ولا يشرك بعبادة ربه: أي: لا يرائي بعمله.
أحداً: نكرة في سياق النفي، فتعم كل واحد كائناً من كان.
المعنى الإجمالي: يأمر الله تعالى نبيه – ﷺ أن يخبر الناس أنه بشر مثلهم في البشرية ليس له من الربوبية والألوهية شيءٌ، وإنما مهمته إبلاغ ما يوحيه الله إليه، وأهم ما أوحي أليه أن المعبود حقاً معبودٌ واحد –هو الله- لا يجوز أن يشرك معه أحدٌ في العبادة، ولا بد من المصير إليه في يوم القيامة، فالذي يرجو النجاة في هذا اليوم من عذاب الله يستعد له بالعمل الخالص من الشرك الموافق لما شرعه الله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها الأمر بإخلاص العمل من الشرك الذي منه الرياء.
ما يستفاد من الآية:
١- أن أصل الدين هو إفراد الله بالعبادة.
٢- أن الرياء شرك.
٣- أن الشرك الواقع من المشركين هو الشرك في العبادة.
٤- أنه لا يجوز أن يُعبد مع الله أحدٌ لا من الأصنام ولا من الأنبياء والصالحين ولا غيرهم.
* * *
стр. 282
وعن أبي هريرة –﵁ مرفوعاً: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عملاً أشرك معيَ فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم (١) .
ــ
أنا أغنى الشركاء عن الشرك: أي: عن مشاركة أحد، وعن عملٍ فيه شرك.
أشرك معيَ فيه غيري: أي: قصد بعمله غيري من المخلوقين.
تركته وشركه: أي: لم أقبل عمله بل أتركه لغير ذلك.
معنى الحديث إجمالاً: يروي النبي – ﷺ عن ربه –وهو يسمَّى بالحديث القدسي- أنه يتبرأ من العمل الذي دخله مشاركةٌ لأحد برياءٍ أو غيره؛ لأنه سبحانه لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه.
مناسبة ذكره في الباب: أنه يدل على عدم قبول العمل الذي داخله رياءٌ أو غيره من أنواع الشرك.
ما يستفاد منه:
١- التحذير من الشرك بجميع أشكاله؛ وأنه مانعٌ من قبول العمل.
٢- وجوب إخلاص العمل لله من جميع شوائب الشرك.
٣- وصف الله بالغنى.
٤- وصف الله بالكلام.
стр. 283
وعن أبي سعيد –﵁ مرفوعاً: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى. قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزيّن صلاته، لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد (١) .
ــ
أخوف: أفعل تفضيل أي: أشد خوفاً.
المسيح: صحاب الفتنة العظمى، سُمِّي مسيحاً؛ لأن عينه ممسوحةٌ، أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها بسرعة.
الدجال: كثير الدجَل أي: الكذب.
الشرك الخفي: سماه خفياً؛ لأن صاحبه يُظهر أن عمله لله وهو في الباطن قد قصد به غيرَه.
يزيِّن صلاته: يحسِّنها ويُطيلُها ونحو ذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: كان الصحابة يتذاكرون فتنةَ المسيح الدجال ويتخوفون منها، فأخبرهم – ﷺ أن هناك محذوراً يخافه عليهم أشد من خوفِ فتنة الدجال وهو الشرك في النية والقصد الذي لا يظهر للناس، ثم فسَّره بتحسين العمل الذي يُبتغى به وجه الله من أجل رؤية الناس.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه التحذير من الرياء، وفيه تفسيرُه.
стр. 284
ما يستفاد من الحديث:
١- في الحديث شفقته – ﷺ على أمته ونصحُه لهم.
٢- أن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال.
٣- الحذر من الرياء ومن الشرك عموماً.
* * *
стр. 285
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ الآيتين.
ــ
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: بيان أن العمل لأجل الدنيا شركٌ، ينافي كمال التوحيد، ويحبط العمل، ويفترق عن الباب الذي قبله، أن هذا عملٌ لأجل دنيا يصيبُها، والمرائي عمِل لأجل المدح فقط.
يريد الحياة الدنيا وزينتها: أي: يريد بعمله ثواب الدنيا ومالها.
نوَفِّ إليهم: نوفّر لهم ثواب أعمالهم بالصحة، والسرور بالأهل والمال والولد.
لا يُبخسون: لا يُنقصون.
ليس لهم في الآخرة إلا النار: لأنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا.
وحبِط: بطُل.
ما صنعوا فيها: في الآخرة فلم يكن لهم ثوابٌ عليه؛ لأنهم لم يريدوا به الآخرة.
معنى الآيتين إجمالاً: أن من كانت الدنيا همّه وطلبته فنواها بأعماله ولم يلتفت للآخرة، جازاه الله بحسناته في الدنيا إن شاء -تعالى-
стр. 286
كما في الآية الأخرى ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ الآية [الإسراء: ١٨] ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنةٌ يعطى بها جزاء.
مناسبة ذكر الآيتين في الباب: أنهما بيَّنتا حكم من أراد بعمله الدنيا ومآله في الدنيا والآخرة.
ما يستفاد من الآيتين:
١- فيهما أن الشرك محبطٌ للأعمال، وأن إرادة الدنيا وزينتها بالعمل محبطة له.
٢- فيهما أن الله قد يجزي الكافرَ وطالب الدنيا بحسناته في الدنيا ولا يبقى له في الآخرة حسنةٌ يجازى بها.
٣- فيما التحذير الشديد من إرادة الدنيا بعمل الآخرة.
٤- فيهما الحث على إرادة الآخرة بالأعمال الصالحة.
* * *
стр. 287
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد أخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفَّع" (١) .
ــ
في الصحيح: أي: صحيح البخاري.
تعس: بكسر العين: سقط والمراد هنا: هلك.
الخميصة: ثوب خزّ أو صُوفٌ معلّم، كانت من لباس الناس قديماً.
الخميلة: بفتح الخاء: القطيفة.
انتكس: أي: عاوده المرض. وقيل: انقلب على رأسه وهو: دعاءٌ عليه بالخيبة.
شِيك: أصابته شوكة.
فلا انتقش: فلا يقد على انتقاشها أي: أخْذها بالمنقاش.
طوبى: اسمٌ للجنة أو شجرةٍ فيها.
عنان: بكسر العين: سير اللجام.
стр. 288
في سبيل الله: أي: جهاد المشركين.
أشعث رأسُه: صفةٌ لعبدٍ مجرورٌ بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، ورأسه فاعل، ومعناه: أنه ثائر الرأس شغلَه الجهاد عن التنعم بالادِّهان وتسريح الشعر.
مغبرّة قدماه: صفة ثانية لعبد، وقدماه فاعلٌ أي: علقهما الغبار والتراب بخلاف المترفين المتنعمين.
الحراسة: بكسر الحاء أي: يكون في حماية الجيش غير مقصر ولا غافل.
في الساقة: أي: يكون في آخر الجيش؛ لأنه يقلب نفسه في مصالح الجهاد.
إن استأذن: أي: للدخول على الأمراء.
لم يُؤذن له: لأنه لا جاه له عندهم؛ لكونه لا يقصد بعمله الدنيا والتزلّف إلى الأمراء.
وإن شفع: أي: ألجأته الحال إلى أن يتوسط في أمرٍ يحبه الله ورسوله من قضاء حوائج الناس.
لم يشفع: بفتح الفاء المشددة أي: لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم.
المعنى الإجمالي للحديث: يصور النبي – ﷺ في هذا الحديث حالةَ رجلين: أحدهما من طلاب الدنيا، والآخر من طلاب الآخرة؛ فطالب بلفظ الخبر: "تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" أي: إذا أصابه شرّ لم يخرج منه ولم يفلح؛ فلا نال المطلوب ولا خلُص من المرهوب، وصار
стр. 289
عبداً لما يهواه من شهواته؛ لا صلة له بربه يخلِّصه بسببها مما وقع فيه. ثم بيّن – ﷺ حال عبد الله الصادق الساعي في مراضيه المبتعد عن مساخطه الصابر على مشقة النصب والتعب؛ وأنه لم يتفرغ للترف ونيل الملذات ولم يتظاهر أمام الناس حتى يعرف لديهم ويكون ذا جاه عندهم؛ لأنه لم يرد بعمله الدنيا ونيل الجاه، بل أراد به وجه الله والدار الآخرة؛ فجزاؤه أن له الجنة أو شجرة فيها.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه ذم العمل لأجل الدنيا، ومدح العمل لأجل الآخرة.
ما يستفاد من الحديث:
١- ذم العمل لأجل الدنيا، ومدح العمل لأجل الآخرة.
٢- فضل التواضع.
٣- فضل الجهاد في سبيل الله.
٤- ذم الترف والتنعم، ومدح الخشونة والرجولة والقوة؛ لأن ذلك مما يعين على الجهاد في سبيل الله.
* * *
стр. 290
باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً
وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء: أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر"!.
ــ
مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد: لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، نبّه المصنف ﵀ بهذا الباب على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحدٌ من الخلق إلا إذا كانت طاعته في غير معصية الله.
أرباباً: أي: شركاء مع الله في التشريع.
قال ابن عباس ... إلخ: أي: قاله لمن ناظره في متعة الحج وكان هو يأمر بها؛ لأمر الرسول ﷺ بها، فاحتج عليه المخالف بنهي أبي بكر وعمر عنها، واحتج ابن عباس بسنة رسول الله ﷺ .
يوشك: أي: يقرب ويدنو ويسرع.
المعنى الإجمالي للأثر: أن ابن عباس ﵄ يتوقع أن ينزل الله عقوبة من السماء عاجلة شنيعة بمن يقدم قول أبي بكر وعمر ﵄ على قول رسول الله ﷺ ، لأن الإيمان بالرسول ﷺ -
стр. 291
يقتضي متابعته وتقديم قوله على قول كل أحد كائناً من كان.
مناسبة ذكره في الباب: أنه يدل على تحريم طاعة العلماء والأمراء فيما خالف هدي الرسول – ﷺ وأنه موجبةٌ للعقوبة.
ما يستفاد من الأثر:
١- وجوب تقديم قول الرسول – ﷺ على قول كل أحد.
٢- أن مخالفة هدي الرسول – ﷺ توجب العقوبة.
* * *
стр. 292
وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان؛ والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] .
أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك: لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
ــ
التراجم:
١- أحمد هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، مات سنة ٢٤١هـ ﵀.
٢- سفيان هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، مات سنة ١٦١هـ.
قال أحمد: أي: لما قيل له: إن قوماً يتركون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان أو غيره من الفقهاء.
عرفوا الإسناد وصحته: أي: عرفوا صحة إسناد الحديث؛ لأن صحة الإسناد تدل على صحة الحديث.
يخالفون عن أمره: أي: أمر الله أو الرسول – ﷺ ، وعدّي الفعل بـ "عن" لتضمنه معنى الإعراض.
أن تصيبهم فتنة: محنة في الدنيا.
أو يصيبهم عذاب أليم: في الآخرة.
لعله: أي: الإنسان الذي تصح عنده سنة الرسول – ﷺ .
إذا رد بعض قوله: أي: قول النبي – ﷺ .
стр. 293
من الزيغ: أي العدول عن الحق وفساد القلب.
المعنى الإجمالي: ينكر الإمام أحمد على من يعرف الحديث الصحيح عن رسول الله – ﷺ ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره فيما يخالف الحديث، ويعتذر بالأعذار الباطلة؛ ليبرر فعله. مع أن الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله –تعالى- وسنة رسوله – ﷺ وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا –﵎ وأمرنا نبينا – ﷺ ثم يتخوف الإمام أحمد على من صحت عنده سنة رسول الله – ﷺ ، ثم خالف شيئاً منها أن يزيغ قلبه فيهلك في الدنيا والآخرة، ويستشهد بالآية المذكورة، ومثلها في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
مناسبة ذكر ذلك في الباب: التحذير من تقليد العلماء من غير دليل، وترك العمل بالكتاب والسنة أن ذلك شرك في الطاعة.
ما يستفاد من الأثر:
١- تحريم التقليد على من يعرف الدليل وكيفية الاستدلال.
٢- جواز التقليد لمن لا يعرف الدليل؛ بأن يقلد من يثق بعلمه ودينه من أهل العلم.
* * *
стр. 294
عن عدي بن حاتم –﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرم الله، فتحلونه؟ " فقلت: بلى. قال "فتلك: عبادتهم" (١) . رواه أحمد والترمذي وحسَّنه.
ــ
التراجم:
عدي: هو عدي بن حاتم الطائي، صحابي شهير حسن الإسلام، مات سنة ٦٨هـ وله ١٢٠ سنة –﵁.
اتخذوا: جعلوا.
أحبارهم: علماء اليهود.
ورهبانهم: عباد النصارى.
أرباباً من دون الله: حيث اتبعوهم في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ.
لسنا نعبدهم: ظن أن العبادة يراد بها التقرب إليهم بالسجود ونحوه فقط.
أليس يحرمون ... إلخ: بيانٌ لمعنى اتخاذهم أرباباً.
стр. 295
المعنى الإجمالي: حينما سمع هذا الصحابي الجليل تلاوة الرسول ﷺ لهذه الآية التي فيها الإخبار عن اليهود والنصارى: بأنهم جعلوا علماءهم وعبّادهم آلهة لهم يشرعون لهم ما يخالف تشريع الله فيطيعونهم في ذلك، استشكل معناها، لأن يظن أن العبادة مقصورة على السجود ونحوه. فبين له الرسول ﷺ أن من عبادة الأحبار والرهبان: طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، خلاف حكم الله -تعالى- ورسوله ﷺ .
مناسبة الحديث للباب: أن طاعة المخلوق في معصية الله عبادة له من دون الله، لا سيّما في تشريع الأحكام، وسنّ القوانين المخالفة لحكم الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن طاعة العلماء وغيرهم من المخلوقين في تغيير أحكام الله -إذا كان المطيع يعرف مخالفتهم لشرع الله- شركٌ أكبر.
٢- أن التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى.
٣- بيان لنوع من أنواع الشرك وهو شرك الطاعة.
٤- مشروعية تعليم الجاهل.
٥- أن معنى العبادة واسعٌ يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
* * *
стр. 296
باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّ هُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ... ﴾ الآيات.
ــ
تمام الآيات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠- ٦٢] .
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: نبه المؤلف ﵀ بهذا الباب على ما تضمَّنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع؛ إذ هذا من مقتضى الشهادتين، فمن تلفظ بالشهادتين ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول فقد كذب في شهادته.
ألم تر: استفهام تعجّب واستنكار.
يزعمون أنهم آمنوا ... إلخ: أي: يدّعون الإيمان بذلك وهم كاذبون.
أن يتحاكموا: أي: يتخاصموا.
إلى الطاغوت: هو كثير الطغيان، والمراد به هنا كعب الأشراف اليهودي، وهو يشمل كل من حكم بغير ما أنزل الله.
стр. 297
أن يكفروا به: أي يرفضوا طاعة الطاغوت.
ويريد الشيطان: بأمره لهؤلاء وتزيينه لهم التحاكم إلى الطاغوت.
أن يضلهم: أن يصدهم عن سبيل الحق والهدى.
ضلالاً بعيداً: فيجور بهم جوراً بعيداً.
إلى ما أنزل الله: أي: في القرآن من الحكم بين الناس.
وإلى الرسول: ليحكم بينهم فيما تنازعوا فيه.
رأيت المنافقين: أي: الذين يدّعون الإيمان وهم كاذبون.
يصدون: يُعرضون، في موضع نصبٍ على الحال.
عنك: إلى غيرك.
صدوداً: مصدر "صدّ" أو اسم مصدر.
فكيف: أي: ماذا يكون حالهم؟ وماذا يصنعون؟
إذا أصابتهم مصيبة: إذا نزلت بهم عقوبة من قتل ونحوه.
بما قدمت أيديهم: أي: بسبب التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا بحكمك، هل يقدرون على الفرار منها؟
ثم جاءوك: للاعتذار حين يُصابون، معطوفٌ على إصابتهم، أو على يصدون.
إن أردنا: أي: ما أردنا بالمحاكمة إلى غيرك.
إلا إحساناً: أي: الإصلاح بين الناس.
وتوفيقاً: تأليفاً بين الخصمين ولم نُرد مخالفتك.
المعنى الإجمالي للآيات: أن الله – أنكر على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله،
стр. 298
ويحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده المؤمنين أن يكفروا به؛ ولكن الشيطان يريد أن يضلّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الهدى والحق ويبعدهم عنه؛ وإذا دُعي هؤلاء إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا إعراض استكبار وتمتع –فماذا يكون حالهم وصنيعهم إذا نزلت بهم المصائب واحتاجوا إلى الرسول في ذلك؟! ليدعو الله لهم ويحل مشاكلهم –فجاؤوه يعتذرون عما صدر منهم بأنهم لم يريدوا مخالفتهم في عدولهم إلى غيره، وإنما أراد الإصلاح والتأليف بين الناس. فيُبدون هذه الأعذار الباطلة ليُبرّروا فعلهم حينما يفتضحون.
ما يستفاد من الآيات:
١- وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرضا بذلك والتسليم له.
٢- أن من تحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية فليس بمؤمن، وليس بمصلح وإن ادعى أنه يقصد الإصلاح.
٣- أن من حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، ومن تحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو متحاكم إلى الطاغوت، وإن سماه بأي اسم.
٤- وجوب الكفر بالطاغوت.
٥- التحذير من كيد الشيطان وصدّه الإنسان عن الحق.
٦- أن من دعي إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وجب عليه الإجابة والقبول، فإن أعرض فهو منافق.
٧- أن دعوى قصد الإصلاح ليست بعذر في الحكم بغير ما أنزل الله.
* * *
стр. 299
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] .
ــ
وإذا قيل لهم: أي: للمنافقين.
لا تفسدوا في الأرض: أي: بالكفر وغيره من أنواع المعاصي.
إنما نحن مصلحون: وليس ما نحن فيه بفساد.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله يذكر من صفات المنافقين أنهم إذا نُهوا عن ارتكاب المعاصي التي تسبب الفساد في الأرض بحلول العقوبات، وأُمروا بالطاعة التي فيها صلاح الأرض أجابوا: بأن شأننا الإصلاح؛ لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض.
مناسبة الآية للباب: أن من دعا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله أو دعا إلى المعاصي فقد أتى بأعظم الفساد في الأرض.
ما يستفاد منها:
١- التحذير من تحكيم النظُم والقوانين المخالفة للشريعة، وإن ادّعى أصحابها أن قصدهم الإصلاح.
٢- أن دعوى الإصلاح ليست بعذر في ترك ما أنزل الله.
٣- التحذير من الإعجاب بالرأي.
٤- أن مريض القلب يتصور الحق باطلاً والباطل حقاً.
٥- أن النية الحسنة لا تُسوغ مخالفة الشرع.
* * *
стр. 300
وقوله: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
ــ
لا: ناهية.
تفسدوا في الأرض: بالشرك والمعاصي.
بعد إصلاحها: ببعث الأنبياء وشرع الأحكام وعمل الطاعات.
المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله سبحانه عباده عن الإفساد في الأرض –بالمعاصي والدعاء إلى طاعة المخلوقين في معصية الخالق- بعد إصلاحه سبحانه إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به والظلم والمعاصي هي أعظم فسادٍ في الأرض.
مناسبة الآية للباب: أن من يدعو إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله فقد أتى بأعظم الفساد في الأرض.
ما يستفاد من الآية:
١- أن المعاصي إفسادٌ في الأرض.
٢- أن الطاعة إصلاحٌ للأرض.
٣- أن تحكيم غير ما أنزل الله إفسادٌ في الأرض.
٤- أن صلاح البشر وإصلاحهم لا يكون إلا بتحكيم ما أنزل الله.
* * *
стр. 301
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
أفحكم: استفهام إنكاري.
الجاهلية: ما كان قبل الإسلام وكل ما خالف الإسلام فهو من الجاهلية.
يبغون: يطلبون.
ومن: أي: لا أحد.
أحسن من الله حكماً: هذا من استعمال أفعل التفضيل فيهما ليس له في الطرف الآخر مشارك.
لقوم يوقنون: أي: عند قومٍ يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور فيعلمون أن لا أحسن حكماً من حكم الله.
المعنى الإجمالي للآية: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى –المشتمل على كل خير وعدل، والناهي عن كل شر- إلى ما سِواه من: الآراء والأهواء الاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجَهالات والأعراف القبَلية.
مناسبة الآية للباب: أن من ابتغى غير حكم الله –من الأنظمة والقوانين الوضعية- فقد ابتغى حكم الجاهلية.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب تحكيم شريعة الله.
стр. 302
٢- أن ما خالف شرع الله فهو من حكم الجاهلية.
٣- بيان مزية أحكام الشريعة وأنها هي الخير والعدل والرحمة.
٤- أن تحكيم القوانين الوضعية والنظم الغربية كفرٌ.
* * *
стр. 303
عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح (١) .
ــ
التراجم: النووي هو: محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي –نسبة إلى نوى قرية بالشام- وهو إمام مشهور صاحب تصانيف، توفي سنة ٦٧٦ هـ ﵀.
الحجة: أي: كتاب الحجة على تارك المحجة للشيخ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي.
وهذا الحديث في إسناده مقالٌ- لكن معناه صحيح قطعاً وإن لم يصح إسناده وله شواهد من القرآن كقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
لا يؤمن أحدكم: أي: لا يحصل له الإيمان الواجب ولا يكون من أهله.
هواه: أي: ما يهواه وتحبه نفسه وتميل إليه.
تبعاً لما جئت به: فيحب ما أمر به الرسول – ﷺ ويكره ما نهى عنه.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الإنسان لا يكون مؤمناً الإيمان
стр. 304
الكامل الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول – ﷺ من: الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه.
مناسبة الحديث للباب: نفيُ الإيمان عمن لم يطمئن إلى شرع الله ويحبه، ويكره ما خالفه من القوانين والنظم الوضعية.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب محبة كل ما جاء به الرسول – ﷺ ولا سيما من التشريع والعمل به.
٢- وجوب بغض كل ما خالف شريعة الرسول – ﷺ والابتعاد عنه.
٣- انتفاء الإيمان عمن يميل بقلبه إلى مخالفة ما جاء به الرسول – ﷺ ولو عمل به ظاهراً.
* * *
стр. 305
وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود: لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية".
ــ
التراجم: الشعبي هو: عامر بن شراحيل الشعبي، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري أبو عمرو الكوفي ثقة حافظ فقيه من التابعين. قيل مات سنة ١٠٣هـ ﵀، وقيل غير ذلك.
من المنافقين: جمع منافق وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
اليهود: جمع يهودي –مِن هاد إذا رجع- وقيل اليهودي نسبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇.
خصومة: أي جدال ونزاع.
الرشوة: ما يُعطى لمن يتولى شيئاً من أمور الناس ليحيف مع المعطي ومن ذلك: ما يعطيه أحد الخصمين للقاضي أو غيره ليحكم له، مأخوذة من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء.
جهينة: قبيلة عربية مشهورة.
فنزلت: هذا بيان لسبب نزول الآية الكريمة.
المعنى الإجمالي للأثر: يروي الشعبي –﵀ أن هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. نزلت بسبب ما حصل من رجلٍ يدّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى غير الرسول – ﷺ ، تهرباً من
стр. 306
الحكم العادل؛ مما حمله على التحاكم إلى الطاغوت من غير مبالاة بما يترتب على ذلك من مناقضة للإيمان؛ مما يدل على كذبه في ادعائه الإيمان؛ فمن عمل مثل عمله فهو مثله في هذا الحكم.
مناسبة الأثر للباب: أن التحاكم إلى غير شرع الله يناقض الإيمان بالله وكتبه.
ما يستفاد من الأثر:
١- وجوب التحاكم إلى شريعة الله.
٢- أن التحاكم إلى غير شريعة الله ينافي الإيمان.
٣- فيه كشفٌ لحقيقة المنافقين، وأنهم شرٌّ من اليهود.
٤- تحريم أخذ الرشوة؛ وأن أخذ الرشوة من أخلاق اليهود، وقد لعن النبي – ﷺ معطيها وآخذها.
* * *
стр. 307
وقيل: "نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله".
ــ
التراجم: كعب بن الأشرف: يهوديّ عربيّ من طيء وأمه من بني النضير، كان شديد العداوة للنبي – ﷺ .
وقيل نزلت: يعني: الآية المذكورة سابقا.
المعنى الإجمالي للأثر: هذا الأثر فيه بيان قول آخر –غير ما سبق- في سبب نزول الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. وأن القصة لما بلغت عمر بن الخطاب –﵁ واستثبتها قتل الذي لم يرض بحكم رسول الله – ﷺ .
مناسبة ذكره في الباب: أن فيه دليلاً على كفر من احتكم إلى غير شرع الله واستحقاقه للقتل؛ لأنه مرتدٌّ عن دين الإسلام.
ما يستفاد من الأثر:
١- أن تحكيم غير الله تعالى، ورسوله – ﷺ في فضّ المنازعات ردةٌ عن الإسلام.
٢- أن المرتد عن دين الإسلام يقتل.
٣- أن الدعاء إلى تحكيم غير شرع الله من صفات المنافقين ولو كان المدعو إلى تحكيمه إماماً فاضلاً كعمر بن الخطاب ﵁.
стр. 308
٤- مشروعية الغضب لله ولرسوله ولدينه.
٥- مشروعية تغيير المنكر باليد لمن يقدر على ذلك.
٦- أن معرفة الحق لا تغني عن العمل به والانقياد له.
* * *
стр. 309
باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كان التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكان الإيمان بالله لا يحصل إلا بتحقق هذه الثلاثة؛ نبه المصنف بهذا الباب على هذا النوع؛ ليبين حكم من جحده.
باب من جحد ... إلخ: أي: أنه يكفر بذلك.
وهم: أي: كفار قريش.
يكفرون بالرحمن: أي: يجحدون هذا الاسم، مع إيمانهم بالله، فالرحمن اسمٌ من أسماء الله، والرحمة صفةٌ من صفاته.
قل: يا محمد رداً عليهم في كفرهم بالرحمن.
هو ربي: أي: الرحمن ربي وإن كفرتم به.
لا إله إلا هو: أي: لا معبود بحق سواه.
عليه: لا على غيره.
توكلت: فوضت أموري كلها إليه واعتمدت عليه.
стр. 310
وإليه متاب: مرجعي وتوبتي.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله ينكر على مشركي قريش جحودهم لاسمه الرحمن، ويأمر رسوله محمداً – ﷺ أن يرد عليهم هذا الجحود ويعلن إيمانه بربه وأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه هو الذي يستحق العبادة وحده، ويتوكل عليه ويُرجع إليه في جميع الأمور ويُتاب إليه من الذنوب.
مناسبة الآية للباب: أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر.
ما يستفاد من الآية:
١- أن جحود شيء من الأسماء والصفات كفر.
٢- وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته.
٣- وجوب التوكل على الله والتوبة إليه.
٤- وجوب إخلاص العبادة لله.
* * *
стр. 311
وفي صحيح البخاري: قال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " (١) .
ــ
صحيح البخاري: أي الكتاب الذي جمع فيه البخاري الأحاديث الصحيحة. والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري نسبة إلى بخارى بلدة في المشرق. وكتابه أصح كتاب بعد كتاب الله.
المعنى الإجمالي للأثر: يرشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵁ إلى أنه لا ينبغي أن يحدث عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه من التوحيد وبيان الحلال والحرام ويُترك ما يشغل عن ذلك؛ مما لا حاجة إليه أو كان مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله مما يشتبه عليهم فهمه، ويصعب عليهم إدراكه؛ وقد قال ذلك حينما كثر القصاص أي: الوعاظ في خلافته.
مناسبة الأثر للباب: يأتي بيانها بعد ذكر الأثر الذي بعده.
ما يستفاد من الأثر: أنه إذا خشي ضررٌ من تحديث الناس ببعض ما لا يفهمون؛ فلا ينبغي تحديثهم بذلك وإن كان حقاً.
* * *
(١) أخرجه البخاري برقم "١٢٧".
стр. 312
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: "أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات؛ استنكاراً لذلك فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه" انتهى.
ــ
التراجم:
١- عبد الرزاق هو: عبد الرزاق بن همام الصنعاني الإمام الحافظ صاحب المصنفات مات سنة ٢١١هـ ﵀.
٢- معمر هو: أبو عروة معمر بن راشد الأزدي البصري ثقة ثبت مات سنة ١٥٤هـ ﵀.
٣- ابن طاووس هو: عبد الله بن طاووس اليماني ثقة فاضل عابد مات سنة ١٣٢هـ ﵀.
انتفض: أي: ارتعد.
فقال: أي: ابن عباس.
ما: استفهامية.
فرق: بفتح الفاء والراء أي: خوف.
هؤلاء: يشير إلى أناس يحضرون مجلسه من عامة الناس.
رقة: ليناً وقبولاً.
محكمه: ما وضح معناه فلم يلتبس على أحد.
متشابهه: ما اشتبه عليهم فهمه.
المعنى الإجمالي للأثر: ينكر ابن عباس –﵄ على
стр. 313
أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس يحصل منهم خوفٌ عندما يسمعون شيئاً من أحاديث الصفات ويرتعدون استنكاراً لذلك، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب بما صح عن رسول الله ﷺ عرفوا معناه من القرآن وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن، وبعضهم يحمله على غير معناه الذي أراده الله فيهلك بذلك.
مناسبة الأثر للباب: بعدما ذكر المؤلف أثر عليّ ﵁ الذي يدل على أنه لا ينبغي تحديث الناس بما لا يعرفون، ذكر هذا الأثر الذي يدل على أن نصوص الصفات ليست مما نهى عن التحديث به؛ بل ينبغي ذكرها وإعلانها؛ فليس استنكار بعض الناس لها بمعناه من ذكرها، فما زال العلماء قديماً وحديثاً يقرأون آيات الصفات وأحاديثها بحضرة العوام والخواص.
ما يستفاد من الأثر:
١- أنه لا مانع من ذكر آيات الصفات وأحاديثها بحضرة عوام الناس وخواصهم من باب التعليم.
٢- أن من رد شيئاً من نصوص الصفات أو استنكره بعد صحته فهو من الهالكين.
٣- الإنكار على من استنكر شيئاً من نصوص الصفات.
* * *
стр. 314
ولما سمعت قريشٌ رسول الله – ﷺ يذكر الرحمن، أنكروا ذلك، فأنزل الله: ﴿ ... وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ... ﴾ .
ــ
المعنى الإجمالي للأثر: يذكر الرحمن: يعني حين كتب: "بسم الله الرحمن الرحيم" في صلح الحديبية فقالوا: أما الرحمن، فلا نعرفه، ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا: باسمك اللهم (١) فيكون هذا هو سبب نزول الآية، وقيل: قالوا ذلك حينما سمعوا الرسول – ﷺ يدعو في سجوده ويقول: "يا رحمن يا رحيم" فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو اثنين: الرحمن، الرحيم وهذا سبب آخر لنزول الآية ولا مانع أن تنزل الآية لسببين أو أكثر. وتقدمت هذه الآية وما يتعلق بها في أول الباب.
ما يستفاد من الأثر:
١- ثبوت الأسماء والصفات لله .
٢- أن تعدد الأسماء لا يدل على تعدد المسمى.
٣- مشروعية دعاء الله بأسمائه وصفاته.
* * *
стр. 315
باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ الآية.
قال مجاهد ما معناه: "هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا". وقال ابن قتيبة: يقولون: "هذا بشفاعة آلهتنا".
ــ
تمام الآية: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] .
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف أراد بهذا الباب بيان وجوب التأدب مع الربوبية، بتجنب الألفاظ الشركية الخفية كنسبة النعم إلى غير الله؛ لأن ذلك ينافي كمال التوحيد.
التراجم:
١- مجاهد هو: شيخ التفسير مجاهد بن جبر المكي الإمام الرباني من تلاميذ ابن عباس مات سنة ١٠٤هـ على الراجح ﵀.
٢- عون هو: عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ثقة عابد مات حوالي سنة ١٢٠هـ ﵀.
٣- ابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الحافظ صاحب التفسير وغيره من المؤلفات مات سنة ٢٧٦هـ ﵀.
يعرفون: أي: يعرف المشركون.
نعمة الله: اختُلف في المراد بها، وقد ذكر المصنف جملة من
стр. 316
أقوال العلماء في ذلك.
ورثته عن آبائي ... إلخ: وقاتل هذه الأقوال ونحوها منكر لنعمة الله بإضافتها إلى غيره، جاحد لها غير معترف بها، والآية تعم ما ذكره العلماء في معناها.
المعنى الإجمالي للآية: أن المشركين يعترفون بنعم الله التي عدّدها عليهم –في سورة النحل وغيرها- أنها من الله، ثم ينكرونها بإضافتها إلى غيره من آلهتهم وآبائهم وغيرهم، فهم متناقضون في ذلك.
ما يستفاد من الآية:
١- أن المشركين معترفون بتوحيد الربوبية.
٢- وجوب نسبة النعم إلى الله وحده.
٣- التحذير من نسبة النعم إلى غير الله؛ لأنه شركٌ في الربوبية.
٤- وجوب التأدب في الألفاظ، وتحريم الاعتماد على الأسباب.
* * *
стр. 317
وقال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر.." الحديث -وقد تقدم-: "وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً ... ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير".
ــ
التراجم: أبو العباس: هو شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀.
وقد تقدم: أي: في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
الملاح: قائد السفينة.
السلف: هم المتقدمون من علماء هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
المعنى الإجمالي للأثر: أن السفن إذا جَرَين بريح طيبة بأمر الله جرياً حسناً نسبوا ذلك إلى طيب الريح وحذق قائد السفينة؛ ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم؛ فيكون هذا من جنس نسبة المطر إلى الأنواء.
حكم من فعل ذلك: فيه تفصيل:
١- إن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح ونحو ذلك هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره، وإنما أراد نسبتها إلى السبب
стр. 318
فقط فهذا شرك أصغر؛ لأنه أضاف النعمة إلى غير الله، والواجب إضافتها إلى الله.
٢- وإن كان يقصد أن هذه الأشياء تفعل ذلك من دون الله؛ فهذا شرك أكبر.
والأول هو الذي يجري على ألسنة كثير من المسلمين فيجب الحذر منه.
* * *
стр. 319
باب قول الله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ٢٢] .
قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو: الشرك؛ أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا، لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار، لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً؛ هذا كله به شرك". رواه ابن أبي حاتم.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصده المتكلم بقلبه؛ نبه المؤلف ﵀ بهذا الباب على ذلك وبيّن بعض هذه الألفاظ لتجتنب هي وما ماثلها.
فلا تجعلوا لله أنداداً: أي: أشباهاً ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئاً منها.
وأنتم تعلمون: أنه ربكم لا يرزقكم غيره ولا يستحق العبادة سواه.
في الآية: أي: في تفسير الآية.
دبيب النمل: مشيه.
على صفاة: الصفا: الحجر الأملس.
стр. 320
كليبة: تصغير كلبة وهي هنا: التي تُتخذ لحفظ المواشي وغيرها.
اللصوص: جمع لصّ وهم: السراق.
البطّ: جمع بطّة وهي: من طيور الماء تُتخذ في البيوت، فإذا دخلها غيرُ أهلها استنكرته وصاحت.
لا تجعل فيها فلاناً: أي: لا تجعله في مقالتك فتقول: لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله وحده.
هذا كله به شرك. أي: هذه الألفاظ المذكورة وما شابهها شرك بالله أي: شرك أصغر.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله –﵎ ينهى الناس أن يتخذوا له أمثالاً ونظراء يصرفون لهم شيئاً من عبادته؛ وهم يعلمون أن الله وحده الخالق الرازق؛ وأن هذه الأنداد عاجزة فقيرة ليس لها من الأمر شيء. وما ذكره ابن عباس أمثلة لاتخاذ الأنداد؛ لأن لفظ الآية يشملها وإن كانت شركاً أصغر والآية نازلة في الشرك الأكبر؛ فالسلف يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر.
ما يستفاد من الآية:
١- التحذير من الشرك في العبادة.
٢- أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية.
٣- أن الشرك الأصغر خفيّ جداً وقلّ من يتنبه له.
٤- وجوب تجنب الألفاظ الشركية ولو لم يقصدها الإنسان بقلبه.
* * *