الله من الأشخاص والأعمال على محبة ما سوى ذلك.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب محبة الله تعالى ومحبة ما يحبه.
٢- وجوب حب النبي – ﷺ .
٣- الوعيد على من كانت هذه الثمانية أو غيرها أحب إليه من دينه.
* * *
стр. 247
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (١) أخرجاه.
ــ
لا يؤمن أحدكم: أي: الإيمان الكامل.
حتى أكون أحب إليه: بنصب أحب خبر أكون.
والناس أجمعين: من عطف العام على الخاص.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن أحداً لن يؤمن الإيمان الكامل الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة حتى يقدم محبة الرسول – ﷺ على محبة أقرب الناس إليه، وعلى محبة كل مخلوق، لأن بسببه – ﷺ حصول الحياة الأبدية، والإنقاذ من الضلال إلى الهدى، ومحبته – ﷺ تقتضي طاعته واتباع ما أمر به وتقديم قوله على قول كل مخلوق.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على وجوب تقديم محبة الرسول – ﷺ على محبة كل مخلوق، وأن تحقيق الإيمان مشروط بذلك.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب محبة الرسول – ﷺ وتقديمها على محبة كل مخلوق.
٢- أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب وقد نُفي الإيمان عمّن لم يكن الرسول – ﷺ أحب إليه مما ذُكر.
٣- أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
٤- أن الإيمان الصادق لا بد أن يظهر أثره على صاحبه.
стр. 248
ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله رسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار".
وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى ... " (١) إلى آخره.
ــ
ولهما عنه: أي: وللبخاري ومسلم عن أنس.
ثلاثٌ من كنّ فيه: أي: ثلاث خصال من وُجدن فيه. وجاز الابتداء بثلاث؛ وإن كانت نكرة لأنها على نية الإضافة.
وجد بهن حلاوة الإيمان: لما يحصل له من لذة القلب ونعيمه وسروره.
أحب إليه: منصوبٌ على أنه خبر يكون.
مما سواهما: مما يحبه الإنسان بطبعه كالولد والأزواج ونحو ذلك.
أن يحب المرء: الذي يعتقد إيمانه وعبادته.
لا يحبه إلا الله: أي: لأجل طاعة الله.
أن يعود في الكفر: أي: يرجع إليه.
كما يكره أن يلقى في النار: يعني: يستوي عنده الأمران الإلقاء في
стр. 249
النار أو العودة في الكفر.
وفي رواية: أي: للبخاري.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن المسلم إذا توفّرت فيه ثلاث خصال هي: تقديم محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما من أهل ومال. ويحب من يحبه من الناس من أجل إيمانه وطاعته لله لا لغرض دنيوي ويكره الكفر كراهيةً متناهيةً بحيث يستوي عنده الإلقاء في النار والرجوع إليه. من توفرت هذه الخصال الثلاث فيه ذاق حلاوة الإيمان فيستلذ الطاعات ويتحمل المشقات في رضا الله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه فضيلة تقديم محبة الله ورسوله محمد – ﷺ على محبة ما سواهما.
ما يستفاد من الحديث:
١- فضيلة تقديم محبة الله ورسوله محمد – ﷺ على كل شيء.
٢- فضيلة المحبة في الله.
٣- أن المؤمنين يحبون الله تعالى محبة خالصة.
٤- أن من اتصف بهذه الخصال الثلاث فهو أفضل ممن لم يتصف بها ولو كان المتصف بها كافراً فأسلم أو كان مذنباً فتاب من ذنبه.
٥- مشروعية بغض الكفر والكافرين؛ لأن من أبغض شيئاً أبغض من اتصف به.
* * *
стр. 250
وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً" (١) رواه بن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال: المودة (٢) .
ــ
من أحب في الله: أي: أحب المؤمنين من أجل إيمانهم بالله.
ووالى في الله: أي: والى المؤمنين بنصرتهم واحترامهم وإكرامهم.
وأبغض في الله: أي: أبغض الكفار والفاسقين لمخالفتهم لربهم.
وعادى في الله: أي: أظهر العداوة للكفار بالفعل كجهادهم والبراءة منهم.
ولاية الله: بفتح الواو تولّيه لعبده بالنصرة والمحبة.
طعم الإيمان: ذوق الإيمان ولذته والفرح به.
مؤاخاة الناس: تآخيهم ومحبة بعضهم لبعض.
على أمر الدنيا: أي: لأجل الدنيا فأحبوها وأحبوا لأجلها.
стр. 251
وذلك: أي: المؤاخاة على أمر الدنيا.
لا يجدي على أهله شيئاً: لا ينفعهم أصلاً بل يضرهم.
المعنى الإجمالي للأثر: يحصر ابن عباس ﵄ الأسباب التي توجب محبة الله لعبده ونصرته له في محبة أولياء الله، وبغض أعدائه، وإظهار هذه المحبة وهذه العداوة علانية بمناصرة المؤمنين ومقاطعة المجرمين وجهادهم. ويذكر أنه لن يذوق الإيمان ويتلذذ بطعمه من لا يتصف بذلك وإن كثُرت عبادته. ثم يذكر ابن عباس أن هذه القضية قد انعكست في وقته فصار الناس يتحابون ويباغضون من أجل الدنيا، وهذا لا ينفعهم بل يضرهم. ثم فسر هذه الآية الكريمة. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ بأن المراد بها أن المحبة التي كانت بينهم في الدنيا تقطعت بهم يوم القيامة وخانتهم أحوج ما كانوا إليها، وتبرأ بعضهم من بعض، لما كانت هذه المحبة في غير الله.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه أن حصول محبة الله لعبده ونصرته له مشروطٌ بأمرين:
أحدهما: محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالقلب.
ثانيهما: إظهار محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالفعل من مناصرة أوليائه وجهاد أعدائه.
ما يستفاد من الأثر:
١- بيان الأسباب التي تُنال بها محبة الله لعبده ونصرته لعبده.
٢- وصف الله بالمحبة على ما يليق بجلاله.
٣- مشروعية وفضيلة الحب في الله والبغض في الله، وأنه لا يُغني عنهما كثرة الأعمال الصالحة.
стр. 252
٤- مشروعية مناصرة المؤمنين وإعانتهم، وبغض الكافرين وجهادهم.
٥- بيان ثمرة الحب في الله والبغض في الله من ذوق طعم الإيمان والتلذذ به.
٦- ذم الحب والبغض من أجل الدنيا وبيان سوء عاقبته.
* * *
стр. 253
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [ آل عمران: ١٧٥] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان الخوف من أجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، نبّه المصنف بهذا الباب على وجوب إخلاصه لله.
إنما: أداة حصر.
الشيطان: علمٌ على إبليس اللعين.
يخوِّف أولياءه: أي: يخوفكم بأوليائه ويوهمكم أنهم ذوو بأس شديد.
فلا تخافوهم: أي: لا تخافوا أولياءه الذين خوفكم إياهم.
وخافونِ: فلا تخالفوا أمري.
إن كنتم مؤمنين: لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أن من كيد عدوّ الله أنه يخوّف المؤمنين من جنده وأوليائه؛ لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بالمعروف ولا ينهوهم عن منكر. ونهانا أن نخافَهم، وأمرنا أن نخافَه وحده؛ لأن هذا هو مقتضى الإيمان، فكلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان
стр. 254
من قلبه، وكلما ضعُف إيمانه قويَ خوفه منهم.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الخوف عبادةٌ يجب إخلاصه لله.
٢- أن صرف الخوف لغير الله شركٌ كأن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره.
٣- التحذير من كيد الشيطان.
* * *
стр. 255
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] .
ومن الناس: أي: بعض الناس.
من يقول آمنا بالله: أي: يدعي الإيمان بلسانه.
أوذي في الله: أي: لأجل الله جل وعلا.
فتنة الناس: أذاهم ونيلهم إياه بالمكروه.
كعذاب الله: أي: جعل أذى الناس الذي يناله بسبب تمسكه بدينه، كعذاب الله الذي يناله على ارتداده عن دينه، ففرّ من ألم أذى الناس إلى ألم عذاب الله فارتد عن دينه.
نصرٌ من ربك: فتحٌ وغنيمة.
إنا كنا معكم: في الدين فأشركونا في الغنيمة.
بما في صدور العالمين: بما في قلوبهم من الإيمان والنفاق.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن الداخل في الإيمان بلا بصيرة أنه إذا أصابته محنة وأذى من الكفار جعل هذا الأذى –الذي لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم- جعل ذلك في فراره منه وتركه السبب الذي ناله من أجله كعذاب الله الذي فرّ منه المؤمنون، ففرّ من ألم عذاب أعداء الله في تركه دينه إلى عذاب الله، فاستجار من الرمضاء بالنار. وإذا نصر الله جندَه وأولياءه قال: إني كنت معكم والله عليمٌ بما
стр. 256
انطوى عليه صدره من النفاق.
مناسبة الآية للباب: أنها أفادت أن الخوف من الناس أن ينالوه بما يكره بسبب الإيمان بالله من جملة الخوف من غير الله المستلزم لضعف الإيمان.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الخوف من أذى الناس بسبب الإيمان خوف من غير الله.
٢- وجوب الصبر على الأذى في سبيل الله.
٣- دناءة همة المنافقين.
٤- إثبات علم الله تعالى.
* * *
стр. 257
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] .
إنما يعمر مساجد الله: أي: إنما تستقيم عمارتها بالعبادة والطاعة.
من آمن بالله ... إلخ: أي: الجامعين للكمالات العلمية والعملية.
ولم يخش إلا الله: الخشية هي: المخافة والهيبة، والمراد بالخشية هنا: أي خشية التعظيم والعبادة والطاعة. أما الخشية الجبلّية كخشية المحاذير الدنيوية فلا يكاد أحد يسلم منها. وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه.
فعسى أولئك: المتصفون بهذه الصفات.
أن يكونوا من المهتدين: أي: أولئك هم المهتدون. وكلُّ "عسى" من الله فهي واجبة.
المعنى الإجمالي للآية: لمّا نفى تعالى عمارة المساجد المعنوية بالعبادة عن المشركين في الآية التي قبلها، أثبت في الآية عمارتها بالعبادة للمؤمنين الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وداوموا على إقام الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها، وأعطوا الزكاة مستحقيها، وأخلصوا لله الخشية وهي المخافة والهيبة.
стр. 258
مناسبة الآية للباب: أن فيها وجوب إخلاص الخشية أي الخوف والهيبة التي هي أساس العبادة لله وحده.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب إخلاص الخشية لله وحده.
٢- أن الشرك لا ينفع معه عمل.
٣- أن عمارة المساجد إنما تكون بالطاعة والعمل الصالح لا بمجرد البناء.
٤- الحث على عمارة المساجد حسيّاً ومعنوياً.
* * *
стр. 259
وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: "إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على مالم يؤتك الله. إن رزق الله لا يجُرّه حرص حريص، ولا يرَدّه كراهية كاره" (١) .
ــ
ضعف: بضم الصاد وفتحها ضد القوة والصحة.
اليقين: ضد الشك هو: كمال الإيمان.
ترضي الناس بسخط الله: أي: تؤثر رضاهم على رضا الله.
وأن تحمدهم: أي: تشكرهم وتثني عليهم.
على رزق الله: أي: ما وصل منه إليك على أيديهم بأن تضيفه إليهم وتنسى المنعم المتفضِّل.
وأن تذمّهم على ما لم يؤتك الله: أي: إذا طلبتهم شيئاً فمنعوك ذممتهم على ذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: يبين – ﷺ في هذا الحديث ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، من قوة الثقة بالله، والتوكل عليه، واعتقاد أن كل شيء بتدبيره ومشيئته، ومن ذلك الأسباب إذا شاء الله رتّب عليها نتائجها
стр. 260
فأدّت المطلوب بها، وإن شاء منعها من أداء نتائجها –وكل ذلك راجعٌ إلى الله فهو المحمود على السراء والضراء والشدة والرخاء- وهذا هو كمال اليقين، وأما من تعلق قلبه بالناس ومالَ مع الأسباب فإن نال شيئاً من الخير على أيدي الناس مدحهم. وإن لم ينل مراده ذمّهم ولامهم فهذا قد ضعُف يقينه واختل توكّله على الله. ثم ختم – ﷺ الحديث بما يؤكد ويوضح ما قرره في أوله بأن العطاء والمنع يجريان بأمر الله وحسب حكمته ولا يرجعان إلى حرص العبد أو كراهته.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه وجوب تعلّق القلب بالله في جلب النفع، ودفع الضر، وخوفه وخشيته وحده، وعدم الالتفات إلى الخلق بمدحٍ أو ذمٍّ على ما يحصل من الإعطاء والمنع.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب التوكل على الله وخشيته وطلب الرزق منه.
٢- إثبات القضاء والقدر.
٣- عدم الاعتماد على الأسباب.
٤- تقديم رضا الله على رضا المخلوق.
* * *
стр. 261
وعن عائشة ﵂ -أن رسول الله ﷺ قال: "من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس. ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" (١) رواه ابن حبان في صحيحه.
ــ
التمس: طلب.
المعنى الإجمالي للحديث: يبين – ﷺ الطريق الذي يحصل به رضا الله، ورضا الناس، والطريق الذي يحصل به سخط الله، وسخط الناس. وذلك أن الناس لقصور معرفتهم بالعواقب وغلبة المؤثرات عليهم، قد تتعارض رغبتهم مع ما شرعه الله مما فيه صلاحهم عاجلاً وآجلاً، وهنا يتميز موقف المؤمن الصحيح الإيمان من موقفٍ مزعزع الإيمان. فالمؤمن يؤثر رضا الله على رضا الناس، فيستمر مع شرع الله لا تأخذه في الله لومة لائم، فيتولاه بنصره؛ لأنه قد اتقى الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] .
ومزعزع الإيمان يؤثر رضا الناس على رضا الله فيحقق لهم مطلوبَهم وإن كان مخالفاً لما شرعه الله، وهذا في الحقيقة قد خاف الناس ولم يخف الله، وسينعكس عليه مراده فينقلب حامده في الناس ذامّاً، ولن يغنوا عنه من الله شيئاً، فضر نفسه وضر من أراد نفعهم بمعصية
стр. 262
الله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه وجوب خشية الله وتقديم رضاه على رضا المخلوق.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب خشية الله وتقديم رضاه على رضا خلقه.
٢- بيان عقوبة من آثر رضا الناس على رضا الله.
٣- وجوب التوكل على الله والاعتماد عليه.
٤- بيان ما في تقديم رضا الله من العواقب الحميدة وما في تقديم رضا الناس على رضا الله من العواقب السيئة.
٥- أن قلوب العباد بيد الله سبحانه.
* * *
стр. 263
باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [ المائدة: ٢٣] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف بهذا الباب بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله؛ لأنه من أفضل العبادة وأعلى مقامات التوحيد.
وعلى الله: أي: لا على غيره.
فتوكلوا: اعتمِدوا عليه وفوِّضوا أموركم إليه.
المعنى الإجمالي للآية: يذكر تعالى أن موسى ﵇ أمر قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، ولا يرتدوا على أدبارهم خوفاً من الجبارين، بل يمضوا قُدُماً لا يهابونهم ولا يخشونهم، متوكلين على الله في هزيمتهم، مصدِّقين بصحة وعدِه لهم إن كانوا مؤمنين.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب التوكل على الله وحده سبحانه، وأن صرف التوكل لغير الله شركٌ؛ لأنه عبادة.
٢- أن التوكل على الله شرطٌ في صحة الإيمان ينتفي الإيمان عند انتفائه.
стр. 264
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] .
وجلت قلوبهم: خافت من الله.
وعلى ربهم: لا على غيره.
يتوكلون: يفوِّضون إليه أمورهم ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
المعنى الإجمالي للآية: يصف الله –جل وعلا- المؤمنين حق الإيمان بثلاث صفاتٍ عظيمةٍ هي:
١- الخوف منه عند ذكره، فيفعلون أوامره ويتركون زواجره.
٢- زيادة إيمانهم عند سماع تلاوة كلامه.
٣- وتفويض الأمور إليه والاعتماد عليه وحده.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل على أن التوكل على الله وحده من صفات المؤمنين.
ما يستفاد من الآية:
١- مشروعية التوكل على الله وأنه من صفات المؤمنين.
٢- أن الإيمان يزيد وينقص. فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
٣- أن الإيمان بالله يستدعي التوكل عليه وحده.
٤- أن من صفات المؤمنين الخشوع والذل لله تعالى.
* * *
стр. 265
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] .
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
ــ
حسبك الله ومن اتبعك: أي: كافيك الله وحده وكافي أتباعِك.
فهو حسبه: أي: كافيه.
المعنى الإجمالي للآيتين: يخبر الله سبحانه نبيه وأمته بأنه هو وحده كافيهم، فلا يحتاجون معه إلى أحد، فليكن توكّلهم ورغبتهم عليه وحده، كما جعل سبحانه لكل عملٍ جزاء، فجعل جزاء التوكل عليه كفايته للمتوكل، فإذا كان الله سبحانه كافياً المتوكل عليه وحسبَه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو.
مناسبة الآيتين للباب: أنهما يدلان على وجوب التوكل على الله؛ لأنه هو الكافي لمن توكل عليه.
ما يستفاد من الآيتين:
١- وجوب التوكل على الله؛ لأنه من أعظم أنواع العبادة.
٢- بيان فضل التوكل على الله وفائدته، وأنه أعظم الأسباب لجلب النفع ودفع الضر.
٣- أن الجزاء من جنس العمل.
* * *
стр. 266
وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم –﵇ حين ألقي في النار.
وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١) [آل عمران: ١٧٣] . رواه البخاري والنسائي.
ــ
حسبنا الله: أي: كافينا فلا نتوكل إلا عليه.
نعم الوكيل: أي: الموكول إليه أمور عباده.
المعنى الإجمالي للأثر: يروي عبد الله بن عباس –﵄ أن هذه الكلمة العظيمة: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها الخليلان إبراهيم ومحمدٌ –عليهما الصلاة والسلام في موقفين حرجين لقياهما من قومهما- وذلك حينما دعا إبراهيم قومَه إلى عبادة الله فأبوا وكسَّر أصنامهم فأرادوا أن ينتصروا لها فجمعوا حطباً وأضرموا له ناراً ورموه بالمنجنيق إلى وسطها، فقال هذه الكلمة. فقال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . وحينما أرسلت قريش إلى محمد – ﷺ تتوعده وتقول: إنا قد أجمعنا السير إليك وإلى أصحابك لنستأصلكم. فقال – ﷺ عند ذلك هذه الكلمة العظيمة: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] .
مناسبة الأثر للباب: أن فيه أن هذه الكلمة التي هي كلمة التفويض
стр. 267
والاعتماد على الله، هي الكلمة التي تقال عند الكروب والشدائد. وهي تدل على التوكل على الله في دفع كيد الأعداء.
ما يستفاد من الأثر:
١- فضل هذه الكلمة، وأنه ينبغي أن تقال عند الشدائد والكروب.
٢- أن التوكل من أعظم الأسباب في حصول الخير ودفع الشر في الدنيا والآخرة.
٣- أن الإيمان يزيد وينقص.
٤- أن ما يكرهه الإنسان قد يكون خيراً له.
* * *
стр. 268
باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [ الأعراف: ٩٩] .
وقوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ [الحِجر: ٥٦] .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أراد المؤلف ﵀ بهذا الباب أن يبين أن الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله من أعظم الذنوب، وأن كلاً منهما ينافي كمال التوحيد، وأنه يجب على المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء.
مكر الله: استدراجه العبد إذا عصى وإملاؤه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
الخاسرون: أي: الهالكون.
يقنط: القنوط: استبعاد الفرج واليأس منه.
الضالون: المخطئون طريق الصواب.
المعنى الإجمالي للآيتين: يذكر الله سبحانه حال أهل القرى المكذبين للرسل، أن الذي حملهم على تكذيبهم هو الأمن من استدراج الله لهم، وعدم الخوف منه، فتمادوا في المعاصي والمخالفات، واستبعدوا الاستدراج من الله، وهذه حال الهالكين.
стр. 269
وفي الآية الثانية يحكي الله عن خليله إبراهيم –﵇ أنه لما بشرته الملائكة بولده إسحاق –﵇ استبعد ذلك على كبَر سنه، فقالت الملائكة: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] . أي: الآيسين، فأجابهم بأنه ليس بقانط؛ لكنه قال ذلك على وجه التعجّب.
ما يستفاد من الآيتين:
١- في الآية الأولى: التحذير من الأمن من مكر الله، وأنه من أعظم الذنوب.
٢- في الآية الثانية: التحذير من القنوط من رحمة الله، وأنه من أعظم الذنوب.
٣- في الآيتين أنه يجب على المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء فلا يغلّب جانب الرجاء فيأمن من مكر الله ولا يغلّب جانب الخوف فييأس من رحمة الله.
٤- أن الخوف والرجاء من أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده لا شريك له.
* * *
стр. 270
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر فقال: "الشرك بالله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله" (١) .
وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله" (٢) . رواه عبد الرزاق.
ــ
الكبائر: جمع كبيرة وهي: كل ذنب توعّد الله صاحبه بنارٍ أو لعنةٍ أو غضبٍ أو عذابٍ أو نفي الإيمان أو رتب الله عليه حداً في الدنيا.
الشرك بالله: في ربوبيته وعبوديته.
واليأس من روح الله: أي قطع الرجاء والأمل من الله فيما يرومه ويقصده ويخافه ويرجوه.
من مكر الله: أي: من استدراجه للعبد أو سلبه ما أعطاه من الإيمان.
المعنى الإجمالي للحديث: ذكر رسول الله – ﷺ في هذا الحديث أن كبائر الذنوب هي: أن يُجعل لله سبحانه شريكٌ في ربوبيته أوعبوديته وبدأ به؛ لأنه أعظم الذنوب. وقطع الرجاء والأمل من الله؛ لأن ذلك
стр. 271
إساءة ظنٍّ بالله وجهل بسعة رحمته، والأمن من استدراجه للعبد بالنعم حتى يأخذه على غرة. وليس المراد بهذا الحديث حصر الكبائر فيما ذكر؛ لأن الكبائر كثيرة، لكن المراد بيان أكبرها كما يفيده أثر ابن مسعود الذي ساقه المؤلف بعده.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على أن الأمن من مكر الله واليأس من رحمته من كبائر الذنوب.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم الأمن من مكر الله واليأس من رحمته، وأنهما من أكبر الكبائر كما عليه المرجئة والخوارج.
٢- أن الشرك أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.
٣- أن الواجب على العبد أن يكون بين الخوف والرجاء، فإذا خاف لا ييأس، وإذا رجا لا يأمن.
* * *
стр. 272
باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
وقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] .
قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم.
ــ
ترجمة علقمة: هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة، ولد في حياة النبي ﷺ وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين من الهجرة.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف بهذا الباب بيانَ وجوب الصبر على الأقدار وتحريم التسخط منها؛ لأن ذلك ينافي كمال التوحيد.
الإيمان: في اللغة: التصديق الذي معه ائتمانٌ للمخبِر. وفي الشرع: نطقٌ باللسان واعتقادٌ بالقلب وعملٌ بالجوارح.
الصبر: في اللغة: الحبس والكف -وشرعاً هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي والسّخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.
ومن يؤمن بالله: فيعتقد أن المصيبة بقضائه وقدره، ويسترجع عندها.
стр. 273
يهد قلبه: للصبر عليها.
هو الرجل تصيبه ... إلخ: هذا تفسيرٌ للإيمان المذكور في الآية.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أن من أصابته مصيبةٌ فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوّضه كما فاته من الدنيا هدىً في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يُخلِف عليه ما أُخذ منه أو خيراً منه.
مناسبة الآية للباب: أن فيها دليلاً على فضيلة الصبر على أقدار الله المؤلمة.
ما يستفاد من الآية:
١- فضيلة الصبر على أقدار الله المؤلمة كالمصائب.
٢- أن الأعمال من مسمّى الإيمان.
٣- أن الصبر سببٌ لهداية القلب.
٤- أن الهداية من ثواب الصابر.
* * *
стр. 274
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (١) .
ــ
هما: أي: الاثنتان.
بهم كفر: أي: هاتان الخصلتان كفرٌ قائم بالناس –حيث كانتا من أعمال الكفار.
الطعن في النسب: أي: الوقوع فيه بالعيب والتنقص.
والنياحة على الميت: أي: رفع الصوت بتعديد شمائله؛ لما في ذلك من التسخط على القدر.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أنه سيستمر في الناس خصلتان من خصال الكفر، لا يسلم منهما إلا من سلَّمه الله.
الأولى: عيب الأنساب وتنقصها.
الثانية: رفع الصوت عند المصيبة تسخطاً على القدر.
لكن ليس من قام به شعبةٌ من شعب الكفر يكون كافراً الكفر المخرج من الملة حتى يقوم به حقيقة الكفر.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على تحريم النياحة؛ لما فيها من السخط على القدر وعدم الصبر.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم النياحة وأنها من خصال الكفر ومن الكبائر.
٢- وجوب الصبر؛ لأنه إذا حرمت النياحة دل على وجوبه ضدها وهو الصبر.
٣- أن من الكفر ما لا ينقل عن الملة.
٤- تحريم الطعن في الأنساب وتنقصها.
стр. 275
ولهما عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "ليس منا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدَعوى الجاهلية" (١) .
ــ
ليس منا: هذا من باب الوعيد ولا ينبغي تأويله.
من ضرب الخدود: خص الخدّ؛ لأنه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثلُه.
وشقّ الجيوب: جمع جيب وهو: مدخل الرأس من الثوب.
دعوى الجاهلية: هي: الندب على الميت والدعاء بالويل والثبور.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول ﷺ يتوعد من فعل شيئاً من هذه الأمور؛ لأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم الصبر الواجب، والإضرار بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها، والدعاء بالويل والثبور، والتظلم من الله تعالى.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلاً على تحريم التسخط من قدر الله بالقول والفعل، وأن ذلك من كبائر الذنوب.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التسخط من قدر الله بالقول أو الفعل، وأنه من الكبائر.
٢- وجوب الصبر عند المصيبة.
٣- وجوب مخالفة الجاهلية؛ لأن مخالفتهم من مقاصد الشارع الحكيم.
стр. 276
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضي، ومن سخط فله السخط" (١) . حسنه الترمذي.
ــ
عظم الجزاء مع عظم البلاء: بكسر العين وفتح الظاء –أي: من كان ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم.
فمن رضي: بما قضاه الله وقدّره عليه من الابتلاء.
فله الرضا: من الله جزاء وفاقاً.
ومن سخط: بكسر الخاء والسخط: الكراهية للشيء وعدم الرضا به.
فله السخط: أي: من الله عقوبةً له.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن عظمة الأجر وكثرة الثواب مع عظم الابتلاء والامتحان الذي يجري على العبد في هذه الدنيا إذا صبر واحتسب، وأن من علامة محبة الله لعبده أن يبتليه؛ فإن رضي بقضاء الله وقدره عليه واحتسب الأجر والثواب وأحسن الظن بربه ﵁ وأثابه، وأن تسخّط قضاء الله وجزِع لما أصابه سخط الله عليه وعاقبه.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان علامة محبة الله لعبده وبيان حكمته فيما يُجريه عليه من المكاره.
стр. 277
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان علامة محبة الله لعبده وهي الابتلاء.
٢- وصف الله بالمحبة والرضا والسخط على ما يليق بجلاله.
٣- إثبات الحكمة لله في أفعاله.
٤- أن الجزاء من جنس العمل.
٥- الحث على الصبر على المصائب.
٦- أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خيرٌ له.
* * *
стр. 278
وقال ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة" (١) .
ــ
هذا الحديث والذي قبله رواهما الترمذي بسند واحد وصحابي واحد؛ ولذلك جعلهما المؤلف كالحديث الواحد.
عجّل له العقوبة في الدنيا: أي: ينزل به المصائب لما صدر منه من الذنوب، فيخرج منها وليس عليه ذنب.
أمسك عنه بذنبه: أي: أخّر عنه عقوبة ذنبه.
يوافي به: بكسر الفاء مبنيٌّ للفاعل منصوبٌ بحتى أي: يجيء يوم القيامة مستوفرَ الذنوب فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن علامة إرادة الله الخيرَ بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا حتى يخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة؛ لأن من حوسب بعمله عاجلاً خفّ حسابه في الآجل. ومن علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنوبه في الدنيا حتى يجيء يوم القيامة مستوفر الذنوب وافيها، فيجازى بما يستحقه يوم القيامة.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الحث على الصبر على المصائب والرضا بالقدر؛ لأن ذلك في صالح العبد.
стр. 279
ما يستفاد من الحديث:
١- علامة إرادة الله الخير بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا.
٢- علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.
٣- الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شرّ.
٤- التنبيه على حسن الظن بالله ورجائه فيما يقضيه عليه من المكروه.
٥- أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خيرٌ له، وقد يحب الشيء وهو شرّ له.
٦- الحث على الصبر على المصائب.
* * *
стр. 280
باب ما جاء في الرياء
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد: أنه لما كان الرياء مخلاً بالتوحيد ومحبطاً للعمل الذي قارنه ناسب أن ينبه عليه المؤلف في هذا الباب.
الرياء: مصدر راءى مراءاة ورياء وهو أن يقصد أن يرى الناس أنه يعمل عملاً على صفة وهو يضمر في قلبه صفة أخرى.
قل: الخطاب للنبي ﷺ أي: قل للناس.
أنا بشر مثلكم: أي: في البشرية ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء.
أنما إلهكم إله واحد: أي: معبودكم بحق الذي أدعوكم إلى عبادته معبودٌ واحدٌ لا شريك له.
يرجو لقاء ربه: أي: يخاف المصير إليه ويطمع برؤيته يوم القيامة.
عملاً صالحاً: هو: ما كان موافقاً لشرع الله مقصوداً به وجهه.
стр. 281
ولا يشرك بعبادة ربه: أي: لا يرائي بعمله.
أحداً: نكرة في سياق النفي، فتعم كل واحد كائناً من كان.
المعنى الإجمالي: يأمر الله تعالى نبيه – ﷺ أن يخبر الناس أنه بشر مثلهم في البشرية ليس له من الربوبية والألوهية شيءٌ، وإنما مهمته إبلاغ ما يوحيه الله إليه، وأهم ما أوحي أليه أن المعبود حقاً معبودٌ واحد –هو الله- لا يجوز أن يشرك معه أحدٌ في العبادة، ولا بد من المصير إليه في يوم القيامة، فالذي يرجو النجاة في هذا اليوم من عذاب الله يستعد له بالعمل الخالص من الشرك الموافق لما شرعه الله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها الأمر بإخلاص العمل من الشرك الذي منه الرياء.
ما يستفاد من الآية:
١- أن أصل الدين هو إفراد الله بالعبادة.
٢- أن الرياء شرك.
٣- أن الشرك الواقع من المشركين هو الشرك في العبادة.
٤- أنه لا يجوز أن يُعبد مع الله أحدٌ لا من الأصنام ولا من الأنبياء والصالحين ولا غيرهم.
* * *
стр. 282
وعن أبي هريرة –﵁ مرفوعاً: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عملاً أشرك معيَ فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم (١) .
ــ
أنا أغنى الشركاء عن الشرك: أي: عن مشاركة أحد، وعن عملٍ فيه شرك.
أشرك معيَ فيه غيري: أي: قصد بعمله غيري من المخلوقين.
تركته وشركه: أي: لم أقبل عمله بل أتركه لغير ذلك.
معنى الحديث إجمالاً: يروي النبي – ﷺ عن ربه –وهو يسمَّى بالحديث القدسي- أنه يتبرأ من العمل الذي دخله مشاركةٌ لأحد برياءٍ أو غيره؛ لأنه سبحانه لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه.
مناسبة ذكره في الباب: أنه يدل على عدم قبول العمل الذي داخله رياءٌ أو غيره من أنواع الشرك.
ما يستفاد منه:
١- التحذير من الشرك بجميع أشكاله؛ وأنه مانعٌ من قبول العمل.
٢- وجوب إخلاص العمل لله من جميع شوائب الشرك.
٣- وصف الله بالغنى.
٤- وصف الله بالكلام.
стр. 283
وعن أبي سعيد –﵁ مرفوعاً: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى. قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزيّن صلاته، لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد (١) .
ــ
أخوف: أفعل تفضيل أي: أشد خوفاً.
المسيح: صحاب الفتنة العظمى، سُمِّي مسيحاً؛ لأن عينه ممسوحةٌ، أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها بسرعة.
الدجال: كثير الدجَل أي: الكذب.
الشرك الخفي: سماه خفياً؛ لأن صاحبه يُظهر أن عمله لله وهو في الباطن قد قصد به غيرَه.
يزيِّن صلاته: يحسِّنها ويُطيلُها ونحو ذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: كان الصحابة يتذاكرون فتنةَ المسيح الدجال ويتخوفون منها، فأخبرهم – ﷺ أن هناك محذوراً يخافه عليهم أشد من خوفِ فتنة الدجال وهو الشرك في النية والقصد الذي لا يظهر للناس، ثم فسَّره بتحسين العمل الذي يُبتغى به وجه الله من أجل رؤية الناس.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه التحذير من الرياء، وفيه تفسيرُه.
стр. 284
ما يستفاد من الحديث:
١- في الحديث شفقته – ﷺ على أمته ونصحُه لهم.
٢- أن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال.
٣- الحذر من الرياء ومن الشرك عموماً.
* * *
стр. 285
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ الآيتين.
ــ
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: بيان أن العمل لأجل الدنيا شركٌ، ينافي كمال التوحيد، ويحبط العمل، ويفترق عن الباب الذي قبله، أن هذا عملٌ لأجل دنيا يصيبُها، والمرائي عمِل لأجل المدح فقط.
يريد الحياة الدنيا وزينتها: أي: يريد بعمله ثواب الدنيا ومالها.
نوَفِّ إليهم: نوفّر لهم ثواب أعمالهم بالصحة، والسرور بالأهل والمال والولد.
لا يُبخسون: لا يُنقصون.
ليس لهم في الآخرة إلا النار: لأنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا.
وحبِط: بطُل.
ما صنعوا فيها: في الآخرة فلم يكن لهم ثوابٌ عليه؛ لأنهم لم يريدوا به الآخرة.
معنى الآيتين إجمالاً: أن من كانت الدنيا همّه وطلبته فنواها بأعماله ولم يلتفت للآخرة، جازاه الله بحسناته في الدنيا إن شاء -تعالى-