طرق الأداء فيها، وأما الكتاب الثاني لنفس المؤلف فهو فيما أعتقد خير ما كتب عن أبي العلاء؛ وذلك لأنه لا يقف عند التفاصيل والأقسام المدرسية التي تفسد وحدة أبي العلاء، بل يتناوله كتجربة بشرية، يقصها بأسلوب جميل ووسائل روائية تغرينا بالقراءة، ولكننا هنا نقع على خطر آخر؛ وذلك لأن المؤلف لم يكد يخلص من طغيان النظرة التعليمية التي ظهرت في أوائل حياته، حتى ضرب في آفاق الثقافة الأوربية، يحاول في إيمان أن يدخلها في مجرى تفكيرنا، وهذا اتجاه نافع نحن في أشد الحاجة إليه، ولكن على أن نستخدمه في حذر، ولا نسرف في الركون إليه، وأوضح ما يظهر هذا الإسراف في مقارنات المؤلف، ومن هنا لا بد من الوقوف عند هذه الناحية لما لها من عظيم التأثير في توجيه أدبنا الحديث، ولما لهذا المنهج من خطورة.
وأول ما نلاحظ هو عدم التفرقة بين البحث عن المؤثرات وبين إقامة المقارنات، فهو عندما يعرض للمقارنة بين الشاعر اللاتيني لوكريس وأبي العلاء، ينكر طبعا أن يكون أبو العلاء قد عرف لوكريس أو سمع به، ولكنه يعود فيقرر أن لوكريس لم يكن إلا تلميذا لأبيقور، ويقرر أن العرب قد عرفوا فلسفة أبيقور، وإذن من المعقول أن يكون هناك تشابه بين لوكريس وأبي العلاء وهو يتلمس هذا الشبه في مسائل جزئية وأفكار، في أدب أبي العلاء ما يؤيدها وفيه ما ينقاضها؛ لما هو معروف من أن أبا العلاء لم يثبت قط على رأي، ونحن لم نعرف كيف تأثر أبو العلاء بالفلسفة الأبيقورية، ونحن نعجب من مقارنة لوكريس بأبي العلاء؛ لما هو معروف من أن للوكريس فلسفة ثابتة مستقرة متماسكة الأجزاء، فلسفة تقريرية في كل مشكلة عرض لها، بينما أبو العلاء رجل ابتلاه الله بمحنة بلبلت أفكاره فلم يؤمن بغير "النعمى والبؤس" وما عدا ذلك فكل شعره ونثره من وحي الساعة ووفقا لحالته النفسية التي لم يترك لها الألم اطرادًا، فالمقارنة بينهما لا يمكن أن نتعقد، بل إن ما أورده المؤلف من اتفاق على بعض الجزئيات يخيل إلينا إنه غير ثابت. ولنضرب مثلا بالعلة الغائية "ص٢٣٢ وما بعدها" فالمؤلف يقول عن لوكريس: إنه ينكر العلة الغائية؛ إذ إن الأعضاء -كما يقول لوكريس- "قد أوجدت غايتها ولم توجد هي لتحقيق هذه الغايات"، ومع ذلك نجد في الكتاب السادس من "طبائع الأشياء" للوكريس في الأبيات "١٠٢٣ وما بعده" ما ترجمته: "عند كل كائن إحساس بما يستطيع أن يستخدم فيه ملكاته، فالعجل الصغير حتى قبل أن تبرز قرونه بجبهته إذا استثير يحاول استخدامها فيهدد خصمه ويطارده وقد حنى رأسه، وكذلك صغار الفهود والأسود تدافع عن نفسها بمخالبها وأنيابها قبل أن تنمو لها مخالب وأنياب،
стр. 107
وأما الطيور بكل أنواعها فتراها تركن إلى ريش أجنحتها طالبة إليها عونا لم تقوَ عليه بعد".
ونحن لا نناقش نظرية أبيقور على العموم، ولكن أليس من الواضح أن عبارات لوكريس هذه تدل على وجود العلة الغائية، وعلى أن تلك العلة هي سبب خلق الأعضاء لا العكس؟ والمؤلف يستدل على إنكار أبي العلاء للعلة الغائية بقوله في الفصول والغايات: "يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقديمه ويسمع الأصوات بيده وتكون بنانه مجاري دمعه، ويجد الطعم بأذنه ويشم الروائح بمنكبه ويمشي إلى الغرض على هامته".
ولست أرى هنا دخلا للعلة الغائية التي تربط بين العضو ووظيفته، وإنما هنا حديث عن قدرة الله الذي كان يستطيع لو أراد سبحانه أن يجعل من أبي العلاء مبصرا. وفي القرآن ما يمكن أن يوحى بمثله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ... ﴾ ... إلخ. فما العلاقة هنا بين أبي العلاء وفلسفة أبيقور أو لوكريس؟ وهل هناك نفع من وراء هذه المقارنة أو داع إليها أو حقيقة لها؟ والمؤلف يبني على ذلك نتائج كثيرة تدل على مهارة في التفكير والعرض، ولكني أخشى ألا تلاقي حقيقة أبي العلاء النفسية، كما لا تلاقي حقيقة فلسفة لوكريس أو روحه.
وهناك بعد اتجاه عند نقادنا طالما حير اللب، فهم دائما يحاولون البحث عن أوجه شبه في مقارناتهم، وهذا اتجاه خاطئ، فالنفوس لا يمكن أن تتشابه، بل إن نفس الفكرة يعبر عنها أديبان فتكتسب من لون نفسيهما ومن الروابط بعوالم الحس والنفس الأخرى ما يجعلها أصيلة عند كل أديب منهما، على نحو ما تتكون أحاديثنا المختلفة من نفس ألفاظ اللغة الشائعة بيننا، بل على نحو ما تتكون تلك ذاتها من الحروف الهجائية المحصورة العدد، ومع ذلك تتنوع أفكارنا إلى غير حد كما تتنوع ألفاظ اللغة رغم انحصار وحداتها المكونة.
وهناك عدة أبحاث حول أبي العلاء صادرة عن نفس هذا الاتجاه، منها مقارنة حامد الصواف في كتابه عن عمر الخيام بين عمر وأبي العلاء، ومقارنة قسطاكي حمصي في كتابه "منهل الوراد في علم الانتقاد" بين دانتي وأبي العلاء، ومقارنة الأستاذ على أدهم في مجلة "الهلال" بين أبي العلاء وشوبنهور.
وكل تلك الأبحاث على اختلافها في الإصابة بعيدة فيما أحسب عن الحقيقة النفسية الثابتة وعن تمايز النفوس تمايزا لا يمكن أن ينال منه -بخاصة في النفوس الأصيلة- أي وحدة في الجنس أو الزمان أو المكان أو الثقافة، أو غير ذلك مما زعمه "تين" وغير "تين" من النقاد الشكليين، الذين فهموا كل شيء غير أصالة النفوس، واختلاف طرق انفعالها بما يحيطها من ناس وأشياء، بل بما يدور في حناياها من حس أو شعور أو فكر.
стр. 108
أبو العلاء ورسالة الغفران:
رسالة الغفران مجموعة من أصداء محنة أبي العلاء؛ بحيث لا يمكن فهمها ما لم ننفذ إلى معنى تلك التجربة البشرية التي عاشها أبو العلاء، وأن ندرك نتائجها الخطيرة في إحساسه وتفكيره، وفهم تلك التجربة على وجهها الصحيح وهو أهم عمل للناقد؛ وذلك لأن التفسير والبحث عن العوامل التي أثرت في حياة الكاتب أو الشاعر لا يمكن أن ينتهي إلى شيء نهائي، فقد يبصرنا العلماء بما في حياة أبي العلاء من مؤثرات، ومع ذلك يظل دائما شيء لا يمكن تفسيره، هو أصالة الأديب التي تتلخص في كيفية انفعاله بتلك المؤثرات، وهذا هو السبب في أن نرى ناقدا كالدكتور طه حسين يعرض لما كان من تفاوت أثر المحنة عند أبي العلاء وبشار، فلا يجد تعليلا غير ما يسميه "غريزة أبي العلاء الوحشية"، ومن الواضح أن هذا التفسير لا يغني لما فيه من دور؛ إذ ما نريد أن نفهمه هو سبب تلك الوحشية التي تميز بها.
وإذن فمحاولة الفهم خير من محاولة التفسير، وعلى أساس هذا الفهم يستقيم النقد أو يعوج، والذي لا شك فيه أن الكثير من النقد الوصفي لم ينجح في أداء رسالته لعجز أصحابه عن كل فهم صحيح لنفوس من ينقدون، بله روح العصر أو الأدب الذي يعرضون له. فالمرء لا يستطيع أن يتذوق الأدب اليوناني مثلا ما لم يبدأ فيخلق لنفسه روحا يونانية قديمة بقراءة ما خلفوا من آثار أدبية وتاريخية، حتى يتشبع بروحهم، فتتداعى خواطره وإحساساته على نحو ما كانت تتداعى عندهم.
والأمر كذلك في أدبنا العربي القديم، فالناقد ذو الخيال القادر على تصور حياة العرب والإحساس بها قدرة الممثل الجيد على أن يحيا الدور الذي يلعب يستطيع أن يدرك ما في بكاء الديار عند هؤلاء القوم الرحل من جمال وصدق لا أعرف لهما مثيلا في أدبنا، ومع ذلك كم نرى من أحمق يسخر من هذا البكاء، بل كم من ناقد لا يرى فيه إلا مجرد تمهيد لأغراض الشعر عند العرب، وهذا نظر فقير لحقائق العربي النفسية، أو قل قصور عن فهم تجارب الغير.
стр. 109
والواقع أن النقد ليس بالمهمة الهينة، ولا هو في مقدور كل إنسان؛ إذ لا بد لمن يريد أن يحاوله أن يكون غنيا بتجارب الحياة غنى يذهب بما في النفس من جمود، بحيث تستطيع أن تخرج من محيطها لتعيش بالخيال في محيط جديد، وهذا يحتاج إلى مرونة نفسية لا تكتسب إلا بإحدى أمرين: إما بالتجارب المباشرة، وإما بالمران الطويل على فهم تجارب الغير كما يقصها الأدباء.
ولقد ضرب النقاد عندنا في فهم روح أبي العلاء كل مضرب. وفي الجزء الثالث من رسالة الغفران طبعة الأستاذ كامل الكيلاني آراء عديدة لكثير من كبار مفكرينا وأدبائنا، ولكنهم في الغالب لم يخضعوا أنفسهم لمنطوق أدبه، بل أتاه كل منهم بفكرة سابقة في مسألة من المسائل التي يثيرها، وهذا موضع الداء عندنا وأكبر دليل على أننا لا نزال بعيدين عن النضج الأدبي المنشود، الذي يخضع للفن وينتزع منه مدلوله بدلا من أن يملي عليه رأيا كونته لنا من قبل ثقافتنا الإسلامية أو مطالعتنا في كتب الأوربيين.
فبين يدي الآن رأي للأستاذ عبد الوهاب النجار، يقرر فيه أن أبا العلاء "كان متين الدين قوي اليقين، وأنه كان شديد الوطأة على منتحلي التقوى المتظاهرين بالدين والتصوف"، وأنه "لم يقصد بالدين هزؤا ولا سخرية، وإنما هو شيء جر إليه الخيال الشعري وأملاه حب الإغراب في التصوير". ومن الواضح أن رحمة الله واسعة وأن أبا العلاء في غير حاجة إلى هذا الدفاع قدر حاجتنا نحن إلى فهم محنة ذلك الرجل ومشاركته إياها لنثري ونفيد، وكذلك الأمر في رأي ذلك المفكر الروحي الأستاذ فريد وجدي، فهو يصدر فيه عن فكرة سابقة عن حقيقة الإيمان يحاول أن يطبقها على أبي العلاء دون أن يبصرنا بكيفية استقرائه لها من أدبه، فهي كالقالب يريد أن يصب فيه إيمان أبي العلاء أراد أبو العلاء أو لم يرد، وذلك حيث يقول: "إذا كان التدين هو الخضوع لصورة ذهنية تنتحل صفات علوية منتزعة من الصفات البشرية، والتأمل في الرذائل خوفا من عقاب، والتحلي بالفضائل طمعا في ثواب، والتقليد في العبادات والمعاملات، وإهمال أحكام العقل والنظر، والجمود على حالة نفسية لا تتغير، والاستعصاء على ناموس الترقي، قلنا: إذا كان التدين هو تقمص هذه الروح فإن أبا العلاء لم يكن متدينا، ولكن إذا كان التدين -على ما نفهمه اليوم من معنى الإسلام- هو محو كل صورة ذهنية وتعريض صفحتي العقل والقلب للوجود المطلق رجاء أن ترتسم عليها الحقيقة تحميها الشكوك من عبث الخيالات، والثورة على كل تقليد يناقض بداهة
стр. 110
العقل، وعلى كل نظام لا يوافق سنن الطبيعة، واستشعار الروعة من المجهول الضخم الذي يحيط بنا من كل مكان، والترفع عن الدنايا؛ لأنها لا تتفق وكرامة الإنسان، وإحالة الحاجات البدنية إلى أدنى حدودها، قلنا: إذا كان التدين هو هذا، فإن أبا العلاء كان من أعمق الناس تدينا. وهذا كلام جميل، ولكنه لا يتفق مع روح الإسلام ولا مع روح أي دين آخر؛ لأن الدي تصديق وشعائر، كما هو حالة نفسية ومبادئ أخلاقية، وهو لا يتفق مع نفسية أبا العلاء، وإنما هو فهم خاص للأستاذ وجدي يريد أن يمليه على أبي العلاء.
والأمر أغرب في الخصومة التي نشبت بين الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد. والعقاد يبدأ فيؤكد -فيما يعلم- أن فكرة أبي العلاء في هذه الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبقه إليها أحد غير لوسيان في محاوراته في الأولمب والهاوية. وهذا قول عجيب يدخل في سلسلة تأكيدات الأستاذ العقاد التي لا حصر لها في كل ما كتب، والتي كثيرا ما تدهشنا لجرأتها. ففكرة الرحلة إلى العالم الآخر قديمة قدم الإنسانية، عرفها اليونان قبل لوسيان، وعرفها العرب قبل أبي العلاء. والكل يعلم ما في أساطير اليونان من وصف لنزول أورفيوس إلى العالم الآخر ليسترد منه زوجته أوريديس، والكل يعلم وصف هوميروس رحلة أوليس، ووصف فرجيلوس شاعر الإنيادة لرحلة إنيوس بذلك العالم، كما نعلم جميعا أشعار المتصوفة في أحلام يقظتهم ونومهم ومن تلك الرحلات الرائع الجميل، كوصف الحارث بن أسد المحاسبي في "التوهم" الذي نشره المستشرق الدكتور أربري، وصدر له الأستاذ أحمد أمين بك، وفي عصر مقارب لعصر أبي العلاء كتب ابن شهيد رسالة "التوابع والزوابع" المنشورة بكتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" "ج١ ص٢١٠" وهي شديدة الشبه برسالة الغفران، ومع ذلك يؤكد العقاد أن فكرة رسالة الغفران لم يسبق أبا العلاء إليها غير لوسيان "؟ " وهو يخلص من ذلك إلى الحكم على الرسالة بأنها "نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شائق، وفن طريف، وفكرة لبقة، وفذلكة جامعة لأشتات من نكات النحو واللغة، وأما أن ينظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحي الشعري على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التي يفتن في تمثيلها الشعراء، والقصص التي يخترعونها اختراعا، أو ينظر إليها كأنها عمل من أعمال توليد الصور والباس المعاني المجردة لباس المدركات المحسوسة، فليس ذلك حقا". وهذا كلام غريب يستند إلى مسلمات لا يعلم من سلم بها. وما نعلم أن الأرض قد أنجبت كُتَّابا يخترعون القصص اختراعا، كما لا نظن
стр. 111
أن أبا العلاء لم يتصور مواقف وأوضاعا حسية عديدة تحمل ما بنفسه من سخرية، ورد الدكتور طه يجادل العقاد في قدرة الخيال أهي خالقة أو معيدة؟ وما كانا أغنانا عن هذه الخصومة بأن نتناول النص نبين ما فيه دون الرجوع إلى "فلسفة علم النفس".
وكذلك الأمر في مشكلتي "تشاؤم أبي العلاء" و"سخرية أبي العلاء".
ففي "مطالعات" الأستاذ العقاد عدة مقالات عن المعري، ولكن موضع الداء هو دائما ما ذكرت من إقحام كتابنا لآراء كونوها من مطالعاتهم في الكتب الأوربية على أدبنا إقحاما، بدلا من الخضوع لذلك الأدب والصبر على فهمه واستخلاص ما به في تواضع وإخلاص، فالعقاد يبدأ بتقرير تشاؤم أبي العلاء "ص٧٠ وما بعدها" مع أن التشاؤم هو ما نريد أن نعلم لونه ونتائجه. ونحن بعد نعلم أن التشاؤم مصدره اتساع الشقة بين الأمل والواقع أي بين قدرتنا وبين ما نبغي، ولكننا نعلم أن نتائجه تتفاوت في النفوس، فهي عند رجل كأبي العلاء قد تبلغ حد اليأس واليأس قد يريح بعض النفوس، كما قد يحطم أخرى، واليأس قد يصرف إلى نوع من السخرية أشبه ما تكون بحساسية العقل. وهنا نلمس الاتجاه الصحيح نحو فهم محنة أبي العلاء ككل، وهو ما كنا نبغيه من نقادنا، ولكنهم لم يفعلوا مكتفين بتعميمات لا غناء فيها.
وكذلك أمر السخرية، فقد تحدث عنها العقاد، كما ذكر الدكتور طه حسين أنه أول من لفت الأنظار إليها في رسالة الغفران، ولكننا لا نخرج من حديثهما بفهم واضح لتلك السخرية أو تمييز لها عما يشابهها من اتجاهات النفس، وعلة ذلك فيما أحسب هي افتقارنا إلى المفارقات الدقيقة، ولنوضح قليلا ما نقصد إليه في التشاؤم وفي السخرية.
فالتشاؤم قد يكون تشاؤما عقليا وليدا لنظرة فلسفية للوجود وما فيه من قوانين كتشاؤم شوبنهور، وهذا لا يعنينا؛ لأننا لسنا من الطموح بحيث نمتد بضعفنا العقلي إلى الحكم على العالم بأنه خير العوالم الممكنة أو أسوأها. ولنترك ذلك للفلاسفة يبنون العالم كما يريدون وإنما يعنينا تشاؤم الأدباء، وتلك صفتهم الغالبة حتى كُتاب الكوميديا منهم، وإن تفاوتت ألوان ذلك التشاؤم، فشعراء الرومانتيكية كلهم متشائمون لما في حسهم من إرهاف يبالغ في الشعور بوقع محن الحياة، وعجز الإرادة البشرية عن كبح جماح الأمل. ولقد يولد أحدهم من أصل شريف، ثم تأتي أحداث الحياة فتعطل من قواه وتذهب
стр. 112
بأمنه، وما كان يبغي من مجد، كما فعلت الثورة الفرنسية بشاتوبريان فإذا به حزين "يتثاءب الحياة" بدلا من أن يحياها، وهذا النوع من الاتجاه أقرب إلى الحزن منه إلى التشاؤم.
ومن الشعراء أمثال الشاعر الإيطالي "ليوباردي" من تقعد به آفات الجسد عن المغامرة في الحياة، كما يريد فإذا به يصيح: "إنه ليس إلا جذعا نخرا يحس ويتألم"، ومنهم أمثال أبي العلاء ممن نزلت بهم محنة لا فرار منها فأصابهم ما يشبه اليأس من الحياة فتبرموا بها في ضرب من الاستهتار العقلي الذي يلهو بكل فكرة وكل عقيدة وكل عاطفة؛ لأن اليأس لا يستطيع غير ذلك، ومنهم من استهتر عملا فغمر والتمس اللذات في غير حياء ولا تعفف كبشار، وكان هذا أيضا مظهرا ليأسه، والأمر بعد سيان. فاستهتار العقل واستهتار العمل مردهما واحد، ونحن بعد لا ندري إلى أي حد نسمي هذا تشاؤما وهو أقرب ما يكون إلى الثورة.
هناك إذن حزن وهناك ألم وهناك يأس وهناك ثورة، ولكل هذه مظاهره، وهي تختلف عن التشاؤم الذي هو توقع دائم لأسوأ الفروض، وتغليب لجانب الشر في الأشياء والناس على جانب الخير فيها. وفي تفكير أبي العلاء شيء من هذا ولكنه ليس صفته الغالبة، التي نراها في يأسه العقلي الذي يرى إمكان كل رأي ولا يكاد يجزم في شيء برأي، وفي يأسه العاطفي الذي لم يعرف يقينا غير اليقين بألمه، لمحنته التي لا ذنب له فيها.
والسخرية كذلك ألوان نفسية لا عداد لها، فلا أقل من أن نميز بين ما نستطيع التمييز بينه منها، فناك "روح العبث" المعروفة بالهيومر Humour وهي غير التهكم Sarcasme وغير السخرية بمعناها الدقيق ironie وغير الضحك le comique فلكل منها مصدره النفسي ولكل منها دوره في حياتنا.
ولجورج ديهامل في كتابه "دفاع عن الأدب" عدة أسطر عميقة يتحدث فيها عن "الهيومر" ويميز بينه وبين ما ليس منه؛ إذ يقول: "إن روح الهيومر تختلف عن روح الإضحاك. فالإضحاك يرمي إلى إثارة الضحك بأسلوب خاص ولغة خاصة؛ بحيث يصعب أن يستعمل في التراجيديا مثلا، وهو غير المرح الخالص الذي هو حالة نفسية عارضة يطول أو يقصر دوامها، وليست لها قدرة على الكشف عن حقائق النفس" وعنده "أن الهيومر نوع من التغير في الضياء، يمكننا من أن نرى الشيء في كافة مظاهره، ولقد يكون بين بعض تلك المظاهر تناقض،
стр. 113
بفضله تكتسب تلك المظاهر دلالتها. وفي الهيومر نوع من الخفر والتحفظ وتمالك النفس لا يعرفه الهزل الصريح" ثم إن "اليهومر استعداد طبيعي في نفس صادقة لا تصدف عن أن تعرف كل ما ترى وأن تقول كل ما ترى وأن تقول كل ما تعرف" أي: إنه -على حد قول ديهامل- "حيلة نفسية نتخذها للعبارة عن كل ما نريد أن نعبر عنه في خفر وتحفط"، وتلك صفة من صفات أبي العلاء البارزة.
وأما السخرية والتهكم فالفرق بينهما مرده إلى طبائع النفوس، فمن الناس من يسخر من آلامه ليهون حملها عليه، فهي حالة نفسية هادئة أميل إلى الطبع الفلسفي منها إلى طبع الشعراء، وأما التهكم فيصدر عن النفوس العنيفة التي لا ترحم حمق الغير أو جهله فتتهكم منه، فالسخرية أغلب ما تكون من النفس وإليها وإن امتدت إلى الغير ففي رفق، بينما التهكم سلاح قوي ضد الآخرين.
وكل هذه طرق مختلفة للعبارة عن مكنون نفوسنا، الذي لا نريد العبارة عنه عبارة مباشرة. فمن الكُتاب أمثال موليير من يضحك من الناس ليقوم من اعوجاجهم، ومنهم أمثال شارلي شابلن ممن يضحكنا ليثير شجوننا، ورفقنا بضعفاء الناس، ثم تورثنا على الظالمين منهم، وهناك من أمثال فيجارو الذي يضحك انتقاما لنفسه وخوفا من أن يبكي من محنه، ومنهم من ضحكه نقد اجتماعي مر لظواهر لا يعرف لها علاجا، ومن هذا النوع ضحك ربليه Rabelais.
ومن الواضح أن ما نسميه سخرية أبي العلاء ليست شيئا من كل هذا، وإنما هي عبث يأس، عبث رجل استوى عنده كل شيء؛ لأنه لا يؤمن بغير ألمه، بل ولا يستطيع بطبعه أن يعبر عن هذا الألم إلا في خفر وحياء.
وهكذا يتضح أمامنا الآن بعض الوضوح، أن ما في نفسية أبي العلاء مما يسميه نقادنا تشاؤما وسخرية ونسميه ثورة وعبثا مردهما إلى ما ابتلي به من محنة نزلت فلاقت مزاجا خاصا أنتج ما بين أيدينا من أدبه، ولنصور تلك النفسية كما نفهمها:
يخيل إلي مفتاح فهمنا لنفسية أبي العلاء ليس في شعره ولا في "الفصول والغايات"؛ وإنما هو في رسائله لداعي الدعاة؛ حيث يناقش مشكلة الخير والشر، وإرادة الله لهذا الشر أو عدم إرادته. ومن الواضح أنه لم يحرك هذه المشكلة في نفسه غير محنة عماه، ولقد عنت مشكلة الشر ومصدره، وإمكان الإفلات منه أو عدم الإمكان أبا العلاء طوال حياته، ولقد انتهى به الأمر إلى اليأس من الفهم؛ ولهذا غلب عليه التفكير الأخلاقي أكثر من التفكير العقلي، ولقد انتهى إلى الشك
стр. 114
في كل شيء والاعتقاد بإمكان كل شيء عقليا؛ ليأسه من كل شيء وثقته من عدم إمكان أي شيء عمليا. إنه لم يستطع أن يدرك لمحنته حكمة. لِمَ لم يخلق أو يترك بصيرا كغيره؟ ثم من أراد به هذا الشر؟ أهو الله الذي هو سبحانه خير مطلق؟ ثم أما لهذه المحنة من نهاية؟
عللاني فإن بيض الأماني ... فنيت والظلام ليس بفاني
فأي غرابة أن تساوره الشكوك في كل شيء، حتى في الله والأديان، بل في ذلك العقل نفسه الذي عجز أن يحل مشكلة الشر فيحمل إلى نفسه الرضا بما قسم له، وعنده أن العقل أداة هدم لا يقين؟
إذا رجع اللبيب إلى حجاه ... تهاون بالمذاهب وازدراها
فخذ منها بما أداه لب ... ولا يغمسك جهل في صراها
وهت أديانهم من كل وجه ... فهل عقل يشد به عراها
ثم قوله:
ثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر دين لا عقل له
وإذا كان قد ركن إلى يقين في حياته، فهو لا ريب لم يكن يقين عقل بل يقين حس.
وقال أناس ما لأمر حقيقة ... فهل أثبتوا أن لا شقاء ولا نعمى
وشكل في الإيجاب والنفي معشر ... حيارى جرت خيل الضلال بهم سعيا
فنحن وهم في مزعم وتشاجر ... ويعلم رب الناس أكذبنا زعما
إيمانه إذن إيمان بالشقاء والنعمى، شقاؤه هو ونعمى الغير، وذلك لا ريب إيمان سلبي خليق بأن يحطم النفس لا أن يقودها إلى اليقين، ومتى ولد الألم الإيمان؟ والألم سخط وحيرة وتبلبل وضجر، بينما الإيمان اطمئنان وسكون ورضا وأمان، حتى لتكاد تحس بين الأمرين تناقضا تاما.
يئس أبو العلاء من كل يقين. فاعتزل الحياة والناس رهينا لمحبسيه أو لمحابسه الثلاثة.
وبذلك أسدل ستار عليه في حياته العملية. ولكن بقيت حياته الروحية تعمل ما لم يستطع تحقيقه فعلا من معالجة الحياة والضرب فيها، واتخذ نشاطه العلمي ذلك اللون من العبث الذي جاءت رسالة الغفران أحد مظاهره.
стр. 115
رسالة الغفران:
وقال أناس ما لأمر حقيقة ... فهل أثبتوا أن لا شقاء ولا نعمى
بهذا البيت تتركز -فيما أحسب- مأساة أبي العلاء النفسية، على أن نفهم منه أنه هو ذلك الرجل الذي يؤمن بأنه "ما لأمر حقيقة" وإن آمن "بالشقاء والنعمى" بل بالشقاء فحسب؛ إذ إنه عرف الألم، وأما السرور فطالما تساءل عن سره:
أعن باكيا لج في حزنه ... وسل ضاحك القوم: ممَّ ابتهج
وهو يؤمن بأن الموت حق:
يكر الحول بعد الحول عني ... وتلك مصارع الأقوام حولي
كأي بالألى حفروا لجاري ... وقد أخذوا المعاول وانتحوا لي
فيفزع:
يهال التراب على من ثوى ... فآه من النبأ الهائل
فإذا اطمأن فلحديث إحساسه:
متى غدوت ببطن الأرض مضطجعا ... فثم أفقد أوصابي وأمراضي
أو:
متى ألق من بعد المنية أسرتي ... أخبرهم أني خلصت من الأسر
وهكذا جاء يقين أبي العلاء يقينا حسيا، فهو لا يثق بغير ما تستشعر نفسه، وهو يقين سلبي: يقين بالألم، يقين بالموت، يقين بالخلاص من أسره ومن ألمه، ثم شك فيما عدا ذلك، أي في كل ما يحدثنا به العقل أو النقل، سيان في ذلك حديث عقلنا أو حديث عقول الغير، وأيا كان مصدر ذلك النقل.
وسر هذه المأساة هو ما ذكرت في المقال السابق من عجز أبي العلاء عن فهم حكمة ما ابتلي به من محنة، مع إحساسه القوي بوقعها في نفسه: يقين من الألم وعجز عن الفهم، هذا هو مصدر الحالة النفسية التي تحكمت في كل ما كتب.
نزلت بالرجل محنة العمى، وهو المرهف الحس المعتز بملكاته، فتألم ألما مبرحا، ويئس من الإفلات منها، ثم حاول أن يجد في فهم سرها عزاء، فيئس من الفهم أيضا. ولكأني به يتساءل في فزع: ولِمَ ابتليت دون غيري؟ وهل لم يكن من
стр. 116
الممكن أن أكون بصيرا كسواي؟ وطغت الممكنات على تفكيره، فانتهت به إلى ذلك الاستهتار العقلي الذي يفسر الكثير من متناقضاته، كما نجده في أساس ذلك العبث الذي يطالعنا في رسالته.
والذي لا شك فيه أن طول الإحساس بالألم والعجز عن الخلاص منه أو التسليم بحكمته خليق بأن يقود إلى نوع من اليأس العقلي يردد كل رأي ولا يؤمن بأي رأي، وقد أمحت قيود الواقع التي تحكم تفكيرنا وتقضي فيه بالصحة أو البطلان، وهذا ضرب عنيف من الثورة العقلية، كم سيق إليه رجال ممن يعجزون عن تغيير الواقع فيرفضونه، وكأن لا وجود له، وقد ذهب إيمانهم بكل شيء وبكل أحد؛ لأن قوة إحساسهم بالألم لا تدع في نفوسهم فراغا لغيره.
لم يستطع أبو العلاء أن يرضى بالواقع، فرفضه في ثورة عنيفة لم تجتح واقعه فهو فحسب، بل اجتاحت كل واقع، وضرب بعلقه الجريح في عالم الممكنات، وقد أرهف الألم تفكيره، فإذا به عابث، والعبث أكبر مظاهر حساسية العقول.
ألا تذكر قوله في "الفصول والغايات": "يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه ويسمع الأصوات بيده وتكون بنانه مجاري دمعه ويجد الطعام بأذنه ويشم الروائح بمنكبه ويمشي إلى الغرض على هامته"، وكأني بنجوى نفسه تهمس: "وإن صح ذلك فلِمَ لم يتركني بصيرا؟ " و"فنيت بنفسه، بيض الأماني، والظلام ليس بفانٍ"، فتزعزع إيمانه بكل ممكن؛ وكيف يؤمن والواقع يثقله؟ وإذا عزت الممكنات أحالها ألم الواقع ضربا من العبث نجد فيه عيدا من أعياد الذكاء ننتقم به من كل المحن.
وفي جنة أبي العلاء من هذه الممكنات أنواع في تصورها نفسه أكبر ثورة على حقائق الإيمان. فيكف بها وقد أحالتها روح العبث نسبا تتقابل فتفتر لها الشفاه. فهذا أعشى قيس وقد أصبح "شابا غرانقا وصار عشاه حورا، وانحناء ظهره قواما"، وهؤلاء عوران قيس الخمسة "لم ير ابن القارح أحسن من عيونهم في أهل الجنان"، وهذا زهير الشيخ الفاني "شاب كالزهرة الجنية كأنه ما لبس جلباب هرم ولا تأفف من البرم" بل إن الجارية توفيق السوداء لتستبدل بسوادها بياضا أنصع من الكافور.
ومن عجب أن يصير الناس إلى هذا التغيير في جنة دخلها أسد القاصدة لافتراسه عيينة بن أبي لهب، كما دخلتها حية رضابها أصبح أفضل من الدرياق؛ لأنها حفظت القرآن؛ إذ سكنت في دنيانا دار الحسن البصري وطال استماعها
стр. 117
تلاوته للكتاب، بل دخلها "أخنس ذيال؛ لأنه كان يروض في بعض القفار فمر به ركب مؤمنون قد كرى١ زادهم فصرعوه واستعانوا به على السفر، فعوضه الله بأن أسكنه في الخلود"، ثم "علج وحشي ما التلف عنده بمخشى، إذا صاده صائده بمخلب وكان إهابه له كالسلب، فباعه في بعض الأمصار، فاتخذ منه غرب٢ شفى بمائه الكرب، وتطهر بنزيعه الصالحون فشملته بركة من أولئك، فدخل الجنة يرزق فيها بغير حساب".
وليست تلك جنة القرآن التي يعاود المؤمنون فيها شبابهم وجمال أجسامهم و ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ، وإنما هي ممكنات يعبث بها عقل أبي العلاء المضني، وقد أتاحت النهز لذلك البعث ذكريات الأدب بل تداعي الألفاظ، كحور الأعشى وبياض السوداء وما إلى ذلك مما لا حصر له في كل ما كتب المعري.
وفي الحق إن جنة أبي العلاء مثلها كلها مثل الحور العين التي حدث عنها أحد الملائكة ابن القارح قائلا: "إنها على ضرب خلقه الله في الجنة لم يعرف غيرها، وضرب نقله من الدار العاجلة لما عمل من الأعمال الصالحة". فهي مزيج عجيب من ماضي العرب وجنة الخلد، وفي ذلك الماضي، كما في حقائق الجنة ما يمكن أبا العلاء من أنواع من الممكنات، في نسبها وقلبها للأوضاع -بما يحوط ذلك من منحى الدراما وواقعية الحديث- ما يمكن لروحه العابثة. فلقد نرى فيها أحمد بن يحيى وقد غسل قلبه من الحقد على محمد بن يزيد فصارا يتصحافحان ويتوافيان، وسيبويه وقد رخصت سويداء قلبه من الضغن على عليِّ بن حمزة الكسائي وأصحابه لما فعلوا به في مجلس البرامكة، فهم كما جاء في الكتاب العزيز: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ بينما نرى النابغة الجعدي والأعشى يتشاجران، كما يتشاجر الشعراء، وتبلغ الخصومة بهم حد الإقذاع وكأنما قد "نزفوا٣ فيصيح الجعدي بالأعشى: اسكت يا ضل بن ضل، فأقسم أن دخولك الجنة من المنكرات، ولكن الأقضية جرت كما شاء الله. لحقك أن تكون في الدرك الأسفل من النار، ولقد صلى بها من هو خير منك، ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت: إنك قد غلط بك".
وهكذا يتصافى من احتدمت بينهم الخصومة بدنيانا، بينما يتقابل من لم يرد عنهما اقتتال. وهكذا دأب أبي العلاء المتصل، حتى لتراه يصرف عدي بن زيد إلى ما ألف في دنياه من قنص، رغم ما في الجنة من متع وخيرات ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ
стр. 118
أَكْبَرُ﴾ ، كما يأبى الهذلي إلا أن يحتلب ناقة مطلقة قيضها الله بقدرته إرضاء لهوى نفسه التي لا تتذوق إلا ما اعتادت رغم ما في الجنة من أنهار من لبن، حتى إذا أصاب ما يريد صاح أن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] .
وعند أبي العلاء أنه ما دمنا قد رفضنا الواقع وثرنا على ظلمه حتى تحرر العقل من حكمه "فليس ثمة شيء على قدرة ربنا بعزيز، بل قدرة خياله هو وعبثه الجريح، فللنفوس أن ينتزع غلها أو يعود وللجنة أن تضم خيار البشر أو الوحوش، ولسكانها أن ينعموا بلذاتها أو يعودوا إلى ما ألفوا من قنص واحتلاب، بل للهذلي أن يحمد الله على أن هداه إلى حليبه وأن يرى في ذلك الحليب تلكم الجنة التي يورثها المؤمنون، فالأمر كله عبث "وما لأمر حقيقة".
بل للكائنات أن تتناسخ، كما يحلو للتصور ويمكن من العبث، فإذا مر بابن القارح رف من الأوز انتفضن فصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة وبأيديهن المزاهر وأنواع ما يلتمس من الملاهي! بل لشجر الجوز أن يينع لوقته ثم يساقط عددا لا يحصيه إلا الله، وتنشق كل واحدة منها عن أربع جوار يرقن الرائين، يرقصن على أبيات منسوبة للخليل، كما يعبر طاوس من طواويس الجنة يسر من رآه حسنا، فيشتهيه أبو عبيدة مصوصا١ فيكون كذلك في صفحة من الذهب، فإذا قضى منه الوطر انضمت عظامه بعضها إلى بعض ثم يصير طاوسا كما بدأ، فتقول الجماعة: "سبحان من يحيي العظام وهي رميم" ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
ولقد يكون في هذا ما يتفق مع ما قال به الهنود أو اليونان من تناسخ علم به أبو العلاء، ولكن الوقوف عند هذا الفهم لا يرينا من نفسية أبي العلاء إلا شكلها الخارجي، وثورة على الواقع، وعبث بالممكنات، وفي هذا جماع حقيقته النفسية.
وتلك تجربة أبي العلاء لا يغني في فهمها منهج ولا أصول للنقد؛ لأن النفوس -كما قلنا- ليست قطرات ماء أو أوراق شجر يمكن أن يشابه بعضها بعضا، وإنما هي حقائق فريدة تحس أكثر مما تدرك.
стр. 119
فأبو العلاء لا يشبه أحدا على الإطلاق، فلقد التمس له النقاد أشباها من لوكريس إلى أناتول فرانس إلى دانتي إلى ملتون إلى شوبنهور إلى الخيام، وليس في كل ما كتب إلا ضروب من التجوز وإغفال لدقيق المفارقات، إذ أين إيمان دانتي وملتون من يأس أبي العلاء؟ وأين تقريرات لوكريس من عبث رجلنا الفكري؟ وأين تشاؤم شوبنهور الفلسفي من ثورته العاطفية؟ وأين سخرية أناتول فرانس من استهتاره؟
ثم كيف تنعقد مقارنة بين الخيام والمعري، والخيام رجل عاف الحياة لطول ما انغمس في خمرها، حتى إذا هفت نفسه إلى الفناء المطلق أحسسنا فيه لساعتنا عدميا واعيا بما يفعل، صادفا عن ملل: "ملك يا إلهي وجودي وضيق صدري وفراغ يدي، يا من يجعل من العدم وجودا أخرجني من عدمي بحرمة وجودك". بينما أبو العلاء رجل لم ينصرف عن متع الحياة إلا لأن خيارها "قد خنس عنه" فالتمس في أعياد الذكاء عزاء عن الحرمان.
وواجب النقد فيما أحسب هو فهم تجارب الكتاب والشعراء فهما نفسيا لا تحده أصول ولا يمليه علم، وإنما نستعين بالعلم وبالأصول عند دراسة صياغة ما كتبوا.
ورسالة الغفران من هذه الناحية ليست "كتوهم" المحاسبي الذي يطلب إلى قارئه أن يتصور ما هو صائر إليه من نعيم أو عذاب في آيات القرآن وأحاديث النبي ما يبصرنا بوقعها في النفوس، إن لم يبصرنا بمجسماتها على وجه التحديد، وهي ليست لخلق العالم وخروج آدم من الجنة، كما فعل ملتون في "فردوسه المفقود"؛ بل ولا تصويرا شعريا للعالم الآخر، كما يحدثنا الإسلام، وإنما هي حيلة أدبية تجمع -كما قلنا- بين بعض حقائق الدار الأخرى وبين أدباء وكتاب العرب، كما يحدثنا عنهم التاريخ.
وأبو العلاء يفكر أو يعبث بكل هذا معتمدا على ما يحفظ، يهيئ له المناسبات، بحيث إن وحدة تأليفه لا تلوح في غير تداعي الألفاظ، أو على الأكثر تداعي المعاني لروابط شكلية أكثر منها داخلية.
وهذه الحقيقة أظهر ما تكون في هيكل الرسالة، فلقد بدأ المعري بأن نقل ابن القارح إلى الجنة رأسا بفضل كلمة الطيب الذي يستطيع أن يصعد به إلى السماء، وهناك لقي من لقي من شعراء، حتى إذا كان بينه وبين أحد عوران قيس حوار يسأل فيه ابن القارح أعور قيس عن بعض أبياته فقلا يذكرها مدعيا أن وقفة
стр. 120
الحشر قد أنسته كل شيء، ذكره ابن القارح بما نسي، فيعجب الرجل من عدم ذهاب ذاكرة ابن القارح مع أنه قد مر بلا ريب بالحشر وبالصراط قبل أن يصل إلى الجنة، وهنا يحتال أبو العلاء فيعود إلى ما كان يجب أن يبدأ به فيدفع ابن القارح إلى سرد قصته الممتعة على عبور الصراط وكأنه في سبيل العبور بالفعل، ثم يعود به إلى الجنة ومنها إلى الأعراف يشرف من عليائها على أهل النار، وفي النهاية يرجع ثانية إلى الجنة، وبهذا ينتهي الجزء الأول من الرسالة وهو الذي يعنينا؛ إذ الجزء الثاني رد على رسالة ابن القارح عن الزندقة والزنادقة.
وفي الحق أن من الروايات ما يبدؤه كتابه من منتصف القصة، بل أحيانا من نهايتها دون أن ينال ذلك من جمال القصص إن لم يزده تشويقا، ولكن هذا ممكن عندما يكون للقصة موضوع واحد يفسر بعض أجزائه البعض الآخر، وأما في رسالة الغفران، حيث الأمر كله أمر مناظر مختلفة وحوادث متفرقة، ومقابلات شتى بين أمكنة متعددة وأشخاص متباينين، فنظام يلوح مهشما.
نعم إن دانتي قد أسرف في تنظيم "كوميدياه" وأمل بعض الملل بتقاسيمه المنطقية التي عهدها كل رجال القرون الوسطى، فجعل كلا من الجحيم والمطهر والجنة تسع طبقات، كما جعل من وصفه لكل منها ثلاثا وثلاثين أغنية لولوع المسيحيين بالعدد ثلاثة ومضاعفاته، تقديسا لثالوثهم الإلهي، ولكن أبا العلاء بدوره قد أهمل وحدة التأليف إهمالا تاما، بل نحن لا نظن أنه قد قصد إلى شيء من هذا، وإنما هي كما ذكرت مجموعة من تداعي ما يحفظ، ولعله في هذه الرسالة قد كفر عما في لزومياته وفصوله وغاياته من تنظيم وتقييد أضنياه أكثر مما يضنيان القارئ اليوم.
ومع هذا فنحن لا نتخذ من انعدام الوحدة سبيلا للحط من قدر هذه الرسالة الممتعة؛ إذ فيها من الصفات الأخرى ما يحتفظ لها بقيمتها من ناحية الصياغة، فوق ما بها من ألوان نفسية، ولنفصل ذلك في إيجاز:
نعم، إن الرسالة عارية عن تلك القيم الرمزية التي تشهد لدانتي بالعبقرية، والكل يعلم كيف افتن الشاعر الإيطالي في وصف وتصوير أنواع العذاب والنعيم مقيما رابطة بين عمل من يصلى العذاب أو ينعم بالنعيم وبين ما هو فيه من ذلك، على نحو ما نرى العواصف تتقاذف أصحاب الشهوات وسط النيران أو المنتحرين يقضي عليهم بأن يحيوا حياة أبدية سجينين داخل الأشجار التي استحالت قشراتها أسيجة منيعة، وفي القرآن بعض هذا كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
стр. 121
وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥] . ولكن أبا العلاء لم يفكر في شيء من ذلك.
ومع هذا فثمة خصائص أخرى تكسب "الرسالة" من الخفة والحياة ما لم يتوفر لكوميديا دانتي. فهناك تلك الواقعية التي تطالعنا في الحوار وفي المشاهد فتقربنا من حياة العرب الخشنة، كما نألفها في كتب التاريخ والأدب مما يجدد لذة القارئ، وفي قنص عدي بن زيد واحتلاب الهذلي للناقة، أمثلة جيدة لما نقول. وهنالك عنصر التمثيل بما يحمل من حركة وحوار يخالطهما العبث فتفتر الشفاة ويستقيظ الانتباه، وفي قصة عبور الصراط مثل رائع لذلك. حتى لتكاد تكون مهزلة صغيرة متماسكة كأروع ما كتب مؤلفو المسرح، وهل أبلغ في الهزل من أن نرى في يوم الحشر الذي تشيب من هوله النواصي شيخا أبيض اللحية مرسلها كابن القارح يصاح به وسط الجموع: "يا علي بن منصور! يا علي بن منصور! يا قاضي حلب"، أو أن نراه على الصراط وقد عجز عن عبوره فحملته إحدى جواري الجنة زقفونة، على نحو ما يفعلون في "كفر طاب"، وهناك أخيرًا العبث الذي يعتمد على التناقض والإسراف في النسب يستعين بها الكاتب على أداء كل ما يعرف وما يريد أن يقول في تقية بل في خفر.
وتلك فيما أحسب أهم وسائل أبي العلاء الفنية نضيفها إلى الحالة النفسية التي سيطرة عليه فنخرج بنوع من الفهم إن لم يكن مطابقا لحقيقة تلك الرسالة فهو مقارب قربا أرجو أن يدنيها من القراء.
стр. 122
مساجلات جورجياس المصري:
كتب الأستاذ العقاد في العدد ٤٦٧ من "الرسالة" تحت عنوان "مساجلات" يقول: نبهت إلى كلمة لأديب يكتب في "الثقافة" بتوقيع "محمد مندور" قال فيها عني بصدد الكلام عن أبي العلاء ورسالة الغفران: "والعقاد يبدأ فيؤكد -فيما يعلم- أن فكرة أبي العلاء في هذه الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبقه إليها أحد غير "ولسيان" في محاوراته في الألمب والهاوية، وهذا قول عجيب يدخل في سلسلة تأكيدات الأستاذ العقاد التي لا حصر لها في كل ما كتب، والتي كثيرا ما تدهشنا لجرأتها، ففكرة الرحلة إلى العالم الآخر قديمة قدم الإنسانية، عرفها اليونان قبل لوسيان وعرفها العرب قبل أبي العلاء".
وأنا أحمد الله إذ نبه الأستاذ إلى كلمة محمد مندور هذا، فالعقاد رجل لديه ما يشغله عن "الثقافة" وعن محمد مندور، وهو منهمك في قراءة أمهات كتب الأدب التي وجد فيها أن فكرة أبي العلاء في هذه الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبقه إليها أحد غير لوسيان في محاوراته، فأنَّى له بقراءة "الثقافة"! وما هي بشيء إلى جوار عيون الأدب؟ ومن هو محمد مندور ليقرأ له وهو مأخوذ بسحر لوسيان؟
و"محمد مندور" يسره أن ينبه العقاد قبل أن يبدأ في مناقشته إلى تتمة جملته، كما هي بالثقافة عدد ١٧٦، والكل يعلم ما في أساطير اليونان من وصف لنزول أورفيوس إلى العالم الآخر ليسترد منه زوجته أوريدس، والكل يعلم وصف هوميروس لرحلة أوليس، ووصف فرجيليوس شاعر الأنيادة لرحلة أينيوس بذلك العالم، كما نعلم جميعا أشعار المتصوفة في أحلام يقظتهم ونومهم، ومن تلك الرحلات الرائع الجميل كوصف الحارث بن أسد المحاسبي في "التوهم" الذي نشره المستشرق آربري، وصدر له الأستاذ أحمد بك أمين في عصر مقارب لعصر أبي العلاء كتب ابن الشهيد رسالة "التوابع والزوابع" المنشورة بكتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" "ج٢١٠" وهي شديدة برسالة الغفران، ومع ذلك يؤكد العقاد أن فكرة الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبق أبا العلاء إليها غير لوسيان.
стр. 123
وهذا فيما أظن كلام لا يستطيع العقاد ولا غير العقاد أن يدفعه، فهو يؤكد أن أديبا لم يسبق أبا العلاء في وصف الرحلة إلى العالم الآخر غير لوسيان، ونحن نقوله له: بل سبقه هوميروس وفرجيلوس ... و ... فما الرأي إذن؟ وهل يقبل الأستاذ العقاد -وهو العالم بكل تراث الإنسانية الروحي المقدر لقيمته- أن نمحو من الوجود كل هؤلاء الفطاحل ليصح ما أكده؟ ألا ليتنا نستطيع ذلك لنرضي كبرياء العقاد وإن كان قد وضعه في غير موضعه.
وبعد فليس يضير العقاد أن يجهل وصف هوميروس أو فرجيلوس لرحلة كهذه؛ إذ لو علم العقاد بكل شيء لفقد أهم صفة يتميز بها جميع البشر بله الأدباء منهم وهي صفة الإنسانية، ونحن جميعا نجهل أشياء كثيرة وسنجهل أشياء كثيرة، ولو أضفنا أعمارًا إلى عمرنا ولو بذلنا جهد الرهبان في التحصيل، وإنما يضير العقاد ككاتب يجب أن يحترم كرامة العقل أن يصدر في محاجته للغير عن منهج معيب.
لم يرد العقاد على ما وجهته إليه بل نقل الحديث إلى وجود الجنة والنار قبل أبي العلاء وقيل لوسيان "على نحو ما يرى أن لندن كانت موجودة قبل رحلات المسافرين إليها"، وهذه سقطة ما كان يليق برجل كالعقاد أن يلجأ إليها في كبرياء المتعالي. وموضع الجدل ليس وجود النار والجنة، بل ولا علم الناس بهما، بل وصف الرحلة إليهما وفيهما وصفا أدبيا فنيا على نحو ما فعل هوميروس وغيره ممن ذكرنا.
ولقد كان العقاد يستطيع أن يغالط كما كان يفعل جورجياس كبير السوفسطائيين عند اليونان على نحو أرقى من هذا النحو، ألا ليته قال مثلا: إن اللغة كانت موجودة قبل وضع نحوها، وأن الطبيعة كانت قائمة قبل استنباط قوانينها، وأن العقل كان يعمل قبل صياغة المنطق، وأن المنطق أقدم وأصدق وأنبل من السفسطة! ولو أنه فعل لوجدنا في مغالطاته جلالا، وأما أن "لندن وباريس وبلاد الأفيال" كانت موجودة قبل الرحلات، فهذه حقيقة مغالطة تافهة، كنت أود أن يترفع عنها.
أسرف العقاد إذن على نفسه وعلى القراء عندما أكد أن فكرة الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبق أبا العلاء إليها غير لوسيان، وهذه المسألة لا تقبل الدفع.
فلنتركها إذن لما هو أهم وهو منهج العقاد في التفكير، كما يطالعنا من رده، وتلك مسألة يضطرنا العقاد إلى أن نثيرها لا بصدد حديثه عن أبي العلاء فحسب بل بوجه عام.
стр. 124
سمعت العقاد يوما يناظر في الأثر الذي يمكن أن تحدثه الثقافة الأجنبية فينا فيقول: "إن الكتاب الأمريكي لا يمكن أن يجعلنا أمريكيين وإلا لجعلتنا التفاحة الأمريكية أمريكيين، وهذا مثل الكثير ما كتب العقاد، فسبيله هو "المغالطة" ثم "القياس الفاسد".
ألا تراه كيف ينقل الحديث من الرحلة الأدبية في العالم الآخر إلى وجود ذلك العالم وتصور الناس له، وهذه هي "المغالطة" ثم ينتقل إلى قياس وجود العالم الآخر في الواقع أو في خيال البشر وجودا مستقلا سابقا على وصف ذلك العالم في الأدب، بوجود باريس ولندن وبلاد الأفيال وجودا مستقلا سابقا على رحلة المسافرين إلى تلك البلاد وهذا هو "القياس الفاسد".
ووجه الفساد في كلا القياسين هو انعقاده بين أشياء مادية وأخرى روحية، فالتفاحة ليست كتابا وإلا لكانت عقولنا معدات، ولندن ليست الجنة ولا باريس النار والسفر إليهما ليس وصفا أدبيا للعالم الآخر نزوره بخيالنا.
والمغالطة خطرها بيِّن، ومن نافلة القول أن نقف عندها.
بقي القياس فاسدا وغير فاسد، ومن الثابت أن المنطق الشكلي كله لا القياس فحسب لا يمكن أن يوصل إلى الكشف عن حقيقة جديدة، وإنما تعمل الأقيسة في الحقائق المعروفة، فإذا كان القياس صحيحا انتهى إلى إفحام مناظرنا، ولا أقول إلى إقناعه؛ لأن الإقناع إحساس وتسليم قلبي، وأما الإفحام فانعقاد للسان أو شلل للعقل، وهذا هو الجدل، وإذا كان القياس فاسدا فتلك هي السفسطة التي لا تقنع ولا تفحم ولا تليق بالإنسان على أي نحو.
وإنما نكشف الحقائق بالخيال وبالقلب، وتلك ملكات لا أحس لها بوجود فيما يكتب العقاد.
انظر إليه في رده كيف يقول: "إن الجمع بين المعري ولوسيان مبحث يصح النظر فيه والاستفادة منه"، وتلك لعمري مقارنة عجيبة، وأنا لا أرى أصلا أي شبه بين أبي العلاء ولوسيان، بل ولا بين أبي العلاء وأي كاتب آخر؛ وذلك لإيماني بأن النفوس لا يمكن أن تتشابه أصالتها. وقد بينت ذلك ولن أعود إليه.
واتجاه العقاد الخاطئ واضح في كل مقارناته، والذي أفهمه من المقارنة هي أن تكون إما مقارنة تأثر نبغي منها إيضاح أخذ كاتب عن آخر، والمنهج الصحيح في هذا هو أن تثبت قراءة هذا الكاتب لذاك وتأثره به تاريخيا؛ إذ لا يكفي مجرد التوافق على فكرة أو صورة. والجمع بين أبي العلاء ولوسيان لا يمكن أن يكون على هذا النحو، أو "مقارنة فهم" وذلك بأن نجمع بين كاتب وآخر لنفهم
стр. 125
كليهما على ضوء ما اختلفا فيه تبعا لاختلاف منحاهما النفسي رغم وحدة الموضوع الذي يتحدثان فيه أو المصدر الذي يأخذان عنه، وهذا ما لم يفعله العقاد وإنما فعل وفعل دائما أن حاول التماس أوجه شبه بين أناس وأشياء من السذاجة أن نجمع بينهما، فهو طورا يقول بأن أبا العلاء قد كان اشتراكيا وطورا أنه قد أخذ بمبدأ النشوء والارتقاء وبقاء الأصلح "الفصول"، وهذه محاولات باطلة، فأبو العلاء لم يحلم بشيء من هذا، ومذاهب الاشتراكية والنشوء غير بيت من الشعر أو جملة منثورة، وإنه لتعسف باطل أن يزج العقاد بتلك الكلمات الضخمة في معرض الحديث عن شاعر مسكين كأبي العلاء.
وشاء العقاد إلا أن يختم حديثه بتذكيرنا بقوله عن رسالة الغفران: "أي شيء من هذه الأشياء لم يكن من قبل ذلك معروفا موصوفا؟ أي خبر من أخبار الجنة المذكورة لم يكن في عصره معهودا للناس مألوفا؟ كل أولئك كان عندهم من حقائق الأخبار ووقائع العيان ... ".
وهذا كلام لا علاقة له أصلا بموضع المناقشة، فهو لا يدل في شيء على "أن فكرة الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبق أبا العلاء إليها غير لوسيان", إنما يدل على فكرة الجنة وأوصاف الجنة كانت معروفة عند الناس، كما وردت في الديانات والكتب المقدسة، وإما أنها لم تستخدم في الأدب قبل أبي العلاء إلا عند لوسيان، فهذا ما لم يرد عليه العقاد.
ثم إن هذه الجملة في ذاتها تأكيد آخر من تأكيدات العقاد غير المقبولة، فأبو العلاء لم يعرف الجنة، كما كان الناس يعرفونها أو يتصورونها، والجانب الهام من جنته هو دنيانا أو على الأصح دنيا العرب؛ إذ إنه قد نقل الدنيا إلى الآخرة، وقد جمعت تلك الدنيا بتاريخها الطويل في صعيد واحد، فهناك ترى الهذلي يحلب ناقته، وبان القارح محمولا زقفونة على الصراط، وابن عدي يصيد، والأعشى في عينه حور، وكل أولئك أشياء لم يكن يعرفها أحد عن الجنة بل لا يتصورها مجرد تصور، وما هي من الجنة كما وصفها القرآن في شيء.
ويضيف العقاد تذكيرنا بقوله: "إنها رحلة قديمة؛ ولكن أبا العلاء أعادها علينا كأنه قد خطا خطواتها بقدميه، وروى لنا أحاديثها كأنما هو الذي ابتتدعها أول مرة ... ". وموضع البحث هو -كما قلت وأكرر- أن نعرف مدى قدم تلك الرحلة ومن سبقه إليها، أهو لوسيان فقط أم لوسيان وغير لوسيان ممن ذكرنا.
والآن لم يبقَ لدي إلا أن أترك للقارئ الحكم على طريقة الأستاذ العقاد في توجيه الخطاب من "لا يا شيخ! " إلى أمثال ذلك مما أمسك قلمي عن الرد بمثله، فهذا أمر سهل.
стр. 126
المعرفةوالنقد - المهج الفقهي
الشعراء النقاد
...
المعرفة والنقد - المنهج الفقهي:
الشعراء النقاد:
نشر زميلنا الأستاذ محمد خلف الله مقالا بهذا العنوان في مجلة "الثقافة" "عدد ١٩١"، وقد وجدت فيه آثارا واضحة لمنهج عام في دراسة الأدب ونقده، لمسته غير مرة في أوساطنا الجامعية وغير الجامعية، ولما كنت أخشى أن يصيب حياتنا الأدبية بالعقم، فإنني أبادر على مناقشته.
ولباب هذا المنهج -كما نستخلصه من مقدمة المقال- هو الدعوة إلى نقد تقريري يقوم على أسس من علوم الجمال والنفس والتاريخ والاجتماع، وهذا ما يفعله الآن بعض الأساتذة الذين يظنون أن الأدب يمكن أن يحدد فهمنا له أو دراستنا لنصوصه بإقحام هذه العلوم وغيرها فيه، وهذا في الواقع ليس تجديدا، فقد سمع عنه العرب بلسان قدامة بن جعفر، وعرفته أوربا في قرن الفلسفة، القرن الثامن عشر، وقد فطن لخطئه معاصرو قدامة واللاحقون له، وفي مقدمة "أدب الكاتب" لابن قتيبة أقوى رد عليه.
ولقد عادت أوربا من ضلالها وأصبحت اليوم تؤمن -عن حق- بأن لكل علم مناهجه، وأن أي علم لا يمكن أن ينمو إلا إذا كان نموه ذاتيا ومن داخله، وأنا أعتقد أن الاتجاه الذي يدعو إليه الأستاذ خلف الله محنة ستنزل بالأدب؛ لأن معناه الانصراف عن الأدب وتذوق الأدب وفهم الأدب، والفرار إلى نظريات عامة لا فائدة منها لأحد.
النقد هو فن دراسة النصوص الأدبية، والتمييز بين الأساليب المختلفة، وهو لا يمكن أن يكون إلا موضوعيا، فهو إزاء كل لفظة يضع الإشكال ويحله، النقد وضع مستمر للمشاكل، والصعوبة هي في رؤية هذه المشاكل، وهي متى وضعت وضح حلها لساعته، والذي يضع المشاكل الأدبية ليس علم الجمال ولا علم النفس ولا أي علم في الوجود، وإنما هو الذوق الأدبي. وهذا شيء ليس له "مرجع إليه". وأسارع فأقول: إن الذوق ليس معناه ذلك الشيء العالم المبهم التحكمي. وإنما هو ملكة إن يكن مردها ككل شيء في نفوسنا إلى أصالة الطبع، إلا أنها تنمو وتصقل بالمران وعند ابن سلام الجمحي وعند الآمدي في ذلك صفحات يجب أن
стр. 127
نتدبرها. يقول ابن سلام: "قال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنته فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك"، فقال له: "إذا أخذت أنت درهما فاستحسنته فقال لك الصراف: إنه رديء، هل ينفعك استحسانك له؟ "، وإذن فلكي يصح النقد الذوقي لا بد له من دربة، وفي هذا يقول ابن سلام أيضا: "للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصروه ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراز ولا حس ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيبعرف زائفها وستوقها ومفرغها ... إلخ".
ويضيف ذلك الناقد العربي الكبير هذه الحقيقة الرائعة: "إن كثرة المدراسة لتعدي على العلم"، وهذا الكلام الذي قاله ابن سلام منذ قرون هو آخر ما انتهى إليه الأوربيون في حقيقة النقد الأدبي، ولنستمع إلى لانسون Lanson عميد النقد الموضوعي في فرنسا المعاصرة: "إذا كان النص الأدبي يختلف عن الوثيقة التاريخية بما يثير لدينا من استجابات فنية وعاطفية، فإنه يكون من الغرابة والتناقض أن ندل على هذا الفارق في تعريف الأدب ثم لا نحسب له حسابا في المنهج، لن نعرف قط النبيذ بتحليله تحليلا كيماويا أو بتقرير الخبراء دون أن نذوقه بأنفسنا، وكذلك الأمر في الأدب، فلا يمكن أن يجل شيء محل "التذوق"، وإذا كان من النافع لمؤرخ الفن أن يقف أمام "يوم الحساب"، أو حلقة الليل"١، ولم يكن ثمة وصف في قائمة أو تحليل فني يستطيع أن يحل محل إحساس العين، فذلك نحن لا نستطيع أن نتطلع إلى تعريف أو تقدير صفات مؤلف أدبي أو قوته ما لم نعرض أنفسنا أولا لتأثيره تعريضا مباشرا "تعريضا ساذجا" أليس هذا ما قاله ابن سلام؟
ولقد عاد الآمدي أكبر نقاد العرب وأصدقهم ذوقا إلى تنمية هذه الحقائق في "الموازنة"، وفيها يوضح كيف أنه سيعلل أحكامه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ثم يرشدنا إلى أنه سيبقى "ما لم يمكن إخراجه إلى التبيان ولا إظهاره إلى الاحتجاج، وهي علة ما لا يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته وقلت دربته"، وهو يحكي عن إسحاق الموصلي أن المعتصم سأله يوما: "أخبرين عن معرفة النغم وبينها" فأجاب إسحاق: "إن من الأشياء أشياء تحيط
стр. 128
بها المعرفة ولا تؤديها الصفة"، وفي الأدب أشياء كثيرة، شأنها شأن النغم يحيط بها الذوق ولا تؤديها الصفة، ويضيف هذا الناقد الكبير: "ليس في وسع كل واحد أن يجعلك أيها السائل المتعنت والمسترشد المتعلم في العلم بصناعته كنفسه، ولا يجد إلى قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن أخص الناس به سبيلا، ولا يأتيك بعلة قاطعة ولاحجة باهرة".
وهنا قد يعترض المعترضون بأن هذا الكلام يفتح الأبواب للتحكم والأذواق متباينة، وما إلى ذلك من الكلام الطويل الذي نعرفه جميعا، وقد لاكه علماء الجمال والنفس حتى مللناه، ولقد يضيفون، وهذا يتنافى مع الروح العلمية التي يجب أن تسود أبحاثنا اليوم. وأنا أترك لكبير الدعاة إلى المذهب العلمي الموضوعي في النقد مهمة الرد، قال لانسون: "إذا كانت أولى قواعد المنهج العلمي هي إخضاع نفوسنا لموضوع دراستنا لكي ننظم وسائل المعرفة لطبيعة الشيء الذي نريد معرفته، فإننا نكون أكثر تمشيا مع الروح العلمية بإقرارنا بوجود التأثرية impressionisme في دراستنا وتنظيم الدور الذي تلعبه فيها؛ وذلك لأنه لما كان إنكار الحقيقة الواقعة لا يمحوها، فإن هذا العنصر الشخصي الذي نحاول تنحيته سيتسلل في خبث إلى أعمالنا ويعمل غير خاضع لقاعدة، وما دامت التأثرية هي المنهج الوحيد الذي يمكننا من الإحساس بقوة المؤلفات وجمالها، فلنستخدمه في ذلك صراحة؛ ولكن لنقصره على ذلك في حزم، ولنعرف -مع احتفاظنا به-كيف نميزه ونراجعه ونجده، وهذه هي الشروط الأربعة لاستخدامه، ومرجع الكل هو عدم الخلط بين المعرفة والإحساس واصطناع الحذر حتى يصبح الإحساس وسيلة مشروعة للمعرفة".
وهذا كلام صادق عميق، فالذوق الذي نقول به ليس ذلك الذوق النظري الذي يتحدث عنه الفلاسفة، وإنما هو الذوق الأدبي، ذلك الذي يرى أن أبا تمام عندما يصف امرأة "بأنها ملطومة الخدين بالورد" قد أتى كما يقول الآمدي "بالحمق أجمعه"، والذوق خير وسائل المعرفة على أن يكون ذوقا مدربا، وأن نأخذه بالمناقشة والتعليل، حتى بعد أن يتم تثقيفه، ولكم من مرة يصدق الذوق وبطل التعليل، وهذا عند الآمدي كثير الحدوث. ولكم من مرة يستقيم التعليل ثم يخطئ الذوق، كما نرى عند ابن قتيبة. ومع ذلك فالذوق الذي يعتد به هو الذوق المعلل في حدود الممكن، وإن كان ثمة أشياء "لا تؤديها الصفة".
واعتراض آخر قد يراه البعض، وهو ينظر فيرى أن الإنسانية قد تقدمت، وأن
стр. 129
كل شيء قد أصبح اليوم خاضعا لمنهج العلوم الطبيعية الدقيق، وها هو علم الجمال وعلم النفس وعلم الاجتماع تجري فيها التجارب والأبحاث، وتدون النتائج وتستنبط القوانين، فما بالنا لا نستفيد في دراسة الأدب من كل ذلك؛ بل ما لنا لا نجعل من النقد هو الآخر علما له معادلاته ومبادؤه؛ وذلك أملا في إكسابه ثبات المعرفة العلمية وتجنب ما في تأثرات الذوق من تحكم، وما في الأحكام الاعتقادية من مسلمات غير ثابتة، وهنا أيضا أترك الرد للانسون، حتى لا يتساءل صديقنا الأستاذ خلف الله مرة أخرى عن المراجع.
يقول لانسون: "التجربة قد حكمت بفشل تلك المحاولات" ويضيف: "واستخدام المعادلات العلمية في أعمالنا بعيد عن أن يزيد قيمتها العلمية، وهو على العكس ينقص منها أن تلك المعادلات ليست في الحقيقة إلا سرابا، عندما تعبر في دقة حاسمة عن معارف غير دقيقة بطبيعتها، ومن ثم تفسدها. فلنحذر الأرقام، الرقم لا يمحو الفضفاض والعائم في تأثرنا بل يستره، وكل من له أقل دراية بفن الكتابة يستطيع أن يجد في اللغة العادية الوسائل التي يوضح بها المفارقات الدقيقة التي بدونها لا نصل في دراستنا إلى صواب، وتلك المفارقات لا تخضع للأرقام".
ويستمر لانسون في توضيح تلك الفكرة الهامة في صفحات كنت أرجو أن أنقلها كلها إلى القارئ، فعنده "أن الاصطلاح العلمي عندما ننقله في الأدب لا يلقى غير ضوء كاذب بل قد يحدث أن يلقى ظلمة١. وأمعن في الروح العلمية موقف أولئك الأدباء الذين لا يدعون بناء أي شيء على أي أنموذج غيره، بل يقصرون علمهم على رؤية الوقائع الداخلة في مجال بحثهم، والعثور على العبارات التي لا تخلف شيئا خارجا عنها ولا تضيف إليها إلا أقل ما يمكن.. والشيء الذي يجب أن نأخذه عن العلم ليس كما قال فردريك رو هذه الوسلية أو تلك.. بل روحه".
ويعلق لانسون على أقوال رو فيقول: "إن ما نستطيع أن نأخذه عن العلماء هو النزعة إلى استطلاع المعرفة والأمانة العقلية القاسية والصبر الدءوب، والخضوع
стр. 130
للمواقع والاستعصاء على الصديق تصديقا لأنفسنا وتصديقنا للغير، ثم الحاجة المستمرة إلى النقد والمراجعة والتحقيق. وأنا لا أدري أعلم ما سنعمله عندئذ أم لا ولكني على ثقة من أننا سنعمل خير تاريخ أدبي.. وإذا فكرنا في مناهج العلوم فيجب أن يكون ذلك لإثارة ضمائرنا أكثر من أن يكون لبناء معارفنا".
هذه هي أقوال لانسون، وهي عندي تفصل في الخصومة فصلا نهائيا، فالذي نستطيع أن نأخذه عن العلوم -سواء في ذلك العلوم الطبيعية أو العلوم النفسية التي أصبحت اليوم تصطنع مناهج العلوم الطبيعية، كما هو معروف- هو روحها، وأما أن نأخذ عنها مبادئ وآراء وقوانين، فهذا خطأ بل كارثة على الأدب. وكلنا لا ريب يذكر أقوال قدامة عندما رد الرثاء إلى المدح مع كان ويكون وجعل الهجاء نقيض المدح، وحصر الصفات التي يمدح بها في "العقل والشجاعة والعدل والعفة" وما إلى ذلك من سخافات يسمونها فلسفة، وأنا إذ أقاوم بكل قوتي هذا الاتجاه الذي يصدر عنه الأستاذ خلف الله لا أدعو إلى الكسل أو إلى إهمال أبحاث علماء النفس والجمال والاجتماع. فهذه أشياء أضعنا فيها جزءا كبيرا من شبابنا وهي لا ريب تفتح آفاقا للتفكير، وقد تزيدنا بالإنسان معرفة. ولكني أقول: إنها غير الأدب. وإنه لا يجوز أن نظن أننا سنجدد الأدب في شيء عندما نقحمها فيه. وخير عندي من كل هذا أن نناقش قصيدة شعر أو رواية، وإني لمؤمن إيمانا لا يتزعزع بأنه من الأجدى على أستاذ الأدب أن يناقش أمام طلبته أو يعرض على قرائه مناقش نص أدبي يقف عند تفاصيله ويظهر ما فيه، من أن يشرح لهم في سنين أو في مئات الصفحات نظريات علم النفس أو علم الجمال، فهذه لن تصقل ذوقا ولن ترهف حسا. وتلك هي ملكات الأدب التي يجب أن ننميها وأن نتعهدها يجب أن نحبس أنفسنا في الأدب وأما الفرار إلى غيره فلا.
وليس أدل على صحة ما أقول به من واجب قصر المشتغلين بالأدب جهدهم أو على الأقل معظمه على دراسة النصوص الأدبية ذاتها بدلا من محاولة إدخال الفلسفة على الأدب وتضييع وقتنا في ذلك، من كلام الأستاذ خلف الله نفسه، فنظرته إلى النقد كشيء يقوم على الرؤية ويخالف الخلق الفني، وظنه أن الشعراء والكتاب لا يشتغلون بالنقد ولم يشتغلوا به ولا وضعوا نظريات عامة فيه، وأنه لا بد للنقد من أن يكون لنفسه أولا فكرة أساسية في الأدب والفن، كل هذا كلام مردود وخطر؛ وذلك لأن ما فيه من حقائق تاريخية غير صحيح، وما فيه من آراء شخصية للزميل الفاضل لا أراه مصيبا فيها.
стр. 131
فأما ملاحظته "عن قلة عدد الشعراء الذين يعنون بالناحية النقدية من فنهم" فهذا غير صحيح في "مختلف الآداب العالمية" وأنا لا أدري كيف يقال قول كهذا.
والناظر في تاريخ الآداب يجد نوعين من النقد: نقد نسميه وصفيا، ونعني به نقد النقاد المحترفين الذين درسوا مؤلفات الكتاب والشعراء الآخرين ليستنبطوا حقائق وليصفوا لغيرهم، وهذا النقد قد ابتدأه اليونان وبخاصة أرسطو في كتابيه "الخطابة والشعر"، وأنا لا أقول: إن أرسطوا كان كاتبا أو شاعرا، ولكن ما الرأي في "هوراس" الشاعر اللاتيني الشهير، ألم يكتب "فن الشعر" وهي قصيدة طويلة تزيد على الثلاثمائة بيت في فنون الشعر المختلفة وأصول كل فن ومن تميز فيه؟ وما الرأي في بوالو الشاعر الفرنسي الشهير أيضا وقد وضع "فن الشعر" كما فعل هوراس؟ بل ما بال الأستاذ خلف الله يظن أن "الشعراء القدامى" عند العرب لم يتناولوا النقد إلا في بيت للبحتري وبيت لأبي نواس، مع أن لأبي تمام أيضا بيتا يقوله فيه: "إن الشعر صواب العقل"، وهذا يحدد مذهبه، بل دعنا من البحتري وأبي تمام، ثم لننظر إلى أبي نواس وفي معظم خمرياته وغزله نقد لمذاهب القدماء الأمر عند أبي نواس ليس أمر بيت من الشعر بل أبيات إن لم يكن مئات الأبيات.
ومع هذا نسلم مع الأستاذ أن "الشعراء القدامى" عند العرب فيما عدا أبي نواس لم يقتتلوا في سبيل مذاهبهم الأدبية؛ لأن هذه المذاهب لم تكن قد اتضحت بعد ولا تنوعت. ولكن ما الرأي في شاعر كابن المعتز ألم يكتب في النقد "كتاب البديع" الذي يجمع بين علم البيان وفن النقد؟ ألم يكتب في "سرقات الشعراء"؟ ألم يضع الشعراء في طبقات في كتابه "مختصر طبقات الشعراء"؟ ثم ما الرأي في أبي العلاء صاحب "ذكرى حبيب" و"عبث الوليد" و"معجز أحمد" ثم رسالة الغفران؟ وهب أن كتب أبي العلاء كان يغلب فيها الشرح على النقد وأنه قد ضاع معظمها أيضا ولكن أليس لدينا في رسالة الغفران نقد من خير ما خلف "الشعراء القدامى"؟
ولنترك القدامى لننظر في المحدثين في الشرق والغرب وكلنا يعلم أنه منذ القرن السادس عشر أي منذ البعث العلمي كان الشعراء والكتاب هم طليعة النقاد وخير النقاد، ونقدهم يجمع بين ما نسميه بالنقد الإنشائي، ذلك الذي يدعو إلى مذهب جديد من مذاهب الأدب كالمذهب الكلاسيكي أو الرومانتيكي أو الواقعي ... إلخ. ومن منا لا يذكر شكسبير في "هملت" وجيته في "الشعر والحقيقة" وموليير
стр. 132
في "الفن الرومانتيكي" وفكتور هيجو في "مقدمة كرومويل" وشيلي في "الدفاع عن الشعر" وورد زورث في "مقدمته"، وفاليري في "متفرقاته"، ودانتي في "اللغة العامية"، وديهامل في "دفاع عن الأدب".
بل إنني لا أعرف أو لا أكاد أعرف كاتبا أو شاعرا لم يكتب ويتحدث في النقد، وهل يظن الأستاذ خلف الله أن أحدا يستطيع أن يكون شاعرا أو كاتبا مجيدا إلا أن يكون ناقدا ليبدأ بنقد ما يكتبه ووزنه جملة جملة وحرفا حرفا؟ وهلا يرى معي الأستاذ أن كل الفارق بين القدامى والمحدثين هو أن القدامى كانوا ينقدون أنفسهم أو غيرهم دون أن يشعروا بالحاجة إلى كتابة ذلك، وأن المحدثين ينقدون ثم يدونون لتبصير جمهور القراء بحقائق الأدب، ثم من قال: "إن النشاط الفني فيض حيوي متدفق يأبى الوقوف حتى يصل إلى غايته من التصوير أو الإبداع، وإن النشاط النقدي حركة قائمة على الأناة والروية تُعنى -بالضرورة- بتسلسل الفكرة وإحكام حلقاتها". وهذا كلام نرتجله نحن ولم يقل به أحد، لا من الأدباء ولا من علماء الجمال والنفس وأنفسهم وإنما الخلق الفني والنشاط النقدي كلاهما "صناعة كسائر الصناعات"، لا بد فيهما من روية وإمعان وتسلسل وإحكام حلقات وأنا لا أومن بشيء اسمه الإلهام والوحي والعبقرية، وإنما أعرف "التثقيف وإبداع الصناعة" ونقد ما نكتب والجهد وطول المران، وهذه كلها حقائق سبق أن قلتها وسأقولها دائما لأنها الحق.
قال أبو عمرو الجاحظ: "طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلى غريبه، فرجعت إلى الأخفش فألفيته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات. فلله در أبي عثمان لقد غاص على سر الشعر واستخرج أدق من الشعر، وفي هذا النمط ما حدث محمد بن يوسف الحمادي قال: حضر مجلس عبيد الله بن طاهر وقد حضره البحتري لفقال: يا أبا عبادة: مسلم أشعر أم أبو نواس؟ فقال: بل أبو نواس. فقال له عبيد الله: إن أحمد بن يحيى ثعلبا لا يوافق على هذا فقال: أيها الأمير ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحيط بالشعر ولا يقوله وإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه".
بذا يتحدث الصاحب بن عباد في رسالته عن "الكشف عن مساوئ شعر المتنبي" "ص٤، ٥" ومنه ترى أن القدامى قد فطنوا إلى أن النقد شيء مستقبل عن كل علم آخر، وأن قوامه الذوق، وأن أقدر الناس عليه هم الشعراء والأدباء.
стр. 133
فما بالنا نترك كل هذه الحقائق الرائعة التي خلفها لنا أجدادنا، ثم نروح نحاول بعث مذهب سقيم كمذهب الأعجمي قدامة.
إن مذهب الأستاذ خلف الله ومن يرى رأيه سينتهي بنا إلى قتل الأدب، والأدب لا يمكن أن نجدده ونوجهه ونحييه إلا بعناصره الداخلية عناصره الأدبية البحتة، وهذا ما يجب علينا جميعا أن نجاهد في سبيله.
إنه لوهم بعيد أن نظن في علم النفس أو علم الجمال أو غيرهما من العلوم كبير فائدة للأدب، يجب علينا أن نعرف كل تلك الأبحاث، ولكن على أن نحتفظ بتلك المعرفة لأنفسنا ولا نزج بها في الأدب وإلا كنا مفلسين، نوهم الغير ببريق كاذب.
ولقد كتب الأستاذ خلف الله نفسه عن "الذاتية والموضوعية في الفن" بالثقافة منذ أعداد، فماذا أفاد الأدب من ذلك. وإنه لأجدى علينا أن يحلل لنا الأستاذ نصا نتذوقه ونحس في ثنايا تحليله أنه يعرف الذاتية والموضوعية وما إلى ذلك معرفة تضيء تحليله من الداخل، ولكن لا تجففه ولا تتلفه ولا تخرجه إلى التعليم المدرسي. وهو لا ريب بأمثال هذا التحليل سينتهي إلى فكرة أساسية عن الأدب، يستطيع أن يحدثنا بها كخلاصة لتجاربه الخاصة، وعندئذ ستكون أصدق وأعمق من كل ما تستطيع أن تمنحنا علوم النفس والجمال والاجتماع من أفكار أساسية في الأدب.
стр. 134
المعرفة والنقد:
رد الأستاذ خلف الله على مقالي الذي دعوت فيه إلى تنحية العلم عن الأدب ونقده، وذلك تحت عنوان "بعض مناهج الدراسة الأدبية"، واحتاط فلم يذكر اسمي، هذا ما أشكره من أجله، والأستاذ خلف الله رجل لبق، ولقد كان من حقي أن ألزم الصمت، ولكني مع ذلك أعود إلى إيضاح رأيي لا رغبة في محاجة الأستاذ -فذلك أمر ثانوي- ولكن لأن المسألة المثارة لها عندي أهمية بالغة وهي خليقة بأن تجدد حياتنا الروحية ومناهج دراستنا تجديدا تاما، وتسير بنا إلى اللحاق بمن سبقنا من الشعوب.
من السهل أن ندافع عن المعرفة فهي شيء نبيل، نبيل حتى لا يحتاج إلى دفاع، ومن السهل أن نرى في الذوق الأدبي شيئا غامضا أقرب إلى التصوف منه إلى الضوء. وأسهل من كل ذلك أن نستشهد بآراء "آبركرومبي" لندل على وجود ملكة إنتاج وملكة نقد، فهذه كلها أشياء نعرفها وهي ليست موضع المناقشة، والذي أريد أن أتبينه هو: هل هناك مجال لجعل النقد علما؟ وهل ذلك ممكن باستعانتنا بعلوم النفس والجمال والاجتماع؟
النقد -كما قلت ويقول كل النقاد- هو في دراسة النصوص وتمييز الأساليب، وهذا الفن يستعين بضروب من المعارف، ولكنه لا يستخدمها ليحاول أن يضع بفضلها قوانين عامة للأدب، ثم يأتي فيطبق تلك القوانين على النص الذي أمامه، فما تمشي مع تلك القوانين كان جيدا، وما خرج عنها كان رديئا. والعلم -كما نعرف- هو اكتشاف القوانين التي تفسر الظواهر الخاصة بكل جانب من الحياة والوجود، فهل الأدب أحد تلك الجوانب؟
والجواب على هذا السؤال يتطلب أن نميز بين عدة أشياء، فهناك ما سماه مفكرو القرن التاسع عشر "علم الأدب"، وهناك ما سماه بول فاليري في القرن العشرين خلق الأدب، ترجمة للفظة Poetique بمعناها الاشتقاقي، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى لدينا "تاريخ الأدب" و"نقد الأدب".
فأما عن علم الأدب فإجماع الأدباء اليوم أنه قد فشل، وكلنا نعرف نظرية
стр. 135
"تين" في ذلك، فقد أراد ذلك الناقد الفيلسوف أن يضع للأدب قوانين يفسره بها، ورد تلك القوانين إلى الزمان والمكان والبيئة، وطبق قوانينه على الأدب الإنجليزي. وهب جميع ذوي النظر السليم ضد هذا العلم الذي لا يستقيم. وإنك لتقرأ في كتب المدارس بفرنسا ردودا على تلك المحاولة لا تستطيع دفعها. والزمان والمكان والبيئة لا يمكن أن تفسر لنا التفاوت الكبير بين بيير كورني وأخيه توما كورني، وأندريه شينييه وأخيه ماري جوزيه شينييه، فهؤلاء إخوة اتحدوا في الزمان والمكان والبيئة، ثم اختلفوا في كل ما عدا ذلك، ومنهم من طبق مجده الآفاق كبيير كورني، وأندريه شينييه، ومنهم من لا نذكره اليوم إلا للتاريخ كتوما كورني وماري جوزيه شينييه، ثم كيف نعلل في أدبنا تفاوت أبي تمام والبحتري أو الفرزدق وجرير، بل كيف نفسر في الأدب أصالة كل كاتب، مع أن الأصالة بتعريفها ذاته شيء لا يرد إلى غيره وهي مجموعة من الخصائص التي تتميز بها روح عن روح، وأنا على ثقة من أن كل علوم الأرض لن تفسر ذلك الشيء الدفين الذي يميز روحي عن روح غيري، والعبرة بعد ليست باتحاد الزمان والمكان والبيئة، بل بطريق استجابة كل نفس لهذه المؤثرات، وتلك الطرق أصيلة في النفوس الأصلية.
وخلق الأدب أو الإنتاج هو الآخر لا يمكن أن يفسره علم النفس، لا القائم منه على الملاحظة الداخلية، ولا الذي يدرس في المعامل؛ وذلك لأن علم النفس لا يسعى إلا إلى إدراك القوانين النفسية العامة التي قد تفسر حياة الأفراد العاديين إذا صح أن هؤلاء يتشابهون. والذين يخلقون الأدب -كما قلت- نفوس أصيلة لكل نفس منها حقائق، فكيف نريد أن نطبق عليهم قوانين علم النفس العامة التي أشك أكبر الشك في صحتها بالنسببة للعاديين من الناس. نعم إن هناك محاولات قد عملت في علم النفس الفردي، وهذه تتناول بالدرس حياة الأفراد في حدود ما تتميز به تلك الحيوات. ولكن هبنا أقمنا تلك الفروق فأين لنا بنسبها، والوجود كله مجموعة من النسب؟ أليس الأجدى -وتلك حالتنا- أن ندرس طرق إنتاج كل كاتب في نفسه، واقفين عند خصائصه هو مع حرصنا الشديد من كل تعميم مخل؟ وأما عن محاولة فاليري فالذي لاحظه كل من استمع لمحاضراته بالكلوليج دي فرانس هو أن نفسه الخاصة هي التي كانت موضع تحليله وإن ساق الحديث على نحو عام، فهو عندما يتحدث عن خلق الصور واقتناص الفنان لتلك الصور قبل أن تأخذ دلالتها العقلية، يتضح أنه
стр. 136
إنما يفسر أسرار شعره هو، إذن فحتى في هذه المعضلة لا مجال لتعميمات العلم!
بقي تاريخ الأدب والنقد الأدبي.
وفي الحق أن التاريخ الأدبي بالمعنى المعروف اليوم فيه جانب كبير من التجوز الذي تضطرنا إليه ضرورة التعليم، والناظر في طرق تاريخ الآداب المختلفة يجد أنها لا تكاد تعدو ثلاثة أنواع:
١- تأريخ لفنون الأدب Genres Litteraires أو كما نقول في الأدب العربي مثلا: أغراض الشعر، فتتناول في الأدب الغربي فن الملاحم نؤرخ له أو فن القصة أو الدراما، وفي الشعر العربي نتتبع تاريخ المدح أو الرثاء وهكذا.
٢- تأريخ للتيارات العقلية والأخلاقية Les courants كدراستنا لتيار شعر اللذة الحسية عند أناكريون ورونسار ومن نحا نحوهما، أو الغزل العذري عند بترارك وبابيف، أو عند العرجي وعمر بن أبي ربيعة، وعند جميل وقيس بن ذريح.
٣- تأريخ لعصور الذوق Les epoques du gout فندرس عصر الإنتاج الكلاسيكي في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد مثلا، أو ندرس عصر الصنعة أيام البطالسة بالإسكندرية، ندرس مذهب التثقيف عند أوس بن حجر وزهير والحطيئة وكعب، أو مذهب البديع عند مسلم وبشار وأبي نواس وأبي تمام.
وكل هذه الأنواع إنما نجعلها وحدات لاضطرارنا إلى الاعتماد على الكليات في إدراك ذلك الفيض الذي يكون تراث البشرية الروحي، ولكنا عندما ندقق النظر نجد مفارقات لا حصر لها في داخل كل نوع، فرثاء أصحاب المراثي الذين أفردهم ناقدنا العليم ابن سلام الجمحي بباب خاص، وجعل متمم بن نويرة على رأسهم، غير رثاء البحتري وأبي تمام مثلا، ذلك لوعة وهذا مدح، وشعر أنا كريون اليوناني غير شعر رونسار الفرنسي، ولو اتفقا في التغني بالذات، ذلك يوناني يحب الحياة حتى ليكاد ينهبها نهبا، وهذا فرنسي من رجال النهضة يقلد القدماء ويود لو أصاب الخلود مثلهم، وأين صفاء البحر الأبيض من ضباب اللوار؟ ثم من يقول بأن إباء جميل وقوة نفسه يشبه رقة ابن ذريح وتولهه؟ وكذلك الأمر في عصور الذوق، فأوس وزهير يغايران الحطيئة في لون النفس.
هذان ذوا أنفة وترفع والحطية هجاء لم يبق حتى على نفسه، ثم هل بي حاجة لأن أقرر أن مسلما غير بشار، وأن بشارا غير أبي نواس، وأن أبا تمام يغاير
стр. 137
الجميع؟ أين استهتار بشار وأبي نواس مثلا من فقر حياة أبي تمام؟ بل أين فن هذين من تقليد شيخ البديعيين الذي لم يعد في كل شعره "الرقص في السلاسل" أعني: التقيد بمعاني القدماء ومحاولة تجديد صياغتها.
إذن فالصواب هو أن هناك رجالا، كما قال مورياس على فراش موته، وكل ما يعدو الرجال إلى التعميم مجازفة لا يشفع لها إلا الضرورات الملازمة لحياتنا العقلية. فإذا صح هذا فأي علم وأي قوانين عامة يريد أن يصل إليها الأستاذ خلف الله؟
لم يبقَ أمام زميلنا باب مفتوح غير النقد الأدبي، وهذا ما نريد أن ننظر الآن في إمكان إخضاعه لقوانين عامة.
والواقع أنه قد قامت محاولات لجعل النقد علما، وكل تلك المحاولات يمكن أن نلخصها في اثنتين:
١- الأولى تلك التي ابتدأها أرسطو التي ازدهرت في أدب عصر النهضة، وهو الأدب المعروف بالكلاسيكي، وأساس تلك المحاولة هو استقراء ما درج عليه عرف الأدباء في كل فن من فنون الأدب، وجعل ذلك العرف قوانين، ومحاولة إخضاع الإنتاج الأدبي لها، وأسهل مثل لذلك هو الوحدات الثلاث في الدراما. أعني وحدة الزمان ووحدة المكان ووحدة الموضوع، ووجوب توفرها في كل دراما. ومن الثابت أنه لم يخضع لتلك القوانين حتى في الأدب الكلاسيكي إلا المقلدون من الأدباء؛ وذلك لأنها عكاز الأعمى، وأما كبارهم فقد مزقت عبقرياتهم كل عرف وكل قانون. تجد الوحدات مثلا أوضح عند برادون منها عند راسين أو كورني، ويا ويل أدب يحده شيء غير الحياة.
٢- والمحاولة الثانية هي التي أحاربها اليوم بكل قواي، وهي في الحق من "مخالفات الماضي، من مخلفات القرن التاسع عشر في أوربا، ومن مخلفات "الأعجمي" قدامة في الأدب العربي. وأعني بها تطبيق القوانين التي اهتدت إليها العلوم الأخرى على الأدب ونقد الأدب، وهنا لا بد لي من تفصيل القول". وأنا أبدأ بما حدث في أوربا لكي انتهى منه في أسطر لأفرغ إلى أدبنا، فهو مادة حياتنا وهو أولى بأن نوفر عليه جهدنا لنوجهه الوجهة الصحيحة المنتجة.
كلنا يعلم قيام مذهب التطور في أواخر القرن التاسع عشر بأوربا بفضل أبحاث لامارك ودارون، وكلنا يذكر أن سبنسر قد نقل قوانين التطور من مجال العضويات إلى مجال الروحيات فطبقه على الأخلاق والاجتماع وعلم النفس وما إليها.
стр. 138
وشاءت الأقدار أن ينفق ناقد فرنسي عظيم هو برونتير حياته في تطبيق ذلك المذهب على الأدب، فكتب سلسلة كتب بعنوان "تطور فنون الأدب" أخذ يحتال فيها لكي يثبت أن الأدب هو الآخر كالكائنات العضوية. فكما تطور القرد فأصبح إنسانا كذلك من الواجب أن يكون الأدب قد تطور فاستحال فنا من فنونه إلى فن آخر، ونظر فوجد الشعراء الرومانتيكيين يتحدثون في شعرهم عن الموت والحياة والبقاء والفناء، وعن الروح والله، وعن عظمة الإنسان وبؤسه في داخل الطبيعة وبالقياس إليها، وتذكر أن رجال الدين كانوا في القرن السابع عشر يتخذون تلك الموضوعات ذاتها مادة لوعظهم في خطبهم الدينية "Sermon" فقال: "إن الوعظ الديني قد تطور فأصبح شعرا غنائيا في القرن التاسع عشر". وهذا القول فيه من الحق ما كان يعرفه كافة المثقفين من تشابه موضوعات الوعظ الديني والشعر الغنائي الرومانتيكي، ولكن روح المذهب "Syteme" ورغبة هذا المفكر الكبير في أن يصوغ تلك الحقائق صياغة تماشي القوانين العضوية، وحرصه على أن يكون التطبيق عاما شاملا أفسد الكثير من أحكامه، وذهب بجانب كبير من قيمة مؤلفاته، التي أصبحنا ننظر إليها اليوم كوثائق تاريخية أكثر منها ككتب في تاريخ الأدب ونقد الأدب، وما لنا نذهب بعيدا وهأنا أجد لفظة "سيكولوجية" ترد في مقال الأستاذ خلف الله عدة مرات، وفي كل مرة لا تعدو أن تعبر عن أشياء معروفة قريبة بلفظة ضخمة تنزل بعقلي الدوار، وأنا لا أعرف ما هي "سيكولوجية الأدب" مثلا، وكأني بتلك اللفظة قد أخفت غموضا في نفس الكاتب، بل تعمية أخشى منها على نفسي وعلى غيري، بل لقد بلغ الأمر أن أصبحت لي أنا نفسي "سيكولوجية" فيها تصوف واندفاع وتأثرية. وكل تلك حقائق قد تكون صححية -وما أبرئ نفسي- ولكن أصحيح أيضا أنني أدخل في نوع محدود من أنواع الأجناس البشرية، وأن لي "خانة" يمكن أن أوضع فيها؟ في الحق أن هذا كله شرف لا أدعيه.
محاولة اقتحام العلم على الأدب إذن قد فشلت، وكان هذا من حسن حظ الأدب الذي هو أدق وأرهف وأعمق وأغنى من أن نخطط له طرقه. الأدب شيء غير دقيق بطبيعته، ومحاولة أخذه بالمعادلات جناية عليه. الأدب مفارقات، ونقد الأدب وضع مستمر للمشاكل الجزئية، فقد يكون جماله في تنكير اسم أو نظم جملة أو كبت إحساس أو خلق صورة أو التأليف بين العناصر الموسيقية في اللغة، ولقد يخلو من كثير من العناصر التي نعدها كالخيال والعاطفة وما إليها، ومع ذلك يروقنا لصياغته أو سذاجته.
стр. 139
والأمر في أدبنا العربي أشد خطورة؛ لأن الأوربيين لم يجمدوا على الخطأ كما جمدنا، والذي لا شك فيه أن مناهج كل علم أو فن تصدر عن طبيعة ذلك العلم أو الفن، فعندما نريد درس الأدب العربي يجب أن نكون من الفطنة بحيث لا نحاول أن نطبق عليه آراء الأوربيين وقد صاغوها لآداب غير أدبنا. فعلم الأدب مثلا كما عرفناه سابقا بأنه محاولة تفسير الظواهر الأدبية ليس له دائما مجال في أدبنا؛ لأنك إذا وجدت علاقة ما بين حياة بعض من شعرائنا مثلا وشعرهم كما هو الحال في أبي نواس، والمتنبي، وأبي العلاء، وكما كانت الحال في الأدب الجاهلي والأدب الأموي، فإنك لن تجد شيئا من ذلك عند الشعراء المقلدين الذين نسميهم بالكلاسيكيين الجدد أمثال البحتري وأبي تمام مثلا. وكذلك نظرية الإنتاج الأدبي قد يكون لها محل عند الشعراء الأوائل الذين اهتدوا بأنفسهم إلى تشبيه الرسم الدارس بالوشم في ظاهر اليد وأمثال ذلك. وأما من تلاهم فلم يعدوا التقليد، ولك عندئذ أن تبحث في انتقال القيم الفنية المعروفة، وما أدخلوا عليها من تغيير، وكذلك الحال عندما نحاول تأريخ الأدب العربي، ففنونه وتياراته وعصوره غير متميزة، وهم أنفسهم لم يفصلوا القول إلا في مذهب واحد هو مذهب البديع، فهذا وحده هو الذي يشبه مدارس الأدب في أوربا. وأما ما دون ذلك فمقارنات أشاروا إليها إشارات عابرة، وحاول بعض نقادنا المحدثين أن يجعلها مدارس كما فعل الدكتور طه حسين في مدرسة زهير والحطيئة، ولكنها بعد محاولة لا أدري مبلغ ما فيها من جمع ومنع.
إذن فالذين يبقى لدينا من دراسة القدماء للأدب العربي هو ما نسميه بالنقد الفني، ونعني به ذلك الذي ينظر في النصوص ويحكم فيها من حيث الجودة الفنية وعدمها، وهذا النقد حظ التفسير فيه، ومن ثم ما يسميه الأستاذ خلف الله بالعلم ضعيف، وهذا أمر طبيعي أملته حقائق الأدب العربي ذاته، وكل محاولة لتجريح هذا الاتجاه واتهامه بأنه غير علمي محاولة ظالمة مخطئة.
المنثور في كتاب الأغاني وغيره كتب نقد منهجي مفصل لا نظن أن الأوربيين قد وضعوا في آدابهم خيرا منها، ومع ملاحظة الفارق بين طبيعة أدبنا وآدابهم، وخير مثل لتلك الكتب هو "الموازنة" و"الوساطة" ففي أولهما يتناول الآمدي البحتري وأبا تمام بالدرس التفصيلي والمقارنة المستقصاة وفق منهج وضحته في كتاب أرجو أن يقرأه الناس قريبا١، وفي ثانيهما فعل عبد العزيز الجرجاني كذلك في دراسته للمتنبي.
стр. 140
ولكن إلى جانب هذا النقد المنهجي الرائع قامت محاولة "قدامة" التي يريد الأستاذ خلف الله أن يجدد محنتها اليوم. وموضع الخطر عند "قدامة" وعند "العسكري" الذي يعتبر استمرارا لمذهب -هو اعتماد نقده على التقاسيم والشكل والتعليم والتحكيم، ومن منا لا يذكر تعريفه للشعر بأنه: الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى؛ ليخرج غير الكلام الأغراض ومناهجها وتمكن بأن يكون المدح بأشياء ولا يكون غير الموزون وغير المقفى وغير ذي المعنى وما إلى ذلك من حماقات؛ ومن منا لا يذكر رده الرثاء والفخر إلى المدح وحصره لمعاني تلك بأشياء، ثم ماذا فعل في تقسيمه لأوجه البديع غير الخلط حتى في الاصطلاحات، ورفضه أن يسمى المطابق مطابقا كما سماه ابن المعتز وتسميته له بالمتكافئ، ثم تعريفه المعاظلة بأنها فاحش الاستعارة وما إلى ذلك من خلط. ثم هبه قسم الأوجه بل هبه مهد السبيل للعسكري ليصل بها إلى خمسة وثلاثين وجها، فماذا أفدنا من ذلك؟ وماذا يفيد طلبتنا اليوم من لصق بطاقات على طرق الأداء كما يلصق التجار على بضائعهم؟ أهذا نقد؟ أهو بلاغة؟ أهو أدب؟ هذا لا شيء، هذا إضلال للمتأدبين وإفقار للذوق وإماتة للحاسة الفنية في النفوس، لقد قلت وأكرر: إن كتب قدامة وكتاب أبي هلال مستطيرة الشرر، ومن الواجب أن نلفت الأنظار إلى أنه لا يجب أن ينظر إليها المتعلمون إلا كوثائق تاريخية تنير لنا ماضينا، وأما أن نعتبرها كتب نقد فلا، وكفى طغيانها على كتب المتأخرين حتى يومنا، فقد كانت في ذلك محنتنا، ومن واجبنا أن ندافع عن حياتنا التي يغذيها الأدب الصحيح.
أما عبد القاهر الجرجاني فقد قلت للأستاذ خلف الله شفويا: إنني لا أعدل بكتاب "دلائل الإعجاز" كتابا آخر، وأما "أسرار البلاغة" فمرتبته في نظري دون "الدلائل" بكثير. الدلائل تشتمل على نظرية في اللغة وتطبيق تلك النظرية، وأما "أسرار البلاغة" فأقرب إلى الفلسفة النظرية منها إلى النقد الأدبي، وليكن تفصيل ذلك موضوع الحديث الآتي. وكفى أن وصلنا الآن إلى رد اتجاه العلم عن الأدب، وسوف نرى في مذهب عبد القاهر جانبا كبيرا من المعرفة التي يجب أن تتوفر للناقد، وهي بعد ليست معرفة نظرية بل معرفة لغوية وفنية تكتسب بالدربة، وبدراسة علوم اللغة لا بدراسة المنطق والسيكولوجية والجمال وما إليها.
стр. 141
نظرية عبد القاهر الجرجاني:
يخيل إليَّ أنه لا سبيل إلى الوقوف عند الكليات في مناقشة منهج الدراسة في الأدب، فها هو صديقنا الأستاذ خلف الله يرى أن ما أدعو إليه جاهدا لا يختلف إلا قليلا عما يقول، وأنا لا ريب يسرني أن أكون على وفاق تام مع الصديق، بل ومع كافة البشر؛ ولكنني أخشى أن يكون الخلاف أعمق مما يظن، وإن كان ثمة ما يخفف عن نفسي، فهو أننا نقتتل لغاية شريفة.
والذي أدعو إليه هو استقلال الأدب عن غيره من مظاهر نشاطنا الروحي، استقلاله بموضوعه ومناهجه، ولي في استقلال الفلسفة التي كانت تشمل قديما كل أنواع المعرفة أسوة حسنة. وأما ما يدعو إليه الصديق فذلك ما لا علم به؛ لأنه هو نفسه لم يستقر به على تحديده، وكم أود لو واجهنا الصديق برأي متميز يناهض به رأيي، إذن لاهتزت جوانحي فرحا، ولقلت ها نحن قد نضجت ملكاتنا فأصبحت لنا اتجاهات نؤيدها ويؤيدها معنا من يرى الأشياء كما نراها، وبهذا تكون لنا مدارس أدبية كما كانت لغيرنا من الشعوب.
يريد الأستاذ خلف الله أن يأخذ الأديب من كل شيء بطرف: علم النفس وجمال واجتماع، وأنا أعوذ بالله أن أكون عدوا للمعرفة، ولو أن أديبا أخبرني أنه يدرس الفك لشجعته على المضي في دراسته؛ لأن المعرفة -أي معرفة- إن لم تنفع كما يقولون فلن تضر ما حجزناها عن الأدب، وموضوع الخطر هو أن نقحم على دراستنا معارف أقل ما فيها من إضلال هو صرفنا عن أن نركز نظرنا في الأدب كفن لغوي، واهمين أننا نجدده إذ نتناوله بمبادئ علوم أخرى. وأما النظريات اللغوية، وأما علوم اللغة ومناهج اللغة، فذلك موضع دراستنا الذي نعتز به ونرى فيمن يستطيعه على نحو ما استطاعه عبد الظاهر كنزا ثمينا، المنهج الذي أدعو إليه هو المنهج الفقهي -منهج فقه اللغة- وسوف نرى ذلك المنهج يبتدئ بالنظر اللغوي لينتهي إلى الذوق الأدبي الذي هو لا شك متحكم في كل ما يمت إلى الأدب بصلة، وسواء في ذلك أردنا أو لم نرد.
ولنتخذ في إيضاح ما نريد سبيل البواقي، فندل بضرب المثل على ما ليس من
стр. 142
منهجنا، ولتكن أمثلتنا من بين المسائل النفسية التي عالجها صديقنا وغيره من النقاد المصريين، ولنكتف بمثلين: دراسة شخصية الحجاج التي نشرها الأستاذ خلف الله "بالثقافة" ومسألة التصغير عند المتنبي كما نشرها الأستاذ العقاد في "المطالعات".
درس الأستاذ خلف الله خطب الحجاج فوجده رجلا ورعا قوي الإيمان من جهة، قاسيا صلبا من الجهة الأخرى، وذكر أن بعلم الأمراض النفسية شيئا اسمه "ازدواج الشخصية" بل وفطن إلى أن هذه الحقيقة العلمية قد استخدمت في الأدب نفسه، فكتب أحد الروائيين الإنجليز قصة بعنوان "دكتور جيكل آند مستر هيد"١، وفيها يصور المؤلف رجلا يعمل بالنهار كطبيب شريف رقيق، وفي الليل ينقلب شريرا مجرما. وما دام الحجاج قد جمع إلى التقوى الصرامة فهو إذن مزدوج الشخصية، وهو -في رأي الأستاذ- مثل قديم "لدكتور جيكل آند مستر هيد". وهذا مثل لتطبيق مبادئ علم النفس على الأدب، مثل ذلك نرى فيه إغراء المذهب وإفساد الفكرة لحقائق النفوس، وهو بعد لا يقل إسرافا وخطرا وخطأ عن محاولة برونتير تطبيق مبادئ التطور على الأدب كما رأينا في المقال السابق. الحجاج أقوى شخصية من الازدواج. الحجاج نفس مؤمنة تتعصب لما تؤمن به، والتعصب قسوة، نفس قوية بوحدتها.
نظر الأستاذ فوجد الحجاج يقول: "إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها ... وإني ... وإني ... "، وذكر أن في علم نفس الأطفال مرحلة تسمى التركيز الآني "ego- centrisme" وهي تلك التي يرد فيها الأطفال كل شيء إلى أنفسهم، كأن العالم الخارجي امتداد لذواتهم، وكأنهم جزء لا ينفصل عن ذلك العالم حتى يتم لهم إدراك انفصال أجسامهم عن غيرهم وتمييزها عما سواها، وها هو الحجاج يكثر من استعمال ضمير المتكلم، وإذن فلا بد أنه ولوع بذاته، مركز للعالم في آنيته، وهذا مثل ثانٍ لطغيان علم النفس على الأدب. وأنا بعد لا أرى في هذا ذاتية ما، وإنما هي حماسة قلب تلتمس من طرق الأداء وما يشفيها، ذلك ما يحدثني به المنهج الفقهي -المنهج الطبيعي المستقيم.
وكذلك يفعل الأستاذ العقاد، فهو بلا ريب يعلم ونعلم معه أن المتنبي كان
стр. 143
رجلا معتزا بنفسه، وهو قد لاحظ أن المتنبي يكثر من استعمال التصغير، فما عليه إلا أن يقيم علاقة نفسية بن الظاهرتين فيعلل تصغير المتنبي بتكبره، وهذا أيضا من طغيان النفسيات على الأدب، والنفسيات في ذاتها ليست شرا، وإنما الشر يأتي من طريقة استخدامها وبخاصة في عصرنا الحالي، حيث يريد أصحابها أن يعطوها صفة العلم بما يستتبع ذلك من تعميم قوانين لا يمكن أن تنطبق على الأدب، الذي هو -كما قلت وسأقول دائما- مفارقات دقيقة تحتاج في إدراكها إلى ما يسميه بسكال "Pascal" لطافة الحس "esprit de finbesse" أكثر من احتياجها إلى التفكير الهندسي "esprit de geometrie".
ولننظر عن قرب في رأي الأستاذ العقاد؛ وذلك لأنه يبدو لأول وهلة ظاهرة الوجاهة، والمتنبي لا نزاع في أنه متكبر، كما لا نزاع في أنه قد هجا "الشويعر" و"كويفير" و"الخويدم" و"الأحيمق" بل "وأهيل عصره". والتصغير في رأي النحاة كثيرا ما يكون للتحقير، وإذن فالمتنبي يريد بالتصغير أن يحقر خصومه، وهو يحقرهم لأنه متكبر؛ وهنا يتسلل الخطأ إلى التفكير النفساني؛ وذلك لأني لا أظن أن التصغير في شعر المتنبي كان لتكبره، وإنما هو أداة من أدوات الهجاء يعرفها كافة شعراء هذا الفن في الأدب العربي وفي غيره من الآداب. أداة لصيقة بفن أدبي بذاته لا وليدة لطبيعة نفسية عند من يستخدمها، وليست هناك رابطة تلازم بين التكبر والتصغير، حتى ولا في شعر المتنبي نفسه، وهو قد استخدمه للتعظيم، قال:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي
ومعنى الشطر الأول أن الليلة كانت طويلة حتى خيل للشاعر أنها لم تكن ليلة واحدة بل سبعا، وإذا كان هذا طولها فكيف يصغرها فيقول: "لييلتنا"؟ ولقد سئل المتنبي نفسه في ذلك "الوساطة - طبعة صبيح ص٣٣٩": هذا تصغير التعظيم، والعرب تفعله كثيرا، قال لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... ودويهية تصفر منها الأنامل
أراد لطف مدخلها فصغرها، وقال الأنصاري: أنا عذيقها المرجب وجذيلها المحكك، فصغر وهو يريد التعظيم، وقال آخر:
يا سلم أسقاك البريق الوامض ... والديم الغادية الفضفاض
وإذن فالمتنبي قد استخدم التصغير في غير التحقير، بل استخدمه في ضده. ومن هذا نرى أن العلاقة بين التكبر والتصغير غير مطردة حتى يستقيم التفسير
стр. 144
بفرض إمكان ذلك. وفي الحق أن التصغير لا يفيد التحقير والتعظيم والتلميح وما إليها فحسب، بل يفيد ألوانا لا حصر لها من العواطف، وأنه لمن الخطأ أن نأتي بتفكيرنا الهندسي فنعمم على غير احتياط. ونحن لسوء الحظ لم نعد نحس اللغة العربية الفصحى، وهذا يقودنا إلى أخطاء كثيرة لا يمكن أن يعصمنا منها نحو ولا بلاغة، ولنفكر جميعا في الإحساسات المختلفة التي يثيرها في أنفسنا تصغيرنا العامي في قولنا مثلا: "حتة ولد" و"حتة نتفة ولد"، ولنتصور الملابسات العديدة التي يقول فيها شعبنا أمثال تلك الجمل، لندرك المفارقات الدقيقة التي أشرت إليها، هناك وسائل كثيرة تحتال بها اللغات على تلوين أفكارنا ذلك التلوين الذي لا تحمله ولا يمكن أن تحمله مفردات اللغة، وإنما نلحقه بها بفضل التنغيم في الكلام، وبحيل بلاغية في الكتابة، والتصغير إحدى تلك الحيل، ذلك ما يحدثني به المنهج الفقهي، وأما منهج العلم النفسي فيرى أن تصغير المتنبي كان لتكبره!
هذه الأمثلة أسوقها للتدليل على النتائج البعيدة التي تترتب على استخدام مناهج العلوم الأخرى، أو مبادئها في دراسة الأدب. الأدب فن لغوي كما قلت، فمنهجهه هو المنهج الفقهي الفني كما فهمه عبد القاهر الجرجاني وطبقه في "دلائل الإعجاز". والآن ما هو ذلك المنهج؟
منهج عبد القاهر يستند إلى نظرية في اللغة، أرى فيها -ويرى معي كل من يمعن النظر- أنها تماشي ما وصل إليه علم اللسان الحديث من آراء، ونقطة البدء نجدها في آخر "دلائل الإعجاز"؛ حيث يقرر المؤلف ما يقرره علماء اليوم من أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات "Systeme des reapports".
على هذا الأساس العام بنَى عبد القاهر كل تفكيره اللغوي الفني، قال: "إن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينهما فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم، والديل على ذلك أن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها؛ لأدي ذلك إلى ما لا يشك عاقل في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لنعرفها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء، وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فحمال أن يوضع اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة، فكما أنك إذا قلت: خذ ذاك، لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار
стр. 145
إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها؛ كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا من أساميها؟ لو كان ذلك مساغا في العقل لكان ينبغي إذا قيل زيد أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة ... وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن معاني الكلام كلها معانٍ لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل والأول هو الخبر، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع، ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، ومن ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء. وكنت إذ قلت: اضرب، لم تستطع أن تريد منه معنى في نفسك من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدر، وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء.
١- أن الألفاظ لم توضع كما أنها لا تستعمل لتعين الأشياء المتعينة بذواتها، وهذه هي نظرية الرمزية في اللغة التي أوضح المفكر الألماني فنت Wundt١ حدودها؛ وذلك لأنه لدينا عن طريق تجاربنا المباشرة أو تجارب الغير صورة ذهنية لكل شيء ولكل حدث، وإنما نضع ألفاظ اللغة ونستعملها لنحرك هذه الصورة الذهنية الكامنة، فعندما نقول: "رجل" لا يمكن أن يثير هذا اللفظ في نفوسنا شيئا، ما لم يكن في ذهننا صورة الرجل، اللفظ رمز لها ومحرك.
٢- ونحن لا نستخدم ذلك اللفظ لنحرك الصورة الذهنية تحريكا نريده لذاته، وإلا كنا مجانين، وإنما نفعل ذلك لأننا نعتزم أن نخبر عن "الرجل" بشيء ما، وهنا يلحق الجرجاني بأكبر مدرسة حديثة في تحليل اللغة، أعني مدرسة العالم السويسري الثبت رأس علم اللسان الحديث فردينانمد دي سوسير F. de Saussure٢ ثم اللغوي الفرنسي الذائع الصيت أنتوان مييه "A. Meillet" ولقد كتب هذا العالم الأخير فصلا٣ هاما عن منهج الدراسة