عنهم؛ لأن ذلك كفرٌ إذا صدقهم، ومحرمٌ إذا لم يصدقهم.
٢- وجوب تكذيب الكهان والمنجمين.
٣- من أتاهم وصدقهم فقد كفر بالوحي المنزل على محمد – ﷺ .
٤- أنه الكهانة شرك؛ لأنها تتضمن دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب.
* * *
стр. 212
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: "ليس منا من تَطيّر أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (١) رواه البراز بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى" إلى آخره.
قال البغوي: العرَّاف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك -وقيل: هو الكاهن.
والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجِّم والرّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.
ــ
ليس منا: أي: لا يفعل هذا من هو من أشياعنا العاملين باتباعنا المقتفين لشرعنا.
من تطيّر: فَعل الطيرة.
стр. 213
أو تُطير له: أمر من يُتطير له. ومثله بقية الألفاظ.
المعنى الإجمالي للحديث: يقول – ﷺ : لا يكون من أتباعنا المتبعين لشرعنا من فعل الطيرة أو الكهانة أو السحر أو فُعلت له هذه الأشياء؛ لأن فيها ادعاء لعلم الغيب الذي اختص الله به، وفيها إفساد للعقائد والعقول، ومن صدّق من يفعل شيئاً من هذه الأمور فقد كفر بالوحي الإلهي الذي جاء بإبطال هذه الجاهليات ووقاية العقول منها. ويلحق بذلك ما يفعله بعض الناس من قراءة ما يسمّى بالكف، أو ربط سعادة الإنسان وشقائه وحظّه بالبروج ونحو ذلك.
وقد بين كلٌّ من الإمامين البغوي وابن تيمية معنى العرّاف والكاهن المنجم والرّمّال بما حاصلُه: أن كل من يدعي علم شيءٍ من المغيبات فهو إما داخلٌ في اسم الكاهن أو مشاركٌ له في المعنى فيلحق به، والكاهن هو الذي يخبر عما يحصل في المستقبل ويأخذ عن مسترق السمع من الشياطين كما سبق في أول كتاب التوحيد.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتغليظ عن فعل الكهانة ونحوها وتصديق أهلها.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم ادعاء علم الغيب؛ لأنه ينافي التوحيد.
٢- تحريم تصديق من يفعل ذلك بكهانةٍ أو غيرها؛ لأنه كفرٌ.
٣- وجوب تكذيب الكهان ونحوهم ووجوب الابتعاد عنهم وعن علومهم.
٤- وجوب التمسك بما أُنزل على الرسول – ﷺ وطرح ما خالفه.
* * *
стр. 214
وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق (١) .
ــ
يكتبون أبا جاد: أي: يقطعون حروف "أبجد هوز ... إلخ" التي تسمى حروف الجمل ويتعلمونها لادعاء علم الغيب.
وينظرون في النجوم: أي: ويعتقدون أن لها تأثيراً فيبنون أمورهم على زعمٍ فاسدٍ واعتقادٍ باطل في النجوم والحساب الذي يظنون أنهم يدركون به علم الغيب.
ما أرى: بفتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، وبضمها بمعنى: لا أظن.
من خلاق: من نصيب.
المعنى الإجمالي للأثر: يقول ابن عباس: لا أعلم ولا أظن أن من يكتب حروف أبا جاد وينظر في النجوم ويبني على ذلك الحكم على المستقبل، ما أرى لمن فعل ذلك نصيباً عند الله؛ لأن ذلك يدخل في حكم العرّافين المدّعين لعلم الغيب.
مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن كتابة أبا جاد وتعلّمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيراً، كل ذلك يدخل في العرافة ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله.
ما يستفاد من الأثر:
١- تحريم تعلّم أبي جاد على وجه ادعاء علم الغيب به؛ لأنه ينافي
стр. 215
التوحيد. أما تعلّمها للتهجّي وحساب الجمل فلا بأس به.
٢- تحريم التنجيم؛ لأنه وسيلةٌ إلى الشرك بالله تعالى.
٣- عدم الاغترار بما يُؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم.
لأن ذلك من باب الاستدراج لهم.
* * *
стр. 216
باب ما جاء في النُّشْرَة
عن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة فقال: "هي من عمل الشيطان" (١) رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله.
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لمّا ذكر المصنف حكم السحر والكهانة، ذكر في هذا الباب ما جاء في النُّشرة؛ لأنها قد تكون من قبَل الشياطين والسحرة، فتكون مضادة للتوحيد.
النُّشْرة: نوع من العلاج والرقية يعالَج به من كان يظن أن به مسّاً من السحر؛ سميت بذلك لأنها ينشر بها عنه ما خامره من الداء أي يُكشف ويزال.
سئل عن النشرة: أي: النشرة التي كان أهل الجاهلية يعملونها.
هي من عمل الشيطان: لأنهم ينشرون عن المسحور بأنواع من السحر واستخداماتٍ شيطانية.
يكره هذا كله: أي: النشرة التي هي من عمل الشيطان.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي ﷺ سئل عن علاج المسحور
стр. 217
على الطريقة التي كانت تعلمها الجاهلية ما حكمه، فأجاب – ﷺ بأنه من عمل الشيطان أو بواسطته؛ لأنه يكون بأنواع سحرية واستخداماتٍ شيطانيةٍ، فهي شركية ومحرمة.
مناسبة الحديث للباب: أنه دل على تحريم النشرة التي هي من عمل الشيطان وهي نُشرة الجاهلية.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن النشرة على الصفة التي تعملها الجاهلية؛ لأنها سحر والسحر كفر.
٢- مشروعية سؤال العلماء عما أشكل حكمه؛ حذراً من الوقوع في المحذور.
* * *
стр. 218
وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيّب: رجل به طِبّ أو يؤَخَّذ عن امرأته، أيُحَلُّ عنه أو يُنَشَّر؟ قال لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يُنه عنه.
ورُوي عن الحسن أنه قال: لا يَحُلُّ السحر إلا ساحر.
قال ابن القيم: النُّشْرة: حل السحر عن المسحور -وهي نوعان:
إحداهما: حلٌّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمُنْتَشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز.
ــ
ترجمة قتادة: هو ابن دُعامة السدوسي البصري ثقة من أحفظ التابعين، مات سنة بضع عشرة ومائة.
به طبٌّ: بكسر الطاء أي سحرٌ –كنوا عنه بالطب تفاؤلاً.
يؤَخَّذ: بفتح الواو مهموزة وتشديد الخاء –أي: يُحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها.
لا بأس به: أي: بمعالجته بأمور مباحة لم يُرد بها إلا المصلحة ودفع المضرة.
لا يَحُل السحر إلا ساحر: أي: لا يقدر على حلِّه إلا من يعرف
стр. 219
السحر.
المعنى الإجمالي للأثرين: أن ابن المسيب سُئل عن حكم النشرة فأفتى بجوازها؛ نظراً لأن المقصود منها النفع وزوال الضرر، ولم يُنه عما كان كذلك، ومقصوده نوعٌ من النشرة لا محذور فيه: كالرقى بأسماء الله وكلامه. وأما الحسن فمقتضى كلامه منع النشرة؛ لأنه لا يقدر على حل السحر إلا من له معرفةٌ بالسحر. وهذا محمولٌ على حل السحر بسحرٍ مثله، وهو من عمل الشيطان. وفي التفصيل الذي ذكره ابن القيم جمعاً بين القولين –حاصله: أن علاج المسحور بأدوية مباحة وقراءة قرآن أمر جائز – وعلاجه بسحر مثله محرم. والله أعلم.
مناسبة الأثرين للباب: بيان التفصيل في حكم النشرة وبيان الجائز والممنوع منها.
* * *
стр. 220
باب ما جاء في التطيُّر
وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] .
ــ
تمام الآية الثانية: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كانت الطيرة نوعاً من الشرك الذي يتنافى مع التوحيد أو ينقص كماله عقد المصنف لها هذا الباب في كتاب التوحيد تحذيراً منها.
ما جاء في التطير: أي: من الوعيد -والتطير: مصدر تطيرَ- وهو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع.
ألا: أداة تنبيه.
إنما: أداة حصر.
طائرهم: ما قُضي عليهم وقُدِّر لهم.
عند الله: أي: إنما جاءهم الشؤم من قبله وبحكمه الكوني القدري بسبب كفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله.
لا يعلمون: وصفٌ لهم بالجهالة وعدم العلم وأنهم لا يدرون.
طائركم: أي: حظكم وما نابكم من شرّ.
стр. 221
معكم: أي: بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين.
أئن ذكرتم: أي: من أجل أنا ذكرناكم قابلتمونا بقولكم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] .
بل أنتم قوم مسرفون: عادتكم الإسراف في العصيان فمن ثمّ جاءكم الشؤم. والسرف: الفساد وهو مجاوزة الحد في مخالفة الحق.
المعنى الإجمالي للآيتين: الآية الأولى: لمّا كان قوم فرعون إذا أصابهم غلاء وقحط قالوا: هذا أصابنا بسبب موسى وأصحابه وبشؤمهم –رد الله تعالى عليهم بأن ما أصابهم من ذلك إنما هو بقضائه وقدره عليهم بكفرهم، ثم وصف أكثرهم بالجهالة وعدم العلم، ولو فهموا وقلوا لعلموا أن موسى ما جاء إلا بالخير والبركة والفلاح لمن آمن به واتبعه.
٢- الآية الثانية: أن الله سبحانه رد على من كذّب الرسل فأصيب بالبلاء، ثم ادعى أن سببه جاء من قبل الرسل وبسببهم، فبيّن الله سبحانه أن سبب هذا البلاء من قِبَل أنفسهم، وبسبب أفعالهم وكفرهم، لا من قبَل الرسل كما ادَّعوا. وكان اللائق بهم أن يقبلوا قول الناصحين ليسلموا من هذا البلاء؛ لكنهم قومٌ متمادون في المعاصي فمن ثَم جاءهم الشؤم والبلاء.
مناسبة الآيتين للباب: أن الله ذكر أن التطير من عمل الجاهلية والمشركين، وقد ذمهم الله تعالى ومقَتهم.
ما يستفاد من الآيتين:
١- أن التطير من عمل الجاهلية والمشركين.
٢- إثبات القضاء والقدر والإيمان بهما.
٣- أن المصائب بسبب المعاصي والسيئات.
стр. 222
٤- في الآية الأولى: ذمٌّ للجهل؛ لأنه يؤدي إلى عدم معرفة الشرك ووسائله، ومن ثمّ الوقوع فيه.
٥- في الآية الثانية: وجوب قبول النصيحة؛ لأن عدم قبولها من صفات الكفار.
٦- أن ما جاءت به الرسل فهو الخير والبركة لمن اتبعه.
* * *
стр. 223
عن أبي هريرة ﵁: أن الرسول ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامة، ولا صَفَر" أخرجاه (١) .
زاد مسلم: "ولا نَوْء، ولا غُول" (٢) .
ــ
لا عدوى: العدوى اسمٌ من الإعداء، وهو مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، والمنفيّ ما كان يعتقده أهل الجاهلية أن العلة تسري بطبْعها لا بقدر الله.
ولا طيَرة: الطيرة هي: التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع والأشخاص وولا- يحتمل أن تكون نافية أو ناهية والنفي أبلغ.
ولا هامة: الهامة بتخفيف الميم: البُومة كانوا يتشاءمون بها، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله.
ولا صفر: قيل المراد به: حيةٌ تكون في البطن تصيب الماشية والناس، يزعمون أنها أشد عدوى من الجرب، فجاء الحديث بنفي هذا الزعم، وقيل المراد: شهر صفر كانوا يتشاءمون به، فجاء الحديث بإبطال ذلك.
ولا نَوْءَ: سيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
ولا غُول: الغُول جنسٌ من الجن والشياطين، يزعمون أنها تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فجاء الحديث بإبطال ذلك، وبيان أنها لا تستطيع أن تضل أحداً أو تهلكه.
стр. 224
المعنى الإجمالي للحديث: ينفي – ﷺ ما كانت تعتقده الجاهلية من اعتقادات باطلة من التشاؤم بالطيور وبعض الشهور والنجوم وبعض الجن والشياطين، فيتوقعون الهلاك والضرر منها؛ كما كان يعتقدون سريان الأمراض من محل الإصابة إلى غيرها بأنفسها. فيرد – ﷺ كل هذه الخرافات، ويغرس مكانها التوكل على الله وعقيدة التوحيد الخالص.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على إبطال الطيرة، وأنها اعتقادٌ جاهليٌّ.
ما يستفاد من الحديث:
١- إبطال الطيرة.
٢- إبطال اعتقاد الجاهلية أن الأمراض تُعدي بطبيعتها لا بتقدير الله تعالى.
٣- إبطال التشاؤم بالهامة وشهر صفر.
٤- إبطال اعتقاد تأثير الأنواء.
٥- إبطال اعتقاد الجاهلية في الغيلان.
٦- وجوب التوكل على الله والاعتماد عليه.
٧- أن من تحقيق التوحيد الحذر من الوسائل المفضية إلى الشرك.
٨- إبطال ما يفعله بعض الناس من التشاؤم بالألوان، كالأسود والأحمر، أو بعض الأرقام والأسماء والأشخاص وذوي العاهات.
* * *
стр. 225
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل" قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة" (١) .
ــ
الفأل: مهموزٌ فيما يُسِرّ ويسوء بخلاف الطيرة، فلا تكون إلا فيما يسوء.
الكلمة الطيبة: كأن يكون الرجل مريضاً فيسمع من يقول: يا سالم. فيؤمل البرء من مرضه.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه بيان أن الفأل ليس من الطيرة المنهي عنها.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الفأل ليس من الطيرة المنهي عنها.
٢- تفسيرُ الفأل.
٣- مشروعية حسن الظن بالله والنهي عن سوء الظن به.
الفرق بين الفأل والطيرة:
١- الفأل يكون فيما يسر.
٢- الفأل فيه حسن ظنٍّ بالله، والعبد مأمورٌ أن يحسن الظن بالله.
٣- الطيرة لا تكون إلا فيما يسوء.
٤- الطيرة فيها سوء ظن بالله، والعبد منهيّ عن سوء الظن بالله.
стр. 226
ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر، قال: ذُكِرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا تَردّ مسلماً, فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك" (١) .
ــ
ترجمة عروة: هو: عروة بن عامر القرشي، وقيل: الجهَني المكي. ذكره ابن حبان في الثقات.
ولا ترد مسلماً: بخلاف الكافر فإنها تردّه عن قصده.
لا يأتي بالحسنات ... إلخ: أي: ولا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع السيئات.
ولا حول: الحول: التحول والانتقال من حالٍ إلى حالٍ.
ولا قوة: على ذلك.
إلا بك: وحدك.
المعنى الإجمالي للحديث: يذكر الراوي أن الطيرة ذُكرت عند النبي – ﷺ ؛ ليبين حكمَها وما يُعمل حيالَها، فأبطل النبي – ﷺ الطيرة، وأخبر أن الفأل منها؛ ولكن خيرٌ منها –وأخبر – ﷺ أن الطيرة لا تردُّ مسلماً عن قصده؛ لإيمانه أنه لا ضارّ ولا نافع إلا الله، وإنما ترد المشرك الذي يعتقدها –ثم أرشد – ﷺ إلى العلاج الذي تدفع به الطيرة وهو هذا الدعاء المتضمن تعلق القلب وحده في جلب النفع ودفع
стр. 227
الضر والتبري من الحول والقوة إلا بالله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه إبطال الطيرة وبيان ما تُفع به واستثناء الفأل منها.
ما يستفاد من الحديث:
١- إبطال الطيرة وبيان ما تدفع به من الدعاء والذكر.
٢- أن ما يقع في القلب من الطيرة لا يضر بل يُذهِبه الله بالتوكل.
٣- أن الفأل من الطيرة وهو خيرُها.
٤- وجوب التوكل على الله والتبرّي من الحول والقوة.
* * *
стр. 228
وعن ابن مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود.
ــ
الطيرة شرك: لما فيها من تعلق القلب على غير الله.
وما منا إلا: فيه إضمارٌ تقديره: وما منا إلا وقع في قلبه شيءٌ منها.
يذهبه بالتوكل: أي: التوكل على الله في جلب النفع ودفع الضر يذهب الطيرة.
آخره من قول ابن مسعود: وهو قوله: "وما منا ... إلخ" وهو الصواب؛ لأنها شركٌ، والنبي معصومٌ من الشرك.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول – ﷺ يخبر ويكرر الإخبار؛ ليتقرر مضمونه في القلوب، أن الطيرة شرك؛ لما فيها من تعلق القلب على غير الله وسوء الظن به.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على أن الطيرة شركٌ.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الطيرة شركٌ؛ لأن فيها تعلق القلب على غير الله.
٢- مشروعية تكرار إلقاء المسائل المهمة؛ لتحفظَ وتستقر في القلوب.
٣- أن الله يذهب الطيرة بالتوكل عليه، فلا تضر من وجد في نفسه شيئاً منها ثم توكَّل على الله ولم يلتفت إليها.
стр. 229
ولأحمد من حديث ابن عمرو: "من ردته الطيَرة عن حاجته فقد أشرك"، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: "أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" (١) .
وله من حديث الفضل بن عباس: "إنما الطيَرة ما أمضاك أو ردك" (٢) .
ــ
التراجم:
١- ابن عمرو هو: عبد الله بن عمرو بن العاص –﵄ أحد السابقين المكثرين.
٢- الفضل هو: الفضل بن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي – ﷺ .
فقد أشرك: لأنه لم يُخلص توكله على الله بالتفاته إلى غيره.
كفارة ذلك: أي: ما يقع من الطيرة.
لا إله غيرك: أي: لا معبود بحقٍّ سواك.
إنما الطيرة: أي: المنهي عنها.
ما أمضاك: أي: حملك على المضيّ فيما أردت.
أو ردّك: عن المضي فيه.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن الطيرة المنهي عنها
стр. 230
والتي هي شركٌ، حقيقتها وضابطُها ما حمل الإنسان على المضيّ فيما أراده أو رده عنه اعتماداً عليها، فإذا ردته عن حاجته التي عزِم عليها كإرادة السفر ونحوه فقد ولَج باب الشرك وبرئ من التوكل على الله وفتح على نفسه باب الخوف. ومفهوم الحديث أن من لم تثنِه الطيرة عن عزمه فإنها لا تضره. ثم أرشد ﷺ إلى ما تدفع به الطيرة من الأدعية فيما فيه الاعتماد على الله والإخلاص له في العبادة.
مناسبة الحديثين للباب: أن فيهما بياناً لحقيقة الطيرة الشركية.
ما يستفاد من الحديثين:
١- أن الطيرة شركٌ.
٢- أن حقيقة الطيرة الشركية ما دفعت الإنسان إلى العمل بها.
٣- أن ما لم يؤثِّر على عزم الإنسان من التشاؤم فليس بطيَرة.
٤- معرفة الذكر الذي تُدفع به الطيرة عن القلب وأهميته للمسلم.
* * *
стр. 231
باب ما جاء في التنجيم
قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصِيْبَه، وتكلّف ما لا علم له به" (١) انتهى.
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لمّا كان بعض التنجيم باطلاً، لِما فيه من دعوى مشاركة الله في علم الغيب، وتعلُّق القلب بغير الله، ونسبة التصرف إلى النجوم، وذلك ينافي التوحيد، ناسب أن يُعقد له بابٌ هنا يبين فيه الممنوع والجائز منه، ليكون المسلم على بصيرةٍ من ذلك.
ما جاء في التنجيم: أي: ذكرُ ما يجوز منه وما لا يجوز منه وذمُّه وتحريمه وما ورد من الوعيد فيه. والتنجيم هو: الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، وهو ما يسمّى بعلم التأثير.
قال البخاري في صحيحه: أي: تعليقاً.
خلق الله النجوم لثلاثٍ: هذا مأخوذٌ من القرآن الكريم.
زينةً للسماء: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .
ورجوماً للشياطين: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
стр. 232
وعلامات: أي دلالات على الجهات والبلدان وغير ذلك.
يُهتدى بها: أي: يهتدي بها الناس إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
فمن تأول فيها غير ذلك: أي: من زعم فيها غير ما ذكره الله تعالى في هذه الثلاث فادعى علم الغيب.
فقد أخطأ: حيث تكلم رجماً بالغيب.
وأضاع نصيبه: أي: حظّه من عمره؛ لأنه اشتغل بما لا فائدة فيه، بل فيه مضرّة.
المعنى الإجمالي للأثر: أن قتادة ﵀ يذكر الحكمة التي خلق الله من أجلها النجوم –كما ذكره الله في كتابه- رداً على الذين ظهروا في عصره، ويعتقدون في النجوم غير ما ذكره خالقها في كتابه. وهؤلاء قالوا بلا علمٍ، وأفنوا أعمارهم فيما يضرّهم، وكلّفوا أنفسهم ما ليس في مقدورها الحصول عليه. وهكذا كل من طلب الحق من غير الكتاب والسنة.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه بيان الحكمة في خلق النجوم –كما ذكرها الله في كتابه- والرد على من زعم في النجوم حكمةً تخالف ما ذكره الله فيها.
ما يستفاد من الأثر:
١- بيان الحكمة في خلق النجوم كما دلّ عليها القرآن.
٢- الرد على من زعم أن النجوم خُلقت لحكمة غير ما ذكر الله فيها.
٣- أنه يجب الرجوع إلى كتاب الله؛ لبيان الحق من الباطل.
٤- أن من طلب الهدى من غير الكتاب والسنة فقد الصواب وضيّع وقته وتكلّف ما لا قدرة له في الوصول إليه.
стр. 233
وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
ــ
التراجم:
١- ابن عيينة: أي: سفيان بن عيينة.
٢- حربٌ: أي: حربٌ الكرمانيّ من جلة أصحاب أحمد.
٣- أحمد: أي الإمام أحمد بن حنبل.
٤- وإسحاق: أي: إسحاق بن راهَوَيْه.
منازل القمر: التي ينزل القمر في كل ليلة منزلة منها، وهي ثمانٍ وعشرون منزلة، ومعرفة ذلك تسمى بعلم التسيير.
الغرض من هذا السياق: بيان خلاف العلماء في حكم تعلم منازل القمر الذي هو: "علم التسيير" الذي الغرض منه الاستدلال به على القبلة، وأوقات الصلوات، ومعرفة الفصول. فإذا كان هذا اختلافهم في هذا النوع الذي لا محذور فيه حسْماً للمادة؛ -لئلا يتوصل إلى الممنوع- فما بالك بمنعهم من تعلُّم علم التأثير الذي هو ضلالٌ وخطَرٌ.
* * *
стр. 234
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدِّق بالسحر" (١) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه.
ــ
ترجمة أبي موسى: هو أبو موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس، صحابي جليل مشهور، مات بالكوفة سنة ٥٠ هـ.
لا يدخلون الجنة: هذا من نصوص الوعيد التي تُمر كما جاءت.
مدمن الخمر: المداوم على شربها حتى مات ولم يتب.
قاطع الرحم: أي: الذي لا يقوم بواجب القرابة.
ومصدِّقٌ بالسحر: الذي من أنواعه التنجيم، كما مر في الحديث: "من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر".
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ على وجه التحذير أن ثلاثةً من العصاة لا يدخلون الجنة:
الأول: المداوم على شرب المسكر من أيّ شيء كان.
الثاني: الذي لا يقوم بواجب القرابة التي أمر الله بصلتها.
الثالث: مصدِّقٌ بالسحر الذي يجمع أنواعاً كثيرة وأشكالاً متعددة. ومنها التنجيم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه وعيد مصدق بالسحر، ومنه التنجيم الذي هو موضوع الباب.
стр. 235
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التنجيم وأنه من الكبائر؛ لأنه داخلٌ في السحر الذي لا يدخل الجنة من صدّق به.
٢- تحريم شرب الخمر والوعيد الشديد في حقّ من مات ولم يتُب من شربها.
٣- وجوب صلة القرابة وتحريم قطيعتها.
٤- وجوب التكذيب بالسحر بجميع أنواعه.
* * *
стр. 236
باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لمّا كان نسبة نزول المطر إلى النوء على وجه الاعتقاد -أن له تأثيراً في نزوله- شركاً أكبر كاعتقاد جلب النفع أو دفع الضر في الأموات والغائبين، أو شركاً أصغر إن كان لا يعتقد أن لها تأثيراً وإنما هي أسباب لنزول المطر ناسب أن يَعقد له المصنف باباً في كتاب التوحيد للتحذير منه.
ما جاء: أي: من الوعيد.
في الاستسقاء: أي: طلب السقيا ومجيء المطر.
بالأنواء: جمع نَوء -وهي منازل القمر- وهي ثمانية وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وهي عبارة عن ثمانية وعشرين نجماً معروفة المطالع في كل ثلاثة عشر يوماً يغيب واحدٌ منها مع طلوع الفجر. ويطلع رقيبه من المشرق وتنقضي كلها مع انقضاء السنة القمرية، وتزعم العرب في الجاهلية أنه إذا غاب واحدٌ منها وطلع رقيبه يكون مطرٌ وينسبونه إلى طلوع النجم أو غروبه ويقولون: مُطرنا بنوء كذا.
وتجعلون رزقكم: أي: تجعلون نصيبكم -من شكر نعمة الله
стр. 237
بإنزال المطر – التكذيب.
أنكم تكذبون: بنسبة النعم لغير الله من الكواكب فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله يعيب على المشركين كفرَهم بنعمة الله بنسبة نزول المطر إلى النجم، ويخبرُ أن هذا القول كذبٌ محضٌ؛ لأن نزول المطر إنما هو بفضل الله وتقدير ولا دخل فيه لمخلوق.
مناسبة الآية للباب: أن الله سبحانه أنكر نزول المطر إلى غيره من النجوم والأنواء وسمّاه كذباً.
ما يستفاد من الآية:
١- إبطال نسبة نزول المطر إلى الأنواء.
٢- أن نسبة نزول المطر إلى النوء كذب.
٣- وجوب شكر الله على نعمه ووجوب نسبة نزول المطر إليه تفضلاً منه وإحساناً.
* * *.
стр. 238
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة وعليها سِرْبال من قَطرَان ودرع من جَرَب" (١) . رواه مسلم.
ــ
أ- ترجمة أبي مالك: اسمه الحارث بن الحارث الشامي صحابي.
من أمر الجاهلية: المراد بالجاهلية هنا ما قبل البعثة؛ سمُّوا بذلك لفرط جهلهم، وكل ما يخالف ما جاء به الرسول – ﷺ فهو جاهليّة.
لا يتركونهن: أي: ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها أو مع الجهل بذلك.
الفخر بالأحساب: أي: التعاظم على الناس بالآباء ومآثرهم.
والطعن في الأنساب: أي: الوقوع فيها بالعيب والتنقص.
والاستسقاء بالنجوم: أي: نسبة السقيا ومجيء المطر إلى النجوم والأنواء.
والنياحة: أي: رفع الصوت والندب إلى الميت.
تقام يوم القيامة: تبعث من قبرها وتوقف يوم الحساب والجزاء.
стр. 239
سربال من قطران: أي: ثوبٌ من نحاس مذاب تلطّخ به فيصير كالثوب.
دِرع: الدرع: ثوب ينسج من حديد، يلبس في الحرب.
من جَرَب: الجرب مرض جِلدي.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر النبي – ﷺ أنه سيستمر في الأمة شيءٌ من المعاصي التي كان يفعلها الناس قبل البعثة، وذلك يتمثل في أربع خصال هي: التعاظم بالآباء مع أنه لا شرف إلا بالتقوى، وتنقّص أنساب الناس وعيبُها، ونسبة نزول المطر إلى طلوع النجوم والأنواء، ورفع الصوت بالبكاء على الميت وندبه. ثم يبين الوعيد في حق الخصلة الأخيرة بأن من استمر عليها من غير توبة فإنه يأتي يوم القيامة ملطخاً جسمُه بالنحاس المذاب حتى يكون ذلك كالقميص، لتشتعل به النار، وتلتصق بجسمه وتنتن رائحته.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على تحريم الاستسقاء بالأنواء، وأنه من أمور الجاهلية.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم الاستسقاء بالأنواء، وأنه من أمور الجاهلية.
٢- أن ما كان من أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم.
٣- أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلِهم فهو مذمومٌ في دين الإسلام.
٤- منع التشبه بالجاهلية.
٥- تحريم الافتخار بالأحساب، وأنه من أمور الجاهلية.
٦- تحريم الوقوع في الأنساب بذمّها وتنقّصها.
٧- تحريم النياحة وبيان عقوبتها وأنها من الكبائر.
стр. 240
٨- التوبة تكفر الذنب وإن عظُم.
٩- أن المسلم قد يكون فيه شيء من خصال الجاهلية ولا يقتضي ذلك كفرُه.
* * *
стр. 241
ولهما عن زيد بن خالد قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" (١) .
ولهما من حديث ابن عباس بمعناه وفيه: قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ .
ــ
ترجمة زيد بن خالد: هو الجهني المدني صحابيّ مشهور.
صلى لنا: أي: صلى بنا، فاللام بمعنى الباء.
الحديبية: قريةٌ سميت ببئر هناك على مرحلة من مكة، تسمى الآن الشميسي.
إثر: بكسر الهمزة ما يعقب الشيء.
سماءٌ: مطرٌ سمي بذلك؛ لأنه ينزل من السماء وهي كل ما ارتفع.
стр. 242
من الليل: أي: كان في تلك الليلة.
فلما انصرف: أي: التفت إلى المأمومين وليس المراد الانصراف من المكان.
أتدرون؟ لفظ الاستفهام معناه التنبيه.
من عبادي: المراد العبودية العامة.
وكافرٌ: أي الكفر الأصغر.
مُطرنا بنوء كذا وكذا: أي: نسب المطر إلى غير الله وهو يعتقد أن المنزل له هو الله.
صدق نوء كذا وكذا: أي: صدق سحاب ومطر النجم الفلاني.
فلا أقسم: هذا قسمٌ من الله وهو يقسم بما شاء من خلقه.
بمواقع النجوم: أي: مطالع الكواكب ومغاربها على قول الأكثر من المفسرين.
المعنى الإجمالي للحديث: يذكر لنا هذا الصحابي الجليل ما كان من إرشاد النبي – ﷺ لأمته، بمناسبة نزول المطر، وما ينبغي لهم أن يقولوه عند ذلك، فيروي – ﷺ عن ربه أنه حينما امتحن الناس بإنعامه عليهم بإنزال الغيث الذي فيه حياتهم، انقسموا إلى قسمين: قسمٌ اعترف بفضل الله ونسب النعمة إليه على وجه الشكر. وقسمٌ أنكر فضل الله ونسب النعمة إلى طلوع النجم أو غروبه وسُمي عمل إيماناً وعمل الثاني كفراً.
وفي رواية ابن عباس أن هذه الآيات وهي قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وما بعدها نزلت في إنكار نسبة نزول المطر إلى النجوم.
стр. 243
مناسبة الحديث للباب: أن فيه تحريم نسبة المطر إلى النجم وتسميته كفراً وكذباً.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم نسبة نزول المطر إلى النجم وتسميته كفراً.
٢- مشروعية تعليم الناس وتنبيههم على ما يخل بالعقيدة.
٣- وجوب شكر الله على النعمة، وأنه لا يجوز إضافتها إلى غيره.
٤- إلقاء التعليم على طريقة السؤال والجواب؛ لأنه أوقع في النفس.
٥- أن من سُئل عما لا يعلم فإنه يتوقف ويكل العلم إلى عالمه.
٦- وصف الله بالفضل والرحمة.
٧- أن من الكفر ما لا يخرج من الملة.
* * *
стр. 244
باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لمّا كانت محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام، فبكمالها يكمل دين الإنسان، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، نبّه المصنف على ذلك بهذا الباب.
أنداداً: أمثالاً ونظراء.
يحبونهم كحب الله: أي: يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم.
والذين آمنوا أشد حباً لله: أي: من حب أصحاب الأنداد لله. وقيل: من حب أصحاب الأنداد لأندادهم.
معنى الآية إجمالاً: يكذر تعالى حال المشركين في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب، حيث جعلوا لله أمثالاً ونظراء من خلقه يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم. ويذكر سبحانه أن المؤمنين يخلصون المحبة لله كما يخلصون له سائر أنواع العبادة.
ما يستفاد من الآية:
١- أن من اتخذ ندّاً تساوى محبته بمحبة الله فهو مشركٌ الشرك الأكبر.
٢- أن من المشركين من يحب الله حباً شديداً ولا ينفعه ذلك إلا بإخلاص المحبة لله.
стр. 245
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ الآية.
ــ
الآية كاملة: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .
عشيرتكم: أقرباؤكم مأخوذ من العِشرة.
اقترفتموها: اكتسبتموها.
كسادها: فوات وقت نفاقها ورواجها.
ومساكن: منازل.
ترضونها: تعجبكم الإقامة فيها.
أحب إليكم: أي: إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله.
فتربّصوا: أي: انتظروا ما يحل بكم من عقابه.
معنى الآية إجمالاً: أمر الله نبيه أن يتوعد من أحب هذه الأصناف فآثرها أو بعضها على حب الله ورسوله وفعل ما أوجب الله عليه من الأعمال التي يحبها ويرضاها، كالهجرة والجهاد ونحو ذلك، فبدأ الله بالآباء والأبناء والإخوان وكذا الأصدقاء ونحوهم فمن ادّعى محبة الله وهو يقدم محبة هذه الأشياء على محبته فهو كاذب ولينتظر العقوبة.
مناسبة الآية للباب: أن فيها وجوب تقديم محبة الله ومحبة ما يحبه
стр. 246
الله من الأشخاص والأعمال على محبة ما سوى ذلك.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب محبة الله تعالى ومحبة ما يحبه.
٢- وجوب حب النبي – ﷺ .
٣- الوعيد على من كانت هذه الثمانية أو غيرها أحب إليه من دينه.
* * *
стр. 247
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (١) أخرجاه.
ــ
لا يؤمن أحدكم: أي: الإيمان الكامل.
حتى أكون أحب إليه: بنصب أحب خبر أكون.
والناس أجمعين: من عطف العام على الخاص.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن أحداً لن يؤمن الإيمان الكامل الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة حتى يقدم محبة الرسول – ﷺ على محبة أقرب الناس إليه، وعلى محبة كل مخلوق، لأن بسببه – ﷺ حصول الحياة الأبدية، والإنقاذ من الضلال إلى الهدى، ومحبته – ﷺ تقتضي طاعته واتباع ما أمر به وتقديم قوله على قول كل مخلوق.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على وجوب تقديم محبة الرسول – ﷺ على محبة كل مخلوق، وأن تحقيق الإيمان مشروط بذلك.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب محبة الرسول – ﷺ وتقديمها على محبة كل مخلوق.
٢- أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب وقد نُفي الإيمان عمّن لم يكن الرسول – ﷺ أحب إليه مما ذُكر.
٣- أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
٤- أن الإيمان الصادق لا بد أن يظهر أثره على صاحبه.
стр. 248
ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله رسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار".
وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى ... " (١) إلى آخره.
ــ
ولهما عنه: أي: وللبخاري ومسلم عن أنس.
ثلاثٌ من كنّ فيه: أي: ثلاث خصال من وُجدن فيه. وجاز الابتداء بثلاث؛ وإن كانت نكرة لأنها على نية الإضافة.
وجد بهن حلاوة الإيمان: لما يحصل له من لذة القلب ونعيمه وسروره.
أحب إليه: منصوبٌ على أنه خبر يكون.
مما سواهما: مما يحبه الإنسان بطبعه كالولد والأزواج ونحو ذلك.
أن يحب المرء: الذي يعتقد إيمانه وعبادته.
لا يحبه إلا الله: أي: لأجل طاعة الله.
أن يعود في الكفر: أي: يرجع إليه.
كما يكره أن يلقى في النار: يعني: يستوي عنده الأمران الإلقاء في
стр. 249
النار أو العودة في الكفر.
وفي رواية: أي: للبخاري.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن المسلم إذا توفّرت فيه ثلاث خصال هي: تقديم محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما من أهل ومال. ويحب من يحبه من الناس من أجل إيمانه وطاعته لله لا لغرض دنيوي ويكره الكفر كراهيةً متناهيةً بحيث يستوي عنده الإلقاء في النار والرجوع إليه. من توفرت هذه الخصال الثلاث فيه ذاق حلاوة الإيمان فيستلذ الطاعات ويتحمل المشقات في رضا الله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه فضيلة تقديم محبة الله ورسوله محمد – ﷺ على محبة ما سواهما.
ما يستفاد من الحديث:
١- فضيلة تقديم محبة الله ورسوله محمد – ﷺ على كل شيء.
٢- فضيلة المحبة في الله.
٣- أن المؤمنين يحبون الله تعالى محبة خالصة.
٤- أن من اتصف بهذه الخصال الثلاث فهو أفضل ممن لم يتصف بها ولو كان المتصف بها كافراً فأسلم أو كان مذنباً فتاب من ذنبه.
٥- مشروعية بغض الكفر والكافرين؛ لأن من أبغض شيئاً أبغض من اتصف به.
* * *
стр. 250
وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً" (١) رواه بن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال: المودة (٢) .
ــ
من أحب في الله: أي: أحب المؤمنين من أجل إيمانهم بالله.
ووالى في الله: أي: والى المؤمنين بنصرتهم واحترامهم وإكرامهم.
وأبغض في الله: أي: أبغض الكفار والفاسقين لمخالفتهم لربهم.
وعادى في الله: أي: أظهر العداوة للكفار بالفعل كجهادهم والبراءة منهم.
ولاية الله: بفتح الواو تولّيه لعبده بالنصرة والمحبة.
طعم الإيمان: ذوق الإيمان ولذته والفرح به.
مؤاخاة الناس: تآخيهم ومحبة بعضهم لبعض.
على أمر الدنيا: أي: لأجل الدنيا فأحبوها وأحبوا لأجلها.