Полный текст (445 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثانيًا: أهم المآخذ على التقسيم المتجانس
ولكن التقسيم المتجانس ليس خيرًا كله، إذ يوجد عليه بعض المآخذ منها:
١- عزل المتفوقين أو المتخلفين دراسيا في مدرسة خاصة يجعل مجتمع المدرسة مختلفًا تماما عن المجتمع الخارجي، فالمتفوق لا بد أن يدرك من خلال حياته في المجتمع المدرسي، أن في مجتمعه أناسًا قدراتهم محدودة، وسلوكهم محدود بهذه القدرات، وأن يتعلم كيف يؤدي لهم خدمات, وكيف يتعامل معهم. وبالمثل يجب أن يدرك المتخلف أن في مجتمعه طاقات وقدرات تفوق قدراته، وأن في المجتمع أنماط سلوكية وفكرية أكثر كفاءة مما لديه، وأنها ليست مصدر تهديد لوجوده ولكنها مصدر طمأنينة وعون له؛ لأنها تستطيع حل المشكلات التي تواجهه كعضو في المجتمع، عندما لا يستطيع هو التصدي لها.
وإحدى طرق علاج هذه المشكلة -كما يرى بعض المربين- يأتي من خلال النشاط المدرسي المشترك مع المدارس الأخرى، ففي النشاط العلمي والثقافي والرياضي والعملي مع المدارس العادية الأخرى فرصة لتفاعل جميع فئات التلاميذ.
٢- في حالة عزل المتفوقين أو المتخلفين دراسيا في فصول مستقلة داخل المدرسة، قد ينعزلون عن المجتمع الكبير. ففي كثير من الأحيان، ينعزل المتفوقون في برج خاص، وينزوي المتخلفون دراسيا مبتعدين عن مجتمع المدرسة.
ويرى البعض أن هناك وسائل كثيرة لتلافي حدوث ظاهرة انعزال كل من المتفوقين والمتخلفين عن المجتمع المدرسي الكبير. فمثلًا اشتراكهم في النشاط العلمي والعملي والثقافي والرياضي في المدرسة فرصة للتفاعل مع باقي التلاميذ، وكذلك في فناء المدرسة، وفي صالة المطعم، وفي الجمعية التعاونية، وغيرها من المجالات الخصبة التي تتيح فرص الاختلاط والتفاعل بين مختلف فئات التلاميذ.
٣- قد يشعر المتفوقون بالعلو على المجتمع فقد يتصور المتفوقون -أحيانًا- عند عزلهم في مدارس أو فصول مستقلة أنهم طبقة خاصة، من ثم يتعالون على المجتمع ويرى بعض المربين أن إحدى وسائل علاج شعور المتفوقين بالتعالي تأتي من خلال برامج الخدمة العامة. وذلك بأن تضع المدرسة برامج للخدمات العامة في المدرسة
стр. 72
وفي البيئة المدرسية، يقوم به المتفوقون ويكون للتفوق فيه تقدير خاص.
وهناك وسيلة أخرى لعلاج شعور المتفوقين بالتعالي، وهي دراسة تاريخ العلم. فعن طريق دراسة تاريخ العلم سوف يقف التلميذ المتفوق على المجهود الكبير الذي بذله العلماء في العصور المختلفة مثل الخوارزمي وابن حزم ونيوتين وابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وأينشتين وغيرهم في سبيل رفاهية البشرية وسعادتها.
ويجب أن تقدم دراسة التاريخ أمثال هؤلاء العلماء على أنهم قدموا للإنسانية الخير فاستحقوا دخول تاريخها. وهنا توجد فرصة يتعلم فيها المتفوق أن خدمة المجتمع -وليس التعالي عليه- هي التي تسجل للإنسان تاريخًا مجيدًا.
ثالثًا: أهم ميزات التقسيم المتجانس
من أهم ميزات تقسيم التلاميذ تقسيمًا متجانسًا هو تمكين المربين من تخطيط المناهج الدراسية حسب قدراتهم، فبالإضافة إلى إعطاء كل فئة من فئات المتفوقين والعاديين والمتخلفين فرصة للدراسة في الوسط الذي يناسبه, فإن اختيار المادة العلمية وتنظيمها وتخطيط تنفيذها يكون أكثر ملاءمة لخصائص كل من هذه الفئات، عندما يكون تقسيمها تقسيما متجانسا من حيث القدرة على التحصيل.
ففي حال عزل تلاميذ كل فئة في مدرسة أو قسم في مدرسة أو حجرة من حجرات الدراسة, تكون مهمة المدرسة في إمداد التلاميذ بما يلائم مستواهم سهلة نسبيا. فتكون هناك مناهج خاصة وكتب خاصة لكل فئة، وكذلك الأمر عند تخطيط العمل المدرسي، وتنفيذه، وعند اختيار الأشخاص الذين سيعملون في المدرسة، وعلى رأسهم المعلمون حسب متطلبات خصائص كل فئة.
رابعًا: أهم خصائص مناهج المتفوقين دراسيا
١- أن تحث المناهج التلاميذ على التفكير.
٢- أن تساعد على تنمية الاتجاه نحو الاكتشاف.
٣- أن تعطي للتلاميذ فرصة الابتكار والإبداع.
٤- أن تبعد التلاميذ عن الجمود الفكري، وفرض حلول معينة دون أساس علمي.
٥- أن يكون العمل التدريسي القائم على التكرار في حده الأدنى.
٦- أن تنمي في التلميذ روح البحث والاستزادة من العلم. وذلك بالرجوع إلى المراجع لاستكمال دراسة بعض الموضوعات.
стр. 73
٧- أن تتميز موضوعاتها بصفتي التجريد والحداثة بقدر الإمكان.
٨- أن تساعد التلميذ على اكتساب مهارات التعليم الذاتي المستمر.
خامسًا: أهم خصائص مناهج المتخلفين دراسيا:
١- أن تساعد التلميذ على فهم المناشط التي تجري في بيئته، وأن تكون عاملًا مساعدًا في حياته العملية والمهنية والاجتماعية.
٢- أن تتخذ للمجردات مدخلًا حسيا، وأن تساعد المتعلم على فهم أسلوب حل المشكلات، بقدر الإمكان.
٣- أن ترتكز على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في حياة المتعلم اليومية.
٤- أن توفر للمتعلم قدرًا كافيا من التدريبات المتدرجة في الصعوبة وصولًا إلى اكتسابه المهارة وإجراء العمليات، واستيعاب المفاهيم.
٥- أن تكون غنية بالأمثلة المحلولة والأشكال التوضيحية الملونة.
٦- أن تكون سهلة اللغة بسيطة التراكيب.
٧- أن تقسم إلى دروس قصيرة، تتدرج من السهل إلى الصعب.
سادسًا: مهمات معلم التلميذ المتخلف
لا شك أن الكثير من المدرسين يفضلون القيام بالتدريس للتلاميذ العاديين أو المتفوقين على التدريس للتلاميذ المتخلفين. فمدرس التلميذ يجب أن يكون عطوفًا قادرًا على التدريس العلاجي، صاحب خبرة واسعة في استخدام وسائل تقانة التعليم, وفي مجالات تطبيق مادته في الحياة اليومية للتلميذ، كما يجب أن يكون ملما بمشكلات التلميذ المتخلف وخصائصه النفسية والجسمية والعقلية.
ومن أهم المشكلات التي تواجه مدرس التلميذ المتخلف هي مشكلة إثارة دوافعه نحو دراسة مادته. فعادة يكون التلميذ المتخلف غير راغب في الدراسة بالمدرسة. وكل ما يعنيه هو وأسرته أن يخرج إلى المجتمع وقد تعلم شيئا يكسب به عيشه. وفي غالب الأحيان، لا يكون عندهم ولاء لتنظيمات المدرسة التي تحتفظ به داخلها، على غير رغبة منه. كذلك ينبغي أن يبذل المعلم جهودًا مستمرة لإثارة دوافعه نحو التعلم، على وجه العموم، وإحدى وسائل تحقيق هذا التطبيق نجدها في الأعمال اليدوية, وإعداد وسائل التقانة التعليمية واستخدام الأفلام التعليمية. فهذا يساعد التلميذ المتخلف على تقبل المدرسة ويرغبه فيها. يضاف إلى ما سبق، تنويع طرائق التدريس والأنشطة وقصر فترات الدراسة "الحصة".
стр. 74
ومن بين ما يجب أن يراعيه المدرس بالنسبة لطاقة التلميذ الفكرية هو عدم قدرته على بلورة أفكاره بسرعة. ويستدعي هذا ألا يصر المدرس على أن ينتهي من دراسة موضوع معين, إذا وجد أن تلاميذه غير قادرين على استيعابه، فإن هذا -إن حدث- يثبط هممهم ويسبب لهم عقبات كثيرة في متابعة دراستهم فيما بعد، وخاصة بالنسبة للمواد ذات التسلسل المتتابع مثل الرياضيات. هذا بالاضافة إلى ما يسببه الفشل من عدم الثقة بالنفس.
أكثر من أي تلميذ آخر، يحتاج المتخلف إلى تدريب طويل، ولكن لا يجب أن يكون هذا التدريب آليا، بل ينبغي أن يكون التدريب وظيفيا يساعد على توضيح قاعدة عامة أو نظرية أو مبدأ. ويكون اختياره بناء على احتياجات التلاميذ أنفسهم. ويساعد على جعل التدريب ذا معنى عند التلاميذ، الاحتفاظ بتسجيل خطوات تقدمه وإعلامه بها، ومتابعة هذا التسجيل، فإن هذا يساعد التلميذ على الوقوف على ما لديه من نقاط القوة في أدائه، ومن ناحية أخرى يبعث في نفسه السرور بما يحرزه من تقدم.
والتلميذ المتخلف ينقصه الثقة بالنفس. ولذلك، على المدرس أن يداوم على تشجيعه. فلا شك أن تشجيع المدرس للتلميذ يعطيه فرصة لتحقيق ذاته بين زملائه في الفصل، وقد دلت التجربة على أن التلميذ المتخلف أكثر حساسية لمركزه بين زملائه في الفصل من التلميذ العادي.
ومما يوفر فرصًا للنجاح وتحقيق الذات بالنسبة للتلميذ المتخلف مراعاة الفروق الفردية بين تلاميذ الفصل. ولذلك يوجه المدرس للتلميذ المتخلف السؤال الذي يتوقع أنه يستطيع الإجابة عليه، وإذا فشل التلميذ في الإجابة فالأفضل أن يوجه المدرس إليه سؤال أسهل في نفس مضمون السؤال الأول. ومما يساعد التلاميذ المتخلفين على تحقيق النجاح في الدراسة ألا يعطي المدرس أكثر من طريقة لمعالجة موضوع ما في الحصة نفسها. فمثلًا عند تدريس حل المعادلات في الرياضيات لا يجب أن يعطي المدرس أكثر من طريقة لحلها. وفي اللغة العربية لا ينبغي أن يدرس المدرس الحال والتمييز في الحصة نفسها، فالأفضل بالنسبة للتلميذ المتخلف أن يتقن طريقة واحدة لمعالجة موضوع واحدة، وألا يتشتت في دوامة عدة طرق لمعالجته.
والأفضل أيضًا أن يدرس موضوعًا وتطبيقاته من أن يدرس موضوعين معًا.
والتقويم المستمر من الطرائق الفعالة في التدريس للمتخلفين، فمدرس المتخلفين في حاجة ماسة إلى الوقوف على نقاط الضعف والقوة عند تلاميذه بالتقويم، وبناء على هذا التقويم يستطيع المدرس أن يخطط التدريس العلاجي اللازم. وقد يحتاج المدرس إلى اختبارات تشخيصية قبل العلاج، وقد يحتاج إلى إعادة شرح بعض الدروس، ولكن كل هذا لا يمكن أن يتم إلا في ضوء التقويم. وعلى وجه العموم، يمكن تحديد أهم واجبات معلم التلميذ المتخلف فيما يلي:
стр. 75
١- يجب أن يكون شرحه للدرس مبسطًا ومباشرًا، وأن تصحبه بعض التوضيحات والأمثلة من خارج المقرر على أن تكون مرتبطة بحياة التلميذ كلما أمكن، وأن يقسم المدرس الدرس إلى حلقات صغيرة يسهل على التلاميذ ربطها بعضها ببعض، وأن يقوم تحصيل التلاميذ تقويمًا مستمرا.
٢- استغلال المدرس لميول التلاميذ في تدريسه. وأن يعنى دائمًا بالمواقف التعليمية والنشاط والتدريبات، لمساعدة التلاميذ على اكتساب المهارة في تناول المفاهيم والعلاقات.
٣- اتخاذ نشاط التلميذ في الملعب وفي المنزل مدخلًا أساسيا للتدريس في حجرة الدراسة، وميدانا للتطبيقات.
٤- التدريبات العشوائية لا تفيد التلميذ كثيرًا. ولكن توجيه التدريبات إلى ما تسفر عنه نتائج الاختبارات التشخيصية، يساعد في حل مشكلات التلميذ
المتخلف.
٥- ضرورة أن يعالج المدرس المفاهيم والمجردات في تؤدة وتدرج، حتى يتمكن تلاميذه من استنتاج القواعد العامة أو التعريفات المطلوبة، قبل أن يعطي المدرس تطبيقات عليها.
٦- عدم إعطاء واجبات منزلية في درس ما, إلا بعد التأكد من أن تلاميذه قد فهموا الدرس جيدًا، حتى لا يحدث تدعيم لأخطائهم إذا مارسوا هذه الأخطاء أثناء أداء الواجب المنزلي.
٧- الانتباه إلى أن تخلف التلميذ في مادة كالرياضيات مثلًا، قد يعود -بالدرجة الأولى- إلى ضعفه في القراءة، ومن ثم عدم قدرته على قراءة المادة التي يتعلمها وفهمها. لذلك يجب أن يتأكد المدرس من أن كل تلميذ قادر على قراءة المادة التي يعطيها لهم وفهمها.
٨- من الاعتبارات المهمة التي يجب أن يأخذها المدرس في الحسبان ألا يضيف تلميذا مع المتخلفين بسبب مشكلاته السلوكية، ولكن يجب أن يكون هذا التصنيف على أساس الاعتبارات التي ذكرنا أهمها في تحديد خصائص التلميذ المتخلف.
٩- من العوامل التي تساعد التلميذ المتخلف، أن يحدد المدرس أوقاتًا معينة يساعد فيها من يحتاج إليه من تلاميذه في مكتبه.
стр. 76
سابعًا: مهمات معلم التلميذ المتفوق
يعتقد الكثيرون أن مهمة تدريس المتفوقين سهلة، ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح، وأصحاب هذا الرأي يعتمدون على أن المتفوق يستطيع أن يعتمد على نفسه في التحصيل. ولكن قدرة التلميذ على الاعتماد على نفسه في حد ذاتها تحتاج إلى مدرس يفتح له الآفاق، ويساعده في حل ما يواجهه من مشكلات، وهذا بدوره يتطلب من المدرس أن يكون قويا في مادته واسع الاطلاع على أحدث التطورات فيها ومجالات تطبيقها، مثقفا ثقافة واسعة، ومن أهم ما يساعد مدرس المتفوقين، ما يلي:
١- تحضيره لتدريس درسه تحضيرًا متقنا.
٢- اختيار مواقف وتدريبات تتحدى تفكير التلاميذ مع مراعاة الفروق الفردية بينهم.
٣- سعة الاطلاع، في مادته وتطبيقاتها في المجالات المختلفة، وخاصة في المجالات العلمية والتقنية ومشاكل الحياة اليومية.
٤- حضور مؤتمرات وندوات ولقاءات الجماعات المهنية المتخصصة في مادته وطرائق تدريسها، كوسيلة من وسائل التنمية الذاتية.
٥- عقد اجتماعات فردية وجماعية مع تلاميذه لتوجيههم وحل مشكلاتهم، وذلك في غير أوقات الحصص المقررة.
٦- عقد حلقات دراسية وحلقات للبحث، مع تلاميذه الذين يرغبون في دراسة موضوعات معينة.
٧- تكوين جمعيات للنشاط المدرسي من تلاميذه، مثل النوادي الأدبية والعلمية والرياضية.
٨- متابعة التجارب والمناشط التي تقوم بها مدارس المتفوقين الأخرى، وتبادل الخبرات مع المشرفين عليها.
٩- الاحتفاظ بمكتبة حديثة في مادته، وفي طرائق تدريسها وفي مجالات تطبيقاتها. لكي يستفيد منها في تدريسه.
١٠- تكوين حلقات دراسية في مادته, وفي طرائق تدريسها مع مدرسي المتفوقين بالمدارس الأخرى.
١١- تقسيم تلاميذه إلى مجموعات متكافئة -بقدر الإمكان- يكون تكليف كل منها بإجراء بحوث ودراسات, يشترك المعلم والتلاميذ في اختيارها والتخطيط لدراستها، أسلوبا من أساليب التدريس.
стр. 77
١٢- الحرص على الثقافة العامة في الموضوعات والقضايا المعاصرة يساعده على إشباع الاستطلاع العلمي والتقني وغيرهما لدى تلاميذه.
ولا شك إن إدارة المدرسة عليها مسئولية مساعدة المعلم على تحقيق الأمور السابقة، وخاصة فيما يختص بالمكتبة والنشاط المدرسي، وتمكينه من حضور اجتماعات الجمعيات المهنية، ومن حضوره برامج التدريب، وإعفائه من المهمات الإدارية والكتابية بالمدرسة، بل يفضل تخفيف نصاب تدريسه.
٨- أهم واجبات المدرس عندما يواجه فئات المتفوقين والعاديين والمتخلفين في نفس الفصل الدراسي:
في حالة المدرسة الصغيرة التي لا يتوافر فيها عدد من التلاميذ من كل فئة يكفي فصل مستقل، تكون مشكلة التقسيم المتجانس أكثر تعقيدا بالنسبة للمدرس.
ففي هذا الحال، يجد المدرس في نفس الفصل تلاميذ متفوقين في مادته وآخرين متخلفين فيها، وعليه أن يتيح الفرصة لكل من الفئتين للتحصيل بأقصى ما تسمح به طاقاتها إلى جانب التلاميذ العاديين الذين ينبغي أن يتيح لهم الفرصة ذاتها.
إحدى وسائل التغلب على هذه المشكلة هي تقسيم الفصل إلى ثلاث مجموعات: مجموعة المتفوقين دراسيا. ومجموعة المتخلفين دراسيا، ومجموعة العاديين أو المتوسطين دراسيا، ويقوم المدرس بالتدريس للثلاث مجموعات في الوقت نفسه، وربما من ثلاثة كتب مختلفة.
ولكن هناك مشكلات في هذه الطريقة، وهي أن المدرس كثيرًا ما يجد صعوبة في شغل إحدى المجموعات بعمل يستطيع أفرادها القيام به بأنفسهم, في الوقت الذي يكون هو في مساعدة المجموعتين الأخريين، وخاصة أن تلاميذ مجموعة المتخلفين لا يستطيعون -في العادة- القيام بالعمل بأنفسهم لفترة طويلة دون إرشاد ومساعدة المدرس، بل إنهم لا يستطيعون العمل فترة طويلة حتى بمساعدة المدرس. وكذلك يجد معظم المدرسين صعوبة في حفظ النظام في الفصل. وقد حاول بعض المدرسين التغلب على هذه الصعوبات بجعل التلاميذ المتفوفين يساعدون المتخلفين في الفصل. وذلك بأن يقوم التلاميذ المتفوقون بالتدريس للتلاميذ المتخلفين, في الوقت الذي يكون المدرس فيه مشغولًا بمساعدة الفئة المتوسطة. ولكن يؤخذ على هذا الإجراء أن حساسية التلاميذ المتخلفين قد تجعلهم يرفضون مساعدة المتفوقين، كما أنهم قد يعتمدون على هذه المساعدة أكثر من اللازم, وبالإضافة إلى هذا طريقة أخرى هي المساعدة الفردية خارج الفصل لإعطاء كل تلميذ الفرصة التي يحتاجها, ولم تتوافر له داخل الفصل.
في حال تقسيم الفصل إلى مستويين أو ثلاثة مستويات, وحينما يكون الكتاب الذي يدرسه التلاميذ واحدًا، تكون مهمة المدرس في اختيار تمارينه وواجباته
стр. 78
المنزلية -بما يناسب جميع المستويات- مهمة صعبة، وبخاصة أن عليه أن يشفي غلة كل فئة من التعلم. في هذا الحال، يجب أن تتأرجح أسئلة المدرس الذي يتناول من خلالها شرح الدرس بين الصعوبة والسهولة، فيوجه السؤال الصعب إلى التلميذ المتفوق والتلميذ المتوسط، والسؤال المتوسط الصعوبة إلى التلميذ المتوسط والتلميذ المتخلف، والسؤال السهل إلى التلميذ المتخلف.
وبالمثل عند اختياره للتمارين والواجبات المنزلية، وفي جميع الأحوال يجب أن يراعى أمرين هامين:
- أن يجد كل تلميذ في بعض أسئلة المدرس والتمارين ما يتحدى قدراته.
- أن تتيح الأسئلة والتطبيقات -على وجه العموم- فرصة الإجابة الصحيحة.
ويمكن أن يقسم المدرس تلاميذه إلى أسر, بحيث تضم كل أسرة قطاعًا رأسيا من التلاميذ, يكون فيه تلاميذ متفوقون ومتوسطون ومتخلفون، ومن داخل هذا التنظيم -إذا أحسنت إدراته- قد تتوافر ظروف التعاون بين تلاميذ كل أسرة.
وغني عن البيان أن مراعاة الفروق الفردية داخل كل فئة، واستخدام النشاط المدرسي والوسائل التقانية في التدريس، والتقويم المستمر، والتدريس الوقائي، والتدريس العلاجي، جميعها من أساسيات عملية التدريس عمومًا وللمتخلفين بخاصة.
ب- المقررات الشرفية أو مقررات المستوى الرفيع للمتفوقين:
من بين الإجراءات التي يتخذها بعض المربين لمقابلة متطلبات الفروق الفردية بين التلاميذ تنظيم مقررات خاصة للمتفوقين, ويطلق على هذه المقررات "المقررات الشرفية" أو "مقررات المستوى الرفيع". فيدرس التلميذ المتفوق البرنامج العادي مع التلاميذ العاديين، وبالإضافة إلى هذه المقررات يدرس هذه المقررات الخاصة.
وتكون هذه المقررات في المواد التي أثبت التاريخ الدراسي للتلميذ تفوقه فيها. ولذلك نجد بعض المتفوقين يدرسون مقررات خا صة في الرياضيات. والبعض يدرس مقررات خاصة في العلوم، وآخرون يدرسون مقررات خاصة في اللغات وهكذا.
وينبغي ملاحظة أن تطبيق هذا النظام في المدارس الصغيرة يصبح مكلفًا من الناحية المادية؛ لأن المجموعات التي تدرس كل مقرر من المقررات الشرفية تكون صغيرة، ولكنه إجراء سليم من وجهة النظر التربوية إذ إنه يتيح للتلميذ المتفوق التعمق في دراسة المادة التي يتفوق فيها. وينبغي أن تتميز هذه المقررات بالحداثة.
وتكون هذه المقررات ذات فائدة أكبر، إذا كتبت مادتها خصيصًا للمتفوقين.
стр. 79
جـ- التقدم السريع:
من بين الإجراءات التي يتخذها المربون في البلدان المتقدمة، إتاحة الفرصة لكل تلميذ أن يتقدم إلى صفوف الدراسة الأعلى حسب قدراته. وذلك بأن يسمح للتلميذ الذي أتم دراسة مقررات الصفة الأول الثانوي -مثلًا- بالانتقال إلى الصف الثاني الثانوي في أي وقت من العام وبعد أن يؤدي بنجاح الامتحانات المقررة في الصف الأول الثانوي.
وبناء على هذا، فإن التلميذ المتفوق قد ينتهي من دراسة المرحلة الثانية في سنتين فقط بدلًا من ثلاث, وهذا الإجراء يعتبر مقبولًا من الناحية النظرية, ولكن إذا تذكرنا أن المادة التعليمية التي يدرسها المتفوق ينبغي أن يتوافر فيها خصائص معينة تناسب قدرات المتفوقين، نجد أن هذا الإجراء لا يساعد على قدح قدرات المتفوقين، وإثراء خبراتهم. هذا فضلًا عن الصعبوات الإدارية والإشرافية الخاصة بتطبيق هذا النظام.
ويعتمد هذا النظام على تفريد التعليم، بمعنى أن يخطط المنهج بحيث يستطيع أن يسير كل تلميذ حسب قدراته بغض النظر عن بيقة زملائة. وغالبًا ما يقسم المقرر الدراسي إلى وحدات متتابعة فإذا أنجز الطالب واحدة واختبر فيها بنجاح، انتقل إلى دراسة الوحدة التالية في المقرر نفسه إذا شاء. وقد يدرس الطالب الوحدة الأولى فقط من خمس وحدات في الرياضيات -على سبيل المثال- في حين أنه قد أتم دراسة جميع الوحدات في اللغة العربية. حينئذ يستطيع التلميذ -وقد أتم دراسة مقرر اللغة العربية- أن يبدأ في دراسة الوحدة الأولى من المستوى التالي في اللغة العربية، وبعض التطبيقات لا تسمح بالانتقال إلى المستوى التالي إلا بعد إتمام دراسة جميع مقررات المستوى السابق عليه، ويستخدم في هذا النظام -في كثير من الأحيان- الحاسب الآلي أو التعليم المبرمج، ولكن يمكن تطبيقه بدونهما.
وفي حال استخدام الحاسب الآلي تسجل جميع الوحدات على أشرطة, ولكل طالب فرصة الجلوس إلا الجهاز ليتابع دراسة الوحدات الخاصة به والمخزنة في الحاسب، وفي التعليم المبرمج تكون الوحدات مبرمجة في كتيبات, وكل تلميذ يأخذ الكتيبات الخاصة بالوحدات التي يدرسها.
ولا يجتمع الطلاب كمجموعة مع المدرس إلا في حال وجود توجيهات عامة أو أخطاء شائعة، أما من حيث التحصيل الدراسي. فإن المدرس يساعد كل تلميذ على حدة في تخطيط برنامجه الدراسي, يحيث لا يتأخر كثيرًا في دراسة اللغة العربية -مثلًا- ويسرع كثيرًا في دراسة العلوم. فالمدرس يساعد التلميذ على التوازن والتنسيق بين مختلف المواد الدراسية في سيره الدراسي، كما يساعده على حل المشكلات التي يطلب من المدرس المساعدة في حلها، أو المشكلات التي يكتشفها المدرس نتيجة لتقويمه المستمر لأداء الطالب في الوحدات أو الموضوعات التي أنجز دراستها.
стр. 80
أولًا: أهم خصائص طريقة التقدم السريع
١- يعتمد الطالب في دراسته على جهده الخاص، بعد الله .
٢- لا يكون تقدمه في الدراسة مرتبطًا بأحد من الطلاب الآخرين من زملائه.
٣- يقف الطالب على نتيجة أدائه أولا بأول، وبخاصة إذا ما استخدم الحاسب الآلي والتعليم المبرمج في تقديم المادة التعليمية.
٤- لا يقوم المدرس بالتدريس التقليدي، ولكنه يكون مرشدًا وموجها للطلاب، ومساعدًا لهم على تخطيط برامج سيرهم الدراسي ومشجعا لهم على الإنجاز، ومقوما لإنجازهم.
ثانيًا: أهم مميزات طريقة التقدم السريع:
١- أنها تدرب الطالب على التعليم الذاتي، وهو من بين المؤهلات للتعليم المستمر، وكلاهما ضرورة لملاحقة الفيض المعرفي المعاصر.
٢- تعود الطالب على الاستقلال, واتخاذ القرارات من خلال تخطيط برنامجه الدراسي، والالتزام بالوفاء بمتطلبات تنفيذه.
٣- في حال استخدام التعليم المبرمج أو الحاسب الآلي بخاصة، يقف الطالب أولًا بأول على مستوى أدائه، وهذا فوق أنه حافز مستمر له على التعليم، فإنه يعود الطالب على تحمل المسئولية وعلى التقويم المستمر.
٤- تخفف عن الطالب عبء عرض مستواه أمام زملائه، ولا يكون تقويم عمله على أساس قدرات الغير ومستوى تحصيلهم، بل تتيح له فرصة السير في دراسته وفق قدراته الخاصة، ويقوم أداؤه بناء على ذلك.
٥- تخفف عبء التحضير والتصحيح عن المدرس، وخاصة عندما يستخدم التعليم المبرمج أو الحاسب الآلي.
٦- تتيح فرصة أكبر للمدرس بأن يتعرف على طلابه، ليس من حيث خصائصهم العقلية فقط، ولكن أيضًا من حيث مختلف نواحي شخصيتهم.
ثالثًا: أهم المآخذ على طريقة التقدم السريع:
١- أنها تحتاج إلى خبرات كبيرة في إعداد برامجها، وتنفيذها وتقويمها ومتابعتها.
стр. 81
٢- أنها مكلفة إذا قورنت بالأساليب الجماعية للتدريس.
٣- أنها تفقد الطالب فرصة اكتساب المهارات الاجتماعية التي يكتسبها نتيجة لتفاعله مع مجموعات الطلاب الذين يدرس معهم في التدريس الجماعي.
٤- أنها لا تصلح إلا لنوع معين من الطلاب وهم -في الغالب- الذين لديهم حوافز للدراسة، أما الذين لا يقبلون على الدراسة فقد توقعهم في مشاكل التقصير، ومن ثم التخلف.
٥- أنها تحتاج من المدرس إلى كفاءة في حفظ السجلات والمتابعة اليومية لأداء كل طالب، وترتيب اللقاءات معهم، فضلا عن ضرورة تمتعه بمهارات القيادة والتمكن الشامل من المادة التي يقوم بتدريسها.
стр. 82
خاتمة الفصل الثاني:
في هذا الفصل:
عالجنا أهم مجالاته المتصلة بتنفيذ المناهج الدراسية. وهي تلكم المجالات المتعلقة بعملية التدريس. ولقد مررنا سريعًا على التخطيط للتدريس فصلًا أو عامًا، وكذلك الأمر بالنسبة لتدريس وحدة أو موضوع. ولكننا ركزنا على سد بعض الثغرات في الأدبيات المنشورة بتناول مجالات لم تحظ بالعناية اللائقة بها من وجهة نظر المؤلف. من أمثلة هذه المجالات: التخطيط للتربية الميدانية، والتخطيط لبداية ناجحة في التدريس والتخطيط للعمل اليومي.
وقد أعطينا عناية خاصة لمجالين من مجالات التخطيط: الأول, هو تخطيط الدرس, حيث قدمنا أنموذجًا يمكن أن يستفيد منه كل من المدرسين وطلاب التربية الميدانية، والثاني، هو التخطيط لاستثمار الفروق الفردية بين المتعلمين. وذلك لكون هذا الاستثمار أصبح من أكثر ملامح التربية المعاصرة، ومن الجوانب المهمة لاستثمار الطاقة البشرية في عصر أصبح الذكاء البشري المعبر الأساسي للإبداع العلمي والتقني، كما أصبح من أشد الميادين تنافسًا بين الأمم.
стр. 83
أهم مصادر الفصل الثاني:
١- سعد سمير لويس: "مترجم".
تخطيط تنمية الموارد البشرية نماذج ومخططات تعليمية.
القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٧٥.
٢- شوق محمود أحمد:
الاتجاهات الحديثة في تدريس الرياضيات.
الرياض: دار المريخ، ١٤٠٩-١٩٨٩.
٣- عبد الدائم عبد الله:
التخطيط التربوي: أصوله وأساليبه الفنية وتطبيقاته في البلاد العربية.
بيروت: دار العلم للملايين ١٩٧٢.
٤- فهمي محمد سيف الدين:
التخطيط التعليمي: أسسه، أساليبه ومشكلاته.
القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٦٥.
٥ نصحي فؤاد:
التخطيط التربوي على مستوى العالم العربي.
القاهرة: دار الكتاب المصري ١٩٧٨.
٦ - Grambs, Jean D. and John C. Carr,
Modern Methods in Secondary Education " Fourth Ed." New York: Holt Rinehart and Winston , ١٩٧٩.
٧ - Jacobson, David and Others, Methods For Teahing, A Skills Approach
London: Charles E. Merril Publishing Company, ١٩٨١
٨ - Mursell, James L.,
Successful Teaching, Its Psychological Principles
" Secon Ed " New York: Mc Graw - Hill Book Company Inc, ١٩٥٤
٩ - Johnson, Domovan A. and Gerald R. Rising Guidelines for Teaching Mathematics "Second Ed. " Belmont, Calif: Woods Worth Publishing Company, Inc, ١٩٧٢
стр. 84
١٠ - Schorling Raleigh,
Student Teaching, An Experience Program "First Ed." New York: Mc Graw - Hill Book Company Inc, ١٩٤٠
١١ - Sngder, Edith Roach " Ed."
The Self - Contained Classeoom. Washington DC:
Association for Supervision and Curriculum Deveglpment, ١٩٦٠.
١٢ - Stratemeyer, Florence B. and Margaret Lindsey , Working With Student Teachers New York: Bareau of Publications of T.C, Columbia Un, ١٩٥٨
١٣ - Wragg, E.C. "Ed ", Classroom Teaching Skills, the Research
Findings of the Teacher Education Project. London: Nichole Publishing compay, ١٩٨٤.
стр. 85
خاتمة الباب الأول:
في هذا الباب:
حاول المؤلف تقديم مفهوم كل من التخطيط للتدريس، وتخطيط المنهج الدراسي. ووصولًا إلى هذين المفهومين حاول تحديد مفهوم كل من الخبرة والمنهج الدراسي. وقد توخى التوجيه الإسلامي في جميع الأحوال.
ولمزيد من إيضاح هذه المفاهيم، ومساعدة للقارئ على تطبيقها، حاول المؤلف تطبيقها في مجالات اعتبرها الأقرب إلى المناهج الدراسية والأكثر أهمية بالنسبة للمعلمين، منها مجالات غير مطروقة كثيرًا، مثل التخطيط للعمل اليومي، والتخطيط لبداية ناجحة في التدريس.
ولقد اتبع المؤلف في عرض مختلف المجالات أسلوبًا إجرائيا، فإضافة إلى الأسلوب المباشر في العرض، اختار الأمثلة الموضحة التي تقرب المفهوم لذهن القارئ وتصور الموقف تصويرًا مرتبطًا بوقائع الأداء الفعلي، وتبين ما فيه من جوانب تركيز ومهارات.
وفي الباب الثاني سوف يتناول -بمشيئة الله- الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي.
стр. 86
الباب الثاني: الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي
مقدمة الباب الثاني:
النظام التربوي هو أحد أنظمة المجتمع التي تتكامل مع نظمه الأخرى, مثل النظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام العسكري، ويتناغم معها للمحافظة على استقرار المجتمع, ودفع حركته نحو احتلال موقع متقدم في ركب التقدم.
ولما كان التسارع هو سمة التغير المجتمعي المعاصر فإنه -غالبًا- ما يصاحبه تخلخل ثقافي قد يؤدي إلى تخلخل ثقافي في المجتمع، ما لم يتنبه إلى هذا القائمون على النظام التربوي في المجتمع, فيحاولوا بذل جهد مركز لوقاية المجتمع من هذا التخلخل.
وتتحق الوقاية من التخلخل والحماية من الغزو الذي يصاحب التغير المجتمعي، عن طريق جهود تربوية تعمل على ترسيخ قيم المجتمع وإحداث التكامل بينها وبين التطورات المعاصرة. فقيم المجتمع هي المقومات التي تقيه من التفكك، وتشكل صمام الأمان بالنسبة لما قد يصيب المجتمع من هزات.
ويتطلع التربويون إلى المناهج الدراسية كي تقوم بهذه الوقاية. ويتم هذا بأن يحدد القائمون على أمر المناهج في المجتمع الأسس التي ينبغي أن يبنوا المناهج عليها, بحيث تجمع بين خاصتين لا بد من الوفاء بهما لوقاية المجتمع من التفكك أو التخلخل: الأولى، هي المحافظة على قيم المجتمع، فهذه القيم هي الهيكل الخرساني الذي يحمي بناء المجتمع من أن ينفرط عقده. والثانية، هي مواكبة التقدم الحضاري المعاصر. والأولى تضع الثانية في إطارها الصحيح وكلتاهما تعملان على إيجاد الطاقات اللازمة لتقدم المجتمع واستثمارها وفق مقتضيات العصر. بمعنى أنه لا تعارض بين التمسك بالقيم ومواكبة التقدم المعاصر، بل إن التقدم الذي يأخذ قيم المجتمع في الاعتبار هو الأكثر تأثيرًا والأكثر إسهاما في دفع المجتمع إلى منصة الانطلاق الحضاري.
ويتناول المؤلف في هذا الكتاب تلكم الأسس العامة التي ينبغي أن تراعيها المناهج الدراسية في المجتمع المسلم. فالمجتمع المسلم يهدف إلى تربية أبنائه تربية إسلامية، ومن ثم تصبح خصائص هذه التربية من الأسس المهمة التي ينبغي أن تراعيها المناهج الدراسية. وكذلك الأمر بالنسبة لخصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي؛ نظرا لتفرد هذه الخصائص وضرورتها للبنية الثقافية للمسلم، والتوجيه الإسلامي للعلوم، من حيث إنه ضروري لحماية أبناء الأمة من الغزو الثقافي. ومن ثم يرى المؤلف أن يكون أيضًا من الأسس المهمة للمناهج الدراسية، يضاف إلى ما سبق التطورات التربوية المعاصرة؛ وذلك لأن الفكر التربوي والتطبيقات التربوية في مجال المناهج الدراسية في تطور مستمر -في الوقت الحاضر- ولا يمكن أن يخطط منهج دراسي على أسس متطورة دون استثمارها في عملية التخطيط.
стр. 87
بالنظر إلى الأسس السابق ذكرها تستبين لنا الأفكار المغلوطة السائدة في مناهجنا الدراسية، وفي الفكر التربوي المطروح -اليوم- على الساحة الإسلامية، فالتربية الإسلامية ليست فقط تعليم بضع آيات من الذكر الحكيم وبعض الأحاديث الشريفة، ولا هي تعليم العبادات فقط كما يحدث في معظم المناهج الدراسية في عالمنا الإسلامي، والعلم الحديث الذي تغترف منه المناهج خبراتها ليس وليد الفكر الإنساني فقط، وتحصيل العلم أو عدم تحصيله ليس خيارًا حرا بالنسبة للمسلم، وليست كل معرفة واجب على المسلم تعلمها كما أنتجتها عقول البشر, فمن المعرفة ما ضرر تعلمها أكثر من نفعه، وعلى وجه العموم، ما لم توجه جميع الخبرات التي تقدمها المناهج الدراسية إلى تربية الفرد تريبة إسلامية، فإن هذه المناهج سوف تؤدي إلى تشويه تربوي، كما هو الحال -اليوم- في عالمنا الإسلامي.
لذلك يالج المؤلف -في هذا الباب- أهم الأسس العامة التي يرى أن يراعيها مخططو المناهج، لتصحيح مسار المناهج الدراسية ووقايتها من الغبش الفكري والتلوث التربوي، وذلك على النحو التالي:
الفصل الثالث: أهم الخصائص التربية الإسلامية.
الفصل الرابع: أهم خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي.
الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم.
الفصل السادس: أهم التطورات التربوية المعاصرة في مجال المناهج الدراسية.
стр. 88
الفصل الثالث: أهم خصائص التربية الإسلامية
مقدمة الفصل الثالث
...
مقدمة الفصل الثالث:
تشكل التربية الإسلامية الأساس الأول لاختيار خبرات المناهج وتنظيمها من حيث كونها تحدد نوع السلوك الذي ينبغي أن يسلكه المتعلم بعد اكتسابه لخبرات المناهج الدراسية.
تقوم التربية الإسلامية على تصور الإسلام للكون والإنسان والحياة والمعرفة؛ ولذلك فإنها ترجمة دقيقة لهذا التصور. وكل اجتهاد فيها ينبع منه مباشرة أو ينسجم معه في مجمله وتفصيله.
ولما كان التصور الإسلامي شاملًا للكون من حيث كينونته وبدايته ونهايته وما يحتويه من إنس وجن وحيوان وطير ونبات وجماد وكواكب وبحيرات وبحار وأنهار، وغير ذلك مما أودع الله فيه من خلق، فإن الإحاطة بهذا التصور في حيزنا هذا تكون مهمة صعبة المنال.
وتصور الإسلام للإنسان تصور شامل يحيط بطبيعته ومراحل نموه ووظيفته وحقوقه وواجباته نحو نفسه ونحو غيره من المسلمين أفرادًا وجماعات، ونحو المجتمع بمختلف مؤسساته بدءا بالأسرة وانتهاء بالمجتمع المسلم كله، بل والإنسانية كلها.
ونحو العلم والجهاد وأولي الأمر وفئات المجتمع الخاصة، مثل اليتامى والفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وغير ذلك من الأمور التي تحيط بجميع شئون الإنسان في ذاته أو في غيره، لذلك فإن محاولتنا الإحاطة بهذا التصور في هذه العجالة سوف يعتريها الضعف لا محالة.
وتصور الإسلام للحياة يتسع لكل ما تحيط به الحياة الدنيا والحياة الآخرة, ولمتطلبات كل من الحياتين من اعتقاد وعبادات ومعاملات وأخلاق وحساب وجزاء, وعلاقة كل منهما بالأخرى، وموقف المسلم من كل منهما، وغير ذلك من جوانب هذا التصور. وهذا أوسع من أن نحيط به هنا إحاطة شاملة.
وكذلك الأمر بالنسبة للمعرفة، فإن الإحاطة بموقف الإسلام من جوانبها وخصائصها وأساليب اكتسابها وحدود تطبيقها في الحيز الذي بين أيدينا يكون طموحًا بعيدًا بلوغه.
ولا ينبغي أن يفهم القارئ من إشارتنا فيما سبق لكل من الكون والإنسان والحياة والمعرفة على حدة. أننا نرى أن كلا منها منفصل عن الآخر في التصور الإسلامي، بل هي متكاملة في إنسجام تام وتصالح مستمر وتفاعل متواصل، وفي هندسة بديعة من صنع الخالق المبدع، .
стр. 89
ولكن ما أردنا إيضاحه بهذه الإشارة هو أن ما نقدمه فيما يلي من تصور للمقومات الفكرية للمنهج الدراسي لا يحيط بجميع هذه المقومات، ولكنه يشمل ما نتصوره أهم هذه المقومات فقط. ونحن على ثقة من أن تصورنا هذا يعتريه ثلاثة منطلقات للقصور الأول: يرجع إلى الطبيعة البشرية وما تتسم به من خطأ أو نسيان، والثاني: يرجع إلى ما قد يظهر من قصور في اجتهاد الكاتب شخصيا.
والثالث: ما قد يصيب بعض المواقف من نقص نتيجة للاختصار الشديد تكيفًا مع الحيز المتاح.
وبعد هذا الإيضاح، نعود إلى استخلاص التربية الإسلامية في ضوء الهدف من معالجتها هنا، وهي -في الوقت نفسه- الأسس الفكرية للمنهج الدراسي، من حيث كونه من أهم وسائل تحقيق هذه التربية. وذلك على النحو التالي:
أولًا: التربية الإسلامية ربانية المصدر, عالمية الغاية، شاملة الأثر.
ثانيًا: التربية الإسلامية ثابتة أصولها, مرنة تطبيقاتها.
ثالثًا: التربية الإسلامية تستهدف الحياتين الدنيا والآخرة في توازن واعتدال.
رابًعا: التربية الإسلامية تحث المسلم على العمل بقدر طاقته.
وفيها يلي نتناول كل عنصر مما سبق بشيء من التفصيل.
стр. 90
أولًا: التربية الإسلامية ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر
الحقيقة الأولى التي بينها كتاب الله أن الإسلام هو الدين الحق, وأنه من عند الله ، وأن رسوله لا يبتدع ولا يضيف ولا ينقص عن هوى أو نزعة ذاتية، ولكنه مبلغ لمنهج الله، موضح لحدوده، مبين لمقتضيات ربوبيته وإنفاذ منهجه في كل الأزمان والأجناس والأقوام والديار، وفي شتى الأمور والأحوال.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: الآية ١٩] .
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: الآية ١٢٥] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: الآية ٨٥] .
стр. 91
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ [الشورى: الآية ٥٢، ٥٣] .
وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ١-٥] .
ويرتكز في بلاغه على حقائق هي في واقعها مسلمات هذا الدين: أولها التوحيد، فالله -في الإسلام- واحد لا شريك له، متفرد في كل شيء، لم يلد ولم يولد، وليس كمثله شيء، هو وحده الخالق البارئ المصور، هو الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، المنفرد بالألويهة في كل زمان وفي كل مكان في هذا الكون.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤] .
فتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات من المقومات الأساسية لهذا الدين، والأدلة في القرآن الكريم على هذا كثيرة، نذكر منها.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥] .
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] .
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١] .
ومجمل القول أن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هناك ألوهية وعبودية، ألوهية يتفرد به الله سبحانه, وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه ... كما يتفرد الله -سبحانه- بالألوهية، كذلك، "يتفرد" -تبعا لهذا- بكل خصائص الألوهية ... وكما يشترك كل حي وكل شيء -بعد ذلك- في
стр. 92
العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية ... فهناك إذن وجدان متميزان: وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله, والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد.... "١٩، ١٨٣".
والحقيقة الثانية التي تتصل بالربوبية في الإسلام شمول الرسالة للناس جميعًا.
ومحمد ﷺ نبي الإسلام لم يرسل لقوم دون قوم، بل أرسل للناس كافة دون تمييز لأحد بسبب جنس أو لون أو مركز اجتماعي أو غير ذلك من عوامل التمايز بين الناس.
فالرسالة عالمية موجهة للعالمين أجمعين، وليست خاصة لقوم دون آخرين، وهذا من بين ما يميزها عن رسالات سائر الأنبياء. فكل نبي أرسل إلى قومه إلا محمدًا فقد أرسل إلى كافة البشر.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
وتتضح خاصة العالمية، وخواص أخرى تتفرد به رسالة محمد، في قوله: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث لقومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
ومن جوانب شمول رسالة الإسلام، أنها تشمل الإنسان الفرد كله: في خلقه وإخراجه إلى الوجود، وفي عقيدته وعبادته ومعاملاته، وفي سره وعلنه، وفي نفسه وأسرته ومجتمعه، وفي نومه ويقظته، في حياته وموته. باختصار في جميع مناشط الإنسان حيثما تكون ووقتما تكون. فالله محيط بها، يهدي من يشاء، ويحاسب كلا على عمله، ويعفو عمن يريد:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] .
وهكذا تتجمع الكينونة الإنسانية بكل مشتملاتها في وحدة الانتماء والتوجه إلى الله، وبذلك تكون في أقوى حالاتها، والكينونة الإنسانية حيت تتجمع على هذا النحو تصبح في خير حالاتها؛ لأنها تكون حينئذ في حالة "الوحدة" التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها، فالوحدة هي حقيقة الخالق -سبحانه- والوحدة هي
стр. 93
حقيقة هذا الكون, على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال، والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء, على تنوع الأجناس والأنواع. والوحدة هي حقيقة الإنسان, على تنوع الأفراد والاستعدادات، والوحدة هي غاية الوجود الإنساني، وهي العبادة، على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها، وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود ... "١٩، ١٠٧".
ومن أهم صور الشمول في الإسلام رد الكون كله من حيث نشأته وتسييره وتفاعلاته وتغيراته وعدمه إلى إرادة الذات الألهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة.
فالله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون ابتداء، وهو الذي يحفظ ما هو محفوظ فيه، وهو الذي يغير ما هو متغير فيه، وكل حركة أو سكون فيه لا تكون إلا بأمره، فهو القاهر فوق عباده، ويعلم كوامنه وأسراره، ويكشف ما يشاء منها لعباده، فمثلًا:
هذه الحياة كيف انبثقت من المادة الميتة؟ وكيف سارت -وتسير- سيرتها هذه العجيبة المحوطة بآلاف الموافقات والموازنات والتقديرات المرسومة المحسوبة بهذا الحساب الدقيق "١٩، ٩٢".
ولننظر إلى هذه الأجرام السماوية والمجموعات الشمسية التي تتحرك في أنساق متآلفة دون خلل, وفي توافق عجيب مع حركة الأرض وجاذبيتها, وما أودع الله فيها من حبال وبحار وأنهار وبراكين وزلازل.
ولننظر إلى تركيب جسم الإنسان وأجهزته الهضمية والتنفسية، والإخراجية التي تعمل في تناغم عجيب وإنسجام بديع فيما بينها، وبينها من ناحية والحواس من ناحية أخرى. والقدرة الفائقة للإنسان على التكيف لمختلف الظروف البيئية في العالم. والملاحظة نفسها تنطبق على الحيوان والنبات.
إن الكون مليء بدلائل قدرة خالقه, ابتداء ومسير كل شيء فيه، وفي القرآن دلالات كثيرة لشمول سيطرة الله على هذا الكون سيطرة شاملة كاملة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] .
стр. 94
وقال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وجوهر تصور خاصة العالمية والشمول وارتباطها بالربانية إنما يمكن تلخيصه في أن أمر الكون والحياة والإنسان والأحياء والأشياء يرجع إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأبدية المطلقة القادرة دائمًا، الملهمة للصواب أبدًا، وتكون عقيدة التوحيد هي البوتقة التي ينصهر فيها كل هذا.
ويبين لنا سيد قطب في كتابه "نحو مجتمع إسلامي" أن مرد ذلك كله إلى عقيدة التوحيد في قوله:
إن عقيدة التوحيد -بكل إشعاعاتها- تسيطر وتؤثر في مقومات النظام الاجتماعي الإسلامي، توحيد الله المطلق بلا شبهة من شرك أو تعدد، وتوحيد إرادة الله في الخلق والحفظ والضبط والحساب، وتوحيد الوجود الحادث عن توجه الإرادة الواحدة، وتوحيد الحياة في مصدرها وطبيعتها ومقوماتها، وتوحيد البشرية في مصدرها وأصلها ونشأتها وفي أجيالها وأهدافها ومصائرها، وتوحيد الدين على أيدي أمة الرسل -وهم أمة واحدة- وتوحيد الأمة المؤمنة وهي تشمل كل من آمنوا برسول الله قبل أن يرسل أخوه بعده من لدن آدم إلى خاتم المرسلين، وتوحيد الطبيعة البشرية في اعتبارها وتوجيهها، وتوحيد العقيدة والعمل والعبادة والسلوك: وتوحيد الدنيا والآخرة في التوجه إلى الله "٢٠، ١٤٢-١٤٣".
ويضيف سيد قطب قوله:
... والواقع أن العقيدة الإسلامية واضحة الأثر في كل جزئيات النظام الإسلامي، ما قرب من هذه العقيدة من الظاهر كالعبادات والأخلاق، وما بعد عنها في الظاهر كالمعاملات المالية والارتباطات الاقتصادية، والعلاقات السياسية داخلية أو دولية، بحيث يصعب إدراك طبيعة أي جانب من هذه الجوانب المتعددة وفهمها فهما حقيقيا بدون دراسة العقيدة الإسلامية، وفكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان، ثم الربط بين هذه الفكرة الكلية وبين أي جانب من الحياة في الإسلام، فردية كانت أو عائلية أو جماعية أو دولية. "٢٠، ١٤٢".
стр. 95
ثانيا: ثاتبة أصولها، مرنة تطبيقاتها
...
ثانيًا: ثابتة أصولها، مرنة تطبيقاتها
هناك أصول ثابتة في الإسلام لا مجال للتغيير فيها؛ لأنها تشكل البنية الأساسية والقواعد الراسخة للدين الحنيف، ومبلغ سعي المسلم بالنسبة لهذه الأصول أن يتفهمها ويستوعبها ويطبقها.
ومن خصائص هذه الأصول الثابتة أنها توافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ لذلك فإنها الأساس السليم للمنهج الذي يهدي الناس كافة في حياتهم الدنيا إلى حياتهم الآخرة. وقد حدد هذا المنهج تحديدًا وافيًا؛ لأنه -لسابق علمه بخلقه- يعلم أن الإنسان لا يقدر على إيجاد منهج شامل ثابت كامل لحياته.
وقد قال تعالى عن موافقة هذا المنهج للفطرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] .
وقال تعالى عن شموله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
وقال تعالى عن إحاطته بالتفاصيل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] .
قال تعالى عن ثباته: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] .
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] .
وتوجيها لاتباع هذا المنهج كما هو، وتحذيرًا من الحيود عنه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقيمة "الثبات" هي وجود الميزان الثابت الذي يرجع إليه "الإنسان" بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات، وبكل ما يجد في حياته من ملابسات وظروف وارتباطات فيزنها بهذا الميزان الثابت. ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب، ومن ثم يظل دائمًا في الدائرة المأمونة لا يشرد إلى التيه الذي لا دليل فيه من نجم ثابت، ولا من معالم هادية في الطرق. "١٩، ٧٦-٧٧".
стр. 96
ولكن هذه الأصول لا تعيق حركة الحياة ونموها، ولا تقيد انطلاقها واستجابتها لمتغيرات الزمان والمكان والبيئة والمعرفة، وشتى المتغيرات التي تطرأ على الإنسان والحياة والكون؛ وذلك لأن الثوابت تتعلق بالكليات والمضامين الأساسية، وتترك للإنسان درجات من الحرية في التطبيق كافية لمواجهة المتغيرات في شئون حياته داخل أطر الثوابت.
وإنه لمن إعجاز منهج الله أن هذه الأصول الثابتة لا تتعارض مع حركة الحياة، بل تهديها إلى الصراط المستقيم، وتجعل منها مصدر خير وسعادة للبشرية جمعاء في كل الأزمنة, وفي شتى بقاع الأرض وفي مختلق مسافات سعي الإنسان في حياته. ومن إعجاز هذا المنهج أيضا أنه شامل لكل شيء ومتكامل في ذاته، في نسيج عجيب كل عروة فيه تكمل الأخرى في تجانس رائع يليق بجلال صاحب الصنعة ومن ثم لا يقبل زيادة أو نقصانًا، ومع ذلك، فإن هذه الأصول الثابتة، هي ذاتها حافز ومنطلق لحركة الحياة بكل أبعادها نتيجة لمرونة تطبيقاتها.
والتربية الإسلامية تستمد مقوماتها من هذا الدين، فتتخذ من منهجه في الثوابت والمتغيرات أساسًا لها، وتعمل على تبيان الثوابت وترسيخها وتجذيرها في وجدان الفرد، كما تعمل على تجلية طبيعة هذه الثوابت من حيث إقدارها للفرد على مواجهة مواقف الحياة المتغيرة، كما تعمل على تبيان المرونة المتوافرة في التطبيق لبعض هذه الأصول في داخل إطارها، ومع المحافظة التامة على جوهرها، وتوظيف هذه المرونة في مواجهة المتغيرات في الحياة, وأن هذه المرونة هي من دلائل قوة هذا المنهج, وحيويته في مواجهة المستحدثات في الكون.
فمن المصادر الثابتة لمنهج الإسلام الحقائق التالية:
- حقيقة وجود الله وسرمديته ووحدانيته وهيمنته وتدبيره لأمر الخلق وطلاقة مشيئته.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
стр. 97
- حقيقة أن الكون كله من خلق الله وإبداعه.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] .
قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] .
- حقيقة العبودية المطلقة لله وعموم هذه العبودية للناس والأحياء والأشياء قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] .
وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] .
- حقيقة أن أركان الإيمان هي؛ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآحر والقدر خيره وشره.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
- حقيقة أن الدين عند الله الإسلام وما دونه باطل قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .
стр. 98
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
- حقيقة أن الناس من أصل واحد، وأن القيمة الوحيدة التي يتفاضلون بها هي التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
- حقيقة أن رابطة التجمع الإنساني هي العقيدة، وليست اعتبارا من الاعتبارات الأخرى مثل الجنس أو اللون أو المصالح أو الطبقة أو غيرها.
- حقيقة أن الإنسان مخلوق مكرم على سائر الخلائق في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] .
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
- حقيقة أن الدنيا دار ابتلاء وعمل، وأن الآخرة دار حساب وجزاء.
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد: ٢٠] .
стр. 99
- وفيما يلي نعطي أمثلة أخرى لبعض الأصول الثابتة التي تفسح مجالًا للمرونة في تطبيقاتها:
- حقيقة أن أركان الإسلام بعد الشهادتين هي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت.
قال, ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". "متفق عليه".
تتضح المرونة في إقامة الصلاة أنها لا تؤدى على هيئة واحدة، فيجوز لغير القادر على تأديتها قائمًا أن يؤديها قاعدًا أو مستلقيًا في فراشه. ومن جوانب المرونة -أيضًا- السجود عند السهو عن واجب أو الشك في زيادة أو نقصان، وتتجلى المرونة في تأدية هذا الركن بفتح الباب فيها على مصراعيه بالنوافل للقادرين والمجتهدين.
وتتضح المرونة في إيتاء الزكاة، جواز تأجيلها عن موعدها انتظارًا لحضور من هو أحق بها، وفتح الباب أمام من يريد أن يزيد على الحد المقرر منها.
وتتضح المرونة في الصيام جواز تأجيله عند المرض أو السفر أو الحيض، وجواز التعويض عنه عند عدم القدرة عليه يقينا بإطعام مساكين، وباب الاستزادة منه للمجتهدين القادرين مفتوح بالنوافل.
وتتضح المرونة في حج البيت الحرام بأنه مشروط بالاستطاعة، وتأجيله ما دام حال عدم الاستطاعة قائمًا يقينًا, حتى لو حال ذلك العذر دون تأدية هذه الفريضة، وتسقط بتأدية الحج مرة واحدة، ومع ذلك، فتأديته مفتوحة بالنوافل لمن يريد أن يزيد.
ومن الثوابت إقامة الحدود وفق شرع الله, قال تعالى في حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] .
ومع ذلك فقد أوقف عمر بن الخطاب ﵁ تطبيق هذا الحد في وقت المجاعة.
- ومن الثوابت أن وظيفة الإنسان في الحياة هي عمارة الأرض.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] .
стр. 100
ولكن تتجلى قدرة منهج الإسلام -مع ثبات أصوله- على مواكبة المتغيرات في كل الأزمنة والأمكنة ترك طرق هذه العمارة وأساليبها، وأدواتها دون قيد, إلا الإطار العام لهذا المنهج، فعلى الإنسان في هذه العمارة أن يستنفد قدراته ومبلغ علمه والمتاح, وما يمكن إتاحته من طرق وأساليب وأدوات للوفاء بهذا التكليف الرباني.
وقد يكون مجال الوفاء بهذه الوظيفة في أقوام هي الزراعة، وقد تكون التجارة هي مجالها في أقوام ثانية، وقد تكون الصنعة هي مجالها في أقوام ثالثة.
ومهما كان مجال الوفاء بهذه الوظيفة فإن المؤكد -وفق منهج الإسلام- أن تكون الطرق والأساليب والأدوات المستخدمة من أحدث ما وصل إليه العقل البشري في العصر.
وبناء عليه، قد تكون عمارة الأرض في عصرنا هذا في غزو الفضاء، وقد تكون في علوم الذرة، وقد تكون في الهندسة الوراثية، وقد تكون في غير ذلك من مجالات التقدم العلمي والتقني، ومن ثم يكون كل هذا واجبًا على المسلم أن يأخذ به في كدحه لعمارة الأرض، على أن يحتكم في كل قول أو عمل في سعيه هذا إلى منهج الله.
والشوى والعدل والإحسان حقائق ثابتة في منهج الله.
قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] .
وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .
أما كيفية تطبيق هذا كله فقد تركت للاختيار مع الالتزام بالإطار العام للمنهج. فصورة تطبيق الشورى -مثلًا- يمكن أن تتم بأكثر من طريقة، إذ يمكن أن تكون الشورى لأهل الحل والعقد، ويمكن أن تكون الشورى لذوي الاختصاص في موضوع المشورة، ويمكن أن يختار من يستشار بواسطة الجماهير فالتطبيق يختلف حسب مقتضيات الحال.
стр. 101
كذلك الأمر بالنسبة للعدل، فيمكن أن يتم بواسطة قضاة متخصصين، بمعنى أن يوجد قضاء للأحوال الشخصية وآخرون للأحوال المدنية، وفئة ثالثة للجنايات، ويكن أن يكون القضاء على درجات أو غير ذلك من الصور التي يحلها منهج الله, وتناسب ظروف الفرد والجماعة وتحقق مصالح المسلمين.
ومن الأصول الثابتة في الإسلام الدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
ولكن تنفيذ هذا، يمكن أن يتم بمختلف الطرق والأساليب، فيمكن أن تتم الدعوة بواسطة الدعاة المتخصصين المعدين لها خاصة، ويمكن أن تتم بواسطة المهنيين كالأطباء والمهندسين والمدرسين، ويمكن أن تتم بالقدرة والمثل، كما تختلف أدوات الدعوة وطرائقها مع معطيات العصر.
стр. 102
ثالثا: تعد التربية الإسلامية الإنسان للحياتين، الدنيا والآخرة في توازن واعتدال
من أهم أسس التربية الإسلامية أنها تشمل كلا من الحياتين الدنيا والآخرة, وأنها تعد الإنسان للحياتين معا، فهي تربي الإنسان ليعمل في دنياه كأنه يعيش أبدًا، فيكد ويكابد ويحسن العمل فيها ويحقق أهدافها، ويستمتع فيها بما سمح الله له من متاع، ويأخذ منها ما أحل الله فيها من طيبات، ويعطي فيها ما أوجب الله عليه من عطاء. باختصار، فإن التربية الإسلامية تهيئ الإنسان لحمل الأمانة التي حمله الله إياها في حياته الدنيا، فيحل لنفسه ما أحل الله، ويحرم على نفسه ما حرم الله، ويأخذ نفسه فيها بمنهج الله ﵎ متاعًا وامتناعًا. ومن حدود منهج الله للإنسان في الحياة الدنيا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [المائدة: ٨٧] .
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٤] .
стр. 103
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] .
وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] .
ولكن الحق ﵎ يحذر المسلمين من الاستغراق في متاع الدنيا، ويحثهم على الاعتدال والتوازن في الأخذ من متاعها، والاعتدال والتوازن في الإعراض عنها أيضًا. بل يأخذ منها ويعرض عنها وفق المنهج الذي أنزله الله، حتى لا تستقطبه ملذات الحياة الدنيا فيغرق نفسه فيها، وحتى لا يهملها ويترك ما فيها من متاع مباح فيفوته فيها ما أحب الله له أن يتبوأ من فضلة، ولكي لا يضل الإنسان الطريق، أنزل إليه الهدى في كتابه ليترسم خطاه، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] .
ومع حرص منهج الإسلام على أن يتمتع الإنسان بالحياة الدنيا وفق المنهج الرباني، فإن هذا المنهج ذاته يبين أن هذه الدنيا بما فيها من متاع، تكون الحياة فيها موقوته، وأنها معبر للحياة الآخرة التي هي دار القرار، ومن ثم لا ينبغي أن تشغل الحياة الدنيا الإنسان عن حياته الآخرة، إلا أن يكون ظالمًا لنفسه باغيًا ومتخطيا لحدود المنهج القويم.
قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
وقال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] .
стр. 104
وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧-٣٩] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] .
أما المؤمنون الذين عملوا للحياتين في توازن واعتدال, ولم يجرفهم تيار الدنيا ومغرياتها، فقد قال تعالى فيهم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وقال تعالى عنهم: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] .
وقال تعالى عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦] .
وقد أكد الحق ﵎ أن الإيمان باليوم الآخر من أعمال البر في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وبين الله في محكم كتابه أن الإيمان بالله واليوم الآخر يجعل المسلم من المأجورين عند الله، وممن لا يخافون على أنفسهم يوم الحساب، وممن يعمرون بيوت الله، فقال تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
стр. 105
وقال تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٦٩] .
وحث الله المسلمين على قتال من لا يؤمن بالله وباليوم الآخر.
فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وإن لوجود الحياة الآخرة بين خصائص التربية الإسلامية معطيات تربوية أساسية في سلوك الفرد في الحياة الدنيا. منها ضرورة إيمان الفرد بالحساب الذي بناء عليه يتقرر نوع حياته الآخرة، ومنها استشعار الفرد لمراقبة الله ﵎ له في أقواله وأفعاله، مراقبة محيطة شاملة دائمة دقيقة لا تخفى عنها خافية, وقد بين الحق ﵎ هذا في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٤١] .
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] .
وعن ابن مسعود قال: قال ﷺ : "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربعة: عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به". "رواه الترمذي".
وقال تعالى مبينا أن كل أعمال الإنسان مسطورة في كتاب: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣, ١٤] .
وقال تعالى في وصف سلوك الإنسان يوم القيامة، وفراره من أقرب الناس إليه انشغالًا بشأنه الخاص: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٧] .
стр. 106
وقال تعالي في وصف العاصين غير الملتزمين بأوامر الله ونواهيه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠-١٢] .
ومن معطيات وجود الحياة الآخرة بين مقومات التربية الإسلامية، إيمان المسلم بموجود الجنة بما فيها من ترغيب، ومن أعد الله فيها من متع لا تخطر على قلب بشر, وعد الله بها المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، المستقيمين في الحياة الدنيا على صراط الله الحميد، فقد جاء في الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الطور: ١٧] .
وقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] .
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤, ٥٥] .
ومن الكثير الكثير الذي جاء في الكتاب الحكيم في وصف هذه الجنات، قول الحق ﵎: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥] .
وفي قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢-١٦] .
ومن معطيات الإيمان بالحساب يوم القيامة، الإيمان بوجود جهنم وما فيها من ترهيب لما أعد فيها لمشركين بالله, ومن يصدون عن سبيله في الحياة الدنيا، ومن يفترون عليه الكذب وهم يعلمون، والذين لا يحكمون بما أنزل الله والمخالفين لمنهجه، وغيرهم ممن لا يستقيمون على صراط الله الحميد. قال تعالى:
стр. 107
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٣، ٣٤] .
وقال تعالى عن المنافقين والكفار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
ومن أهداف هذا الترغيب في الجنة والترهيب من النار حفز الإنسان على التمسك بمنهج الله في الحياة الدنيا، وتربية وازع ديني وإرادة ذاتية نابعة من نفسه, تحثه على الاستقامة على هذا المنهج وتوجيهه إلى السير وفقه في جميع شئون الحياة.
وهكذا يقيم المنهج الرباني الإنسان رقيبًا على نفسه، فلا يتلبث بمعصية في غفلة من مراقبيه كما يحدث في المناهج البشرية الموضوعة، ولا يتحايل على رقابة الغير كي يفلت من قبضة القوانين. ولكنه يحاسب نفسه بنفسه، ويلزم نفسه بنفسه، ويراقب نفسه بنفسه، ويزن أعماله في الدنيا قبل أن توزن عليه
في الآخرة، فهذه فتاة تقول لأمها التي أرادتها أن تخلط اللبن بالماء ما دام أمير المؤمين لن يراهما: "إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن الله يرانا".
وهكذا تتكامل الحياة في الدارين. فالعمل في الأولى يحدد نوع الحياة في الأخرى، والحياة في الثانية تجعل من الإنسان رقيبًا على نفسه حسيبًا لأعماله في الأولى.
ومع أن الحياة الآخرة نعيم مقيم للطائعين، وأنها محط البشر جميعًا، وأن الحياة الدنيا معبر إليها، ومع أن العمل الصالح في الدنيا أساس النعيم في الآخرة, إلا أن التوازن والاعتدال في العمل لكل من الحياتين مطلب أساسي في التربية الإسلامية. نستبين هذا من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] .
стр. 108
ومن قوله ﷺ : "إن الدين يسر, لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". "صحيح البخاري".
وفيما يلي موقفان عمليان يضرب الرسول ﷺ فيهما مثلا للاعتدال في العمل للحياتين الدنيا والآخرة، عن أنس بن مالك قال:
جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؟ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا, وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر, وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ وأما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني". "صحيح البخاري".
وعن أبي جحيفة وهب الله بن عبد الله ﵁ عن أبيه قال: آخى النبي ﷺ -بين سلمان وأبي الدرداء. فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك؟ فقال: أخوك أبو الدرداء ليس له حياة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل. فلما كان الليل, ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا. فقال سلمان: إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "صدق سلمان". "صحيح البخاري".
وهكذا تعمل التربية الإسلامية على ترسيخ كل من الحياتين الدنيا والآخرة في وجدان المسلم، وأن يجعل لكل منهما نصيبًا مفروضًا في عمله في الحياة الدنيا، وأن يحافظ على التوازن بينهما، فلا ينبغي أن تستقطبه الحياة الدنيا بما فيها من ملذات وشهوات وإغراءات، فتجرفه إلى مخالفة منهج الله. كما لا ينبغي أن يستولي عليه العمل للآخرة فيعطي وقته كله أو جله للعبادة على حساب السعي في مناكب الأرض, وطلب الرزق والعمل على إصلاح أحوال المسلمين، والتمتع بما أحل الله له.
стр. 109
رابعًا: حث المسلم على العمل بقدر طاقته
قبل أن أتناول هذا الموضوع بالتحليل أرى أن أستعرض موقفًا له دلالته في تصور غير المسلمين عن قيمة العمل في الإسلام، انعكاسًا من أعمال المسلمين أنفسهم.
قابلت رجلًا أمريكي الجنسية -في أحد الأسفار- عمل في إحدى البلدان العربية عدة سنوات، ودار بيننا حديث في موضوعات شتى، وودت أن أعرف إن كان قد تعلم من اللغة العربية شيئًا في أثناء إقامته هناك، فسألته عما تعلمه منها فقال: "إن شاء الله" فسألته، وماذا تعني: "إن شاء الله"، قال: عندما تريد أن تؤجل عملًا إلى أجل غير مسمى، تقول: "إن شاء الله".
فهل هذا السلوك الذي عبر عنه الرجل يتفق مع منهج الإسلام؟ صحيح أن خبرة الرجل تعتبر خبرة خاصة، ولكننا نعرف أن ما عبر عنه ليس نادرًا، بل نجد له وجودا في الكثير من بلاد المسلمين في الوقت الحاضر.
هذا رغم أن العمل وفق الدين الإسلامي -مع إخلاص النية لله وصحة المنهج- عبادة. وإن القرآن الكريم ليقرن العمل الصالح في كثير من آياته بالإيمان. وهذا يضع العمل الصالح في مرتبة عالية، إذ إنه دليل على صدق الإيمان بالتطبيق العملي في واقع حياة المسلم خاصة وجماعة المسلمين عامة.
وتصل قيمة العلم في الإسلام مداها حين توجه الرسول الخاتم ﷺ المسلم ألا يكف عن أداء العمل حتى ولو قامت القيامة.
وذلك في قوله ﵊: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها، فله بذلك أجر". "رواه أحمد في مسنده".
ولقد كانت حياة محمد ﵊ مدرسة في العمل الجاد المتواصل. فقد عمل في التجارة، ورعي الغنم. وكان يرتق ثوبه بنفسه، ويخصف نعله بنفسه، وكان يشارك أصحابه فيما يقومون به من أعمال. وفي غزوة الخندق -على سبيل المثال- كان يضرب بمعوله مشاركًا في حفر خندق يحمي جيش المسلمين والمدينة من الجيوش الغازية.
والقصص القرآني يضرب الأمثال الكثيرة لعمل الأنبياء والرسل. فهذا نوح ﵇ يعمل في بناء السفن التي ركبها هو ومن معه من المؤمنين, وهذا موسى يعمل أجيرًا لدى شعيب ﵉. وهذا داود ﵇ كان يأكل من عمل يده. وهذا يوسف كان يعمل لدى فرعون.
стр. 110
ونستبين قيمة العمل في الإسلام من توجيه الله لمريم البتول -وهي في المخاض؛ وهو حال وهن وضعف وخوار قوة- يأمرها ربها وهي على هذا الحال بأن تهز إليها بجذع النخلة فتساقط عليها رطبًا جنيًا لتأكل وتشرب، هذا مثل مبين لقيمة العمل في الإسلام، فمع قدرة الله على أن ينزل على مريم الرطب الجني دون عناء منها, وهي المجهدة بمخاض وليدها إلا أنه يأمرها بأن تبذل جهدًا في هز النخلة -بحوله وقوته- كي تحصل على ما تتقوى به على ما هي فيه.
مما سبق يتضح لنا نحن المسلمين مدى عناية الدين الحنيف بالعمل الصالح. كما يتضح لنا أن العمل من أسس الحياة وفق منهج الدين الإسلامي، ففي كتاب الله الكريم نجد الأنبياء والرسل, وقد ضربوا الأمثال في العمل بأنفسهم حتى يكونوا لنا قدوة، ويبين القرآن لنا أن العمل أساس الحياة وأن الإحسان فيه طريق للمثوبة والأجر.
والعمل في الإسلام له خصائص ثابتة. الخاصة الأولى منها أنه لا بد من أن يؤسس علي النية. بمعنى أن يخلص المسلم النية لله -تعالى- في عمله: فقد قال نبينا ﵊: "إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى, من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه". "متفق عليه".
والخاصة الثانية هي الأخذ بالأسباب التي تنجز العمل وعلى رأسها التزود بالعلم والتقنية. وهذا يعني أن يؤهل الإنسان نفسه بالعلم والخبرة واكتساب المهارات اللازمة لأداء العمل. ولا يتواكل على أحد أو ظروف قد يتوقعها أو بدعوى التوكل على الله. مثل الأعرابي الذي قال لرسول الله ﷺ : لقد تركت ناقتي على باب المسجد, وتوكلت على الله. فقال له الرسول ﵊: "اعقلها وتوكل". وهذا يعني أنه لا بد من أن يأخذ الإنسان بالأسباب في كل عمل. ففي الغزوات والحروب -على سبيل المثال- كان المسلمون يأخذون بأسباب النصر من إعداد القوة البشرية والسلاح والعتاد والتزود بالعلم عن فنون القتال وتقنيته، وفي شئون العبادة, وكانوا يجتهدون فيها ويستبقون خيراتها.
والخاصة الثالثة للعمل في الإسلام الإحسان، وهذا يعني أن المسلم ينبغي أن يستفرغ الطاقة في أداء عمله. والإحسان هنا يشمل أشياء كثيرة مثل بذل الطاقة في البحث عن المصادر, وحسن استخدامها, والمهارة في التحليل والاستخلاص والتفكر والتدبر والإبداع, وتوظيف الطاقة الجسمية في بذل الجهد, والصبر في الطلب والمثابرة في المتابعة, والطاقة النفسية في حب التضحية واستمرار الدافعية واستنهاض القدرات والاستعدادت والمواهب.
следующие страницы →