أقوال العلماء في ذلك.
ورثته عن آبائي ... إلخ: وقاتل هذه الأقوال ونحوها منكر لنعمة الله بإضافتها إلى غيره، جاحد لها غير معترف بها، والآية تعم ما ذكره العلماء في معناها.
المعنى الإجمالي للآية: أن المشركين يعترفون بنعم الله التي عدّدها عليهم –في سورة النحل وغيرها- أنها من الله، ثم ينكرونها بإضافتها إلى غيره من آلهتهم وآبائهم وغيرهم، فهم متناقضون في ذلك.
ما يستفاد من الآية:
١- أن المشركين معترفون بتوحيد الربوبية.
٢- وجوب نسبة النعم إلى الله وحده.
٣- التحذير من نسبة النعم إلى غير الله؛ لأنه شركٌ في الربوبية.
٤- وجوب التأدب في الألفاظ، وتحريم الاعتماد على الأسباب.
* * *
стр. 317
وقال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر.." الحديث -وقد تقدم-: "وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً ... ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير".
ــ
التراجم: أبو العباس: هو شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀.
وقد تقدم: أي: في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
الملاح: قائد السفينة.
السلف: هم المتقدمون من علماء هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
المعنى الإجمالي للأثر: أن السفن إذا جَرَين بريح طيبة بأمر الله جرياً حسناً نسبوا ذلك إلى طيب الريح وحذق قائد السفينة؛ ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم؛ فيكون هذا من جنس نسبة المطر إلى الأنواء.
حكم من فعل ذلك: فيه تفصيل:
١- إن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح ونحو ذلك هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره، وإنما أراد نسبتها إلى السبب
стр. 318
فقط فهذا شرك أصغر؛ لأنه أضاف النعمة إلى غير الله، والواجب إضافتها إلى الله.
٢- وإن كان يقصد أن هذه الأشياء تفعل ذلك من دون الله؛ فهذا شرك أكبر.
والأول هو الذي يجري على ألسنة كثير من المسلمين فيجب الحذر منه.
* * *
стр. 319
باب قول الله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ٢٢] .
قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو: الشرك؛ أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا، لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار، لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً؛ هذا كله به شرك". رواه ابن أبي حاتم.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصده المتكلم بقلبه؛ نبه المؤلف ﵀ بهذا الباب على ذلك وبيّن بعض هذه الألفاظ لتجتنب هي وما ماثلها.
فلا تجعلوا لله أنداداً: أي: أشباهاً ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئاً منها.
وأنتم تعلمون: أنه ربكم لا يرزقكم غيره ولا يستحق العبادة سواه.
في الآية: أي: في تفسير الآية.
دبيب النمل: مشيه.
على صفاة: الصفا: الحجر الأملس.
стр. 320
كليبة: تصغير كلبة وهي هنا: التي تُتخذ لحفظ المواشي وغيرها.
اللصوص: جمع لصّ وهم: السراق.
البطّ: جمع بطّة وهي: من طيور الماء تُتخذ في البيوت، فإذا دخلها غيرُ أهلها استنكرته وصاحت.
لا تجعل فيها فلاناً: أي: لا تجعله في مقالتك فتقول: لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله وحده.
هذا كله به شرك. أي: هذه الألفاظ المذكورة وما شابهها شرك بالله أي: شرك أصغر.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله –﵎ ينهى الناس أن يتخذوا له أمثالاً ونظراء يصرفون لهم شيئاً من عبادته؛ وهم يعلمون أن الله وحده الخالق الرازق؛ وأن هذه الأنداد عاجزة فقيرة ليس لها من الأمر شيء. وما ذكره ابن عباس أمثلة لاتخاذ الأنداد؛ لأن لفظ الآية يشملها وإن كانت شركاً أصغر والآية نازلة في الشرك الأكبر؛ فالسلف يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر.
ما يستفاد من الآية:
١- التحذير من الشرك في العبادة.
٢- أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية.
٣- أن الشرك الأصغر خفيّ جداً وقلّ من يتنبه له.
٤- وجوب تجنب الألفاظ الشركية ولو لم يقصدها الإنسان بقلبه.
* * *
стр. 321
وعن عمر بن الخطاب –﵁ أن رسول الله – ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (١) رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.
ــ
عن عمر: صوابه عن ابن عمر.
من حلف: الحلف: اليمين، وهي توكيد الحكم بذكر معظّم على وجهٍ مخصوص.
بغير الله: أي: بأي مخلوق من المخلوقات.
كفر أو أشرك: يحتمل أن يكون هذا شكاً من الراوي. ويحتمل أن تكون "أو" بمعنى الواو فيكون كفر وأشرك. والمراد الكفر والشرك الأصغران.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ في هذا الحديث خبراً معناه النهي: أن من أقسم بغير الله من المخلوقات فقد اتخذ ذلك المحلوف به شريكاً لله وكفر بالله؛ لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يُحلف إلا به أو بصفة من صفاته.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على أنه من حلف بغير الله فقد اتخذ المحلوف به نداً لله.
стр. 322
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم الحلف بغير الله وأنه شرك وكفر بالله.
٢- أن التعظيم بالحلف حقّ لله فلا يحلف إلا به.
٣- أن الحلف بغير الله لا تجب به كفّارة؛ لأنه لم يذكر فيه كفارة.
* * *
стр. 323
وقال ابن مسعود: "لَأَن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً" (١) .
ــ
لأن: اللام: لام الابتداء و"أن" مصدرية، والفعل بعدها منصوب في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء.
أحب ... إلخ: خبر المبتدأ.
المعنى الإجمالي للأثر: يقول ابن مسعود –﵁: إقسامي بالله على شيء أنا كاذبٌ فيه أحب إلي من إقسامي بغير الله على شيءٌ أنا صادقٌ فيه؛ وإنما رجح الحلف بالله كاذباً على الحلف بغيره صادقاً؛ لأن الحلف بالله فيه هذه الحالة في حسنة التوحيد، وفيه سيئة التوحيد أعظم من حسنة الصدق. وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك.
مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على تحريم الحلف بغير الله.
ما يستفاد من الأثر:
١- تحريم الحلف بغير الله.
٢- أن الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب كالكذب، ونحوه من الكبائر.
٣- جواز ارتكاب أقل الشرين ضرراً إذا كان لا بد من أحدهما.
٤- دقة فقه ابن مسعود ﵁.
стр. 324
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" (١) رواه أبو داود بسند صحيح.
وجاء عن إبراهيم النخعي: "أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوِّز أن يقول: بالله ثم بك"، قال: "ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
ــ
لا تقولوا: لا: ناهية والفعل بعدها مجزومٌ بها وعلامة جزمها حذف النون.
ما شاء الله وشاء فلان: لأن العطف بالواو يقتضي الجمع والمساواة.
ما شاء الله ثم شاء فلان: لأن العطف بثُمّ يقتضي الترتيب والتراخي.
يكره: الكراهة في عُرف السلف يُراد بها التحريم.
أعوذ: العوذ: الالتجاء إلى الغير والتعلق به.
لولا: حرف امتناع لوجود، أي: امتناع شيء لوجود غيره.
المعنى الإجمالي للحديث: ينهى – ﷺ أن يعطف اسم المخلوق على اسم الخالق بالواو بعد ذكر المشيئة ونحوها؛ لأن المعطوف بها يكون مساوياً للمعطوف عليه؛ لكونها إنما وُضعت لمطلق الجمع فلا
стр. 325
تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً؛ وتسوية المخلوق بالخالق شركٌ، ويُجوِّز – ﷺ عطف المخلوق على الخالق بثُمّ؛ لأن المعطوف بها يكون متراخياً عن المعطوف عليه بمهلة فلا محذور؛ لكونه صار تابعاً. والأثر المروي عن النخعي يفيد ما أفاده الحديث.
ويختص هذا الحكم – وهو العوذ بالمخلوق – بالمخلوقين الأحياء الذين لهم قدرة، دون الأموات والعاجزين فلا يجوز أن يسند إليهم شيء.
مناسبة الحديث والأثر للباب: أنهما يدلان على النهي عن قول: "ما شاء الله وشاء فلان" ونحو ذلك؛ لأنه من اتخاذ الأنداد لله الذي نهتْ عنه الآية التي في أول الباب على ما فسرها به ابن عباس.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم قول: "ما شاء الله وشئت"، وما أشبه ذلك من الألفاظ مما فيه العطف على الله بالواو؛ لأنه من اتخاذ الأنداد لله.
٢- جواز قول: "ما شاء الله ثم شئت"، وما أشبه ذلك مما فيه العطف على الله بثُمَّ؛ لانتفاء المحذور فيه.
٣- إثبات المشيئة لله، وإثبات المشيئة للعبد، وأنها تابعة لمشيئة الله تعالى.
* * *
стр. 326
باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله" (١) . رواه ابن ماجه بسند حسن.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن عدم الرضا بالحلف بالله ينافي كمال التوحيد؛ لدلالته على قلة تعظيم الرب ﷻ .
ما جاء فيمن ... إلخ: أي: من الوعيد.
الحلف: القسم.
لا تحلفوا بآبائكم: نهيٌ عن القسم بالآباء؛ لأنه هو المعروف عندهم ولا مفهوم له؛ لتقدّم النهي عن القسم بغير الله مطلقاً.
فليصدق: أي: وجوباً تعظيماً لليمين بالله، لأن الصدق واجب ولو لم يحلف بالله فكيف إذا حلف به!.
فليرض: أي: وجوبا تعظيما لليمين بالله. وهذا عام الصدق واجب ولو لم يحلف بالل فكيف إذا حلف به!.
فليس من الله: هذا وعيدٌ، أي: فقد برئ الله منه.
معنى الحديث إجمالاً: ينهى ﷺ عن الحلف بالآباء؛ لأن الحلف
стр. 327
تعظيمٌ للمحلوف به، والتعظيم حقٌّ لله سبحانه، ثم يأمر من حلف بالله أن يكون صادقاً فيما يحلف عليه؛ لأن الصدق مما أوجبه الله على عباده مطلقاً، فكيف إذا حلفوا بالله! ويأمر – ﷺ من حُلف له بالله في خصومة أو غيرها أن يرضى باليمين؛ لأن ذلك من تعظيم الله، ثم يبين – ﷺ الوعيد الشديد في حق من لم يرض بالحلف بالله؛ لأن ذلك يدل على عدم تعظيمه لله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الوعيد الشديد في حق من لم يقنع بالحلف بالله.
ما يستفاد من الحديث:
١- الوعيد الشديد في حق من لم يقنع بالحلف بالله.
٢- وجوب الصدق في اليمين.
٣- تحريم الكذب في اليمين.
٤- حسن الظن بالمسلم ما لم يتبين خلافه.
٥- وجوب تصديق من حلف بالله إذا كان من أهل الإيمان.
* * *
стр. 328
باب قول: ما شاء الله وشئت
عن قُتَيلَة: أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت" (١) رواه النسائي وصححه.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن هذا الباب داخلٌ في باب قول الله تعالى: ﴿ ... فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ... ﴾ وقد سبق بيان مناسبته.
التراجم: قُتَيلة: بضمِّ القاف وفتح التاء مصغّراً بنت صيفي الجهنيّة صحابية ﵂.
قول: ما شاء الله وشئت: أي: ما حكم التكلم بذلك هل يجوز أم لا؟ وإذا كان لا يجوز فهل هو شرك أو لا؟
تشركون: أي: الشرك الأصغر.
ما شاء الله وشئت: وهذا في تشريكٌ في مشيئة الله.
وتقولون: والكعبة: وهذا قسمٌ بغير الله.
стр. 329
المعنى الإجمالي للحديث: ذكر هذا اليهودي للنبي – ﷺ أن بعض المسلمين يقع في الشرك الأصغر حينما تصدر منه هذه الألفاظ التي ذكرَها، فأقره النبي – ﷺ على اعتبارها من الشرك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك بأن يحلفوا بالله، وأن يعطفوا مشيئة العبد على مشيئة الله بثُمَّ التي هي للترتيب والتراخي، لتكون مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان أن قول: "ما شاء الله وشئت" شركٌ.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن قول ما شاء الله وشئت، والحلف بغير الله شرك، لأن الرسول – ﷺ أقر اليهودي على اعتبارهما من الشرك.
٢- معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
٣- فهم الإنسان إذا كان له هوى.
٤- قبول الحق ممن جاء به وإن كان عدواً مخالفاً في الدين.
٥- أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة.
٦- الابتعاد عن الألفاظ المخلة بالعقيدة واستبدالها بالألفاظ البعيدة عن الشرك بالله.
٧- أن العالم إذا نهى عن شيءٍ فإنه يبين البديل الذي يُغني عنه إذا أمكن.
٨- أن النهي عن الشرك عامٌّ لا يصلح منه شيء حتى بالكعبة التي هي بيت الله في أرضه فكيف بغيرها؟!
٩- إثبات المشيئة لله، وإثبات المشيئة للعبد، وأنها تابعة لمشيئة الله.
стр. 330
وله أيضاً عن ابن عباس: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده" (١) .
ــ
وله: أي: النسائي.
أجعلتني: استفهام إنكار.
نداً: أي: شريكاً.
المعنى الإجمالي للحديث: أنكر – ﷺ على من عطَف مشيئة الرسول على مشيئة الله بالواو؛ لما يقتضيه هذا العطف من التسوية بين الله وبين المخلوق، واعتبر هذا من اتخاذ الشريك لله، ثم أسند المشيئة إلى الله وحده.
مناسبة الحديث للباب: أن قول: "ما شاء الله وشئت" وما أشبه هذا اللفظ من اتخاذ الند لله المنهي عنه بقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] .
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن قول: "ما شاء الله وشئت" وما أشبهه مما فيه عطفُ مشيئة العبد على مشيئة الله بالواو وما أشبه ذلك.
٢- أن من سوّى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد اتخذه نداً لله.
٣- إنكار المنكر.
٤- أن رسول الله – ﷺ قد حَمى حِمى التوحيد، وسدّ طرق الشرك.
стр. 331
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "هل أخبرت بها أحداً؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤياً أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" (١) .
ــ
التراجم: الطفيل هو: الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخْبرة الأزديّ صحابيٌّ ﵁، وليس له إلا هذا الحديث.
على نفر: النفر: رهط الإنسان وعشيرتُه اسم جمعٍ يقع على الرجال خاصّة.
لأنتم القوم: أي: نِعم القوم أنتم.
стр. 332
لولا أنكم تقولون عزيرٌ ابن الله: أي: لولا ما أنتم عليه من الشرك بنسبة الولد إلى الله؛ وهذا لأن عُزيراً كان يحفظ التوراة عن ظهر قلب، فقالوا فيه هذه المقالة وقيل لأنه نبي.
تقولون ما شاء الله وشاء محمد: عارضوه بذكر شيءٍ مما في بضع المسلمين من الشرك الأصغر.
تقولون المسيح: أي: عيسى ابن مريم ﵇.
ابن الله: فتشركون بالله بنسبة الولد إليه. وإنما قالوا هذا في عيسى؛ لأنه من أمّ بلا أب.
حمِد الله وأثنى عليه: الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من الإنعام وغيرِه، والثناء هو: تكرار المحامد.
كان يمنعني كذا وكذا: هو الحياء كما في الرواية الأخرى؛ لأنه حينذاك لم يؤمر بإنكارها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر الطفيل –﵁ أنه رأى في منامه أنه مرّ على جماعة من أهل الملّتين، فأنكر عليهم ما هم عليه من الشرك بالله بنسبة الولد إليه –تعالى الله عن ذلك- فعارضوه بذكر ما عليه بعض المسلمين من الشرك الأصغر الوارد في بعض ألفاظهم، وعندما أصبح قصَّ هذه الرؤيا على النبي – ﷺ فأعلنها الرسول – ﷺ وأنكر على الناس التكلم بهذه الكلمة الشركية، وأمرهم أن يتلفّظوا باللفظ الخالص من الشرك.
مناسبة الحديث للباب: أنه أفاد أن التلفظ بما شاء الله وشاء محمد وما أشبهها من الألفاظ شركٌ أصغر كما سبق.
стр. 333
ما يستفاد من الحديث:
١- الاعتناء بالرؤيا وأنها سببٌ لتشريع بعض الأحكام وقتَ حياة الرسول – ﷺ .
٢- أن قول: "ما شاء الله وشاء فلان" وما أشبه ذلك شركٌ أصغر.
٣- معرفة اليهود والنصارى بالشرك الأصغر، مع ما هم عليه من الشرك الأكبر من أجل الطعن بالمسلمين.
٤- تقديمُ حمد الله والثناء عليه في الخطَب، وقول: أما بعد، فيها.
٥- استحباب قصر المشيئة على الله، وإن كان يجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان.
* * *
стр. 334
باب من سب الدهر فقد آذى الله
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن سبّ الدهر يتضمن الشرك؛ لأن سابّ الدهر إذا اعتقد أنه فاعلٌ مع الله فهو مشرك.
أذى الله: حيث وصفه بصفات النقص.
وقالوا: أي: منكرو البعث.
ما هي: أي: الحياة.
إلا حياتنا الدنيا: أي: التي في الدنيا وليس هناك حياةٌ أخرويةٌ.
نموت ونحيا: أي؛ يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ بأن يولدوا.
وما يهلكنا إلا الدهر: أي: مرور الزمان.
وما لهم بذلك: أي: القول.
من علم: أي: لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناءً على التقليد والإنكار لِما لم يحسُّوا به ولم يُحيطوا بعلمه.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار البعث أنهم يقولون: ليس هناك حياةٌ
стр. 335
غير حياتنا الحاضرة، لا حياة سواها يموت بعضُنا ويولد البعض الآخر، وليس هناك سببٌ لموتنا سوى مرور الزمن وتكرر الليل والنهار، فردّ الله عليهم بأنهم ليس لهم حجة على هذا الإنكار إلا مجرّد الظن والظنُّ ليس بحجة. والمفروض فيمن نفى شيئاً أن يقيم البرهان على نفيه، كما أن من أثبت شيئاً فإنه يقيم الدليل على إثباته.
مناسبة الآية للباب: أن من سبّ الدهر فقد شارك هؤلاء الدهرية في سبِّه وإن لم يشاركهم في الاعتقاد.
ما يستفاد من الآية:
١- إثبات البعث والرد على من أنكره.
٢- ذم من ينسب الحوادث إلى الدهر.
٣- أن من نفى شيئاً فهو مطالَبٌ بالدليل على نفيه كالمثبت.
٤- أن الظن لا يعتمد عليه في الاستدلال في العقائد.
* * *
стр. 336
وفي الصحيح عن أبي هريرة –﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّب الليل والنهار" وفي رواية: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (١) .
ــ
في الصحيح: أي: صحيح البخاري.
يؤذيني: يتنقّصُني.
يسب الدهر: أي: يذمه ويلومه عند المصائب التي تنزل.
وأنا الدهر: أي: صاحب الدهر ومدير الأمور التي ينسبونها إلى الدهر.
أقلِّب الليل والنهار: بالمعاقبة بينهما وما يجري فيهما من خير وشر.
وفي رواية: أي: لمسلم وغيره.
فإن الله هو الدهر: أي: هو الذي يُجري فيه ما أراده من خيرٍ وشرّ.
المعنى الإجمالي للحديث: يروي الرسول – ﷺ عن ربه : أن الذي يسب الدهر عند نزول المصائب والمكاره إنما يسب الله –تعالى- ويؤذيه بالتنقُّص؛ لأنه سبحانه هو الذي يُجري هذه الأفعال وحده؛ والدهر إنما هو خلْقٌ مسخّر، وزمنٌ تجري فيه الحوادث بأمر الله تعالى.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه أن من سبّ الدهر فقد آذى الله أي:
стр. 337
تنقّصَه.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم سبّ الدهر.
٢- وجوب الإيمان بالقضاء والقدر.
٣- أن الدهر خلقٌ مسخّر.
٤- أن الخلق قد يؤذون الله بالتنقص ولا يضرونه.
* * *
стр. 338
باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ أخنع اسم عند الله رجلٌ تسمَّى ملِك الأملاك، لا مالك إلا الله"، قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" (١) .
قوله: أخنع: يعني: أوضع.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أن التسمّي باسمٍ فيه مشاركةٌ لله في التعظيم شركٌ في الربوبية.
التراجم: سفيان هو: سفيان بن عيينة بن ميمون الهلاليّ، ثقة حافظ فقيه، وُلد بالكوفة سنة ١٠٧هـ وسكن مكة ومات فيه سنة ١٩٨هـ ﵀.
ونحوه: أي نحو قاضي القضاة مثل: حاكِم الحكام، وسلطان السلاطين، وسيد السادات.
في الصحيح: أي: في الصحيحين.
يسمَّى: مبني للمجهول: أي يُدعى بذلك ويرضى به وفي بعض الروايات: تَسمّى بالتاء أي: سمّى نفسه بذلك.
الأملاك: جمع ملِك بكسر اللام.
стр. 339
لا مالك إلا الله: هذا ردٌّ على من فعل ذلك بأنه وضع نفسه شريكاً لله فيما هو من خصائصه.
شاهان شاهٍ: هو عبارة عند العجَم عن ملك الأملاك، وهذا تمثيلٌ لا حصر.
وفي رواية: أي: لمسلم في صحيحه.
أغيظ رجل: الغيظ: مثل الغضب والبغض، أي: أنه يكون بغيضاً إلى الله.
وأخبثه: أي: أبطله، أي: يكون خبيثاً عند الله مغضوباً عليه.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ أن أوضع الناس عند الله من تسمّى باسمٍ يحمل معنى العظمة والكبرياء التي لا تليق إلا بالله، كملك الملوك؛ لأن هذا فيه مضاهاةٌ لله، وصاحبُه يدّعي لنفسه أو يُدّعى له أنه ندٌّ لله؛ فلذلك صار المتسمِّي بهذا الاسم من أبغض الناس إلى الله وأخبثهم عنده.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على تحريم التمسي بقاضي القضاة ونحوه قياساً على تحريم التسَمِّي بملك الملوك الوارد ذمُّه والتحذير منه.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التسمِّي بقاضي القضاة ونحوه.
٢- وجوب احترام أسماء الله تعالى.
٣- الحث على التواضع واختيار الأسماء المناسبة للمخلوق والألقاب المطابقة له.
* * *
стр. 340
باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك
عن أبي شُرَيح ﵁ أنه كان يُكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : "إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكْم" فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أَتَوني فحكمْتُ بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: "ما أحسن هذا! فمالك من الولد؟ " قلت: شُريح، ومسلم، وعبد الله. قال: "فمن أكبرُهم؟ " قلت: شريح. قال: "فأنت أبو شريح" (١) . رواه أبو داود وغيره.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك من تحقيق التوحيد.
التراجم: أبو شُريح اسمه: هانئ بن يزيد الكِنديّ، صحابيٌّ نزل الكوفة وتوفي بالمدينة سنة ٦٨هـ ﵁.
احترام أسماء الله: أي: تعظيمها، واحترمَه: رعى حرمته وهابه.
تغيير الاسم: أي: تحويله وتبديله وجعل غيره مكانه.
من أجل ذلك أي: لأجل احترام أسماء الله.
стр. 341
يُكنى: الكنية ما صُدِّر بأبٍ أو أمّ.
الحكَم: من أسماء الله تعالى ومعناه: الحاكم الذي إذا حكم لا يُرد حكمه.
وإليه الحكم: أي: الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة.
إن قومي ... إلخ: أي: أنا لم أُكَنِّ نفسي بهذه الكنية وإنما كنَّاني بها قومي.
ما أحسن هذا: أي: الإصلاح بين الناس والحكم بينهم بالإنصاف وتحرِّي العدل.
فأنت أبو شُريح: كنَّاه بالأكبر رعايةً؛ لأنه أولى بذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: استنكر النبي ﷺ على هذا الصحابي تكنِّيه بأبي الحكم؛ لأن الحكم من أسماء الله، وأسماء الله يجب احترامها؛ فبين له الصحابي سبب هذه التكنية، وأنه كان يصلح بين قومه ويحل مشاكلهم بما يُرضي المتنازعين، فاستحسن النبي ﷺ هذا العمل دون التكنية، ولذلك غيَّرها فكنَّاه بأكبر أولاده.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على المنع من إهانة أسماء الله بالتسمي بأسمائه تعالى المختصة به والتكني بذلك.
ما يستفاد من الحديث:
١- فيه تحريم امتهان أسماء الله تعالى والمنع مما يوهم عدم احترامها كالتكني بأبي الحكم ونحوه.
٢- أن الحكم من أسماء الله تعالى.
٣- جواز الصلح والتحاكم إلى من يصلح للقضاء وإن لم يكن قاضياً وأنه يلزم حكمه.
стр. 342
٤- أنه يُكنى الرجل بأكبر بنيه.
٥- مشروعية تقديم الكبير.
٦- مشروعية تغيير الاسم غير المناسب إلى اسم مناسب.
* * *
стр. 343
باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
ــ
تمام الآية: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] .
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ وأنه كفرٌ منافٍ للتوحيد.
باب من هزل ... إلخ: أي: باب بيان حكم من فعل ذلك.
هَزَل: الهزل: المزاح ضدّ الجد.
ولئن: اللام لام القسم.
سألتهم: الخطاب للنبي ﷺ : أي سألت هؤلاء المنافقين عن استهزائهم بك وبالقرآن.
ليقولُن: معتذرين.
نخوض ونلعب: ولم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدنا الخوض في الحديث واللعب.
قل أبالله وآياته ورسوله: أي: قل لهم -توبيخاً لهم على استهزائهم والخطاب للنبي ﷺ إن عذركم هذا لن يُغني عنكم من الله
стр. 344
شيئاً.
المعنى الإجمالي للآية: يقول الله تعالى لنبيه – ﷺ : ولئن سألت هؤلاء المنافقين الذين تكلّموا بكلمة الكفر استهزاءً، فإنهم سيعتذرون بأنهم لم يقصدوا الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدوا الخوضَ في الحديث، فأخبرَهم أن عذرهم هذا لا يُغني عنهم من الله شيئاً.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل مع ما بعدها على كفر من هزل بشيء فيه ذكر الله أو الرسول – ﷺ أو القرآن.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ ينافي التوحيد.
٢- أن من فعل الكفر وادعى أنه لم يعلم أنه كفرٌ لا يعذر بذلك.
٣- وجوب تعظيم ذكر الله وكتابه ورسوله – ﷺ .
٤- أن من تلفّظ بكلام الكفر، كفر ولو لم يعتقد ما قال بقلبه.
* * *
стр. 345
عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة، دخل حديث بعضهم في بعض: "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق؛ لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوفٌ إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الرَّكْب نقطع به عنا الطريق". فقال ابن عمر: "كأني أنظر إليه متعلِّقاً بنسْعَة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تَنْكُب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . التوبة: ٦٥-٦٦] . وما يتلفت إليه، وما يزيده عليه.
ــ
التراجم:
١- ابن عمر هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
٢- محمد بن كعب هو: محمد بن كعب بن سُليم القرَظيّ المدني وهو ثقة عالم، مات سنة ١٢٠هـ.
٣- زيد بن أسلم هو: مولى عمر بن الخطاب –﵁ وهو ثقة مشهورٌ مات سنة ١٣٦هـ ﵀.
стр. 346
٤- قتادة هو: قتادة بن دعامة السدوسي مفسِّر حافظ مات سنة ١١٧هـ تقريباً –﵀.
٥- عوف بن مالك: هو عوف بن مالك الأشجعيّ أول مشاهده خيبر، وروى عنه جماعةٌ من التابعين توفي سنة ٧٣هـ ﵁.
دخل حديث بعضهم في بعض: أي: أن الحديث مجموعٌ من رواياتهم.
قرّائنا: القراء: جمع قارئ، وهم عند السلف: الذين يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه.
أرغب بطوناً: أي: أوسع بطوناً يصفونهم بسعة البطون وكثرة الأكل.
عند اللقاء: يعني: لقاء العدو.
فوجد القرآن قد سبقه: أي: جاء الوحي من الله بما قالوه قبل وصوله إلى رسول الله – ﷺ .
إنما كنا نخوض ... إلخ: أي: نتبادل الحديث ولم نقصد حقيقة الاستهزاء.
نسعة: النسعة: سيرٌ مضفورٌ عريضٌ تُشد به الرحال.
المعنى الإجمالي للأثر: يصف هؤلاء الرواة ما حصل من المنافقين من الوقيعة برسول الله – ﷺ وأصحابه والسخرية بهم؛ وذلك لما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المنافقين من الكفر والحقد، وقد أظهر الله ذلك على ألسنتهم فقالوا ما قالوا، فأنكر عليهم من حضرهم من المؤمنين الصادقين؛ غيرةً لله ولدينه، ثم ذهب ليرفع أمرهم إلى الرسول – ﷺ ، ولكنّ الله الذي يعلم السر وأخفى قد سمع مقالتهم وأخبر بها رسولَه
стр. 347
قبل وصول ذلك المؤمن، وحكم عليهم سبحانه بالكفر وعدم قبول اعتذارهم، ثم جاء أحد هؤلاء المنافقين معتذراً إلى الرسول – ﷺ فرفض النبي – ﷺ قبول اعتذاره؛ لأمر الله له بذلك. فلم يزِد في ردّه عليه على ما قاله الله في حقّهم من التوبيخ والتقريع.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه بياناً وتفسيراً للآية الكريمة.
ما يستفاد من الأثر:
١- بيان ما تنطوي عليه نفوس المنافقين من العداوة لله ورسوله والمؤمنين.
٢- أن من استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ وإن كان مازحاً.
٣- أن ذكر أفعال الفسّاق لولاة الأمور؛ ليردعوهم ليس من الغيبة والنميمة، بل هو من النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
٤- الغِلظة على أعداء الله ورسوله.
٥- أن من الأعذار ما لا ينبغي قبوله.
٦- الخوف من النفاق؛ فإن الله سبحانه أثبت لهؤلاء إيماناً قبل أن يقولوا ما قالوه.
٧- أن الاستهزاء بالله أو بالرسول أو بالقرآن ناقضٌ من نواقض الإسلام ولو لم يعتقد ذلك بقلبه.
* * *
стр. 348
باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [ فصِّلت: ٥٠] .
قال مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به".
وقال ابن عباس: "يريد من عندي".
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨] .
قال قتادة: "على علم مني بوجوه المكاسب".
وقال آخرون: "على علم من الله أني له أهل".
وهذا معنى قول مجاهد: "أوتيته على شرف".
ــ
تمام الآية: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] .
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أن زعْم الإنسان استحقاقَه ما حصل له من النعم بعد الضراء منافٍ لكمال التوحيد.
ولئن: اللام: لام قسمٍ.
أذقناه: آتيناه.
رحمة: غنىً وصحة.
ضراء: شدةً وبلاءً.
стр. 349
قائمة: أي: تقوم.
ولئن رُجِعت إلى ربي: أي: ولئن قامت الساعة –على سبيل الافتراض- ورجعت إلى ربي.
إن لي عنده للحسنى: أي يكون لي عند الله في الآخرة الحالة الحسنى من الكرامة؛ وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فهو لاستحقاقه إياه وليس لله فيه فضلٌ.
فلننبئنَّ الذين كفروا: فلنخبرنَّهم.
بما عملوا: أي: بحقيقة أعمالهم، عكس ما اعتقدوه من حسن منقلَبهم.
غليظ: أي: شديد.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أن الإنسان في حال الضُّر يضر إلى الله، وينيب إليه ويدعوه، وأنه في حال اليسر والسعة يتغير حالُه، فينكر نعمة الله عليه، ويُعرض عن شكرها؛ لزعمه أنه إنما حصلت له هذه النعمة بكدّه وكسبه وحوله وقوته، وأعظم من ذلك أنه ينفي قيام الساعة وزوال الدنيا، ويقول: إن قدِّر قيام الساعة فستستمر لي هذه الحالة الحسنة، لأنني أستحقها. ثم يعقب سبحانه على ذلك بأنه لا بد أن يوقَف هذا وأمثاله من الكافرين على حقيقة أعمالهم الشنيعة ويجازيهم عليها بأشد العقوبة.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب شكر نعمة الله والاعتراف بأنها منه وحده.
٢- تحريم العُجب والاغترار بالحول والقوة.
стр. 350
٣- وجوب الإيمان بقيام الساعة.
٤- وجوب الخوف من عذاب الله في الآخرة.
٥- وعيد من كفر بنعمة الله.
* * *
стр. 351
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم: فبعث إليهم ملَكاً: فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذِرَني الناس به. قال: فمسحه، فذهب عنه قذَرُه، فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر -شك إسحاق- فأعطي ناقةً عُشَرَاء، وقال: بارك الله لك فيها.
قال: فأتى الأقرع، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذِرني الناس به، فمسحه، فذهب عنه، وأُعطي شعراً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأُبْصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والداً، فأَنتج هذان ووَلَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم.
قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا
стр. 352
بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلَّغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفُك، ألم تكن أبرصَ يقذرُك الناس، فقيراً فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.
قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.
قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرَك شاةً أتبلَّغ بها في سفري. فقال: كنت أعمى فردّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئت، ودَعْ ما شئت؛ فوالله لا أَجْهَدُك بشيء أخذتَه لله.
فقال: أمسك مالك فإنما ابتُلِيْتُم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك" (١) أخرجاه.
ــ
أخرجاه: أي: البخاري ومسلم.
أبرص: الأبرص: من به داءُ البرص وهو: بياضٌ يظهر في ظاهر
стр. 353
البدن لفساد المزاج.
وأقرع: هو: من به قرَع وهو: داءٌ يصيب الصبيان في رؤوسهم ثم ينتهي بزوال الشعر أو بعضه ويطلق القرع على الصلع.
وأعمى: هو: من فقد بصره.
أن يبتليهم: أي: يختبرهم بنعمته.
قذِرني الناس: بكسر: الذّال أي: كرِهوا مخالطَتي وعدُّوني مستقذراً من أجله.
شك إسحاق: هو ابن عبد الله بن أبي طلحة راوي الحديث.
عُشَراء: بضم العين، وفتح الشين والمد وهي: الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية.
والداً: أي: ذات ولد أو التي عُرف منها كثرة الولد والنتاج.
أنتج: أي: تولى صاحبُ الناقة وصاحب البقرة نتاجهما.
وولّد: بتشديد اللام أي: تولّى ولادها.
وكان لهذا ... إلخ: أي: كان لكلّ واحد منهم ما يملأ الوادي من الإبل والبقر والغنم.
انقطعت بي الحبال: أي: أسباب المعيشة.
أتبلَّغ به: أي: أتوصَّل به إلى البلد الذي أريده.
كابراً عن كابر: أي: ورثت هذا المال عن كبيرٍ ورِثَه عن كبيرٍ آخر في الشرف.
صيَّرك الله إلى ما كنت: أي: ردّك إلى حالك الأولى برجوع العاهة إليك.
لا أَجْهَدُك: أي: لا أشقّ عليك برد شيء تأخذُه من مالي.
стр. 354
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ عن هؤلاء الثلاثة الذين أُصيب كل منهم بعاهة في الجسم وفقر من المال، ثم إن الله سبحانه أراد أن يختبرهم، فأزال ما أصابهم من العاهات وأدرَّ عليهم من الأموال، ثم أرسل إلى كل واحد منهم الملك بهيئته الأولى من: المرض والقرَع والعمى والفقر يستجديه شيئاً يسيراً، وهنا تكشّفت سرائرهم وتجلّت حقائقُهم، فالأعمى اعترف بنعمة الله عليه ونسبَها إلى من أنعم عليه بها، فأدّى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله، وكفر الآخران بنعمة الله عليهما وجحدا فضله فاستحقا السخَط بذلك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان حال من كفر النعم ومن شكرَها.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب شكر نعمة الله في المال وأداء حق الله فيه.
٢- تحريم كفر النعمة ومنع حق الله في المال.
٣- جواز ذكر حال من مضى من الأمم؛ ليتعظ به من سمِعه.
٤- أن الله يختبر عباده بالنعم.
٥- مشروعية قول: بالله ثم بك، فيكون العطف بثُمَّ لا بالواو في مثل هذا التعبير.
* * *
стр. 355
باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ الأعراف: ١٩٠] .
قال ابن حزم: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبَّد لغير الله؛ كعبدِ عمْروٍ، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب.
وعن ابن عباس في الآية، قال: "لمَّا تغشاها آدم حملت، فآتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرَجَتْكُما من الجنة، لتطيعُنَّني أو لأجعلن له قرْنَي أَيِّل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنَّ، ولأفعلنَّ؛ -يُخَوِّفُهما- سَمِّياه عبد الحارث؛ فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً.
ثم حَمَلت فأتاهما أيضاً فقال مثل قوله: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميِّتاً. ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدرَكَهُما حبُّ الولد، فسمَّياه عبد الحارث؛ فذلك قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (١) . رواه ابن أبي حاتم.
وله بسند صحيح عن قتادة قال: "شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته".
ــ
(١) أخرجه الترمذي برقم "٣٠٧٧" والحاكم "٢/٥٤٥" وصححه.