وقد جعل الحق ﵎ العلم سببا لرفعة الدرجات لحامليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] .
ويبلغ تكريم العلماء مداه حين يقرن الله الشهادة بوحدانيته والملائكة بشهادة أولى العلم في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وقد جاء في مختصر تفسير ابن كثير أن هذه خصوصية, عظيمة للعلماء في هذا المقام.
ويقرر الرسول المعلم أن غياب العلماء عن الأمة يتسبب في ظلالها، وذلك في قوله ﵊:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالمًا، اتخذ الناس رءوسا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". "رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه".
وقال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء". "رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه".
ويقدم لنا القرآن دليلًا على أن العلم يجعل حائزه معلمًا للأنبياء في قصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح. فهذا موسى ﵇ يتعلم من الخضر، مع أن موسى كان نبيا في حين أن الخضر لم يكن نبيا، ولكن كان رجلًا صالحًا أي معلمًا صالحًا، وهذا أمر ينبغي التنبيه إليه، وقد تبع المتعلم "النبي" المعلم "غير النبي" ليتعلم منه.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] .
فلما شق على المتعلم "النبي" أن يصير على ما يعلمه المعلم. قال له المعلم: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] .
هذا مثل لإكبار المعلم واحترامه وتقديره، ودرس يتعلمه أولو البصيرة من البشر، ويبين مدى تقدير الإسلام للعلماء.
ومن آيات تكريم العلماء أن يظل عطاء العلم لهم بعد مماتهم. فقد قال الرسول الأمين ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم".
مما سبق نتبين أن الإسلام قد كرم العلماء بعلمهم, ليس فقط في حياتهم الدنيا، ولكن أيضًا في حياتهم الآخرة، ووضعهم في مكان علي يفضل مكان الأنبياء.
стр. 142
خاتمة الفصل الرابع:
في هذا الفصل:
عالجنا الأساس الثاني من الأسس العامة لاختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها، وهو: العلم وفق التوجيه الإسلامي، ومفهوم العلم ومصادره ووظيفته وموقفه من الكون والحياة, وتسهم إسهامًا مهما في تكوين نظرة المتعلم إلى الدين والكون والحياة، الأمر الذي جعل العلم من منظور الدين الحنيف من بين هذه الأسس. ونستطيع أن نلخص نتائج هذه المعالجة فيما يلي:
أولًا: أن العلم كله -الموحى به والمكتسب بواسطة البشر- من عند الله .
ثانيًا: أن الله هو الذي يهدي البشر للكشف عما غاب عنهم من هذا العلم.
ثالثًا: أن هذا العلم لا يدرك له نهاية، وسيظل منهلًا للبشر يغترفون منه مهما توالت الأجيال والسنون، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رابعًا: أن غاية العلم تحقيق منهج الله في جميع جوانب الحياة.
خامسًا: إن الإسلام يكرم العلماء ويطالبهم بتوظيف العلم لصالح البشر جميعًا.
سادسًا: أن العلم يحيط بجميع متطلبات الحياتين الدنيا والآخرة في توازن واعتدال.
سابعًا: أن العلم تتوافق فيه حقائق الكون التي يكتشفها العقل البشري مع حقائق الوحي.
ثامنًا: أن طلب العلم فريضة على كل مسلم "ذكرًا كان أم أنثى" وتيسير سبله من أهم واجبات الدولة.
تاسعًا: جميع العلوم والمعارف علوم إسلامية إذا روعيت تعاليم الإسلام في اكتسابها وتطبيقاتها. ومن ثم ينبغي الاستفادة من جميع المعارف الإنسانية النافعة من وجهة النظر الإسلامية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
стр. 143
أهم مصادر الفصل الرابع:
إضافة إلى:
القرآن الكريم والسنة المطهرة ومختصر تفسير الطبري ومختصر تفسير ابن كثير.
١- الشافعي، حسين محمود عبد اللطيف:
"خطة لتكوين الداعية المفتي"، بحوث مؤتمر دور الجامعات الإسلامية في تكوين الدعاة وندوة التنسيق بين كليات الشريعة "ج١" "ط١". الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب الرئيس ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
٢- الشعراوي، محمد متولي:
هذا هو الإسلام. القاهرة: الدار المصرية للنشر والتوزيع, ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م.
٣- العسال، أحمد.
"توجيه طاقات الشباب المسلم لبناء المجتمع المسلم" بحوث وتوصيات ندوة تربية الشباب المسلم ودور الجامعات فيها. الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب الرئيس ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
٤- مصطفى، مصطفى عبد الصادق:
"التخطيط لتعليم الشباب من منظور إسلامي" تربية الشباب المسلم ودور الجامعات فيها. الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية: مكتب الرئيس ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
стр. 144
الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم
مقدمة الفصل الخامس
...
مقدمة الفصل الخامس:
التوجيه الإسلامي للعلوم هو الأساس الثالث من الأسس العامة لاختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها، إذ إن عدم توجيه هذه الخبرات وفق قيم المجتمع ومعتقداته يؤدي إلى تلوث الفكر السائد فيه نتيجة للغزو الفكري من الخارج.
تواجه الأمة المسلمة مشكلات في شتى بقاع الأرض. فهذه مشكلة أفغانستان تنخر في عظام الأمة عقدًا من الزمان، وهذه مشكلة فلسطين قاربت النصف قرن, وتلك مشكلات المسلمين في كل من أذربيجان ويوغسلافيا وكشمير وألبانيا وفرنسا والفلبين، وغيرها وغيرها. ففي كل ركن من أركان المعمورة نجد للمسلمين مشكلة, ناهيك عن مشكلات التخلف العلمي والتقني، وحاجة الكثير من أقطار الأمة إلى استيراد الغذاء والكساء، ووسائل الاتصال والمواصلات، إلى غير ذلك من القائمة المتنامية من المشكلات التي تعيق نمو الأمة.
ولكن ماذا نتوقع من أمة تركت التربية الربانية التي خصها الله بها، وراحت تلملم من الشرق والغرب أنماطا تربوية خططت لتكوين شباب غير شبابها، ومجتمعات غير مجتمعاتها، بل لأمة غيرها، فكانت النتيجة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. ومما يزيد الطين بلة أنه كلما استشعرت الأمة الإسلامية تخلفها عن ركب التقدم المعاصر أسرعت الخطى نحو الأخذ من الغير، ظنا منها أن هذا هو الحل الناجع لتخلفها.
ومما جعل هذا الشتات وذاك الانفصام أكثر حدة وأشد قسوة على المجتمعات المسلمة، أنه في عالمنا الذي نعيشه -حيث الفيض المعرفي ينهال، وحيث التقنية المستحدثة تترى، وحيث استطاعت وسائل الاتصال والمواصلات أن تعبر المسافات وتجتاح الموانع، وأصبح ما يحدث في مكان ما من العالم يصل إلى أطرافه بصورة فورية، اتخذت الدول غير الإسلامية من ذلك كله معبرا لغزو ديار المسلمين غزوا تربويا، الأمر الذي تسبب في شعور شباب المسلمين بالغربة وهم في أوطانهم وبين عشيرتهم ومع أبناء دينهم. وهذا هو أخطر بلاء تتعرض له أمة.
ولعله من المناسب هنا توجيه النظر إلى أن أعداء الإسلام يدركون تماما أن العودة إلى الالتزام بدين الله، هي منصة انطلاق الأمة الإسلامية، هذا ما يؤكده -بجلاء تام- القس زويمر رئيس مؤتمر القدس التبشيري في خطابه لأعضاء المؤسسات التبشيرية بقوله:
إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية لها في البلاد المحمدية "المسلمة" ليس هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن هذا هداية لهم وتكريم. ولكن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في تقدمها. وبذلك تكونون أنتم
стр. 145
-بعملكم هذا- طليعة الفتح الاستعماري في البلدان الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام السالفة خير قيام ... وهذا ما أهنئكم عليه. "٧، ٤٠٠"*.
وأخطر أدوات الغزو الذي تتعرض له الأمة الإسلامية -من وجهة نظر المؤلف- هو ما يوجه إلى التعليم. لذلك فقد خص أعداء الإسلام التعليم بنصيب وافر من هجمتهم الشرسة ضد الإسلام والمسلمين.
ولما استشعر علماء الأمة الإسلامية ما تتعرض له أمتهم من غزو تربوي يستهدف النيل من هويتها الإسلامية، استنفروا قواهم لكي يعودوا بمشارب الأمة التعليمية إلى مناهلها الصافية، ومن بين ما نادوا بالأخذ به ما عرف بـ"التوجيه الإسلامي للعلوم" موضوع اهتمامنا في هذا الفصل:
وسوف يكون تناولنا اهذا الموضوع على النحو التالي:
أولًا: دوافع التأصيل الإسلامي للعلوم.
ثانيًا: مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم والمصطلح المناسب للتعبير عنه.
ثالثًا: أسسه ومنهجه.
стр. 146
أولًا: دوافع التأصيل الإسلامي للعلوم
١- المحافظة على تربية أبناء المسلمين تربية إسلامية
إن الدافع الأول والأساسي لتوجيه العلوم توجيهًا إسلاميا هو العمل على أن تكون تربية أبناء الأمة الإسلامية تربية إسلامية. فمن الأمور المعروفة لدى المربين أن تنشئة الأجيال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على ما يكتسبونه من خبرات ومهارات وأنماط للسلوك، وما يتعلمونه من قيم وأساليب تفكير. ولذلك نجد الدين الإسلامي قد ركز -ليس على طلب العلم فقط- ولكن أيضًا على تطبيقه في الحياة. وكلما كان ما يتعلمه الفرد مرتبطًا بعقيدته وقيمه وحياته ومشكلات مجتمعه كان أكثر تأثيرًا في بناء شخصيته بناء سليمًا، وفي بناء مجتمع قوي البنيان. ولقد رأينا مثلًا حيا لهذا في مجتمع صدر الإسلام.
فإن ديننا الحنيف قد رسم لنا الطريق منذ أربعة عشر قرنا خلت، حين جعلت التربية الإسلامية السلوك الذي حدده كل من القرآن الكريم والسنة المطهرة شخوصا تضرب في الأرض، وأفرادًا تسعى بين الناس، وكونت مجتمعًا متفردًا في نشره للخير والبر. وبها تربى أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وأسامة وبلال وغيرهم. وغيرهم.
وأصول هذه التربية ما زالت بين أيدينا، بل إن لدينا اليوم تقنية نستطيع بها تجويد تطبيقاتنا التربوية مع المحافظة على الأصول ذاتها.
فمن يدرس تاريخ مجتمع صدر الإسلام، يجد أن الدين الحنيف قد كون من هؤلاء أنموذجًا فريدا لمجتمع لم تشهده البشرية من قبل ولا من بعد. مجتمع قام على منهج الله، ولم يتلبس به شيء من ركام الجاهلية أو التلوث من ثقافات خارجة عنه، ولكي يصبح أنموذج هذا المجتمع حقيقة بين ظهرانينا. ينبغي أن تكون المهمة الأولى للأمة أن تحافظ على مقوماتها، بأن توجه سلوك جميع أبنائها وفي مؤسساتها إلى الالتزام بالإسلام قولًا وعملًا، وأن يكون الجميع حراسًا على تطبيق شريعة الله. وأن تعمل كل مؤسسة فيه على أن تكون أنموذجا للمجتمع المسلم.
ومن المسلم به في الوقت الحاضر، أن المجتمعات التي تعتلي منصة التقدم في العالم، قد تبوأت مكانها هذا بتربية أبنائها تربية نابعة من جذور ثقافتها. فالمجتمع الياباني حين زلزلت الهزيمة في الحرب العالمية الثانية كيانه لجأ إلى تربية خاصة به. وبهذه التربية كون أجيالًا نقلت المجتمع الياباني إلى منصة التقدم العلمي والتقني بين أمم العالم أجمع. وهذه ألمانيا، بعد هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية نفسها لجأت إلى التربية النابعة من المجتمع الألماني. وبها انتقل الشعب الألماني إلى موقع الريادة بين أمم الأرض، وهذه أمريكا حين سبقها الاتحاد السوفيتي في تجارب الفضاء في أواخر الخمسينات لجأت إلى استنفار تربوي أمريكي، لحمًا ودمًا. وبه
стр. 147
أصبحت أقوى دولة في العالم دون منازع. وهذه مجرد أمثلة. يمكن أن نضيف إليها مجتمعات أوربا الغربية وغرب جنوب شرق آسيا وغيرها. مع اختلاف وسائط التربية ووسائلها في هذه المجتمعات، فإنهم يتفقون جميعًا في ضرورة أن ينبع الفكر التربوي وأهداف التربية من مقومات مجتمعاتهم، وأن تعمل هذه التربية على حل مشكلاتهم.
بناء على ما سبق، فإن انطلاق هذه الأمة يتوقف على تربية أبنائها تربية إسلامية، وحمايتهم من التلوث الثقافي الذي يتعرض له من البث المباشر، وغيره من الوسائط.
ب- تنقية ما علق بمناهج العلوم الاجتماعية -بخاصة- من تلوث:
إن التلوث الذي لحق بالعلوم الاجتماعية -بخاصة- والعلوم العامة، لما بين ثناياها من فكر غريب وطرائق حياة وخبرات دخيلة، جعلها تخالف التصور الإسلامي للإنسان والكون والحياة في الكثير من منطلقاتها. ومفاهيمها وحقائقها وتطبيقاتها.
ولنبدأ بمناهج العلوم الاجتماعية التي يدرسها طلاب الجامعات في العالم الإسلامي:
يقول محمد قطب عن مناهج علم الاجتماع:
إننا حين نتحدث في "الاجتماع" لا نجد كتبًا إسلامية تحدثنا عن الاجتماع فننقل أراء مفكري أوربا، وأن الذي ينشر على طالب العلم في معظم بلاد العالم الإسلامي هي نظريات "دور كايم" اليهودي. ويضيف فضيلته أن الأولى أن نقدم نظرية اجتماعية إسلامية متكاملة. "٥، ١٩٤".
ويقول محمد قطب عن مناهج علم النفس:
إننا ما زلنا نقدم لطلابنا علم النفس الغربي، في حين ينبغي أن ننظر في النفس البشرية من وجهة نظر الإسلام. وما يقال هنا عن مناهج كل من علم الاجتماع وعلم النفس يقال مثله -وربما أكثر- عن مناهج كل من التربية والاقتصاد. فكل هذه المناهج ينبغي أن تؤصل من وجهة نظر الإسلام. "٥، ١٩٥".
وماذا عن مناهج علوم مثل التاريخ والأدب؟
لكي أجسد خطورة تأثير الغزو التربوي الناتج عن دراسة التاريخ الأجنبي، أسوق هنا ما قاله أحد مهندسي التربية الاستعمارية الأوربيين، حين ذكر ما أسماه التثقيف التاريخي. يقول الرجل الخبير في فنون الاستعمار: أما التأثير الوحيد الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التثقيف التاريخي في عقول الأحداث -من غير الشعوب الأوربية- فإنما هو الشعور بالنقص، فيما يتعلق بثقافتهم الخاصة وبماضيهم التاريخي الخاص ... وهكذا يتربون تربية منظمة على احتقار ماضيهم ومستقبلهم اللهم إلا إذا كان مستقبلًا مستسلمًا للمثل العليا الغربية "٦، ٢٧".
стр. 148
هذا على وجه العموم، أما أبناء المسلمين على وجه الخصوص فقد خصهم العالم الأوربية نفسه فيما يتعلق بتعليمهم الأدب الأوربي بقوله: إن تعليم الأدب الأوربي على هذا الشكل الذي يسود اليوم الكثير من المؤسسات الإسلامية يقود إلى جعل الإسلام غريبًا في عيون الناشئة المسلمة. "٦، ٢٦".
وما إخالني بحاجة إلى إضافة جديدة عن أثر تدريس مناهج العلوم الاجتماعية التي تقدمها معظم الجامعات في العالم الإسلامي إلى شباب المسلمين، بما فيها من تلوث تربوي.
وماذا عن مناهج العلوم التطبيقية والبحتة؟
تحمل مناهج العلوم التطبيقية والبحتة -مثل العلوم الاجتماعية- بذور التبعية وعوامل الغزو التربوي. وقد عبر راشد المبارك عن ذلك في تساؤله الذي طرحه في "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" وفي إجاباته عليه، إذ قال:
إلى أي مدى ترتبط مناهجنا في التعليم وطريقة تدريس هذه المناهج بتصورنا عن فلسفة الكون وطبيعة الحياة؟ ذلك التصور المستمد من إيماننا بالله. وبعبارة أخرى، هل هذه المناهج وطريقة تدريسها ترتبط بهذا التصور والإيمان؟
ويجيب راشد المبارك على تساؤله قائلًا:
لعلي لا أكون مخطئا إذا قلت: إن المرء سيضنيه البحث دون أن يعثر على مثل هذه الصلة. إن العلوم في أكثر الجامعات الإسلامية تدرس وهي مقطوعة الصلة بهذا التصور. وتلك صورة من صور التقليد أو التبعية لما يحدث في الغرب. "٥، ١٣٠".
خلاصة القول: أن من يتخصص من شباب المسلمين في هذه العلوم لا يرى إلا علومًا استحدثت في الغرب أو الشرق، فيقر في أذهانهم -وحال المسلمين اليوم كما نعلم- أن التقدم وقف على غير المسلمين. وخاصة أنه يسمع الإذاعة في أجهزتهم، ويرى التلفاز الذي صنعوه، ويسمع عن الأقمار الصناعية التي ابتكروها.
فهلا علمنا هؤلاء الشباب عن علماء أمتهم السابقين, وما استحدثوه في الماضي.
وعلماء أمتهم المحدثين الذين يشتركون فيما يرونه من حضارة غلابة في هذه البلدان؟!!
من أجل درء هذا الغزو الذي يتعرض له أبناء المسلمين, وصولًا إلى خلخلة عقيدتهم وتشويه شريعتهم وصرفهم عن العبادات وفك التزامهم بالأخلاق الإسلامية، تنادى علماء الأمة الإسلامية والغيورون على دين الله أن اغدوا على المناهج التي يدرسها أبناء أمتكم مصبحين، لتعودا بهم إلى رياض الدين الحنيف, من خلال توجيه ما يتعلمون في المدارس والجامعات، وغيرها من معاهد التعليم، وما يشاهدونه ويسمعونه ويقرءونه في وسائل الإعلام وما يؤثر في حياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، من منظور الدين الحنيف.
وأن ادرسوا وحللوا وقوموا بهدف العودة إلى هذه الرياض، واستدلوا بمناهج الأولين والمحدثين, واستفيدوا من كل فكر مناسب، واشربوا من كل منهل أصيل، لتعودوا بأبناء الأمة إلى دين الله الخالص، وليكون ما يتعلمونه وفق منظور الإسلام للإنسان والكون والحياة والمعرفة.
من أجل تحقيق هذا الهدف بدأ العلماء والمهتمون في البحث وتبادل الرأي وعقد المؤتمرات والندوات، ونشر الاجتهادات وتكوين اللجان، لكي يعيدوا للمناهج التعليمية في ديار الإسلام نقاءها، وإلى ثقافة الأمة صفاءها.
стр. 149
ثانيًا: المفهوم والمصطلح
أ- المفهوم:
يقتضي المنهج العلمي تحديد معنى المصطلحات التي سوف تستخدم في تناول القضايا العلمية حتى لا تختلف المفهومات وفق اختلاف التفسيرات المتعلقة بها.
ويشتد هذا الاختلاف إذا كانت القضية المراد دراستها جديدة على ساحة البحث العلمي، إذ تكثر حولها الاجتهادات وتتباين فيها وجهات النظر، ومن بين القضايا العلمية المعاصرة التي اختلف فيها المهتمون بها، قضية توجيه العلم توجيهًا إسلاميا، فقد اختلفوا في المفهوم كما اختلفوا في المصطلح.
وقبل أن نناقش الاختلاف في المفهوم، نذكر أننا نعني بالمفهوم هنا: ذلك التجريد العقلي للصفات المشتركة بين مجموعة من الخبرات أو العناصر أو الظواهر:"١١، ١٦٠".
فالمفهوم إذن -تصور عقلي أو فكرة مجردة، ولا يمكن التعامل معه حسيا، ولكن يمكن استخدام تمثيل حسي له، مثلما نعبر عن المثلث بثلاثة خطوط متقاطعة مثنى مثنى، ومثلما نعبر عن الخطر برسم جمجمة, ونعبر عن العدل بميزان متعادل الكفتين، ومع أن جميعها مفاهيم مجردة، كما يمكن أن نعبر عن كل منها بكلمة أو عبارة، فقد عبرنا عن هذه المفاهيم الثلاثة -على الترتيب- بالكلمات: مثلث وخطر وعدل.
فماذا يمكن أن نفهم مما يشار إليه بلفظ "تأصيل العلوم" أو ماذ يعني مفهوم "تأصيل العلوم"؟
عرف أحد الباحثين التأصيل الإسلامي للعلوم بما يلي:
إعادة صياغة المعرفة على أساس من علاقة الإسلام بها، أي: إعادة تجديد وترتيب المعلومات، وإعادة النظر في استنتاجات هذه المعلومات وترابطها، وإعادة تقويم النتائج وإعادة تصور الأهداف، وأن يتم ذلك بطريقة تمكن من إغناء وخدمة قضية الإسلام. "٢، ٥٤".
стр. 150
وعرفه آخر، بأنه:
اشتقاق الأسس الشرعية والاستفادة مما توصل علماء الغرب من نتائج مادية تساهم في عمارة الأرض, وقيام الإنسان بوظيفته المرتضاة له دينا، وتوجيه هذه النتائج في سبيل تحقيق الغاية من هذا الوجود. "٩، ٣٣-٣٤".
وعرفه ثالث: بالصيغة التالية:
إسلامية المعرفة أو "أسلمة المعرفة" تعني: ممارسة النشاط المعرفي كشفا وتجميعًا وتوصيلًا، من زاوية التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان.
وبين ما قصده بـ"النشاط المعرفي" بأنه: إضافة أو "تسليط العقل البشري" -أو بعبارة أدق "القدرات العقلية والبشرية"- على الظواهر المادية والحيوية والروحية والإنسانية في مدى الكون والعالم والحياة. "٨، ١٥".
وعن شمول المعرفة للإنسان والكون, قال: إن قطبي التعامل: الإنسان والكون، هما من صنع الله الذي أتقن كل شيء ... فمن الطبيعي إذا أن تتشكل مفردات هذا التعامل من منظور الإيمان بالله خالق الكون والحياة والإنسان.. وكان من الطبيعي أن تسلم المعرفة بهذه الحقيقة الكبرى، أي: أن تكون "إسلامية" بهذا المعنى الواسع الذي يضع الأمر في نصابه من نطاق الملكوت الإلهي وسنته ونواميسه.
وبالنسبة لنطاق الأسلمة في العلوم، قال: إن هذه "الإسلامية" لا تنسحب فقط على ما يسمى بالعلوم الصرفة "المحضة" والتطبيقية في التعامل مع الوجود، وإنما تمتد بالضرورة إلى ما يعرف بدائرة العلوم الإنسانية، بل إنها في هذه أشد ضرورة؛ لأنها المعنية بترتيب وضع الإنسان في العالم، وتنظيم حياته بما يجعله قادرًا على تحقيق مهمته في العالم "٨، ١٦".
ثم قال: ومن ثم تغدو هذه العلوم التي تعالج الإنسان فردًا، كعلم النفس مثلًا، وتلك التي تعالجه جماعة كعلم الاجتماع والتاريخ، أو تلك التي تستهدف دراسة وتنظيم مؤسساته العامة كعلوم الإدارة، أو ضبط نشاطه المعاشي كعلوم الاقتصاد، أو تنسيق علاقاته العامة كالعلوم السياسية، أو حماية حقوقه وتنظيم واجباته كالقوانين والتشريعات، أو متابعة رؤيته الجمالية ونشاطه التعبيري كالأداب والفنون. تغدو هذه العلوم جميعًا في حاجة إلى أن تتشكل هي الأخرى في دائرة "الإسلامية" وأن تستمد مناهجها وطرائق عملها، بل أن تبني مفرداتها من نسيج المعطيات الدينية التي حددها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ونماها النشاط الفقهي بمرور الزمن عن طريق استجابته للتحديات ومتابعته للمتغيرات الزمنية والمكانية، وذلك من أجل أن تصبح الحياة البشرية، بمختلف أنشطتها وصيغها إسلامية التوجيه، إسلامية الممارسة، إسلامية المفردات، ويتم بذلك تجاوز كل ما من
стр. 151
شأنه أن يقود إلى الثنائية أو الازدواج بين التوجيه الإلهي ذي العلم المطلق وبين اجتهادات الإنسان النسبية المتضاربة. "٨، ١٦".
وتعني "إسلامية المعرفة" عند باحث رابع:
منهجية إسلامية قويمة شاملة تلتزم توجيه الوحي ولا تعطل دور العقل، بل تتمثل مقاصد الوحي وقيمه وغاياته وتدرس وتدرك, وتتمثل موضوع اهتمام الوحي وإرشاده، وهو الفرد والمجتمع الإنساني والبناء والإعمار الحضاري، وما أودع الله في هذه الكائنات والعلاقات من فطرة ومن طبع، وكيف توجه تلك الطبائع وتتفاعل وكيف تطوع وتستخدم، وكل ذلك من أجل تفهم هذه الكائنات وعلاقاتها, حتى يمكن تسخيرها لتوجيه الإسلام وغاياته. "٣، ١٦٧-١٦٨".
ويقول باحث خامس بعد أن سأل: ما هي "إسلامية المعرفة" التي نقترحها حلا لأزمتنا المعرفية والفكرية, وأزمة العالم معنا, وكيف يمكن تحقيقها؟
تتحقق إسلامية المعرفة بقراءة كتابين، وتؤسس على تقابلهما وتكاملهما منهجًا في البحث والاكتشاف، وهما الوحي المقروء والكون المتحرك الذي يتضمن ظواهر الوجود كافة. فالقرآن العظيم كالكون البديع، وكلاهما يدل على الآخر ويقود إليه. فالقرآن يهدي إلى الكون. والكون يدل ويرشد إلى القرآن كذلك. "١، ١٥".
ويقول باحث سادس: التأصيل الإسلامي لهذه العلوم "علوم الإنسان"
يعني العودة إلى أصول الشريعة الإسلامية باعتبارها المنهج الرئيسي, والمعيار الأساسي الذي تستمد منه هذه العلوم أسسها ومنطلقاتها في التفسير والتحليل والتقويم والتأويل, وبحيث لا يبقى من خلال عملية التأصيل تلك ما علق بهذه العلوم من شوائب نظرية وأفكار غربية أو شرقية لا تتفق مع الإسلام غاية ومنهجًا ومسارًا. "١٠، ٣٠".
وقدمت اللجنة الدائمة للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. تعريفًا للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية بأنه:
تأسيس تلك العلوم على ما يلائمها في الشريعة الإسلامية من أدلة نصية، أو قواعد كلية أو اجتهادات مبنية عليها. وبذلك تستمد العلوم الاجتماعية أسسها ومنطلقاتها من الشريعة، ولا تتعارض في تحليلاتها ونتائجها وتطبيقاتها مع الأحكام الشرعية، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن تدخل العلوم الاجتماعية في إطار العلوم الشرعية وإنما المهم ألا تتعارض معها.
ونجد عملية التأصيل بهذا المفهوم العام لا تتعارض مع أي تقدم علمي وتطور منهجي، ولا تناقض المنهج الإسلامي على أساس أن الإسلام دعا إلى العلم وحث عليه.
стр. 152
ويعرف أحد الباحثين:
"التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" على النحو التالي:
التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية -اختصارًا- بأنه بلورة أبعاد التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والكون، واستخدام هذا التصور كأساس معرفي تنطلق منه العلوم الاجتماعية
ليكون موجها لنظرياتها ومفسرًا لحقائقها ومشاهداتها التي ثبتت صحتها بالتجربة أو الدليل العلمي المحقق. "١٠، ١١".
في هذا التعريف محاولة لتوضيح الصورة التي ينبغي أن تكون عليها العلاقة بين معطيات التصور الإسلامي من جانب، وبين معطيات المشاهدة الحسية التجريبية من جانب آخر، على أساس أن التصور الإسلامي المنطلق من اجتها المسلمين في فهم الوحي يمثل الإطار النظري الأشمل الذي ينطلق منه التنظير لفهم الإنسان والمجتمع -سواء فيما يتصل بأحوالهما في هذه الحياة الدنيا مباشرة، أو في تأثير تلك الأحوال بما ينتظرهما في الحياة الباقية- والذي يتم في ضوئه تفسير الحقائق الأمبيريقية أو الملاحظات والمشاهدات التي يتم التوصل إليها من خلال الدراسات الواقعية.
ويرى المؤلف أن تعريف "اللجنة الدائمة للتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية يفي بالتعبير عن مفهوم "التأصيل"، إذ بتحليل هذا التعريف، نستنتج ما يلي:
١- النظر إلى جوهر عملية "التأصيل" بأنه تحديد الأسس الشرعية المناسبة لتأسيس العلوم المراد تأصيلها عليها.
وهذه خطوة مهمة في عملية التأصيل: إذ إنها تساعد المتخصصين في العلوم المراد تأصيلها -وهم ليسوا بالضرورة متخصصين في العلوم الشرعية- على معرفة الأسس الشرعية التي يمكن أن ينطلقوا منها في بناء هذه العلوم وتنميتها، كما تساعد المتخصصين في العلوم الشرعية على فهم أعمق لطبيعة العلوم المراد تأصيلها من خلال التعرف على هذه العلوم تمهيدًا لانتقاء الأسس
الشرعية التي تتعلق به من نصوص الشريعة وقضاياها الكلية و ...
٢- أن هذا التأصيل ينبغي أن يتناول أسس العلوم المراد توجيهها ومنطلقاتها وتحليلاتها وتطبيقاتها، ويضيف المؤلف "وبناؤها". فهذا يجعل عملية
стр. 153
التأصيل عملية إعادة بناء للعلوم وليس كسوتها بقشرة خارجية فقط، قد لا تصل إلى الجوهر.
٣- أن هذا التأسيس ينبغي أن يستند على أدلة نصية أو قواعد كلية أو اجتهادات مبنية عليها، وليس على آراء فردية.
وهذا يجعل من عملية التأصيل عملية موضوعية، وبنأى بها من التحيزات الشخصية.
٤- الاعتراف بخصوصية العلوم المراد تأصيلها من حيث منهجية البحث وأساليبه وأدواته وغير ذلك، على ألا يتعارض هذا كله مع الشريعة الإسلامية، وهذا يساعد العلوم على الانطلاق في النمو، ويشجع المتخصصين فيها على الإبداع والابتكار، ولكنه -في هذا الحال- انطلاق وإبداع وابتكار موجه توجيهًا إسلاميا.
ب- المصطلح:
كما تعددت الرؤى بالنسبة للمفهوم تعددت المصطلحات التي تعبر عنه. فقد استخدم البعض مصطلح "أسلمة العلم" أو "أسلمة المعرفة" و"إسلامية العلوم" أو "إسلامية المعرفة". واستخدم آخرون مصطلح "تأصيل العلوم" واستخدم فريق ثالث "التوجيه الإسلامي للعلوم". ولكل مصطلح من هؤلاء إيجابياته وسلبياته.
فالذين يستخدمون مصطلح "أسلمة العلوم "المعرفة"" أو مصطلح "إسلامية العلوم "المعرفة"" يرون أن العلوم وبخاصة العلوم الاجتماعية قد نمت في حضن ثقافات غير إسلامية، ومن ثم تلوثت من هذه الثقافات. وبناء عليه، فإنها في حاجة إلى أن تمحص على أساس الدين الحنيف من حيث المنطلق والمنهج
والأدلة النصية والقواعد الكلية، ومن حيث عدم تعارضها مع الأحكام الشرعية في تحليلاتها ونتائجها وتطبيقاتها.
والذين لا يوافقون على هذا المصطلح إنما يرون أنه ينظر إلى العلوم المراد "أسلمتها" على أنها علوم كافرة. وهي نظرة مغلوطة، إذ لا يمكن النظر إلى العلوم من حيث كونها علوم مسلمة وأخرى كافرة. فالعلوم -بذاتها- لا تؤمن ولا تكفر.
والذين يستخدمون مصطلح "تأصيل العلوم" إنما يرون أن العلوم المراد تأصيلها لها أصل في الدين الإسلامي بحكم أن الإسلام شامل لجميع عناصر الكون، شامل لجميع الأزمنة والأمكنة، شامل لعلوم الوحي وعلوم الاكتساب، شامل للحياتين الدنيا والآخرة، شامل لجميع مناشط الحياة. وخاصة الشمول هذه استقصائية جامعة مانعة، وذلك مصداقا لقول الله، :
стр. 154
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]
بناء على ما سبق، فإن جميع العلوم سابقها وحاضرها وغائبها لها أصل في كتاب الله -القرآن الكريم- ومن ثم فإن تصحيح مسار هذه العلوم من وجهة النظر الإسلامية تعني العودة بها إلى أصلها الذي انفصلت عنه.
والذين لا يوافقون على هذا المصطلح يرون أن كلمة التأصيل تعني "العودة إلى الأصل" وهذا يعني أن جميع العلوم مثل الكيمياء والرياضيات وعلوم الحاسب الآلي وعلوم الفضاء والعلوم الاجتماعية لها أصل في القرآن. وهذا غير صحيح؛ لأن القرآن ليس كتابًا منزلًا في أي من هذه العلوم بل هو كتاب هداية يهدي -من بين ما يهدي إليه- إلى النظر إلى الكون -خلق الله المنظور- لللتدبر والتفكر في بديع صنعه, وإعمال العقل في الكشف عن كوامن خلقه، وصولًا إلى العلم اليقيني بوحدانيته والاعتراف بقدراه المتفردة، وللعمل على الوفاء بتكليفه للإنسان بعمارة الأرض. وبناء عليه، فإن اعتبار وجود أصل لكل علم في القرآن أو السنة أو غيرهما من مصادر الدين الحنيف أمر فيه نظر.
والذين يستخدمون "التوجيه الإسلامي للعلوم" -والمؤلف منهم- يرون أن الإسلام دين محيط بالحياتين الدنيا والآخرة وشامل لجميع جوانب حركة الإنسان, بالمعنى الذي تؤدي هذه الإحاطة وهذا الشمول إلى صلاحه لكل زمان ومكان.
وأن هذه الإحاطة الجامعة المانعة وهذا الشمول المستقصى يرجع إلى أن القرآن يحوي مبادئ عامة وقضايا كلية، تهدي الإنسان وتوجه حركته إلى اتباع منهج الله في جميع جوانب حياته سواء بالنسبة للعقيدة أو الشريعة أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق، وفي جميع ما يقول وفي جميع ما يعمل.
وبناء عليه، فإن اصطلاح "التوجيه الإسلامي للعلوم" ينطلق من هذه المبادئ العامة, وتلكم القضايا الكلية ليحقق خاصة صلاح الإسلام لكل زمان ومكان, مهما تغيرت العلاقات بين عناصر الكون بتغير الأزمنة والأمكنة كما, يحقق عدم تعارض الحقائق الدينية في كتاب الله المسطور -وهو القرآن الكريم- مع الحقائق الكونية في خلق الله المنظور، وهو الكون.
والذين لا يوافقون على مصطلح "التوجيه الإسلامي للعلوم" يرون أنه يتعلق بعلوم كائنة فعلًا، ويخشون ألا يمتد إلى استنباط هذه العلوم أو اكتشافها، وألا يتعرض لبنيتها والعلاقة بين عناصرها. وهذا تخوف لا مجال له، ومن وجهة نظر المؤلف إذا رجعنا إلى تعريف مفهوم "التوجيه الإسلامي للعلوم" الذي تخيرناه سابقًا من حيث إنه تأسيس للعلوم المراد توجيهها على ما يلائمها في الشريعة الإسلامية من أدلة وقواعد كلية واجتهادات مبنية عليها. وأن هذه العملية تتناول أسس هذه العلوم ومنطلقاتها بحيث لا تتعارض في تحليلاتها ونتائجها وتطبيقاتها مع الأحكام الشرعية. وغني عن القول أن هذا ينطبق على جميع العلوم السابقة منها واللاحقة.
стр. 155
ثالثًا: أسس التوجيه الإسلامي للعلوم ومنهجه
أ- الأسس:
يحدد أحد الباحثين هذه الأسس بقوله: يتطلب التأصيل الإسلامي للعلوم "التوجيه الإسلامي للعلوم" توافر الشروط الثلاثة الآتية مجتمعة: "١، ١٣".
١- انطلاق من إدراك واضح لأبعاد "التصور الإسلامي" للإنسان والمجتمع والكون، المنبثق من الكتاب والسنة, ولما يتضمنه تراث الإسلام, مما يترتبط بالتخصيص، مع نظرة نقدية لإسهامات علماء المسلمين حول قضاياه.
٢- استيعاب "العلوم الحديثة" في أرقى صورها، مع القدرة على نقدها، والاستفادة منها، وتجاوزها بشكل بناء كلما اقتضى الأمر ذلك.
٣- إيجاد "تكامل حقيقي" بين معطيات التصور الإسلامي من جانب، وبين إسهامات العلوم الحديثة من جانب آخر، وليس مجرد الجمع أو التجاوز المكاني أو حتى المزج بينهما دون وحدة حقيقية.
يحدد باحث آخر هذه الأسس بقوله: "٤، ٣٧-٤١".
يرتكز مفهم التوجيه الإسلامي للعلوم على أسس عامة أهمها ما يأتي:
١- عقيدة التوحيد:
فتوحيد الله تعالى هو الأصل الأول, والذي بعث به رسل الله حتى تتحرر البشرية من أسر الأهواء والشهوات، وتتجرد في حياتها لله تعالى -الخالق المدبر- انقيادًا لدينه، وخضوعا لشرعه.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وعقيدة التوحيد في الإسلام هي حجر الزاوية في رؤية الإنسان الصائبة لحقائق الكون والإنسان والحياة. فإن الله تعالى هو الحق المطلق، وهو مصدر كل حقائق المعرفة, وصاحب التوجيه بالنظر في الكون وتدبر نظامه واستقراء الظواهر الطبيعية والإنسانية, باعتبارها من سنن الله الكونية والاجتماعية، واستنباط قوانينها العامة
стр. 156
وقواعدها الكلية. وبهذا يكون العلم في المفهوم الإسلامي أوسع وأشمل من المفهوم الشائع لدى فلاسفة العلم. إذ يشمل عالم الغيب بمصادره الموحى بها التي تنظم العوالم في سلك واحد وتصل أولها بآخره، وعالم الشهادة الذي يدركه الإنسان بحواسه وعقله, مع الإيمان بأن أسرار عالم الشهادة من خلق الله. وهذا يجعل العلم في المنظور الإسلامي دنيويا بالبحث في الكائنات والاستفادة من طاقاتها، وإلهيا لصلة هذه الكائنات بالله الخالق المدبر الواحد جل وعلا. واستقرار هذا المعنى في وجدان الباحث المسلم، هو الذي يوجه الحضارة الإنسانية توجيها إيمانيا مهتديا رشيدا, يحقق للإنسان الرفاه والتقدم في إطار عقيدة التوحيد.
٢- استيعاب العلوم الحديثة:
إن الدعوة إلى "التوجيه الإسلامي للعلوم" أو "إسلامية المعرفة" لا ترمي الميراث العلمي للحضارات السابقة وراءها ظهريا لتبدأ بمعارف جديدة، ولكنها امتداد لتلك الحضارات مع انتقاء واختيار، ولا يتأتى الانتقاء والاختيار إلا لمن أحاط بها إحاطة وافية.
فعلينا أن ندرس العلوم الحديثة دراسة مستفيضة، ونستوعبها استيعابًا كاملا، ونحللها تحليلا دقيقا، وندرس نشأتها ونموها وتطورها التاريخي، فإن النتائج العلمية الخالصة في الحضارات السابقة والمعاصرة هي أساس أي بناء حضاري جديد "والتوجيه الإسلامي للعلوم" يعتمد على مسلماتها العلمية ومناهجها الرصينة, ويساعد على الإبداع الذي يزيح عن الأعين غشاوة الانبهار، وعماية التقليد, ويعين على أن تكون العلوم والمعارف المتوارثة في خدمة الفكر الإسلامي.
والحضارة الإسلامية التي ننشدها ليست بالحضارة الرافضة ولا بالحضارة المقلدة، ولكنها الحضارة التي تستوعب التراث الحضاري السابق، وتنتقي وتختار وتبتكر وتبدع، وتتخلص من شوائب التغريب, وتتحرر من ذل العبودية, وتواصل مسيرة البناء الحضاري الأمثل.
٣- التمكن من الأصول الإسلامية:
والمنهج الإسلامي الذي نريده يوجب على الباحث أن يتمكن من منابع الثقافة الإسلامية ومصادرها الأصيلة في الكتاب والسنة، والتراث العلمي الذي تركه لنا العباقرة من العلماء المسلمين، فإن هذا هو لذي يعطينا المعايير الأساسية للنقد والتمحيص، ويضع في يدنا النبراس الذي نهتدي به إلى المنهج الإسلامي القويم، والرؤية المستقبلية "المستقبلة" لمسارنا الحضاري المرتقب.
стр. 157
ولا يعني هذا أن يدرس علماؤنا في مجال العلوم الكونية والعلوم الإنسانية مصادرنا الشرعية الأصيلة دراسة نصية متخصصة، فإن هذا شأن المتخصصين في العلوم الشرعية، إنما نعني بذلك أن يكون هؤلاء العلماء على إدراك كامل لأسس الإسلام العامة ومبادئه الكلية الاعتقادية والفكرية حتى يكون لديهم المعايير الصحيحة للعلوم والمعارف في مفهوم الإسلام، وتتكون لديهم ملكة النقد النزيه البصير لاستخلاص المفيد من التراث العلمي -في الحضارات كلها بعامة وفي حضارتنا بخاصة- في كل مجالات العلوم, واختيار ما يتفق مع روح الإسلام وأطر مناهجه، وذلك حتى ينطلق الإبداع الإسلامي على هدى وبصيرة يعالج مشكلات العصر وتحدياته، ويبني للإنسانية كيانا حضاريا معاصرًا على منهج علمي تحليلي متكامل, يأخذ من القديم أرسخه، ومن الحديث أروعه، ويقدم ثمارًا جديدة للمعرفة تنعم بها البشرية في ظل مبادئ الإسلام وقيمه وأهدافه وغاياته.
٤- العمل الدائب على مواصلة البحث العلمي:
إن العلم بحر لا ساحل له ونهر جار لا ينتهي مجراه، فالحقيقة العلمية التي يصل إليها الباحث بعد دراسة ظاهرة معينة دراسة تحليلة دقيقة لاستنباط القوانين العامة التي تفسر هذه الظواهر، لا تمثل إلا جزءًا يسيرًا من الحقائق العلمية الكبرى، وليست -في مفهوم الإسلام- غاية المطاف في البحث العلمي بل ينبغي -طبقًا لهذا المفهوم- متابعة البحث والتعمق فيه في هذه الجزئية, وفيما يتصل بها من جزئيات الكون التي لا تحصى، مما له علاقة بموضوع البحث لاكتشاف حقائق علمية جديدة وتصحيح المسار العلمي. وليس هناك في مفهوم الإسلام المعرفي من يدعي أنه وصل إلى نهاية المعرفة العلمية وبلغ ذروتها؛ لأن أسرار الكون لا تنتهي، والحقائق العلمية الكبرى عن الوجود، يكتشف العلم كل جديد فيها بالتعمق في البحث واتساع دائرته. وما يصل إليه العلماء في أبحاثهم من قوانين المعرفة يمثل جزءًا يسيرًا من تلك الحقائق العلمية الكبرى. وهذا الأساس من أسس التوجيه الإسلامي للعلوم يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .
وقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] .
стр. 158
وهذا يحمل العلماء المسلمين على استمرار البحث العلمي وتتبع جزئياته والتعمق في دراسته، فيظل العلم ناميا متطورًا تجني البشير من ثماره كل جني مستطاب، وتبدع وتبتكر وتجدد.
في ضوء ما سبق يمكن أن نحدد أهم أسس عملية "التوجيه الإسلامي للعلوم على النحو التالي".
١- أن ينطلق التوجيه الإسلامي للعلوم من الدين الحنيف عقيدة وشريعة ومعاملات وأخلاقًا.
فالإسلام دين متكامل الأركان. والعقيدة فيه هي حجر الزاوية، وهي تولد في المسلم الطاقة الإيمانية التي تتملك وجدانه حبا لله تمسكًا بالعبودية له وامتثالًا لأوامره ونواهيه، والشريعة تحدد مجالات حركة المسلم وحدودها وفق منهج الله. وتقدم المعاملات والأخلاق مجالات للسلوك وفق هذا المنهج.
٢- أن يقوم هذا التوجيه على دراسة العلوم الحديثة دراسة مستفيضة ويحافظ على مواكبة التطورات الحديثة فيها. فإذا أردنا أن ينطلق التوجيه الإسلامي للعلوم من الدين الحنيف، فإن استيعاب كل من العلوم الشرعية ذات العلاقة والدراسة المستفيضة للعلوم المراد توجيهها إسلاميا، تكون أهم أسس هذا التوجيه على الإطلاق. فلهذه العلوم طبيعة خاصة وأساليب البحث فيها تعتمد على الملاحظة والتجريب -في كثير من الأحيان- وغيرها من الأساليب غير المتواترة في بحوث العلوم الشرعية. لذلك فإن التنسيق المطلوب بين الأسس الشرعية والعلم المراد توجيهها إسلاميا لا يتم إلا بناء على فهم واستقصاء علوم المجالين.
٣- أن يقوم التوجيه الإسلامي للعلوم على حركة مستمرة ونشيطة للبحث والدراسة والاستقصاء. فهذا أمر تحتمه الضرورة لأسباب أهمها:
- أن العلوم المراد توجيهها إسلاميا تخطو خطوات سريعة نحو النمو والتقدم في المجالات والأساليب والأدوات، فضلًا عن الأفكار والقيم والاتجاهات. وهذا يتطلب المتابعة على أسس علمية موجهة إسلاميا.
- أن التقدم الذي يحدث في هذه العلوم، في الوقت الحاضر على الأقل، يتم في غير البلدان الإسلامية، ومن ثم لا يتم على أسس إسلامية. وهذا يتطلب استمرار عملية التوجيه الإسلامي, حماية لأبناء الأمة من التغريب والتلويث الثقافي.
стр. 159
- أن استخراج القواعد والمنطلقات الشرعية لهذه العلوم ينبغي أن يكون عملية مستمرة تواكب نمو العلوم المراد توجيهها. ولا يتم هذا بالصورة المطلوبة ما لم يؤسس على البحث والدراسة الموضوعية.
- أن عملية التوجيه الإسلامي، عملية حديثة تحتاج إلى إنضاج ومهارات في تكوين بنيات علمية جديدة تكتسب من خلال التطبيق العلمي الرصين، الذي يؤسس على البحث والتحليل والاستنتاج.
ب- المنهج:
لقد أوردت "لجنة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية "بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عدة عناصر اعتبرتها متطلبات لتحقيق تعريفها لـ"التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية " الذي سبق ذكره، ويرى الكاتب أنها اجتهاد طيب نحو استخلاص أسس المنهج للتوجيه الإسلامي للعلوم. هذه العناصر هي: "١، ٩-١٠".
١- وضع تصور إسلامي متكامل عن الإنسان والمجتمع والثقافة, بحيث يمثل الإطار الفكري العام لدراسة القضايا والموضوعات المطروحة في مجال العلوم الاجتماعية.
٢- وضع منهج إسلامي متميز لتلك العلوم يطلق عليه المنهج الإسلامي للعلوم الاجتماعية, يبنى عليه قيام مدرسة متميزة في العلوم الاجتماعية تسمى: المدرسة الإسلامية في العلوم الاجتماعية.
٣- العودة إلى الأصول الإسلامية والتراث الإسلامي القويم عند دراسة القضايا التربوية والاجتماعية والنفسية للاستفادة من هذا التراث.
٤- إبراز المبادئ والمسلمات والمفاهيم والمنطلقات التي تعبر عن التصور الإسلامي للعلوم الاجتماعية وتصحيح النظريات والمفاهيم الاجتماعية على ضوء ذلك.
٥- عرض نتائج البحوث الاجتماعية على القواعد الإسلامية والتصورات الصحيحة، فما انسجم معها قبل، وما تعارض معها رفض, وما كان جديدًا لا يناقض الحقائق والمسلمات الإسلامية قبل، باعتباره إضافة سليمة إلى المعرفة.
ويرى أحد الباحثين أن الحل الصحيح لهذه القضية المنهجية الجوهرية إنما يكمن -فيما يظن- فيما أسماه "بثورة التنظير في العلوم الاجتماعية والتي تتمثل باختصار فيما يلي: "١٠، ٤٣".
стр. 160
١- بدلًا من اعتماد النظريات العلمية في نموذج العلم التقليدي على خيال الباحث أو علي التخمين conjecture في التوصل إلى أطر تفسيرية للحقائق والتعميمات الإمبيريقية، فإننا نعتمد في النظريات الملتزمة بالتوجيه الإسلامي على أطر تفسيرية مستمدة من فهمنا للكتاب والسنة مع الاستفادة من إسهامات علماء المسلمين حول الموضوع.
٢- نستمد فروض البحوث الجارية من تلك النظريات الملتزمة بالتوجيه الإسلامي, ونختبرها في الواقع بمعناه الشامل، مع مراعاة أن اختبار تلك الفروض في الواقع سيتطلب استخدام مناهج وأدوات أكثر ملاءمة للنظرة الإنسانية الروحية الجديدة للإنسان، ككائن ذي وعي وذي إرادة يوجه حياته كفاعل وليس كمجرد كائن منفعل بالمؤثرات الخارجية.
٣- كلما "فشلنا في رفض" فروض البحث المستمدة من النظرية "بتعبير رجال الإحصاء" ازدادت ثقتنا في النظرية المنطلقة من التوجيه الإسلامي. وكلما ثبت لنا خطأ الفروض فإننا نعود لنراجع صحة "فهمنا" للتراث الإسلامي الذي انطلقنا منه من جهة، كما نراجع إجراءاتنا البحثية وطرقنا في القياس من جهة أخرى، ثم نقوم بتعديل الموقف بحسب ما تكشف عنه المراجعة، لكي نعاود الكرة من جديد بالصورة المألوفة لنا تماما في دورة العلم الدائبة.
ويتفق المؤلف مع ما ذكره أحد المتخصصين في علم النفس عن الخطوات التي ينبغي أن تمر بها عملية التوجيه الإسلامي لعلم النفس, انطلاقًا من المدخل الشامل, وبطريقة يمكن أن تكون أساسًا لمنهج التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية بصفة عامة، وفيما يلي نعرض تلك الخطوات مع شيء من التصرف الذي يجعلها قابلة للتعميم على مختلف العلوم التي يراد توجيهها إسلاميا، وسوف يضيف إليها المؤلف ما يجعلها تعبر عن وجهة نظره بالنسبة لمنهجية التوجيه الإسلامي للعلوم "١٤، ٨-٣١".
١- التوصل إلى اتفاق على المسلمات المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح للكون والحياة والإنسان، والتي تعتبر أصولًا نهتدي بها في تحليلنا النقدي لموضوعات العلوم الاجتماعية لمعرفة ما يمكن قبوله منها, وما لا يمكن قبوله.
٢- التمكن من العلم المراد تأصيله تمكنا تاما، بحيث نكون على معرفة شاملة ودقيقة بموضوعات هذا العلم، وتطوره التاريخي، ومناهجه في البحث، ونتائجه ونظرياته، والمشكلات التي لم تحسم فيه بعد.
стр. 161
٣- التمكن من الأصول والمبادئ الإسلامية التي تتصل بموضوعات ذلك العلم اعتمادًا على ما جاء في الكتاب والسنة حول تلك الموضوعات أو ما يرتبط بها.
٤- المعرفة بإسهامات علماء المسلمين، فيما يتصل بموضوعات وقضايا ذلك العلم. وتقويم تلك الإسهامات في ضوء التحليل التاريخي الذي قد يكشف عن المصادر غير الإسلامية التي تأثر بها هؤلاء العلماء.
٥- التحليل لإسهامات العلم الحديث في محيط التخصص في ضوء التصور الإسلامي الشامل المشار إليه في الخطوة الأولى، وفي وضوء الأصول والمبادئ الإسلامية المحددة المتصلة بذلك العلم، المشار إليها في الخطوة الثالثة. فما اتفق مع ذك التصور وتلك الأصول أبقى عليه، وما لم يتفق أخضع للدراسة بهدف تعديله أو استبعاده. وذلك في ضوء إدراك المسلمات التي استند إليها ذلك العلم في الوصول إلى تلك النتائج.
٦- إجراء البحوث النظرية والميدانية والتجريبية في مجال التخصص في ضوء التوجيه الإسلامي للإضافة إلى المعارف العلمية وإثرائها من هذا المنطلق، بما يضيف إلى الإسهامات العلمية الصحيحة، ويملأ الثغرات في الموضوعات التي لم تنجح إسهامات العلم التقليدية في تغطيتها على الوجه الصحيح.
٧- التبادل العلمي بين المتخصصين في ذلك العلم، وكذلك بينهم وبين المتخصصين في العلوم الشرعية المرتبطة بموضوعه على أوسع نطاق ممكن، ضمانا لتحقيق القدر الضروري من المعرفة المشتركة, التي ينطلق منها البحث
العلمي المستقبلي في هذا المجال، حتى تتحقق "وحدة المعرفة" على المستوى المؤسسي كما تحققت على المستوى البحثي.
٨- إعادة صياغة موضوعات العلم وفق التوجيه الإسلامي، وإعادة كتابة المراجع والكتب الدراسية لتنطلق من المنظور الإسلامي.
ويضيف المؤلف ما يلي:
٩- أن المسلمات التي يراد التوصل إليها في رقم "١" ينبغي أن تنبثق من مفهوم العلم أيضًا وفق التصور الإسلامي، فللعلم في الإسلام خصائص متفردة ينبغي أن يكون لها حضور مستمر في عملية التوجيه الإسلامي للعلوم.
١٠- أن المعرفة المشار إليها في رقم "٤" ينبغي أن ترقى إلى مستوى الدراسة والتحليل، وألا يقتصر التحليل المذكور في هذا البند على البعد التاريخي، بل يمتد إلى تحليل كامل للمحتوى بناء على أسس التوجيه الإسلامي للعلوم التي ذكرناها آنفًا.
١١- العمل على تكوين مكتبة غنية بالمراجع عن التوجيه الإسلامي للعلوم من حيث دوافعه ومفهومه وأسسه ومناهجه وأساليبه ونماذج له، ودراسات نقدية للاجتهادات غي الناضجة في مجاله.
١٢- إيجاد حركة للتعليم المستمر في التوجيه الإسلامي للعلوم, وتنظيم مؤتمرات وندوات تتناول مختلف جوانبه، تكون ملتقى للعاملين في مجاله والمهتمين به, وبخاصة التقاء المتخصصين في كل من العلوم الشرعية والعلوم المراد توجيهها إسلاميا.
стр. 162
خاتمة الفصل الخامس:
في هذا الفصل:
عالجنا الأساس الثالث من الأسس العامة لتخطيط المناهج الدراسية، وهو التوجيه الإسلامي للعلوم. وهذا الأساس -على أهميته- يهمله معظم الكاتبين في المناهج، ولجدته فقد تناولنا مفهومه ومصطلحه ومنهجه. كما تناولنا مبررات ظهوره في حركة دعم الهوية الإسلامية.
ولا يقف التوجيه الإسلامي للعلوم عند إحياء الانتماء إلى الإسلام والتمسك بالحياة، وفق تعاليم الدين الحنيف من خلال خبرات المناهج الدراسية إلى تحقيق ذلك، ولكن يتعدى هذا إلى استثمار التقدم المعاصر في تحديث خبرات المناهج وتطويرها وفي انتقاء هذه الخبرات وتنظيمها.
أما أهم التطورات التربوية المعاصرة في مجال المناهج الدراسية فسوف نتناولها في الفصل السادس، بمشيئة الله.
стр. 163
أهم مصادر الفصل الخامس:
١- العلواني, طه جابر:
إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم. القاهرة: دار الهداية للطباعة والنشر، ١٤١٥هـ-١٩٩٥م.
٢- الفاروقي, إسماعيل:
إسلامية المعرفة المبادئ العامة -خطة العلم- الإنجازات "ترجمة: عبد الحميد أبو سليمان". واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٩٨٦.
٣- المعهد العالمي للفكر الإسلامي:
إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات، الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ١٤١٣هـ-١٩٩٢م.
٤- القطان, مناع خليل:
"مفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم، وأهدافه وأسسه العامة "بحث قدم إلى مؤتمر: التوجيه الإسلامي للعلوم الذي انعقد في جامعة الأزهر في الفترة من ١٥-٢٠ شوال ١٤١٢هـ-. الموافق ١٨-٢٣ إبريل ١٩٩٢م.
٥- الندوة العالمية للشباب الإسلامي:
من قضايا الفكر الإسلامي المعاصر ط٣. الرياض: الندوة، ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.
٦- الندوى، أبو الحسن علي:
التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية: بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٣٩٧هـ-١٩٧٧م.
٧- بحوث وتوصيات ندوة تربية الشباب المسلم ودور الجامعات فيها:
الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إدارة الثقافة والنشر، ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
٨- خليل، عماد الدين:
مدخل إلى إسلامية المعرفة مع مخطط مقترح لإسلامية علم التاريخ ط٣، الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ١٤١٢هـ- ١٩٩٢م.
стр. 164
٩- عيسى، محمد رفقي:
"نحو أسلمة علم النفس"، المسلم المعاصر، العدد ٤٦، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
١٠- رجب، إبراهيم عبد الرحمن:
"مداخل التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية، مع اهتمام خاص بمهنة المساعدة الإنسانية، بحث قدم إلى ندوة: التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية، المنعقدة بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي في القاهرة في الفترة من ١٠-١٣ أغسطس ١٩٩١م.
١١- إسماعيل, زكي محمد:
"التأصيل الإسلامي لعلم الاجتماع.. إلى أين" بحث قدم إلى ندوة: علم الاجتماع المصري.. إلى أين؟ الذي انعقد بكلية الدراسات الإنسانية للبنات، جامعة الأزهر في الفترة من ٣-٥ مارس ١٩٩١م.
١٢- شوق، محمود أحمد:
الاتجاهات الحديثة في تدريس الرياضيات، الرياض: دار المريخ، ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م.
١٣- مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:
ندوة "التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" التي انعقدت بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، عمادة البحث العلمي، ١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م.
١٤- نجاتي، محمد عثمان:
منهج التأصيل الإسلامي لعلم لنفس، بحث مقدم إلى ندوة "التأصيل الإسلامي لعلم النفس" التي نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالقاهرة ١٩٨٩م.
стр. 165
الفصل السادس: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة
مقدمة الفصل السادس:
نعالج في هذا الفصل الأساس الرابع من الأسس العامة لاختيار خبرات المنهج وتنظيمها. وهو التطورات التربوية المعاصرة في مجال المناهج الدراسية, إذ إن هذه التطورات تؤثر على ما ينبغي أن يتعلمه المتعلمون بحيث يتعرفون ما يجري في عالمهم من تغير، ومواكبة فكرهم ومهاراتهم, فنتيجة للتقدم العلمي، والتقني غير المسبوق، شملت هذه التطورات مختلف جوانب الحياة. فالأسرة لم تعد تتمع بالاستقرار كما كانت من قبل، والمدرسة لم تعد المصدر الأكبر للإشعاع التربوي كما كانت من قبل، والشارع لم يعد آمنا كما كان من قبل، والجار لم يعد الصاحب المؤتمن الذي كان من قبل، والبيئة لم تعد نقية كما كانت من قبل، وشئون الحياة لم تعد ميسرة كما كانت من قبل، والسلام العالمي لم يعد مستقرا كما كان من قبل، فقد انقسم إلى عالمين: عالم الكبار وعالم الصغار، والكبار يتكتلون والصغار يتقوقعون ويتفتتون.
وحيث إن التربية عملية اجتماعية -بالدرجة الأولى، وأنها تتفاعل مع التغيرات في المجتمع تفاعلًا مباشرًا. وإذا حدث أن استشرفت اتجاهات حديثة سبقت بها واقع المجتمع، فإن هذا الاستشراف يكون من أهم أسسه استطلاع حاجات المجتمع وتشوف حركته نحو المستقبل. لذلك فإن المؤلف يرى أن محاولة تحديد أهم ملامح التطورات المعاصرة في المجتمع العالمي ينبغي أن تسبق محاولة تحديد الاتجاهات المعاصرة في التربية، حتيى يدرك القارئ منطلقات هذه الاتجاهات.
لذلك فإننا سوف نتناول ما يلي:
أولًا: أهم ملامح التطورات العالمية المعاصرة.
ثانيًا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة.
стр. 166
أولًا: أهم ملامح التطورات العالمية المعاصرة
غني عن القول، أنه لا يمكن الإحاطة بخضم التطورات العالمية المعاصرة في الحيز المتاح هنا، ولكن سيحاول المؤلف -فيما يلي- الإشارة إلى بعض ملامح التطور الأكثر تأثيرًا على التربية من هذا الخضم:
١- السرعة الفائقة للتغيرات التي تحدث في مختلف جوانب الحياة المعاصرة.
٢- الاتجاه إلى تكوين كيانات بشرية كبرى تملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي مثل: الوحدة الأوربية، وتجمع جنوب شرق آسيا، وتجمع أمريكا
وكندا والمكسيك.
٣- الاتجاه نحو سيطرة الدول المتقدمة على العالم النامي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا من خلال عولمة المبادئ بعض المبادئ والعلاقات مثل اتفاقية التجارة العالمية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وشئون كل من الإسكان والطفل، إضافة إلى السيطرة العلمية والتقنية.
٤- استخدام المعونات والقروض التي تمنحها الدول المتقدمة للدول النامية وسيلة لتوجيه حركة المجتمعات المتلقية.
٥- خضوع قرارات المنظمات الدولية -في كثير من الأحيان- لمصالح الدول الكبرى، الأمر الذي يؤثر سلبيا على مصداقية هذه المنظمات, وعلى مصالح الدول الصغرى في الوقت نفسه.
٦- الاتجاه في النظم السياسية نحو النظام الديموقراطي وفي النظم الاقتصادية نحو النظام الرأسمالي، وتكوين كيانات اقتصادية عابرة للقارات.
٧- تشجيع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات, وإزاحة العقبات التي تحد من مشاركة الجماهير أو تحجمها "٣، ١٤٩".
٨- استمرار اتساع الفجوة الحضارية بين الدول المتقدمة والدول النامية.
٩- اختلاط الثقافات والحضارات، وشحوب الهوية القومية، والتحول إلى العصر الكوني، وضعف السيادة الإقليمية والوطنية.
١٠- رفض مصدري التقنية من الدول المتقدمة تزويد مستورديها من الدول النامية بالمعلومات عن التقدم المعاصر أو المتوقع، بل إن المعلومات التي
стр. 167
يتيحونها لهم تكون -دائمًا- غير كافية للإسهام في الانطلاق التقني. لذلك يلاحظ عدم إعطاء المبتعثين والمتدربين من أبناء الدول النامية إلى الدول المتقدمة، فرصة للاطلاع على التقدم العلمي والتقني في هذه الدول.
١١- وثوب بعض التقنيات الحديثة إلى مقدمة المؤثرات على المجتمعات، مثل تقنية المعلومات والاتصالات وتقنية البيئة، وتقنية الفضاء.
١٢- اعتماد التنمية على سياقها الإنساني والثقافي، إذ إن التنمية الاقتصادية المزدهرة هي التنمية التي تشكل جزءًا من ثقافة الشعب.
١٣- استخدام البث المباشر وبخاصة "الإنترنت" في الغزو التربوي للدول وبخاصة الدول النامية.
١٤- حسن استثمار الطاقة البشرية في المجتمع إلى أقصى حد. إذ أصبح هذا من عوامل السبق في ركب التقدم.
١٥- اتباع سياسة علمية وتقنية ترتكز على تشجيع الابتكار والتقنية الإنتاجية، أكثر مما ترتكز على النقل والاستيراد والتقنية الاستهلاكية. "٣، ١٤٩".
١٦- الاعتماد على التعليم والبحث العلمي والتقنية في تنمية المجتمعات، حتى أصبح التقدم في هذه المجالات من العوامل الفارقة بشدة بالنسبة لمدى تقدم المجتمعات أو تخلفها.
١٧- تحقيق مزيد من التنسيق والتكامل بين مؤسسات الإعلام ومؤسسات التعليم والتنسيق بينها من ناحية ومؤسسات المجتمع من ناحية ثانية, لضمان التناغم في دعم اتجاهات المجتمع وقيم التحديث. "٣، ١٤٩".
стр. 168
ثانيا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة
مدخل
...
ثانيًا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة
إنه لأمر طبيعي أن تؤثر هذه التطورات التي ذكرناها سابقًا على التربية في جميع المجتماعات وبخاصة النامية منها. لذلك أصبح التربويون في حيرة من أمرهم. ففي هذا الخضم الهائل من التغيرات، كيف يوجهون تربية الأجيال القادمة؟ وفي ظل هذا التسارع غير المسبوق، لأي عصر يربون هذه الأجيال؟ للعصر الحاضر سريع التغير؟ أم للعصر القادم غير محدد الملامح؟ وما متطلبات العصر القادم التربوية؟ وهل الماضي لم يعد له قيمة تربوية؟ ثم، هل يربون للكونية أم للقومية؟ وإذا اختاروا الكونية، فما مصير الذاتية الثقافية؟ كيف يتعاملون مع البث المباشر؟ وكيف يتعاملون مع الغزو التربوي الذي لا سبيل إلى الهروب منه؟ وكيف يمكن مواجهة الطوفان التقني العارم؟ وكيف يمكن استثماره لصالح البشرية؟ وكيف يمكن التوقي من شروره؟
وكما يتوقع القارئ لا يمكن إجابة هذه الكوكبة من الأسئلة في الحيز المتاح لنا في هذا الفصل. لذلك سوف نقتصر على تحديد أهم الاتجاهات المعاصرة التي حاول المربون بها مواجهة ما سبق ذكره في ثلاثة من الجوانب الأكثر تأثيرًا -من وجهة نظر المؤلف- على المناهج الدراسية، وهي:
أ- أهم الاتجاهات المعاصرة في سياسة التعليم.
ب- أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المعلم.
جـ- أهم الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية.
стр. 169
أ- أهم الاتجاهات المعاصرة في سياسة التعليم:
إذا اعتبرنا أن سياسة التعليم هي المبادئ والأسس العامة التي يقوم عليها التعليم في جميع نظمه وأنواعه ومراحله وخططه ومناهجه ومعلميه وغير ذلك من شئون التعليم. فإننا ندرك أنها برشدها تكون منطلق التطوير الرشيد في التربية والتعليم.
ولقد كانت سياسة التعليم في الماضي تعنى بمحتوى التعليم، أي: بالمادة الدراسية، ثم تطورت إلى العناية بمحتوى التعليم وبالمتعلم معًا، ثم تطورت مرة أخرى إلى العناية بالمجتمع، إضافة إلى محتوى التعليم والمتعلم, ثم تطورت مرة رابعة للعناية بالمستقبل إضافة إلى الحاضر.
ومع أن الاستقرار من طبيعة السياسات -على وجه العموم- ومنها سياسة التعليم، نظرًا للتأثير الشامل للسياسات في مختلف جوانب الأعمال والنشاطات وتطبيقاتها، إلا أن ما يشهده عصرنا من تغير سريع ومن سباق تربوي محموم بين مختلف الدول وبخاصة دول السبق، جعل التغير السريع في السياسات التعليمية حتميا لتواكب متطلبات هذا التغير.
ومع أن السياسات -وبخاصة السياسة التعليمية- ترتبط -إلى حد كبير- بالظروف المحلية، إلا أنها -في الوقت الحاضر- تتأثر بالاتجاهات العالمية أكثر من أي وقت مضى؛ نظرًا لأن سهولة الاتصالات ووجود البث المباشر وكفاءة تقنية المعلومات والاتصالات قد جعلت عالمنا المعاصر أشبه بمدينة كبيرة.
فما الاتجاهات الحديثة في سياسة التعليم التي نتجت عن هذه التطورات العالمية المعاصرة؟
стр. 170
يمكن التعبير على أهم هذه الاتجاهات على النحو التالي:
أولًا: النظر إلى التربية على أنها:
١-١ استثمار ينبغي أن تتفوق مخرجاته على مدخلاته، ومن ثم فإن تطويرها ينبغي أن يلازم جميع خطواتها منذ البداية.
١-٢ سبب وعامل أساسي للتقدم الاقتصادي، كما حصل في الاتحاد السوفيتي "السابق" ويحصل الآن في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية "٩، ٤١".
١-٣ تعد الأفراد والمجموعات لنوع من الحياة العلمية والعملية في مجتمعات المستقبل، وليس في المجتمعات الحالية فقط. فبينما كانت وظيفة التربية الإسلامية الأساسية في الماضي تكرار العلاقات الاجتماعية السائدة، أصبحت -اليوم- تعد الأفراد لنوع جديد من النظم والعلاقات تعتمد على التغير السريع في نواحي الحياة.
١-٤ تهدف إلى تنمية مواهب الجميع إلى أقصى قدراتهم، وتحقيق هذا الهدف يتطلب أن نعين كل الطلاب على بذل الجهد إلى آخر حدود قدراتهم، واكتشاف الواعدين منهم, والحرص على تكوين العلماء من بينهم. "١٠، ٢٣".
١-٥ لا تهدف إلى إعداد الفرد لكسب العيش للحياة فقط، ولكن أصبح الهدف منها مساعدته على صناعة الحياة، وإنتاج كل من المعلومات والتقنية وليس استيعابها فقط. "٢، ٤٧".
٢- ارتفاع عائد العملية التعليمية يتوقف -بالدرجة الأولى- على حسن اختيار المشاركين فيها -وبخاصة المعلم- وكفاءة إعدادهم واستمرار تنميتهم.
٣- إتاحة فرص دائمة لكل مواطن لدخول النظام التعليمي مهما كان عمره, ومستوى تعليمه الرسمي السابق. ويعني هذا إجرائيا، أن تتعدد قنوات كل من الحركة الرأسية والحركة الأفقية بين أفرع الشجرة التعليمية، كما يعني إمكانية الانتقال عبر جسور تعليمية من تخصص إلى آخر، ومن مهنة إلى أخرى، ويكون معيار العبور على هذه الجسور هو اللاختيارات المقننة لقياس القدرة على متابعة نوع التعليم الذي يريد الفرد الالتحاق به. "١، ٦٢".
стр. 171
٤- التعليم المستمر حق لجميع الأفراد على المجتمع، وواجب عليهم حسن استثمار ما يتاح لهم من فرص تعليمية، ترشيدًا للإنفاق على التعليم ووفاء لحاجات التنمية.
٥- امتداد فرص التعليم إلى خارج المؤسسات التلقيدية للتعليم -مثل المدارس والكليات- لتصل إلى البيوت وأماكن العمل والمكاتب والمتاحف ومراكز البحث العلمي، وإلى كل موقع يمكن للفرد فيه أن ينمو وينضج في عمله وحياته. "١٠، ٢٤".
٦- تجاوز المفهوم الضيق للنظم التربوية والثقافية. والاقتراب من مرحلة المجتمع المستمر في التعليم وفي اكتساب الخبرات وتطويرها، وذلك بأن يشمل التعليم والتربية حياة الفرد بأكملها، ويتناول كافة النواحي في المجتمع، بما في ذلك النواحي الاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى النواحي التربوية والثقافية. "٩، ٢٦".
٧- ينبغي أن تواكب نظم التربية والتعليم وخططه ومناهجه وأدواته ومرافقه حاجات كل من الفرد والمجتمع ومتطلبات التربية المعاصرة، في عالم سريع التغير.
٨- تحقيق التعليم الشامل لجميع أفراد المجتمع والملبي لحاجاتهم, قوة فاعلة في تقدم المجتمع وفي تحقيق السلام الاجتماعي فيه.
٩- البحث العلمي والتقدم التقني والتطوير التربوي المستمر من أهم ركائز النهوض بالعملية التعليمية.
١٠- التدفق العلمي والتقدم التقني يسيران بمعدلات سريعة، ومن ثم ينبغي أن ترتفع قيمة التسارع الزمني في التربية والتعليم لملاحقتها، الأمر الذي يضع على كاهل التربية إعداد الأجيال لهذا التسارع.
١١- الارتباط المتزايد بين برامج التعليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من ناحية والتخطيط التربوي من ناحية أخرى من أهم أسس النظم التربوية. "٩، ٤٤".
١٢- استثمار التقنية في مجال التعليم لم يعد خيارًا، ولكنه أصبح حتمية تتطلب ملاحقة التطورات التقنية، وتوظيفها في التعليم بصورة تعطي الفائدة القصوى منها.
١٣- تكامل كل من: التعليم الرسمي، والتعليم الأهلي، والتعليم الموازي.
وتنسيق التعليم والإعلام ضرورة عصرية لضمان التناغم في دعم القيم وتكوين الاتجاهات والتوجيه التربوي المرغوب فيه.
стр. 172
١٤- النظر إلى معاهد التعليم على أنها مراكز إشعاع حضاري في بيئتها المحلية ومجتمعها.
١٥- التوجيه التعليمي جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية، كما أن تلاحم النظرية، والتطبيق ضرورة لكفاءتها، إضافة إلى كونها ضرورة عصرية.
١٦- الجمع بين الثقافة العالمية والثقافة المحلية والتوازن بينهما أصبحا مطلبًا أساسيا في التربية والتعليم.
١٧- ترسيخ عقيدة المجتمع وقيمه والمحافظة على هويته، وغرس الأخلاق الفاضلة فيه، والحرص على تكوين القدوة في السلوك القويم.
١٨- غرس احترام الحرية الشخصية في مختلف مجالات الحياة الاعتقادية والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية في المجتمع.
١٩- تنويع الخبرات والمهارات في مختلف مستويات التعليم وخططه ومناهجه وربطها بقدرات المتعلمين من ناحية، وحاجة سوق العمل من ناحية أخرى.
٢٠- التركيز في التعليم على تربية الباحثين القادرين على الدراسات المعنية بالمستقبل, وحل مشكلات المجتمع.
٢١- الاهتمام بتنمية القدرات والمهارات التي تواجه المستحدثات في عالم سريع التغير مثل: القدرة على التفكير واتخاذ القرار، والمهارة في حل المشكلات، وفي الاختيار من بين البدائل وفي القيادة.
٢٢- الحرص على الإعداد الرفيع لقيادات التعليم, والعمل على تطويرها تطويرًا مستمرا لمواكبة جميع المتغيرات والمستحدثات في العملية التعليمية.
стр. 173
"ب" أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المعلم *:
الاتجاهات المعاصرة في تريبة المعلم كثيرة ومتعددة الجوانب: فالمعلم هو حجر الزاوية في عملية التعليم والتعلم؛ لأن مهماته تتعلق بمختلف مجالات العملية التعليمية من إدارة وإرشاد تعليمي وفني ومعالجة مشكلات المتعلم وسد الثغرات في المنهج الدراسي والتواصل مع أولياء الأمور, ومختلف أعضاء المجتمع المحلي ومؤسساته. لهذا فإن أية اتجاهات حديثه في كل من هذه المجالات تؤثر على المعلم سواء في تربيته أم في وظيفته. ومن ثم تظهر اتجاهات حديثة في تربية المعلم تواكب هذه الاتجاهات كلها، إضافة إلى حاجات المجتمع المعاصرة. وفي ضوء الاتجاهات التربوية المعاصرة والحاجات المعاصرة للمجتمع المسلم، يمكن تحديد أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المعلم. ونذكر أهمها على النحو التالي:
١- مساعدة المعلم على اكتساب المهارات اللازمة لكل من تربية تلاميذه تربية إسلامية، وتوجيه المادة التي يدرسها توجيهًا إسلاميا، والعناية بإسهامات العلماء المسلمين فيها.
لا يمكن للمعلم أن يربي تلاميذه تربية إسلامية ما لم يعد لهذه المهمة. فكل تربية لها أصولها ومصادرها وأهدافها. وقد بينا -في الفصل الثالث- أهم جوانب التربية الإسلامية التي ينبغي أن تكون من بين أسس كل من تربية المعلم وتخطيط المناهج وغيرهما من مجالات العمل التربوي.
ولقد مضى على المسلمين حين من الدهر ومناهجهم الدراسية تعب من مناهل معرفة لا تستقيم مع أصول التربية التي يبغون، ولا تؤدي إلى الأهداف التي يرجون, ولا تقود إلى نوع الحياة التي ينشدون. وأخذ علماء المسلمين يدقون ناقوس الخطر الذي يغزو أمة الإسلام في أعز ما تملك، وهو عقول شبابها, بل قلدنا غير المسلمين في التوحيد بين مناهج الفتية والفتيات، ولما كانت المناهج كما سبق أن بينا قد أصابها تلوث تربوي، فقد أصبح كثير من فتياتنا -مثل كثير من فتياننا- غريبات المزاج والفكر والمظهر والمخبر، واتحذن من غير المسلمات مثلًا وقدوة، وتباكينا نحن على حالها. فهل جنينا إلا ما غرسناه بأيدينا؟
ولتصحيح مسار المناهج الدراسية ولدرء خطر التلوث التربوي ينادي علماء المسلمين اليوم بإعادة صياغة مختلف العلوم, والحرص على تقديمها للناشئة وفق التصور الإسلامي. ومن أهم ما يساعد على تحقيق هذا الهدف، وتطوير نظم إعداد المعلم وبرامجه, بحيث تعد معلمًا قادرًا على توجيه ما يعلمه لتلاميذه من خبرات توجيهًا إسلاميا.
وهذا يتطلب مراعاة ذلك في إعداده الثقافي والتخصصي والمهني، وفي برامج تدريبه في أثناء الخدمة، على السواء.
أما بالنسبة لإسهامات العلماء المسلمين في تقدم العلوم، فإن القارئ المدقق في تاريخ العلوم يلاحظ طمسا متعمدًا لهذه الإسهامات، ورغم أن للمسلمين أيادي
стр. 174
بيضاء على مسيرة الحضارة الإنسانية إلا أن أعداء الإسلام يعمدون إلى طمس جهودهم والتقليل من شأنهم، متجاهلين حفظ المسلمين لتراث من سبقوهم من الضياع, حين نقلوا للعربية أعمال الهنود والإغريق, وطوروا ما وصلت إليه أيديهم في أسفارهم الكثيرة إلى أرجاء المعمورة، وأهدوا إلى أوربا مفاتيح المعرفة والبحث، التي بها فتحت أوربا طرائق الكشف والبحث العلمي.
ولم يكن المسلمون ناقلين لأعمال غيرهم مطورين لها فقط، ولكن كان لعلمائهم كشوفهم في الرياضيات والفلك والكيمياء، والطب والهندسة وعلوم البحار، وغير ذلك من مجالات المعرفة, ومما يمكن ذكره في هذا الصدد أن أول كتاب ألف في الجبر هو كتاب "الجبر والمقابلة" للخوارزمي، وأن نظام العد الذي نستخدمه اليوم، من إسهامات العلماء المسلمين.
ومن المؤسف حقا أن إسهامات العلماء المسلمين لم تأخذ حظها من الدراسة في ديار الإسلام، وإن كانت قد قتلت بحثًا في غير بلاد المسلمين، بهدف الاستفادة منها, واتخاذ السبل المناسبة لطمسها وتشويهها.
وغني عن القول أن شباب المسلمين في حاجة -اليوم أكثر من أي وقت مضى- لأن يدركوا أن أمتهم لم تكن في الماضي تبعًا في ركب العلم والتقدم- كما هي اليوم. ولكن، أتى عليها حين من الدهر كانت فيه رائدة للعالم.؟ وأن مهمة هؤلاء الشباب -اليوم- هي الكدح في سبيل استعادة الأمة مكانتها التي فقدتها في هذا الركب.
وتحقيقًا لهذا الهدف ظهر اتجاه قوي نحو تجلية إسهامات العلماء المسلمين، وتقديمها لأبناء المسلمين، ومن ثم العناية بها في برامج إعداد المعلم.
٢- العناية بتزويد المعلم بالثقافة الإسلامية:
الثقافة الإسلامية ضرورة حياة لغير المتخصصين في العلوم الشرعية, وبخاصة المعلمون منهم. فالمعلم يربي أجيالًا تعتمد عليها الأمة في مسيرتها الحضارية. وفي قيادة الصحوة الإسلامية المعاصرة وترشيدها وتوجيهها وجهة الخير لدين الله ولعباده. ومن هذا المنطلق ينبغي أن يتزود المعلم بزاد من الثقافة الإسلامية يعينه على أداء هذه المهمة بنجاح. وفاء لهذا ظهر اتجاه قوي نحو ضرورة أن يعمل برنامج تربية المعلم على تزويده بثقافة إسلامية مناسبة.
ومن أهم ما يرى الكاتب أن تعنى به الثقافة الإسلامية للمعلم دراسة ما يلي:
١-٢ المذاهب المعاصرة في ضوء العقيدة. فالعقيدة عماد الدين، وهي الأساس الذي يبنى عليه نظام المجتمع وهياكله التنظيمية وتعتمد
стр. 175
عليه تربية الأفراد والجماعات، فضلًا عن كونها الأساس الذي يقوم عليه البناء التعبدي، وهي منطلق تحرر النفس الإنسانية من العبودية لغير الله، ومن الولاء لأحد سواه، ومصدر قوة المسلم في حياته، ومنطلق اعتزازه بخالقه وخشيته في السر والعلن.
ودراسة المذاهب المعاصرة في ضوء العقيدة الإسلامية تجلي العقيدة وتعين على فهم مرامي هذه المذاهب ومقاصدها ونواقصها.
وفي هذا تثقيف وتوعية للمعلم.
٢-٢ دراسة بعض القوانين الوضعية في ضوء الشريعة الإسلامية، فإن هذا يجلي حقيقة الشريعة وقدرتها على تنظيم الحياة, وحل مشكلاتها وفق مهج الله.
٢-٣ السيرة النبوية العطرة فيها نماذج فريدة لم تتكرر في التاريخ. ففي حياة الرسول ﵊ وجهاده في سبيل الله, وصبره على المكاره وكدحه في سبيل الدعوة إلى الله, ومعاملته لأصحابه وأعدائه، مدرسة متفردة تولد في نفوس الشباب طاقات متجددة للعمل والكفاح في سبيل الحق والعدل والهداية، وتقدم لهم مثلًا وقدوة غير مسبوقة في الأخلاق الإسلامية, وفي الالتزام بمنهج الله .
٢-٤ العبادات، فالعبادات -في الإسلام- ليست طقوسًا تمارس أو شعائر تؤدى فقط، ولكنها أيضًا قنوات اتصال للعبد بربه يحاسب نفسه خلالها عن أعماله.
٢-٥ الأخلاق الإسلامية، فقد بين الإسلام بجلاء ما ينبغي أن يتخلق به المسلم في تعامله مع جميع البشر في جميع الأمكنة والأزمنة والأحوال.
٢-٦ ويرشح الكاتب مقارنة الأديان لتكون المجال السادس الذي تعنى به الثقافة الإسلامية للمعلم. فمعرفة الخصائص المشتركة بينها, ونقاط التفرد في كل منها من عوامل التثقيف المهمة.
٢-٧ حركات الإصلاح في الفكر الإسلامي في العصر الحديث، وحركات الحيود عن الطريق الصحيح للإسلام في الوقت الحاضر. ففي دراستها توعية وتنوير يحتاج إليهما المعلم في أداء رسالته.
стр. 176
٢-٨ التاريخ الإسلامي. ففيه ثراء كبير من الخبرات المفيدة في تثقيف المعلم، وفيه معارف ينبغي أن تدرك، ومواقف ينبغي أن تحيا في ذاكرة المسلمين، وأخلاق ينبغي أن تحتذى، وعبر ينبغي أن تعتبر.
٢-٩ التحديات المعاصرة التي تواجه المسلمين، ففيها تبصرة للمعلم بما يحيط الأمة من مخاطر ومشكلات ينبغي أن يعيها طلابه.
وما نود أن نؤكده هنا هو أن الثقافة الإسلامية التي نقدمها للمعلم ينبغي أن تستنفره لتربية تلاميذه, وتوجيههم وإرشادهم, وحفز هممهم نحو دفع الأمة إلى الانطلاق الحضاري تحت راية دين الله الحنيف, وتعريفهم بماضي أمتهم وواقع حاضرها.
٣- تمكين المعلم من مهارات التعبير باللغة العربية الفصحى, ومن التدريس بها:
ولقد نزل القرآن بلسان عربي مبين فيه بلاغة وعليه طلاوة، نافذ بفصحاه إلى العقول, وبجرس عباراته إلى الأفئدة، وبجزالة أسلوبه إلى الوجدان. ترقى بمعانيه النفوس. وترق له القلوب، وقد أحاط بجوامع الكلم.
وقد اقتضت حكة الله بأن ينزل كتابه وتسجل سنة رسوله ﵊ بالفصحى. فظل هذان النبعان العظيمان يفيضان على أمة الإسلام بالهدى والتقوى والتمسك بحبل الله المكين. وكلما تمكن الإنسان من الفصحى كان على الارتواء منهما أقدر، ودلف إلى دين الله بصورة أقوى وأشد. وكلما سبر غورها ومهر في السباحة في بحرها، ازداد فهمًا وإدراكًا لهدي هذا الدين القيم. أما من صرفه صارف أو شغله شاغل أو تكاسل عن إتقان اللغة الفصحى، فإنه بهذا قد بنى سدا بينه وبين منابع الدين الحنيف والتراث الإسلامي الذي يبين أصول العقيدة ومقاصد الشريعة وحكمة التشريع وأسس العبادات والمعاملات وما هية الأخلاق. وإذا فات المسلم هذا كله أدركته أمية تبتليه بتخبط عقدي وتيه إيماني وتذبذب عبادي وضعف أخلاقي.
ولقد أدرك أعداء الأمة الإسلامية بالغ أثر اللغة في توثيق الرباط بينها وبين دين الله الحنيف، ومن ثم وحدتها وسيادتها، فخططوا ومكروا، وأثاروا النعرات القومية، واتهموا الفصحى بالقصور عن العتير عن مواقف العصر وأساليبه وأدواته. وشجعوا كتاب العامية وأفسحوا لهم الساحات، وأخيرًا نجد أن كثيرًا من معلمي الفصحى يعلمونها بالعامية. ناهيك عن بيقة المعلمين والإداريين وبقية العاملين في مجال التعليم.
стр. 177
أما وسائل الإعلام فأمرها واضح للعيان في معظم البلدان العربية بخاصة، فما علينا إلا أن ننظر في الصحف اليومية، أو نستمع إلى نشرة الأخبار أو مسلسلة إذاعية لنجد الفصحى تتململ بين السطور وتحتضر بين الشفاه.
أما في البلدان الإسلامية غير العربية فقد لاحقتها الحملة على اللغة العربية بأساليب متعددة منها: حجب اللغة العربية عن مناهج التعليم وإضعافها إلى حد يجعل أثرها يمحى بالتقادم, ولما كان إحياء اللغة استخدامها فقد بين اللغة العربية وجعلها اللغة الرسمية للتخاطب في البلاد. إضافة إلى هذا، تم استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية إبعادًا لأبناء المسلمين عن الألفة بالحروف كتب بها القرآن الكريم، وتشجيع علية القوم على التحدث بلغة غير عربية، وربط ذلك بالتميز الاجتماعي. والمخطط لا يزال مستمرا.
ولكن العقد الأخير من الزمن حمل معه اتجاه العناية بلغة القرآن، فإزاء الحملة الشرسة على اللغة العربية وإزاء التدني الخطير في مستوى استيعابها بين خريجي المعاهد العلمية على وجه الخصوص, هبت صحوة صادقة للمحافظة عليها.
ومن نتائج اتجاه العناية باللغة العربية في عالمنا العربي، الاتجاه إلى تعريب جميع العلوم ورفع مستوى المعلم فيها، ومساعدته على التدريس بها.
٤- الأخذ بمبدأ التعلم مدى الحياة, والنظر إلى تربية المعلم في إطار نظام موحد:
إن التطورات المعاصرة في التدفق المعرفي والتقني، والحاجة إلى استثمار التعليم استثمارًا فوريا، جعل تطبيق مبدأ التعليم مدى الحياة في تربية المعلم خطوة منطقية، كما أصبح من الاتجاهات التي ينادي بها التربويون المعاصرون، والتي بدأت تأخذ مكانها في التطبيق.
فنظرا لهذه التطورات، ونظرًا للحاجات الفردية والاجتماعية المتزايدة للتعليم كمًّا ونوعًا بصورة غير مسبوق في تاريخ البشرية. ونظرًا للارتباط الذي يتوثق يومًا بعد يومًا بين التعليم وحركة الإنتاج في المجتمع، وبين التعليم والتقدم العلمي والتقني لهذا المجتمع، فإن برامج إعداد المعلم لم تعد كافية لإعداده للممارسات المهنية بقدر مقبول من الثقة.
لذلك، فقد أملت هذه التطورات وتلكم الحاجات تفكيرًا جديدًا في أهداف التعليم ومن ثم في مهام المعلم. الأمر الذي جعل مراحل تربية المعلم تتوثق عراها وتتكامل في منظومة هدفها الاحتفاظ بكفاءة المعلم مدى حياته المهنية.
стр. 178
ولا يقف توحيد النظم عند تكامل مراحل تربية المعلم, بدءًا من اختياره إلى تعليمه مدى الحياة، ولكن يشمل أيضًا البحوث المتعلقة بهذه التربية في أي من مراحلها. وقد ساعد على هذا أن تطوير النظام يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التغذية العائدة التي تعتمد على البحوث التقويمية بالدرجة الأولى. وبناء عليه أصبح "البحث التربوي" من عناصر تربية المعلم. وهكذا يتكامل البحث العلمي مع كل من نظام القبول إلى معاهد إعداد المعلم, ونظام إعداده ونظام تنميته في منظومة موحدة لاستمرار الاحتفاظ بكفاءة المعلم في أدائه المهني.
٥- الأخذ بالتطورات المعاصرة في التقنية التربوية:
لا مبالغة في القول أن التقنية المعاصرة قد جعلت حياة الإنسان تفور بالمستحدثات وتتوشح بالمفاجآت، وهي وإن كانت قد بدأت في مجالات الصناعة إلا أنها ما لبثت أن غشيت جميع دروب الحياة ومواقفها، وشغلت البشر بأخبار متابعتها؛ نظرًا لأنها تشكل ملامح المستقبل وفق نفاذها إلى أعماق الكون أرضَا وبحرًا وجوا وفضاء، ووفق إسهامها في زيادة قبضة العلم على مقدرات الإنسان، بما يوفق الله العقل البشري إلى كشفه من كوامن خلقه.
ولقد كان أثر التقنية على التعليم غامرًا. فغيرت من نظمه ومناهجه وإدرته، والإشراف عليه إلى غير ذلك من الكثير الكثير الذي لا يمكن أن نفي بمعالجته هنا. ولكن غاية ما نستطيعه أن نذكر أمثلة من آثارها على تربية المعلم.
يذكر عبد الرزاق عن التغير الذي حدث في مهمات المعلم بسبب تطبيق التقنية في التعليم، ما يلي:
١- أقل ممارسة لتقديم المعلومات، وأكثر ممارسة للتوجيه والنشاط نحو تحقيق الأهداف والتقويم.
٢- أقل توجيها للأسئلة وتصحيحًا للكراسات، وأكثر متابعة للتقدم الفردي، وتحديد الأهداف الإجرائية للتدريس، والمناقشة الجماعية، وتفسير المعلومات.
٣- اختيار المعرفة من مصادرها المتعددة والمعقدة.
٤- استعراض أساليب مناقشة أوسع مدى، وأكثر عناية بالجانب الوجداني.
٥- تحمل مسئولية أكبر في الجوانب الشخصية، وممارسة وظائف كان يمارسها المتخصصون في علم النفس، واستخدام تفاعل الجماعة في دفع تطوير النضج الاجتماعي والتفكير الإبداعي.
стр. 179
٦- تقويم وتشخيص حاجات كل تلميذ وتقدمه.
٧- تطوير خطط الدراسة الفردية.
٨- إعداد خطط قصيرة الأجل، وأخرى طويلة الأجل للعمل داخل حجرة الدراسة، تأخذ في الاعتبار الحاجات الفردية للتلاميذ.
٩- تخطيط حجرة الدراسة وتنظيمها وتخطيط وقت التعليم، لابتكار بيئة تعليمية فعالة.
١٠- تطوير خطط الدراسة اللازمة للمجموعات الكبيرة.
١١- الإشراف على عمل الطلاب كمرشحين للمهنة.
١٢- دراسة النظام وتقويمه، لتطوير العمل في حجرة الدراسة.
٦- العناية بأداء المعلم داخل حجرة الدراسة باستخدام أسلوب الكفايات:
يرجع أسلوب الكفايات في جوهره إلى النظرية السلوكية في علم نفس التعلم، ومن أهم ملامحه الارتباط الوثيق بين النظرية والتطبيق، والتركيز على أداء المتعلم وأهدافه، وعلى ناتج عملية التعليم والتغذية العائدة من تقويمها.
وتوجد ثلاث خصائص مهمة لتربية المعلم على أساس الكفايات.
الأولى: هي وجود أهداف تعليمية محدد معرفة بأسلوب إجرائي ومعروفة لدى كل من المتعلم والمعلم.
والثانية: هي تحديد المسئولية، بمعنى أن المتعلم يعرف أنه مسئول عن أداء الكفايات المعينة بالمستوى المطلوب وفق المعايير المحددة.
أما الثالثة: فهي خاصة ضمنية تتلعق بتفريد التعليم. بمعنى أن كل متعلم له نوع من الحق في اختيار الأهداف، وفي اختيار الأنشطة التعليمية ويسير في هذه الأنشطة بسرعته الخاصة. ولذلك فإن الوقت الذي يستغرق في تنفيذ هذه الأنشطة له دلالته.
ونتيجة لهذا أمكن تحديد بعض النتائج بالنسبة لتربية المعلم على أساس الكفايات ومنها:
١- انتقال التركيز في التقويم وفي المسئولية إلى الفرد. فلم يعد تقويم الفرد منسوبًا إلى موقعه أقرانه أو إلى اختبار جمعي، ولكن يقارن أداؤه بمجموعة أهداف ومعايير خاصة به.
٢- انتقال التركيز من المعلم وعملية التعليم، إلى المتعلم وعملية التعلم.
стр. 180
٣- تطبيق تريبة المعلم على أساس الكفايات تتعلق بالتقنية، فالتقنية هي محور تفريد التعليم، إذ من خلالها فقط يستطيع المتعلم التخلص من الاعتماد الكلي أو المبالغ فيه على المعلم، ومن خلالها يمكن مد فرص التعليم للفرد وتوسيعها.
٤- استخدام أسلوب النظم, ويستخدم "أسلوب النظم" التغذية العائدة في تصميم المنظومات التدريسية الصغيرة، ويمكن اعتبار أسلوب النظم -مثله مثل التقنية- عاملًا مساندًا يزيد من فعاليات تربية المعلم على أساس الكفايات.
٧- العناية بأداء المعلم داخل حجرة الدراسة باستخدام أسلوب التعليم المصغر:
يستخدم التعليم المصغر في تدريب الطلاب الذين يعدون لمهنة التعليم، كما يستخدم أيضًا في تدريب المعلمين الذين يمارسون التعليم، وتثبيت كفاءته في الحالين، كما ساعد تطبيقه على حل الكثير من مشكلات التربية العلمية التقليدية في مراحل الإعداد، وتصحيح أخطاء الممارسة في أثناء الخدمة.
والتعليم المصغر لا يخرج عن كونه عينة مصغرة لتدريس واقعي يستغرق عادة ما بين عشر دقائق وثلاثين دقيقة، ويضم ما بين أربعة إلى عشرة تلاميذ. وبذلك فإن جلسة التدريس المصغر تماثل حصة الفصل العادية من جميع الجوانب، فيما عدا كل من الطول الزمني وعدد التلاميذ الذي يكون أقل كثيرًا.
ويمكن تلخيص خطوات أسلوب التعليم المصغر على النحو التالي:
١- يقوم الطالب المعلم بالتعرف من المشرف على المهارة المطلوب التدريب عليها.
٢- يبدأ الطالب في التحضير للدرس موضحا الأهداف والمحتوى والطريقة.
٣- يبدأ الطالب التدريس الفعلي لعدد من زملائه.
٤- تبدأ عملية التقويم بواسطة المشرف.
٥- تبدأ التغذية الراجعة بعد انتهاء الدرس.
٦- يسمح للطالب بمراجعة درسه وإعادة تخطيطه.
٧- يبدأ الطالب في التدريس مرة أخرى على مجموعة أخرى.
٨- تبدأ التغذية الراجعة، للمرة الثانية.