وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" (١) رواه مسلم.
ــ
خولة بنت حكيم: هي بنت حكيم بن أمية السلمية كانت زوجةً لعثمان بن مظعون ﵁ وكانت صالحة فاضلة.
بكلمات الله: المراد بها هنا القرآن.
التامات: الكاملات التي لا يلحقُها نقصٌ ولا عيبٌ.
من شر ما خلق: أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره.
المعنى الإجمالي للحديث: يرشد النبي ﷺ أمته إلى الاستعاذة النافعة التي يندفع بها كل محذور يخافه الإنسان عندما ينزل بقعة من الأرض بأن يستعيذ بكلام الله الشافي الكافي الكامل من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، ليأمن في منزله ذلك ما دام مقيماً فيه من كل غائلة سوء.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه إرشاداً إلى الاستعاذة النافعة المشروعة بدلاً من الاستعاذة الشركية التي كان يستعملها المشركون.
стр. 107
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان أن الاستعاذة عبادة.
٢- أن الاستعاذة المشروعة هي ما كانت بالله أو بأسماء الله وصفاته.
٣- أن كلام الله غيرُ مخلوق؛ لأن الله شرع الاستعاذة به، والاستعاذة بالمخلوق شركٌ كما سبق، فدلّ على أنه غير مخلوق.
٤- فضيلةُ هذا الدعاء مع اختصاره.
٥- أن نواصي المخلوقات بيد الله.
* * *
стр. 108
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
وقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه ذكر فيه نوعاً من أنواع الشرك المنافي للتوحيد وهو أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيرَه.
أن يستغيث: الاستغاثة طلبُ الغوث وهو إزالة الشدة.
أو يدعو: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب. وأما الدعاء فيكون من المكروب وغيره.
ما لا ينفعك: إن عبدته.
ولا يضرك: إن لم تعبده.
فإن فعلت: أي دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك.
من الظالمين: من المشركين، فإن الشرك أعظم الظلم.
المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله نبيه أن يدعو أحداً من سائر المخلوقين العاجزين عن إيصال النفع ودفع الضر، ثم يبين له حكمه لو فُرض أن دعا غير الله بأنه يكون حينئذ من المشركين، وهذا النهي عام لجميع الأمة.
مناسبة الآية للباب: أن فيها النهي عن دعاء غير الله وأنه شركٌ ينافي التوحيد.
стр. 109
ما يستفاد من الآية:
١- أن دعاء غير الله شركٌ أكبر.
٢- أن أصلح الناس لو دعا غير الله صار من الظالمين أي المشركين فكيف بغيره.
٣- بيان عجزِ آلهة المشركين وبطلان عبادتها.
* * *
стр. 110
وقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .
ــ
وإن يمسسك: أي إن يصِبْك.
بضر: بفقر أو مرض أو غير ذلك من أنواع الضر.
فلا كاشف: لا رافع.
فلا راد: لا دافع.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع والضر والنفع دون ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده المعبود وحده دون غيره ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكهما لغيره.
مناسبة الآية للباب: أن فيها بيانَ استحقاق الله للعبادة بالدعاء ونحوه، وأن دعاء غيره شركٌ لأنه لا ينفع ولا يضر.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب إفراد الله تعالى بتوحيد الألوهية لتفرده بتوحيد الربوبية.
٢- بطلان دعاء غير الله لعجزه عن نفع من دعاه ودفع الضر عنه.
٣- إثبات المشيئة لله سبحانه.
٤- إثبات صفتي المغفرة والرحمة لله سبحانه على ما يليق بجلاله.
стр. 111
وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] .
ــ
ابتغوا: اطلبوا.
واعبدوه: أخلصوا له العبادة. وهو من عطف العام على الخاص، فإن ابتغاء الرزق عند الله من العبادة.
واشكروا له: اعترفوا بنعمته. وافعلوا ما يجب من طاعته واتركوا معصيته.
إليه: لا إلى غيره.
ترجعون: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله.
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله سبحانه بطلب الرزق منه وحده لا من الأصنام والأوثان، وإفرادِه بالعبادة والاعتراف بنعمه التي أسداها على عباده وصرْفِها في طاعته والابتعاد عن معصيته ثم يخبر أن المصير إليه فيجازي كل عاملٍ بعمله فيجب على العبد أن يحسب لذلك حسابَه.
مناسبة الآية للباب: أن فيها وجوب إفراد الله بالدعاء والعبادة والرد على المشركين الذين يعبدون غيره.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب دعاء الله وحده وطلب الرزق منه.
٢- وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة.
٣- وجوب شكر الله على نعمه.
٤- إثبات البعث والجزاء.
٥- أنه لا تنافي بين طلب الرزق والاكتساب وعبادة الله وأن الإسلام فيه خير الدين والدنيا.
стр. 112
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ٥ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] .
ــ
من أضل: أي لا أحد أشد ضلالاً.
من دون الله: غير الله.
لا يستجيب له: لا يقدر على إجابته بإعطائه ما طلب منه.
وهم: أي المدعوون.
عن دعائهم: أي دعاء من دعاهم من المشركين.
غافلون: لا يشعرون بدعاء من دعاهم؛ لأنهم إما أموات أو جمادٌ أو ملائكةٌ مشغولون بما خُلقوا له.
وإذا حُشر الناس: جُمعوا يوم القيامة.
كانوا: أي الآلهة التي يدعونها من دون الله.
لهم أعداء: أي يتبرؤون ممن دعاهم ويعادونهم.
كافرين: جاحدين لعبادة من عبدهم.
المعنى الإجمالي للآيتين: أن الله تعالى حكم بأنه لا أضل ممن دعا غير الله من المخلوقين ممن لا يقدر على إجابة دعوته في الدنيا، ولا يشعر بدعاء من دعاه وإذا قامت القيامة وجُمع الناس عادى من دعاه وتبرأ منه، فليس هذا المشركُ إلا في نكد في الدارين، لا يحصل على إجابةٍ في الدنيا وتجحد عبادته في الآخرة أحوج ما يكون إليها.
مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الحكمَ على من دعا غيرَ الله بأنه
стр. 113
أضل الضالين وأن الدعاء عبادةٌ فمن صرفه لغير الله فهو مشرك.
ما يستفاد من الآيتين:
١- أن الدعاء عبادةٌ، فمن دعا غير الله فقد أشرك الشرك الأكبر.
٢- بيان شقاوة من يدعو غير الله في الدنيا والآخرة.
٣- أن الشرك هو أعظم الضلال.
٤- إثبات البعث والحشر والجزاء.
٥- أن الأوثان لا تسمع من دعاها ولا تستجيب له عكس ما يتصور المشركون فيها.
٦- أن عبادة الله وحده فيها خير الدنيا والآخرة.
* * *
стр. 114
وقوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] .
ــ
أمّن: أي من هو؟
المضطر: المكروب الذي مسّه الضر.
خلفاء الأرض: الإضافة بمعنى في أي يخلف كلُّ قرنٍ القرنَ الذي قبله في الأرض.
أإله مع الله: أي سواه يفعل هذه الأشياء بكُم وينعم عليكم هذه النعم.
قليلاً ما تذكَّرون: أي تذكرون تذكراً قليلاً في عظمة الله ونعمه عليكم، فلذلك أشركتم به غيره في عبادته.
المعنى الإجمالي للآية: يحتج تعالى على المشركين في اتخاذهم الشفعاء من دونه بما قد علموه وأقروا به من إجابة الله لهم عندما يدعونه في حال الشدة وكشفه السوء النازل بهم وجعْلِهم خلفاء في الأرض بعد أمواتهم، فإذا كانت آلهتهم لا تفعل شيئاً من هذه الأمور فكيف بمن يعبدونها مع الله. ولكنهم لا يتذكرون نعم الله عليهم إلا تذكراً قليلاً لا يورث خشية الله ولذلك وقعوا في الشرك.
مناسبة الآية للباب: أن فيها بطلان الاستغاثة بغير الله، لأنه لا يجيب المضطر ويكشف السوء النازل ويحيي ويميت سواه.
стр. 115
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
٢- أن المشركين مقرّون بتوحيد الربوبية ولم يُدخلهم ذلك في الإسلام.
٣- الاستدلال على توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية.
٤- الاحتجاج على المشركين بما أقرّوا به على ما جحدوه.
* * *
стр. 116
وروي الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي ﷺ منافقٌ يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله" (١) .
ــ
الطبراني: هو الحافظ الإمام: سليمان بن أحمد صاحب المعاجم الثلاثة.
بإسناده: إلى عبادة بن الصامت ﵁.
منافقٌ: هو عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين.
والنفاق هنا: إظهار الإسلام وإخفاء الكفر.
نستغيث برسول الله: نطلب منه كفَّ هذا المنافق عن الأذى.
إنه لا يستغاث بي: كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقِّه تأدباً مع الله.
المعنى الإجمالي للحديث: لما قوِيَ الإسلام كان هناك صنفٌ من الكفار رأوا الدخولَ في الإسلام ظاهراً والبقاء على الكفر باطناً سُمُّوا بالمنافقين، وكان يصدر منهم من الأقوال والأفعال ما يضايق المسلمين ومن ذلك ما حصل من هذا الرجل حتى طلب بعض الصحابة من النبي
стр. 117
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كفه وزجره. والنبي ﷺ يقدر على ذلك، لكن لما كانت الصيغة التي تقدَّموا بها إليه فيها إساءة أدب مع الله تعالى -ما ينبغي أن تقال- استنكرها النبي ﷺ تعليماً للصحابة وسداً لذريعة الشرك وحمايةً للتوحيد.
مناسبة الحديث للباب: إن فيه إنكارَ النبي ﷺ الاستغاثة بغير الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أنه لا يستغاث بالنبي ﷺ ، وغيرُه من باب أولى.
٢- الإرشاد إلى حسن اللفظ وحماية التوحيد.
٣- سدّ الطرق المفضية إلى الشرك.
٤- مشروعية الصبر على الأذى في الله.
٥- ذمّ النفاق.
٦- تحريم أذية المؤمنين؛ لأنها من فعل المنافقين.
* * *
стр. 118
باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [ الأعراف: ١٩١، ١٩٢] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ بين فيه الأدلة على بطلان الشرك وبيان حال المدعون من دون الله، وفي ذلك تقريرٌ للتوحيد بالبراهين القاطعة.
أيشركون: استفهام إنكار وتوبيخ على من يشرك في العبادة مع الله.
ما لا يخلق شيئاً: أي مخلوقات لا تقدر على الخلق وليس فيها ما تستحق به العبادة.
وهم يُخلقون: أي وهؤلاء المعبودون مخلوقون محدثون والمخلوق لا يكون شريكان للخالق.
ولا يستطيعون لهم نصراً: أي وهؤلاء المعبودون لا يقدرون على نصر عابديهم.
ولا أنفسهم ينصرون: أي ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم من أراد بهم ضراً فكيف يدفعونه عن غيرهم.
المعنى الإجمالي للآية: يوبخ الله المشركين بأنهم يعبدون معه معبودات لا تخلِق شيئاً وليس فيها ما تستحق العبادة به ولا تدفع
стр. 119
الضر عمن دعاها، بل ولا تدفعه عن أنفسها وإذا كانت هذه حالتهم بطلت دعوتهم؛ لأن المخلوق لا يكون شريكاً للخالق، والعاجز لا يكون شريكاً للقادر الذي لا يعجزه شيءٌ.
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الشرك من أساسه؛ لأنه تعلق على مخلوق عاجز.
٢- أن الخالق هو المستحق للعبادة.
٣- الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.
٤- مشروعية محاجة المشركين لنصر الحق وقمع الباطل.
* * *
стр. 120
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ١٣ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣،١٤] .
ــ
والذين تدعون من دونه: أي الذين تدعونهم غيرَ الله: من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها.
قطمير: القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة التمر.
لا يسمعوا دعاءكم: لأنهم أموات أو ملائكة مشغولون بما خلقوا له.
ما استجابوا لكم: لا يقدرون على ما تطلبون منهم.
يكفرون بشرككم: ينكرونه ويتبرؤون ممن أشرك بهم مع الله.
ولا ينبِئك: يخبرك بعواقب الأمور ومآلها.
مثل خبير: عالمٌ بها وهو الله .
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الشروط التي لا بد أن تكون في المدعو، وهي: ملك ما طُلب منه، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته. فمتى عُدم شرطٌ بطُل أن يكون مدعواً فكيف إذا عُدمت كلها.
مناسبة الآية للباب: أن فيها البرهان القاطع على بطلان الشرك والرد على المشركين.
стр. 121
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الشرك بالدليل القاطع والبرهان الواضح.
٢- بيان الشروط التي يجب توافرها في المدعو المستغاث به وهي:
أ - ملكه لما طُلب منه.
ب - سماعه لدعاء من دعاه.
ج- القدرة على إجابته.
٣- أن العقيدة مبناها على البرهان واليقين لا على الظن والتخرص والتقليد الأعمى.
٤- إثبات علم الله بعواقب الأمور.
* * *
стр. 122
وفي "الصحيح" عن أنس ﵁ قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم" فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) [آل عمران: ١٢٨] .
ــ
في الصحيح: أي في الصحيحين.
شُجّ: الشجة الجرح في الرأس والوجه خاصة.
أحد: جبل معروف شمالي المدينة كانت عنده الوقعة المشهورة فنُسبت إليه.
الرباعية: هي السن التي بعد الثنية. والإنسان له أربع رباعيات.
كيف يفلح قومٌ.. إلخ: أي كيف يحصل لهم الفوزُ والظفرُ والسعادة مع فعلهم هذا بنبيهم.
من الأمر: من الحكم في العباد.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر أنسٌ عما حصل للنبي ﷺ في وقعة أحد من الابتلاء والامتحان على أيدي أعدائه من الإصابة في موضعين من جسده الشريف فكأنه ﷺ لحقه يأسٌ من فلاح كفار قريش. فقيل له بسبب ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
أي: عواقبُ الأمور وحكم العباد بيد الله فامض أنت لشأنك ودُم على دعوتك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على بطلان الشرك بالأولياء
стр. 123
والصالحين، لأنه إذا كان الرسول ﷺ لم يدفع عن نفسه الضر، وليس له من الأمر شيءٌ، فغير من باب أولى.
ما يستفاد من الحديث:
١- بطلان الشرك بالأولياء والصالحين؛ لأنه إذا كان النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئاً فغيره من باب أولى.
٢- وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٣- وجوب إخلاص العبادة لله، لأنه هو الذي له الأمر وحده.
٤- مشروعية الصبر وتحمل الأذى والضرر في سبيل الدعوة إلى الله.
٥- النهي عن اليأس من رحمة الله ولو فعل الإنسان ما فعل من المعاصي التي هي دون الشرك.
* * *
стр. 124
وفيه عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) [آل عمران: ١٢٨] .
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية وسُهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) [آل عمران: ١٢٨] .
ــ
ابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ صحابي جليل من عبّاد الصحابة وعلمائهم مات سنة ٧٣هـ.
وفيه: أي في الصحيح والمراد به صحيح البخاري.
أنه سمع رسول الله: أي بعدما شُج وكسرت رباعيّته يوم أحد.
اللهم العن: أي اطرد وأبعد من رحمتك.
فلاناً وفلاناً: منهم صفوان بن أمية، وسُهيل بن عمرو، والحارثُ ابن هشام.
سمع الله لمن حمده: أجاب الله من حمده وتقبّله. لأنه قد عُدِّي باللام.
الحمد: ضد الذم، ويكون على محاسن المحمود مع المحبة له.
стр. 125
يدعو على صفوان ... إلخ: لأنهم رؤوس المشركين يوم أحد، وقد تاب الله عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر عبد الله بن عمَر ﵄ أنه سمع رسول الله – ﷺ يدعو في الصلاة على أشخاص معينين من الكفار آذوه يوم أحد فعاتبه الله بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . وتاب الله عليهم، فآمنوا بالله ورسوله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان أن النبي – ﷺ لم يقدر أن يدفع أذى المشركين عن نفسه ولا عن أصحابه، بل لجأ إلى ربه القادر المالك، مما يدل على بطلان ما يعتقده عبّاد القبور في الأولياء والصالحين.
ما يستفاد من الحديث:
١- بطلان التعلق بالأولياء والصالحين لطلب قضاء الحاجات وتفريج الكربات.
٢- جواز الدعاء على المشركين في الصلاة.
٣- دليلٌ على أن تسمية الشخص المدعو له أو عليه لا يضر الصلاة.
٤- التصريح بأن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد.
* * *
стр. 126
وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
فقال: "يا معشر قريش - أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" (١) .
ــ
أبو هريرة: قيل: الصحيح أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، دوسيّ من فضلاء الصحابة وحفّاظهم وعلمائهم. روى أكثر من خمسة آلاف حديث، توفي سنة سبع أو ثمانٍ أو تسعٍ وخمسين للهجرة.
وفيه: أي في صحيح البخاري.
قام: أي صعد على الصفا.
عشيرتك: عشيرةُ الرجل هم بنو أبيه الأدنون، أو قبيلته.
الأقربين: أي الأقرب فالأقرب منهم.
يا معشر: المعشرُ: الجماعة.
أو كلمة: بنصبِ "كلمةٍ" عطفٌ على ما قبله. أي: أو قال كلمةً نحوها شكٌّ من الراوي.
اشتروا أنفسكم: أي خلِّصوها من العذاب بتوحيد الله وطاعته، ولا تعتمدوا على شرف النسب.
стр. 127
لا أغني عنكم من الله: لا أدفع عنكم عذاب الله، رفعٌ لما قد يتوهم أنه يغني عنهم من الله شيئاً بشفاعته.
عباسُ، وصفيةُ، وفاطمةُ: بالرفع على البناء، ويجوز النصب بالنداء. وابنَ، وعمةَ، وبنتَ: بالنصب لا غير بدلاً من المنادي أو عطف بيان.
سليني من مالي: لأن هذا هو الذي يقدر عليه وما كان من أمر الله فلا قدرة له عليه.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر أبو هريرة ﵁ عمّا صنع رسول الله ﷺ حينما أمره الله في كتابه الكريم أن ينذر قرابته؛ أنه قام ممتثلاً أمر ربه، فنادى قريشاً ببطونها ونادى عمه وعمته وبنته، فأنذرهم نذارة خاصة وأمرهم أن يخلِّصوا أنفسهم من عذاب الله بتوحيده وطاعته وبلغهم أنه لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئاً إذا لم يؤمنوا فمجرد قربهم منه غير نافع لهم بدون إيمان.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه أنه لا يجوز أن يطلب من الرسول ولا من غيره من باب أولى إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا. وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يُطلب إلا من الله، ففيه الرد على عبّاد القبور الذين يستغيثون بالأموات لتفريج الكربات وقضاء الحاجات.
ما يستفاد من الحديث:
١- الرد على عبّاد الأنبياء والصالحين الذين يتعلقون بالمخلوقين في قضاء حوائجهم التي لا يقدر عليها إلا الله.
٢- أنه لا يجوز أن يطلب العبد إلا ما يقدر عليه.
٣- مسارعة النبي ﷺ إلى امتثال أمر ربه وتبليغ رسالته.
стр. 128
٤- أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح لا الاعتماد على مجرد الانتساب للأشخاص.
٥- إن أولى الناس برسول الله – ﷺ أهل طاعته ومتابعته من قرابته وغيرهم.
٦- أن مجرد القرابة من الرسول – ﷺ لا ينفع بدون إيمان وعمل صالح وعقيدة صحيحة.
* * *
стр. 129
باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [ سبأ: ٢٣] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عُبد من دون الله فإذا كان حالهم مع الله ما ذُكر من هيبتهم منه وخشيتهم له فكيف يُدعون مع الله فغيرهم من باب أولى. ففي ذلك ردٌّ على جميع المشركين الذين يدعون مع الله من لا يُداني الملائكة.
فُزِّع عن قلوبهم: أُزيل الفزع عن قلوب الملائكة من الغشية التي تصيبهم عند سماع كلام الله بالوحي إلى جبريل.
قالوا: أي قال بعضهم لبعضٍ استبشاراً: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] .
قالوا الحق: أي: قال الله الحق.
وهو العلي: الذي له علوُّ القدر وعلوُّ القهر وعلوُّ الذات.
الكبير: أي الذي لا أكبر ولا أعظم منه ﵎.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله سبحانه عن الملائكة أنها إذا سمعت الوحي من الله إلى جبريل فزِعت عند ذلك تعظيماً وهيبةً وأرعدت حتى يصيبها مثل الغشيِّ، فإذا أُزيل الفزع من قلوبهم أخذوا يتساءلون فيقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ؟ فيقولون: قال الحق وهو العالي
стр. 130
فوق كل شيء، الذي لا أكبر منه ولا أعظم.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على جميع فرق المشركين الذين يعبدون مع الله من لا يُداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم.
٢- إثبات الكلام لله على ما يليق بجلاله.
٣- أن كلام الله غير مخلوق، لأنهم يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ؟ لم يقولوا: ماذا خلق ربكم؟
٤- إثبات العلوّ لله سبحانه فوق مخلوقاته.
٥- إثبات عظمة الله.
* * *
стр. 131
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفُذُهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع" ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. وصفه سفيان بكفِّه فحرَّفَها وبدَّد بين أصابعه: "فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا. فيصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء" (١) .
ــ
سفيان: هو ابن عُيَينة بن ميمون الهلاليّ ثقةٌ حافظٌ حجةٌ من كبار الأئمة، مات سنة ١٩٨هـ.
في الصحيح: أي في صحيح البخاري.
إذا قضى الله الأمر: أي إذا تكلم به.
خَضَعاناً: بفتحتين من الخضوع. وروي بضم أوله وسكون ثانيه أي خاضعين.
стр. 132
لقوله: أي لقول الله تعالى.
كأنه: أي الصوت المسموع.
صفوان: هو الحجر الأملس.
ينفذهم ذلك: أي يخلص هذا القول ويمضي في الملائكة.
فيسمعها: أي الكلمة التي قضاها الله.
مسترق السمع: المختطف لكلام الملائكة من الشياطين.
وصفه: أي وصف ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض حتى يصلوا إلى حيث يسمعون تحدّث الملائكة بالأمر يقضيه الله.
فحرّفها: أمالها.
وبدد بين أصابعه: أي فرّق بينها.
الساحر: الذي يتعاطى السحر: وهو عبارة عما خفي ولطُف سببه من عمل العُقَد والرّقى وغيرها.
والكاهن: هو الذي يخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدّعي معرفة الأسرار.
أدركه الشهاب: أي أدرك المسترق الشهاب: وهو الذي يُرمى به قبل إلقائها فيحرقه.
فيكذب: أي الساحر أو الكاهن.
معها: أي الكلمة التي ألقاها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر النبي – ﷺ عن تعظيم الملائكة لكلام الله وما يعتريهم من الخوف وتساؤلهم عما قال ربهم وإجابة بعضهم لبعض. وما تعلمه الشياطين الذين يختطفون كلامَ
стр. 133
الملائكة في ذلك لتُلقيه إلى السحرة والكهان من الناس وما تلاقيه الشياطين من الرمي بالشهب حينئذ، وأنه قد يتمكن الشيطان من إيصال الكلمة المسموعة من الملائكة إلى الساحر أو الكاهن –لحكمة يعلمها الله وإلا فهو سبحانه لا يفوته شيء- فيُزاد مع تلك الكلمة من قِبل الشيطان أو الآدمي تسعٌ وتسعون كذبة وتُذاع كلها في الناس فيصدِّقونها كلها بسبب تلك الكلمة المسموعة.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الرد على المشركين. فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند سماع كلام الله مع ما أعطاهم الله من القوة عُلم أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لهم فكيف بمن دونهم.
ما يستفاد من الحديث:
١- الرد على المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين.
٢- تعظيم الله سبحانه وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
٣- إثبات علو الله على خلقه وإثبات تكلمه بكلام يُسمع.
٤- إبطال السحر والكهانة وإن صدُق الكاهن والساحر في بعض الأحيان.
٥- أن العبرة بالغالب الكثير لا بالنادر القليل.
* * *
стр. 134
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة" أو قال: "رعدة شديدة خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا أوخروا سجداً فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد. ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحقَّ وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " (١) .
ــ
النواس: هو النواس بن سِمعان -بكسر السين- ابن خالد الكلابي صحابيٌّ جليلٌ ﵁.
الوحي: أي: كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه.
أخذت السماوات: أي أصاب السماوات.
رجفة: بالرفع فاعلُ أخذتْ. أي ارتجفت واضطربت.
خوفاً من الله: لأنها تخاف من الله بما جُعل فيها من الإحساس والمعرفة بالله.
صعقوا: الصعق الغشي.
стр. 135
خروا: خرّ: سقط من أعلى، والمراد هنا انحطوا بالسجود.
أول: بالفتح خبر يكون.
إلى حيث أمره الله: من السماء والأرض.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر نبي الله – ﷺ عن عظمة ربه بأنه سبحانه إذا تكلم بما شاء من وحيه، فإنه يصيب السماوات ارتجافٌ وحركة شديدة من خوف الله لمعرفتها بعظمة الله، فإذا سمعت الملائكة كلام الله غُشي عليهم وانحطوا بالسجود تعظيماً لله وخوفاً منه، ثم يكون جبريل ﵇ أو من يرفع رأسه منهم لأنه السفير بين الله وبين رسله، فيكلمه الله بما شاء من أمره، ثم يمر جبريل على ملائكة السماوات فيسألونه عما قال الله؟ فيجيبهم بقوله: "قال الحق وهو العلي الكبير" فيقولون مثل ما قال، ثم يمضي جبريل بالوحي فيبلغه إلى من أمره الله بتبليغه إياه.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه ما في النصوص قبله من بيان عظمة الله وخوف الملائكة والسماوات منه، ففيه الرد على من عبد غير الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة من مخلوقاته.
٢- بيان عظمة الله جل وعلا واستحقاقه للعبادة وحده.
٣- إثبات أن الله يتكلم متى شاء بما يشاء كيف يشاء.
٤- إثبات علو الله على خلقه.
٥- فضل جبريل ﵇.
стр. 136
باب الشفاعة
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان المشركون يبررون ما هم عليه من الشرك من دعاء الملائكة والأنبياء والأولياء، ويقولون نحن نعلم أنهم مخلوقون ولكنهم لهم جاه عند الله فنحن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله، أراد المصنف ﵀ بهذا الباب إقامة الحجج على أن ذلك هو عين الشرك الذي نهى الله عنه، وأبطل كل وسيلة تؤدي إليه.
الشفاعة: مصدر شفع بمعنى ضم الشيء إلى مثله -تقول: شفعت الشيء شفعاً بمعنى ضممته إلى الفرد. وشفع فيه أعانه في تحصيل مطلبه ممن هو عنده.
وأنذِرْ: الإنذار هو: الإعلام بموضع المخافة والتحذير منها.
به: أي: بالقرآن.
يخافون: يخشون.
أن يحشروا: يُجمعوا ويُبعثوا.
ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع: في موضع نصبٍ على الحال أي؛ متخلِّين من كل ولي ينصرهم وشفيع يشفع لهم.
المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى لنبيه ﷺ : خوِّف بالقرآن
стр. 137
الذين يخشون ربهم من أصحاب القلوب الواعية الذين يتذكرون الوقوف بين يدي ربهم متخلّين عن كل قريب ينصرهم وواسطة تشفع لهم –عنده- بغير إذنه لعلهم يعدون العُدة لذلك فيعملون في هذه الدار عملاً ينجّيهم الله به من عذابه يوم القيامة.
مناسبة الآية للباب: أن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على المشركين الذين يتقربون إلى الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة.
٢- مشروعية الوعظ والتذكير بيوم القيامة.
٣- أن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالموعظة.
* * *
стр. 138
وقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] .
وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ــ
لله الشفاعة: أي: هي ملك لله فليس لمن تطلبونها منهم شيءٌ منها.
جميعاً: حالٌ مؤكدة.
من ذا الذي: أي لا أحد.
يشفع عنده إلا بإذنه: له فيها، فلا أحدٌ يتكلم بشفاعةٍ ولا غيرها إلا إذا أذن الله تعالى له في الكلام.
المعنى الإجمالي للآيتين: يأمر الله نبيه أن يقول للذين يتعلقون على الأولياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة: ليس لمن تدعونهم من الشفاعة شيء، إنما هي كلُّها ملكٌ لله لا يستطيع أحدٌ شفاعةً لأحد إلا بإذنه، فلا أحدٌ يملك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن الله له في الكلام.
مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الرد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين، يظنون أنهم يملكون من الشفاعة شيئاً فيستطيعون أن يشفعوا عند الله بغير إذنه.
ما يستفاد من الآيتين:
١- الرد على المشركين الذين يطلبون الشفاعة من المخلوقين.
٢- أن الشفاعة ملكٌ لله وحده فيجب طلبها منه وحده.
стр. 139
٣- بيان عظمة الله وكبريائه وخضوع جميع الخلق لسلطانه.
٤- في الآية الثانية إثبات الشفاعة لمن أذن الله له بها.
* * *
стр. 140
وقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
ــ
كم: خبريةٌ في موضع رفعٍ على الابتداء. ومعناها: كثيرٌ من الملائكة.
لا تغني: لا تُجدي ولا تنفع. في موضع رفع خبر المبتدأ.
إلا من بعد أن يأذن الله: لهم في الشفاعة.
لمن يشاء: من عباده.
ويرضى: عنه قولَه وعمَله.
معنى الآية إجمالاً: يخبر تعالى أن كثيراً من الملائكة مع مكانتهم عنده لا تجدي شفاعتهم في أحد شيئاً، ولا تنفعه إلا إذا أذن الله لهم أن يشفعوا فيمن يشاء الشفاعة له من عباده، وكان المشفوع فيه ممن رضي الله قوله وعمله بأن يكون سالماً من الشرك قليلِه وكثيرِه، وإذا كان هذا في حقّ الملائكة فغيرهم من باب أولى.
مناسبة الآية للباب: أن فيها الرد على المشركين الذين يطلبون الشفاعة من الملائكة وغيرهم من المخلوقين.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على المشركين الذين يتقرّبون إلى المخلوقين يطلبون منهم الشفاعة.
٢- أن الشفاعة ملكٌ لله وحده لا تُطلب إلا منه.
٣- أن الشفاعة لا تنفع إلا بشرطين:
стр. 141
الشرط الأول: إذن الرب للشافع أن يشفع.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد والإخلاص.
* * *
стр. 142
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين.
ــ
تمام الآيتين: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] .
قل: أي: للمشركين.
زعمتم: أي: زعمتموهم آلهة.
من دون الله: أي: غيره لينفعوكم بزعمهم.
من دون الله: أي: غيره لينفعوكم بزعمكم.
مثقال: وزن.
ذرة: من خير أو شر، والمراد بالذرة النملة الصغيرة. ويُقال لكل جزء من أجزاء الهباء ذرةٌ.
شرك: شركة مع الله.
منهم: من الآلهة.
من ظهير: معين يعينه على تدبير أمر السماوات والأرض.
ولا تنفع الشفاعة عنده: أي عند الله تعالى ردٌّ لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده.
إلا لمن أذن له: أن يشفع لغيره.
المعنى الإجمالي للآيتين: يأمر الله سبحانه نبيه أن يقول للمشركين على وجه التحدي: اطلبوا من آلهتكم التي زعمتم أنها تنفعكم وتكشفُ
стр. 143
الضر عنكم. فإنهم لا يقدرون على ذلك لأنهم لا يملكون من الكون وزن أصغر نملة ملكاً مستقلاً، وليس لهم في الكون أدنى شركة مع الله، وليس منهم أحد يعين الله في تصريف الأمور، ولا يقدرون على التقدم بين يديه في الشفاعة لكم إلا إذا أذن لهم بذلك وهو، لا يأذن بالشفاعة لمشرك، فهم لا يملكون شيئاً استقلالاً ولا يشاركون في الملك ولا يعاونون المالك ولا يملكون الشفاعة عنده بغير إذنه. فبطُلت عبادتهم من دون الله.
مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الرد على المشركين الذين يتقربون إلى الأولياء، يطلبون منهم الشفاعة ويدعونهم لجلب النفع ودفع الضر.
ما يستفاد من الآيتين:
١- الرد على المشركين الذين يدعون مع الله آلهة من الملائكة وغيرهم، يزعمون أنهم يملكون لهم نفعاً أو يدفعون عنهم ضراً.
٢- مشروعية محاجة المشركين لإبطال الشرك ومناظرتهم في ذلك.
٣- قطع الأسباب التي يتعلق بها المشركون، وذلك أن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع. والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلةٌ من أربع:
الأولى: إما أن يكون مالكاً لما يريده منه عابده.
الثانية: وإما أن يكون شريكاً للمالك.
الثالثة: وإما أن يكون ظهيراً أو معيناً له.
الرابعة: وإما أن يكون شفيعاً عنده.
وقد نفى هذه الأسباب الأربعة في آلهة المشركين. فبطُلت عبادتها.
стр. 144
٤- إثبات الشفاعة التي تكون بإذن الله.
٥- أن المشركين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأن الله تعالى لا يأذن فيها لمشرك.
* * *
стр. 145
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولاً- ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعط، واشفع تُشَفّع (١) .
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" (٢) .
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضّل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
ــ
أبو العباس هو: شيخ الإسلام تقيّ الدين أحد بن عبد الحليم بن