← Акыда

Акыда · id 9950

الملخص في شرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (431 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وعن ابن عباس –﵄ قال: "لعن رسول الله – ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج" (١) رواه أهل السنن. ــ أهل السنن: أي: أبو داود والترمذي وابن ماجه. ولم يروِه النسائي. زائرات القبور: أي: من النساء. والسُّرج: أي: الذين يوقِدون السرج على المقابر ويضيؤونها. معنى الحديث إجمالاً: يدعو – ﷺ باللعنة وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله للنساء اللاتي يزُرن القبور؛ لأن زيارتهن يترتب عليها مفاسد منا النياحة والجزع وافتتان الرجال بهن. ولَعن الذين يتخذون المقابر مواطن عبادة أو يضيؤونها بالسّرج والقناديل؛ لأن هذا غلوٌ فيها ومدعاة للشرك بأصحابها. مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على تحريم الغلو في القبور؛ لأن ذلك يصيّرها أوثاناً تُعبد. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الغلوّ في القبور باتخاذها مواطن للعبادة؛ لأنه يفضي إلى الشرك.

стр. 177

٢- تحريم تنوير المقابر؛ لأن ذلك وسيلةٌ لعبادتها. ٣- أن الغلو في القبور من الكبائر. ٤- أن علة النهي عن الصلاة عند القبور هي: خوف الشرك، لا لأجل النجاسة؛ لأن الرسول – ﷺ قرن بين اتخاذها مساجد وإسراجها ولعن على الأمرين. وليس اللعن على إسراجها من أجل النجاسة، بفكذا الصلاة عندها. * * *

стр. 178

باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصّل إلى الشرك وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الآية. ــ تمام الآية: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما بين في الأبواب السابقة شيئاً من حمايته ﷺ لجناب التوحيد، أراد أن يبين في هذا الباب حمايته الخاصة. المصطفى: هو المختار. جناب: أي: جانب. جاءكم: يا معشر العرب. من أنفسكم: من جنسكم وبلغتكم. عزيز عليه: أي: شديد عليه جداً -وهو خبرٌ مقدم. ما عنتم: ما يشق عليكم ويلحق الأذى بكم من كفر وضلال وقتل وأسر و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأٌ مؤخر. حريص عليكم: أي: شديد الحرص والرغبة في هدايتكم وحصول النفع العاجل والآجل لكم.

стр. 179

بالمؤمنين: أي: لا بغيرهم. رءوف: بليغ الشفقة. رحيم: بليغ الرحمة. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عباده على سبيل الامتنان أنه بعث فيهم رسولاً عظيماً من جنسهم وبلغتهم، يشق عليه جداً ما يشق عليهم، ويؤذيه ما يؤذيهم، شديد الحرص على هدايتهم وحصول النفع لهم، شديد الشفقة والرحمة بالمؤمنين خاصة منهم. مناسبة الآية للباب: أن هذه الأوصاف المذكورة فيها في حق النبي – ﷺ تقتضي أنه أنذر أمته وحذّرهم عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب؛ لأن هذا هو المقصود الأعظم في رسالته. ما يستفاد من الآية: ١- أن الرسول – ﷺ قد حذّر أمته من الشرك وباعدها منه وسد كل طريق يفضي بها إليه. ٢- التنبيه على نعمة الله على عباده بإرسال هذا الرسول الكريم إليهم وكونه منهم. ٣- مدح نسب الرسول – ﷺ فهو من صميم العرب وأشرفهم بيتاً ونسباً. ٤- بيان رأفته ورحمته بالمؤمنين. ٥- فيها دليلٌ على غلظته وشدته على الكفار والمنافقين. * * *

стр. 180

وعن أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (١) رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات. ــ لا تجعلوا بيوتكم قبوراً: لا تعطّلوها من صلاة النافلة والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور. ولا تجعلوا قبري عيداً: العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان. أي: لا تتخذوا قبري محل اجتماعٍ تترددون إليه وتعتادونه للصلاة والدعاء وغير ذلك. فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم: أي ما ينالني منكم من الصلاة يحصل مع قربكم وبعدكم من قبري فلا حاجة بكم إلى المجيء إليه والتردد عليه. المعنى الإجمالي للحديث: نهى – ﷺ عن تعطيل البيوت من صلاة النافلة فيها والدعاء وقراءة القرآن فتكون بمنزلة القبور؛ لأن النهي عن الصلاة عند القبور قد تقرر عندهم فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك، ونهى عن تكرار زيارة قبره والاجتماع عنده على وجهٍ معتاد لأجل الدعاء والتقرب؛ لأن ذلك وسيلةٌ إلى الشرك، وأمر بالاكتفاء عن ذلك بكثرة الصلاة والسلام عليه في أي مكان من الأرض؛ لأن ذلك يبلغه من القريب والبعيد على حدّ سواء، فلا حاجة إلى انتياب قبره. مناسبة الحديث للباب: أن فيه حسماً لمادة الشرك، وسداً للطرق

стр. 181

الموصلة إليه؛ حيث أفاد أن القبور لا يصلَّى عندها، ونهى عن الاجتماع عند قبره واعتياد المجيء إليه؛ لأن ذلك مما يوصل إلى الشرك. ما يستفاد من الحديث: ١- سد الطرق المفضية إلى الشرك من الصلاة عند القبور والغلو في قبره – ﷺ بأن يجعل محل اجتماع وارتياد ترتب له زيارات مخصوصة. ٢- مشروعية الصلاة والسلام عليه في جميع أنحاء الأرض. ٣- أنه لا مزية للقرب من قبره – ﷺ . ٤- المنع من السفر لزيارة قبره – ﷺ . ٥- حمايته – ﷺ جناب التوحيد. * * *

стр. 182

وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يبلغني أينما -أو حيث- كنتم" رواه في المختارة. ــ ترجمة علي بن الحسين: هو: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين أفضل التابعين مات سنة ٩٣هـ. فرجة: أي: فتحة في الجدار. المختارة: اسم كتابٍ يشتمل على الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين لمؤلفه ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي ﵀. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن قصد قبر النبي ﷺ لأجل الدعاء عنده، فغيرُه من القبور من باب أولى؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيداً، وهو وسيلةٌ إلى الشرك. ما يستفاد من الحديث: ١- النهي عن الدعاء عند قبر النبي ﷺ ؛ حمايةً لحمى التوحيد. ٢- مشروعية إنكار المنكر وتعليم الجاهل. ٣- المنع من السفر لزيارة قبر الرسول ﷺ ؛ حمايةً للتوحيد. ٤- أن الغرض الشرعي من زيارة قبر النبي ﷺ هو السلام عليه فقط؛ وذلك يبلغه من القريب والبعيد. * * *

стр. 183

باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] . ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف لما ذكر التوحيد وما ينافيه أو يُنقِصه من الشرك، ذكر هذا الباب أن هذا الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة، قصد بذلك الردّ على عُبّاد القبور الذين يفعلون الشرك ويقولون: لا يقع في هذه الأمة المحمدية شركٌ، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله. الأوثان: جمع وثن، وهو ما قُصد بنوع من أنواع العبادة من القبور والمشاهد وغيرها. ألم تر: ألم تنظر. الذين أوتوا: أُعطوا وهم اليهود والنصارى. نصيباً: حظاً. يؤمنون: يصدقون. بالجبت: وهو كلمةٌ تقع على الصنم والكاهن والساحر. والطاغوت: من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من تجاوز الحد المقدار والحد فهو طاغوت، والمراد به هنا الشيطان.

стр. 184

المعنى الإجمالي للآية: يقول الله لنبيه – ﷺ على وجه التعجب والاستنكار! ألم تنظر إلى هؤلاء اليهود والنصارى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله الذي فيه بيان الحق من الباطل، ومع هذا يصدقون بالباطل من عبادة الأصنام والكهانة والسحر، ويطيعون الشيطان في ذلك. مناسبة الآية للباب: أنه إذا كان الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، فهذه الأمة التي أوتيت القرآن لا ينكرولا يستبعد أن تعبد الجبت والطاغوت؛ لأن الرسول – ﷺ أخبر أنه سيكون في هذه الأمة من يفعل مثل فعل اليهود والنصارى موافقةً لهم ولو كان يبغضها ويعرف بُطلانها. ما يستفاد من الآية: ١- أنه سيكون في هذه الأمة من يعبد الأوثان كما حدث لليهود والنصارى. ٢- أن الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع معناه موافقةُ أصحابها ولو كان يبغضها ويعرف بُطلانها. ٣- أن الكفر بالجبت والطاغوت واجبٌ في جميع الكتب السماوية. ٤- وجوب العمل بالعلم، وأن من لم يعمل بعلمه ففيه شبهٌ من اليهود والنصارى. * * *

стр. 185

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] . ــ قل: الخطاب لمحمد – ﷺ . هل أنبئكم: أخبركم. بشرّ من ذلك: الذي ذكرتم في حقّنا من الذم زوراً وبهتاناً من قولكم في حقنا: "ما رأينا شراً منكم". مثوبة عند الله: أي: جزاءً عنده يوم القيامة نُصب على التمييز، وهذا يصدق عليكم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات لا نحن. من لعنه الله: طرده وأبعده من رحمته. وغضب عليه: غضباً لا يرضى بعده. وجعل منهم القردة: وهم: أصحاب السبت من اليهود. والخنازير: وهم كفار مائدة عيسى من النصارى. وقيل كِلا المَسخين في أصحاب السبت من اليهود. فالشباب مُسخوا قردةً والشيوخ مُسخوا خنازير. وعبدَ الطاغوتَ: أي: وجعل منهم من عبد الشيطان أيْ: أطاعه فيما سوّل له. المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى لنبيه: قل لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هُزُواً ولعباً من أهل الكتاب: هل أخبركم بمن ينال شر الجزاء يوم القيامة عند الله؛ إنه من اتصف بهذه الصفات التي هي الإبعاد

стр. 186

عن رحمة الله، ونيل غضبه الدائم، ومن مُسخت صورته ظاهراً بتحويله إلى قردٍ أو خنزير، وباطناً بطاعة الشيطان وإعراضه عن وحي الرحمن. وهذه الصفات إنما تنطبق عليكم يا أهل الكتاب ومن تشبه بكم لا علينا. مناسبة الآية للباب: أنه إذا كان في أهل الكتاب من عبَد الطاغوت من دون الله، فكذلك يكون في هذه الأمة من يفعل ذلك. ما يستفاد من الآية: ١- وقوع الشرك في هذه الأمة، كما كان في اليهود والنصارى من عبد الطاغوت. ٢- محاجة أهل الباطل وبيان ما فيهم من العيوب إذا نبزوا أهل الحق بما ليس فيهم. ٣- أن الجزاء إنما يكون على الأعمال، ويكون من جنس العمل. ٤- وصف الله بأنه يغضب ويلعن العصاة. ٥- أن طاعة الشيطان هي منشأ الشرك بالله. * * *

стр. 187

وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] . ــ الذين غلبوا على أمرهم: أي على أمر أصحاب الكهف وهم أصحاب الكلمة والنفوذ. لنتخذن عليهم: حولهم. مسجداً: يُصلى فيه ويقصدهم الناس ويتبركون بهم. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف على وجه الذم لهم أنهم قالوا لنتخذن حولهم مصلى يقصِده الناس ويتبركون بهم. مناسبة الآية للباب: أن فيها دليلاً على أنه سيكون في هذه الأمة من يتخذ المساجد على القبور، كما كان يفعله من كان قبلهم. ما يستفاد من الآية: ١- تحريم اتخاذ المساجد على القبور والتحذير من ذلك؛ لأنه يؤدي إلى الشرك. ٢- أنه سيكون في هذه الأمة من يتخذ المساجد على القبور كما فعله من كان قبلهم. ٣- التحذير من الغلو في الصالحين. ٤- أن اتخاذ المساجد على القبور من الغلو في الصالحين. * * *

стр. 188

عن أبي سعيد –﵁ أن رسول الله – ﷺ قال: "لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقُذَّة حتى لو دخلوا جُحر ضبّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (١) أخرجاه. ــ سَنَنَ: بفتح السين أي: طريق. من كان قبلكم: أي الذين قبلكم من الأمم. حذو: منصوبٌ على المصدر أي: تحذون حذوهم. القُذّة: بضم القاف: واحدة القُذَذ وهي ريش السهم. وله قذّتان متساويتان. حتى لو دخلوا جُحر ضب: أي: لو تُصوِّر دخولهم فيه مع ضيقه. لدخلتموه: لشدة سلوككم طريق من قبلكم. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى: أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم، أو تعني اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ استفهامٌ إنكاريٌّ أي: فمن هم غير أولئك. أخرجاه: أي: البخاري ومسلم. وهذا لفظ مسلم. المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ خبراً معناه النهي عما يتضمنه هذا الخبر: أن أمته لا تدع شيئاً مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كلَّه، لا تترك منه شيئاً ولو كان شيئاً تافهاً. ويؤكد هذا الخبرَ

стр. 189

بأنواع من التأكيدات، وهي اللام الموطئة للقسم، ونون التوكيد، ووصف مشابهتهم بأنها كمشابهة قذة السهم للقذة الأخرى، ثم وصفها بما هو أدق في التشبه بهم؛ بحيث لو فعلوا شيئاً تافهاً غريباً لكان في هذه الأمة من يفعله تشبُّهاً بهم. مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على وقوع الشرك في هذه الأمة؛ لأنه وُجد في الأمم قبلنا، ويكون في هذه الأمة من يفعله اتباعاً لهم. ما يستفاد من الحديث: ١- وقوع الشرك في هذه الأمة تقليداً لمن سبَقها من الأمم. ٢- علمٌ من أعلام نبوته حيث أخبر بذلك قبل وقوعه فوقع كما أخبر. ٣- التحذير من مشابهة الكفار. ٤- التحذير مما وقع فيه الكفار من الشرك بالله وغيره مما حرَّم الله تعالى. * * *

стр. 190

ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها. وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَنَة بِعَامَّة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا" (١) . ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئامٌ من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎". ــ ترجمة ثوبان: هو: مولى رسول الله – ﷺ صحِبَه ولازمَه وسَكَنَ

стр. 191

بعده بالشام، ومات بحمص سنة ٥٤هـ. زوى لي الأرض: طواها وجعلها مجموعة كهيئة كفٍّ في مرآةٍ ينظره، فأبصر ما تملكه أمته من أقصى مشارق الأرض ومغاربها. ما زُوِيَ لي منها: يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل، وأن يكون مبنياً للمفعول. الكنزين: كنزُ كسرى وهو ملكُ الفرس وكنز قيصرَ وهو ملكُ الروم. الأحمر: عبارةٌ عن كنز قيصر، لأن الغالب عندهم كان الذهب. والأبيض: عبارةٌ عن كنز كِسرى، لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة. والأحمر والأبيضَ منصوبان على البدل. بسنة: السنة: الجدْب. بعامّة: صفةٌ لسنةٍ رُوي بالباء وبحذفها –أي: جدبٌ عامّ يكون به الهلاك العام. من سوى أنفسهم: أي: من غيرهم من الكفار. بيضتهم: قيل ساحتهم وما حازوه من البلاد، وقيل معظمهم وجماعتهم. حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً: أي: حتى يوجد ذلك منهم، فعند ذلك يسلِّط عليهم عدوَّهم من الكفار. الأئمة المضلين: أي: الأمراء والعلماء والعباد الذين يقتدي بهم الناس. وإذا وقع عليهم السيف: أي: وقعت الفتنة والقتال بينهم. لم يُرفع إلى يوم القيامة: أي: تبقى الفتنة والقتال بينهم.

стр. 192

يلحق حيٌّ من أمتي: الحي واحد الأحياء وهي القبائل. بالمشركين: أي: ينزلون معهم في ديارهم. فئامٌ: أي: جماعات. خاتم النبيين: أي: آخر النبيين. حتى يأتي أمر الله: الظاهر أن المراد به: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين. تبارك: كمُل وتعاظم وتقدَّس، ولا يقال إلا لله. وتعالى: تعاظم وكمُل علُوُّه. المعنى الإجمالي للحديث: هذا حديثٌ جليلٌ يشتمل على أمور مهمة وأخبار صادقة، يخبر فيها الصادق المصدوق – ﷺ أن الله سبحانه جمع له الأرض حتى أبصر ما تملكه أمته من أقصى المشارق والمغارب، وهذا خبرٌ وُجد مخبره، فقد اتسع ملك أمته حتى بلغ من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وأخبر أنه أُعطي الكنزين فوقع كما أخبر، فقد حازت أمته ملكي كسرى وقيصر بما فيهما من الذهب والفضة والجوهر، وأخبر أنه سأل ربه لأمته أن لا يهلكهم بجدبٍ عامٍّ ولا يسلط عليهم عدواً من الكفار يستولي على بلادهم ويستأصل جماعتهم. وأن الله أعطاه المسألة الأولى، وأعطاه المسألة الثانية ما دامت الأمة متجنبة للاختلاف والتفرق والتناحر فيما بينها –فإذا وُجد ذلك سلط عليهم عدوهم من الكفار، وقد وقع كما أخبر حينما تفرقت الأمة. وتخوّف – ﷺ على أمته خطر الأمراء والعلماء الضالين المضلين؛ لأن الناس يقتدون بهم في ضلالهم. وأخبر أنها إذا وقعت الفتنة والقتال والأمة فإن ذلك يستمر فيها إلى يوم القيامة وقد وقع كما أخبر، فمنذ حدثتِ

стр. 193

الفتنة بمقتل عثمان ﵁ وهي مستمرة إلى اليوم. وأخبر أن بعض أمته يلحقون بأهل الشرك في الدار والديانة. وأن جماعاتٍ من الأمة ينتقلون إلى الشرك وقد وقع كما أخبر، فعُبدت القبور والأشجار والأحجار. وأخبر عن ظهور المدّعين للنبوة –وأن كل من ادعاها فهو كاذب؛ لأنها انتهت ببعثته – ﷺ . وبشّر – ﷺ ببقاء طائفة من أمته على الإسلام رغمَ وقوع هذه الكوارث والويلات، وأن هذه الطائفة مع قِلّتها لا تتضرر بكيد أعدائها ومخالفيها. مناسبة الحديث للباب: أن النبي – ﷺ أخبر فيه أن جماعات من أمته ستعبد الأوثان؛ ففيه الرد على من أنكر وقوع الشرك في الأمة. ما يستفاد من الحديث: ١- وقوع الشرك في هذه الأمة والرد على من نفى ذلك. ٢- علمٌ من أعلام نبوته – ﷺ حيث أخبر بأخبار وقع مضمونها كما أخبر. ٣- كمال شفقته – ﷺ بأمته حيث سأل ربه لها ما فيه خيرها وأعظمُه التوحيد، وتخوّف عليها ما يضرها وأعظمُه الشرك. ٤- تحذير الأمة من الاختلاف ودعاة الضلال. ٥- ختم النبوة به – ﷺ . ٦- البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية وببقاء طائفة عليه لا يضرها من خذلها ولا من خالفها. * * *

стр. 194

باب ما جاء في السحر وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] . قال عمر: الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطواغيت: كهّان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حيٍّ واحد. ــ مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لمّا كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدون الشرك، عقد له المصنف هذا الباب في كتاب التوحيد؛ ليبين ذلك تحذيراً منه. ما جاء: أي: من الوعيد وبيان منافاته للتوحيد وتكفير فاعله. في السحر: السحر لغة: عبارةٌ عما خفي ولطُف سببه. وشرعاً: عزائم ورقى وكلام يُتكلم به وأدوية وتدخينات وعُقد، يؤثر في القلوب والأبدان، فيُمرض ويَقتل ويفرّق بين المرء وزوجه. ولقد علموا: أي: علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل. لمن اشتراه: أي: رضي بالسحر عوضاً عن شرع الله ودينه. من خلاق: من نصيب.

стр. 195

الجبت: كلمةٌ تقع على الصنم والساحر والكاهن. وتفسير عمر له بالسحر من تفسير الشيء ببعض أفراده. الطاغوت: من الطغيان وهو: مجاوزة الحد، فكل من تجاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغوت. الطواغيت كهّانٌ: المراد به أن الكهان من الطواغيت فهو من أفراد المعنى وليس المراد الحصر. ينزل عليهم الشيطان: أي: الشياطين لا إبليس خاصة فهو اسم جنس. في كل حي: في كل قبيلة. المعنى الإجمالي للآيتين: يقول تعالى: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان بالله لمن استبدل السحر بكتاب الله ومتابعة رسله ما له نصيب في الآخرة، وفي الآية الثانية: يخبر تعالى عن اليهود أنهم يصدقون بالجبت الذي منه السحر. مناسبة الآيتين للباب: أنهما يدلان على تحريم السحر وأنه من الجبت. ما يستفاد من الآيتين: ١- تحريم السحر. ٢- كفر الساحر. ٣- الوعيد الشديد لمن أعرض عن كتاب الله، واستبدل به غيره. ٤- أن السحر من الشرك المنافي للتوحيد؛ لأنه استخدامٌ للشياطين وتعلق بهم. * * *

стр. 196

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (١) . ــ هذا الحديث رواه البخاري ومسلمٌ. اجتنبوا: أبعدوا. الموبقات: المهلكات، سُميت موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة. الشرك بالله: بأن يجعل لله نداً يدعوه ويرجوه ويخافه. التي حرم الله: أي: حرم قتلها. إلا بالحق: أي: بفعل موجبٍ للقتل. وأكل الربا: أي؛ تناوله بأي وجه. وأكل مال اليتيم: يعني: التعدي فيه –واليتيم: من مات أبوه وهو دون البلوغ. التولي يوم الزحف: أي الإدبار من وجوه الكفار وقت القتال. وقذفُ المحصنات: رميهن بالزنا –والمحصنات: المحفوظات من الزنا. والمراد: الحرائر العفيفات.

стр. 197

الغافلات: عن الفواحش وما رمين به - أي البريئات. المؤمنات: بالله. المعنى الإجمالي للحديث: يأمر ﷺ أمته بالابتعاد عن سبع جرائم مهلكاتٍ، ولما سُئل عنها ما هي؟ بيّنها بأنها الشرك بالله، باتخاذ الأنداد له من أي شكل كانت، وبدأ بالشرك؛ لأنه أعظم الذنوب، وقتلِ النفس التي منع الله من قتلها إلا بمسوغٍ شرعي، وتناول الربا بأكلٍ أو بغيره من وجوه الانتفاع، والتعدي على مال الطفل الذي مات أبوه، والفرار من المعركة مع الكفار، ورمي الحرائر العفيفات بالزنا. وجه سياق الحديث في باب السحر: أن فيه دليلاً على تحريم السحر واعتباره من الكبائر المهلكة. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الشرك، وأنه هو أكبر الكبائر وأعظم الذنوب. ٢- تحريم السحر، وأنه من الكبائر المهلكة ومن نواقض الإسلام. ٣- تحريم قتل النفس بغير حق. ٤- جواز قتل النفس إذا كان بحقٍّ كالقصاص والردة والزنا بعد إحصان. ٥- تحريم الربا وعظيم خطره. ٦- تحريم الاعتداء على مال الأيتام. ٧- تحريم الفرار من الزحف. ٨- تحريم القذف بالزنا واللواط. ٩- أن قذف الكافر ليس من الكبائر. * * *

стр. 198

وعن جندب مرفوعاً: "حد الساحر ضربهُ بالسيف" رواه الترمذي. وقال: الصحيح أنه موقوف (١) . وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عَبَدة قال: كتب عمر بن الخطاب: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة". قال: فقتلنا ثلاث سواحر (٢) . وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها. فقُتلت (٣) . وكذلك صح عن جندب. قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ . ــ حد الساحر: أي: عقوبته. ضربهُ بالسيف: أي: قتله، رُوي "ضربه" بالهاء والتاء. موقوفٌ: أي: من كلام الصحابي لا من كلام النبي ﷺ . عن ثلاثة من أصحاب رسول الله: هم: عمر، وحفصة، وجندب. مناسبة الآثار للباب: أن فيها بيانَ حدّ الساحر بأنه القتل؛ مما يدل على عِظَم جريمة السحر وأنه من الكبائر. ما يستفاد من الآثار: ١- بيان حد الساحر وأنه يُقتل ولا يُستتاب. ٢- وجود تعاطي السحر في المسلمين على عهد عمر فكيف بمن بعده.

стр. 199

باب بيان شيء من أنواع السحر قال أحمد: حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا عَوف عن حَيَّان بن العَلَاء حدثنا قَطَن بن قَبِيْصة عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العِيَافَة والطَّرْق والطِّيَرة من الجِبْت" (١) . قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يُخط بالأرض. والجبت قال: الحسن: رَنّة الشيطان. إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسنَدُ منه. ــ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما ذكر في الباب الذي قبل هذا السحر، ذكر في هذا الباب شيئاً من أنواعه؛ لكثرة وقوعها، وخفائها على الناس، حتى ظنّوها من كرامات الأولياء، وآل بهم الأمر إلى أن عبدوا أصحابها فوقعوا في الشرك العظيم. التراجم: ١- أحمد هو: الإمام أحمد بن حنبل.

стр. 200

٢- محمد بن جعفر هو: المشهور بغُندُر الهُذَليّ البصري ثقةٌ مشهور. ٣- عوف هو: ابن أبي جَميلة المعروف بعوفٍ الأعرابي ثقة. ٤- عن أبيه هو: قبيصة بن المُخارق الهلالي صحابي مشهور. ٥- الحسن هو: الحسن البصريّ. زجر الطير: التفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها. من الجبت: أي: من أعمال السحر. يُخط بالأرض: يخطه الرمالون ويدعون به علم الغيب. الجبت رنّة الشيطان: هذا تفسير للجبت ببعض أفراده. والرنة: الصوت، ويدخل فيه كل أصوات الملاهي، وأضافه إلى الشيطان لأنه يدعو إليه. ولأبي دواد ... إلخ: أي: أن هؤلاء رَوَوا الحديث واقتصروا على المرفوع منه ولم يذكروا تفسير عوف. مناسبة الحديث للباب: بيان أن العِيافة والطرْق والطيَرة من الجبت الذي هو السحر المنافي للتوحيد. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم ادعاء علم الغيب؛ لأنه ينافي التوحيد. ٢- تحريم الطيرة؛ لأنها تنافي التوحيد أو كماله. ٣- تحريم الملاهي بأنواعها؛ لأنها تنافي طاعة الله وكمال توحيده. ٤- أن الملاهي بأنواعها –من الأغاني والمزامير وسائر آلات اللهو- من رنّة الشيطان الذي شأنه كله الصد عن سبيل الله. * * *

стр. 201

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زادَ ما زادَ" (١) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. ــ من اقتبسَ: من تعلّم. شعبة: طائفة وقطعة. شعبة من السحر: المعلوم تحريمه. زاد ما زاد: يعني: كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم مثل إثم الساحر أو زاد من اقتباس شعب السحر مثل ما زاد من اقتباس علم النجوم. المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ في هذ الحديث خبراً معناه النهيُ والتحذيرُ أن من تعلّم شيئاً من التنجيم فقد تعلّم شيئاً من السحر المحرّم، وكلما زاد تعلّمه التنجيم زاد تعلمه السحر؛ وذلك لأن التنجيم تحكمٌ على الغيب، بحيث إن المنجم يحاول اكتشاف الحوادث المستقبلة التي هي من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. مناسبة الحديث للباب: أن النبي – ﷺ أخبر فيه أن التنجيم نوعٌ من أنواع السحر.

стр. 202

ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم التنجيم الذي هو الإخبار عن المستقبل اعتماداً على أحوال النجوم؛ لأنه من ادعاء علم الغيب. ٢- أن التنجيم من أنواع السحر المنافي للتوحيد. ٣- أنه كلما زاد تعلّمه للتنجيم زاد تعلّمه للسحر. * * *

стр. 203

وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عُقدة ثم نفث فيها فقد سَحَر، ومن سحر فقد أشرك، ومَنْ تعلَّقَ شيئاً وُكل إليه" (١) . ــ من عقد عقدة: على شكل ما يفعله السحرة من عقدِ الخيوط ونحوها. ونفَث فيها: النفث هو: النفخ مع ريقٍ وهو دون التفل. فقد سحَر: أي: فعل السحر المحرم. ومن سحر فقد أشرك: لأن السحر لا يتأتى بدون الشرك؛ لأنه استعانة بالشياطين. ومن تعلّق شيئاً وُكل إليه: أي: من تعلق قلبه بشيء واعتمد عليه وكله الله إلى ذلك الشيء وخذله. معنى الحديث إجمالاً: يبين – ﷺ نوعاً من أنواع السحر وحكمَه، محذراً أمته من تعاطيه. فيقول: إن من أنواع السحر أن يعقد العقد في الخيوط ونحوها، وينفخ في تلك العُقد نفخاً مصحوباً بالريق؛ وذلك أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدةٍ حتى ينعقد ما يريدون من السحر، فتتكيف نفسه الخبيثة بالشر، ويستعين بالشياطين، وينفخ في تلك العقد، فيخرج من نفسه الخبيثة نفَسٌ مقترنٌ

стр. 204

بالريق الممازج للشر، ويستعين بالشياطين فيصيب المسحورَ بإذن الله الكونيّ القدريّ. مناسبة الحديث للباب؛ أن فيه بيان نوع من أنواع السحر، وهو سحر العقد المسمى بالعزيمة. ما يستفاد من الحديث: ١- بيان نوع من أنواع السحر وهو ما كان بواسطة العقد والنفث. ٢- أن السحر شركٌ؛ لأنه استعانة بالشياطين. ٣- أن من اعتمد على غير الله خذله الله وأذله. * * *

стр. 205

وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي: النميمة القالةُ بين الناس" (١) . رواه مسلم. ــ ألا: أداة تنبيه. أنبئكم: أخبركم. العضْهُ: بفتح العين وسكون الضاد مصدر عَضَه يعْضَهُ عضْهاً بمعنى كذَب وسحر والمراد به هنا: السحر. النميمة: نقل الحديث على وجه الإفساد. القالة: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يُحكى للبعض عن البعض. المعنى الإجمالي للحديث: أراد – ﷺ أن يحذّر أمته عن السعاية بين الناس بنقل حديث بعضهم في بعض على وجه الإفساد، فافتتح حديثه بصيغة الاستفهام، ليكون أوقع في النفوس وأدعى للانتباه، فسألهم ما العَضْهُ –أي ما السحر- ثم أجاب عن هذا السؤال –بأن العضه هو نقل الخصومة بينهم؛ لأن ذلك يفعل ما يفعله السحر من الفساد وتفريق القلوب. مناسبة الحديث للباب: أن النبي – ﷺ بيّن فيه أن النميمة نوعٌ من أنواع السحر.

стр. 206

ما يستفاد من الحديث: ١- أن النميمة نوعٌ من أنواع السحر؛ لأنها تفعل ما يفعله السحر من التفريق بين القلوب والإفساد بين الناس –لا أن النمام يأخذ حكم الساحر من حيثُ الكفر وغيره. ٢- تحريم النميمة، وأنها من الكبائر. ٣- التعليم على طريقة السؤال والجواب، لأن ذلك أثبتُ في الذهن وأدعى للانتباه. * * *

стр. 207

ولهما عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحراً" (١) . ــ البيان: البلاغة والفصاحة. لسحراً: أي: يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل والباطلَ في قالب الحق، فيستميل قلوب الجهال. المعنى الإجمالي للحديث: يبين – ﷺ نوعاً آخر من أنواع السحر وهو: البيان المتمثل في الفصاحة والبلاغة؛ لما يُحدِثه هذا النوع من أثر في القلوب والأسماع؛ حتى ربما يصور الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق؛ كما يفعل السحر. والمراد ذمّ هذا النوع من البيان الذي يلبس الحق بالباطل ويموّه على السامع. مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيانَ نوع من أنواع السحر وهو بعض البيان. ما يستفاد من الحديث: ١- بيان نوع من أنواع السحر وهو البيان الذي فيه التمويه. ٢- ذمّ هذا النوع من البيان –وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره ويبطل الباطل ويدحضه فهو ممدوح. * * *

стр. 208

باب ما جاء في الكهّان ونحوهم روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء فصدّقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" (١) . ــ الكهان: جمع كاهن وهو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل اعتماداً على الاستعانة بالشياطين. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كان الكهان ونحوهم يدّعون علم الغيب الذي قد اختص به الله تعالى، وذلك دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب، أراد المصنف أن يبين في هذا الباب ما جاء في حقهم وحق من صدّقهم من الوعيد. ما جاء في الكهان: أي: من التغليظ والوعيد. ونحوهم: كالعرافين والمنجّمين والرمّالين. عن بعض أزواج النبي: هي: حفصة. لم تقبل له صلاة: أي: لا ثواب له فيها. المعنى الإجمالي للحديث: يبين ﷺ الوعيد المترتب على الذهاب إلى الكهان ونحوهم لسؤالهم عن المغيبات التي لا يعلمها إلا الله، أن جزاءَ من فعل ذلك حرمانُه من ثواب صلاته لمدة أربعين يوماً؛ لتلبّسه بالمعصية. وفي هذا وعيد شديد ونهيٌ أكيد عن هذا الفعل، مما

стр. 209

يدل على أنه من أعظم المحرمات، وإذا كان هذا جزاءُ من أتى الكاهن فكيف بجزاء الكاهن نفسه! نعوذ بالله من ذلك ونسأل الله العافية. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن إتيان الكُهّان ونحوهم، وعن تصديقهم لمنافاته للتوحيد. ما يستفاد من الحديث: ١- المنع من الذهاب إلى الكهان وسؤالهم عن المغيبات وتصديقهم في ذلك وأنه كفر. ٢- تحريم الكهانة، وأنها من الكبائر. فائدة؛ من ذهب إلى الكهّان ولم يصدقهم لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما جاء في ذلك الحديث الآخر وأما من صدّقهم فقد كفر بما أنزل على محمد – ﷺ .

стр. 210

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (١) رواه أبو داود. وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن النبي – ﷺ : "من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (٢) . ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود موقوفاً (٣) . ــ بما أُنزل على محمد: أي: الكتاب والسنة. المعنى الإجمالي للحديث بروايتيه: الوعيد الشديد على إتيان الكهان والعرافين لسؤالهم عن المغيبات وتصديقهم في ذلك؛ لأن علم الغيب قد اختص الله تعالى به. فمن أتاهم وصدّقهم فقد كفر بالوحي المنزّل على محمد – ﷺ . مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن إتيان الكهّان والعرافين وبيان الوعيد في ذلك. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الذهاب إلى الكهان والعرافين وسؤالهم ووجوب الابتعاد

стр. 211

عنهم؛ لأن ذلك كفرٌ إذا صدقهم، ومحرمٌ إذا لم يصدقهم. ٢- وجوب تكذيب الكهان والمنجمين. ٣- من أتاهم وصدقهم فقد كفر بالوحي المنزل على محمد – ﷺ . ٤- أنه الكهانة شرك؛ لأنها تتضمن دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب. * * *

стр. 212

وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: "ليس منا من تَطيّر أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (١) رواه البراز بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى" إلى آخره. قال البغوي: العرَّاف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك -وقيل: هو الكاهن. والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجِّم والرّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. ــ ليس منا: أي: لا يفعل هذا من هو من أشياعنا العاملين باتباعنا المقتفين لشرعنا. من تطيّر: فَعل الطيرة.

стр. 213

أو تُطير له: أمر من يُتطير له. ومثله بقية الألفاظ. المعنى الإجمالي للحديث: يقول – ﷺ : لا يكون من أتباعنا المتبعين لشرعنا من فعل الطيرة أو الكهانة أو السحر أو فُعلت له هذه الأشياء؛ لأن فيها ادعاء لعلم الغيب الذي اختص الله به، وفيها إفساد للعقائد والعقول، ومن صدّق من يفعل شيئاً من هذه الأمور فقد كفر بالوحي الإلهي الذي جاء بإبطال هذه الجاهليات ووقاية العقول منها. ويلحق بذلك ما يفعله بعض الناس من قراءة ما يسمّى بالكف، أو ربط سعادة الإنسان وشقائه وحظّه بالبروج ونحو ذلك. وقد بين كلٌّ من الإمامين البغوي وابن تيمية معنى العرّاف والكاهن المنجم والرّمّال بما حاصلُه: أن كل من يدعي علم شيءٍ من المغيبات فهو إما داخلٌ في اسم الكاهن أو مشاركٌ له في المعنى فيلحق به، والكاهن هو الذي يخبر عما يحصل في المستقبل ويأخذ عن مسترق السمع من الشياطين كما سبق في أول كتاب التوحيد. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتغليظ عن فعل الكهانة ونحوها وتصديق أهلها. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم ادعاء علم الغيب؛ لأنه ينافي التوحيد. ٢- تحريم تصديق من يفعل ذلك بكهانةٍ أو غيرها؛ لأنه كفرٌ. ٣- وجوب تكذيب الكهان ونحوهم ووجوب الابتعاد عنهم وعن علومهم. ٤- وجوب التمسك بما أُنزل على الرسول – ﷺ وطرح ما خالفه. * * *

стр. 214

وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق (١) . ــ يكتبون أبا جاد: أي: يقطعون حروف "أبجد هوز ... إلخ" التي تسمى حروف الجمل ويتعلمونها لادعاء علم الغيب. وينظرون في النجوم: أي: ويعتقدون أن لها تأثيراً فيبنون أمورهم على زعمٍ فاسدٍ واعتقادٍ باطل في النجوم والحساب الذي يظنون أنهم يدركون به علم الغيب. ما أرى: بفتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، وبضمها بمعنى: لا أظن. من خلاق: من نصيب. المعنى الإجمالي للأثر: يقول ابن عباس: لا أعلم ولا أظن أن من يكتب حروف أبا جاد وينظر في النجوم ويبني على ذلك الحكم على المستقبل، ما أرى لمن فعل ذلك نصيباً عند الله؛ لأن ذلك يدخل في حكم العرّافين المدّعين لعلم الغيب. مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن كتابة أبا جاد وتعلّمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيراً، كل ذلك يدخل في العرافة ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله. ما يستفاد من الأثر: ١- تحريم تعلّم أبي جاد على وجه ادعاء علم الغيب به؛ لأنه ينافي

стр. 215

التوحيد. أما تعلّمها للتهجّي وحساب الجمل فلا بأس به. ٢- تحريم التنجيم؛ لأنه وسيلةٌ إلى الشرك بالله تعالى. ٣- عدم الاغترار بما يُؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم. لأن ذلك من باب الاستدراج لهم. * * *
следующие страницы →