينة السلام، وهو قوله [بسيط] .
لا تدع في حاجة بازاً، ولا اسداً الله ربك لا تشرك به احداً
وهو كلام يرشح منه التوحيد، ويكفى من القلادة ما أحاط بالجيد.
تنبيه
[إسراف بغيض]
قد علمت الخلاف بين العلماء في جواز التوسل بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجاه بعض الأئمة من الصالحين، وأحطت خبراً بالأحوط في ذلك وبقى قول لبعض معاصرينا ممن يدعى العلم، المعروف بالملا داود ابن سليمان بن جرجيس العاني، وهو من الغرابة بمكان، بكاد ان يفتخر به من ذوا ت الربع كل حيوان. فقد الف رسالة مشوبة بالهذيان، والآراء المضحكة للصبيان، وساق فيها ادلة على التوسل بسائر الحيوانات، وإثبات الجاه لكثير من الجمادات، فمنها قوله: وأعظم من ذلك وأوضح دلالة ما ذكره الفقهاء في باب الاستسقاء من إخراج البهائم والحيوانات في الاستسقاء للتوسل بها إلى الله تعالى، ومنها قوله: لا يخفى عليك مما قدمنا أن التوسل بالجمادات والحيوانات قد وقع في الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة عن الصحابة، والتابعين، والسلف الصالحين مما يضيق عنه نطاق الحصر. انتهى بلفظه وحروفه.
فانظر بعين التدبر والانصاف، إلى هذا التجرى على الشريعة والخبط وسوء الفهم والاعتساف. والعبد الحقير من فضله سبحانه، وان كنت قد رددته في كتاب مخصوص، وبينت في شقائقي أن يتوسل به ليس له دعوة وجاه منصوص. فقد لزم هنا أيضاً تنبيه أهل الإيمان على هذه القرمطة
стр. 576
والهذبان، لا سيما وقد نشر أمثاله في كتابه الذي سماه ((بصلح الاخوان)) لئلا يغتر به الغافل، فتروج عليه زخارف ما أودعه من الباطل، فتيقظ ولا تغفل، وهو سبحانه ولي التوفيق.
[هل يشد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ -]
(وقوله وإن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه)
أقول هذا أيضاً تشنيع يحتاج إلى تفصيل وسيع؛ فإن الشيخ ابن تيمية وغير واحد من العلماء ذهبوا إلى أن شد الرحل إلى المسجد النبوي مشروع مسنون، فإذا وصل قاصد المسجد صلى فيه، ثم توجه إلى القبر الشريف، وزار الزيارة المسنونة؛ مستدلين بحديث: ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاث)) كما سيأتي.
وذهب كثير من العلماء إلى جواز شد الرحال لقصد الزيارة، مستدلين ببعض الآثار. ولنذكر من كلام الطائفتين شيئاً لتتضح أدلتهما لذوي الأبصار فنقول:
قال الإمام النووي في شرح الصحيح في الكلام على قوله ﷺ : ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)) مانصه: واختلف العلماء في شد الرحال، وإعمال المطى إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك. فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا ك هو حرام. وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره.
والصحيح عند اصحابنا - وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون - أنه لا يحرم ولايكره. قالوا: والمراد الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال الخفاجي في شرح الشفا: واختلف في هذا الهي، هل هو على
стр. 577
ظاهرة التحريم كما ذهب إليه بعضهم؟ والصحيح أنه مؤؤل؛ أي لا تشدوا الرحال لنذر العبادة إلا لها، ولذا قالوا: لو نذر الصلاة في غيرها لم يلزمه شيء. فلا يكره شد الرحال لبعض الأماكن للتبرك بها، أو لزيارة من فيها من الصالحين أو لطلب العلم. اهـ.
وقال العلامة ابن القيم تلميذ الشيخ في عقيدته النونية ما بعضه: [كامل] :
والله لو يرضى الرسول سجودنا ... كنا نخر له على الأذقان
والله ما يرضيه منا غير تجـ ... ـريد بتوحيد بلا طغيان
ولقد نهى ذا الخلق عن اطرائه ... فعل النصارى عابدى الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره ... عيداً حذار الشرك بالديان
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثناً من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة جدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا ... باللعن يصرخ فيهم باذان
وعنى الألى جعلوا القبور مساجدا ... وهم اليهود وعابدو الأوثان
والله لولا ذاك لزرت قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمـ ... ـتنع السجود له على الأذقان
قصدوا موافقة الرسول وقصد الـ ... ـتجريد للتوحيد للرحمن
يافرقة جهلت نصوص نبيهم ... ومراده وحقيقة الإيمان
فسطوا علو أتباعه وجنوده ... بالبقى والعدوان والبهتان
لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا ... فمصابكم ما فيه من حيران
قلنا الذي قال الأئمة قبلنا ... وبه النصوص أتت على التبيان
والقصد حج البيت وهو فريضة الـ ... ـرحمن واجبة إلى الأعيان
стр. 578
ورحالنا شدت إليه من بقا ... ع الأرض قا صيها كذاك الدابي
من لم يزر بيت الإله فماله ... من حجة سهم ولا سهمان
وكذا تشد رحالنا للمسجد الـ ... ـنبوي خير مساجد البلدان
من بعد مكة قبل أو هذا على ... الإطلاق فيه الخلف منذ زمان
وتراه عند النذر فرضا لكن الـ ... ـنعمان يأبى ذا وللنعمان
أصل هو النافي الوجوب فإنه ... ما جنسه فرضا على إنسان
ولنا براهين تدل بأنه ... بالنذر مفترض على الإنسان
أمر الرسول لكل ناذر طاعة ... بوفائه بالنذر والإحسان
وصلاتنا فيه بألف في سوا ... هـ ما خلا ذا الحجر والأركان
وكذا صلاة قي قبا فكعمرة ... في أجرها والفضل للمنان
فإذا أتينا المسجد النبوي ... صلينا التحية أولا ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها ... وحضور قلب فعل ذى الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد الـ ... ـقبر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والإعلان
فكأنه في القبر حى ناطق ... فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجرت تلك العيون بمائها ... ولطالما غاصت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذى إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفاً بالقبر أسـ ... ـبوعاً كأن القبر بيت ثاني
ثم انثنى بدعائه متوجها ... لله نحو البيت ذى الأركان
هذا زيارة من غدا متمسكاً ... بشريعة الإسلام والعدناني
من أفضل الأعمال هاتيك الزيا ... رة وهي يوم الحشر في الميزان
стр. 579
لا تلبسوا الحق الذي جاءت به ... سنن الرسول بإعظم البطلان
هذى زيارتنا ولم ننكر سوى الـ ... ـبدع المضلة يا أولى العدوان
وحديث شد الرحال نص ثابت ... يجب المصير إليه بالبرهان
ونقل المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير عن الإمام مالك، أنه منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر المكرم، ونصه: ((من زار قبرى وجبت له شفاعتى)) أى من زارنى في قبرى، فقصد نفسها ليس بقربة، وكذا ذكره السبكى في الشفاء. وحمل عليه ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر المكرم من غير إرادته إتيان المسجد للصلاة فيه. أهـ.
وفي بعض رواته مقال. فليراجعه من أراد الجدال.
وقال الشيخ الأجل أحمد ولى الله الدهلوى في التفهيمات: وقد ذكر عنه - أى عن شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ أنه منع السفر لزيارة النبي ﷺ ، ولا يروى كلامه ذلك بنقل صريح صحيح.
فإنه لم يمنع الزيارة مطلقاً، بل منع السفر للزيارة بحديث ((لا تشد الرحال)) وبحديث ((لا تتخذوا مسجدى عيداً)) فإذا كان لقوله مساغ اجتهادى لا ينبغي أن يشدد عليه ذلك التشديد. أهـ.
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى بن قدامه المقدسى الحنبلى المتقدم ذكره في كتابه المطنب المسمى (بالصارم المنكى في الرد على ابن السبكي) ما نصه:
أما بعد: فإنى وقفت على الكتاب الذى ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقى الدين أبي العباس أحمد بن تيميه في مسألة ((شد الرحال)) و ((إعمال المطى إلى القبور)) وذكر أنه قد سماه ((سن الغارة على من أنكر الزيارة)) ثم زعم أنه اختار أن يسميه ((شفاء السقام في زيارة خير الأنام))
стр. 580
فوجدته كتاباً مشتملاً على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة، والآثار المقبولة، أو تحريفها من مواضعها، وصرفها عن ظواهرها، بالتأويلات المستنكرة المردودة. ورأيت مؤلف هذا الكتاب رجلاً ممارياً معجباً برأيه متبعاً لهواه، ذاهباً في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة سائراً في أشياء مما يعتقده إلى الشبه المخيلة، والحجج الداحضة، وربما خرج عن الإجماع في مواضع لم يسبق إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها.
وهي في الجملة لون عجيب، وبناء غريب، تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين، فيكون مخطئاً في ذلك الاجتهاد. ومرة يزعم فيما يقويه ويدعيه أنه من جملة المقلدين، فيكون من قلده مخطئاً في ذلك الاعتقاد. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا، ويرزقنا الهداية والسداد. هذا، مع أنه إن ذكر حديثاً مرفوعاً، أو أثراً موقوفاً، وهو غير ثابت، قبله إذا كان موافقاً لهواه.
وإن نقل عن بعض الأئمة الأعلام كمالك أو غيره ما يوافق رأيه قبله، وإن كان مطعوناً فيه غير صحيح عنه.
وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم ينقله وإن كان صحيحاً ثابتاً عنه.
وإن حكى شيئاً مما يتعلق بالكلام على الحديث، وأحوال الرواه عن أحمد من ائمة الجرح والتعديل كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازى وأبي حاتم بن البستى، وأبي جعفر العقبي، وأبي أحمد عدى، وأبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبي بكر البيهقى، وغيرهم من الحفاظ. وكان مخالفاً لما ذهب إليه، لم يقبل قوله، ورده عليه وناقشه
стр. 581
فيه - وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول، ووافقه غيره من الأئمة عليه.
وإن كان موافقاً لما صار إليه تلقاه بالقبول، وأحتج به واعتمد عليه.
وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك القول، ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه.
وهذا هو عين الجور والظلم، وعدم القيام بالقسط، نسأل الله تعالى التوفيق، ونعوذ به من الخذلان واتباع الهوى. وهذا، مع أنه حمله إعجابه برأيه، وغلبه اتباع هواه على ان نسب سوء الفهم والغلط في النقل إلى جماعة من العلماء الأعلام، المعتمد عليهم في حكاية مذاهب الفقهاء واختلافهم، وتحقيق معرفة الأحكام، حتى زعم أن ما نقله الشيخ أبو زكريا النووى في شرح مسلم عن الشيخ أبي محمد الجويني من النهي عن شد الرحال، وإعمال المطى إلى غير المساجد الثلاثة كالذاهب إلى قبور الأنبياء والصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، هو مما غلط فيه أبو محمد، او أن ذلك مما وقع منه على سبيل السهو والغفلة.
قال: ولو قاله هو - يعنى الشيخ أبا محمد - أو غيره أو ممن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه، وإنه لم يفهم مقصود الحديث، فأنظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأى الفاسد، وأجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ انثلام من الافتراء العظيم والإفك المبين، والكذب الصراح وهو مما نقله عنه من انه جعل زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء ﵈ معصية بالإجماع مقطوعاً بها.
هكذا ذكر هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال: هذا القول الذى لا يشك عاقل من أصحابه، وعن أصحابه أنه كذب مفترى لم يقله قط، ولا يوجد في شئ من كتبه، ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها
стр. 582
ومناسكه وفتاويه، وأقواله وأفعاله تشهد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بان هذا مفتعل مختلق على الشيخ. وأنه لم يقلد قط. وقد قال الله تعالى ﴿يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات ٦] ، وهذا المعترض يعلم أن ما نقله عن القاضي المشهور بما لا أحب حكايته عنه في هذا المقام عن شيخ الإسلام من هذا الكلام - كذب مفترى، لا يرتاب في ذلك، ولكنه يداهن، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه.
ولقد أخبرني الثقة أنه ألف هذا الكتاب لما كان بمصر أن يلى لقضاء بالشام بمدة كثيرة ليتقرب به إلى القاضى الذى حكى عنه هذا الكتاب، ويخطى لديه، فخاب أمله، ولم ينفق ما عنده، وقد كان هذا القاضى الذى جمع المعترض كتابه هذا لأجله من أعداء الشيخ المشهورين، وقد زعم هذا المعترض أيضاً مع هذا الأمر الفظيع الذى أرتكبه من التكذيب بالصدق والتصديق بالكذب أن الفتاوى المشهورة التى أجاب بها علماء أهل بغداد موافقة الشيخ مختلفة موضوعة، وضعها بعض الشياطين.
هكذا زعم، مع علم العام والخاص بأن هذه الفتاوى مما شاع خبرها وذاع اشتهر أمرها وانتشر، وهي صحيحة ثابتة متواترة عمن أفتى بها من العلماء.
وقد رأيت أنا وغيرى خطوطهم بها - إلى أن قال:
وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شئ من كتبه، ولم ينه عنها ولك يكرهها، بل استحبها وحض عليها، ومصنفاته ومناسكه طافحة بذكر استجباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور. قال رحمه الله تعالى في بعض مناسكه:
стр. 583
[باب زيارة قبر النبي ﷺ -]
إذا أشرف على مدينة النبي ﷺ قبل الحج أو بعده فليقل ما تقدم، فإذا دخل استجب له أن يغتسل - نص عليه الإمام أحمد - فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى. وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم أغفر لى دنبي، وأفتح لي ابواب رحمتك. ثم يأتى الروضة بين القبر والمنبر فيستقبل جدار القبر ولا يمسه، ولا يقبله، ويجعل القنديل الذى في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائماً وجاه النبي ﷺ ، ويقف متباعداً كما يقف لو ظهر في في حياته بخشوع، وسكون، منكس الرأس غاض الطرف، مستحضراً جلالة موقفه.
ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك با نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين. أشهد أن لا إله إلا الله، ,أشهد أنك رسول الله، واشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت الأمة، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته.
اللهم أته الوسيلة والفضيلة، وأبعثه مقاماً محموداً الذى وعدته، يغبطه الأولون والآخرون، اللهم ﷺ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى ىل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم أحشرنا في زمرته وتوفنا على سنته، واوردنا حوضه، وأسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً.
ثم يأتى أبا بكر وعمر ﵁ فيقول: السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي
стр. 584
رسول الله ﷺ وضجيعيه، ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاكما الله تعالى عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيراً، سلام الله عليكما بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
قال: ويزور أهل البقيع، وقبور الشهداء إن أمكن. هكذا كلام الشيخ بحروفه، وكذلك سائر كتبه، وذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور، ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع، ولا ذكر في ذلك خلافاً إلا نقلاً عن غريبا ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين.
وإنما تكلم في مسألة ((شد الرحال وإعمال المطي)) إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين:
أحدهما - القول بإباحة ذلك مما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.
والثاني - أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن انس: ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافة، وإليه ذهب جماعة من اصحاب الشافعي وأحمد.
هكذا ذكر الشيخ الخلاف في ((شد الرحال وإعمال المطى إلى القبور)) ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطى. والسفر إلى زيارة القبور مسألة، وزيارتها من غير سفر مسالة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة، وجعلها مسألة واحدة، وحكم عليهما بحكم واحد، وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما، وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق.
وأحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال بالحديث المشهور المتفق على صحته من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدرى ((لا تشدوا الرحال إلا لإلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)) هذا هو
стр. 585
الذى نقله الشيخ رحمه الله تعالى - حكى الخلاف في مسالة بين العلماء، وأحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته، فأى عتب عليه في ذلك! ولكن نعوذ بالله تعالى من الحسد والبغي واتباع الهوى، والله سبحانه المسئول أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من العمل الصالح، والقول الجميل، فإنه يقول الحق وهو يهدى السبيل. أنتهى.
[فتوى لابن تيمية في زيارة قبره ﷺ -]
وقال الشيخ ابن تيميه في فتاواه ما نصه: مسألة في رجل نوى زيارة قبر نبي من الأنبياء ﵈ مثل نبينا ﷺ وغيره - فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة، وهل عي زيارة شرعية أم لا؟ وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: ((من حج فلم يزرنى فقد جفاني، ومن زارنى بعد مماتى فكأنما زرانى في حياتى)) وقد روى عنه أنه قال: ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا)) .
الجواب - الحمد لله رب العالمين. أما من سافر بمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له القصر؟ على قولين:
أحدهما قول متقدمى العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، كأبي عبد الله بن بطة، وأبي الوفا ابن عقيل، وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين: انه لا يجوز القصر في مثل هذا، لأنه سفر منهى عنه. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى: إن السفر المنهى عنه في الشريعة لا يقصر فيه.
والقول الثاني - أنه يقصر، وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء، كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن
стр. 586
أبن عبدوس الحراني، وأبي محمد بن قدامه المقدسى، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله ﷺ : ((زوروا القبور)) وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ ، كقوله: ((من زارنى بعد مماتى فقد زارنى في حياتى)) رواه الدارقطنى وابن ماجه. وأما ما يذكره بعض الناس في قوله: ((من حج فلم يزرني فقد جفاني)) فهذا لم يروه أحد من العلماء.
وهو مثل قوله: ((من زارنى ضمنت له على الله الجنة)) فإن هذا أيضاً باطل باتفاق العلماء، لم يروه أحد، ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطنى.
وقد احتج أبو محمد المقدسى على جواز السفر لزيارة القبور بأن النبي ﷺ كان يزور مسجد قباء، وأجاب عن حديث ((لا تشدوا الرحال)) بان ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: ((لا تشدوا الرحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا)) وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر الرجل أن يصلى في مسجد أو مشهد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة.
ولو نذر أن يأتى المسجد الحرام لحج أو عمره، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء ... ، ولو نذر أن ياتى مسجد النبي ﷺ ، أو المسجد القصى لصلاة أو أعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد، فإنهم يوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ... )) الحديث، رواه البخارى.
стр. 587
وأما السفر إلى بقعة يغر المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء، لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان بالمدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الصحيح: ((من تطهر في بيته ثم اتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة)) . وقالوا: ولأن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله ﷺ ، ولا استحبها أحد من ائمة المسلمين.
فمن أعتقد ذلك عبادة وفعلها، فهذا مخالف للسنة وإجماع الأمة.
وبهذا يظهر حجة ابي محمد، فإن زيارة النبي ﷺ لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر. وقوله: إن قوله: ((لا تشد الرحال)) محمول على نفى الاستحباب - يجاب عنه من وجهين:
أحدهما - أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح - ولا قربة وطاعة.
ومن يعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربه وطاعة فقد خالف الإجماع.
وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا ذلك. وأما إذا قدر أن شد الرحل إليها لغرض مباح، فهذا جائز من هذا الباب.
الوجه الثاني - أن النفي يقتضى النهي، والنهي يقتضى التحريم، وما ذكره من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، ولم يحتج أحد من الأئمة منها بشئ، بل مالك إمام اهل المدينة النبوية، الذى هو أعلم الناس بحك
стр. 588
م هذه المسالة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ ولو كان هذا اللفظ مشروعاً أو مأثوراً عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة. والإمام أحمد ﵁ أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك إلا حديث ابي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من رجل يسلم على إلا رد الله تعالى علي روحي حتى أرد ﵇) . وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم أنصرف.
وفي سنن ابي داود عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تتخذوا قبرى عيداً وصلوا على أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)) . وفي سنن سعيد بن منصور عن عبد الله بن حسين بن على بن ابي طالب رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي ﷺ ويدعو عنده، فقال: يا هذا، إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تتخذوا قبرى عيداً، صلوا على اينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك، لا يدخل أحد عنده لا لصلاة هناك ولا لمسح بالقبر، ولا لدعاء، بل هذا إنما يفعلونه في المسجد.
وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلين القبلة، ولم يستقبلوا القبر.
قال أكثر الأئمة: يستقبل القبر عند السلام خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة أن يستقبل القبر عند الدعاء.
стр. 589
واتفق الأئمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي ﷺ ، ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من اصول الشرك بالله سبحانه أتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً﴾ قالوا: هؤلاء كانوا قوماص صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صور على صورهم تماثيل، ثم طل عليهم المد فعبدوها
وقد ذكر ذكر هذا المعنى البخارى في صحيحه عن ابن عباس، وذكره محمد ابن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف. وأول من وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد أهل البدع الرافضة، ونحوهم الذين يعطلون المساجد، ويعظمون المشاهد، يدعون بيوت الله سبحانه التى امر أن يذكر فيها اسمه ويعبد فيها وحده لا شريك له، ويعظمون المشاهد التىت يشرك فيها، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطاناً. فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد لا المشاهد، كما قال الله تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط واقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف ٢٩] وغير ذلك من الآيات. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال ايضاص في موضع آخر منها ما نصه: وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد، واحتجوا بأن النبي ﷺ كان ياتى قباء كل سبت راكباً وماشياً، أخرجاه في الصحيحين. ولا حجة لهم فيه، لأن قباء ليس مشهداً بل مسجداً، وهي منهى عن السفر إليها باتفاق الأئمة. لأن ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلي قباء من دويرة أهله لم يجز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوى ثم ذهب منه إلى قباء. فهذا مستحب كزيارة أهل البقيع وشهداء أحد. أنتهى.
стр. 590
تتمه
إذا علمت ذلك فأعلم أن من أدلة المجوزين لشد الرحل إلى الزيارة ما ذكره التقى السبكي في كتابه (شقاء السقام) وقوله ﵊: ((من زار قبرى وجبت له شفاعتى)) رواه الدارقطنى. وفي رواية ((حلت له شفاعتى)) وقوله ﵇ ((من جاءنى زائراً لا يعلمه حاجة إلا زيارتى كان حقاً علي أكون له شفيعاً يوم القيامة)) رواه الطبراني. وقوله ﷺ : ((من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدى كتب له حجتان مبرورتان)) رواه ابن عباس.
وقوله ﷺ : ((من حج وزار قبرى بعد وفاتي فكأنما زارنى في حياتى)) رواه الدارقطني. وقوله ﷺ : ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)) رواه ابن عمر. وأطنب السبكي في الأدلة. والمانعون كالحافظ ابن قدامه في (الصارم المنكي) أولوا وضغفوا ما هنالك وإن أردت التفصيل فارجع إليه، وإن أحببت زيادة الاطلاع فعليك بشروح الشفاء للقاضي عياض، فتنزه منها بأصفى حياض، وأضفى رياض.
ونهاية الكلام في هذا المقام: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذى شفع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام، وكثرت الأدلة من الجانبين، والردود من الطرفين. وأما محض الزيارة فلم يقل بحرمتها، بل ذهب إلى سنيتها كما تقدم، فلا تغفل عن التفرقة بين ذا وذاك، والله سبحانه يتولى هداى وهداك.
[حكم زيارة القبور بلا شد الرحال]
وأما زيارة القبور بلا شد رحال فقد أختلف فيها أيضاً (قال) الوالد عليه الرحمة في آخر تصنيفاته ما نصه: اعلم أولا أن زيارة القبور وإن لم تكن
стр. 591
بشد رحل لها مختلف فيها. قال ابن بطال في شرح البخارى، وقد نقله عنه الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى الحنبلى المقدسى في كتابه (الصارم المبكي) - كره قوم زيارة القبور، لأنه روى عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها، كحديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أن رسول الله ﷺ قال: ((من زار القبور فليس منا)) . وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي أنه قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر أبنتي.
وروى عبد الرزاق عن الثورى عن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون زيارة القبور. وكثيراً ما يقول إبراهيم: كانوا يفعلون كذا، كانوا يكرهون كذا، والظاهر أنه يريد بهم شيوخه، ومن حمل عنه العلم من اصحاب على كرم الله تعالى وجهه، وابن مسعود ﵁ وغيرهما. وعن ابن سيرين مثله.
[السنن والبدع في زيارة القبور]
وهذا قول ساقط، فإن أحاديث النهي منسوخة، فقد صح أنه ﵊ قال:
((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها، فإنها تذكركم الآخرة)) . وثبت في الصحيح أنه ﷺ زار قبور شهداء أحد، وأنه ﵊ كان يعلم أصحابه إذا رأوا القبور أن يقولوا:
((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله تعالى المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)) ولعل النهي إنما كان اولاً، لما أن الزيارة كانت تفضى إلى أمور محظورة، وكان لجل النياحة عندها. وقيل لأنهم كانوا يتفاخرون بها، كما يشير إليه قوله
стр. 592
تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ على بعض التفاسير.
نعم، أختلف القائلون بالنسخ، فقالت طائفة منهم: إنما نسخت الحرمة بالإباحة، فزيارة القبور عندهم مباحة لا مستحبة، وحكى هذا عن الإمام مالك والإمام أحمد. ووجه ذلك أن صيغة ((أفعل)) بعد الحظر إنما تفيد الإباحة، كما في قوله ﵊: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فأنتبذوا ولا تشربوا مسكراً)) وقد سئل الإمام مالك عن زيارة القبور فقال: كان نهى عنهما ﵊ ثم اذن فيها. فلو فعل ذلك إنسان ولم يفعل الآخر لم ار بذلك بأساً، وليس من عمل الناس وفي رواية أخرى عنه أنه كان يضعف زيارتها. والذى عليه الأكثرون: أ، زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء الموتى مع السلام عليهم. وقد جاء الأمر بزيارتها غير رديف للنهي، ففي حديث ((زوروا القبور فإنها تذكر الأخرة)) .
وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه (آداب زيارة القبور) : ورد الأمر بزيارة القبور من حديث على كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس، وبريدة، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي هريرة ﵁. ومقتضى التعليل في الآمر: أنه لا باس بزيارة قبور الكفار، لكن لا يجوز أمراً محرماً من شرك أو كذب، أو قول هجر، أو ندب أو نياحة، وكانت هي السبب فيه فهي حرام. وحكى المقدسى الحنبلى الإجماع على ذلك. وزيارة كثير من الناس، بل أكثرهم اليوم لقبور الصالحين من هذا القبيل. والآمر ظاهر لمن كان منصفاً ذا دين، فلا حاجة إلى التطويل وإذا لم يتضمن ذلك، بل كانت لمجرد إظهار الحزن على الميت لقرابته، أو صداقته فهي مباحة، كما يباح البكاء
стр. 593
على الميت بلا ندب، ولا نياحة. وإذا كانت للدعاء لصاحب القبر، وإيناسه بالسلام عليه فهي مستحبة، وهي من جنس الصلاة على الجنائز. وقد صح أنه ﵊ زار أهل البقيع مراراً، وزار شهداء أحد. وكان ﵊ يعلم اصحابه ما يقولون عند الزيارة - وقد مر ذلك آنفاً.
ويعلم من ذلك أن الغرض من الزيارة المشروعة نفع الميت لا الانتفاع به من نحو فيض أو غيره كما يزعمه كثير من الناس. فقد قالوا من تمام الزيارة لقبور الصالحين أن يعلق الزائر همته وروحه بالميت، لينعكس إليه ما يفاض على روحه من الأنوار التى لم تزل تفاض على روحه القدسية. فإنه بواسطة هذا التعليق والربط الروحان كمرآتين متقابلتين، ينعكس على إحداهما ما يشرق على الأخرى.
وهذا زعم باطل لم يثبت بكتاب أو سنة، ولا نعلم أن أحداً من سلف الأمة أدعاه، ومن أدعى فعليه البيان كائناً من كان. بل قال بعض الأجلة: إنه لا ينبغي أن يدعو لغير الميت عند القبر، ولا يتوسل بصاحب القبر وإن جل، فلم يكن الصحابة ﵁ يفعلون ذلك، وهم الذين ألزمهم الله تعالى كلمة التقوى، وكانوا احق بها وأهلها: [طويل]
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
أنتهى بحروفه.
ومن الغريب أنه عليه الرحمة لم يكتب بعد هذا شيئاً في هذا الكتاب، وطوى الكتاب، ووقف قلمه حتى عرجت بعد أيام قلائل روحه الشريفة إلى الملك التواب. هذا، وإذا عرفت ما نقلناه علمت أن ما يفعله كثير من الناس في زيارتهم وندائهم لأصحاب القبور، وبناء المشاهد بالذهب والفضة، وتعليق الستور، وتقبيلها أمر محظور.
стр. 594
فقد قال أيضاً في شرح عقيدة الإمام الطحاوى الحنفى في الكلام على التوحيد (١) ما نصه: وإن كثيراً من أهل النظر يزعمون دليل التمانع هو قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء ٢٢] لأعتقادهم أن توحيد الربوبية الذى قرروه هو توحيد الإلهية الذى بينه القرآن العظيم، ودعت إليه الرسل. وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذى دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر عنه سبحانه بقوله: ﴿ولئن سألتهم﴾ الآية. ولم يكونوا يعتقدون أن الأصنام أنها مشاركة له سبحانه في حلق العالم، لكنهم يعتقدون انها تماثيل قوم صالحين من الأنبياء وغيرهم، ويتخذونهم شفعاء. ويتوسلون بهم إلى الله تعالى.
وهذا كان اصل شرك العرب، فعن ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿وقالوا ولا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً﴾ [نوح ٢٣] . أنها أسماء قوم صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صورا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى العرب.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هياج الأسدى قال: قال لي على بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه: ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله ﷺ : أمرنى أن لا أدع قبراً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته.
стр. 595
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته ((لعن الله اليهود والنصارى، أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره ﷺ أن يتخذ مسجداً.
وفي الصحيحين: أنه ذكر في مرض موته ﵊ كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال: ((إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) .
وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال قبل ان يتوفى بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)) أهـ.
(قلت) وقد تعاظم الأمر في هذه الأزمان، وظهرت البدع في كل مكان، وبنيت القبب المذهبة على القبور، ونذرت لها النذور، وجعلت عليها التشابيك من العين، وسرجت عليها السرج وقناديل اللجين، ووضعت عليها الأسلحة المجوهرة، وصرفت على سدنتها وبنائها القناطير المقنطرة، وطاف حولها الزائرون وتبرك بتقبيلها والتمسح باعتابها الداخلون، وطلبوا منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وجعلوا ذلك من أعظم الطاعات، ورموا من زجرهم عن هذا الفعل الشنيع بأعظم الهنات، وأسمعوه ما يكره من الكلمات، وصدق قول أحد الأئمة الأمناء:
ورب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأكثر عملهم في ذاك من الكبائر، كما صرحت به الجهابذة الأكابر. فقد قال الشيخ ابن حجر المذكور، ضوعفت
стр. 596
له الأجور في كتابه (الزواجر) ما نصه: ومن الكبائر أتخاذ القبور ساجد وإبقاء السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها واستلامها، والصلاة إليها.
أخرج الطبراني عنه ﵊ أنه قال: ((لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر)) .
وروى الإمام أحمد والترمذى والنسائي وغيرهم عن ابن عباس: ((لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)) .
وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) .
وروى الشيخان أنه ﷺ قال: لعن الله - وفي رواية - قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة)) .
وروى ((من شرار امتى من يتخذ القبور مساجد)) . وايضاً ((كانت بنو إسرائيل أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى)) .
ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً. وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث، وقيس عليه كل تعظيم للقبر، كايقاد السرج عليه تعظيماً له وتبركا به، والطوائف به كذلك. وأما أتخاذها أوثاناً فجاء النهي عنه بقوله ﷺ ((لا تتخذوا قبرى وثناً بعدى)) أى لا تعظموه تعظيم غيركم لأوثانهم بالسجود له أو نحوه. فإن أراد بقوله: واتخاذها أوثاناً هذا المعنى، أتجه ما قالوه: بل يكفر بشرطه. وأن أريد أن مطلق التعظيم الذى لم يؤذن فيه كبيرة ففيه بعد.
стр. 597
نعم، قال بعض الحنابلة: قصد الصلاة عند القبر تبركا به عين المحادة لله ورسوله. ومن أعظم أسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مسجداً وتجب إزالة كل منكر، وتجب المبادرة لهدمها، وعدم القباب التى على القبور، إذ هي اضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ، لأنه نهي ذلك، وأمر بهدم القبور. وتجنب إزالة كل قنديل أو سراج، ولا يصح وقفه ونذره. أهـ.
وقال أيضاً: إن من الكبائر زيارة النساء لها، فعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ : ((لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) .
وصرح أصحابنا بتحريم السراج على القبر، وإن قل، حيث لم ينفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس. فلا يبعد في هذا حينئذ أن يكون كبيرة. أنتهى ما في الزواجر باقتصار.
قلت: وقد أختلف العلماء في زيارة النساء للقبور إذا لم تكن مشتملة على محرم من نوح وغيره. وأما إذا اشتملت على ما يفعله كثير من نساء زماننا قولاً وفعلاً، بل ما يفعله كثير من جهلة الرجال أيضاً فلا خوف في الحرمة إذ ذاك كما لا يخفى على المطلع الخبير.
قال الشيخ على الحلبي الشافعي فيما كتبه على الغاية ما نصه: وكذلك يجب منعهن من زيارة كثير من قبور الأولياء في العراق وغيره، لما في ذلك من المفاسد التى يطول شرحها من تبرج بزينة، ولطم ونوح، واجتماع نساء ورجال واختلافهم جلوساً ومشياً، فلا يمترى عاقل في سد هذا الباب حسماً لمادة الفساد. بل يكره للرجل - والحالة هذه - فضلاً عن النساء، ولو قيل بالتحريم لم يبعد. أنتهى.
стр. 598
وإن أردت استيفاء بحث البناء على الأموات، فارجع إلى الكتب الفقهية المعتبرات، واكتف الآن بما سطرناه، واعتصم بما نقلناه، وأسأل البارى سبحانه هداه. ثم إني أقول بعد هذا كله: إن الذى عقدت حباً عقيدتى في فصله سنية شد الرحل إلى مرقد سيد الشفعاء، والرسول المقدم يوم الفزع الأكبر على الأصفياء. وهو من خصوصياته عليه أكمل الصلاة والسلام، كما ذهب إلى نحوه في الاستغاثة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، لا سيما وقد تعددت الأحاديث في ذلك، وإن أول أو طعن البعض منها بضعف المسالك.
وأما ما دعا ذاك القبر المطهر من الأنبياء التى لا يصحح تعيينها تواتر يفيد اليقين، وكذا مشاهد الأولياء الذين لم يرد في السفر إليهم أثر قوى عن السلف الصالحين، فعدم شد الرحل إليهم سداً للذرائع اصوب، وترك ما يريبك إلى ما لا يريبك أحب في المذاهب.
كيف لا، وقد اتسع الخرق الآن على الراقعين، وقدم لسفر إلى مقابر الأولياء على سائر الفرائض كثير من الجاهلين، بل يقدمه أهل البدع على الحج، ويعد إيفاء نذره لأصحابنا بها افضل من العج والثج، ويحسب الطواف حول ذلك الميت شبه الطواف بين أركان البيت: فألهاهم عن الواجبات التفاخر بذلك والتكاثر.
وظنوا ان أصلح الأمة من واظب على السفر إلى المقابر. وكأني بمن يقول: إنك قد خالفت القولين، ولم تسلك في احد الطريقين المتقدمين. فأقول له: إنى قد سلكت نحو ما ذكرت، لأنه الطريق الوسط، السالم عند المنصف الممعن من الشطط، ولا سيما إذا نوى المسجد النبوى معه فهو الأحوط. فإن أصبت ببياني هذا فلى الأجر إن شاء الله، وإن أخطأت فأسأله سبحانه أن يغفر لى ما أخطأت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 599
[كيف بدلت التوراة والإنجيل]
(قوله: ((وإن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها، وإنما بدلت معانيها)) ) أقول: إن هذا القول إن صح نقله لم ينفرد به ايضاً ابن تيميه، بل هو قول ابن عباس ﵄. فقد قال الوالد عليه الرحمة تفسيره على قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾ ما نصه: أى يسمعون التوراة، ويؤولونها تأويلاً فاسداً حسب أغراضهم. وإلى ذلك ذهب ابن عباس والجمهور على أن تحريفها تبديل كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته ﷺ ، فإنه روى: أن من صفاته فيها أنه أبيض ربعه، فغيروه باسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه، كما في البخارى. وقيل المراد: بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور. أهـ. باقتصار.
قلت: ولعل معنى التحريف لغة فيه تقوية لمذهب ابن عباس، فقد قال الراغب في مفرداته: تحريف الشئ إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال : ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ . ومن بعد مواضعه ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ [البقرة ٧٥] أهـ.
وهذا بناء على صحة العزو إليه. وأما ما رأيته فيما حرره لأبي نصر المنبجى من كتاب طويل ما نصه: وقد جاءت في الإنجيل الذى بأيدى النصارى كلمات مجملة، إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها في قوله ((أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي)) ، ونحو ذلك. وبها ضلت النصارى حيث أتبعوا المتشابه كما ذكر الله تعالى عنهم في القرآن، ففيه إشارة إلى أنه ليس قائلاً بتبديل المعاني فقط. فالعزو حينئذ غير صحيح كما لا يخفى. فليتدبر.
стр. 600
[ابن حجر لا يعدل في القضية]
تنبيه
قد ظهر لك من جميع ما تقدم أن الشيخ ابن حجر نسب إلى شيخ الإسلام كثيراً من الأقوال التى لا أصل لها ولا سند في نقلها بخلاف ما إذا ذكر عن الشيخ الأكبر محيى الدين أو غيره من المتصوفين قولاً ليس لهم به مستمسك في الدين، ولا قاله أحد غيرهم من علاء المسلمين، فيأخذ حينئذ بتأويله وبتكليف لتعديله، ولله در القائل: [كامل] :
فرصاص من أحببته ذهب كما ... ذهب الذى لم ترض عنه رصاص
فمن ذلك ما قاله في الزواجر في بحث الإجماع على كفر فرعون بما نصه: فإنا وإن كنا نعتقد جلالة الشيخ محيى الدين فقوله بإيمانه مردود، فإن العصمة ليست إلا للأنبياء ﵈، مع انه نقل عن بعض كتبه أنه صرح فيها بان فرعون مع هامان وقارون في النار، وإذا أختلف كلام إمام فيؤخذ بما يوافق الأدلة الظاهرة، ويعرض عما خالفها. أهـ باقتصار. فليت شعرى لِمَ لَمْ يجعل كثيرا من كلام الشيخ ابن تيميه - إن صح - مع هذا القبيل ويدرأ عنه سوء الظن وباطل الأقاويل، لكن كما قيل: [طويل]
وعين الرضا عن كل عيب كليله ... كما أن عين السخط تبدى المساويا
ومع هذا، فإنى أسأل الله ان يغفر لى ولهم جميع العبد والخطأ والزلل. ويجزيهم عنا خير الجزاء، وهو الذى يختص برحمته من يشاء.
فصل
[ارتفاع الحدث بماء الورد]
وحيث أنتهت الأجوبة عما ذكر العلامة ابن حجر من المسائل التى عزاها لشيخ الإسلام ابن تيميه وعرفت أجوبتها المرضية، فلنذكر