٦- تربية الناشئين على الحب في الله:
تبني التربية الاجتماعية على أساس عواطف اجتماعية، أهمها المحبة، وتنبع المحبة من تربية الأبوين للناشئ، فإن وهباه ما يحتاج من الحب والعطف، والعناية أصبح عنده استعداد لمحبة الآخرين، وإن لم يرويا عنده الحاجة إلى أن يحب، ظهر عنده الشذوذ والتبرم، والسخط على الآخرين، كما رأينا في بحث "الأسرة" في هذا الفصل.
على أن التربية الإسلامية أضافت إلى محبة الأبوين ينبوعا ثرًّا، لا ينضب، من ينابيع العاطفة الصادقة، إنه محبة الله الذي أنعم علينا، والذي يرحمنا في الشدائد، عندما نلجأ إليه وندعوه في المحن، فيكشف السوء.
وعلى أساس محبة الله يجب المؤمن كل من يشاركه في الولاء لله، ومحبة الله وطاعته والانقياد لشريعته، والاعتزاز بالسير تحت لوائه، وهذا ما يسمى "الحب في الله"، وله في النفس أثر عظيم وسعادة نفسية قال فيها بعض الزهاد: "لو يعلم الملوك ما نحن فيه لحاربونا عليه"، وهذا اقتباس لطيف وتصديق واقعي لما رواه أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان:
- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
- وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله.
- وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" ١.
وقد جعل رسول الله ﷺ محبة قوم ثبتت نصرتهم لله، ورسوله من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق:
عن البَرَاء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: $"لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله"٢.
стр. 142
كما جعل مصير الإيسان يوم القيامة، مرتبطا بمصير من يحبهم ويتعلق بهم، ويرتبط بهم برباط اجتماعي في الدنيا، ويعمل بعملهم، ويبذل من أجلهم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٦٢] ١.
وعن أنس ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : "متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟ " قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله"، قال: "أنت مع من أحببت" ٢.
التطبيق التربوي:
يجب على المربي أن يذكر الناشئ بهذه المعاني عندما يصطحبه، أو يرسله لزيارة أخ له في الله، أو عيادة مريض، أو اجتماع على ذكر الله أو طلب العلم، وأن يبني النشاط الاجتماعي المدرسي على هذا المعنى، وبهذا تربى تدريجيا عند الناشئين عاطفة الحب في الله فيجدون لذتها، ولا يستطيعون تركها.
٧- حسن انتقاء الأصدقاء على أساس التقوى والإيمان:
يميل الناشئون بفطرتهم، وخاصة منهم الفتيان والمراهقون، إلى محبة الأصدقاء والانخراط في جوهم، فيجب إعطاؤهم مناعة، وحذرًا حتى لا يصاحبوا الأشرار، أو يلازموا شبابا ضائعين، لا هم لهم إلا العبث وضياع الوقت دونما هدف صالح من الحياة، وقد أوصانا رسول الله ﷺ بذلك، وحذرنا القرآن من قرين السوء في "حوار قرآني"٣ أجراه على لسان أحد أهل الجنة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ، قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ
стр. 143
قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٥٠-٥٧] .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" ١.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال:
"إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا نتنة" ٢.
الأثر التربوي:
ينتج مما تقدم أنه لا يكفي الاعتماد على المجتمع المؤمن الذي يحيط الناشئ عادة، بل يجب تحذيره من جليس السوء، وأن نختار له مجالس الصالحين، والرفقة المؤمنة، والأتراب والأنداد الذي ربوا تربية صالحة، مع إشغال مجالسهم، ومجتمعاتهم بما يرضي الله، ويزكي نفوسهم، وتحذيرهم مما يدنس نفوسهم، أو يضيع أوقاتهم في غير ما طاعة أو فائدة علمية، أو كسب دنيوي حلال، عملا بقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤/ ١١٤] .
стр. 144
سادسا: النشاط المدرسي والتربية الإسلامية:
١- تعريف النشاط:
من أهم المعاني التي يعنيها "النشاط المدرسي" اليوم، صرف طاقات الناشئين أو تشجيعها أو بعثها، في أعمال وألعاب يقبلون عليها من تلقاء أنفسهم، إذ أنها تستهويهم وتحقق ميولهم وذاتيتهم، وتناسب استعدادهم، وتبعث فيهم المرح والحيوية والتفاؤل، وتحبب المدرسة إلى نفوسهم، وتشعرهم بكيانهم الاجتماعي، وبعضويتهم في الجماعة، واندماجهم في المجتمع، وتشبع بعض حاجاتهم النفسية كالحاجة إلى التقدير، واللعب والمرح، وربما نشأت فكرة النشاط في المدرسة الحديثة، يقصد الترويح عن نفوس الناشئين، وإراحتهم من عناء الجهد الفكري المستمر، فكان لها أوقات مستقلة منفصلة عن الجو العلمي، وعن الدروس المدرسية ذات الطابع الفكري، والمسئولية الجدية المرتبطة بالدرجات والنجاح، والعقاب، والتقيد بالنظام الفصلي بحذافيره.
بيد أن بعض المربين الغربيين، رأوا أن النشاط يمكن أن يكون وسيلة مباشرة للتعليم، فأدخلوه في صلب المنهج، بل أصبح في كل المناهج المعمول بها، جزءًا من المنهج ينص عليه عند سرد مفردات المنهج، أو مواده أو توصياته أو أهدافه، إما في بعض المواد الدراسية، وإما في معظمها أو كلها، ويكون له بعض الدرجات، فيؤثر في النجاح.
٢- النشاط في مدارسنا:
إن التطبيق العملي السائد عندنا للنشاط المدرسي، لا يدل على ارتباط حقيقي بينه، وبين الأهداف التي وضع من أجلها في المناهج، حتى ليظن المتتبع لنشاطات المدارس، أنها أقرب إلى تحقيق الاستمتاع والمرح، والشعور بالظفر والغلبة والقوة: منها إلى تحقيق نمو المواهب والشعور بالمسئولية النابعة من أعماق النفس دون أن تفرض فرضًا، وإن هذه النشاطات الشائعة، كأنما ابتغي بها إرضاء الآخرين، وإشباع حب الظهور بالمظهر اللائق، أكثر من أن يقصد بها أي قصور تربوي آخر.
فالنشاط الرياضي مثلًا، أصبح اليوم يأخذ بألباب الطلاب ويستهويهم، دون أن يعرفوا له هدفا ساميا أو وجهة تتعلق بعقيدتهم، أو بحاجة مجتمعهم الإسلامي أجل الدفاع عن العقيدة والأنفس، والأوطان والديار والمقدسات، والأموال والأرواح.
والنشاط الفني، أو ما يسمونه بالتعبير الفني، أصبح مجالًا للمباهاة ومضاهاة خلق الله بلوحات فنية؛ وهو الذي لم تكن غايته في الأصل مجرد الاستمتاع بالفن
стр. 145
وحسب، وإنما غايته تربية الأنامل المتقنة لبعض الصناعات الدقيقة، وإيصال المعاني السامية، عن طريق الخطوط الجميلة، والمناظر الخلابة الخالية من المحرمات، إلى الأذواق والعقول، لدلالتها على عظمة الله وضرورة الخضوع له، والشعور بما وهبنا من تذوق للجمال.
أما أن يصبح اللعب هدفا لذاته، والرسم غاية لذاتها، فهذا يؤدي إلى الانشغال بالوسائل عن الأهدف، ويصبح مثلنا كمثل إنسان أراد أن يركب طائرة لتوصله إلى مكة لأداء فريضة الحج، فأعجب بهيكل الطائرة وآلاتها، واستمتع بمكيفاتها وصورها المتحركة، ثم انتقل إلى طائرة أخرى، وثالثة حتى قرر أن يصبح طيارا، ونسي هدفه الأول، وهو الحج.
هذا هو مثل الذي تلهيه ألعاب الرياضة، عن الاستعداد الحربي أو عن إعداد القوة للأعداء، وعن الصلاة ومراقبة الله.
أو يلهيه الجدل وابتغاء البراعة الأدبية والشعرية، عن الاستعداد لفهم الإسلام، أو
عن تذوق إعجاز القرآن.
أو الذي يشغله النادي، أو مجموعة الأنداد، والأتراب عن تمتين العلاقات الإسلامية، والارتباط بالمجتمع المسلم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا استمر في ألعاب القوى والرياضة، دونما هدف أسمى يحققه من وراء القوة، أصبح كبيرا في جسمه، صغيرا في عقله، قاصرا حياته على طلب القوة الكاذبة، والبطولة الزائفة، التي لا تنصر حقا ولا تبعد أذى، ولا تبطل باطلًا: لا هم له إلا المظاهر الجوفاء، زاعمًا أن يهوى "الفن للفن" و"العلم للعلم".
٣- النشاط التربوي في فجر الإسلام:
على أننا لو تتبعنا التربية الإسلامية منذ فجر بزوغها، لوجدنا أن رسول الله ﷺ "كان يعلم الصحابة من خلال مواقف من الحياة، ففي إحدى الغزوات نزلت آية التيمم، وتعلم الصحابة التيمم وطبقوه"١.
стр. 146
وفي حجة الوداع كان يقول للصحابة: "لتأخذوا عني مناسككم"، وكانت ترد عليه عشرات الأسئلة عن مناسك الحج فيعلم السائلين، كما رواه مسلم عن جابر١.
كما كان رسول الله ﷺ يقيم سباقا للخيل، بين الصحابة٢.
وكان يسمع للأحباش أن يلعبوا بالحراب في مسجده ويشجعهم قائلا: "دونكم يا بني أرفده" ٣.
وقد سابق بنفسه السيدة عائشة جريا فسبقها أول مرة، قالت عائشة: "فلما أسن رسول الله ﷺ سابقني فسبقته" ٤.
وعندما اشترى أرضًا من بني النجار، وسواها ليبني عليها مسجدا في المدينة، كان الصحابة يرتجزون الأناشيد، وهم ينقلون اللبن والطين:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة٥
وكانوا في بعض الغزوات ينشدون:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا٦
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وكان الصحابة في عهد رسول الله ﷺ يتبارون برمي السهام بعد صلاة المغرب، وكانت هذه عادة لهم على ما يبدو من صيغة الحديث٧.
إذا تأملنا هذه الأحاديث أمكننا أن نعتبر النشاط التربوي على شكلين أساسيين:
стр. 147
أ- نشاط ترويحي يجدد العزيمة ويزيل الكآبة، وكان هذا النشاط يتجلى في حياتهم عفويًّا كلما دعت الحاجة إليه، وكان بريئا من كل فحش أو محرم، كالمعازف والصور والغزل، والكذب، فكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا، وكان يرتجز معهم البيت والبيتين عندما يكونون في عمل جماعي، كبناء المسجد، وحفر الخندق، فيتغنى الأرجوزة الإسلامية كما أثبتناها آنفًا.
وكان يسمح في الأعياد بهذا المرح، وكذلك في الأعراس، ويشارك في الولائم لإظهار البهجة والسرور.
ب- نشاط تعليمي، أو تعبدي غايته التعليم، والتهذيب والتربية العسكرية: من خلال الحياة والممارسة، كما رأينا تعليمه ﷺ التيمم، ومناسك الحج وكذلك تعليمه أركان الصلاة للمسيء صلاته، وتعليمه الفروسية، وأمره بتعليم الرمي، وإقامته مباريات في ذلك، شارك فيها رسول الله ﷺ بنفسه، وكان يقيم حفلا اجتماعيا لكل مناسبة موسمية أو طارئة، فيخطب أو يعظ الناس ثم يصلي بهم، كالاحتفال بالعيدين: الفطر والأضحى، وكصلاة الخسوف والكسوف، وكجمع المسلمين في المسجد للجهاد والدفاع والحرب، أو للاحتفال بالنصر وتوزيع الغنائم، وكان يقوم بزيارة المرضى.
وفي كل هذه المناسبات التي يمكن اعتبارها نشاطا تربويا، ربى رسول الله ﷺ في نفوس المسلمين كثير من المعاني السامية والثقة بالله، وعلمهم كثيرا من أحكام الجهاد والغنائم، والزواج والحج، والعلاقات الشورية التعاونية، والروحية الربانية، فيما بنيهم، وعلمهم كثيرا من الأذكار، والأدعية والعبادات كتشميت العاطس، والدعاء للمريض، وتجهيز الميت والصلاة عليه، وحضهم على كثير من الفضائل، كحب العمل وكره البطالة أو الاستجداء.
٤- شروط النشاط الذي يحقق هدف التربية الإسلامية:
لو قارنا بين النشاط التربوي النبوي، وبين النشاط المدرسي القائم اليوم، لوجدنا أن النشاط في فجر الإسلام، يمتاز بميزات تنبع من صميم هدف التربية الإسلامية، ومن طبيعة الإسلام، ومن خلق النبوة، وهذه الميزات تصلح أن تكون شروطًا لأي
стр. 148
نشاط مدرسي، فإذا استوفاها النشاط صح أن يكون وسيلة، أو واسطة من وسائط التربية الإسلامية وهي:
أ- أن يجعل النشاط الترويجي عفويا يجيب المواقف، والمناسبات الملائمة، ولا يخصص له أوقات تزاحم الدروس، أو عطل رسمية، إلا ما خصصه الإسلام من الأعياد والولائم، وبهذا يحتفظ هذا النشاط برونقه وأثر في النفوس، وتبقى النفوس مستعدة له، وقد يقل أو يكثر بحسب طبيعة المدارس، ولكن لا يجوز أن يغلب الهزل فيه على الجد.
ب- أن يكون النشاط بريئا من كل اختلاف، أو إسفاف أو خروج على الأخلاق والمبادئ الإسلامية، كالخوض في آيات الله، أو التندر بمن غلبت عليهم سيما الوقار والعبادة، أو إثارة الضغائن، أو الاستهزاء ببعض الطلاب، أو الغيبة، أو النميمة، أو كشف العورة، أو ما يقرب منها مما فيه فتنة، أو الفحش والبذاءة، في الكلام، أو التغزل وإثارة الشهوات، أو رواية القصص الخرافية التي ثبت كذبها أو اختلاقها.
ج- أن يكون النشاط التعليمي، والتربوي نشاطا واقعيا لا مصطنعا، وهذا من أهم خصائص النشاط الإسلامي، فتعليم الصلاة إنما يكون بإقامتها فعلًا، والشعور بأدائها فريضة الله ، لا بتمثيلها، واتباع الجنائز يكون بقصد الثواب، وكذا التعزية، والتشميت، وزيارة المريض، وتقديم الصدقات من قبل الطلاب، وتقديم النصح والإرشاد، وتنظيم المساجد، وإقامة الخطب والنصائح، يجب أن يبتغى بها وجه الله ومرضاته.
د- أن يكون محققا للغاية المثلى للتربية الإسلامية: أي لشريعة الله وعبوديته، ولجميع ما ينتج عن التصورات الإسلامية للكون، والحياة والإنسان ومسئوليته، فتحقيق ذلك من خلال النشاط إنما ينتج عفويا، إذا تحققت الفقرات السابقة، وتنزه النشاط عن العبث والشكلية والمظهرية، وأصبح جزءًا حقيقا من الحياة من الحياة التي يحياها المجتمع المطبق لشريعة الله.
هـ- أن يقوم النشاط بما حققه من الغايات، والأهداف التربوية، لا بما أحرزه الطلاب من قصب السبق، ومن أقام اصطلح على أنها تدل على التقدم والقوة، وما جعلت في الأصل إلا لتكون حافزًا على الدأب، والصراع والقوة، والغلبة والبأس، فنتائج النشاط تقاس بما يتركه من آثار تربوية وأخلاقية، كحب العمل والنصيحة والتفاني في الحق، والتواضع والصدق والاستقامة، والصبر على البحث
العلمي.
٦- أن يكون المربي عاملًا إيجابيا فعالًا في هذا النشاط، لا أن يكتفي بدور المشرف المترفع، فالمربي هو العنصر الأساسي، والقدوة المثالية الفعلية في كل أحوال النشاط وأشكاله، يتحمل مع طلابه قسمًا من المسئولية، ويساهم معهم في العمل دون أن يتعالى عليهم، بل يشعرهم بالأخوة التي تربطه بهم تحت لواء رب واحد، وفي سبيل هدف واحد، هو إرضاء الله وتحقيق أوامره كما هو ملحوظ في صفات المربي المسلم.
стр. 149
سابعا: المنهج التربوي الإسلامي وخصائصه
١- تعريف المنهج:
تقوم عملية التربية اليوم، على خطة ترسم فيها أهداف التربية، وأساليبها والخطوات التي يجب اتباعها لتنشئة جيل في مرحلة معينة من عمره، في أمة معينة.
والمنهج هو الذي يرسم للمدرسة أساليب التي تعطي لكل مرحلة، أو لكل مجموعة في كل عام دراسي، ويعين الموضوعات التي تعطى لكل مرحلة، أو لكل مجموعة بحسب أعمارهم أو ثقافتهم، والنشاط الذي يقوم به الطلاب في كل مادة من مواد التدريس.
ولو تصفحنا أي منهج مدرسي لوجدناه في مجمله "مجموعة من الخطط، والأهداف القريبة والأساليب التربوية، وخلاصة عن المواد والمعلومات والمسائل، والمشكلات التي يجب أن نؤثر بها في عقل الناشئ، ووجدانه وسلوكه ونشاطه، لنبلغه تحقيق الأهداف الكبرى الفكرية، والاعتقادية والاقتصادية والسياسية والتشريعية، التي رسمتها الأمة لأبنائها، ولمستقبلها أو ورثتها عن حضارتها، ودينها تحقيقا تدريجيا يناسب مستوى كل مرحلة من العمر الزمني والعقلي والثقافي، وكل بيئة من البيئات".
والمنهج بهذا المعنى هو خطة لمرحلة دراسية في بيئة مدرسية معينة، أو لمجموعة
стр. 150
المراحل المدرسية، التي تبلغ الناشئين المستوى التربوي، والسلوكي والفكري المطلوب ليصبحوا أعضاء نافعين صالحين في أمتهم ومجتمعهم، عاملين على النهوض بمستوى أمتهم، وتحقيق مثلها العليا.
٢- أشكال المناهج الحديثة:
وقد اختلف المربون في أساليب وضع المناهج، وترتيب المواد الدراسية، باختلاف فهمهم لأهداف التربية ومعناها وأساليبها، وسنستعرض أهم أشكال المناهج لنرى رأي الإسلام فيها مرة واحدة، بعد أن نستعرضها واحدة واحدة.
أ- منهج المواد المنفصلة:
وهو المنهج الذي يكون فيه لكل مادة دراسية شخصية مستقلة، ومعلومات مستقلة تماما عن كل اعتبارات المواد الأخرى ومعلوماتها.
فلا يهتم واضعوا مثل هذا المنهج، بإيجاد أي ارتباط أو علاقة بين مادة وأخرى، وهذا المنهج يتنافى مع الوحدة النفسية للناشئ، فهو يعتمد على النظرية النفسية التي سادت أوروبا في القرن الوسطى "الأوروبية"، منحدرة عن فلاسفة اليونان، أعني نظرية الملكات، التي تؤمن بأن العقل البشري ملكات، تنمو كل ملكة منها مستقلة عن سائر الملكات الأخرى، كملكة التذكر والحفظ، والملكة اللغوية، والملكة الحسابية، والنخيل، والمحاكمة، كما أنها تقول بأن رعاية هذه الملكات تكون بتدريب كل ملكة على انفراد، فإذا كانت المواد الدراسية هي وسيلة تنمية هذه الملكات كان من الطببعي "عند هؤلاء" أن توضع في المنهج لكل مادة اعتباراتها، ومعلوماتها المستقلة عن المواد الأخرى.
ب- منهج المواد المترابطة:
ولعل هذا الشكل من أشكال المنهج قد بني على نظرية نفسية ظهرت في أواخر القرون الوسطى، ومطلع عصر النهضة الأوروبية لتحل محل سابقتها، "الملكات"، وهي نظرية الترابطيين، الذين يعتقدون أن عقل الإنسان إنما تكون من ترابط، وتفاعل بن مدركاته وإحساساته، حدث على نحو ما، وأن أي إدراك جديد لا بد له من ارتباط بخيرة سابقة، أو بإدراك سابق.
стр. 151
والمنهج الذي يرتب على هذا الشكل، يعرض المواد الدراسية، وكأنها سلسلة حلقات متشابكة، كل حلقة منها يجب أن تنسجم مع ما قبلها، أو تبنى على سابقتها، فلا بد في كل درس من تذكير بالدروس السابقة، ولا بد في كل عام من تذكير بمواد الأعوام السابقة للبناء عليها؛ وقد ترتبط المادة بغيرها من المواد في نفس العام الدراسي، كارتباط اللغة بالدين، والدين بالتاريخ الإسلامي وعلوم الطبيعة، دواليك.
ج- المنهج المحوري أو المتمركز:
وهو أشد أشكال المناهج تلاحمًا، واتصالًا بين أجزائه ومواده الدراسية إذ أن جميع هذه المواد، والمعلومات التي يراد إعطاؤها للطلاب يجب أن تتصل، وترتبط بمحور معين، أو بموضوع أو بأمر يميل إليه الطلاب، ويهتمون به، وهذا الأمر يسمى "محورا" أو "مركز اهتمام".
والمحور في اللغة وفي العلوم الرياضية هو المركز بالنسبة للدائرة، وإلى هذا أشار الدكتور عبد اللطيف فؤاد إبراهيم بقوله:
"إن معنى كلمة المحور، لغويا، هو الجزء المركزي لشيء ما، الذي يدور حوله الشيء، وحين استخدمت هذه الكلمة في المنهج المدرسي، قصد بها أن تدل على وجود مركز معين في المنهج، ترتبط به كل أجزاء المنهج ارتباطا وثيقا ويؤثر فيها، وأن تدل على وجود مركزي، أو رئيسي في المنهج المدرسي يعمل فيه كل التلاميذ"١.
ولكي يكون هذا المنهج المحوري ناجحا ينبغي أن يكون محوره، أو مركز الاهتمام فيه، موضوعًا يميل إليه الطلاب، ويستحوذ على اهتمامهم، وأن يكون في الوقت ذاته قادرًا على استقطاب جميع المواد الأخرى، وتسخيرها لتحقيقه أو البحث عما يحققه.
د- منهج النشاط:
هذا المنهج يمكن اعتباره تنظيما لسلسلة من النشاطات كالرحلات، والمشاريع
стр. 152
العملية، والمحاورات والمحاضرات، وغيرها من الجهود المنظمة المشتقة من حياة الطلاب المدرسية، أو من حياة مجتمعهم المحيط بهم، بحيث تؤدي هذه النشاطات إلى نمو مدارك الطلاب ومعارفهم، وتحقيق أهداف أمتهم، وأهدافهم التعليمية والتربوية.
فهناك نشاط لغوي لتربية الطلاب تربية لغوية، وتنمية مدركاتهم الكلامية، والحوارية عن طريق المحاضرة، والصحف والمراسلة، ونشاط ديني لتربية عواطفهم الربانية وتفكيرهم الإلهي، وسلوكهم على أساس طاعة الله، كإحياء المساجد، ومشروعات جمع الزكاة، وتقسيم بعض التركات إذا سئلوا عنها وإقامة الصلاة، إلخ..
٣- خصائص المنهج الإسلامي المنشود:
إن المنهج المدرسي الذي تتطلبه التربية الإسلامية، يجب أن ينطبع بطابعها، ويتصف بأهم صفاتها ومميزاتها ويحقق أهدافها، ويبني على أسسها وتصوراتها الفكرية عن الكون، والحياة والإنسان، وذلك بأن تتحقق فيه الصفات الآتية:
أ- أن يكون في تربيته وموضوعاته موافقًا للفطرة الإنسانية يعمل على تزكيتها، وحفظها من الانحراف، وسلامتها، تلك الفطرة التي أشار إليها الحديث القدسي: "خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين..".
والحديث النبوي: "كل مولود على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه ... ".
ب- أن يكون محققا لهدف التربية الإسلامية الأساسي "إخلاص الطاعة والعبادة لله"، ولجميع أهدافها الفرعية التي ترمي إلى تقويم الحياة، وتوجيهها لتحقق هذا الهدف في جميع جوانب الثقافة والتربية، التي وضع المنهج لتعهدها والنهوض بها، كالجانب العقلي والجانب الوجداني والجسمي، والاجتماعي.
ج- أن يكون في تدرجه ومستواه، موافقا، في كل جزء منه، للمرحلة التي يوضع لها من حيث طبيعة الطفولة فيها، ومستواها، ومفاهيمها، ومن حيث الأنوثة والرجولة، والمهمات الاجتماعية التي يهيأ لها كل من الجنسين.
د- أن يراعي في تطبيقاته ونشاطاته، وأمثلته ونصوصه، حاجات المجتمع
стр. 153
الواقعية، المعاشية، ومنطلقاته الإسلامية المثالية كالاعتزار بالأمة الإسلامية والولاء لها، وذلك: يتحقق الولاء لله، والطاعة لرسوله الذي أرسله ليطاع بإذن الله، وبمراعاة الاختصاصات التي تحتاجها الأمة، في كل بيئة بحسب ظروفها الطبيعية التي يسرها الله، من خامات صناعية أو بيئة زراعية، أو مناخ مداري، أو مكانة تجارية بحرية أو برية، إلخ.
والاختصاصات التي لا بد منها لرقي المجتمع في كل بيئة كالاختصاصات الصحية، والحربية، والإدارية، والإسلامية، والثقافية، أي الأخذ من كل جانب من جوانب الحضارة بطرف مما لا يتعارض مع الإسلام، ولا يختلف معه إيما اختلاف، بل يعين على رفع شأن الأمة، وتحقيق شريعة الله وعدله، وحضارة الإسلام الفكرية والروحية.
هـ- أن يكون المنهج بمجموعه، ونظامه، سليما من التعارض، موجها وجهة إسلامية واحدة، موافقا للوحدة النفسية التي فطر الله الناس عليها، ولوحدة الخيرة التي يراد إعطاؤها للناشئ حول أسرار الكون، وكائناته، وسننه، وقوانينه، ونظمه، ووقائعه، فلا تعلل هذه الوقائع والكائنات تعليلات متعارضة، تعارضا يظهر بين مادة دراسية وأخرى.
بل يجب أن تبنى العلوم والموضوعات بعضها على بعض، وأن يأخذ بعضها بأطراف البعض الآخر.
فيكون بينها ترابط وتناسق يشمل موضوعات كل مادة على مدى العام الدراسي، فيعتمد منهج كل مرحلة على سابقه أو يرتبط به.
ويكون بينها تناسق وترابط بين كل سنة، والتي تليها والتي تسبقها فترتب مناهج كل سنة من المرحلة ذاتها ترتيبا متسقا متواصلا.
وفي السنة الواحدة يجب الربط ما أمكن، بين كل مادة وأخرى، كما يجب صبغ جميع المواد بصبغة إسلامية واحدة، وتوجيهها بحيث تحقق بمجموعها هدفا أسمى واحدا.
وكذلك في سائر السنوات والمراحل المختلفة من الحياة المدرسية والجامعية، أي يجب أن يصدر جميع هذه المناهج عن أصل واحد، وهو أن العالم كله ملك "لله"، وأن
стр. 154
جميع الناس فيه، عباد يحيون وفق مشيئة الله، وحسب شريعته، وعلى هذا تتحول جميع العلوم لتصبح عاملًا من عوامل تكوين النفس الإنسانية تكوينا ربانيا على طريقة التربية الإسلامية وأسسها، ولا حاجة حينئذ إلى تقسيم مواد المنهج إلى علوم دينية وعلوم دنيوية.
و أن يكون واقعيا أي ممكن التطبيق متناسبا مع إمكانيات البلاد التي تريد تطبيقه، ومع ظروفها ومتطلباتها.
ز- أن يكون مرنا في أسلوبه يمكن تكييفه مع مختلف الظروف، والبيئات والأحوال التي سيطبق فيها، ومع مختلف القابليات بحيث تراعى فيه الفروق الفردية.
وإنما حرصنا على ذكر هاتين الصفتين؛ لأن التربية الإسلامية إنما تتطلب منهجا لكل أبناء العالم الإسلامي الذي يحوي جميع المناخات الطبيعية، ومختلف الدرجات الاجتماعية من أعلى درجات الغنى إلى أبسط مظاهر الفقر والشظف.
ح- أن يكون فعالا، يعطي نتائج تربوية سلوكية، ويترك أثرا عاطفيا جياشا في نفوس الأجيال بما يمتاز به من أساليب تربوية بعيدة الأثر، ونشاطات إسلامية مثمرة عظيمة الأثر، سهلة المنال والتطبيق، معروضة عرضًا واضحًا.
ط- أن يكون كل جزء منه مناسبا للمرحلة التي يوضع لها من مراحل أعمار الناشئين كبناء التعليم الديني، والثقافي في مرحلة الطفولة على أساس يتناسب مع تطور الشعور الديني، والنمو اللغوي لهذه المرحلة، ومعالجة مشكلات الشباب في المرحلة الثانوية، وتربية الانتماء الاجتماعي إلى الأمة الإسلامية في المرحلة
المتوسطة، وهكذا يتمشى المنهج مع النمو اللغوي، كما اكتشفته الأبحاث النفسية، ونمو الاستعداد الديني والاستعداد الاجتماعي، فيختار لكل مرحلة ما يناسب الاستعداد، والنمو الذي بلغه الناشئ فيها، ويحتاج هذا الشرط إلى دراسات نفسية إسلامية لطبيعة الجيل المسلم، ولمراحل نموه، ولنمو استعداداته وقدراته.
ي- أن يعنى بالجوانب الإسلامية السلوكية العملية كالتربية على الجهاد، وعلى نشر الدعوة الإسلامية، وإقامة المجتمع المسلم في الجو المدرسي، بحيث يحقق جميع أركان الإسلام وشعائره، وأساليبه التربوية، وتعاليمه، وآدابه في حياة الطلاب الفردية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ورحلاتهم للدعوة إلى الله.
стр. 155
٤- أي أشكال المناهج يصلح للتربية الإسلامية؟
أ- لسائل أن يسأل بعد أن اتضحت أهم صفات المنهج التعليمي الإسلامي، وشروطه: ترى أي أشكال المناهج الأربعة أقرب إلى تحقيق أهداف التربية الإسلامية؟
وقبل الجواب عن هذا السؤال يجب أن أنبه إلى أن التربية الإسلامية ذات طبيعة خاصة، فهي لا تحتاج إلى ثوب يستعار لها لنقول للناشئ، مثلا، أنها هي "التربية في أحضان الطبيعة" التي نادى بها "روسو"، أو أن منهجها "هو المنهج المحوري" المبني على اهتمامات الناشئين، أو نحو ذلك مما يفعل مثله بعض الباحثين.
فالإسلام هو الإسلام وهو أسمى من أن ينتسب إلى أي مبدأ من المبادئ.
وكذلك التربية الإسلامية، هي الأسس والأساليب والأفكار، والعقائد التي تأثر بها المسلمون الأوائل، ونشئوا عليها فنمت عقولهم وعواطفهم، وتألفت قلوبهم ومجتماعتهم ونظمت حياتهم، وعلاقاتهم على العمل بها والتفكير بمقتضاها، والحماسة لها، والتوجه إليها في كل ظروفهم ومتطلباتهم، عملا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٤٥/ ١٨] ، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١٠٨] .
غير أن المسلمين، كما وجدوا أنفسهم أمام المدرسة الحديثة التي اجتذبت أبناءهم، وقد بينا رأي الإسلام والتربية الإسلامية فيها، كذلك أصبحوا مضطرين أن يبحثوا في المناهج التي تسير عليها هذه المدرسة ليأخذوا بخيرها ويستبعدوا شرها.
وليعرفوا طبيعتها بالنسبة إلى طبيعة التربية الإسلامية، ومدى صلاحها لها.
ب- الإسلام ومنهج المواد المنفصلة:
قد يظن الباحث الذي يأخذ التربية الإسلامية على أنها ظواهر نظم التعليم في حلقات المساجد، وتحت قباب المدارس التي أنشئت منذ تمزقت الخلافة الإسلامية.
قد يظن أن مناهج تلك الحلقات والمدارس، كانت منظمة على أساس تدريس
стр. 156
مواد منفصلة، فلكل علم حلقاته وعلماؤه، ولكل كتاب اختصاص في علم معين، والطالب الذي يريد دراسة عدة علوم كان عليه أن يرتاد عدة حلقات، قد يبدو هذا للوهلة الأولى.
ولو تعمقنا في فهم تلك الكتب، وما كان يدرس في تلك الحلقات لوجدنا أن أي علم من العلوم الإسلامية، في ذلك الوقت كان ذا صلة وثيقة بالعلوم الأخرى، والكتب الإسلامية التي كانت تدرس ما زالت شاهدا على ذلك.
فالتفسير مملوء بالإعرابات النحوية، والإعلانات الصرفية، وتفسير الجلالين فيه مئات من هذه الإعرابات والإعلالات، مع أنه من أصغر التفاسير حجمًا، وكتب النحو: جل شواهدها من القرآن والحديث، والشعر الجاهلي أو الإسلامي الأول، وشراحها يفسرون تلك الشواهد أو يعزونها إلى قائلها، فيبحثون جانبا من علم التفسير، ومن علم الحديث، ومن الأدب العربي.
وكتب الفقه والأصول لها اعتماد كبير على المفاهيم اللغوية، كالباء في آية التيمم: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ٦] ، والعطف الذي بعدها، وقد ألف ابن تيمية من أجل الحفاظ على العقيدة رسالة في البلاغة "في المجاز والحقيقة"، والتاريخ آخذ بأدلة من القرآن، وقل مثل هذا في جميع العلوم.
فانفصال المواد الدراسية، على إطلاقه، ليس من طبيعة الثقافة الإسلامية، ولا من شأن التربية الإسلامية، التي تأخذ بالإسلام كلا لا يتجزأ، وتعتبر كل العلوم التي انبثقت عنه ما تزال وظيفتها توضيح الشريعة الإسلامية، والحفاظ عليها، فلا بد من ربط كل هذه العلوم بهدف التربية الإسلامية، كما رأينا في الكلام عن شروط المنهج الإسلامي وصفاته.
ج- المنهج المترابط أم المحوري؟
إن هذين الشكلين لا تنافي بينهما، فكل منهج منهجي محوري يجب أن يكون كل مواده مترابطة فيما بينها، ومرتبطة بمحور معين.
وإذا كان "هدف التربية الإسلامية" هو المحور الذي يشد إليه كل موادها، وسائر المواد الأخرى، وإليه تتجه كل أهداف النمو اللغوي، والاجتماعي والفكري، وبه
стр. 157
يحصل التناسف والتكامل التربوي الرائع الذي كان عليه أصحاب رسول الله، ومن تبعهم بإحسان ووعي وبصيرة.
فإن ما ظهر للباحث المنصف أن التربية الإسلامية يمكن أن توصف بأنها تربية محورية، بهذا المعنى الذي شرحناه، على أن يكون "المحور الأساسي" هو "إخلاص العبودية لله"، وهذا المحور يمكن أن تدور عليه جميع المواد الدراسية، والعملية كما حصل في صدر الإسلام.
فتعلم القراءة والكتابة، واللغة وسائر علومها إنما يهيئ الناشئين لطاعة الله، وذلك بتفهم كلامه الذي أنزله لنعمل به، وكلام رسوله الذي أرسله ليطاع بإذنه، ومن هذا الأصل الأخير تنبع علوم الحديث والفقه.
والعلوم الكونية إنما ندرسها لنستفيد مما سخر الله لنا في البر والبحر، والجو من قوى ورياح ومياه، وزراعة ومعادن، ونشكر الله على ذلك ونسبحه مستشعرين عظمته، كما أمرنا كتابه.
والعلوم الاجتماعية تدلنا على سنن الله في الأمم والمجتمعات، وتربطنا بأمتنا الإسلامية، وتشعرنا بالولاء لله، ولدينه ولرسوله.
فإذا توارت كل الثقافات والعلوم على هذا الهدف العظيم، توحدت المجتمعات الإسلامية في مجتمع واحد، واستقامت نفس كل ناشئ مسلم، واتحدت نوازعها ومشاربها وتصوراتها، لصدورها عن أصل واحد، وخضوعها لهدف واحد: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٢٩] ، وتفيد الآية هنا أن التربية الوثنية الجاهلية، إذ تجعل نفس الناشئ نهبا بين الأهواء والنوازع المختلفة، ليست كالتربية الإسلامية الموحدة للنوازع، والأهداف والأفكار، حيث توجهها جميعا نحو عبادة الله وطاعته.
د- أما دور النشاط المنهجي، أو منهج النشاط في التربية الإسلامية، فقد بسطنا القول عن النشاط في البحث السابق، عندما تحدثنا عن النشاط المدرسي على أنه واسطة من وسائط التربية الإسلامية، بيد أن تجميع المعلومات لدراستها على مدى العام على شكل نشاطات، لا بد من ترابط أو تسلسل، أو استقطاب محوري، لئلا
стр. 158
تبقى الحياة المدرسية فوضى أو تابعة للمصادفات، ولكي نضمن للجيل الحد الأدنى من المعومات، والنوعية المطلوبة من التوجيهات لتحقيق أهداف التربية الإسلامية وغايتها الأساسية، ولكي نضمن، كذلك، صون فطرة الجيل من الانحرافات، وإبعاده عن مزالق المدرسة الغربية الحديثة، ومزالق نشاطها القائم اليوم على المباهاة، أو الاستهتار أو طلب المتعة لذاتها.
وهكذا نلاحظ أنه لو كان هناك منهج نشاط بكل معنى الكلمة، لاضطر أن ينضوي تحت لواء أحد أنواع المناهج السابقة، فإما "منهج نشاط مترابط"، وإما "منهج نشاط محوري" وهكذا، فيبقى دور النشاط متمما للمنهج ومحققا لأهدافه، ومع ذلك يجب النص عليه، كلما اقتضى الأمر، أو احتاج المنهج إلى ذلك.
فالتربية الإسلامية تتطلب منهجا محوريا، أو مترابطا مملوءًا بالنشاطات المحققة لأهداف التربية المنضوية تحت لواء الإسلام، المنضبطة بضوابطه، وقد عددنا أهمها في بحث النشاط المدرسي، على أن يكون هذا المنهج محققا في ترابطه، ونوعيته ومواده، شروط المنهج التربوي الإسلامي، كما بحثنا في هذا الفصل.
стр. 159
الفصل السادس: أساليب التربية الإسلامية
مدخل
...
الفصل السادس: أساليب التربية الإسلامية
تمهيد:
يمكن للباحث أن يهتدي إلى بعض ما اختطته العناية الإلهية في القرآن العظيم، والسنة النبوية من أساليب مؤثرة، بليغة، ربت النفوس، وارتقت بالهمم، حتى حدت ببضع عشرات من ألوف المؤمنين أن يفتحوا قلوب البشر المهدي الإلهي، وللحضارة الإسلامية، ومكنت لهم في الأرض: في سعتها وفي عمق الزمان، ما لم يتح لغيرهم من أمم الأرض أن يتمكنوا فيه.
ولعل أهم هذه الأساليب، أو أبرزها للباحث:
أولًا: أسلوب الحوار القرآني والنبوي.
ثانيا: التربية بالقصص القرآني والنبوي.
ثالثا: التربية بالأمثال القرآنية والنبوية.
رابعا: التربية بالقدوة.
خامسا: التربية بالممارسة والعمل.
سادسا: التربية بالعبرة والموعظة.
سابعا: التربية بالترغيب والترهيب.
وسنشرح في طيات هذه الفقرات إن شاء الله، كيف ربى الإسلام العواطف الربانية والعقل الإنساني، على التفكير المنطقي السليم، والسلوك البشري الرباني السديد المستقيم، فسعدت بذلك المجتمعات، وسعدت الدنيا بنور الحضارة الإسلامية، يوم قادت الأمة الإسلامية أمم الأرض إلى نور العلم، وسمو الخلق، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام؛ وتحرير الإنسان من ظلم الإنسان إلى عدالة الإسلام.
стр. 160
أولًا: التربية بالحوار القرآني والنبوي
مدخل
...
أولا: التربية بالحوار القرآني والنبوي
معنى الحوار وأثره التربوي وأنواعه:
الحوار: أن يتناول الحديث طرفان أو أكثر، عن طريق السؤال والجواب، بشرط وحدة الموضوع أو الهدف، فيتبادلان النقاش حول أمر معين، وقد يصلان إلى نتيجة، وقد لا يقنع أحدهما الآخر، ولكن السامع يأخذ العبرة ويكون لنفسه موقفًا، وللحوار أثر بالغ في نفس السامع أو القارئ، الذي يتتبع الموضوع بشغف واهتمام، وذلك لأسباب كثيرة أهمها:
١- عرض الموضوع عرضا حيويا، إذ يتناوله الخصمان بالأخذ والرد، مما لا يدع مجالا للملل، بل يدفع السامع أن القارئ إلى الاهتمام والتتبع، لما يتوقعه من جديد، أو من انتصار أحد الخصمين عى الآخر.
٢- إغراء القارئ والسامع بالمتابعة بقصد معرفة النتيجة، وهذا أيضا يبعد الملل ويجدد النشاط.
٣- إيقاظ العواطف والانفعالات مما يساعد على تربيتها، وتوجيهها نحو المثل الأعلى، كما يساعد على تأصل الفكرة في النفس وعمقها.
٤- عرض الموضوع عرضا واقعيا بشريا، تتبناه فئة مؤمنة، وتدافع عنه، أو تحكي لنا أثره في سلوكها وحياتها، مما يجعل لهذا الحوار نتائج سلوكية طيبة، وهذا من أهم أغراض التربية الحقة.
وقد تعددت أنواع الحوار، وأساليبه وأشكاله في القرآن، والسنة من أهم ما يسر الله لي بحثه:
أ- الحوار الخطابي أو التعبدي، وقد فصلت فيه ستة أشكال.
ب- الحوار الوصفي.
ج- الحوار القصصي.
د- الحوار الجدلي.
هـ- الحوار النبوي.
وقد بينت في كل حوار جوانبه التعليمية، وآثاره التربوية ليجني المربي فائدة كل حوار، في تنمية الناشئ من جميع جوانبه العاطفية الربانية، والعقلية الربانية، والسلوكية الربانية.
وليستفيد منه كأسلوب تعليمي في غير درس القرآن، فهو أسلوب عقلي عام يربي الفكر على تحري الحقائق كما سنرى.
стр. 161
١- الحوار الخطابي أو التعبدي:
أنزل الله القرآن ليكون هداية للبشرية، وبشرى للمتقين، وقد خاطب الله عباده المؤمنين في عشرات المواضع من كتابه مصدرًا خطابه بنداء التعريف بالإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وكلما قرأه مؤمن لهج قلبه بالجواب: "لبيك يا رب"، ولذلك اعتبرت هذا الأسلوب حوارا، وقد يجري العكس، فإذا خاطب المؤمن ربه داعيا إياه في بعض آيات القرآن، أجابه الحق ﷻ بما يناسب المقام، والأدلة على ذلك واضحة أشهرها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
سمعت النبي ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل".
فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ١/ ٢] قال الله تعالى: "حمدني عبدي".
وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١/ ٣] ، قال الله تعالى: "أثنى علي عبدي".
وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ [الفاتحة: ١/ ٤] ، قال: "مجدني عبدي"، وقال مرة: "فوض إلي عبدي".
فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ١/ ٥] ، قال: "هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل".
فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ١/ ٦-٧] قال: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل"١.
стр. 162
وما رواه أبو داود والبيهقي بسند صحيح ١:
كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿لَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٧٥/ ٤٠] ، قال: "سبحانك فلبى"، وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ٨٧/ ١] قال: "سبحان ربي الأعلى".
فهذان دليلان على الحوار التعبدي، أحدهما دليل على إجابة الرب لعبده، والآخر دليل على تلبية العبد لنداء ربه، أو سؤاله أثناء تلاوة القرآن، وقد حض رسول الله ﷺ أصحابه على مثل هذه التلبية عندما قرأ عليهم سورة الرحمن: روى الحاكم عن جابر قال: "قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: "مالي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردًّا، ما قرأت عليهم هذه الآية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ [الرحمن: ٥٥/ ١٣] ، وبعدها ٣١ موضعا بنفس السورة، إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد"٢.
كما كان ﷺ قدوتنا في الاستجابة لمعاني القرآن أثناء الصلاة قال حذيفة بن اليمان: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح "البقرة"، فقلت: يركع عند المئة ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعتين، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح "النساء" فقرأها، ثم افتتح "آل عمران" فقرأها، يقرأ مترسلًا: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ"٣.
فتسبيح رسول الله ﷺ ، وتعوذه، وسؤاله، مناجاة لله تعالى، أثناء تلاوة القرآن، فهو أشبه ما يكون بالحوار.
النتائج التربوية:
يربي القرآن في نفوس الناشئة بواسطة الحوار التعبدي، أو الخطابي أمورا هامة، على المدرسين والمربين وقراء القرآن، أن ينتبهوا إليها، ويراعوا مدى تأثر الناشئين بها، وعلمهم بمقتضاها منها:
стр. 163
*- التجاوب مع أسئلة القرآن والتفكير بمعناها، والجواب على ما يمكن الجواب عليه، أو استحضار الجواب في القلب.
*- التأثر العاطفي بمعاني القرآن، فقد بلغ التأثر برسول الله ﷺ مبلغًا عظيمًا، وذلك مرة عندما قرئ عليه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤/ ٤١] ، وقال القارئ "حسبك"، رواه أحمد والبخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ علي"، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "نعم أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت سورة النساء حتى أتيت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ [النساء: ٤/ ٤١] ، فقال: "حسبك الآن"، فإذا عيناه تذرفان١.
*- توجيه السلوك والعمل بمقتضى القرآن الكريم، وذلك نتيجة طبيعية للتأثر العاطفي والقناعة الفكرية، الناشئة عن أسلوب الحوار، فالذي يستجيب لسؤال ربه، أو وصفه للعذاب والجنة، أو لوعده أو لوعيده، حري بأن يستجيب بسلوكه.
*- إشعار الناشئ، والمسلم القارئ للقرآن بعزة الإيمان، ومكانته عند الله حتى خاطب عباده بوصفهم به.
أشكال الحوار الخطابي:
تعددت أشكال الخطاب الموجه من الله تعالى، ومقاصد الأسئلة القرآنية العامة، التي لم تكن موجهة إلا من الله، لجميع خلقه، أو لجميع المؤمنين، أو لجميع الناس، وأحيانا يوجه الخطاب للرسول ﷺ ، ويراد به التشريع لجميع المؤمنين، ويمكن تعداد أهم الأشكال لهذا الحوار الخطابي كما يلي:
*- الخطاب الموجه للذين آمنوا، أو المصدر بنداء التعريف بالإيمان؛ وفي هذا الخطاب يكون المنادى معرفا، فهو اسم موصول صلته جملة "آمنوا"، والقصد من هذا التعريف الإيماء للمخاطبين:
أن يعتزوا بإيمانهم؛ لأن الله ﷻ يرفع من شأنهم ويخصهم بهذا الوصف العظيم، ويناديهم به حتى أصبح، وكأنه علم عليهم.
стр. 164
وأن يحرصوا على هذا الإيمان ويستمسكوا به، فهو صفتهم المميزة أمام الناس وأمام الإنسانية، وما كان لهم أن يتراجعوا عنه.
وأن يشعروا بمسئولية التكليف فهو مبني على الإيمان، وما دامعوا قد أخذوا أنفسهم بالإيمان بالله، فقد أخذوا أنفسهم بالعمل بكل ما يأمرهم به الله.
والتكليف بالأوامر الإلهية في القرآن يأتي على أشكال:
*- فإما على شكل بيان حكم الله للعمل به: كحكم الخمر، وصفة الوضوء، والتيمم، وكل هذه التكاليف مصدرة بنداء عرف به المنادى بصفة الإيمان.
*- وإما على شكل نهي عن أمور حرمها الشرع، كالخمر والميسر، وقتل الصيد في الحرم، وعضل النساء، وقد صدرت هذه النواهي بهذا الخطاب الإيماني، للشعور بضرورة الابتعاد عن المحرمات.
وإما على شكل حض على أمور عظيمة لا يقدر عليها إلا المؤمنون، كالصبر، وتقوى الله، والتوبة إلى الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٢٤/ ٣١] والجهاد.
الحوار الخطابي التذكيري:
ويقوم على التفكير بنعم الله، أو تذكير بعض الطوائف بذنوب أجدادهم، وانحرافاتهم التي ما زالوا بتصفون بها، كتذكير بني إسرائيل: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢/ ٢١١] ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٢٠/ ٨٠] ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٢٢] ، والآيات في ذلك معروفة معظمها في سورة البقرة.
وأما التذكير بنعمة الإيمان، فكقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٠٢-١٠٣] ، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٩٣/ ٦-٨] .
стр. 165
ولهذا الحوار أثر نفسي عميق فهو يوقظ في النفس عاطفة العرفان بالجميل والشكر لله، وبالتالي يربي عاطفة الخضوع، والانقياد لأوامر الله تعالى، وإنما تربي العاطفة بتكرار إثارة انفعال معين نحو موضوع معين، فإذا قرأ الإنسان في عدد من الصلوات عددا من هذه الآيات، وخشع لها قلبه كل مرة، أصبح عنده استعداد للخشوع كلما تذكر هذا الأمر، إن الاستعداد هو العاطفة المطلوبة.
على أن العاطفة يجب أن تكون قوة دافعة تدفع صاحبها إلى التطبيق، والتضحية والسلوك المستقيم، فالتذكير بنعمة الغنى تدفع إلى البذل والسخاء في سبيل الله، والتذكير بنعمة الإيواء تدفع إلى رحمة الأيتام، ورعايتهم وهكذا.
والآيات القرآنية ذات الأسلوب الاستفهامي دالة على هذا، فكلما ورد سؤال يذكر نعمة من نعم الله، كان جوابه إما ملحوظا وإما صريحا، كما في سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ٩٣/ ٩-١١] .
الحوار الخطابي التنبيهي أو الإيضاحي:
من أوضح صور هذا الحوار، أن يرد سؤال من الحق ﷻ ، يليه جواب، فتكون غايته لفت الأنظار إلى أمر هام، ثم شرح هذا الأمر كقوله تعالى:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ٧٨/ ١-٣] .
﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٦٩/ ١-٤] .
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٨٨/ ١-٢] .
وقد اتخذ رسول الله ﷺ أسلوب القرآن في هذا اللون من الحوار، فقال فيما رواه أبو هريرة: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"، رواه مسلم١.
стр. 166
وهذا أسلوب رائع، يضاهي أسلوب الاستجواب في المدرسة الحديثة، ويزيد عليه: فالاستجواب المدرسي مقصور على أمور عادية علمية جافة، والحوار القرآني، أو النبوي يتحدى عقول السامعين، وأفكارهم بأمور جديدة أو غامضة، ثم يشرحها لهم ويوجههم إلى الأخذ بخيرها وترك شرها، فغايته وجدانية سلوكية: وجدانية بحيث يكره إلى السامع أو المخاطب الشر، ويجيب إليه الخير، ويثير عواطفه وانفعالاته في سبيل تحقيق سلوك طيب، والابتعاد عن سلوك شرير.
ولهذا الحوار التنبيهي أغراض كثيرة منها:
*- التنبيه إلى أمر عظيم كقيام الساعة.
*- التنبيه إلى قانون عام، أو سنة إلهية للبشر كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٢٢/ ٥] .
الحوار الخطابي العاطفي:
وهو خطاب أو استفهام يعتمد على إثارة عواطف إنسانية، أو انفعالات وجدانية، تترك أثرًا فعالا في الانقياد للسلوك الطيب والعمل الصالح، كالخوف والأمل، الرغبة والرهبة.
*- فالخشوع لله والشعور بعظمته كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٦٧/ ٣] ، وفي هذا تحد للإنسان، ليتأمل في عظمة خلق الله للسماوات والكواكب، وقد نوه الله تعالى ببعض الآثار النفسية لهذا التحدي، والتأمل بقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٦٧/ ٤] ، فالشعور بعظمة الله هنا يتجلى حين يرافقه شعور بضعف الإنسان، ويلازمه انقياد وطاعة، وخشوع لله.
*- والشعور بالندم إزاء المعاتبة، والتأنيب كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 167
مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٩/ ٣٨] .
وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٦١/ ٢-٣] .
*- والخوف من عذاب يوم القيامة، وأهواله واضح في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤/ ٤١] ، ثم يبين الله تعالى بعض الآثار النفسية لذلك الموقف بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤/ ٤٢] .
*- وإثارة عواطف الشكر لله والشعور بفضله ومنه، مبثوثة في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٥٦/ ٦٨-٦٩] .
وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٥٦/ ٧١-٧٢] ، وبعد كل استفهام دليل دامغ على عجز الإنسان، وعظمة الله وقدرته، فالماء الذي نشربه لا نملك أن نجعله حلوًا لو كان مالحا ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٥٦/ ٧٠] ، والنبات الذي نزرعه لا نملك ربه لو حبست عنه الأمطار، وغارت الآبار والأنهار، أو جاءته ريح سموم، فأصبح حطاما أو هشيما: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٥٦/ ٦٣-٦٧] ، فلا يملك القارئ المتدبر إلا أن يخشع قلبه لفضل الله، ويلهج لسانه بحمده وشكره.
تربية العواطف الربانية:
وتربية هذه العواطف أو غيرها يخضع، كما تدل الحياة، ونتائج أبحاث علم النفس، شروط أهمها:
*- أن تثور الانفعالات الوجدانية في مواقف من الحياة الفردية، أو الاجتماعية المناسبة وترافقها استجابات سلوكية مناسبة.
*- أن تتكرر هذه الانفعالات، وتتكرر معها الاستجابات السلوكية المناسبة،
стр. 168
كالصلاة والبكاء من خشية الله، وقراءة القرآن والدعاء، والتلذذ بمعاني القرآن وأساليبه.
*- أن يؤدي هذا التكرار إلى استعداد وجداني، يجعل صاحبه مستعدًّا للانفعال، كلما تكررت المناسبة، أو تكرر المعنى أو الموضوع الذي أثار الانفعال أول مرة، كاستعداد المؤمن للحماسة من أجل العقيدة، ولتحقيق أوامر الله والغضب لله، والدعوة إلى دينه.
*- والعاطفة الفعالة تؤدي بصاحبها إلى سلوك مناسب يرضيها ويحقق غايتها، فهي قوة دافعة ما تزال تدفع صاحبها حتى يسلك ذلك السلوك، فعاطفة الخشوع تدفع المؤمن إلى طاعة الله وتحقيق أوامره، وكذلك الشكر على النعم يدفع إلى الصدقة، أو حسن استعمال المال أو الجاه أو البصر، في طاعة الله وتحقيق شريعته، دواليك.
الحوار العاطفي الترديدي:
وهو الذي يتردد فيه سؤال معين، مثير لعواطف متشابهة، فيتكرر عددًا من المرات، بينها فواصل من الآيات المؤثرة، فيأخذ هذا السؤال كل مرة معنى يتناسب مع ما سبقه من الآيات بالإضافة إلى معناه الأصلي كتكرار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ١٣] ، وبعدها ٣١ موضعا بنفس السورة، وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٥٤/ ١٧] ، وأربع مواضع بعدها في نفس السورة، وقوله أيضا: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٥٤/ ١٦] وأربع مواضع بعدها أيضا من نفس السورة، وهذا التكرار يساعد على نشوء العاطفة الربانية، وتمكينها وترتيبها في النفس، ونموها، كما يساعد على استعدادها للثورة في عدد من المواقف المتنوعة، بحسب تنوع الآيات السابقة للسؤال المتكرر، فقد وردت آية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ١٣] ، في أول السورة بعد ذكر نعم الله في خلق الإنسان وتعليمه، وأن الله سخر له الشمس والقمر، والنجم والسماء، والميزان والأرض والنبات، فأثار هذا السؤال عواطف الشكر لله، ثم ورددت تارة أخرى بعد ذكر قدرة الله على الإنسان: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا
شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٥٥/ ٣٥-٣٦] ، فأثارت انفعال الخوف من الله، وربت عاطفة الخشوع لله.
стр. 169
كل ذلك إلى جانب تربية العبودية لله، وهو الهدف الأصلي المقصود بالدرجة الأولى من هذه الآية الكريمة، فالتصديق بآلاء الله ونعمه، وآيات قدرته ووحدانيته، يثمر في قلب المؤمن ثمرة عظيمة هي إخلاص الخضوع، والعبودية والانقياد لله وحده، وهذا من أهم نتائج "العاطفة الربانية"، وهي العاطفة السائدة تترعرع في التربية الإسلامية، فتتوجه سائر العواطف بتوجيهها، وتهذب الغرائز،
والنزعات الإنسانية بسيطرتها، فتستقيم الشخصية، وتقوى وتتضافر جميع الطاقات والاستعدادات، وتتجه إلى تحقيق هدف واحد.
الحوار الخطابي التعريضي:
وهو خطاب من الحق ﷻ إلى رسوله محمد ﷺ يتضمن تعريضا بالمشركين كوصف مساوئهم أو ضعفهم، أو الاستهزاء بباطلهم، أو تهديدهم بعذاب الله.
أ- فالتنويه ببعض ترهاتهم، واتهاماتهم الباطلة لرسول الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٥٢/ ٢٩] ، وفي هذا الشكل من أشكال الحوار الخطابي تسلية للنبي ﷺ ، وللمؤمنين، وتقوية لعزائم الدعاة إلى الله: كما في الشكل الذي يليه:
ب- والتهديد من الله تعالى، كقوله ﷻ : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين﴾ [القلم: ٦٨/ ٤٤-٤٥] .
ج- ووصف مساوئ بعض المشركين، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩٦/ ٩-١٠] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى، أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى، أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٥٣/ ٣٣-٣٨] .
الآثار التربوية:
يلاحظ أن للحوار الخطابي التعريضي آثارًا تربوية في النفس أهمها:
١- تسلية المؤمنين والدعاة إلى الله تعالى عما يلاقون من عنت، وإرهاب فيسبيل الله، وإشعارهم بأن النتيجة لهم، وأن الله معهم ضد أعمال أعداء الله.
٢- الإيحاء إلى قارئ القرآن بأن تحتقر صفات المشركين، وأعمالهم، وإيقاظ انفعالات الاشمئزاز من باطلهم وكفرهم، حتى تصبح هذه الانفعالات عاطفة متأصلة في نفس الناشئ عن طريق التكرار كما مر معنا.
والإيحاء كما يرى علماء النفس هو: إيصال القناعة بفكرة ما إلى ذهن السامع عن غير طريق التلقين المباشر، فقد يكون عن طريق القصة، أو التعريض، كما رأينا في الآيات السابقة، وهو أشد تأثيرًا في بعض الأحيان من التلقين المباشر.
стр. 170
٢- الحوار الوصفي، وآثاره التربوية:
تمهيد:
يرى الباحث في أشكال الحوار الخطابي في الصفحات الماضية، أن ذلك الحوار يبدو لأول وهلة من طرف واحد، وقد أوضحت أن الطرف الثاني إنما يستجيب بعواطفه، ووجدانه وانفعالاته وتفكيره، وهي استجابة لا تقل أثرا وأهمية عن ظهور الطرف الثاني، والتصريح به في نص القرآن أو الحديث، كما أنها استجابة واقعية إذ تعتبر التربية الإسلامية: أن كل ناشئ وقارئ للقرآن، أو متعبد
بقراءته، مخاطب فعلا بهذه الأنواع من الأسئلة والنداءات القرآنية، وأنه لا بد مستجيب بفكره أو عاطفته، ما دام حاضر القلب، والفكر أثناء تلاوة القرآن، أو القيام به في الصلاة، فذلك الحوار قائم بين الله وعباده.
أما هذا النوع الثاني، وما يليه من أنواع الحوار "أعني الوصفي والقصصي والجدلي"، فيبدو كاملا في النص القرآني، والحوار الوصفي، الذي صرح فيه بذكر المتحاورين، وقصد من الحوار إثبات وصف حي لحالة نفسية، أو واقعية لهؤلاء المتحاورين، بقصد الاقتداء بصالحهم، والابتعاد عن شريرهم، والتأثر بهذا الجو تأثرا وجدانيا ينمي العواطف الربانية، والسلوك الإنساني التعبدي الفاضل، والأمثلة على هذا الحوار وافرة في القرآن الكريم نذكر منها قوله تعالى في حوار أهل النار: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ، هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٠-٢٣] .
فالحوار هنا بين الحق ﷻ ، وبين ملائكته، والحديث عن الظالمين الذين
стр. 171
استحقوا عذاب جهنم، لقد استفاقوا من قبورهم، فأدركوا أن هذا اليوم هو يوم الدين، وجاء النداء الرباني لزبانية جهنم ليدلوا الظالمين إلى طريق النار، ثم استمر الحوار لبيان ضعفهم، والاستهزاء بهم بعد أن ينالوا حسابهم، في ذلك الموقف: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ، مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٤-٢٥] ، وعجزوا عن الجواب، فأخبرنا الله ﷻ عن حالهم: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٦] ، ثم دار الحوار بين قادة الظلم والباطل، وبين السوقة الذين استسلموا للباطل في الدنيا، فحشروا في العذاب جميعا:
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٧-٢٨] ، وتنصل قادة الظلم من المسئولية: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ، فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ، فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٩-٣٢] .
النتائج التربوية:
*- يعرض لنا الحوار الوصفي صورة حية لأحوال أهل النار، أو أهل الجنة النفسية فهو يستعين بالمخيلة والوصف الدقيق، على تربية العواطف الربانية، والتأثير في نفس القارئ أو السامع بهذه الآيات، ومما يزيد هذه الصورة تأثيرا أن الوصف جاء على ألسنتهم وباعترافهم، فهم يصفون ندمهم وآلامهم، وأي عاقل يسمح لنفسه أن يكون مكانهم؟
*- يعتمد الحوار الوصفي على الإيحاء، كما يعتمد عليه الحوار التعريضي، فالآيات هنا تحذرنا من هذا المصير، دون أن تقول لنا: "إياكم أن تقعوا فيما وقع فيه هؤلاء"، وهذا الإيحاء "كما رأينا" أشد تأثيرا من التلقين، ولكن يحسن مع ذلك استجواب الناشئين أثناء تدريس القرآن، عن رأيهم في هذا المصير الذي صار إليه هؤلاء الكفار، وعن سببه؟ ليتأكد المربي من أنهم يتابعون هذه الصورة بالتأمل والتفكير، وليختبر أحاسيسهم ومشاعرهم، ومدى استجابة عواطفهم وانفعالاتهم، فهو مطالب بتربية هذه الانفعالات، والعواطف كالخشوع والرغبة والرهبة، كما أنه مطالب بإفهامهم المعنى وتحسين تلاوتهم، سواء بسواء.
ولم يقتصر القرآن على وصف مشاعر أهل النار، بل وصف لنا بعض مشاعر أهل الجنة في حوار وصفي رائع، وسنعرض مثالا عنه دون تعليق تربوي؛ لأن ما مر ينطبق عليه وفيه كفاية.
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ، قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٥٠-٥٧] .
стр. 172
الحوارص القصصي
...
٣- الحوار القصصي:
وهو الذي يأتي في طيات قصة واضحة في شكلها وتسلسلها القصصي، وهذا الحوار لا يتعدى أن يكون جزءا من أسلوب القصة، أو عناصر في القرآن، أما أن يكون هناك قصة كلها حوار على غرار ما يسمونه اليوم بـ"المسرحية"، فهذا لم يرد في القرآن بهذا الشكل المسرحي، ولكن بعض القصص جاءت في بعض المواضع يغلب فيها الحوار على الإخبار، كقصة شعيب مع قومه في سورة هود، فالآيات العشر الأولى من هذه القصة كلها حوار، ثم ختم الله القصة بآيتين، بين فيها عاقبة قوم شعيب، وهاك القصة بأكلمها، من سورة هود:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ
стр. 173
وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ١١/ ٨٤-٩٥] .
التحليل التربوي:
انتشر هذا الحوار في كثير من القصص القرآن، والحوار القصصي ذو أثر فكري رائع بالإضافة إلى أثره الوجداني العاطفي، وذلك للأسباب التالية:
*- يعتمد تأثير الحوار القصصي على الإيحاء، شأنه في ذلك شأن الحوارين السابقين، فهو يوحي إلى القارئ بطريق غير مباشر أن يكره حجج الكافرين وأحوالهم، وخاصة عندما يرى مصيرهم في آخر القصة.
*- وهو كسابقيه، يربي العواطف الربانية في النفس، كالحب في الله، والرغبة في الدعوة إلى الله، والحماسة لأنبياء الله.
*- ويمتاز عن سابقيه، بأنه يعرض حجج الأنبياء عرضا فكريا ربانيا، وتدحض فيه حجج الظالمين الماديين، ويبين لنا منطقهم المتهافت.
فقوم شعيب لم يبقوا عليه حياته، إلا خوفا من "رهطه"، وشعيب ما كان ينصحهم إلا خوفا من الله ورغبة في إرضائه، فانظر ما أبعد الشقة بينهما؟!
*- ويمتاز بذكر نتيجة القصة، ومصير كل من الظالمين والمؤمنين، وتصويره تصويرا مرتبطا بالحوار وبمراحل القصة ارتباطا وثيقا، وذلك بعد ترقب وتلهف يشد القارئ والسامع إلى تتبع الحوار، وتأمل معانيه، فهو يربي الفكر والتصور الرباني لأمور الحياة، ولروابط الحياة الاجتماعية، مع مقارنة ذلك بتصورات الظالمين المترفين، القائمة على القوة أو المنفعة العاجلة، أو الجاه أو المصالح الشخصية.
ويجب ألا يخلو تعليم أي نص قرآني فيه حوار قصصي، من استجواب المتعلم عن رأيه في الحوار أو موقفه منه، ونحو ذلك بقصد تربية مشاعره، وعواطفه الربانية وتفكيره الديني عن الحياة والعلاقات الاجتماعية، والتصور الفكري عن الإنسان ومهمته في الكون.
стр. 174
د- الحوار الجدلي لإثبات الحجة:
وهو حوار يجري فيه نقاش، أو جدال غايته إثبات الحجة على المشركين للاعتراف بضرورة الإيمان بالله وتوحيده، والاعتراف باليوم الآخر، وبرسالة محمد ﷺ ، وببطلان آلهتهم، وصدق أقوال الرسول ﷺ ، كوصفه لما رأى، عندما عرج به إلى السموات العلى، كما في سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥٣/ ١-٥] إلى أن قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ٥٣/ ١٠-١٨] .
وفي هذا المقطع من السورة، يثبت الحق ﷻ الحجة على المشركين، وذلك أن رسوله يصدر في أخباره عن يقين وعن رؤية حقيقية، بادئة من البصر الذي لا يزيغ، واقرة في الفؤاد الذي لا يكذب، وما سبق لصاحبه أن كذب فيكم قط، مؤيدة من الله ﷻ ، بالآيات الكبرى التي أراه الله إياها.
أما الطرف الآخر من الحوار، والذي ينتظر أن يكون رد المشركين، فقد جاء بأسلوب الاستفهام منكرا عليهم معبوداتهم، وكأنه يقارن بين الحقائق الدامغة التي جاء بها رسول الله من أخبار السماء ليلة المعراج، وبين معبوداتهم السخيفة التي يرونها أو يرون فيها القدرة، والجدارة بالعبادة في زعمهم، وكأنه يقول لهم: أرأيتم هذه الأصنام هل هي أحق بأن تصدق عليها الألوهية من أن تصدقوا محمدا، وهو الذي لم يكذب فيكم قط، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٥٣/ ١٩-٢٠] ، ثم يعيرهم الحق ﷻ في نسبة البنات "الملائكة" إلى الله مع أنهم يكرهون أن تكون لهم البنات، ويتمنون البنين.
стр. 175
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٥٣/ ٢١-٢٣] .
وفي هذا ما فيه من تناقض المشركين، إذ ينسبون إلى خالقهم المنعم المتفضل عليهم، ما يكرهونه لأنفسهم.
ثم يبين الله لهم معيارهم في التفكير، ومبلغهم من العلم، وأنه ميعار خاطئ فارغ لا يغني ولا ينتج شيئا، إنه معيار الظن والهوى.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٥٣/ ٢٣] ، فكيف انصرفوا عما جاءهم من ربهم من الهدى؟ وما ظنهم بالمستقبل في الدنيا والآخرة؟ إن هي إلا آمالهم الكاذبة، وما من إنسان يكون له كل ما يتمنى في الحياة وبعد الممات، لذلك يسأل الله سبحانه، ويستمر أسلوب الحوار الاستفهامي الجدلي التهكمي في قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: ٥٣/ ٢٤-٢٥] .
نتائج تربوية:
يشترك الحوار الجدلي مع سابقيه بأمور تربوية، ويمتاز بأمور أخرى أهمها:
*- يربي الحوار الجدلي الحماسة للحق، وتحري الصواب والرغبة في الحجة الدامغة، وهذا من العواطف الربانية التي يجب الحرص عليها على تنميتها عند الناشئين.
*- كما يربي، عن طريق الإيحاء، كراهية الباطل والأفكار الشركية والإلحادية، وتفاهة هذه الأفكار وبطلانها.
*- كذلك يربي العقل على التفكير السليم، والوصول إلى الحقائق بأسلوب صحيح
أ- كالحصر أو ما يسمونه بـ" الثالث المرفوع"، فإذا كان هناك قضية لها ثلاثة حلول لا رابع لها، وأسقطنا حلين، تعين أن يكون الثالث هو الصواب الذي نرفعه ونقيم له وزنا، كقوله تعالى في تقرير خلق الإنسان: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٥٢/ ٣٥] ، فإذا كان مما يستحيل عقلا أن يخلقوا من غير خالق كما يستحيل واقعا، وعقلا أن يخلقوا أنفسهم، إذن لا بد لهم من خالق، ويسري هذا المبدأ
стр. 176
على السماوات والأرض، وخزائن رزق الله: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٥٢/ ٣٦-٣٧] ، وهذه الأمور العظام، والمخلوقات الجسام لا يمكن أن توجد وحدها، ولا يستطيع البشر أن يدعي أنه خلقها، فلا بد من الاعتراف بأن الله خلقها.
ب- وكالقياس الصحيح كقوله تعالى باسطًا رأي المنكرين للبعث: ﴿كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤٩] ، فيأمر الله رسول الله ﷺ بجوارهم، وإقناعهم بالحجة والمنطق: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٥٠-٥١] .
وفي هذا قياس للبعث على الخلق الأول، فالله كما فطرهم أول مرة، قادر على أن يعيد خلقهم مرة أخرى، ولو كانوا من حجارة أو حديد، أو أي مادة أخرى، إنه مبدأ عقلي منطقي لا شك فيه ولا مراء، ولا يستطيع إنكاره عاقل.
ج- وأهم مزاياه أنه يربي العقل على التفكير الموضوعي الواقعي، والارتقاء بالحجج من المشهود المحسوس إلى المطلوب المغيب، فقصة إبراهيم مع النمرود جاء فيها الحوار الآتي:
بدأت القصة بلفت نظر القارئ، على طريقة الحوار الخطابي، إلى أهميتها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] .
وبهذا الإيجاز بين الله لنا بطلي القصة: إبراهيم المؤمن بربه، ورجل غره أن أتاه الله ملكا، فأراد أن يزعم لنفسه بعض صفات الألوهية، لكن إبراهيم ضرب له أمثلة محسوسة يراها كل إنسان ولا ينكرها عاقل: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] ، فكابر الملك الظالم، وزعم أنه يقتل من يشاء ويذر لمن يشاء حياته، ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] وشعر إبراهيم أن خصمه يزيغ ويحيد عن موضوع النقاش الحقيقي، إلى مواقف متشابهة، فحاصره في أمر لا يستطيع أن يحيد عنه، إلا لا شبيه له عالم الإنسان: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٨] . ومن أروع الأمثلة على هذه المزية: حوار إبراهيم مع قومه حين حطم الأصنام إلا صنمًا كبيرًا نسب إليه تحطيم الأصنام، وطالب قومه بأن يسألوا الأصنام، ليثبت لهم بشكل حسي، أن ما يعبدون من دون الله لا يستطيعون شيئا، ولا يستحقون التقديس والعبادة.
стр. 177
٥- الحوار النبوي:
لقد اقتبس رسول الله ﷺ ، من كل ما مر من أنواع الحوار القرآني وأشكاله، وكل ما هو مثبت في القرآن العظيم من أساليب التربية والتعليم، ولا غرو فقد كان خلقه القرآن، وكانت حياته التربوية والتعليمية ترجمة حية بشرية، لآيات الله ومراده ووحيه.
*- الحوار طريقة تربوية نبوية:
كان رسول الله ﷺ حريصا على تعليم الصحابة بطريق الحوار، وكانت رغبته أشد في أن يكون الصحابة هم البادئون بالسؤال، فقد روى البخاري ومسلم "واللفظ له" عن أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يوما بارزًا للناس، وفي رواية، قال رسول الله ﷺ : "سلوني"، فهابوه أن يسألوه فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان"، قال: صدقت، ثم سأله عن الإيمان والإحسان وموعد قيام الساعة، قال أبو هريرة: ثم قال الرجل فقال رسول الله ﷺ : "ردوه علي" فالتمس فلم يجدوه، فقال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا" ١ وفي لفظ للبخاري: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم" ٢.
ويؤخذ من هذه الأحاديث أمور تربوية أهمها:
أ- مشروعية ترغيب المعلمين في أن يكونوا هم السائلين، ليكون التعليم مبنيا على رغبتهم، وليكون أشد وقعا في نفوسهم.
стр. 178
ب- إجراء حوار أمام المتعلمين، ليتابعوا الحوار ويتعلموا منه أمر دينهم، وهذه الطريقة كانت مقصودة من قبل الشارع، بدليل لفظ البخاري: $"هذا جبريل جاء يعلم الناس أمر دينهم"، وكانت هذه الطريقة تروق بعض الصحابة ﵃، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: "كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد: أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق"، الحديث"١.
وحديث جبريل جاء مخصصًا لعموم الآية: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٠١] ، ولعموم حديث: "نهينا عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال"، ولعل الصحابة كانوا يتهيبون السؤال بعموم الآية والحديث، فجاء حديث جبريل مبيحا السؤال بقصد الاستفادة، والتعليم وخاصة لأمور الدين وأسسه وعقائده.
فثبت من هذا كله أن أسلوب الحوار من أساليب التربية الإسلامية، لذلك أرسل الله جبريل يسأل الرسول ويصدقه، والصحابة يسمعون بكل لهفة وشوق، ليقتدي المعلمون والمربون بهذا الأسلوب في حياتهم التعليمية والتربوية.
*- الحوار النبوي العاطفي:
كان رسول الله ﷺ أقدر الناس على تربية العواطف الربانية، والاعتماد عليها عند الضرورة.
آمن من الأنصار وفيه الرجل والمرأة، والشاب والكهل، والطاعن في السن، فربى نفوسهم على الحب في الله والحماية لدين الله، والبغض لأعداء الله، وكراهية العودة إلى الكفر والجاهلية، فلما وزع الرسول ﷺ بعض الغنائم في قريش وجدوا وعتبوا, كما ورد عن أبي سعيد الخدري قال٢: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا "أي من غنائم هوازن وسباياها" في قريش، ولم يكن في الأنصار
стр. 179
منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فأمر سعد بن عباة فجمعهم، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: $"يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأعطاكم الله؟ وأعداء فألف بين قلوبكم؟ ".
قالوا: بلى والله ورسوله أمن وأفضل.
ثم قال: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ " قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل.
قال رسول الله ﷺ : "أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم، في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، وركلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة، والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحابكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: "رضينا برسول الله قسما وحظا".
هذه التربية النبوية العظيمة، وهذا الحوار النبوي العاطفي يدلنا من الناحية التربوية على أمور أهمها:
أ- أن الاعتماد على العواطف الربانية في المواقف الخطيرة، يجب أن يسبقه تربية صحيحة وعميقة لهذه العواطف، وكان رسول الله كما قلنا قد ربى هذه العواطف في نفوس الأنصار، حتى أصبح الله ورسوله أحب إليهم من المال، والولد والناس أجمعين.
ب- استخدام رسول الله ﷺ أسلوب القرآن الاستفهامي، لإثارة العواطف: وكأنه اقتبس من سورة الضحى ذلك القبس الإلهي حين قال لهم: "ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأعطاكم الله، وأعداء فألف بين قوبكم؟ ".
стр. 180
ج- وراعى رسول الله ﷺ أنهم بشر وليسوا ملائكة، وأرادهم أن يدافعوا عن أنفسهم بشيء من القول، فلما استحيوا منه، دافع عنهم بالنيابة عن أنفسهم، لئلا يترك في نفوسهم شيئا من الواجد، فقال: $"أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك.."، وهكذا نجد أن على المربي في المواقف الحرجة، ألا يصدر حكمه قبل أن يسمع من الذين يربيهم، أو يريد أن يحاكمهم، في هفوة ارتكبوها.
*- الحوار النبوي الإقناعي:
كان رسول الله ﷺ يحاور في سبيل الإقناع وإقامة الحجة، فقد أراد شخص أن يدخل في الإسلام، فاستأذن رسول الله أن يبيح له الزنا، فقال له الرسول ﷺ ما معناه١:
"ألك أم؟ " قال: نعم، "ألك أخت؟ " قال: نعم، ثم قال: "أتريد أن يزنى بأمك؟ " قال: لا"، وهنا أقلع الرجل وتاب عن هذا الخلق الدنيء، وتم إقناعه بترك الزنى عن طريق هذا الحوار النبوي، الذي يتضمن قياس معاملة الغير على معاملة النفس، وأن يترك الإنسان أذى الآخرين، ما دام لا يريد أن يؤذيه الآخرون.
وكذلك محاورته مع عدي بن حاتم:
قال الإمام الرازي في تفسيره٢: نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانيا، فانتهى إلى رسول الله ﷺ ، وهو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١] ، قال، فقلت: لسنا نعبدهم، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ " قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".
وروى الإمام أحمد والترمذي، وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم.. فذكر خبر فراره إلى الشام، وأسر أخته وإسلامها وترغيبها إياه بالإسلام، وقدومه إلى المدينة، وسماعه سورة "براءة" من رسول الله ﷺ ، واعتراضه على آية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ