وقال تعالي في وصف العاصين غير الملتزمين بأوامر الله ونواهيه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠-١٢] .
ومن معطيات وجود الحياة الآخرة بين مقومات التربية الإسلامية، إيمان المسلم بموجود الجنة بما فيها من ترغيب، ومن أعد الله فيها من متع لا تخطر على قلب بشر, وعد الله بها المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، المستقيمين في الحياة الدنيا على صراط الله الحميد، فقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الطور: ١٧] .
وقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] .
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤, ٥٥] .
ومن الكثير الكثير الذي جاء في الكتاب الحكيم في وصف هذه الجنات، قول الحق ﵎: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥] .
وفي قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢-١٦] .
ومن معطيات الإيمان بالحساب يوم القيامة، الإيمان بوجود جهنم وما فيها من ترهيب لما أعد فيها لمشركين بالله, ومن يصدون عن سبيله في الحياة الدنيا، ومن يفترون عليه الكذب وهم يعلمون، والذين لا يحكمون بما أنزل الله والمخالفين لمنهجه، وغيرهم ممن لا يستقيمون على صراط الله الحميد. قال تعالى:
стр. 107
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٣، ٣٤] .
وقال تعالى عن المنافقين والكفار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
ومن أهداف هذا الترغيب في الجنة والترهيب من النار حفز الإنسان على التمسك بمنهج الله في الحياة الدنيا، وتربية وازع ديني وإرادة ذاتية نابعة من نفسه, تحثه على الاستقامة على هذا المنهج وتوجيهه إلى السير وفقه في جميع شئون الحياة.
وهكذا يقيم المنهج الرباني الإنسان رقيبًا على نفسه، فلا يتلبث بمعصية في غفلة من مراقبيه كما يحدث في المناهج البشرية الموضوعة، ولا يتحايل على رقابة الغير كي يفلت من قبضة القوانين. ولكنه يحاسب نفسه بنفسه، ويلزم نفسه بنفسه، ويراقب نفسه بنفسه، ويزن أعماله في الدنيا قبل أن توزن عليه
في الآخرة، فهذه فتاة تقول لأمها التي أرادتها أن تخلط اللبن بالماء ما دام أمير المؤمين لن يراهما: "إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن الله يرانا".
وهكذا تتكامل الحياة في الدارين. فالعمل في الأولى يحدد نوع الحياة في الأخرى، والحياة في الثانية تجعل من الإنسان رقيبًا على نفسه حسيبًا لأعماله في الأولى.
ومع أن الحياة الآخرة نعيم مقيم للطائعين، وأنها محط البشر جميعًا، وأن الحياة الدنيا معبر إليها، ومع أن العمل الصالح في الدنيا أساس النعيم في الآخرة, إلا أن التوازن والاعتدال في العمل لكل من الحياتين مطلب أساسي في التربية الإسلامية. نستبين هذا من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] .
стр. 108
ومن قوله ﷺ : "إن الدين يسر, لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". "صحيح البخاري".
وفيما يلي موقفان عمليان يضرب الرسول ﷺ فيهما مثلا للاعتدال في العمل للحياتين الدنيا والآخرة، عن أنس بن مالك قال:
جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؟ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا, وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر, وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ وأما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني". "صحيح البخاري".
وعن أبي جحيفة وهب الله بن عبد الله ﵁ عن أبيه قال: آخى النبي ﷺ -بين سلمان وأبي الدرداء. فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك؟ فقال: أخوك أبو الدرداء ليس له حياة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل. فلما كان الليل, ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا. فقال سلمان: إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "صدق سلمان". "صحيح البخاري".
وهكذا تعمل التربية الإسلامية على ترسيخ كل من الحياتين الدنيا والآخرة في وجدان المسلم، وأن يجعل لكل منهما نصيبًا مفروضًا في عمله في الحياة الدنيا، وأن يحافظ على التوازن بينهما، فلا ينبغي أن تستقطبه الحياة الدنيا بما فيها من ملذات وشهوات وإغراءات، فتجرفه إلى مخالفة منهج الله. كما لا ينبغي أن يستولي عليه العمل للآخرة فيعطي وقته كله أو جله للعبادة على حساب السعي في مناكب الأرض, وطلب الرزق والعمل على إصلاح أحوال المسلمين، والتمتع بما أحل الله له.
стр. 109
رابعًا: حث المسلم على العمل بقدر طاقته
قبل أن أتناول هذا الموضوع بالتحليل أرى أن أستعرض موقفًا له دلالته في تصور غير المسلمين عن قيمة العمل في الإسلام، انعكاسًا من أعمال المسلمين أنفسهم.
قابلت رجلًا أمريكي الجنسية -في أحد الأسفار- عمل في إحدى البلدان العربية عدة سنوات، ودار بيننا حديث في موضوعات شتى، وودت أن أعرف إن كان قد تعلم من اللغة العربية شيئًا في أثناء إقامته هناك، فسألته عما تعلمه منها فقال: "إن شاء الله" فسألته، وماذا تعني: "إن شاء الله"، قال: عندما تريد أن تؤجل عملًا إلى أجل غير مسمى، تقول: "إن شاء الله".
فهل هذا السلوك الذي عبر عنه الرجل يتفق مع منهج الإسلام؟ صحيح أن خبرة الرجل تعتبر خبرة خاصة، ولكننا نعرف أن ما عبر عنه ليس نادرًا، بل نجد له وجودا في الكثير من بلاد المسلمين في الوقت الحاضر.
هذا رغم أن العمل وفق الدين الإسلامي -مع إخلاص النية لله وصحة المنهج- عبادة. وإن القرآن الكريم ليقرن العمل الصالح في كثير من آياته بالإيمان. وهذا يضع العمل الصالح في مرتبة عالية، إذ إنه دليل على صدق الإيمان بالتطبيق العملي في واقع حياة المسلم خاصة وجماعة المسلمين عامة.
وتصل قيمة العلم في الإسلام مداها حين توجه الرسول الخاتم ﷺ المسلم ألا يكف عن أداء العمل حتى ولو قامت القيامة.
وذلك في قوله ﵊: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها، فله بذلك أجر". "رواه أحمد في مسنده".
ولقد كانت حياة محمد ﵊ مدرسة في العمل الجاد المتواصل. فقد عمل في التجارة، ورعي الغنم. وكان يرتق ثوبه بنفسه، ويخصف نعله بنفسه، وكان يشارك أصحابه فيما يقومون به من أعمال. وفي غزوة الخندق -على سبيل المثال- كان يضرب بمعوله مشاركًا في حفر خندق يحمي جيش المسلمين والمدينة من الجيوش الغازية.
والقصص القرآني يضرب الأمثال الكثيرة لعمل الأنبياء والرسل. فهذا نوح ﵇ يعمل في بناء السفن التي ركبها هو ومن معه من المؤمنين, وهذا موسى يعمل أجيرًا لدى شعيب ﵉. وهذا داود ﵇ كان يأكل من عمل يده. وهذا يوسف كان يعمل لدى فرعون.
стр. 110
ونستبين قيمة العمل في الإسلام من توجيه الله لمريم البتول -وهي في المخاض؛ وهو حال وهن وضعف وخوار قوة- يأمرها ربها وهي على هذا الحال بأن تهز إليها بجذع النخلة فتساقط عليها رطبًا جنيًا لتأكل وتشرب، هذا مثل مبين لقيمة العمل في الإسلام، فمع قدرة الله على أن ينزل على مريم الرطب الجني دون عناء منها, وهي المجهدة بمخاض وليدها إلا أنه يأمرها بأن تبذل جهدًا في هز النخلة -بحوله وقوته- كي تحصل على ما تتقوى به على ما هي فيه.
مما سبق يتضح لنا نحن المسلمين مدى عناية الدين الحنيف بالعمل الصالح. كما يتضح لنا أن العمل من أسس الحياة وفق منهج الدين الإسلامي، ففي كتاب الله الكريم نجد الأنبياء والرسل, وقد ضربوا الأمثال في العمل بأنفسهم حتى يكونوا لنا قدوة، ويبين القرآن لنا أن العمل أساس الحياة وأن الإحسان فيه طريق للمثوبة والأجر.
والعمل في الإسلام له خصائص ثابتة. الخاصة الأولى منها أنه لا بد من أن يؤسس علي النية. بمعنى أن يخلص المسلم النية لله -تعالى- في عمله: فقد قال نبينا ﵊: "إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى, من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه". "متفق عليه".
والخاصة الثانية هي الأخذ بالأسباب التي تنجز العمل وعلى رأسها التزود بالعلم والتقنية. وهذا يعني أن يؤهل الإنسان نفسه بالعلم والخبرة واكتساب المهارات اللازمة لأداء العمل. ولا يتواكل على أحد أو ظروف قد يتوقعها أو بدعوى التوكل على الله. مثل الأعرابي الذي قال لرسول الله ﷺ : لقد تركت ناقتي على باب المسجد, وتوكلت على الله. فقال له الرسول ﵊: "اعقلها وتوكل". وهذا يعني أنه لا بد من أن يأخذ الإنسان بالأسباب في كل عمل. ففي الغزوات والحروب -على سبيل المثال- كان المسلمون يأخذون بأسباب النصر من إعداد القوة البشرية والسلاح والعتاد والتزود بالعلم عن فنون القتال وتقنيته، وفي شئون العبادة, وكانوا يجتهدون فيها ويستبقون خيراتها.
والخاصة الثالثة للعمل في الإسلام الإحسان، وهذا يعني أن المسلم ينبغي أن يستفرغ الطاقة في أداء عمله. والإحسان هنا يشمل أشياء كثيرة مثل بذل الطاقة في البحث عن المصادر, وحسن استخدامها, والمهارة في التحليل والاستخلاص والتفكر والتدبر والإبداع, وتوظيف الطاقة الجسمية في بذل الجهد, والصبر في الطلب والمثابرة في المتابعة, والطاقة النفسية في حب التضحية واستمرار الدافعية واستنهاض القدرات والاستعدادت والمواهب.
стр. 111
وعلى وجه العموم، فإن العمل وارتفاع مستوى الإنتاج فيه من العوامل الفارقة بين الأمم. فالأمم المتقدمة تهيئ الفرص لأبنائها للعمل والإنتاج والإحسان فيه وفي تطبيقه, وتعدهم الإعداد اللازم لذلك، فتزودهم بالخبرات المناسبة لمجال العمل الذي سوف يمارسونه، وتتابع تأهيلهم بالتدريب المستمر. ومن لم يسر على هذا الدرب من الأمم تخلف وصار من القاعدين.
وفي عالمنا المعاصر لم تعد الخبرات المؤهلة -اليوم- لعلم ما مؤهلة له -بالضرورة- في الغد القريب أو البعيد. فالمستحدثات العلمية والتقنية تغشى مختلف مجالات الأعمال. ولما كان التقدم فيها يتسارع تسارعًا غير مسبوق فإن مواكبة التنمية البشرية المتكاملة لهذا التسارع أضحت أمرًا لا غنى عنه؛ لإنهاض المجتمعات والسير بها نحو التقدم المنشود. وهذا يوضح ضرورة التلازم بين العلم والعمل من حيث كونهما ركيزتين للانطلاق والتقدم.
هذا التلازم قرره الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا خلت. فاشترط أن يكون العمل مسبوقًا بالنية الخالصة لله، وأن تكون النية مسبوقة بالعلم. فمن الأمور المسلم بها ألا يقدم الإنسان على عمل، ما لم يكن لديه معلومات عن هذا العمل تكون اقتناعًا عنده بضرورته وأهميته فيجد لديه دافعًا ذاتيا لإنجازه على أفضل وجه مستطاع.
ويتضح فضل العلم وسبقه على القول والعمل في الخطاب الموجه للرسول الكريم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] .
والخاصة الرابعة للعمل بعد إخلاص النية, والأخذ بالأسباب واستفراغ الطاقة في هذا العمل، هي التوكل بمعنى أن أداء العمل لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف الذي يتغياه المسلم, فقضاء الحوائج وتحقيق أمر أم عدم تحقيقه يرجع إلى مشيئة الله وإرادته. فقد ورد في محكم الكتاب: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣, ٢٤] .
ولقد بدأت رسالة محمد ﵊ بالأخذ بأسباب العلم، فأول آية أنزلت عليه هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] .
стр. 112
ومما يبين سبق العلم على القول أنه أساس خشية الله، كما يتضح من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] .
وحتى لا يضل الناس بالأخذ من مآتي غير مناسبة فتحبط أعمالهم، يحدد الله لهم مصادر العلم الموثوق فيها في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
ومما هو جدير بالذكر أن عمارة الأرض التي كلف الله بها الإنسان لا تتم إلا بالعلم المتفوق, والعمل الدءوب, والتقنية المناسبة للزمان والمكان في كل عصر ومصر. ومما يثبت أن المسلم مطالب بالعلم السباق والعمل المبدع أن الله كلفه بإعداد القوة المرهبة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
ولا تكون القوة مرهبة ما لم تكن متفوقة على غيرها، وهذا التفوق لا يمكن أن يتأتى ما لم يستند إلى علم سباق وعمل معطاء, وتقنية غلابة يتفوق بها المسلم على المتوافر لدى الغير، فتكون بذلك قوة مرهبة.
ومما يثبت أن المسلم مطالب بالعمل الصالح، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] .
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الحج: ١٤] .
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] .
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .
ويبين الله ﵎ أن الإحسان في العمل يحقق الحصول على الأجر، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] .
ويروى عن الرسول الكريم ﷺ أنه نظر إلى يد تورمت من كثرة العمل فقال: "هذه يد يحبها الله ورسوله".
وقال صلوات الله وسلامه عليه: "لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلًا يعطيه أو يمنعه". "رواه مسلم".
ويوضح الرسول ﷺ أن من لا يعمل ويسأل غيره العطاء يتدنى بقدر نفسه. فيقول صلوات الله وسلامه عليه: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة". "رواه مسلم".
стр. 113
خاتمة الفصل الثالث:
في هذا الفصل:
عالجنا الأساس الأول من الأسس العامة لاختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها، وهو: التربية الإسلامية، وقد بينا خصائص هذه التربية من حيث عالميتها ومصادرها وغاياتها وشمول أثرها، وأهم ما توجه المسلم إليه من إخلاص في العمل ودأب في طلب العلم. هذه الخصائص لكها ينبغي أن يأخذها مخططو المناهج في الاعتبار، سواء عند اختيار خبرات المناهج أن عند تنظيمها أو تقويم مردودها.
стр. 114
أهم مصادر الفصل الثالث:
أ- القرآن الكريم.
ب- صحيح مسلم.
جـ- صحيح البخاري.
د- فتح الباري في شرح صحيح البخاري.
١- الأبراشي، محمد عطية:
التربية الإسلامية وفلاسفتها "ط٣". القاهرة: دار الفكر العربي.
٢- الشافعي، إبراهيم محمد.
التربية الإسلامية، وطرق تدريسها. الكويت: مكتبة الفلاح، ١٤٠١هـ-١٩٨٠م.
٣- الشعراوي، محمد متولي.
هذا هو الإسلام "ط١". القاهرة: الدار المصرية للنشر والتوزيع، ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م.
٤- الشيباني, عمر:
فلسفة التربية الإسلامية: طرابلس: الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ١٩٧٥م.
٥- النحلاوي، عبد الرحمن:
أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع. دمشق: دار الفكر، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م.
٦- خليل، محمد رشاد:
علم النفس الإسلامي العام والتربوي "ط١". الكويت: دار القلم ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م.
٧- شديد، محمد:
منهج القرآن في التربية. بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٣٩٧هـ- ١٩٧٧م.
٨- عطار، ليلى عبد الرشيد:
الجانب التطبيقي في التربية الإسلامية: جدة: تهامة، ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م.
стр. 115
٩- قطب، سيد:
نحو مجتمع إسلامي "ط٦". القاهرة: دار الشروق، ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م.
١٠- العدالة الاجتماعية في الإسلام "ط٩". بيروت: دار الشروق، ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م.
١١-الإسلام ومشكلات الحضارة "ط٩". القاهرة دار الشروق ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م.
١٢- قطب، محمد:
منهج التربية الإسلامة. بيروت: دار الشروق ١٤٠١هـ-١٩٨١م.
١٣- مدكور، علي أحمد:
منهج التربية الإسلامية: أصوله وتطبيقاته. الكويت: مكتبة الفلاح، ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م.
١٤- المفاهيم الأساسية لمناهج التربية: الرياض: دار أسامة للنشر والتوزيع: ١٤١٠هـ-١٩٨٩م.
١٥- مرسي، محمد منير:
التربية الإسلامية: أصولها وتطويرها في البلاد العربية: القاهرة: عالم الكتب، ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م.
стр. 116
الفصل الرابع: أهم خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي
مقدمة الفصل الرابع:
خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي هي الأساس الثاني لاختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها. فالعلم هو الوعاء الخيري الذي تنهل منه المناهج الدراسية. ولا يمكن أن يشمل هذا الوعاء ما يخالف مقومات المجتمع.
فلكل مجتمع عقيدته وقيمه وتقاليده الراسخة وآماله وتطلعاته المستقبلة، وتختلف المجتمعات فيما بينها باختلاف ثقافاتها من حيث النظرة إلى الكون والإنسان والحياة, وتتقارب وتتباعد بقدر الاتفاق أو الاختلاف في هذه النظرة، لكنها لا تتطابق أبدًا بالاتفاق الكامل فيها، وهذا أمر بعيد المنال.
لذلك تحرص المجتمعات على أن تحافظ نظمها التعليمية ومناهجها على معتقداتها وقيمها وتقاليدها الراسخة, وأن تعمل على وقايتها من الغزو الخارجي وصولا إلى المحافظة على هويتها الثقافية وقاية لها من عوامل التفكك والانحلال.
كذلك الأمر بالنسبة للمجتمع المسلم. لكي يحافظ على تماسكه، ينبغي أن يحافظ على هويته الإسلامية عمومًا وعلى محتوى المناهج الدراسية، بصفة خاصة من التلوث الخارجي، ويعرف المتخصصون في المناهج الدراسية أن هذه المناهج تتأثر بالفكر السائد في المجتمع عن العلم وخصائصه.
لذلك، فإنه من الأهمية بمكان أن تراعي المناهج الدراسية في المجتمع المسلم خصائص العلم الذي تستقي منه المناهج الدراسية خبراتها، وأن تكون هذه الخصائص محل رعاية من القائمين على المناهج الدراسية في العالم الإسلامي عند اختيار خبراتها وتخطيطها وتنظيمها وتقويمها ومتابعتها.
ونعني بالعلم هنا جميع ما يتعلمه الإنسان في حياته، وبصورة أكثر تفصيلًا فإننا نعني به الخبرات النظرية والعملية والميدانية والتطبيقية وشتى صور الخبرات التي يكتسبها الإنسان في أثناء وجوده على الأرض ما دام حيا. وفق هذا التعريف فإن العلم يجمع الخبرات المتعلقة بالوجدان والمتعلقة بالمعرفة والمتعلقة بالمهارات وغيرها من المجالات، وأن العلم يحيط بجميع جوانب المعرفة والثقافة والحضارة والقيم والمعتقدات وجميع ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان في الحال أو الاستقبال من معارف وخبرات, إضافة إلى ما حصله في تاريخ الإنسانية السابق كله.
العلم في الإسلام له خصائص ينبغي أن يحيط بها مخططو المناهج لكي يأخذوها في الاعتبار عند اختيارهم لخبرات هذه المناهج. هذه الخصائص هي موضوع اهتمامنا في هذا الفصل من الكتاب. وسنحاول إلقاء الضوء عليها من خلال التفكير في الإجابة عن الأسئلة التالية:
стр. 117
- ما موقف المسلم من العلم؟
- هل للعلم -وفق التوجيه الإسلامي- من خصائص غير مسبوقة يتفرد بها؟
- هل للعلم مصادر، في الإسلام، غير ما نعرفه من مصادر بشرية مثل بحوث العلماء وملاحظاتهم وحدسهم وتجارب معاملهم؟
- هل للعلم في هذا الدين وظائف سوى تطويع البيئة للإنسان وإحكام السيطرة عليها، وإسعاد الإنسان عن طريق توفير أسباب المتاع له في حياته الدنيا؟.
- وهل من غاية العلم في المجتمع المسلم غير توفير الرفاه لهذا المجتمع وفق الأهداف التي يراها لنفسه، ووفق مصالحه ومقتضيات تحقيق ما يطمح إليه من أهداف سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية.
- وهل هناك حاجة للبحث عن مصادر أخرى سوى العلم لتسيير أمور الحياة؟
- وما واجب العلماء، وما أثر ما حصلوه من علم على صلتهم بالله ؟
من خلال البحث عن إجابات لهذه الأسئلة، وبالرجوع إلى المصادر الإسلامية الأصلية سنحاول تحديد خصائص العلم -وفق التوجيه الإسلامي- على النحو التالي:
أولًا: طلب العلم فريضة على كل مسلم.
ثانيًا: العلم كله من عند الله، ولا ينضب.
ثالثًا: غاية العلم هي تطبيق منهج لله في الحياة.
رابعًا: العلم يحيط بجميع متطلبات الحياة، وفق منهج الله.
خامسًا: تتوافق فيه حقائق الكون مع حقائق الوحي.
سادسًا: العلم يرفع قدر طلابه عند الله.
стр. 118
أولًا: طلب العلم فريضة على كل مسلم
يحث الإسلام المسلم على طلب العلم، ويستنفر قواه العقلية والحسية والوجدانية لكي تنهل من بحاره الشاسعة، والتربية الإسلامية -لكي تتحقق للفرد وتظل جزءًا لا يتجزأ من سلوكه- لا بد من أن تنبع من ذات المتعلم، ولا بد من أن تشمل كافة جوانب شخصيته وكافة جوانب حياته. وهذا لا يمكن أن يحدث ما لم يجد الفرد في إفراغ طاقته في العلم وفق معطيات عصره وحاجة مجتمعه وبيئته.
نتبين هذا من قول الرسول الأمين ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم". "رواه ابن ماجه".
وقال الحق، ﵎: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] .
وعنى ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ ألزمناكم العمل بما فرض فيها.
وكلمة "فريضة" هي الاسم من فعل "فرض" "لسان العرب، ٣٣٨٧".
ويمكن فهم الفريضة بأنها: واجب مفروض على الإنسان أن يؤديه، ولا يجوز أن تشغله عنه المشاغل أو تقعده عنه العقبات التي يمكنه التغلب عليها. واجب يؤديه الإنسان لله تعبدًا. ومن ثم ينبغي أن يؤديه بإتقان وإخلاص؛ لأنه عمل يقرب العبد إلى ربه. وبذلك ينبغي على المسلم أن يستمر في طلب العلم طيلة حياته، وفاء لحق عبادة الله .
ومما يؤيد هذا القول أن أول آيات أنزلت من كتاب الله الكريم على الرسول الأمين -الذي لا يعرف القراءة والكتابة- توجه إلى وسائل اكتساب العلم، وهي القراءة والكتاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] .
وهذا يبين أن طلب العلم -الذي من أهم وسائله القراءة والكتابة- فريضة على المسلم.
ومن أهم ما يمكن ذكره لبيان أن العلم فريضة على كل مسلم، حقيقة أن العلم مؤسس للنية، وأن النية مؤسسة للعمل، أي: إن العلم والنية يسبقان أداء الأعمال.
فالعلم بوجوب العمل وأهدافه ومتطلبات أدائه ومكانه وزمانه، يكون أساسًا لأن يقرر الإنسان أنى يقوم به أو يتركه، فقد يقرر ألا يقوم بعمل ما إذا كان له الخبرة
стр. 119
في ذلك. وإذا قرر القيام فلا بد له من أن يكون قد عرف فيه ما يمكنه من أدائه بصورة صحيحة. فمثلًا، لا يمكن أن يصلي المسلم ما لم يعلم أن الصلاة فريضة وأن له أركانا ومواقيت وغير ذلك, لا يمكن أداء الصلاة -على الوجه الصحيح- إلا بمعرفته، وبعد هذا العلم فإنه يبدأ بالنية، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع الأعمال.
ومن حيث إن النية مؤسسة للأعمال، فقد بينها حديث عمر، ﵁ حين قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". "متفق عليه".
وقد أورد ابن حجر في "باب العلم قبل القول والعمل"، قال ابن المنير: "أراد به أن العلم شرط من صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل".
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] .
والتوجيه الرباني في هذه الآية يقدم العلم بوحدانية الله، أولا ثم يتبعه العمل وهو الاستغفار.
ويحث الله ﵎ عباده على النظر في الكون ليتبينوا قدرته على الخلق، وليروا آياته الكبرى، وليتفكروا في بديع صنعته ويؤمنوا بوحدانيته. وذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، منها:
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ١٧-٢١] .
وقد جاء في تفسير هذه الآيات في مختص تفسير ابن كثير: فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه, وأنه الرب العظيم المالك المتصرف، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. "تفسير ابن كثير: ٦٣٤".
وهذا النظر لا يمكن أن يصل إلى مراد هذه الآيات الكريمات ما لم يؤسس على قدرة على التحليل والتفسير والمقارنة والاستدلال والقياس. وهذا كله مهمة كل مسلم، وبالتالي، فإن العلم الذي يقدر الإنسان على القيام بهذه المهمة يصبح ضرورة
стр. 120
وفريضة؛ لأنه يمكن الإنسان من الوقوف على دلالات التوحيد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
واستخلاف الله للمسلم في عمارة الأرض يجعل العلم فريضة عليه. فعمارة الأرض لا يقف مداها عند حدود زمنية أو مكانية. بل هي ممتدة بامتداد الأزمنة كلها، منتشرة بانتشار الأمكنة كلها، بمعنى أن المسلم مطالب بعمارة الأرض حيثما يكون ووقتما يكون.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] .
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] .
وغني عن القول أن العمارة ينبغي أن تتم باستثمار معطيات البيئة وفق مقتضيات العصر. فلكل عصر علومه وتقنيته التي ينبغي أن يتعلمها المسلم لكي يعمر بها الأرض. فمثلًا، عصر البخار وعصر الكهرباء وعصر الذرة، وعصر الفضاء والهندسة الوراثية, علومه وتقنيته التي لا يمكن عمارة الأرض فيه واستثمارها الاستثمار الأمثل، ما لم يلم الإنسان بهما.
ولكل بيئة مصادرها الطبيعية التي تحدد نوع العلم والتقنية اللازمة لاستثمارها. فالبينة الزراعية تحتاج -على سبيل المثال- إلى علوم تحليل التربة واستنباط البذور والتسميد ومقاومة الآفات وترشيد استهلاك المياه والمحافظة على البيئة من التلوث, وتسويق المحاصيل والتصنيع الزراعي، واستنباط البذور وإنتاج الجديد باستخدام الهندسة الوراثية، ومقاومة التصحر.
أما حاجة استثمار البيئة التجارية من العلوم والتقنية، فتختلف عما سبق ذكره إذ ستحتاج علم وتقنية إدارة الأعمال والمحاسبة والدراسات الخاصة بحاجات الأسواق المحلية والخارجية للسلع، وبمستوى الجودة، وبمتابعة حركة السلع المنافسة، وبآليات التسويق ومهاراته.
وبذلك يصبح اكتساب الخبرات اللازمة لعمارة الأرض وفق علوم العصر وتقنيته في مجال معين من مجالات مصادر البيئة فرض عين على من يقوم بواجب عمارة الأرض في هذا المجال. فالعلم إما أن يكون فرض عين على المسلم وإما أن يكون فرض كفاية، أي: إنه فرض على أي حال.
стр. 121
ويوضح حسين الشافعي، حدود كل من فرض العين وفرض الكفاية بقوله:
وينقل الإدريسي "في التراتيب" عن فقهاء الشافعية:
حكى الإمام الشافعي في "الرسالة" والغزالي في "إحياء علوم الدين" الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، قال القرافي في "الفروق": فمن باع، وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع. ومن أجر، وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة. ومن قارض، وجب عليه أن يتعلم حكم القراض، ومن صلى، وجب عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة "١، ٣٦-٣٧".
ويصنف الشافعي من "قوانين الأحكام الشرعية" لابن جزي، ومنه "العلم" فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين ما يلزم من معرفة الطهارة والصلاة, فإذا دخل رمضان وجب عليه معرفة الصيام، فإن كان له مال، وجب عليه معرفة الزكاة، فإذا باع، وجب عليه معرفة البيوع، أما فرض الكفاية فهو ما زاد على ذلك. "١، ٣٧".
ويقول أحمد العسال:
فهناك علوم عينية على كل مسلم ومسلمة وشاب وشابة لا يسع أيا منها من يجهلها أو يفرط في طلبها، وهو ما لا يصح إسلامه إلا بها من معرفة صحيحة للعقيدة والعبادة والمعاملات والسلوك والخوف والرجاء والتطهر من الذنوب والتوبة إلى الله وحسن تلاوة القرآن والتعرف على سيرة النبي الكريم ليحسن الاقتداء والتأسي.. وعلوم أخرى لا يتم الواجب إلا بها من سد حاجة الأمة وإعانتها على أداء رسالتها وإغنائها عن غيرها ... وهي علوم الصناعات المختلفة والطب والاقتصاد وعلوم الاجتماع والسياسة وغيرها ... فهذه كلها تعتبر من فروض الكفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا لم يوجد من المسلمين من يقوم بها أثمت الأمة كلها، كالحاجة إلى المجتهدين وأهل الذكر سواء بسواء. "٣، ٦٠".
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
ومما يجعل طلب العلم فريضة أن الله حين خلق للإنسان السمع والبصر والفؤاد، وحين خلق له اللسان والشفتين والعقل، فإنه خلق ذلك كله لكي يستخدمه الإنسان في التعلم والتبصر والتدبر في عناصر الكون من مخلوقات الله، سواء في نفسه أو في غيره. وهذا التبصر والتدبر يحتاج إلى تحصيل مستمر للعلم.
стр. 122
واكتساب مستمر للخبرة. وما دام هذا التبصر والتدبر والتفكر عمليات دائمة, فإن تحصيل الإنسان لآليات ممارستها تكون -أيضًا- دائمة.
على وجه العموم، فإن أي عمل يقوم به المسلم ينبغي أن يبذل فيه كل جهده حتى يتقنه فقد ورد في الأثر: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم العمل أن يتقنه". "صحيح الجامع الصغير والمقاصد".
والقرآن الكريم يبين أن إحسان العمل أساس لضمان الأجر، وذلك مصداقًا لقول الحق ﵎: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] .
والإحسان والإتقان يستلزمان التأهل لهما بالعلم والمهارة. إضافة لما سبق، فإنه قد ورد في الأثر أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. ولكي يؤتى الإنسان الحكمة ينبغي أن يستفرغ طاقته في التعلم، بحيث يصبح العلم في حياته فريضة، وهذا ما قرره القرآن الكريم وما أرشدنا إليه نبينا ﵊، وما أفادت به المصادر الشرعية الأخرى.
стр. 123
ثانيًا: العلم كله من عند الله، ولا ينفد
إن العلم يملأ جوانب حياتنا ونعتبره علامة مميزة لعصرنا الحاضر، نشهده في تصوير الأقمار الصناعية لسطح الأرض, وما عليها وما في باطنها من مياه جوفية وبترول ومعادن وأخاديد وحركة، وفي التقنية التي عبرت بالإنسان عصورًا إلى مستقبل لا يعرف مدى ما سوف يحدث فيه من تغيرات إلا الله، ، وفي المراكب التي تسبح في الفضاء، وأصبح البعض يتهافتون على ركوبها كأنهم سيذهبون في رحلة سياحية إلى بلد مجاور، ونشهده في مخزون الهلاك والفتك الذي يهدد حياة البشرية من قنابل وصواريخ قصيرة المدى ومتوسطته وطويلته، ونشهده في استنباط طرق جديدة في الزراعة في التربة وبدون تربة، وباستخدام مياه الأنهار العذبة وباستخدام المياة المالحة التي كانت بالأمس سببا في جدب الأرض وعقمها، ونشهده في الطب حيث زراعة الأعضاء، ونشهده في الهندسة الوراثية التي فتحت آفاقا رحيبة في زراعة الجينات ساعدت -بعد الله- الإنسان على استنباط سلالات جديدة من النباتات والحيوانات، وغدًا قد نسمع ما لم يخطر على قلب بشر. فكل هذا في علم الله .
стр. 124
ومنذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وما سيكشفه العلماء حتى يرث الله الأرض ومن عليها، هو كله من عند الله ، وهو من الأسرار التي أودعها الله في الكون، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨] .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] .
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] .
وما يكتشفه البشر من هذه الأسرار، هو ما يوفقهم الله ﵎ في كشفه، فبمشيئته وإذنه يكشف عالم الذرة وعالم الهندسة الوراثية وعالم الفضاء وغيرهم ما يقدرهم الله على الوصول إليه من مكنونات خلقه في الكون. فقد قال الحق ﵎: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] .
فحقائق الكون لا يبتكرها الإنسان، وإنما كانت مستورة عنه، واكتشافه لها جعله ينتفع بها في دائرة أوسع؛ لأنها كانت تؤدي مهمتها قبل أن يكتشفها, فالكهرباء كانت موجودة في الكون ولكن باكتشاف الإنسان لها استطاع أن ينقلها من ميدانها الأصيل إلى ميدان فرعي في حياته "٢، ٢٧"، ويقول الحق ﵎: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] .
إذن، الله ﵎ يساعد الإنسان على كشف ما يشاء من الغيب، وهو بهذا الكشف لا يخلق ولكن يستنبط ما كان مستورًا عن عقله، ولذلك فإن ما لم
стр. 125
يدركه الإنسان بعقله ليس معدومًا، بل هو كائن، وإنما لم يشأ الله بعد أن يكشف عنه للإنسان إلى أن يشاء أن يظهره له، يقول الحق ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] .
ونجد في "صفوة التفاسير" هذه الآية بما بوضح أن الله قد قصد بهذه الآية أن يظهر للكفار دلالات وحججا بأن القرآن حق من عنده، وأن هذه الدلالات والحجج في أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والنبات وغير ذلك من العجائب العلوية والسفلية، في عجائب قدرة الله في خلقهم وتكوينهم. وجاء أيضًا في "صفوة التفاسير" قول القرطبي في تفسير ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إن المراد ما في أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة.
ومن خصائص العلم في الإسلام أنه لا ينفد مهما توالت السنون ومهما كشف الله للإنسان من مكنونه. والعلم الذي لا يزال في طي الغيب ولم يوفق الله الإنسان للكشف عنه، مخزون ضخم لا يمكن للإنسان أن يحيط به، ولا يمكن أن ينفد في يوم من الأيام. ومهما كان البشر بعضهم لبعض ظهيرًا في الكشف عما يخفيه الله من أسرار خلقه، فلن يستطيعوا الإحاطة بها ولا الإلمام بدقائقها. وسيظل الأمر كذلك إلى يوم القيامة. ويدل على أن العلم المغيب عن الإنسان لا ينفد قول الحق ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
стр. 126
ثالثا: غاية العلم هي تطبيق منهج الله في الحياة
...
ثانيًا: غاية العلم هي تطبيق منهج الله في الحياة
من المعروف أن مفهوم العبادة في الإسلام شامل. فهو لا يقتصر على أداء الشعائر التعبدية فحسب، ولكن يشمل جوانب سلوك الإنسان في جميع جوانب حياته، ويحيط بجميع نشاطات الإنسان في الاعتقاد والعبادة والمعاملات والأخلاق, ويأبى على الإنسان إلا أن يعبد الله في كل قول يقوله وكل عمله يعمله، وأن يبتغي بذلك وجه الله تعالى. وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .
فغاية العلم، إذن، تطبيقه في الحياة، ومن وظائفه أن يزيد الإنسان معرفة بربه ليعبده حق عبادته اعتقادًا بوحدانيته، وأداء لشرائعه، والتزاما بمنهجه. وأن يؤهله للارتقاء بالحياة وفق معطيات العصر. ولا يكون هذا سلوكًا موجهًا نحو الذات فقط، ولكن نحو الغير والمجتمع أيضًا، فالمسلم لا يعيش في معزل، ولا يعمل لذاته فقط، بل هو عنصر في جماعة المسلمين، وعضو في المجتمع المسلم وفي المجتمع الإنساني.
وبذلك فإن تطبيق منهج الله في كل مكان وكل زمان وكل الأمور لخدمة كل الناس غاية من غايات تحصيل العلم في الإسلام، قال الله تعالى:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] .
ونلاحظ هنا أن الخطاب يخص الناس كلهم، ذكرهم وأنثاهم دون تمييز لعنصر أو دين أو لون أو خلافه.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] .
стр. 127
ويروي السيوطي: أن الرجل من الصحابة كان يحفظ من القرآن عشر آيات ثم لا يتجاوزها حتى يفهم معناها ويؤدي ما طلب فيها. وعلى هذا أمضى ابن عمر ثماني سنوات في حفظ سورة البقرة.
ومما يوضح -أيضًا- أن تطبيق ما يتعلمه المسلم هو أساس المعرفة ما قاله ابن مسعود ﵁، حين قال: كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعلم ما فيه، فقيل: من العمل؟ قال: نعم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذ عمل فيما علم" "أخرجه الترمذي".
طبقًا لهذا الحديث فإن الإنسان يسأل عن علمه فيم استخدمه؟ هل استخدمه في الخير أم في الشر؟ أم حبسه عن الناس فلم ينتفع به أحد، وقد أوضح الحق ﵎ وظيفة العلم في مساعدة العالم على معرفة قدرة الله وبديع صنعه وعظيم سلطانه، مما يجعل العلماء يخشون الله. نجد هذا في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] .
ويقول تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٦٢] .
والله يريدنا أن نتدبر في مكونات هذا الكون ونبحث عن أسراره، ونستخرج منه ما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا. فيقول ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .
стр. 128
ويقول تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
ونلاحظ أن الخطاب هنا للناس جميعًا، ولا شك أن قيمة العلم هي في مدى أثره في حياة الناس بالتطبيق العملي، ولا شك أيضًا أن النصوص وحدها لا تضع شيئًا، وأن المبادئ وحدها لا تعيش إلا إذا تحقق آثارها في حياة الناس.
ويفصل هذا إجرائيا مصطفى عبد الصادق، في قوله:
إن الإسلام وتعاليمه ارتبط بالسلوك من اللحظة الأولى، فمن اللحظة التي يؤمن فيها الإنسان بأن الله واحد، وهو خالق الكون ومصدر النعم وإليه المصير، وبيده الحساب.... من تلك اللحظة يتبدل سلوك الإنسان فلا يسجد لصنم ولا يشهد الزور ولا يأكل الربا ... إلخ، بل يتحمل -في سبيل ذلك- العذاب الأليم، ولا يرجع عن الحق، ومن هنا نجد أن العلم الإسلامي ارتبط بالحياة العملية للناس؛ وذلك لأن الدين والحياة في الإسلام لا يفترقان "٤، ١٢٤" فالعلم في الإسلام له أهداف محددة أهمها أن يحقق به الإنسان العبودية لله تعالى، وأن يحقق به تطبيق منهجه في الحياة: حياة الفرد وحياة الجماعة، والحياة في المجتمع على وجه العموم، ويوظف العلم فيما ينفع الناس, ويجعل كلمة الله هي العليا, ويمكن لدين الله في الأرض, ويهيئ للناس كلهم التقدم والرفاه, وهذا يخالف ما يتصوره البعض -خطأ- من أن العلم الإلهي يتعلق بالعبادات فقط وربما بالأخلاق، أما العلوم المتعلقة بالكون وربما بالحياة الدنيا فهي من صنع الإنسان.
فالله ، خلق الإنسان وأودع فيه العقل والفؤاد والبصر والسمع وغير ذلك من وسائل اتصال الإنسان بالعالم الخارجي، وأمره بأن ينظر، ويتفكر، ويتدبر ليصل إلى بديع خلق الله في نفسه وفي الكون. وبهذا فإن الله قد أمد الإنسان بوسائل البحث في ذاته وفيمن حوله وما حوله من حيوان ونبات وطير وجماد وأنساق من المجرات والنجوم والنيازك، وتكامل بين عناصر الكون وغير ذلك من المشهود أمامه.
والله هو الذي استخلف الإنسان في الأرض وأمره بعمارتها. وهذا الاستخلاف ليس مطلقًا، وتلكم العمارة ليست بدون قيود، بل يحكمها منهج أنزله -الله سبحانه- ليطبقه الإنسان في حياته الدنيا في مختلف شئونها بما في ذلك اكتساب معارف وخبرات جديدة في أثناء كدحه لعمارة الأرض إنفاذا لأمر الله.
стр. 129
فالله هو خالق الإنسان ويعلم ما في نفسه، وهو الذي يقدره على كشف ما ستره عنه من أسرار الكون في وقت معلوم، لا يمكن لأحد سواه تقديمه أو تأخيره، وغاية سعي الإنسان في الدنيا في عبادة الله وفق منهجه.
فالعلم كله من عند الله سواء ما جاءنا عن طريق أو ما وفقنا إلى اكتشافه في أثناء سعينا لعمارة الأرض، وهذا العلم لا ينفد؛ لأن أسرار خلقه غير محدودة بزمان أو مكان. والهدف من اكتساب علم الله هو تحقيق منهجه في حياة البشر جميعًا بالعمل على عبادة الله حق عبادته، والارتقاء بحياة الناس كلهم أفرادًا وجماعات باستخدام أفضل معطيات العصر، مع الالتزام بتعاليم الدين الحنيف.
стр. 130
رابعًا: العلم يحيط بجميع متطلبات الحياة وفق منهج الله
العلم في منظور الإسلام قسمان: الأول منزل من عند الله يؤسس لحياة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، ويبين صلته بربه وبنفسه وبأخيه المسلم وبمجتمعه المحلي بما في ذلك الأسرة، وبالمجتمع الإسلامي على وجه العموم، وبالحياة والكون، ويتكون هذا القسم من علوم الوحي:
القرآن الكريم والسنة المطهرة الموحى بها.
قال تعالى عن القرآن الكريم:
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الإنسان: ٢٣] .
وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] .
وعن السنة المطهرة قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣-٥] .
وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .
стр. 131
وموقف المسلم من علوم الوحي هو الاستيعاب والفهم والتمثل والاتباع والتطبيق.
ومن بديع صنع الله ﵎ أن جعل التفكير في خلق الله والتدبير في صنعه والعمل على كشف أسراره ومكنوناته، فرض كفاية على المسلمين: قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
ولم يضع الله قيدا على قدرة الإنسان على الإبداع والابتكار والتجديد والتحديث في أساليب حياته وطرقها، ما دام هذا يتم وفق منهج الله، وهذا الجانب المكتسب من المعرفة هو الشق الثاني من العلم وفق نظرة الدين الحنيف، وهو المخزون الخبري الذي يكشف عنه الإنسان نتيجة لتفاعله مع معطيات حياته، وما ينتقل إليه من الغير. وعليه أن يوظف هذا كله في استنباط حلول مبتكرة لما يواجه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من مشكلات، وما يساعده على عمارة الأرض وتسخيرها لخدمة البشرية جمعاء. وهو في ذلك يعبد الله إن اتبع المنهج الذي حدد الله ﵎ أسسه التي أنزلها الله في علوم الوحي.
بناء على ما سبق، فإن عمارة الأرض وتسخيرها ما أودع الله فيها من ثروات وطاقات وابتغاء ما بثه -الله- فيها من رزق، وما يلزم لذلك من التعرف على سنن الكون والعلم بخواص المادة وطرق الاستفادة منها في خدمة العقيدة، ونشر حقائق الإسلام وتحقيق الخير والفلاح للناس. كل ذلك يعد عبادة يتقرب بها العلماء والباحثون إلى الله، وطاعة يثاب عليها الناظرون في الكون والمكتشفون للقوانين التي تربط بين أجزائه, والمستنبطون لوسائل تسخيرها لخير الناس ومنفعتهم.
وهكذا تلتقي علوم الشريعة مع الطب والهندسة والرياضيات والتربية وعلم النفس والاجتماع ... في أنها كلها علوم إسلامية, ما دامت داخل الإطار الإسلامي, وتتفق مع تصوره ومفهومه، ملتزمة بأحكامه، وكلها مطلوبة بقدر للمسلم العادي, ومطلوبة على مستوى التخصص لفقهاء الأمة ومجتهديها وعلمائها.
وقد ظهرت مسميات مختلفة لهذين القسمين من العلم -علوم الوحي والعلوم المكتسبة، وذلك مثل: علوم النقل وعلوم العقل, وعلوم المقصد وعلوم الوسيلة, وكتاب الله المسطور وخلق الله المنظور، إلى غير ذلك من التسميات التي لا تمس جوهر وظيفة كل قسمة فيها من البنية المعرفية للمسلم.
ومهما اختلفت التسميات، فإنه لا خلاف على أن هناك مصدرين للعلوم الإسلامية، أولهما: الوحي: وذلك في الجوانب التي يعلم الله أن
стр. 132
الإنسان لا يهتدي فيها إلى الحق من تلقاء نفسه، والتي لا تستقيم فيها الحياة على وجهها السليم إلا بمقررات ثابتة من عند الله المحيط بكل شيء علمًا.
وثانيهما: العقل البشري، وأدواته في تفاعله مع الكون المادي نظرًا وتأملًا وتجرية وتطبيقًا في الأمور التي تركها الله العليم الحكيم لاجتهاد هذا العقل وتحاربه بشرط واحد، هو الالتزام التام فيها بالأحوال العامة الواردة في شريعة الله المنزلة بحيث لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا، ولا تؤدي إلى الشر والضرر والفساد في الأرض.
ونحن، وإن كنا قد بينا أن للعلم في الإسلام مصدرين: أحدهما موحى به والآخر مكتسب، فإن الهدف هنا ليس تقسيم العلم إلى شقين آحدهما للدين والآخر للدنيا، وأن أحدهما منعزل عن الآخر، وأن الأول وظيفته في الحياة تختص بأمور معينة فقط مثل الدعوة والعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأن الثاني يتولى شئون حياة الناس وحل مشكلاتهم, وهذه الفكرة وإن أصبحت شائعة في كثير من الأنظمة التعليمية في بلاد المسلمين, إلا أنها دخيلة على مفهوم العلم ووظيفته في الإسلام. بل إن تسربها إلى نظم التعليم في بلاد الأمة الإسلامية شطر نظام التعليم داخل كل بلد تأثرت بها إلى نظامين للتعليم: أحدهما ديني والآخر مدني، وأدى هذا إلى تقسيم علماء الأمة إلى علماء في "العلوم الدينية" وآخرين في "العلوم المدنية أو الدنيوية". فانشطر شباب الأمة أيضًا شطرين, كل شطر ينتمي إلى أحد النظامين. وكأن الدين منقطع الصلة بالحياة الدنيا، وكأن العلوم المدنية لا صلة لها بالدين.
هذا الوبال نتج عن الجهل بمقومات العلم في الإسلام, فطبقًا لفطرة الإسلام كل علم يهدف إلى خدمة البشرية, ويوجه الفرد إلى أن يسلك في مختلف جوانب حياته في القول والعمل -وفق منهج الإسلام- هو علم إسلامي. وفي الإسلام تتحمل جميع العلوم -الموحى بها والمكتسب- مسئولية تربية الفرد تربية إسلامية تعده لكي يعمر الأرض ويحل ما أحل الله وينهى عما نهى عنه.
ويقول أحمد العسال عن شمول العلم وارتباط بعضه بالبعض الآخر:٣، ٦٠] .
كما أن شمولية العلم وارتباط بعضه بالبعض الآخر، وأن الحقيقة الكونية والإنسانية والاجتماعية منبثقة من عقيدة التوحيد، ومن الإيمان بالله الواحد الخالق المدبر، عالم الغيب والشهادة، قضية يجب أن تكون واضحة ومفهومة ولا يماري فيها إلا من ينكر البدهيات أو يعمى عن ضوء الشمس، وأن الفصام النكد الذي حدث نتيجة التفكير المادي والدنيوي الذي تسرب إلى مجتمعات المسلمين على حين غفلة أو ضعف يجب أن ينتهي وتصفى آثاره، وأن العلوم كلها في الإسلام يقصد بها
стр. 133
ويطلبها العمل والإخلاص الله ، وأنها وإن انقسمت حسب التخصصات وشرائح الحياة فهي تنتهي إلى علوم مقاصد وغايات, وعلوم وسائل وخدمات، وأنها ترتب حسب الأولويات والحاجات.
وقصارى القول أن العلم في الإسلام يشمل جميع متطلبات تربية المسلم المعاصر. نعني به المسلم الذي يسلم مقوده في حياته لله فيعيش وفق منهجه عقيدة وشريعة وعبادة ومعاملة وخلقا، الذي يستخدم أكثر علوم العصر تقدمًا وأحدث التقنية وأفضل أدواتها في العمل على تقدم الأمة الإسلامية وحل مشكلاتها. وهذا يجمع بين الأصالة والمعاصرة النابعة من صلاح الإسلام لكل زمان ومكان.
وبذلك فإن العلم في الإسلام يشمل الجبر والهندسة والكيمياء والاجتماع والتربية وعلوم الوراثة وعلوم الفضاء والآداب والفنون، إلى جانب علوم القرآن والشريعة والفقة وعلوم الحديث وعلوم اللغة وغيرها.
وإلى جانب تأهيل الإنسان للحياة الدنيا وللحياة الآخرة، فإن العلم في الإسلام يشمل الغيب والمشهود المحسوس، والنظرية والتطبيق، وجميع ما يتعلق بحياة الفرد من المهد إلى اللحد، وتعليمه وتربيته، كما يشمل جميع شئون المجتمع.
وكما سبق أن ذكرنا، فإن من العلم ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية, فمعرفة كل مسلم من العلوم الشرعية "علوم الوحي" القدر الذي يساعده على الحياة وفق منهج الإسلام فرض عين، أما التخصص في العلوم مثل الفقه
أو النحو أو الذرة أو الهندسة أو الطب فقد جعله الله فرض كفاية على المجتمع المسلم، وفرض العين يعني بأنه يتعين على كل فرد في الأمة فعله ما لم يرخص له، أما فرض الكفاية فيمكن التعبير عنه بأنه يكفي أن يفعله من المسلمين عدد يسد حاجة الأمة مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدقة، وغير ذلك من مقومات الحياة في الإسلام من واجبات المسلم. ومن ثم ينبغي أن يتعلم المسلم واجباته نحوها.
ولا يعفيه من السؤال عنها عدم معرفته بها ما دامت مصادر المعرفة بها متوافرة حوله في المجتمع المسلم، فالعلم بها إذن فرض عين.
والأمة الإسلامية في حاجة إلى متخصصين يقودون ركب الحياة فيها, ويقودنها إلى المكانة اللائقة بها. وقد وصفها لله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
هذه الأمة لا تكون خير أمة أخرجت للناس ما لم ترب من بين أبنائها وفق منهج الله ﵎: عالم الشريعة القادر على الاجتهاد والبحث عن حلول إسلامية للمشكلات المعاصرة التي تواجه المسلمين، القادر على الإسهام في تبصير
стр. 134
أولى الأمر بشأن الحكم بما أنزل الله. وعالم الهندسة الزراعية الذي يستنبط أصنافًا جديدة من البذور التي تغل غلة غزيرة فيساعد الأمة على أن تصل إلى أقصى المستطاع في إنتاج الحبوب، وعالم الطب الذي يستنبط طرقًا وأساليب في التشخيص والعلاج، وعالم الذرة الذي يستطيع أن يطوع علوم الطبيعة النووية وغيرها لخدمة الإنسان، وللدفاع عن دين الله وأمته.
ولا تستطيع أمة أن تنهض دون أن تعد -إلى جانب العلماء- الفنيين، فهؤلاء لا غنى عنهم في التقدم المعاصر، فكاتبو برامج الحاسب الآلي "الكمبيوتر" والقائمون على صيانته وغيرهم من ذوي المهارات العالية في تشغيل وصيانة مختلف الأجهزة والآلات، من عمد التقدم في الأمة، وما نهضت البلاد المتقدمة إلا بإعداد القوى البشرية عالية الكفاءة في مختلف المجالات.
وهكذا نجد أن مفهوم العلم في الإسلام لا يقتصر على علوم الوحي وحدها، ولكنه يتسع -إضافة إليها- لكل العلوم المكتسبة بواسطة البشر سواء ما ينتج عن البحث أم ينتج عن البحث أم ينتج عن التطبيق في مختلف مجالات الحياة، وأن علوم
الوحي تحدد إطار حركة علوم الاكتساب لكي لا تخرج الأخيرة عن الحدود التي بينها الله للعلم والعلماء في اكتساب العلم وتطبيقه، كما أن علم الاكتساب تكشف عن مجالات كثيرة مشهودة تثبت صحة ما جاء في علوم الوحي.
بهذا المفهوم الواسع للعلم في الإسلام، لا نجد قضية من قضايا الحياة في كل من العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق والتقدم العلمي والتقني والاجتماعي والثقافي وغيرها من المجالات الأقل مدى مثل التقدم الاقتصادي والعسكري والسياسي وغيرها، صغيرة كانت أم كبيرة إلا وأحاط بها. فالدين الإسلامي ليس طقوسًا تعبدية ولكنه منهج حياة شامل لأمور الدنيا والآخرة في توازن واعتدال.
لذلك، فإن العلم من وجهة نظر الإسلام يشمل جميع الخبرات التي يحتاجها الإنسان ليستقيم على منهج الله في جميع أمور حياتة الدنيوية والأخروية ذكرًا كان أم أنثى، كل منهما حسب فطرته ووظيفته, ووفق ما وهبه الله من إمكانات السعي في مناكب الأرض تمكينا لدين الله، وارتقاء بحياة الفرد والمجتمع والإنسانية جمعاء.
وذلك من خلال إعداد كل من يستطيع الإسهام في هذا كله إعدادًا يناسب مقتضيات العصر.
стр. 135
خامسًا: تتوافق فيه حقائق الكون مع حقائق الوحي
إن حقائق الوحي لا يمكن أن تتعارض مع حقائق الكون التي ينتهي إليها العقل البشري؛ لأنها ربانية المصدر، وهي بذلك تؤسس على علم الله بخلقه وإحاطته بأسراره علما يقينيا وإحاطة جامعة مانعة.
والعقل البشري حين يصل -بتوفيق الله- إلى حقيقة من حقائق الكون فإنها بالضرورة تنسجم مع حقائق علوم الوحي؛ وذلك لأنه لا تعارض على الإطلاق -في الإسلام- بين الحقيقة العلمية واليقينية والحقائق الموحى بها، وإذا ما حدث تعارض فإنه لا بد من أن يكون هناك خطأ في أحد أمرين:
الأول: هو اعتبارنا لشيء ما حقيقة موحى بها وهي ليست كذلك. بمعنى أننا اعتبرنا أمرا ورد في القرآن -مثلًا- حقيقة قرآنية" وفق تفسيرنا نحن للقرآن وفهمنا لنصوصه فهما مغلوطًا. وهذا خطأ بين، إذ إن تفسير المفسر ليس حقيقة دينية ولا قرآنية.
ويعطي فضيلة الشيخ الشعراوي لهذا مثلًا موضحًا في كتابه القيم "هذا هو الإسلام" بالتعارض الذي ظهر في وقت ما بين القول بأن الأرض مبسوطة باعتبار أن هذه حقيقة قرآنية، في حين أن العلم يقول بكرويتها.
يقول فضيلته "٢، ٢٨": يوجد من يقول: إن القرآن يقول إن الأرض مبسوطة. ولذلك لما جاءت الحقيقة العلمية الكونية تقول إن الأرض كرة، بدأت تحدث فجوة بين ما تقوله الحقائق الكونية وما يقوله القرآن وفق فهم هؤلاء. فالتصادم -هنا- جاء من اعتبار حقيقة ما دينية وهي ليست كذلك. ويستشهد صاحب رأي بسطة الأرض بقول الحق ﵎: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
لكن هل ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ هنا تعني بسطناها؟ الخطأ -هنا- عام لناس. فهل هي أرضي أنا أم أرضك أنت؟ أي أرض؟ ويوضح فضيلته: إذن ما دامت على إطلاقها، كان يجب أنك حين تصل إلى أي مكان في الأرض يجب أن تتحقق كلمة ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ . وما دامت كلمة مددناها ما زالت تتحقق في أي بقعة من الأرض. فإن هذا لا يتحقق إذا كانت الأرض مربعة أو مثلثة، أو مستطيلة أو أي شكل مسطح؛ لأنك سوف تنتهي إلى حافتها، مهما كان شكلها المسطح، ومهما كان اتساع هذا السطح المستوي، فلابد أنك -إذن- واصل إلى حافته، وهناك تجدها
стр. 136
منتهية ولا تجد الأرض ممدوة، بل محدودة، وهذا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ .
ويستنتج فضيلته من هذا الإيضاح: ولكن إذا كانت الأرض كرة، فإنك حيث كنت ستجدها ممدوة حولك في جميع الاتجاهات: أمامك وخلفك وعن يمين وشمال, ومهما انتقلت من مكان إلى مكان فإنك واجدها ممدودة ولن تجد لها نهاية محدودة أبدًا "٢، ٢٩".
وكما شرح فضيلة الشيخ الشعراوي فإن الخطأ هنا جاء من اعتبار بسطة الأرض حقيقة من حقائق الوحي وهي ليست كذلك، بل إنها التفسير البشري لحقيقة الوحي، وأما حقيقة الوحي فهي أن الله قال: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [الحجر: ١٩] .
أما تفسير ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ بمعنى بسطناها فهذا أمر بشري يحتمل فيه الصواب كما يحتمل فيه الخطأ، وقد كان التفسير هنا خطأ، الأمر الذي تسبب في ظهور تصادم بين الحقيقة الكونية وهي "كروية الأرض" مع ما اعتبر خطأ "حقيقة قرآنية" وهو انبساطها أو تسطحها أو استواؤها.
وهذا ينبهنا إلى أمر مهم بالنسبة لتفسيرنا لآيات القرآن الكريم. وهو أنه لا ينبغي أن ننسى أن تفسيرنا لحقائق الوحي المتعلقة بالكون، تكون -بالضرورة- محدودة بعلم المفسر بمراد التعبير الإلهي القرآني عن الحقيقة الكونية، وهذا مرتبط بمدى علمه بالحقائق الكونية من خلال الدراسات العلمية، والقدرة على التمييز بين اليقينية منها وغير اليقينية. فإذا كان علمه قاصرًا عن الوصول إلى الحقيقة الكونية فإن ثمة تصادمًا سوف يحدث بين هذه الحقيقة وتفسيره للحقيقة الدينية أو القرآنية المتعلقة به، وليس بالحقيقة الدينية أو القرآنية ذاتها.
ويؤيد فضيلة الشيخ الشعراوي هذا بقوله "٢، ٢٩":
ولذلك لم يفسر لنا رسول الله ﷺ القرآن؛ لأنه لو فسره لكان يجب أن يفسره بما تطيقه عقول معاصريه، ولو فسره بالأشياء التي توجد في القرن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين لعجب معاصروه ولاستعظموه أيما استعظام.
ولو أنه ﷺ فسره على قدر عقول معاصريه ومعلوماتهم الكونية لحجر علينا، ولجمد القرآن؛ لأن من يتصدر لتفسير القرآن بعد ذلك سيواجه بأن الرسول قد فسره كذا، وعليه ألا يزيد عن ذلك أو ينقص. لذلك فرسول الله ﷺ ترك تفسير القرآن حتى تأخذ كل مرحلة فكرية من لمحات القرآن بقدر ما تستطيع ذلك في أمور الكونيات، أما المطلوب من الأحكام فقد بينها صلوات الله عليه وأوضحها للناس.
стр. 137
ويمس الشيخ الشعراوي كبد الحقيقة حين يوجه إلى سر صلاح القرآن في كل زمان ومكان حين قال: إذا كنا نريد أن نفهم القرآن مرة واحدة، نكون قد حددنا كمالات الله في كلامه، والقرآن للزمن كله وللدنيا كلها ... ولذلك يقول الرسول ﷺ وهو أول منفعل به "بالقرآن": "لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء".
والواقع يؤيد هذا، فكلما بالغ الناس في الإلحاد، أظهر الله سرا من أسرار كتابه الكريم, يلفتنا به إلى أن هذا الكتاب ليس من عند البشر، وأن هذا الكتاب من عند الله الذي يعلم نهاية العالم كيف ستكون, القائل:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
أما الأمر الثاني الذي يظهر تصادمًا بين الحقيقة الموحى بها والحقيقة الكونية، فيأتي من تسمية رأي علمي حقيقة كونية، فهذا يجعل الحقيقة الكونية وكأنها في تصادم مع الحقيقة الموحى بها، ولا شك أن من يقع في شراك هذا التصادم غير الواقعي، يكون غافلًا عن طبيعة البحث العلمي بل عن طبيعة العلم ذاته. فكم من كشف علمي نسخ كشفًا سابقًا عليه، وكم من نظرية علمية أثبتت خطأ غيرها، وبخاصة فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية، ومن البداهة هنا أن من يقع في هذا الشرك لا يكون مؤمنا بأن القرآن منزل من عند الله؛ لأنه لو كان مؤمنا بأن القرآن كتاب الله، ما داخله أدنى شك بأن ما سمي بالحقيقة العلمية ليست "حقيقة كونية" لمجرد تعارضها مع حقيقة قرآنية؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
وقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
ويعطي فضيلة الشيخ الشعراوي مثالًا لاعتبار شيء ما حقيقة كونية على اعتبار أنها حقيقة علمية بالنظرية التي قال بها دارون من أن الإنسان أصله قرد، مع أن القرآن يقضي بأن كل شي خلق خلقًا مستقلا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] .
стр. 138
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] .
وفي هذا بين بأنه لا ارتقاء لعنصر من الأحياء الذين خلقهم من عنصر آخر, فلا ارتقاء للنبات من الجماد، ولا الحيوان من النبات، ولا الإنسان من الحيوان، بل كل عنصر من الأحياء خلق مستقلا عن الآخر.
ويبين الحق ﵎ أن الإنسان خلق من تراب في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١] .
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [غافر: ٦٧] .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] .
من الآيات السابقة نقف على حقيقة خلق الإنسان، ومن ناحية أخرى نجد من يعتبر أن ارتقاء الإنسان من سلالة القرد حقيقة كونية، نعيد هنا ما سبق أن بيناه بأن الإيمان يحسم الأمر هنا بيقين من أن الإنسان خلق وفق ما جاء في كتاب الله . وهذا أمر قطعي غير قابل للمناقشة أو الأخذ والرد في أنه حقيقة، ولكن المناقشة هنا هدفها هو بيان الأسباب التي يمكن أن تجعل الحقائق الكونية تبدو في تعارض مع حقيقة من حقائق الوحي.
وكما يقول فضيلة الشيخ الشعراوي: "٢، ٣٠-٣١":
نحن لا نستطيع أن نحكم الحكم اليقيني العلمي إلا على أمر تجريبي، أما ما وراء ذلك فينبغي أن نأخذه عمن يعلمه، فإذا نظرنا إلى قوله الله ﵎ أنه خلق الإنسان من تراب مرة، ومن طين مرة، ومن حمأ مسنون مرة، ومن صلصال كالفخار مرة, وبعد ذلك نفخ فيه الروح، نجد أننا لم نشاهد هذا كله، ومن ثم لا نستطيع أن نحكم كيف خلقنا، بل نؤمن بكيفية خلقنا بناء على ما بينه لنا الخالق، ولكننا نستطيع أن نستقرئ حقائق الكون والوجود فنجد صدق الله في غيب أخبرنا به بدليل يقيني مشاهد لنا. فانظر -مثلًا- إلى الحياة، تجد نقيضها الموت، وانظر إلى الخلق تجد نقيضه العدم. فالقضية الأساسية التي نقيس عليها هنا كل شيء على عكس بنائه. فالموت أمر مشهدي محس لنا، والموت يعني مفارقة الروح الجسد وهي آخر ما دخل فيه في أثناء خلقه. وبعد ذلك يتيبس جسمه وهذه مرحلة الصلصالية، أي: الطين المتعفن المتغير الرائحة. بعد ذلك يصير ترابًا، أي: يعود إلى سيرته الأولى. وهذا يبين أن مرحلة الفناء تسير في خط عكسي لمرحلة الخلق، فتبينها
стр. 139
مع أنها من أمور الغيب التي نسلم بها إيمانًا بما أنزله الله علينا في القرآن الكريم.
وأما ما بدا على أنه تناقض بين حقائق الكون, على اعتبار أن الإنسان أصله قرد وما جاء في القرآن من أن الإنسان خلق من تراب "فيرجع إلى تسمية استنتاجات بشرية قائمة على غير أساس علمي سليم بأنها" حقيقة كونية". وعلى ذلك يجب أن نفهم القضية الأساسية، وهي أن الحقائق الكونية التي يصل إليها العلماء بيقين علمي، لا تتعارض بحال مع الحقائق الدينية أو القرآنية "حقائق الوحي".
ونستطيع أن نضع القضية بصورة أخرى. وذلك بأن العلم في الإسلام مصدره كتابان لا ثالث لهما: الأول هو كتاب الله المسطور. وهو كلام الله الذي أوحى به إلى نبية محمد ﷺ سطر في القرآن والسنة الموحى بها، وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يتضمن هذا الكتاب أمورًا غيبها الله عن عبادة غيبا مطلقًا مثل: حساب القبر: والأجل، ويوم القيامة:
أما المصدر الآخر: فهو كتاب الله المنظور، وهو الكون المشهود الذي خلقه الله وأودع ما أودع من أسرار غيبها عن عباده إلى أن تقتضي حكمته أن يكتشفوها.
وكما سبق أن ذكرنا؛ الله وحده مصدر العلم كله: المسطور منه والمنظور.
ومن ثم لا يمكن أن يودع في أي من الكتابين ما يتعارض مع ما أودعه في الكتاب الآخر. وهذه قضية إيمانية تعود إلى إيماننا بأن الله وحده خالق كل شيء، وأنه وحده عالم الغيب والشهادة, وأنه وحده يعلم السر وأخفى. وإذا ما بدا لنا تعارض بين حقيقة كونية مع حقيقة من حقائق "الوحي" فإن هذا يرجع كما سبق أن ذكرنا إلى أحد أمرين: إما أننا اعتبرنا حقيقة ما حقيقة كونية وهي ليست كذلك، وإما أننا فسرنا حقيقة من حقائق الوحي تفسيرًا خاطئا؛ نظرا لأن معلوماتنا عن الكون لم تصل إلى مراد الله من هذه الحقيقة.
стр. 140
سادسًا: العلم يرفع قدر طلابه عند الله
لقد خلق الله الإنسان وأودع فيه من القدرات والحواس والأجهزة ما يساعده على التعلم، وحثه على التدبر والتفكر في الخلق وفي نفسه، وحثه على أن يجعل من الكون كله مدرسة يتعلم منها، ومبتكرًا يبتكر فيه ما شاء الله أن يفعل، ومعملًا يجرب فيه للوصول إلى كشف كل جديد. ولم يقف الإسلام عند هذا، ولكنه وضع العلماء الذين يسخرون علمهم لنشر منهج الله وتثبيته، ويبتغون فيما يعلمون فضلًا من الله ورضوانًا في مكان علي.
يبين لنا "مختصر تفسير الطبري" أن لحق ﵎ يوضح فضل العلم حين يوجه نبيه المصطفى بأن يبين للمشركين أن من يعلمون ما لهم في طاعتهم من الثواب وما عليهم في معصيتهم من العقاب لا يستوون مع الذين لا يعلمون ذلك، فهؤلاء يخبطون خبط عشواء، وإنما يعتبر بحجج الله ويتدبرها أهل العقول والحجا، لا أهل الجهل ونقص العقول، وذلك في قوله جل شأنه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] .
ويبين لنا "مختصر تفسير الطبري" أن الله ﵎ يبين لنبيه محمد أن المتمكنين من العلم, الذين رسخ العلم في قلوبهم يعلمون أنه رسول الله، وذلك في قوله عز وعلا: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [لنساء: ١٦٢] .
وهكذا توضح لنا الآيات الكريمات أن للعلم فضلًا في إنارة البصيرة والكشف عن غيوم الجهل، والوصول إلى الحقيقة.
وقد يبين رسول الإسلام أن طلب العلم عمل في سبيل الله، في قوله ﷺ : "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". "رواه الترمذي".
بل وضع الرسول طالب العلم في موضع أفضل من العابد. وذلك في قوله ﷺ عن أبي الدرداء، ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظ وافر". "وراه أبو داود والترمذي".
قال ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم". "رواه الترمذي".
стр. 141
وقد جعل الحق ﵎ العلم سببا لرفعة الدرجات لحامليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] .
ويبلغ تكريم العلماء مداه حين يقرن الله الشهادة بوحدانيته والملائكة بشهادة أولى العلم في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وقد جاء في مختصر تفسير ابن كثير أن هذه خصوصية, عظيمة للعلماء في هذا المقام.
ويقرر الرسول المعلم أن غياب العلماء عن الأمة يتسبب في ظلالها، وذلك في قوله ﵊:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالمًا، اتخذ الناس رءوسا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". "رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه".
وقال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء". "رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه".
ويقدم لنا القرآن دليلًا على أن العلم يجعل حائزه معلمًا للأنبياء في قصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح. فهذا موسى ﵇ يتعلم من الخضر، مع أن موسى كان نبيا في حين أن الخضر لم يكن نبيا، ولكن كان رجلًا صالحًا أي معلمًا صالحًا، وهذا أمر ينبغي التنبيه إليه، وقد تبع المتعلم "النبي" المعلم "غير النبي" ليتعلم منه.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] .
فلما شق على المتعلم "النبي" أن يصير على ما يعلمه المعلم. قال له المعلم: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] .
هذا مثل لإكبار المعلم واحترامه وتقديره، ودرس يتعلمه أولو البصيرة من البشر، ويبين مدى تقدير الإسلام للعلماء.
ومن آيات تكريم العلماء أن يظل عطاء العلم لهم بعد مماتهم. فقد قال الرسول الأمين ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم".
مما سبق نتبين أن الإسلام قد كرم العلماء بعلمهم, ليس فقط في حياتهم الدنيا، ولكن أيضًا في حياتهم الآخرة، ووضعهم في مكان علي يفضل مكان الأنبياء.
стр. 142
خاتمة الفصل الرابع:
في هذا الفصل:
عالجنا الأساس الثاني من الأسس العامة لاختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها، وهو: العلم وفق التوجيه الإسلامي، ومفهوم العلم ومصادره ووظيفته وموقفه من الكون والحياة, وتسهم إسهامًا مهما في تكوين نظرة المتعلم إلى الدين والكون والحياة، الأمر الذي جعل العلم من منظور الدين الحنيف من بين هذه الأسس. ونستطيع أن نلخص نتائج هذه المعالجة فيما يلي:
أولًا: أن العلم كله -الموحى به والمكتسب بواسطة البشر- من عند الله .
ثانيًا: أن الله هو الذي يهدي البشر للكشف عما غاب عنهم من هذا العلم.
ثالثًا: أن هذا العلم لا يدرك له نهاية، وسيظل منهلًا للبشر يغترفون منه مهما توالت الأجيال والسنون، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رابعًا: أن غاية العلم تحقيق منهج الله في جميع جوانب الحياة.
خامسًا: إن الإسلام يكرم العلماء ويطالبهم بتوظيف العلم لصالح البشر جميعًا.
سادسًا: أن العلم يحيط بجميع متطلبات الحياتين الدنيا والآخرة في توازن واعتدال.
سابعًا: أن العلم تتوافق فيه حقائق الكون التي يكتشفها العقل البشري مع حقائق الوحي.
ثامنًا: أن طلب العلم فريضة على كل مسلم "ذكرًا كان أم أنثى" وتيسير سبله من أهم واجبات الدولة.
تاسعًا: جميع العلوم والمعارف علوم إسلامية إذا روعيت تعاليم الإسلام في اكتسابها وتطبيقاتها. ومن ثم ينبغي الاستفادة من جميع المعارف الإنسانية النافعة من وجهة النظر الإسلامية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
стр. 143
أهم مصادر الفصل الرابع:
إضافة إلى:
القرآن الكريم والسنة المطهرة ومختصر تفسير الطبري ومختصر تفسير ابن كثير.
١- الشافعي، حسين محمود عبد اللطيف:
"خطة لتكوين الداعية المفتي"، بحوث مؤتمر دور الجامعات الإسلامية في تكوين الدعاة وندوة التنسيق بين كليات الشريعة "ج١" "ط١". الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب الرئيس ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
٢- الشعراوي، محمد متولي:
هذا هو الإسلام. القاهرة: الدار المصرية للنشر والتوزيع, ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م.
٣- العسال، أحمد.
"توجيه طاقات الشباب المسلم لبناء المجتمع المسلم" بحوث وتوصيات ندوة تربية الشباب المسلم ودور الجامعات فيها. الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب الرئيس ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
٤- مصطفى، مصطفى عبد الصادق:
"التخطيط لتعليم الشباب من منظور إسلامي" تربية الشباب المسلم ودور الجامعات فيها. الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية: مكتب الرئيس ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
стр. 144
الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم
مقدمة الفصل الخامس
...
مقدمة الفصل الخامس:
التوجيه الإسلامي للعلوم هو الأساس الثالث من الأسس العامة لاختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها، إذ إن عدم توجيه هذه الخبرات وفق قيم المجتمع ومعتقداته يؤدي إلى تلوث الفكر السائد فيه نتيجة للغزو الفكري من الخارج.
تواجه الأمة المسلمة مشكلات في شتى بقاع الأرض. فهذه مشكلة أفغانستان تنخر في عظام الأمة عقدًا من الزمان، وهذه مشكلة فلسطين قاربت النصف قرن, وتلك مشكلات المسلمين في كل من أذربيجان ويوغسلافيا وكشمير وألبانيا وفرنسا والفلبين، وغيرها وغيرها. ففي كل ركن من أركان المعمورة نجد للمسلمين مشكلة, ناهيك عن مشكلات التخلف العلمي والتقني، وحاجة الكثير من أقطار الأمة إلى استيراد الغذاء والكساء، ووسائل الاتصال والمواصلات، إلى غير ذلك من القائمة المتنامية من المشكلات التي تعيق نمو الأمة.
ولكن ماذا نتوقع من أمة تركت التربية الربانية التي خصها الله بها، وراحت تلملم من الشرق والغرب أنماطا تربوية خططت لتكوين شباب غير شبابها، ومجتمعات غير مجتمعاتها، بل لأمة غيرها، فكانت النتيجة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. ومما يزيد الطين بلة أنه كلما استشعرت الأمة الإسلامية تخلفها عن ركب التقدم المعاصر أسرعت الخطى نحو الأخذ من الغير، ظنا منها أن هذا هو الحل الناجع لتخلفها.
ومما جعل هذا الشتات وذاك الانفصام أكثر حدة وأشد قسوة على المجتمعات المسلمة، أنه في عالمنا الذي نعيشه -حيث الفيض المعرفي ينهال، وحيث التقنية المستحدثة تترى، وحيث استطاعت وسائل الاتصال والمواصلات أن تعبر المسافات وتجتاح الموانع، وأصبح ما يحدث في مكان ما من العالم يصل إلى أطرافه بصورة فورية، اتخذت الدول غير الإسلامية من ذلك كله معبرا لغزو ديار المسلمين غزوا تربويا، الأمر الذي تسبب في شعور شباب المسلمين بالغربة وهم في أوطانهم وبين عشيرتهم ومع أبناء دينهم. وهذا هو أخطر بلاء تتعرض له أمة.
ولعله من المناسب هنا توجيه النظر إلى أن أعداء الإسلام يدركون تماما أن العودة إلى الالتزام بدين الله، هي منصة انطلاق الأمة الإسلامية، هذا ما يؤكده -بجلاء تام- القس زويمر رئيس مؤتمر القدس التبشيري في خطابه لأعضاء المؤسسات التبشيرية بقوله:
إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية لها في البلاد المحمدية "المسلمة" ليس هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن هذا هداية لهم وتكريم. ولكن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في تقدمها. وبذلك تكونون أنتم
стр. 145
-بعملكم هذا- طليعة الفتح الاستعماري في البلدان الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام السالفة خير قيام ... وهذا ما أهنئكم عليه. "٧، ٤٠٠"*.
وأخطر أدوات الغزو الذي تتعرض له الأمة الإسلامية -من وجهة نظر المؤلف- هو ما يوجه إلى التعليم. لذلك فقد خص أعداء الإسلام التعليم بنصيب وافر من هجمتهم الشرسة ضد الإسلام والمسلمين.
ولما استشعر علماء الأمة الإسلامية ما تتعرض له أمتهم من غزو تربوي يستهدف النيل من هويتها الإسلامية، استنفروا قواهم لكي يعودوا بمشارب الأمة التعليمية إلى مناهلها الصافية، ومن بين ما نادوا بالأخذ به ما عرف بـ"التوجيه الإسلامي للعلوم" موضوع اهتمامنا في هذا الفصل:
وسوف يكون تناولنا اهذا الموضوع على النحو التالي:
أولًا: دوافع التأصيل الإسلامي للعلوم.
ثانيًا: مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم والمصطلح المناسب للتعبير عنه.
ثالثًا: أسسه ومنهجه.