الشرط الأول: إذن الرب للشافع أن يشفع.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد والإخلاص.
* * *
стр. 142
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين.
ــ
تمام الآيتين: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] .
قل: أي: للمشركين.
زعمتم: أي: زعمتموهم آلهة.
من دون الله: أي: غيره لينفعوكم بزعمهم.
من دون الله: أي: غيره لينفعوكم بزعمكم.
مثقال: وزن.
ذرة: من خير أو شر، والمراد بالذرة النملة الصغيرة. ويُقال لكل جزء من أجزاء الهباء ذرةٌ.
شرك: شركة مع الله.
منهم: من الآلهة.
من ظهير: معين يعينه على تدبير أمر السماوات والأرض.
ولا تنفع الشفاعة عنده: أي عند الله تعالى ردٌّ لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده.
إلا لمن أذن له: أن يشفع لغيره.
المعنى الإجمالي للآيتين: يأمر الله سبحانه نبيه أن يقول للمشركين على وجه التحدي: اطلبوا من آلهتكم التي زعمتم أنها تنفعكم وتكشفُ
стр. 143
الضر عنكم. فإنهم لا يقدرون على ذلك لأنهم لا يملكون من الكون وزن أصغر نملة ملكاً مستقلاً، وليس لهم في الكون أدنى شركة مع الله، وليس منهم أحد يعين الله في تصريف الأمور، ولا يقدرون على التقدم بين يديه في الشفاعة لكم إلا إذا أذن لهم بذلك وهو، لا يأذن بالشفاعة لمشرك، فهم لا يملكون شيئاً استقلالاً ولا يشاركون في الملك ولا يعاونون المالك ولا يملكون الشفاعة عنده بغير إذنه. فبطُلت عبادتهم من دون الله.
مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الرد على المشركين الذين يتقربون إلى الأولياء، يطلبون منهم الشفاعة ويدعونهم لجلب النفع ودفع الضر.
ما يستفاد من الآيتين:
١- الرد على المشركين الذين يدعون مع الله آلهة من الملائكة وغيرهم، يزعمون أنهم يملكون لهم نفعاً أو يدفعون عنهم ضراً.
٢- مشروعية محاجة المشركين لإبطال الشرك ومناظرتهم في ذلك.
٣- قطع الأسباب التي يتعلق بها المشركون، وذلك أن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع. والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلةٌ من أربع:
الأولى: إما أن يكون مالكاً لما يريده منه عابده.
الثانية: وإما أن يكون شريكاً للمالك.
الثالثة: وإما أن يكون ظهيراً أو معيناً له.
الرابعة: وإما أن يكون شفيعاً عنده.
وقد نفى هذه الأسباب الأربعة في آلهة المشركين. فبطُلت عبادتها.
стр. 144
٤- إثبات الشفاعة التي تكون بإذن الله.
٥- أن المشركين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأن الله تعالى لا يأذن فيها لمشرك.
* * *
стр. 145
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولاً- ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعط، واشفع تُشَفّع (١) .
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" (٢) .
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضّل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
ــ
أبو العباس هو: شيخ الإسلام تقيّ الدين أحد بن عبد الحليم بن
стр. 146
عبد السلام ابن تيمية الإمام المشهور صاحب المصنفات المفيدة، كانت وفاته سنة ٧٢٨هـ ﵀.
قسط: القسط هو النصيب.
الشفاعة التي يظنها المشركون أي: التي يطلبونها من غير الله من الأنداد.
وأخبر النبي: أي في الحديث الثابت في الصحيحين. وغيرهما من حديث الشفاعة.
وقال أبو هريرة: أي: في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة.
أسعد الناس: أكثرهم سعادة بها.
خالصاً من قلبه: احتراز من المنافق الذي يقولها بلسانه فقط.
وحقيقته: أي: حقيقة الأمر في بيان الشفاعة الصحيحة لا كما يظنه المشركون.
المقام المحمود: أي: الذي يحمده فيه الخلائق كلهم.
مقصود المؤلف من سياق كلام شيخ الإسلام هنا.
أن فيه شرحاً وتفسيراً لما في هذا الباب من الآيات، ففيه:
١- صفة الشفاعة المنفية، وصفة الشفاعة المثبتة.
٢- ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود، وماذا يفعل النبي – ﷺ حتى يؤذن له فيها.
٣- أن أسعد الناس بالشفاعة أهل الإيمان.
فائدة: له – ﷺ ستة أنواع من الشفاعة.
الأول: الشفاعة التي يختص بها نبينا محمد – ﷺ ، وهي
стр. 147
الشفاعة لأهل الموقف، ليفصل الله بينهم ويريحهم من مقامهم في الموقف.
الثاني: شفاعته لأهل الجنة حتى يدخلوها.
الثالث: الشفاعة لقوم من العصاة استوجبوا دخول النار أن لا يدخلوها.
الرابع: الشفاعة في قوم من العصاة دخلوا النار أن يخرجوا منها.
الخامس: الشفاعة في قوم من أهل الجنة لزيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم.
السادس: شفاعته – ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذاب النار.
* * *
стр. 148
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ .
ــ
تمام الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه الرد على عُبّاد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين النفع والضر. وذلك أنه إذا كان النبي ﷺ قد حرص على هداية عمّه في حياته فلم يتيسر له، ودعا له بعد موته فنُهي عن ذلك، وذكر سبحانه أن الرسول لا يقدر على هداية من أحبّ، فهذا يدل على أنه ﷺ لا يملك ضراً ولا نفعاً، فبطل التعلق به لجلب النفع ودفع الضر، وغيره من باب أولى.
إنك: الخطاب للنبي ﷺ .
لا تهدي: هداية توفيقٍ للدخول في الإسلام. وأما هداية الدعوة والبيان فإن الرسول يملكها ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
من أحببت: هدايته.
ولكن الله يهدي من يشاء: يوفِّق للدخول في الإسلام.
وهو أعلم بالمهتدين: أي: أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.
المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى لرسوله ﷺ : إنك لا تقدر على توفيق من تحب دخوله في الإسلام، ولكن ذلك إنما يكون بيد
стр. 149
الله، فهو الذي يوفق من شاء له، وهو أعلم بمن يستحقه ممن لا يستحقه.
مناسبة الآية للباب: أن فيها دلالة واضحة على أن الرسول – ﷺ لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا عطاء ولا منعاً، وأن الأمر كله بيد الله، ففيها الرد على الذين ينادونه لتفريج الكربات وقضاء الحاجات.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على الذين يعتقدون أن الأولياء ينفعون أو يضرون ويتصرفون بعد الموت على سبيل الكرامة.
٢- أن هداية التوفيق بيد الله سبحانه.
٣- إثبات العلم لله سبحانه.
٤- إثبات الحكمة لله سبحانه.
٥- إبطال التعلق بغير الله.
* * *
стр. 150
في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل. فقال له: "يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا. فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] .
وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١) [القصص: ٥٦] .
ــ
أ - ترجمة ابن المسيب: هو سعيد بن المسيب أحد العلماء والفقهاء الكبار من التابعين مات بعد التسعين.
في الصحيح: أي: صحيح البخاري.
عن أبيه: المسيب صحابيّ توفي في خلافة عثمان.
لما حضرت أبا طالب الوفاة: أي: علاماتها ومقدماتها.
يا عم: "عمِّ" منادى مضاف حذفت منه الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها.
стр. 151
كلمة: بالنصب على البدل من "لا إله إلا الله".
أحاج: بتشديد الجيم مفتوحة على الجزم بجواب الأمر –من المحاجة وهي بيان الحجة- أي أشهد لك بها عند الله.
أترغب؟ أتترك؟
ملة عبد المطلب: هي الشرك وعبادة الأصنام، ذكّره بحجة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] .
فأعاد عليه النبي: أي: أعاد عليه مقالته وهي قولُه: يا عم قل لا إله إلا الله.
وأعادا عليه: أي: أعاد عليه أبو جهل وعبد الله مقالتهما وهي: "أترغب عن ملة عبد المطلب"؟
هو على ملة عبد المطلب: استبدل الراوي بضمير المتكلم ضمير الغائب استقباحاً للفظ المذكور.
وأبى أن يقول: لا إله إلا الله: هذا تأكيدٌ لما قبله.
ما كان للنبي: أي: ما ينبغي، وهو خبرٌ بمعنى النهي.
المعنى الإجمالي للحديث: كان أبو طالب يحمي النبي – ﷺ من أذى قومه، وفعل من حمايته ما لم يفعله غيرُه من الناس، فكان – ﷺ حريصاً على هدايته، ومن ذلك أنه عاده لما مرض فجاءه وهو في سياق الموت وعرض عليه الإسلام؛ ليكون خاتمة حياته ليحصل له بذلك الفوز والسعادة، وطلب منه أن يقول كلمة التوحيد. وعرض عليه المشركون أن يبقى على دين آبائه الذي هو الشرك؛ لعلمهم بما تدل عليه هذه الكلمة من نفي الشرك وإخلاص العبادة لله وحده. وأعاد النبي – ﷺ طلب التلفظ بالشهادة من عمه. وأعاد المشركون المعارضة وصاروا
стр. 152
سبباً لصده عن الحق وموته على الشرك.
وعند ذلك حلف النبي ﷺ ليطلُبن له من الله المغفرة ما لم يمنع من ذلك. فأنزل الله المنع من ذلك وبيّن له أن الهداية بيد الله يتفضل بها على من يشاء؛ لأنه يعلم من يصلح لها ممن لا يصلح.
مناسبة الحديث للباب: أن الرسول ﷺ لا يملك نفعاً لمن هو أقرب الناس إليه، مما يدل على بطلان التعلق عليه ﷺ لجلب النفع أو دفع الضر، وغيره من باب أولى.
ما يستفاد من الحديث:
١- جواز عيادة المريض المشرك إذا رُجي إسلامه.
٢- مضرة أصحاب السوء وقرناء الشر على الإنسان.
٣- أن معنى لا إله إلا الله ترك عبادة الأصنام والأولياء والصالحين وإفراد الله بالعبادة. وأن المشركين يعرفون معناها.
٤- أن من قال لا إله إلا الله عن علمٍ ويقين واعتقادٍ دخل في الإسلام.
٥- أن الأعمال بالخواتيم.
٦- تحريم الاستغفار للمشركين وتحريم موالاتهم، ومحبتهم.
٧- بطلان التعلق على النبي ﷺ وغيره لجلب النفع أو دفع الضرر.
٨- الرد على من زعم إسلام أبي طالب.
٩- مضرة تقليد الآباء والأكابر بحيث يُجعل قولهم حجة يرجع إليها عند التنازع.
* * *
стр. 153
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما بين بعض ما يفعله عبّاد القبور مع الأموات من الشرك المضاد للتوحيد أراد في هذا الباب أن يبين السبب في ذلك ليحذر ويجتنب وهو الغلو في الصالحين.
ما جاء: أي: من الأدلة.
تركهم: بالجر عطفاً على المضاف إليه "كفر".
الغلو: هو: مجاوزة الحد والإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد وتعدي ما أمر الله تعالى به.
في الصالحين: من الأنبياء والأولياء وغيرهم.
أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى.
لا تغلوا في دينكم: لا تتعدوا ما حدد الله لكم، فغلا النصارى في المسيح وغلا اليهود في عزيز.
المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله اليهود والنصارى عن تعدّي ما حدد الله لهم بأن لا يرفعوا المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله وينزلوه
стр. 154
المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها النهي عن الغلو مطلقاً، فيشمل الغلو في الصالحين، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فإنه عام يتناول جميع الأمة تحذيراً لهم أن يفعلوا في نبيهم وصالحيهم فعل النصارى في المسيح واليهود في عزيز.
ما يستفاد من الآية:
١- تحريم الغلو في الأشخاص والأعمال وغير ذلك.
٢- الرد على اليهود والنصارى ومن شابههم في غلوهم في الأشخاص والأعمال وغير ذلك.
٣- الحث على لزوم الاعتدال في الدين وجميع الأمور بين جانبي الأفراط والتفريط.
٤- التحذير من الشرك وأسبابه ووسائله.
* * *
стр. 155
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت" (١) .
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
ــ
ترجمة ابن القيم: هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، مات سنة ٧٥١هـ ﵀. وله مؤلفات مفيدة مشهورة.
لا تذرن آلهتكم: لا تتركوا عبادتها.
ولا تذرون وداً ... إلخ: أي: ولا تتركوا هؤلاء خصوصاً.
فلما هلكوا: أي: مات أولئك الصالحون وحزن عليهم قومهم حزناً شديداً.
стр. 156
أوحى الشيطان إلى قومهم: أي: وسوس وألقى إليهم.
انصبوا: بكسر الصاد.
أنصاباً: أي: أصناماً مصورة على صورهم.
حتى إذا هلك أولئك: أي: الذين نصبوها ليتذكروا برؤيتها أفعال أصحابها فينشطوا على العبادة.
ونُسي العلم: أي: زالت المعرفة وغلب الجهال الذين لا يميزون بين الشرك والتوحيد.
عُبدت: أي: تلك الأصنام لما قال لهم الشيطان: إن آباءكم كانوا يعبدونها.
ج- المعنى الإجمالي للأثر:
يفسر ابن عباس –﵄ هذه الآية الكريمة بأن هذه الآلهة التي ذكر الله أن قوم نوح تواصوا بالاستمرار على عبادتها بعدما نهاهم نبيهم نوح –﵇ عن الشرك بالله –أنها في الأصل أسماء رجال صالحين منهم، غلوا فيهم بتسويل الشيطان لهم حتى نصبوا صورهم، فآل الأمر بهذه الصور إلى أن صارت أصناماً تعبد من دون الله.
وما ذكره ابن القيم هو بمعنى ما ذكره البخاري إلا أنه ذكر أن عكوفهم على قبورهم كان قبل تصويرهم، فهو يضيف إلى ما سبق أن العكوف على القبور سببٌ لعبادتها أيضاً.
مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن الغلو في الصالحين سببٌ لعبادتهم من دون الله.
ما يستفاد من الأثر:
١- أن الغلو في الصالحين سببٌ لعبادتهم من دون الله وترك الدين
стр. 157
بالكلية.
٢- التحذير من التصوير وتعليق الصور، لا سيما صور العظماء.
٣- التحذير من مكر الشيطان وعرضه الباطل في صورة الحق.
٤- التحذير من البدع والمحدثات ولو حسُن قصد فاعلها.
٥- أن هذه وسائل إلى الشرك فيجب الحذر منها.
٦- معرفة قدر وجود العلم ومضرة فقده.
٧- أن سبب فقد العلم هو موت العلماء.
٨- التحذير من التقليد، وأنه قد يؤول بأهله إلى المروق من الإسلام.
* * *
стр. 158
وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه (١) .
ــ
ترجمة عمر ﵁: هو عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد الصديق استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣هـ.
لا تطروني: الإطراء؛ مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه.
كما أطرت النصارى ابن مريم: أي: كما غلت النصارى في عيسى ﵇ حتى ادَّعوا فيه الألوهية.
فقولوا عبد الله ورسوله: أي: صفوني بذلك كما وصفني به ربي.
معنى الحديث إجمالاً: يقول ﷺ : لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ﵇ فادعوا فيه الألوهية. إني لا أعدو أن أكون عبداً لله ورسولاً منه فصفوني بذلك ولا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله.
مناسبة الحديث للباب: أن الرسول ﷺ نهى عن الغلو في حقه بإعطائه شيئاً من خصائص الربوبية، مما يدل على تحريم الغلو، وأنه يفضي إلى الشرك كما أفضى بالنصارى في حق عيسى.
стр. 159
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم مجاوزة الحد في مدح النبي – ﷺ وإخراجه من دائرة العبودية، لأن ذلك هو الشرك بالله.
٢- شدة نصحه – ﷺ لأمته.
٣- أن الغلو في الصالحين سببٌ للوقوع في الشرك.
٤- التحذير من التشبه بالكفار.
* * *
стр. 160
قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (١) .
ــ
راوي الحديث: هذا الحديث ذكره المصنف ﵀ دون ذكر روايه. وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس.
إياكم: كلمة تحذير.
والغلو: منصوب على التحذير بفعل مقدر، وهو مجاوزة الحد.
من كان قبلكم: من الأمم.
معنى الحديث إجمالاً: يحذر النبي ﷺ أمته من الزيادة في الدين على الحد المشروع، وهو عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، ومن ذلك الغلو في تعظيم الصالحين مما يكون سبباً في هلاك الأمم السابقة؛ وذلك يقتضي مجانبة هديهم في هذا إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به؛ لأن المشارك لهم في بعض هديهم يُخاف عليه من الهلاك مثلهم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو مطلقاً، وبيان أنه سببٌ للهلاك في الدنيا والآخرة، فيدخل فيه النهي عن الغلو في
стр. 161
الصالحين من باب أولى؛ لأنه سبب للشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن الغلو وبيان سوء عاقبته.
٢- الاعتبار بمن سبقنا من الأمم لتجنب ما وقعوا فيه من الأخطاء.
٣- حرصه ﷺ على نجاة أمته من الشرك ووسائله وابتعادهم عنه.
٤- الحث على الاعتدال في العبادة وغيرها بين جانبيّ الإفراط والتفريط.
٥- أن الغلو في الصالحين سببٌ للوقوع في الشرك.
٦- شدة خوفه ﷺ من الشرك والتحذير عنه.
* * *
стр. 162
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً (١) .
ــ
المتنطعون: المتعمقون في الشيء من كلامٍ وعبادةٍ وغيرها.
ثلاثاً: أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في الإبلاغ والتعليم.
المعنى الإجمالي للحديث: يوضح النبي ﷺ أن التعمق في الأشياء والغلو فيها يكون سبباً للهلاك، ومراده ﷺ النهي عن ذلك.
مناسبة الحديث للباب: أن التنطع من الغلو المنهي عنه، ويدخل في ذلك التنطع في تعظيم الصالحين إلى الحد الذي يفضي إلى الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- الحث على اجتناب التنطع في كل شيء؛ لا سيما في العبادات وتقدير الصالحين.
٢- الحث على الاعتدال في كل شيء.
٣- شدة حرصه على نجاة أمته، واجتهاده في الإبلاغ ﷺ .
стр. 163
باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده
في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (١) .
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: هي بيان أن عبادة الله عند القبر وسيلةٌ إلى الشرك المنافي للتوحيد.
ترجمة أم سلمة: هي أم المؤمنين هند بنت أمية المخزومية القرشية ماتت سنة ٦٢هـ ﵂.
ذكرتْ للنبي ﷺ : أي: في مرض موته.
كنيسة: بفتح الكاف وكسر النون: معبد النصارى.
стр. 164
أولئك؛ بفتح الكاف وكسرها.
الرجل الصالح أو العبد الصالح: هذا –والله أعلم- شكٌّ من الراوي.
تلك الصور: أي: التي ذكرتْ أم سلمة.
فهؤلاء ... إلخ: هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ذكره المصنف كالتوضيح لمعنى الحديث.
المعنى الإجمالي للحديث: أن أمّ سلمة وصفت عند النبي – ﷺ وهو في مرض الموت –ما شاهدته في معبد النصارى من صور الآدميّين. فبين – ﷺ السبب الذي من أجله اتخذوا هذه الصور؛ وهو الغلو في تعظيم الصالحين؛ مما أدى بهم إلى بناء المساجد على قبورهم ونصب صورهم فيها، ثم بيّن حكم من فعل ذلك بأنهم شرار الناس؛ لأنهم جمعوا بين محذورين في هذا الصنيع هما: فتنة القبور باتخاذها مساجد، وفتنة تعظيم التماثيل مما يؤدي إلى الشرك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الدلالة الواضحة على المنع من عبادة الله عند قبور الصالحين واتخاذها مساجد؛ لأن ذلك من فعل النصارى ومن فَعَله فهو من شرار الخلق.
ما يستفاد من الحديث:
١- المنع من عبادة الله عند قبور الصالحين؛ لأنه وسيلة إلى الشرك وهو من فعل النصارى.
٢- التحدث عما يفعله الكفار –ليحذره المسلمون.
٣- التحذير من التصوير ونصب الصور؛ لأن ذلك وسيلةٌ إلى الشرك.
٤- أن من بنى مسجداً عند قبر رجل صالح فهو من شرار الخلق وإن حسنت نيته.
стр. 165
ولهما عنها قالت: "لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجداً (١) . أخرجاه.
ــ
ولهما: أي: البخاري ومسلم، وهو يغني عن قوله في آخره: أخرجاه، فلعله سبق قلم.
عنها: أي: عائشة –﵂.
لما نُزل: بضم النون وكسر الزاي أي: نزل به ملك الموت.
طفق: بكسر الفاء وفتحها أي: جعل.
خميصة: كساءٌ له أعلام أي: خطوط.
اغتم بها: أي: غمّته فاحتبس نفسُه عن الخروج.
كشفها: أي: أزالها عن وجهه الشريف.
فقال وهو كذلك: أي: في هذه الحالة الحرجة يقاسي شدة النزع.
يحذّر ما صنعوا: أي: لعنهم تحذيراً لأمته أن تصنع ما صنعوا.
ولولا ذلك: أي: لولا تحذير النبي – ﷺ مما صنعوا ولعنُه من فعَله.
لأُبرز قبرُه: أي: لدُفن خارج بيته.
خَشي: يُروى بفتح الخاء بالبناء للفاعل فيكون المعنى: أنّ
стр. 166
الرسول – ﷺ هو الذي أمرهم بعدم إبراز قبره. ويُروى بضم الخاء بالبناء للمفعول فيكون المعنى: أن الصحابة هم الذين خشوا ذلك فلم يُبرزوا قبره.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي – ﷺ حرصاً منه على حماية التوحيد وتجنيب الأمة ما وقعت فيه الأمم الضالة من الغلو في قبور أنبيائهم حتى آل ذلك بهم إلى الشرك جعل – ﷺ وهو في سياق الموت ومقاساة شدة النزع- يحذر أمته أن لا يغلو في قبره فيتخذوه مسجداً يصلون عنده؛ كما فعلت اليهود والنصارى ذلك مع قبور أنبيائهم، فصلى الله عليه لقد بلّغ البلاغ المبين.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه المنع من عبادة الله عند قبور الأنبياء واتخاذها مساجد؛ لأنه يُفضي إلى الشرك بالله.
ما يستفاد من الحديث:
١- المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يُصلى فيها لله، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك.
٢- شدة اهتمام الرسول – ﷺ واعتنائه بالتوحيد وخوفِه أن يعظّم قبره، لأن ذلك يفضي إلى الشرك.
٣- جواز لعن اليهود والنصارى ومن فعل مثل فعلهم من البناء على القبور واتخاذها مساجد.
٤- بيان الحكمة من دفن النبي – ﷺ في بيته، وأن ذلك لمنع الافتتان به.
٥- أن النبي – ﷺ بشرٌ يَجري عليه ما يجري على البشر من الموت وشدة النزع.
* * *
стр. 167
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً. ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" (١) .
ــ
التراجم:
١- جندب هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي صحابيٌّ مشهور، مات بعد الستين –﵁.
٢- أبا بكر هو؛ أبو بكرٍ الصديق: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب التيمي خليفة رسول الله – ﷺ وأفضل الصحابة بالإجماع، مات سنة ١٣ وله ٦٣ سنة ﵁.
بخمس: أي: خمس ليال. وقيل: خمس سنين.
إني أبرأ: أي: أمتنع وأنكر.
خليلاً؛ الخليل هو: المحبوب غاية الحب.
ألا: حرف استفتاح وتنبيه.
من كان قبلكم: يعني: اليهود والنصارى.
يتخذون قبور أنبيائهم مساجد: بالصلاة عندها وإليها، وبناءِ
стр. 168
المساجد والقباب عليها.
المعنى الإجمالي للحديث: يتحدث – ﷺ قبيل وفاته إلى أمته بحديث مهمّ، فيخبر عن مكانته عند الله، وأنها بلغت أعلى درجات المحبة؛ كما نالها إبراهيم ﵇، ولذلك نفى أن يكون له خليلٌ غير الله؛ لأن قلبه امتلأ من محبته وتعظيمه ومعرفته؛ فلا يتسع لأحد. ولو كان له خليلٌ من الخلق لكان أبا بكر الصديق، وهو إشارةٌ إلى فضل أبي بكر واستخلافه من بعده. ثم أخبر عن غلو اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم حتى صيّروها متعبدات شركية، ونهى أمته أن يفعلوا مثل فعلهم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن اتخاذ القبور أمكنة للعبادة؛ لأنه وسيلة إلى الشرك. كما تفعل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل البدع.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن اتخاذ القبور أمكنة للعبادة يُصلى عندها أو إليها ويُبنى عليها مساجد أو قبابٌ، حذراً من الوقوع في الشرك بسبب ذلك.
٢- سد الذرائع المفضية إلى الشرك.
٣- إثبات المحبة لله سبحانه على ما يليق بجلاله.
٤- فضل الخليلين: محمد وإبراهيم ﵉.
٥- فضل أبي بكر الصديق، وأنه أفضل الأمة على الإطلاق.
٦- أنه دليل على خلافة أبي بكر الصديق.
* * *
стр. 169
فقد نهى عنه وهو في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق مَن فَعَلَه. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبْنَ مسجد. وهو معنى قولِها: خشي أن يتخذ مسجداً. فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً.
وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال ﷺ : "جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (١) .
ــ
هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يوضح به ما تدل عليه الأحاديث السابقة في الباب.
توضيح كلام ابن تيمية:
فقوله: "فقد نهى عنه في آخر حياته": كما في حديث جندب.
وقوله: "ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله": كما في حديث عائشة.
وقوله: "والصلاة عندها من ذلك" أي: من اتخاذها مساجد.
وقوله: "وإن لم يُبن مسجدٌ" أي: الصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد الملعون من فعله ولو بدون بناء مساجد.
وقوله: "وهو معنى قولِها: خَشي أن يُتخذ مسجداً" أي: معنى قول عائشة في تعليل دفن النبي – ﷺ في بيته وعدم إبراز قبره.
وقوله: "فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً" أي:
стр. 170
لما علموا من تشديده – ﷺ في ذلك وتغليظه ولعنِ من فعله فيكون المقصود النهي عن الصلاة عندها.
وقوله: "وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتُخذ مسجداً"؛ لكونه أُعد للصلاة وإن لم يُبن.
وقوله: "بل كل موضع يُصلى فيه يسمى مسجداً" أي: وإن لم يقصد بذلك بخصوصه، بل أوقعت فيه الصلاة عرضاً لما حان وقتها فيه.
وقوله: كما قال النبي – ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" أراد به الاستدلال للجملة التي قبله، حيث سمى – ﷺ في هذا الحديث الأرض مسجداً، تجوز الصلاة في كل بقعة منها إلا ما استثناه الدليل.
* * *
стр. 171
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود –﵁ مرفوعاً: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" (١) ورواه أبو حاتم في صحيحه.
ــ
شرار الناس: بكسر الشين جمع شرّ، أفعل تفضيل.
من تدركهم الساعة: أي: مقدماتها: كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها.
يتخذون القبور مساجد: أي: بالصلاة عندها وإليها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ عمن تقوم الساعة عليهم وهم أحياءٌ أنهم شرار الناس، ومنهم الذين يصلون عند القبور وإليها ويبنون عليها القباب، وهذا تحذيرٌ لأمته أن تفعل مع قبور نبيهم وصالحيهم مثل فعل هؤلاء الأشرار.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من اتخاذ القبور مساجد، يُصلى في ساحتها ويُتبرك بها؛ لأنه ذريعةٌ إلى الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- التحذير عن الصلاة عند القبور، لأنه وسيلةٌ إلى الشرك.
٢- أن من اتخذ قبور الصالحين مساجد للصلاة فيها فهو من شرار الخلق، وإن كان قصده التقرب إلى الله.
٣- أن الساعة تقوم على شرار الناس.
стр. 172
٤- التحذير عن الشرك ووسائله وما يقرب إليه، مهما كان قصد صاحب تلك الوسائل.
* * *
стр. 173
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثاناً تعبد من دون الله
روى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد. اشتد غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١) .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما حذر في الباب الذي قبله من الغلو في الصالحين أراد أن يبين في هذا الباب أن الغلو في القبور وسيلةٌ إلى الشرك المضاد للتوحيد وذلك بعبادة الأموات. كما أراد أيضاً التحذير من الغلو في القبور.
ترجمة الإمام مالك: هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي -إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة توفي سنة ١٧٩ هـ رحمه الله تعالى.
اللهم: منادى مبنيٌ على الضم في محل نصب، والميم المشددة زائدة.
وثناً: هو المعبود الذي لا صورة له: كالقبور والأشجار والعُمد والحيطان والأحجار ونحوِها.
стр. 174
المعنى الإجمالي للحديث: خاف – ﷺ أن يقع في أمته مع قبره ما وقع من اليهود والنصارى مع قبور أنبيائهم من الغلو فيها حتى صارت أوثاناً، فرغِب إلى ربه أن لا يجعل قبره كذلك. ثم نبّه – ﷺ على سبب لحوق شدة الغضب واللعنة باليهود والنصارى. أنه ما فعلوا في حق قبور الأنبياء حتى صيّروها أوثاناً تعبد، فوقعوا في الشرك العظيم المضاد للتوحيد.
مناسبة الحديث للباب: أن الغلو في القبور يجعلها أوثاناً تُعبد؛ لأن النبي – ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد" وبيّن ذلك بقوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الغلو في قبور الأنبياء يجعلُها أوثاناً تُعبد.
٢- أن من الغلو في القبور اتخاذها مساجد، وهذا يؤدّي إلى الشرك.
٣- إثبات اتصاف الله سبحانه بالغضب على ما يليق بجلاله.
* * *
стр. 175
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] .
قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره.
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
ــ
التراجم:
١- ابن جرير هو: الإمام الحافظ محمد بن جرير الطبري، صاحب التفسير مات سنة ٣١٠ هـ ﵀.
٢- سفيان: الأظهر أنه سفيان بن سعيد الثوري إمامٌ حجة عابد، مات سنة ١٦١هـ. ﵀.
٣- منصور هو: ابن المعتمر ثقةٌ فقيهٌ مات سنة ١٣٢هـ. ﵀.
٤- مجاهد هو: ابن جبر ثقة إمام في التفسير، أخذ عن ابن عباس وغيره مات سنة ١٠٤هـ. ﵀.
٥- أبو الجوزاء هو؛ أوس بن عبد الله الرّبعي ثقةٌ مشهورٌ مات سنة ٨٣هـ. ﵀.
يلت السويق: أي يخلطه بسمن ونحوه.
عكفوا على قبره: أقبلوا وواظبوا واحتبسوا عليه.
مناسبة الأثر للباب: أن سبب عبادة اللات هو الغلو في قبره حتى صار وثناً يُعبد.
* * *
стр. 176
وعن ابن عباس –﵄ قال: "لعن رسول الله – ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج" (١) رواه أهل السنن.
ــ
أهل السنن: أي: أبو داود والترمذي وابن ماجه. ولم يروِه النسائي.
زائرات القبور: أي: من النساء.
والسُّرج: أي: الذين يوقِدون السرج على المقابر ويضيؤونها.
معنى الحديث إجمالاً: يدعو – ﷺ باللعنة وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله للنساء اللاتي يزُرن القبور؛ لأن زيارتهن يترتب عليها مفاسد منا النياحة والجزع وافتتان الرجال بهن. ولَعن الذين يتخذون المقابر مواطن عبادة أو يضيؤونها بالسّرج والقناديل؛ لأن هذا غلوٌ فيها ومدعاة للشرك بأصحابها.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على تحريم الغلو في القبور؛ لأن ذلك يصيّرها أوثاناً تُعبد.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم الغلوّ في القبور باتخاذها مواطن للعبادة؛ لأنه يفضي إلى الشرك.
стр. 177
٢- تحريم تنوير المقابر؛ لأن ذلك وسيلةٌ لعبادتها.
٣- أن الغلو في القبور من الكبائر.
٤- أن علة النهي عن الصلاة عند القبور هي: خوف الشرك، لا لأجل النجاسة؛ لأن الرسول – ﷺ قرن بين اتخاذها مساجد وإسراجها ولعن على الأمرين. وليس اللعن على إسراجها من أجل النجاسة، بفكذا الصلاة عندها.
* * *
стр. 178
باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصّل إلى الشرك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما بين في الأبواب السابقة شيئاً من حمايته ﷺ لجناب التوحيد، أراد أن يبين في هذا الباب حمايته الخاصة.
المصطفى: هو المختار.
جناب: أي: جانب.
جاءكم: يا معشر العرب.
من أنفسكم: من جنسكم وبلغتكم.
عزيز عليه: أي: شديد عليه جداً -وهو خبرٌ مقدم.
ما عنتم: ما يشق عليكم ويلحق الأذى بكم من كفر وضلال وقتل وأسر و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأٌ مؤخر.
حريص عليكم: أي: شديد الحرص والرغبة في هدايتكم وحصول النفع العاجل والآجل لكم.
стр. 179
بالمؤمنين: أي: لا بغيرهم.
رءوف: بليغ الشفقة.
رحيم: بليغ الرحمة.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عباده على سبيل الامتنان أنه بعث فيهم رسولاً عظيماً من جنسهم وبلغتهم، يشق عليه جداً ما يشق عليهم، ويؤذيه ما يؤذيهم، شديد الحرص على هدايتهم وحصول النفع لهم، شديد الشفقة والرحمة بالمؤمنين خاصة منهم.
مناسبة الآية للباب: أن هذه الأوصاف المذكورة فيها في حق النبي – ﷺ تقتضي أنه أنذر أمته وحذّرهم عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب؛ لأن هذا هو المقصود الأعظم في رسالته.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الرسول – ﷺ قد حذّر أمته من الشرك وباعدها منه وسد كل طريق يفضي بها إليه.
٢- التنبيه على نعمة الله على عباده بإرسال هذا الرسول الكريم إليهم وكونه منهم.
٣- مدح نسب الرسول – ﷺ فهو من صميم العرب وأشرفهم بيتاً ونسباً.
٤- بيان رأفته ورحمته بالمؤمنين.
٥- فيها دليلٌ على غلظته وشدته على الكفار والمنافقين.
* * *
стр. 180
وعن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (١) رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات.
ــ
لا تجعلوا بيوتكم قبوراً: لا تعطّلوها من صلاة النافلة والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور.
ولا تجعلوا قبري عيداً: العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان. أي: لا تتخذوا قبري محل اجتماعٍ تترددون إليه وتعتادونه للصلاة والدعاء وغير ذلك.
فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم: أي ما ينالني منكم من الصلاة يحصل مع قربكم وبعدكم من قبري فلا حاجة بكم إلى المجيء إليه والتردد عليه.
المعنى الإجمالي للحديث: نهى – ﷺ عن تعطيل البيوت من صلاة النافلة فيها والدعاء وقراءة القرآن فتكون بمنزلة القبور؛ لأن النهي عن الصلاة عند القبور قد تقرر عندهم فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك، ونهى عن تكرار زيارة قبره والاجتماع عنده على وجهٍ معتاد لأجل الدعاء والتقرب؛ لأن ذلك وسيلةٌ إلى الشرك، وأمر بالاكتفاء عن ذلك بكثرة الصلاة والسلام عليه في أي مكان من الأرض؛ لأن ذلك يبلغه من القريب والبعيد على حدّ سواء، فلا حاجة إلى انتياب قبره.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه حسماً لمادة الشرك، وسداً للطرق