← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9969

أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع

عبد الرحمن النحلاوي

Полный текст (233 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثانيا: الأسرة المسلمة، ومهمتها التربوية يتلقى المسجد الناشئين بعد أن ترعرعوا بين أحضان الأبوين، فالأسرة المسلمة هي المعقل الأول، الذي ينشأ فيه الطفل، في جو التربية الإسلامية. وعندما نقول: "الأسرة المسلمة"، فمن البديهي أننا نعني الأسرة التي التقى ركناها على تحقيق الهدف الذي شرع من أجله تكوين الأسرة، ولو تأملنا بعض آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ في هذا الموضوع لوجدنا أن أهم أهداف تكوين الأسرة هو: ١- إقامة حدود الله: أي تحقق شرع الله ومرضاته في كل شئونهما، وعلاقاتهما الزوجية، وهذا معناه إقامة البيت المسلم الذي يبني حياته على تحقيق عبادة الله، أي على تحقيق الهدف الأسمى للتربية الإسلامية. وقد ورد تعليل إباحة الطلاق حين تطلبه المرأة، بالخوف من عدم إقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٢٩] . كما أنه سبحانه علل إباحة الرجوع إلى الزوج بعد أن تتزوج المرأة زوجا غيره، علل ذلك بتوقع إقامة حدود الله، أي إقامة الحياة الزوجية على تقوى من الله، كالتعفف، وحسن المعشر وغض البصرن قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣٠] . ٢- الأثر التربوي لتحقيق هذا الهدف: وهكذا ينشأ الطفل ويترعرع في بيت أقيم على تقوى من الله، ورغبة في إقامة حدود الله، وتحكيم شريعته، فيتعلم، بل يقتدي، بذلك من غير كبير جهد أو عناه، إذ يمتص عادات أبويه بالتقليد، ويقتنع بعقيدتهما الإسلامية حين يصبح واعيًا.

стр. 107

٣- تحقيق السكون النفسي والطمأنينة: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ٧/ ١٨٩] . وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٠/ ٢١] ، فإذا اجتمع الزوجان على أساس من الرحمة، والاطمئنان النفسي المتبادل، فحينئذ يتربى الناشئ في جو سعيد يهبه الثقة، والاطمئنان والعطف والمودة، بعيدا عن القلق وعن العقد، والأمراض النفسية التي تضعف شخصيته. ٤- تحقيق أمر رسول الله ﷺ بإنجاب النسل المؤمن الصالح: ليباهي بنا الأمم يوم القيامة، وهو قوله ﷺ : "تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة". وهذا دليل واضح على أن البيت المسلم يجب عليه أن يربي أبناءه تربية تحقق هدف الإسلام، وأركان الإيمان في نفوسهم وسلوكهم؛ لأن المباهاة إنما تكون بكثرة النسل الصالح. فعلى الأبوين تقع مسئولية تربية الأبناء، ووقايتهم من الخسران والشر والنار، التي تنتظر كل إنسان لا يؤمن بالله، أو يتبع غير سبيل المؤمنين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦٦/ ٦] ، وجاء لفظ: ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ بالجمع ليشمل الزوجة والولد. وهذا المسئولية تزداد أهمية في أيامنا؛ لأن بعض عناصر الحياة الاجتماعية، خارج الأسرة والمسجد، ليست في كل الأحيان موافقة لهدف التربية الإسلامية، كالمذياع والتلفاز، وبعض المجلات الخليعة، والقصص الماجنة التي تتسرب إلى أيدي الأطفال، فإذا لم يبق الأبوان يقظين حذرين، لم يستطيعا إنقاذ أبنائهما من اجتيال الشياطين، شياطين الإنس والجن. ٥- إرواء الحاجة إلى المحبة عند الأطفال: الرحمة بالأولاد من أهم الغرائز التي فطر عليها الإنسان، والحيوان وجعلها الله أساسا من أسس الحياة النفسية، والاجتماعية والطبيعية لكثير من الكائنات الحية.

стр. 108

وتتحمل الأسرة، وقوامها الأبوان، مسئولية رحمة الأولاد، ومحبتهم والعطف عليهم؛ لأن هذا من أهم أسس نشأتهم ومقومات نموهم النفسي والاجتماعي، نموا قويما سويا. فإذا لم تتحقق المحبة للأولاد بالشكل الكافي المتزن، نشأ الطفل منحرفا في مجتمعه، لا يحس التآلف مع الآخرين، ولا يستطيع التعاون أو تقديم الخدمات والتضحيات، وقد يكبر فلا يستطيع أن يكون أبا رحيما، أو زوجا متزنا حسن المعشر، ولا جارا مستقيما لا يؤذي جيرانه، وهكذا دواليك. لذلك ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلا أعلى في محبة الأطفال ورحمتهم، والصبر على مداعبتهم، وهذه بعض الأدلة من حياته ﷺ : روى البخاري في صحيحه بسنده إلى أن قال: حدثنا أبو قتادة قال: "خرج علينا النبي ﷺ ، وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصل فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها"١، وروي أن أبا هريرة ﵁ قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: "إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا"، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم" ٢. وعن عائشة ﵂ قالت: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: "تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم"، فقال النبي ﷺ : "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ " ٣، وكان رسول الله ﷺ يأخذ أسامة بن زيد فيقعده على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني أرحمهما" ٤. النتائج التربوية: أ- تدل هذه الأحاديث على تعنيف رسول الله ﷺ لكل أبوين لا يقبلان أولادهما ولا يرحمانهم، ولا يعطفان عليهم، وقد اتهمهم رسول الله ﷺ بانتزاع الرحمة من قلوبهم، كما هددهم بألا يرحمهم الله يوم القيامة: "من لا يَرحم لا يُرحم".

стр. 109

ب- وأن رسول الله ﷺ لم يكن يفرق في ذلك بين الأطفال الذكور والإناث، فقد رأينا في رواية أبي قتادة كيف حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت الحارث، وهو في الصلاة يرفعها على عاتقه إذا وقف، ويضعها إذا ركع. ج- وأن الرسول ﷺ لم يكن أيضا يفرق بين ابن متبناه "أسامة بن زيد"، وبين حفيده من صلبه "الحسن بن علي"، وكان يضع كل واحد منهما على فخذ من فخذيه ويضمها، وهذا يشمل الأيتام، والذي مرضت أمهاتهم، أو غاب آباؤهم في الجهاد أو السفر، إلخ.. د- وإذا عرفنا أن هذه الحادثة من رواية أسامة بن زيد بن حارثة يتكلم عن نفسه أدركنا أنه كان مميزًا، حين كان الرسول ﷺ يقعده على فخذه. فدل ذلك على أن العطف على الأطفال لا يقتصر على الرضع بل يشمل من هو أكبر من ذلك؛ لأن حاجتهم إلى العطف لا تقتصر على سن معينة من طفولتهم، بل تشمل معظم مراحل الطفولة. وقد جاءت التجارب العلمية مؤيدة هذا المبدأ التربوي النبوي، فقد ثبت أن الطفل الرضيع لا ينمو على الغذاء فحسب، بل على عطف الأم الذي لا يقل أهمية عن الغذاء بل هو أهم منه تربية شخصية الناشئ، وأن قوام الأسرة هو الحب المتبادل، حتى إذا شب الطفل، استطاع نقل هذا الحب معه إلى خارج الأسرة، إلى المجتمع الإسلامي، فيتراحم المسلمون، ويتحاب أفراد المجتمع. ٦- صورة فطرة الطفل عن الزلل والانحراف: اعتبر الإسلام لأسرة مسئولة عن فطرة الطفل، اعتبر كل انحراف يصيبها مصدره الأول الابوان، أو من يقوم مقامهما من المربين. ذلك أن الطفل يولد صافي السريرة، سليم الفطرة، وفي هذا المعنى يقول الرسول ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ".

стр. 110

ثم يقول أبو هريرة ﵁: "فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم" ١. وقد فهم الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ أن الفطرة هي استعداد المولود للدين القيم، دين التوحيد، وأن سنة الله لا تتغير في جميع المواليد البشرية، فساق الآية لإيضاح معنى الحديث. التطبيق التربوي: لذلك كان من واجب الأبوين والمربين: أ- تعويد الطفل على تذكر عظمة الله ونعمه، والاستدلال على توحيده، من آثار قدرته، وتفسير مظاهر الكون من برد وحر وليل ونهار، وزلزال وإعصار ونحو ذلك، تفسيرًا يحقق هذا الغرض، لإبقاء فطرة الطفل على صفائها، واستعدادها لتوحيد الله وتمجيده. ب- إظهار الاستياء من انحرافات الضالين، والمغضوب عليهم والمشركين ومن تبعهم أمام الناشئ، مما يبدو في أفلامهم، وأخبارهم، ومظاهر حياتهم التي تسربت إلى وسائل إعلامنا، من ظلم واستهتار، وترف وانهيار، والإيحاء إليه بنتائجها الوخيمة من طريق القصة، أو الحوار أو القدوة مما سنبسطه من أساليب التربية الإسلامية إن شاء الله، وبهذا يبعد الطفل عما أشار إليه الحديث النبوي من التهويد، أو التنصير أو التمجيس، وليس الحديث محصورًا في اليهود والنصارى والمجوس بأعيانهم، بل إن كل أبوين مسلمين، يقلدان اليهود والنصارى في ضلالاتهم وأمور حياتهم، بما ينافي الآداب الإسلامية، مسئولون عن انحراف أطفالهم عن الفطرة نتيجة لتقليد آبائهم، أو؛ لأن آباءهم عرضوهم لأسباب الانحراف: كالرائي والصحف المنحرفة والقصص، والمجلات التي تحبب إليهم ضلالات أولئك المنحرفين.

стр. 111

ثالثا: المدرسة في التربية الإسلامية ١- تمهيد في أهمية المدرسة ونشأتها: لم تصل الإنسانية إلى إيجاد المدرسة على شكل الذي نراه اليوم إلا بعد أن مرت بمراحل طويلة، وتجارب عديدة. فقد كان الطفل في الحياة البدائية يتعلم من أبويه، ومجتمعه كل شيء بأسلوب غير مقصود وغير منظم، تارة عن طريق التقليد، وتارة عن طريق التأمل والمحاكاة المقصودة، والتكرار والإعادة بقصد الإتقان. بيد أنه كان للدين الفضل الأول في إيجاد تربية هادفة مقصودة، وذلك حين أوجد الدين الركنين الأساسيين لعملية التربية المقصودة، وهما: الهدف الواضح المحدود، وهو عبادة الله وحده، والتعريف به، والإيمان به، في جميع الأديان السماوية، والمنهج أو المادة الفكرية، والسلوكية المعينة المقصودة، وهو الاستسلام لتشريع الله، وأوامره التي أنزلها على رسله، ليحفظها الجيل ويعمل بمقتضاها، ثم ينقلها إلى الجيل الذي بعده، دواليك. وتتابعت الأجيال، تتناقل شريعة الله وأوامره، وأسلوب عبادته، بالحفظ والتعلم، والتقليد والاتباع، فردا عن فرد، وجمعا عن فرد، وجمعا عن جمع، في الساحات والمواسم والصوامع، والبيع والمساجد، ولم تكن الكتابة قد انتشرت في أول الأمر، فكان التعليم مقصورًا على المشافهة، والمناقشة والمحاكاة والاتباع، والممارسة العملية والتجريب. ولم يكن التعليم مقصورًا على الصغار، بل كان الصغار والكبار يتلقون التعاليم الدينية من رسل الله وأتباعهم، ويلقنونها؛ لأبنائهم ومن يليهم؛ فكان نشر الدين فريضة دينية وضرورة اجتماعية؛ لأن المجتمع المؤمن الموحد مهاجم، وأهل الحق قلة في أكثر العصور: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١٠٣] ، فإذا لم يدافعوا عن أنفسهم بالدعووة إلى عبادة الله وحده، وبيان الحق والبرهان عليه، غلبوا وغزوا في عقر دارهم، واتهموا في صميم عقيدتهم وأفكارهم، ولم يخصص لتعليم أماكن خاصة، إلا إذا اعتبرنا المعابد دورا للتعليم، فكان التعليم

стр. 112

ممزوجا بكل ظروف الحياة الاجتماعية، العائلية منها والدينية والاقتصادية والحربية، والسلمية والمهنية من زراعية وصناعية. واشتق من المعابد أماكن ملحقة بها تخصص لتخريج مختصين بالدعوة إلى الدين ينقطعون للعبادة، ويزهدون بالدنيا، وقد ذكر لنا القرآن هذه الفئة من الدعاة بقوله تعالى مشيرا إلى أتباع رسول الله عيسى بن مريم ﵊: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٥٧/ ٢٧] . وهكذا كانت المعابد النواة الأولى للمدارس أو للتربة المقصودة، وكان رسل الله وأتباعهم المخلصون، الدعاة إلى دين الله، هم المعلمون الأوائل في هذه البشرية١. وقد وردت في القرآن إشارات إلى تربية بعض الرسل لأبنائهم، وما علموهم من توحيد الله وعبادته، كوصية يعقوب لبنيه، ووصية إبراهيم من قبله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٣٢-١٣٣] . كما وردت إشارة إلى تربية بعض الصالحين لأبنائهم كوصية لقمان لابنه، وهو يعظه "سورة لقمان": [الآيات: من ١٣ حتى ١٩] . ووردت إشارات كثيرة إلى حو ار طويل دار بين كل نبي وقومه، مثل: "نوح" و"شعيب" و"إبراهيم" و"موسى" و"صالح" و"لوط" حتى آمن من آمن، وكل هذه المحاولات يمكن اعتبارها مواقف تربوية، سنبسط بعضها عند ذكر "الطريقة الحوارية" في "أساليب التربية الإسلامية" في تمام هذا الباب إن شاء الله. والذي يهمنا هنا هو مواقف هؤلاء الرسل التربوية، وما تبعهم عليه أتباعهم من أساليب الدعوة والتبشير بالدين، وما خصصوا من أماكن لتعليم الدين. وهكذا استمر انتشار "دور التربية الدينية"، وكان ذلك بين مد وجزر؛ لأن الصراع كان دائما بين الكفر والإيمان، بين السحرة١ والكهان والعرافين، يربون الناس على الباطل، والخرافات الوثنية، وبين الرسل وأتباعهم يربون الناس على التفكير الصحيح، وتوحيد الله، والحرية والمسئولية والكرامة الإنسانية، والعدل، والإحسان، وتعليل الأمور تعليلا منطقيا بعيدا عن الخرافة والشرك، كما رأينا في "أسس التربية الإسلامية" في فصل سابق.

стр. 113

٢- المدرسة في عصر الرسول ﷺ : وبقي الأمر كذلك حتى ظهر الإسلام، واستقر حكمه في يثرب مدينة الرسول ﷺ ، فكان المسجد أول مدرسة جماعية منظمة عرفها العرب، لتعليم الكبار والصغار، ولتربية الرجال والنساء. كان لهذه المدرسة في "ليلي" ينام فيه من يأوي إليه من الأرياف، أو من الفقراء "كأهل الصفة"، فيجمعون بين التعلم الديني والدنيوي، حتى إذا أتقنوا حرفة أو وجدوا عملا ذهبو يطلبون الرزق، وبقوا يترددون إلى مدرستهم في النهار لطلب العلم وأداء العبادة، وكانت الألعاب والتمارين الحربية تقام في ساحته أحيانا، كما فعل الأحباش ورسول الله ﷺ ينظر إليهم من حجرته، ويقول لهم: "دونكم يا بني أرفدة"، والسيدة عائشة تنظر إليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم١. وبقي المسجد يؤدي وظيفتي العبادة والتربية الإسلامية، دون تمييز واضح بينهما حتى كان عهد عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، فنشأ في عصره إلى جانب المسجد أو بعض زواياه، كتاتيب للأطفال يتعلمون فيها. وهنا بدأ بعض التنظيم لتعليم الأطفال، وكان يوم الجمعة يوم راحة أسبوعية استعدادا لصلاة الجمعة، فاقترح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يصرف الطلاب ظهر يوم الخميس ليستعدوا ليوم الجمعة، فكانت نظاما متبعا إلى يومنا هذا٣، وعم رأيه الأمصار، وربما انتشر وذاع بشكل كيفي، دون قصد أو تعميم رسمي، لما كان يتمتع به من شخصية فذة محبوبة، وإيمان قوي جعله مسموع الكلمة. وهكذا كان التعليم يقوم على جهود مؤسسات خاصة، يقوم عليها أشخاص يديرونها بجهود شخصية، وقد يتعاطى بعضهم أجرا زهيدا يقيم به أوده لانشغاله بالتعليم عن طلب الرزق. فأصبح تعليم الأطفال مهنة حرة، ذات نظام "لا مركزي" يخضع لإشراف الدولة، ومراقبتها بين الحين والحين. كان المسجد أو الغرف الملحقة به هو مكان هذه "الكتاتيب" في أول الأمر، وكان في المسجد حلقات علم بعضها يوازي مستوى "المرحلة الثانوية" في عصرنا هذا، وكانت الدولة تغدق العطايا لبعض العلماء القائمين على هذه الحلقات، وكانوا يدرسون كتبا معينة، في بعض العلوم، للمبتدئين في هذا العلم كالفقه والحديث، والتفسير، والنحو أحيانا.

стр. 114

٣- المدارس في العصر العباسي المتأخر: فلما استقلت الدويلات عن الخلافة العباسية، بدأ بعضها يبني مدارس للعلم كل مدرسة تؤوي عشرات من طلاب العلم، وكان نظام هذه المدارس داخليا يقوم على الانقطاع لطلب العلم، فكان في دمشق وحدها، مثلًا، زهاء ثلاث مئة مدرسة في سفح جبل قاسيون ما تزال آثار كثير منها على شكل قباب تشرف على بعض الحدائق العامة، هذا عدا عن المدارس التي كانت في قلب المدينة، كالمدرسة الظاهرية التي بناها الملك الظاهر، والمدرسة النووية التي بناها نور الدين الزنكي، وبقي التعليم في هذه المدارس حرا لا مركزيا من حيث المناهج، والكتب والأساليب، مع ارتباطها ماليا بالدولة التي تجري لها الجرايات، وتخصص لها الأوقاف، والهبات دون أن تقيدها نظام معين، أو مناهج محدودة، ثقة منها بالعلماء الأفذاذ الذين كانوا يديرونها، ويغذونها بالعلم. وبقي الأمر كذلك زهاء عشرة قرون حتى جاء الاستعمار الغربي إلى بلادنا، فعم فيها نظام المدرسة الموحدة، والتعليم المركزي التابع لمركز العاصمة في البلاد، وللمستشارين الأجانب في الأقطار التي استعمرت عسكريا، ويرى علماء التربية أن لهذه المدرسة مهمات تربوية وجدت من أجل أدائها تذكر فيما يلي أهمها مع مناقشتها من وجهة النظر التربية الإسلامية:

стр. 115

٤- المدرسة المعاصرة: *- أسباب وجود المدرسة الحديثة: الأسباب التي دعت إلى وجود المدرسة الحديثة بهذا الشكل الذي نراه اليوم، يرجع معظمها إلى تغير نظام الحياة السياسية، فقد هيمنت الدولة على كل أمور الشعب، واعتبرت نفسها مسئولية عن غذائه، وموارد رزقه، وثرواته، واتجاهاته السياسية، وتكتلاته الاجتماعية، بالإضافة إلى أمنه واستقراره، وتحقيق حرياته وكرامة أفراده، وكرامة الدولة نفسها تجاه الدول الأخرى. وهذه الأمور كلها تبنى على التعليم والتربية، فبالتربية تنمي الثروة البشرية كما يسمونها، بحيث تكون سببا لكل أنواع الثراء: ينمي أفراد المجتمع على حب العمل، واستغلال خيرات الأرض وثروات الوطن، بأسلوب تقني يعطي أكبر منتوج ممكن، بأقل جهد ممكن وفي أسرع وقت ممكن. وبالتربية يمكن إيجاد المحبة بين جميع طبقات الشعب، وطوائفه وفئاته، فيتحقق التجانس، والأمن والاستقرار، ويربي الجيل على احترام الأموال، والملكيات والأعراض والأرواح، فيستقر بذلك الأمن. هذه مجمل الأسباب السياسية، والاجتماعية التي دعت الدولة إلى الأخذ بزمام التعليم، ووضع مناهجه ونظمه، وتهيئة مدارسه ومعلميه. نقد هذه الأسباب، وموقف الإسلام منها: رأينا اهتمام الدولة في تاريخنا الإسلامي بالتعليم، ويمكننا أن نضيف إلى ما تقدم أنه إذا كان شعور خليفة عادل، كعمر بن الخطاب، أو عمر بن عبد العزيز، بالمسئولية عن كل ما يجري في دولته، حتى عن دابة تزل على جسم أقيم على نهر الفرات، ثم أفسدته الأمطار أو غيرها فغفل المسئولون عن إصلاحه، فكيف اهتمامهم بأرزاق الشعب وأقواته ونظم حياته، هذا أمر بدهي في الدولة المسلمة: اهتمامها بكل شئون الشعب، وعلى رأسها التعليم، ولكن الفارق يبدو واضحًا في أسلوب التطبيق، والسهر والتنفيذ، فالدولة المسلمة تعطي حرية كاملة للتعليم على أساس ثقتها بالمشرفين على التعليم، وبأن الشعب كله يؤمن بدستور واحد، وهدف واحد وتراث ثقافي واحد، فالشعب هو الرقيب المباشر على التعليم، وهو الذي يعرف كيف يوفر المؤسسات التعليمية، ويهيئ أسبابها. ضع للمدرسة هدفا أساسيا هو تحقيق التربية الإسلامية بأسسها، وأهدافها كما مرت معنا: وخرج لها أساتذتها والمسئولين، والمؤمنين بهذا الهدف، واتركها تنطلق على أساس هذا الهدف، تجد كل شيء فيها متناسقًا، وكل نتيجة خيرة يمكن أن ننتظرها من هذه المدرسة، سواء في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي، أو الديمقراطي كما يسمونه أو الأمني. وتبقى الدولة مع ذلك رقيبًا، إلى جانب الشعب، تشجع التسابق إلى الخير في جميع مؤسسات التعليم، وتقوم كل ما اعوج منها، وتضرب بيد من حديد على كل من يتلاعب بعقيدة النشئ، أو ينحرف بأهدافهم فيغيرها، كما تمول الدولة كل ما تستطيع تمويله من هذه المؤسسات، فتعين الشعب على تربية أبنائه وتعليم أجياله، وتصبح الانطلاقة التربوية ذاتية لا مفروضة، بل نابعة من أعمال المعلمين والمتعلمين، وتصبح المسئولية التربوية مرتبطة بالنتائج التي يرتقبها المجتمع من كل مؤسسة تعليمية، بل إنها مرتبطة بالمسئولية أمام الله الذي يحصي كل مثقال ذرة من خير أو شر.

стр. 116

وظائف المدرسة الحديثة * وظيفة التبسيط والتخليص ... أ- وظيفة التبسيط والتلخيص: إن تعقيد الحضارة المعاصرة واتساع ثقافتها، وتشابك الأمم والشعوب في المصالح والمنافع، واشتراك البشرية في وسائل الإذاعة، والاتصال السلكي واللاسلكي، وانتشار وسائل الرفاهية، والمخترعات التي زادت في سرعة الاتصال، والانتقال بين الشعوب زيادة مذهلة، واستخدام الكهرباء والسيارة، كل ذلك وغيره، جعل الطفل الناشئ بحاجة ماسة إلى تقريب المبادئ التي بنيت عليها هذه الوسائل، وتبسيطها بحيث يستطيع فهمها، والتعامل مع هذا الجو الحضاري العالمي الجديد، دونما دهشة أو ارتباك، أو خوف أو ارتياب أو غرور، أو إعجاب أو ترف أو استهتار. والتبسيط يجب أن يلتقي مع التلخيص، وهو اختصار هذه المظاهر، والعلوم الواسعة المترامية الأطراف، من دراسة كونية طبيعية، إلى معلومات جغرافية، إلى مسائل حسابية رياضية، واختزالها في قوانين أو دساتير، أو مبادئ يسهل استيعابها، وتشمل أكبر قدر ممكن من التطبيقات، ومما يحتاجه الناشئ في حياته ومجتمعه، بحيث يستطيع بهذه المعلومات والمبادئ والدساتير المحدودة، أن يحل رموز كل المخترعات التي يحتاج أن يتعامل معها، وأن يستخدم لغة الحساب والأرصاد الجوية، والرموز الجغرافية في تعايشه مع البيئة، والمجتمع الذي يعيش فيه، كما يستعمل لغة أمته في التفاهم مع إخوانه في العقيدة، وفي مناجاة ربه، والتعبير عن مشاعره وتبادل العواطف، والمشاعر مع الآخرين. والتربية الإسلامية بأهدافها، وأسسها التي مرت معنا تشمل هذا التبسيط، والتلخيص لأسباب أهمها: *- أن الله سخر لنا ما في الأرض جميعًا معه، فعلينا أن نستخدم كلما سخر لنا، وهذا الاستخدام لا يتم اليوم إلا بمعرفة قوانين الطبيعة وسننها وقواها، وهذه المعرفة لا يمكن تقديمها للناشئين إلا إذا لخصت، وبسطت وقربت إلى عقولهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. *- من طبيعة الأسلوب التربوي القرآني مراعاة التدج والتبسيط، والقرآن إنما اتبع هذا الأسلوب ليكون لنا قدوة في الدعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، ومن مقتضى الحكمة وضع الأمور في مواضعها، وتقديم العلم تقديما يتناسب مع حالة المتعلم، والمتعلم الناشئ أشد الناس حاجة إلى هذا. *- كما أن الهدي النبوي التربوي صريح في هذا، فقد ورد في الأثر: "أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ١، والناشئون أشد الناس حاجة إلى تبسيط المعلومات، وتلخيصها لتأتي على قدر عقولهم، وكان أسلوب رسول الله ﷺ مع الأطفال أكبر شاهد على هذا كما سيأتي شرحه، وبسطه في حينه إن شاء الله.

стр. 117

ب- وظيفة التصفية، والتطهير: تمر العلوم أو العقيدة على عقول أجيال متتابعة من الناس والمجتمعات، فلا تبقى على حالها، بل تتحمل كثيرًا من الشوائب، والعواطف الكاذبة، والمبالغات الخاطئة، والاعتبارات الشخصية أو الاجتماعية في ظروف معينة، يكون الناس فيها أميل إلى الإشاعات، وسرعة التصديق، والارتماء في أحضنا التعليلات الساذجة غير العلمية، فتتغير الحقائق، وتنحرف العقيدة عند البعض، فيصبحون أقرب إلى الشرك أو الرياء، أو الكذب على رسول الله، أو نحو ذلك، وقد يؤلف بعضهم المؤلفات، ويكتب هذه الأباطيل في الكتب كما فعل بعض الصوفية والمبتدعة. والمدرسة عندما تقدم العقيدة والعلم إلى الناشئين، تعمد إلى تصفية الحقائق، وتنقيتها من كل الشوائب والأخطاء، والمبالغات والأكاذيب، لتبقى عقيدة الناشئين سليمة، وعقولهم قويمة، ومعارفهم صحيحة. هذه الوظيفة هي من طبيعة التربية الإسلامية، وهي من أهم أهدافها، ومهماتها التي تقوم على تحقيقها للأسباب الآتية: *- أن الإنسان يولد في نظر الإسلام على الفطرة السليمة، ثم يأتي الفساد عن طريق المجتمع الفاسد، فالتربية الإسلامية هي الدفاع عن براءة الفطرة وسلامتها. *- أن طبيعة النفس الإنسانية كما وصفها الإسلام قابلة للخير والشر: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٩١/ ٨] . *- إن الله امتحن الإنسان، فجعله إمام أمرين، إما أن يختار طريق الخير، وإما أن ينحرف إلى الوساوس والأوهام، التي تحاول إغراءه بشتى الوسائل، وقد أمهل

стр. 118

الله الشيطان وأعطاه كل مقدرة على الإغراء حتى يتم به ابتلاء الإنسان؛ فكان هذا أكبر داع إلى أن يتخذ المربي عدته للحذر من الانحراف؛ لأنه موجود في كل زمان ومكان، ومن أهم أساليب هذا الحذر، تصفية العقيدة والشريعة، والعلوم كلها من شوائب التحريف والتشويه التي توسوس لها الأهواء، أو يوحي بها المنحرفون من عباد الأهواء والشهوات، والمادة في كل زمان ومكان. *- وقد دعا الإسلام صراحة إلى الدفاع عن العقيدة، والشريعة والفطرة من التحريف، وإلى إبعاد الخرافات والتأويلات الباطلة للظواهر الكونية، فنهى عن التشاؤم كما مر معنا في عقيدة القضاء والقدر، ونهى الرسول الله عن تعليل الخسوف بموت ابنه، ونهى عن البدع والابتداع، والزيادة في الشرع والدين، حتى أصبحت مهمة ترك البدع، جانبا قائمًا بذاته من جوانب التربية الإسلامية. *- كذلك حذر الإسلام من الكذب أو التحريف في نقل الأخبار، والحوادث التاريخية، وأحاديث الرسول ﷺ ، وعلم الناشئ والإنسان: أنه مسئول عن كل ما يتحدث به تثبت، أو تأكد من صحته قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٣٦] . وقال رسول الله ﷺ : $"كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع". وهكذا لم تكتف التربية الإسلامية بتقديم المنهج، والمواد العلمية للناشئ مصفاة خالصة من كل شائبة، أو تحريف بل ربت الناشئ على الامتناع عن قبول أي شيء دون التثبت منه، وبهذا ربت عنده مناعة ضد كل تحريف أو خرافة، وربته على "الأمانة العلمية"، و"التفكير المنطقي"، فأصبح لا يقبل حقائق العلم إلا صحيحة، ولا الأخبار التاريخية إلا صادقة.

стр. 119

ج- توسيع آفاق الناشئ وزيادة خبراته بنقل التراث: لا يتكفي المدرسة بتنمية خبرات الناشئ الناجمة عن احتكاكه بالبيئة في المواقف التي تضطره ظروفه إليها، بل تكسبه خبرات من تجارب أجيال الإنسانية الماضية التي سبقته، منذ قرون طويلة، وخبرات من تجارب الأمم الأخرى المعاصرة. وهذا ما يسميه بعض علماء التربية وظيفة "نقل التراث"، ويمكن أن يسمى في التربية الإسلامية بـ"إحياء التراث" والوراثة في اللغة، وانتقال الثروة من السلف إلى الخلف، ويطلق على ذلك الثروات الفكرية، والمعاني الدينية والكتب السماوية قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٦٩] . وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٥/ ٣٢] . والحرص على التراث الفكري والثقافي أمر في غاية الأهمية؛ لأنه ينقل إلينا خبرات عظيمة، طالما انقضت أعمار الأجيال وجهودها في تحصيلها، وهي ثمرات إبداع الأسلاف وحضارتهم ومخترعاتهم، وأبحاثهم العلمية واكتشافاتهم، ولكن ضخامة هذا التراث، واندثار القديم منه، وتغير كثير من الظروف والأحوال، والعقيدة يجعل من المستحل أن تحرص كل أمة على تلقين أبنائها جميع تراثهم بقضه وقضيضه، وبما طرأ عليه من تغيرات بلغت حد التناقض، في بعض العصور والتقلبات التاريخية، لذلك لا بد من انتقاء "المدرسة" لعناصر التراث الفكري، والثقافي الذي يمكن تقديمه إلى الجيل الحاضر ليكون عونا له على وحدته النفسية١، وعونا على وحدة الأمة التي يعيش فيها، وعلى وحدة المجتمع الجغرافية، والتاريخية، وعلى التحقيق الخير لهذا المجتمع، وإبعاد الشرور والانحرافات عن أبنائه، وعن حياته وجميع مجالاته. ولا بد لهذا "الانتقاء" من معيار ومقياس، ولا بد لهذا المقياس من هدف يحققه، وقد بينا هدف التربية الإسلامية في فصل سابق، وعلى ضوء هذا الهدف يمكننا أن نصنف الأهداف التي تبتغى عند المحافظة على التراث كما يلي٢. *- يحافظ بعض الناس على تراثهم الفكري تعصبا لآبائهم، وأجدادهم وقد أقيم على هذا المبدأ اتجاه اجتماعي سياسي، سمي بالقومية، وهو تعصب كل قوم لما هم عليه، ولآبائهم ولحضارتهم، ولمصالحهم القومية، سواء كانوا على هدى أو في ضلال، بل إن الهدى عند هؤلاء هو المصلحة القومية، لذلك نجد أن ظواهر الاستعمار، واستثمار خيرات الشعوب الضعيفة قد كانت من نتائج هذا الاتجاه٣ في

стр. 120

القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي، وقد نعى القرآن على هذا التعصب الأعمى للآباء، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٧٠] . *- ويتلقف بعض الناس ما توصلت إليه حضارة الأقوام المتحضرة، سعيا وراء المظاهر الحضارية البراقة، وتحقيقا للرفاهية والتعاظم بالمال، والقصور والرياش، وأملا في تقليدهم والوصول إلى ما وصلوا إليه من الغنى، والترف وقد بين الإسلام أن هذا المقصد لا يستحق أن يكون هدفا لذاته، بل ربما كانت مظاهر الترف وسيلة لإغراء الكفار، وزيادة تمسكهم بالدنيا وتماديهم في الضلال وغرورهم، مما يزيد في مسئوليتهم وعذابهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٤٣/ ٣٣-٣٥] . *- وأما إذا كانت الغاية من الأخذ بأسباب الحضارة، الأخذ بمبادئ القوة، والتمكن في الملك من أجل إقامة شعائر الإسلام، والدفاع عنه فهذا من أعظم المقاصد وأشرفها، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٣٩-٤١] . *- أما إحياء العقيدة في نفوس الأجيال: فهذا هو الهدف الأسمى للتربية الإسلامية، وهو عمل أسمى من أن يوصف بأنه "نقل التراث"، إنه صون الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي الاستعداد لتوحيد الله، وللتعرف على عظمته من تأمل مخلوقاته، ولتحقيق ذلك زودنا الله بهذا "الإسلام" دين الله، ليكون دليلًا ينير لنا الطريق لنسلكه للوصول إلى هدفنا "عبادة الله والعمل بشريعته".

стр. 121

وقد وصف الرسول ﷺ العلم، والشريعة التي تركها الأنبياء لمن بعدهم بأنها هي الميراث الذي ورثوه للأمة، وأن الله حرم على الناس أن يرثوا من الأنبياء شيئا من المال أو المتاع؛ لأنهم ما أرسلوا لجميع المال، ولا للاغتناء، ولا ليورثوا ذريتهم المال. فالشريعة وتعاليم النبوة هي أعز ميراث يحيي في النفس عقيدة التوحيد، ويربي الناشئين على الفطرة السليمة. ولذلك كان إغناء خبرات الناشئين بتعاليم الشريعة، وعقيدة التوحيد، أول وظيفة وأهم مهمة تضطلع بها المدرسة في نظر التربية الإسلامية. وكل "تراث" آخر يجب أن يكون تبعًا لهذا التراث الإلهي، الذي أورثه الله الذين اصطفى من عباده من الأنبياء وأتباعهم، حتى وصلتنا الشريعة المحمدية بيضاء نقية لنعمل بها، ونحقق عبادة الله وتوحيده. فعلوم الأمم الأخرى وحضارتها: إنما نأخذ منها ما يمكننا في الأرض، ويعطينا أسباب القوة بكل معانيها: القوة الحربية، والقوة الاقتصادية، والقوة الإعلامية، والقوة التنظيمية، لندفع عن عقيدتنا وأرضنا، وديارنا ومساجدنا، وأرواحنا وأعراضنا. بهذا القصد نوسع خيرات النشء العلمية: الفيزيائية والكيميائية، والفلكية والجوية والجغرافية، والحسابية الرياضية، وغيرها وغيرها. لا يقصد التفاخر والتباهي، والتكاثر والظهور بمظهر المتحضرين، الذين تضاعفت عندهم أعداد المتعلمين أضعافا مضاعفة في ربع قرن من الزمن، أو انتشرت عندهم الثقافات العلمية، وكثرت المخابر والكليات العلمية. إن الأمم لا تقاس بالعدد، وإنما تكثر بالنصر وتقل بالخذلان، أي أنها تقاس بالنتائج التي تحققها في مجالات النصر، والتفوق الحربي والصناعي والمعنوي، تقاس بما غرست المدرسة في نفوس أبنائها من الإيمان بالله، والثقة بالنفس وطلب الموت في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن الوعي العلمي، والثقافي المسلح بسلاح الإيمان، وعلوم اللغة العربية وآدابها، والتاريخ الإسلامي كل هذه المعارف، والعلوم جزء من التراث الإسلامي؛ لأنها ساعدت على فهم القرآن، وحفظ الشريعة والعمل بها، لذلك يجب انتقاء ما يحقق هذا الهدف، من تلك العلوم، وترك الشوائب والانحرافات التي حصلت على هامش هذا التاريخ الإسلامي العتيد، فضخمها الذين يتبعون الشهوات، ويريدون للمؤمنين أن يميلوا ميلا عظيما، وجعلوا يعرضون الخلافات والحروب الداخلية، والأخبار الماجنة المنسوبة إلى بعض الخلفاء والأمراء، وكأنها هي مقياس هذا التاريخ والأصل فيه، وغفلوا أو تغافلوا عن الهدف الأسمى الذي من أجله فتح أجدادنا الدنيا، وعن الإصلاحات الداخلية العظيمة التي قاموا بها. وجعلوا معظم شواهد علوم اللغة، وتاريخها وآدابها تدور حول أمور الحياة والشهوات والمجون، وغفلوا عن شواهد القرآن وآدابه، وهو الذي حفظ الله به اللغة العربية من الضياع، والانقسام والتفسخ، وجمع شمل الأمة وكلمتها.

стр. 122

د- وظيفة الصهر والتوحيد وإيجاد التجانس، والتأليف بين الناشئين: يرتاد المدرسة اليوم مئات الطلاب من البيئات المختلفة في الفقر والغنى، وفي الجاه والمكانة الاجتماعية، وفي مدى التحضر والتمدن، وفي مدى التدين والشعور بالمسئولية أو الميوعة، والشعور بالضياع، ولو أخذنا مجموعة مدارس أي قطر أو مملكة لوجدنا اختلافا في العادات، واللهجات، والمفاهيم عن الحياة، ما بين ريف ومدينة وما بين ساحل، أو صحراء، أو مناطق زراعية أو صناعية، أو تجارية. ترى ما أثر المدرسة في هذا الاختلاف والتباين، وما موقفها منه؟ يرى فلاسفة التربية الحديثة أن من النتائج العفوية لتواجد الطلاب، وتعايشهم في ظل نظام مدرسي واحد، تربطهم روابط اجتماعية تشد قلوبهم، ونفوسهم بعضها إلى بعض، وهم في ميعة الصبا، وفرحة الطفولة، ومرح الشباب، كل ذلك كفيل بصهر أفراد المجتمع، ومحو الفوارق أو تقليلها بين أفراده، وطبقاته مهما تناءت بهم الديار، أو باعدت بينهم الاعتبارات، والعادات والتقاليد والأفكار على أن هذا الرأي مبالغ فيه، بل إن الواقع يخالفه إلى حد كبير. وإن نظرة إلى المجتمعات العربية والإسلامية، ترينا أن معظم أبنائها تخرجوا من مدارس ذات أنظمة واحدة ومناهج واحدة، ومع ذلك تجدهم في القطر الواحد.

стр. 123

مختلفين، بعد تخرجهم إلى معترك الحياة، لا تجمعهم راية واحدة ولا يستهويهم هدف واحد، بل تفرقهم المصالح والشهوات والأنانيات. ذلك أن الصهر والتجانس الحقيقي لا يتحقق على المدى البعيد، إلا إذا اجتمعت القلوب والعواطف، والأفكار على أسس نفسية عميقة تصلح لتكوين تصورات اجتماعية مشتركة، كما يسميها علماء الاجتماع، على أن تنبع من أعماق النفس عفوا من غير تكلف، ولا قسر اجتماعي. وهذه الأسس يجب أن تبنى على الإيمان الصحيح، الإيمان بحقائق سليمة، مسايرة للفطرة الإنسانية والعقل السليم، توحد نظرة الإنسان إلى أخيه الإنسان، وإلى الكون وإلى الحياة، وإلى القيم الإنسانية، وذلك بتوحيد خضوعهم إلى خالق الكون وموجد الموت، والحياة ومكرم الإنسان، وإلى تشريعه وأوامره. ولو تأملت معنى هذه الصفات لما وجدتها تنطبق إلا على "أسس التربية الإسلامية"، كما أوردناها في فصل سابق، ولعرفت مغزى قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٨/ ٦٣] ، فالتوحيد الذي دعا إليه القرآن، وأثر في نفوس العرب هو الذي صهرهم وألف بينهم. فالصهر والتجانس بين المواطنين لا يحصل إلا إذا ألف الإيمان الصحيح بين قلوبهم، وحينئذ تذوب جميع الفوارق، وتنمحي كل الاعتبارات المفرقة، ويتنازل الجميع من تلقاء أنفسهم عن كل الحزازات والضغائن، وأسباب الحسد أو التباعد، سعيا وراء مرضاة الله، وحبا لله وشكرًا له على نعمة الإيمان، والسعادة النفسية والاطمئنان. فالمدرسة لا تصهر المواطنين، ولا تحقق التجانس المطلوب بينهم إلا إذا بنيت على أسس التربية الإسلامية، وحققت أهدافها. أما المدارس القائمة على مبادئ "المواطنة الصالحة" في أمم الغرب، فإنها تصلح أداة لغرس خلق التواطؤ الاستعماري، وطغيان الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة؛ لأنه ليس لديها مقياس حقيقي للمواطن الصالح إلا مسايرة قومه على الخير أو الشر، وعلى تحقيق الشهوات والمصالح الدنيوية، والقهر والجبروت، والتسلط والبغي. بغير حق، كما راينا في بحثنا لأهداف التربية عندما عالجنا موضوع "الإسلام والمواطنة الصالحة".

стр. 124

هـ- وظيفة تنسيق الجهود التربوية المختلفة وتصحيحها: يساهم في تربية الجيل عوامل عديدة، منها المنزل وقد شرحنا دوره، ومنها المجتمع وسيأتي شرحه، ومنها وسائل الإعلام، والمسجد، والحي؛ على أن هذه العوامل والمؤسسات قد تترك في نفس الناشئ بعض النشاز، والتعارض بين الأفكار، والعواطف أو بعض الأخطاء، وإن لم تكن صادرة عن أهداف وأسس واحدة، فمبالغات بعض الصحف وتخير بعض محطات الإذاعة في أخبارها، وميوعة الأغاني التي تملأ الأسماع والأدمغة، وكثيرا من القلوب، كل ذلك وغيره لا يتناسب مع الأفكار التربوية السليمة، والمعلومات الصحيحة، التي تقدمها المدرسة، لذلك كان من واجب المدرسة إما أن تنسق جهود هذه المؤسسات بالتعاون العليم المباشر معها، في ظل الدولة الواحدة، وإما أن تعقد ندوات للطلاب خاصة بانتقاد كل ما يصر عن هذه المؤسسات، والمؤثرات التربوية، لنشر الآراء السليمة في منازلهم وبين ذويهم. وهذا العمل إنما يؤدي إليه تحقيق أهداف التربية الإسلامية، وأسسها التعبدية والتشريعية١ بشكل عفوي، فالشريعة الإسلامية ضابط أخلاقي للمجتمع، والمدرسة أحق مؤسسة اجتماعية بأن تتولى هذا الضبط عن طريق التنسيق، والتصحيح كما رأينا.

стр. 125

و التكميل لمهمة المنزل التربوية: تعتبر المدرسة بحق أداة مكملة؛ لأن تربية الناشئ تبدأ في أحضان أبويه، يلقنانه مبادئ اللغة، ومفاهيم الحياة الاجتماعية، وأساليب التعايش مع البيئة، والتفاعل مع ظروف الحياة، ويغرسان في قلبه مبادئ الإيمان الصحيح. لذلك لا بد من إقامة تعاون صريح بين المنزل والمدرسة، وأن تخصص المدرسة جهازا لتنسيق الاتصال بالأولياء: آباء الطلاب وأمهات الطالبات، ومعرفة هواتفهم ومناطق سكنهم وأماكن عملهم، ومعرفة ما يمكن معرفته من الظروف التي يربى فيها الناشئون في منازلهم، وأساليب تربيتهم هناك، لتصحيح الخاطئ منها وإكمال الصالح، والتعاون مع الأولياء على إصلاح الناشئين، وحسن تربيتهم ليكمل كل من المنزل، والمدرسة ما بدأ به الآخر، من غرس الإيمان الصحيح والسلوك القويم، ويقوم ما يعرض من انحرافات، ومشكلات في حياة الناشئ، ولئلا يحدث تعارض وتناقض، بين أسلوب المنزل التربوي، وأسلوب المدرسة، فيقع الأطفال، والناشئون ضحية هذا التعارض. وهذه الوظيفة التربوية للمدرسة، إنما تتحق على الوجه الأكمل حينما تتبنى مبدأ "التواصي بالحق"، وهو من أهم مبادئ التربية الإسلامية الاجتماعية، فتتعاون المدرسة مع المسجد والمنزل والمجتمع، ويكون هدف الجميع تحقيق العبودية لله، وتطبيق شريعته، وتحقيق العزة، والكرامة للأمة الإسلامية وأجيالها، والنصح لأولياء الأمور القائمين على الإذاعة، والصحافة والرائي، وهي من أهم الوسائل المؤثرة في تربية الجيل بأسلوب غير مباشر. مزالق المدرسة الحديثة، وعلاجها: على الرغم من العبء الكبير الذي تحملته المدرسة اليوم في تربية الأجيال، فقد وقعت في مزالق رهيبة، كادت معها أن تؤدي بالأمة الإسلامية، وتسلم أجيالها إلى الخذلان والاستسلام، والإباحية والإلحاد في كثير من الأقطار العربية والإسلامية. ومن أهم هذه المزالق: *- الانعزالية: كانت الكتاتيب، وحلقات المساجد من الشعب لتربية الشعب المسلم، وكانت على صلة دائمة بالشعب، فلم تكون طبقة مهنية معزولة عن الشعب، بل بقيت تعالج دائما مشكلات المجتمع الإسلامي، وكان طلاب العلم المخلصون، نقادا لأخطاء الحكام والتجار، والأمراء وأصحاب المهن، ينصحونهم ولا يبالون في الله لومة لائم، وكانوا يشاركون الشعب أفراحه وآلامه وحروبه، كما فعل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وطلابه عند حروف الفرق الباطنية التي كانت تطعن الأمة في

стр. 126

ظهرها أيام الحروب الصليبية، ذلك أن علمهم، وتربيتهم الإسلامية قد هيأتهم لخدمة مجتمعهم وأمتهم. بيد أن المدرسة الحديثة اليوم أصبحت في معزل عن الحياة الاجتماعية قلما تشعر بحاجات مجتمعها، فتحققها أو بأخطائه فتقومها. لقد أصبح معظمها يعيش في برجه العاجي، وفي عالمه المغلق على نفسه، همه إنهاء المناهج وتنظيم الطلاب، وتهيئة الجو المدرسي الملائم، والسمعة الطيبة والنتائج المدرسية المرجوة، ونسبة النجاح المرموقة. وتعالت صيحات بعض المربين مثل "جون ديوي" لجعل المدرسة مجتمعا مصغرا، لكن هذا لم يكن كافيا، فقد سميت المدرسة مجتمعا طلابيا طفوليا، لا يمثل مجتمع الكبار، ولا يتعاطف مع إلا نادرًا، وفي حدود دراسة البيئة، والتربية الوطنية. والتربية الإسلامية التي تهدف إلى تخريج مصلحين حقيقيين، ورواد اجتماعيين، تدعو المدرسة إلى المشاركة الفعلية في النصح للمجتمع، والمساهمة في إصلاحه، ولترسل من طلابها وعاظا إلى المساجد، ومساهمين في الحض على نظام السير، مثلان أو نظافة المدينة وحدائقها، والحض على جمع التبرعات للجهاد، أو لمساعدة الفقراء، والعمل على محو الأمية، وكل ما يحتاجه المجتمع. ولتحقق ذلك، يجب على المدرسة أن تستقي مناهجها وكتبها، ومقرراتها ونشاطها من صميم عقيدة الأمة وتاريخها، وأهدافها ومتطلباتها وآمالها وآلامها، حتى تخرج جيلا يحس بمشكلات مجتمعه، ويعمل على حلها، ويحس بآلام أمته ويربى على السعي إلى محوها، يعادي من يعادي أمته، وتحيا في نفسه مثلها العليا، ومصالحها فيعمل على تحقيقها منذ نشأته، ليستمر متعاطفًا مع مجتمعه وقضايا أمته مواليا للأمة الإسلامية مخلصًا لها طيلة حياته. وتلتقي المدارس كلها على ذلك بالتقاء العاملين فيها على الإخلاص، وصدق الإيمان، والعمل لإعلاء كلمة الله في نفوس الأجيال وقلوبهم، وبتنظيم المشرفين على المدارس، لأمورها ومناهجها ونشاطها على هذه الأسس، وبحسن الإشراف والنصح والتوجيه، والتعاون مع أساتذة المدارس، ومدرائها والعاملين فيها، بوعي

стр. 127

وجد وتفان، وإخلاص للمصلحة العامة، التي لا تتحقق إلا باستهداف مرضاة الله، فهذا هو ما تجتمع عليه قلوب المخلصين ومساعيهم. *- التبعية لثقافة الغرب، وفلسفتها المبنية على الإلحاد: لو تأملنا معظم كتبنا المدرسية، والمراجع التي أخذت عنها لوجدناها مترجمة بعضها بالنص، وبعضها بالمعنى عن المراجع والثقافات الغربية، فتاريخنا ينقله المؤلفون عن مراجع لمؤرخين أجانب، وكتب العلوم الطبيعية من فيزياء وكيمياء، وتشريح لجسم الإنسان، مترجمة عن الأبحاث الطبيعية التي قام بها علماء الغرب، وكذلك سائر العلوم الإنسانية من تربية وعلم نفس، وعلم اجتماع، وباقي العلوم الأخرى من جيولوجيا وجغرافيا. ولقائل أن يقول: ماذا يضير المسلم لو أخذ الحكمة من أعدائه، ما دام بحاجة إليها، وما داموا قد سبقونا إلى اكتشاف هذه العلوم والتوسع فيها، بعد أن وضع أجدادنا أسس البحث العلمي لاكتشافها، وبدءوا فعلًا في التأليف في مبادئ الطب والفيزياء، والكيمياء والجبر وعلم الاجتماع؟ قد يكون هذا صحيحًا لو أمكن أن نأخذ هذه العلوم دون أن تزعزع عقيدة الناشئين، وتفت في كيانهم النفسي وتعيث فسادا، وتخريبا في كيان الأمة الاجتماعي، فقد غير هؤلاء الغربيون كل المبادئ التي بنى عليها أجدادنا بحثهم، وأخذوا بالأساليب المنطقية والتجريبية، دون الأسس الدينية والفكرية. وهكذا أصبح لهذه العلوم الغربية "منطلقات عقائدية" تعارض عقيدة التوحيد التي تحيا في قلب كل مسلم، ويدافع عنها كل غيور على الإسلام، فهي "أي العلوم الغربية"، تنطلق من تصور خاطئ للوجود كله يغاير الأسس الفكرية الإسلامية التي شرحناها في الفصل الثالث من هذا الكتاب. ونستطيع أن نلخص هذه الخلفية، أو المنطلقات العقائدية المشتركة بين كل فروع المعرفة، والثقافة الغربية بقولنا: الوجود كله، في زعمهم، منحصر في الطبيعة والإنسان، وهو أي الإنسان جزء منها ونوع من أنواعها، والطبيعة وجدت هكذا بنفسها، وكذلك سننها أو قوانينها، فهي، حسب رأيهم، مقدرة بنفسها من غير

стр. 128

مقدر لها، والعقل، عندهم، وحدة طريق معرفة الحقائق، وليس ثمة طريق آخر، وليست المثل الأخلاقية والقيم، والمفاهيم الحقوقية إلا وقائع أو حوادث كالحوادث الطبيعبة، نشأت وتطورت، فهي ليست ثابته، والإنسان نفسه إنما هو حيوان اجتماعي مفكر فحسب، وليست النفس الإنسانية إلا مجموعة من الغرائز. وليس في هذه الفلسفة الغربية، أو التصور الوجودي للكون كما نرى مكان للإله، وصلته بالإنسان وبالكون ونظامه السببي، ولا بالوحي والنبوات، ولا للجزاء والحياة الخالدة، ولا لسائر الغيبيات١. "إن هذه المفاهيم منبثة مفرقة في مختلف العلوم التي تعلم في نظم التعليم السائدة في العالم الإسلامي، ويتكون من مجموعها مركب فكري عقائدي يخالف الإسلام مخالفة جذرية"٢. هذه هي الكارثة التي أدخلتها المدرسة الحديثة على أمتنا، وأجيالنا في طول البلاد الإسلامية وعرضها، كارثة "لم تعرف الأمة الإسلامية في التاريخ كارثة أشد هولا، وأفظع في نتائجها منها، ولا تعدلها كارثة التتار ولا الحروب الصليبية، ولا حروب الاستعمار، بل إن جميع المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتربوية التي تعانيها، فروع لهذه المشكلة الأساسية"٣. "إن حل هذه المشكلة ليس بطرد هذه العلوم، وإيصاد الأبواب أمامها، وإنما الحل الذي نطرحه، وندعو إلى الأخذ به هو صياغة العلوم جميعا صياغة إسلامية، أو بعبارة

стр. 129

أدق إقامتها على أسس إسلامية، والسير بها من منطلقات إسلامية، أي بناؤها على التصور العام للوجود كما يقدمه الإسلام"١. وهذا الكتاب محاولة لحل جانب من جوانب هذه المشكلة في مجال التربية، إنه محاولة لصياغة منهج تربوي إسلامي متكامل، لتربية الأجيال على أساسه معتمد على أسس فكرية إسلامية تصاغ على ضوئه المناهج المدرسية، وتؤلف على هدية الكتب المدرسية، ويقام النشاط المدرسي، وجميع ما تستلزمه المدرسة، وتربية الأجيال. *- انشطار شخصية الناشئ، وانفصام عرى وحدتها: وهذا المنزلق نتيجة عقوبة لما قبله، وذلك أن سواد الشعوب الأوروبية لم تستطع الانسلاخ نهائيا من العقيدة الدينية، ومن الاعتقاد بوجود الخالق، وباليوم الآخر على نحو ما، فلم يجد أربابا الفكر والثقافة الغربية بدا من الفصل بين العلم، والدين وبين الكنيسة والحكم، وانتشر المبدأ الخاطئ الذي يقول: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وكان من نتيجة ذلك ترسيخ دعائم الاتجاه الإلحادي الذي قامت عليه الثقافة الغربية كما رأينا في جميع المدارس، والمنشورات العلمية، وميادين العلم المختلفة، بدعوى أنها علوم وضعية "تدرس الواقع"، ولا علاقة لها بالدين، مع أن الاستدلال على عظمة الله جزء من الواقع الذي يعيشه كل عقل سليم يفكر تفكيرا منطقيا، وينطلق من المحسوس الذي حوله إلى الأسباب، كما رأينا في بحث أسس التربية الإسلامية. ولم تحدد التربية الغربية الحديثة لها موقفا منطقيا من هذا الصراع، مع أنها تؤمن في مجال النفس، والعمل التربوي بوحدة النفس الإنسانية، وبوحدة الخبرة التي يقتبسها الناشئ مهما اختلفت وجوه هذه الخبرة. ولكنها تنازلت عن هذه الوحدة، واستسلمت لهذه الفلسفة الانشطارية التي تقسم

стр. 130

النفس إلى شقين متنازعينن، أحدهما يؤمن بالله المهيمن الخالق، والآخر يؤمن بالطبيعة، التي هي في زعمهم، مصدر الطاقات، والقوى، والقوانين. تلك هي الفلسفة التي تسود معظم مدارس الأقطار الإسلامية اليوم، من غير أن نشعر، فترى أستاذ الطبيعية أو الجغرافية مثلا إذا سأله طالب عن حكمه الخالق في أمر من أمور العلم الذي يقرره يحوله إلى أستاذ الدين بدعوى أنه لا علاقة له بالأمور الدينية، ويتكرر مثل هذا الموقف، فيعتقد الناشئ أن معاني العقيدة، والتصور الإسلامي للكون لا علاقة لها بالعلوم الكونية، أو الجغرافية أو حتى التاريخية، وأن مكانها هو كتب الدين فقط، وزمانها هو دروس التوحيد، والفقه والحديث، والقرآن والتفسير، وربما ظن أن هذه العلوم الإسلامية لا تفسر وقائع الكون بنفس الوضوح الذي تفسره دروس العلوم، والجغرافيا "تفسيرًا قاصرا على القوانين الوضعية الطبيعية دون نسبتها إلى تنظيم الخالق، وتربيته لسنن الكون وقواه". إن هذه الفلسفة التي تفصل الدين عن الدولة "في المجتمع الواحد"، والروح عن الجسد في الكائن الواحد، والعلم عن الأخلاق في الكيان الإنساني الواحد، والعقل عن الوجدان، لهي فلسفة مبلبلة تدع الناشئ حيران لا كيان له، ولا يقين عنده ولا ثقة له بشيء، بل تعلمه النفاق والتلون، وانتحال شخصيات متناقضة متعددة. وعلاج هذه المشكلة، كعلاج سابقتها يقوم على إعادة تأليف مناهج، وكتب لسائر المعارف، والعلوم من منطلق إسلامي، ولكن بشرط القيام بدورات تربوية إسلامية تدرب المعلمين، والمدرسين على تحقيق هذه المنطلق في جميع جوانب التربية، والتعليم المدرسي١ ... *- وثنية الشهادات، والامتحانات، وجعلها غاية في ذاتها: كانت "الإجازة العلمية" قديما عند أسلافنا شهادة من عالم جليل، يشهد بها لأحد طلابه بالقدرة على تدريس كتاب معين، ويسمح له بذلك، ويكتب ما يفيد هذا

стр. 131

المعنى: "أجزت فلانًا بتدريس الكتاب الفلاني في العلم الفلاني"، ولم تكن "الإجازة" تعطي إلا بعد شعور صحيح بقدرة هذا "المدرس الجديد"، وبعد مرافقته لشيخه مدة كافية، ومناقشته لجميع قضايا الكتاب مع فهم، وإتقان ومعالجة، ويبقى "المجاز" بعد ذلك على صلة بشيخه، وهكذا كانت الشهادة نقطة بداية للدراسة والبحث العلمي، أما اليوم فقد أصبح الطالب يقصر همته على نيل الشهادة، فإذا حصل عليها انتهت حياته العلمية، ونسي كل شيء، وصارت قيمة الشهادة تقدر بمقدار ما تتيح لصاحبها من عمل يدر عليه الأرباح الطائلة بأقل جهد ممكن، حتى كأنها "صك" يحمله المتخرج يطرق به أبواب الشركات، أو الدوائر الحكومية، ليحصل على مركز اجتماعي، ويقبض راتبا شهريا كبيرا. *- تخريج موظفين آليين: وهكذا صارت جامعاتنا ومدراسنا تخرج شبابا قليلة ثقافتهم، سطحيا تفكيرهم لا هم لهم إلا الوصول إلى الشهادة، لا يؤمنون بالحقائق العليمة لذاتها، ولا يستمتعون بنتائجها الفكرية والتطبيقية، إنما همهم أن يصبوا حروفا، وعبارات على ورقة الامتحان ثم ينسوها إلا تخرجوا، فإذا تسلموا عملا في دائرة أو شركة، أصبحوا موظفين كالآلة الصماء يتحركون حسب الأوامر المعطاة لهم، فاقدين كل قدرة على المبادهة والأصالة، وابتكار الحلول الشخصية للمشكلات التي تعترضهم، ولا هم لهم إلا أن يعدوا الأيام ليقبضوا رواتبهم، والأشهر أو السنوات لينتظروا علاواتهم وترفيعهم. وتحل هاتان المشكلتان باتباع، أو تحقيق الأمور الآتية: - تدريب الشبان في حياتهم الجامعية، أو في المعاهد الفنية أو السلكية، على استعمال معارفهم والعلوم، والفنون التي يتلقونهم في حل مشكلات مجتمعهم، أي الإكثار من البحوث والتجارب العلمية الميدانية والدورات الصيفية، يقضونها في بعض الأعمال من النوع الذي يناسب تخصصهم الفني، أو العلمي الجامعي. - إيقاظ الوازع الرباني، والوعي التربوي الإسلامي عند الشبان حتى يشعروا بمسئوليتهم عن علمهم، ماذا عملوا به تجاه خالقهم يوم الجزاء، وبهذا يشعرون بأن تعلمهم هو إعدادهم للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله عن طريق إصلاح مجتمعم، والنهوض بواقع أمتهم الإسلامية. - غرس الثقة عند الشبان، والإيمان بالكرامة التي كرم الله بها الإنسان، والاعتقاد بأن الذي يشرف الشاب هو علمه، وبحثه وما يتقن من مهارات، وما يقدم من أعمال مخلصًا، وأن الشهادة إنما هي رمز لاجتياز مرحلة، ليست دليلا على التأهيل لعمل، فكم من حامل شهادة أخفق في حياته، وكم من عالم نحرير، شهادته هي مؤلفاته وأبحاثه، وإخلاصه في بث العلم والعمل به. وكم من خبير طبقت شهرته الآفاق، قبل أن يحمل الشهادات العليا.

стр. 132

رابعا: المربي المسلم ١- تمهيد حول أهمية المربي: أشار القرآن إلى دور المعلمين من الأنبياء وأتباعهم، وإلى أن وظيفتهم الأساسية دراسة العلم الإلهي وتعليمه، وذلك في سورة آل عمران بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٩] . وأشار ﷻ إلى أن من أهم وظائف الرسول ﷺ تعليم الناس الكتاب والحكمة، وتزكية الناس أي تنمية نفوسهم، وتطهيرهم بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ٢/ ١٢٩] . وقد بلغ من شرف مهنة التعليم أن جعلها الله من جملة المهمات التي كلف بها رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٦٤] . ويتضح من هذه الآيات أن المربي وظائف أهمها. أ- التزكية أي التنمية والتطهير، والسمو بالنفس إلى بارئها وإبعادها عن الشر، والمحافظة على فطرتها. ب- التعليم أي نقل المعلومات، والعقائد إلى عقول المؤمنين، وقلوبهم ليطبقوها في سلوكهم وحياتهم.

стр. 133

٢- صفات المربي المسلم وشروطه: لكي يحقق المعلم اليوم وظيفته التي كلف الله بها الرسل، وأتباعهم يجب أن يتصف بصفات أهمها: أ- أن يكون هدفه وسلوكه، وتفكيره ربانيا كما صرح بذلك في سورة آل عمران: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٩] ، أي تنتسبون إلى الرب ﷻ بطاعتكم إياه، وعبوديتكم له، واتباعكم لشريعته ومعرفتكم لصفاته، وإذا كان المعلم ربانيا، استهدف من كل أعماله التعليمية، ودروسه أن يجعل طلابه أيضا ربانيين، يرون آثار عظمة الله، ويستدلون عليها في كل ما يدرسون، ويخشعون لله ويشعرون بإجلاله عند كل عبرة من عبر التاريخ، أو سنة من سنن الحياة، أو سنن الكون أو قانون من قوانين الطبيعة، وبدون هذه الصفة لا يمكن للمعلم أن يحقق هدف التربية الإسلامية؛ لأن عبادة الله كما رأينا يجب أن تعم نظرتنا إلى الكون، وأعمالنا كلها في الحياة وتفكيرنا كله. ب- أن يكون مخلصًا، وهذا من تمام صفة الربانية وكمالها، أي ألا يقصد بعمله التربوي وسعة علمه، واطلاعه إلا مرضاة الله، والوصول إلى الحق، وإحقاق الحق أي نشره في عقول الناشئين، وجعلهم أتباعا له. فإذا زال الإخلاص، حل محلة التحاسد بين المعلمين، فيصبح كل منهم يتعصب لرأيه أو طريقته، ويسود الغرور والأثرة عوضا عن التواضع للحق وعن الإيثار، إيثار الحق على الهوى. وهكذا، بدون إخلاص، يصبح مجال التعليم مسرحا للمهاترات، أو بث الدعوات المغرضة، أو تضليل عقول الناشئين بدعوتهم إلى مذاهب مضللة، أو مظاهر براقة كالفن للفن والموضوعية، والعلم للعلم١، ونحو ذلك من الشعارات التي لا

стр. 134

هدف لها، ولا مجد لهذه الأمة إلا بتربية أجيالها على تحقيق مرضاة الله وشريعته، واستهداف ذلك في كل المجالات التعليمية، والتربوية بإخلاص وعناية، لا بأن يكتفي بكلمة في مقدمة الدرس، أو الكتاب قد لا تؤدي الغرض المطلوب، وقد يقصد بها التمويه، أو مجرد مسايرة المنهج، فالإخلاص معناه أن ينبعث الهدف من أعماق النفس عن قناعة، وأن يصبر المعلم على تحقيقه وبلوغه. ج- أن يكون صبورًا على معاناة التعليم، وتقريب المعلومات إلى أذهان الطلاب؛ لأن ذلك يقتضي مراسًا وتكرارًا، وتنويعا للأساليب ومكارهة للنفس على تحمل المشقة؛ ولأن الناس ليسوا سواء في القدرة على التعلم، فلا يستطيع المعلم أن يساير هوى نفسه، فيتعجل رؤية نتائج عمله قبل نضج المعلومات في نفس الناشئ نضجا تصبح معه قابلة للتطبيق العملي، وقبل تطوير السلوك، وقبل أن تكتمل القناعة عند الطلاب، تتحمس نفوسهم وعواطفهم، وتستثار انفعالاتهم استثارة كافية لتحقيق ما يتعلمونه في حياتهم ومجتمعهم، فتنهض به أمتهم. د- أن يكون صادقا فيما يدعو إليه، وعلامة الصدق أن يطبقه على نفسه، فإذا طابق علمه عمله اتبعه الطلاب، وقلدوه في كل من أقواله وأفعاله، أما إذا خالف عمله لما يدعو إليه، فإن طلابه يشعرون بعدم عزمه على تحقيق ما يقول، أو بعدم إيمانه بما يقول، أو بعدم جدية أقواله. وقد عاتب الله المؤمنين على عدم صدقهم فيما يقولون بقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٦١/ ٢-٣] . وعدم صدق المربي، قد يعلم الرياء للطلاب، بدون أن يشعر بذلك؛ لأن الطلاب وخاصة الناشئين منهم يتأثرون بسلوك معلمهم كما يتأثرون بكلامه، فهو قدوتهم في كل ما يقول ويعمل. فهو بعدم الصدق قد يسيء إلى النفوس طلابه، وينحط بها بدلًا من أن يزكيها وينهض بأخلاقهم. هـ- أن يكون دائم التزويد بالعلم والدراسة له، وقد رأينا كيف أمر الله أتباع

стр. 135

الرسل بأن يكونوا ربانيين بتحقيق دراسة الكتاب وتعليمه، فقال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٩] . وأن يكون على نصيب وافر من المعرفة بالعلم الذي يدرسه، من علوم إسلامية شرعية، أو تاريخ أو جغرافيا أو لغة، أو علوم كونية طبيعية أو علوم رياضية؛ لأن تعليم العلم وتبسيطه للناشئين لا يأتي إلا بعد هضمه، والتعمق في فهمه. ولأن كثرة الأخطاء العلمية عند المعلم تقلل من ثقة الطلاب بمدرسهم، وتؤدي إلى استهتارهم به، وبما يدعوهم إليه من الفهم، والإتقان العلمي والحفظ والتطبيق، وقد يؤدي ذلك إلى شك الطلاب بما يعلمهم إياه، فلا يستفيدون منه شيئًا. فيجب على المدس أو المعلم المسلم أن يكون على سعة من العلم، وقوة في الحافظة وعمق في الفهم، حتى يكسب احترام طلابه، وثقتهم به وحتى يفيدهم الفائدة المرجوة. و أن يكون مفتنا في تنويع أساليب التعليم، مفتنا لتلك الأساليب، عارفا بالأسلوب الذي يصلح لكل موقف من مواقف التدريس ومواده. فلا يكفي الإتقان العلمي؛ لأنه ما كل عالم يستطيع تبسيط معلوماته، ونقلها إلى عقول الناشئين، فذلك يحتاج إلى خبرة خاصة ومران، وحسن تدريب واتباع أساليب مدونة في كتب أصول التدريس، والتربية وعلم النفس التعليمي. على أن التربية الإسلامية أساليب مستقاة من القرآن، ومن تعليم الرسول لأصحابه سنبسطها فيما بعد هذا الفصل إن شاء الله. ز- أن يكون قادرًا على الضبط والسيطرة على الطلاب، حازما، يضع الأمور في مواضعها، ويلبس لكل حالة لبوسها فلا يشتد حيث ينبغي التساهل، ولا يتساهل حيث تجب الشدة، وهذه من صفات القائد، ولا غرو، فهو قائد الفصل، به يقتدي الطلاب وبأمره يأتمرون. وأن يكون محبوبا من الطلاب رحيما بهم من غير تفريط، حريصًا على مصلحتهم، يسامحهم أحيانا دون أن يترك لهم مجالا للشطط والتراخي. وأن يكون عارفا بأساليب العبث، والشغب عند بعض الطلاب، فلا تفوته، متنبها لكل حركات الطلاب ومقاصدهم.

стр. 136

ح- وأن يكون دارسا لنفسية الطلاب في المرحلة التي يدرسها، حتى يعاملهم على قدر عقولهم واستعداداتهم النفسية، عملًا بقول علي بن أبي طالب: "خاطبوا الناس بما يعلمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ". وهذا يحصل بدراسة مراحل الطفولة في علم نفس الطفل، أو علم النفس التكويني أو التربوي. ط- أن يكون واعيا للمؤثرات والاتجاهات العالمية، وما تتركه في نفوس الجيل، من أثر على معتقداتهم، وأساليب تفكيرهم، فاهمًا لمشكلات الحياة المعاصرة، وعلاج الإسلام لها، مرنا كيسا، يستمع لكل اعتراضات الطلاب واستفساراتهم وشكوكهم، فيتتبع أسبابها ويعالجها بحكمة وروية. والمعلم لا يكفيه أن يعرف الخبر فيدعو إليه، بل لا بد له أن يطلع على ما يبيته دعاة الشر، والكفر من الكيد لهذه الأمة المؤمنة، وللعاملين على تحقيق أهداف التربية الإسلامية؛ لأنه يتعامل مع نفوس غضة معرضة للتأثر بالفتن، والأهواء والتيارات السائدة في هذا العصر، وهي تيارات غير مؤمنة، ولا مبنية على شيء من الإيمان بالله. وعلاج هذه المشكلات، والتيارات مبسوط في كتب الثقافة الإسلامية، وفي الدراسات الحديثة، للإسلام، كدراسات سيد قطب، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد قطب، وأبي الحسن الندوي وغيرهم. وقد تنبأ رسول الله ﷺ بهذه التيارات، فذكر أن أمته ستفترق بضعا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وأنها ستتبع اليهود والنصارى: $"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه"، وإنما قال الرسول ﷺ ذلك ليحذرنا مما سيقع لمعظم الناس. وأشار القرآن إلى ذلك في فاتحة الكتاب التي يقرؤها المسلم كل يوم بضع عشر مرة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧] ، وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالمغضوب عليهم اليهود، والمراد بالضالين النصارى. وفي هذا المعنى ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم". ي- أن يكون عادلا بين طلابه لا يميل إلى أي فئة منهم، ولا يفضل أحدا على أحد إلا بالحق، وبما يستحق كل طالب حسب عمله ومواهبه، فقد أمر رسول الله ﷺ ، وهو قدوة المعلمين بالعدل، قال تعالى مخاطبا نبيه: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ٤٢/ ١٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٥/ ٨] .

стр. 137

خامسًا: المجتمع ومسئوليته التربوية تتجسد مسئولية المجتمع الإسلامي عن تربية أبنائه في أمور، وأساليب تعتبر من أفضل أساليب التربية الاجتماعية أهمها: إن الله جعله آمرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر كما سبقت الإشارة إلى ذلك في بحث "الأسس التشريعية من أسس التربية الإسلامية"، فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٠٤] . وقال ﷻ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٠] . وتربية الناشئين على هذا الأساس معناه أن نصون فطرتهم الطاهرة عن التدنس وارتكاب الأخطاء، أو عن أن تستهويهم الرذيلة؛ لأن مجرد استحسانها سيعدهم لارتكابها إذا كبروا واصبحوا قادرين عليها، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن من واجب الراشدين أن يغرسوا معاني الإيمان في قلوب الناشئين بشتى المناسبات، بأن يلفتوا نظرهم إلى كل ظاهرة من ظواهر الكون الدالة على قدرة الله، وعظمته ووحدانيته، وأن يوجهوا ويهذبوا سلوكهم بآداب الإسلام، وأن ينصحوهم إذا دخلوا المسجد، ويعلمون عبادة الله وآداب المساجد. ٢- اعتبار الناشئين أبناء أو أبناء إخوة الراشدين: جميع الناشئين في المجتمع الإسلامي هم أبناء، أو أبناء إخوة لجميع الراشدين أو للكهول، فكل كهل ينادي أي

стр. 138

ناشئ مسلم "يا بن أخي"١، وكل ناشئ ينادي أي كهل بلفظ "يا عم" عملًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ٤٩/ ١٠] ، وقد شعر المسلمون منذ فجر الإسلام بهذه المسئولية المشتركة عن تعليم الناشئين، فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: "كنت خادمًا للنبي ﷺ ، قال: فكنت أدخل بغير استئذان، فجئت يوما، فقال: "كما أنت يا بني، فإنه قد حدث بعدك أمر، لا تدخلن إلا بإذن"، فقد علمه الرسول الاستئذان، وكان يناديه يا بني"٢، وعن ابن أبي صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدري قال له: "يا بني"٣. وهكذا نرى أن العطف على الناشئين، وإشعارهم بصلة العقيدة من أهم أساليب التربية الاجتماعية في الإسلام. ٣- التأديب بسخط المجتمع وتعنيفه للمسيء: اتخذ رسول الله ﷺ المجتمع وسيلة لتأديب الرجل يؤذي جاره، فقد ورد عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله: "إن لي جارا يؤذيني"، فقال: "انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق"، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس عليه، فقالوا: "ما شأنك؟ " قال: لي جار يؤذيني، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق"، فجعلوا يقولون: "اللهم العنه، اللهم اخزه"، فبلغه فأتاه فقال: "ارجع إلى منزلك فوالله لا أوذيك"٤، وفي هذا دليل على أن النقد الاجتماعي اللاذع من أساليب التربية الاجتماعية في الإسلام، ولكن لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. ٤- التأديب بالحرمان الاجتماعي أو الهجر والمقاطعة: اتخذ الرسول ﷺ المجتمع "بأمر من الله" وسيلة لتأديب من تخلف عن الحرب، فأمر الصحابة بمقاطعة الثلاثة الذين تخلفوا عن تقديم أنفسهم للجندية، حين أعلن النفير العام، فكانت هذه التربية

стр. 139

بواسطة الضغط الجماعي الواعي المقصود من أبلغ الوسائل، وأشدها تأثيرًا في النفوس. وقد وصف الله تعالى بعض نتائجها النفسية وصفا بليغا حيث قال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْإِرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ٩/ ١١٧-١١٨] . فأشار إلى الأثر الذي بلغه المجتمع المسلم من نفوس أفراده، فأحاطها من كل جانب، حتى أن أحدهم تضيق به الدنيا عندما يقاطعه، ويهجره جميع أفراد المجتمع من أجل مرضاة الله. النتيجة التربوية: وهكذا نرى أن الرجوع إلى أمر الله، وتحكيم شريعته في تنظيم المجتمع، من أهم مصادر الروابط، والتصورات والأهداف الاجتماعية، فيحق للمجتمع بل يجب عليه أن يربي الناشئين، ويؤدبهم بطلب مرضاة الله، فإذا زاغ الفرد عن هذا الهدف هجره المجتمع، أو زجره أو اتخذ معه شتى الأساليب التربوية، حتى يعود إلى حظيرة الإيمان والتوبة، والندم على الخطأ والعمل بمقتضى الشريعة وآدابها. وهذا يدل على أن مؤدب الناشئين، يحق له بل يجب عليه أحيانا، أن يحرم المخطئين من معاشرة زملائهم فترة من الزمن، عقوبة وردعا لهم حتى يشعر بندمهم وتوبتهم، ورجوعهم إلى الصواب، أو يأخذ عليهم العهد بذلك، شريطة أن يعرفوا أخطاءهم، وسبب إنزال هذه العقوبة بهم، وأن يتوسم فيهم الاستفادة من هذه العقوبة، فقد ترك رسول الله ﷺ عددًا من المنافقين لم يعاقبهم على تخلفهم، وخص هؤلاء الثلاثة بهذه العقوبة، لعلمه بأنها هي الأنفع لهم، وأنهم أجدر أن يتعظوا بها. ٥- التربية الاجتماعية بالتعاون: تقوم التربية الإسلامية على اعتبار المجتمع المسلم كيانا حيا واحدا، فقد شبه رسول الله ﷺ هذا المجتمع بالجسد حيث قال: "ترى

стр. 140

المؤمنين في توادهم، وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى" ١. وعلى هذا الأساس العيظم رغب القرآن بالتعاون، فقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٥/ ٢] . وتدل الآية على أن أواصر المحبة التي تقوم عليها التعاون بين أفراد المجتمع المسلم، إنما تقوم على تحقيق الخير والبر، وعلى التقوى أي الخوف من ارتكاب معصية أو شرك بالله، أو بعد عن شريعته، أو إيذاء بغير حق، ولذلك نهى الله عن أن يكون التعاون في الإثم، والعدوان. وهذا ما يميز التربية الإسلامية، التي تربي المواطن المؤمن على تحقيق الخير والبر والعدل دون تعصب، هذا ما يميزها عن التربية القومية التي تستهدف إيجاد "المواطن الصالح"، الذي يتعصب لقومه، ووطنه دون أن يستهدف خيرًا أو عدلا، أو يبعد شرا عن الآخرين. ومما يحقق معنى التعاون في التربية الاجتماعية الإسلامية، قضاء حاجات الناس، والتفريج عنهم، وستر عيوبهم، ونحهم على انفراد، إن كانت من العيوب التي يمكن تركها. عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه، من كان حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" ٢، وهكذا يدرج الناشئ في مجتمع، قائم على الإيثار، بعيد عن الأثرة، مبني على مساعدة الآخرين من أجل الحق والخير، وإدخال السرور وإبعاد الكروب.

стр. 141

٦- تربية الناشئين على الحب في الله: تبني التربية الاجتماعية على أساس عواطف اجتماعية، أهمها المحبة، وتنبع المحبة من تربية الأبوين للناشئ، فإن وهباه ما يحتاج من الحب والعطف، والعناية أصبح عنده استعداد لمحبة الآخرين، وإن لم يرويا عنده الحاجة إلى أن يحب، ظهر عنده الشذوذ والتبرم، والسخط على الآخرين، كما رأينا في بحث "الأسرة" في هذا الفصل. على أن التربية الإسلامية أضافت إلى محبة الأبوين ينبوعا ثرًّا، لا ينضب، من ينابيع العاطفة الصادقة، إنه محبة الله الذي أنعم علينا، والذي يرحمنا في الشدائد، عندما نلجأ إليه وندعوه في المحن، فيكشف السوء. وعلى أساس محبة الله يجب المؤمن كل من يشاركه في الولاء لله، ومحبة الله وطاعته والانقياد لشريعته، والاعتزاز بالسير تحت لوائه، وهذا ما يسمى "الحب في الله"، وله في النفس أثر عظيم وسعادة نفسية قال فيها بعض الزهاد: "لو يعلم الملوك ما نحن فيه لحاربونا عليه"، وهذا اقتباس لطيف وتصديق واقعي لما رواه أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. - وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله. - وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" ١. وقد جعل رسول الله ﷺ محبة قوم ثبتت نصرتهم لله، ورسوله من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق: عن البَرَاء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: $"لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله"٢.

стр. 142

كما جعل مصير الإيسان يوم القيامة، مرتبطا بمصير من يحبهم ويتعلق بهم، ويرتبط بهم برباط اجتماعي في الدنيا، ويعمل بعملهم، ويبذل من أجلهم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٦٢] ١. وعن أنس ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : "متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟ " قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله"، قال: "أنت مع من أحببت" ٢. التطبيق التربوي: يجب على المربي أن يذكر الناشئ بهذه المعاني عندما يصطحبه، أو يرسله لزيارة أخ له في الله، أو عيادة مريض، أو اجتماع على ذكر الله أو طلب العلم، وأن يبني النشاط الاجتماعي المدرسي على هذا المعنى، وبهذا تربى تدريجيا عند الناشئين عاطفة الحب في الله فيجدون لذتها، ولا يستطيعون تركها. ٧- حسن انتقاء الأصدقاء على أساس التقوى والإيمان: يميل الناشئون بفطرتهم، وخاصة منهم الفتيان والمراهقون، إلى محبة الأصدقاء والانخراط في جوهم، فيجب إعطاؤهم مناعة، وحذرًا حتى لا يصاحبوا الأشرار، أو يلازموا شبابا ضائعين، لا هم لهم إلا العبث وضياع الوقت دونما هدف صالح من الحياة، وقد أوصانا رسول الله ﷺ بذلك، وحذرنا القرآن من قرين السوء في "حوار قرآني"٣ أجراه على لسان أحد أهل الجنة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ، قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ

стр. 143

قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٥٠-٥٧] . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" ١. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا نتنة" ٢. الأثر التربوي: ينتج مما تقدم أنه لا يكفي الاعتماد على المجتمع المؤمن الذي يحيط الناشئ عادة، بل يجب تحذيره من جليس السوء، وأن نختار له مجالس الصالحين، والرفقة المؤمنة، والأتراب والأنداد الذي ربوا تربية صالحة، مع إشغال مجالسهم، ومجتمعاتهم بما يرضي الله، ويزكي نفوسهم، وتحذيرهم مما يدنس نفوسهم، أو يضيع أوقاتهم في غير ما طاعة أو فائدة علمية، أو كسب دنيوي حلال، عملا بقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤/ ١١٤] .

стр. 144

سادسا: النشاط المدرسي والتربية الإسلامية: ١- تعريف النشاط: من أهم المعاني التي يعنيها "النشاط المدرسي" اليوم، صرف طاقات الناشئين أو تشجيعها أو بعثها، في أعمال وألعاب يقبلون عليها من تلقاء أنفسهم، إذ أنها تستهويهم وتحقق ميولهم وذاتيتهم، وتناسب استعدادهم، وتبعث فيهم المرح والحيوية والتفاؤل، وتحبب المدرسة إلى نفوسهم، وتشعرهم بكيانهم الاجتماعي، وبعضويتهم في الجماعة، واندماجهم في المجتمع، وتشبع بعض حاجاتهم النفسية كالحاجة إلى التقدير، واللعب والمرح، وربما نشأت فكرة النشاط في المدرسة الحديثة، يقصد الترويح عن نفوس الناشئين، وإراحتهم من عناء الجهد الفكري المستمر، فكان لها أوقات مستقلة منفصلة عن الجو العلمي، وعن الدروس المدرسية ذات الطابع الفكري، والمسئولية الجدية المرتبطة بالدرجات والنجاح، والعقاب، والتقيد بالنظام الفصلي بحذافيره. بيد أن بعض المربين الغربيين، رأوا أن النشاط يمكن أن يكون وسيلة مباشرة للتعليم، فأدخلوه في صلب المنهج، بل أصبح في كل المناهج المعمول بها، جزءًا من المنهج ينص عليه عند سرد مفردات المنهج، أو مواده أو توصياته أو أهدافه، إما في بعض المواد الدراسية، وإما في معظمها أو كلها، ويكون له بعض الدرجات، فيؤثر في النجاح. ٢- النشاط في مدارسنا: إن التطبيق العملي السائد عندنا للنشاط المدرسي، لا يدل على ارتباط حقيقي بينه، وبين الأهداف التي وضع من أجلها في المناهج، حتى ليظن المتتبع لنشاطات المدارس، أنها أقرب إلى تحقيق الاستمتاع والمرح، والشعور بالظفر والغلبة والقوة: منها إلى تحقيق نمو المواهب والشعور بالمسئولية النابعة من أعماق النفس دون أن تفرض فرضًا، وإن هذه النشاطات الشائعة، كأنما ابتغي بها إرضاء الآخرين، وإشباع حب الظهور بالمظهر اللائق، أكثر من أن يقصد بها أي قصور تربوي آخر. فالنشاط الرياضي مثلًا، أصبح اليوم يأخذ بألباب الطلاب ويستهويهم، دون أن يعرفوا له هدفا ساميا أو وجهة تتعلق بعقيدتهم، أو بحاجة مجتمعهم الإسلامي أجل الدفاع عن العقيدة والأنفس، والأوطان والديار والمقدسات، والأموال والأرواح. والنشاط الفني، أو ما يسمونه بالتعبير الفني، أصبح مجالًا للمباهاة ومضاهاة خلق الله بلوحات فنية؛ وهو الذي لم تكن غايته في الأصل مجرد الاستمتاع بالفن

стр. 145

وحسب، وإنما غايته تربية الأنامل المتقنة لبعض الصناعات الدقيقة، وإيصال المعاني السامية، عن طريق الخطوط الجميلة، والمناظر الخلابة الخالية من المحرمات، إلى الأذواق والعقول، لدلالتها على عظمة الله وضرورة الخضوع له، والشعور بما وهبنا من تذوق للجمال. أما أن يصبح اللعب هدفا لذاته، والرسم غاية لذاتها، فهذا يؤدي إلى الانشغال بالوسائل عن الأهدف، ويصبح مثلنا كمثل إنسان أراد أن يركب طائرة لتوصله إلى مكة لأداء فريضة الحج، فأعجب بهيكل الطائرة وآلاتها، واستمتع بمكيفاتها وصورها المتحركة، ثم انتقل إلى طائرة أخرى، وثالثة حتى قرر أن يصبح طيارا، ونسي هدفه الأول، وهو الحج. هذا هو مثل الذي تلهيه ألعاب الرياضة، عن الاستعداد الحربي أو عن إعداد القوة للأعداء، وعن الصلاة ومراقبة الله. أو يلهيه الجدل وابتغاء البراعة الأدبية والشعرية، عن الاستعداد لفهم الإسلام، أو عن تذوق إعجاز القرآن. أو الذي يشغله النادي، أو مجموعة الأنداد، والأتراب عن تمتين العلاقات الإسلامية، والارتباط بالمجتمع المسلم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا استمر في ألعاب القوى والرياضة، دونما هدف أسمى يحققه من وراء القوة، أصبح كبيرا في جسمه، صغيرا في عقله، قاصرا حياته على طلب القوة الكاذبة، والبطولة الزائفة، التي لا تنصر حقا ولا تبعد أذى، ولا تبطل باطلًا: لا هم له إلا المظاهر الجوفاء، زاعمًا أن يهوى "الفن للفن" و"العلم للعلم". ٣- النشاط التربوي في فجر الإسلام: على أننا لو تتبعنا التربية الإسلامية منذ فجر بزوغها، لوجدنا أن رسول الله ﷺ "كان يعلم الصحابة من خلال مواقف من الحياة، ففي إحدى الغزوات نزلت آية التيمم، وتعلم الصحابة التيمم وطبقوه"١.
следующие страницы →