← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9972

الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية

محمود أحمد شوق

Полный текст (445 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢-٨ التاريخ الإسلامي. ففيه ثراء كبير من الخبرات المفيدة في تثقيف المعلم، وفيه معارف ينبغي أن تدرك، ومواقف ينبغي أن تحيا في ذاكرة المسلمين، وأخلاق ينبغي أن تحتذى، وعبر ينبغي أن تعتبر. ٢-٩ التحديات المعاصرة التي تواجه المسلمين، ففيها تبصرة للمعلم بما يحيط الأمة من مخاطر ومشكلات ينبغي أن يعيها طلابه. وما نود أن نؤكده هنا هو أن الثقافة الإسلامية التي نقدمها للمعلم ينبغي أن تستنفره لتربية تلاميذه, وتوجيههم وإرشادهم, وحفز هممهم نحو دفع الأمة إلى الانطلاق الحضاري تحت راية دين الله الحنيف, وتعريفهم بماضي أمتهم وواقع حاضرها. ٣- تمكين المعلم من مهارات التعبير باللغة العربية الفصحى, ومن التدريس بها: ولقد نزل القرآن بلسان عربي مبين فيه بلاغة وعليه طلاوة، نافذ بفصحاه إلى العقول, وبجرس عباراته إلى الأفئدة، وبجزالة أسلوبه إلى الوجدان. ترقى بمعانيه النفوس. وترق له القلوب، وقد أحاط بجوامع الكلم. وقد اقتضت حكة الله بأن ينزل كتابه وتسجل سنة رسوله ﵊ بالفصحى. فظل هذان النبعان العظيمان يفيضان على أمة الإسلام بالهدى والتقوى والتمسك بحبل الله المكين. وكلما تمكن الإنسان من الفصحى كان على الارتواء منهما أقدر، ودلف إلى دين الله بصورة أقوى وأشد. وكلما سبر غورها ومهر في السباحة في بحرها، ازداد فهمًا وإدراكًا لهدي هذا الدين القيم. أما من صرفه صارف أو شغله شاغل أو تكاسل عن إتقان اللغة الفصحى، فإنه بهذا قد بنى سدا بينه وبين منابع الدين الحنيف والتراث الإسلامي الذي يبين أصول العقيدة ومقاصد الشريعة وحكمة التشريع وأسس العبادات والمعاملات وما هية الأخلاق. وإذا فات المسلم هذا كله أدركته أمية تبتليه بتخبط عقدي وتيه إيماني وتذبذب عبادي وضعف أخلاقي. ولقد أدرك أعداء الأمة الإسلامية بالغ أثر اللغة في توثيق الرباط بينها وبين دين الله الحنيف، ومن ثم وحدتها وسيادتها، فخططوا ومكروا، وأثاروا النعرات القومية، واتهموا الفصحى بالقصور عن العتير عن مواقف العصر وأساليبه وأدواته. وشجعوا كتاب العامية وأفسحوا لهم الساحات، وأخيرًا نجد أن كثيرًا من معلمي الفصحى يعلمونها بالعامية. ناهيك عن بيقة المعلمين والإداريين وبقية العاملين في مجال التعليم.

стр. 177

أما وسائل الإعلام فأمرها واضح للعيان في معظم البلدان العربية بخاصة، فما علينا إلا أن ننظر في الصحف اليومية، أو نستمع إلى نشرة الأخبار أو مسلسلة إذاعية لنجد الفصحى تتململ بين السطور وتحتضر بين الشفاه. أما في البلدان الإسلامية غير العربية فقد لاحقتها الحملة على اللغة العربية بأساليب متعددة منها: حجب اللغة العربية عن مناهج التعليم وإضعافها إلى حد يجعل أثرها يمحى بالتقادم, ولما كان إحياء اللغة استخدامها فقد بين اللغة العربية وجعلها اللغة الرسمية للتخاطب في البلاد. إضافة إلى هذا، تم استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية إبعادًا لأبناء المسلمين عن الألفة بالحروف كتب بها القرآن الكريم، وتشجيع علية القوم على التحدث بلغة غير عربية، وربط ذلك بالتميز الاجتماعي. والمخطط لا يزال مستمرا. ولكن العقد الأخير من الزمن حمل معه اتجاه العناية بلغة القرآن، فإزاء الحملة الشرسة على اللغة العربية وإزاء التدني الخطير في مستوى استيعابها بين خريجي المعاهد العلمية على وجه الخصوص, هبت صحوة صادقة للمحافظة عليها. ومن نتائج اتجاه العناية باللغة العربية في عالمنا العربي، الاتجاه إلى تعريب جميع العلوم ورفع مستوى المعلم فيها، ومساعدته على التدريس بها. ٤- الأخذ بمبدأ التعلم مدى الحياة, والنظر إلى تربية المعلم في إطار نظام موحد: إن التطورات المعاصرة في التدفق المعرفي والتقني، والحاجة إلى استثمار التعليم استثمارًا فوريا، جعل تطبيق مبدأ التعليم مدى الحياة في تربية المعلم خطوة منطقية، كما أصبح من الاتجاهات التي ينادي بها التربويون المعاصرون، والتي بدأت تأخذ مكانها في التطبيق. فنظرا لهذه التطورات، ونظرًا للحاجات الفردية والاجتماعية المتزايدة للتعليم كمًّا ونوعًا بصورة غير مسبوق في تاريخ البشرية. ونظرًا للارتباط الذي يتوثق يومًا بعد يومًا بين التعليم وحركة الإنتاج في المجتمع، وبين التعليم والتقدم العلمي والتقني لهذا المجتمع، فإن برامج إعداد المعلم لم تعد كافية لإعداده للممارسات المهنية بقدر مقبول من الثقة. لذلك، فقد أملت هذه التطورات وتلكم الحاجات تفكيرًا جديدًا في أهداف التعليم ومن ثم في مهام المعلم. الأمر الذي جعل مراحل تربية المعلم تتوثق عراها وتتكامل في منظومة هدفها الاحتفاظ بكفاءة المعلم مدى حياته المهنية.

стр. 178

ولا يقف توحيد النظم عند تكامل مراحل تربية المعلم, بدءًا من اختياره إلى تعليمه مدى الحياة، ولكن يشمل أيضًا البحوث المتعلقة بهذه التربية في أي من مراحلها. وقد ساعد على هذا أن تطوير النظام يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التغذية العائدة التي تعتمد على البحوث التقويمية بالدرجة الأولى. وبناء عليه أصبح "البحث التربوي" من عناصر تربية المعلم. وهكذا يتكامل البحث العلمي مع كل من نظام القبول إلى معاهد إعداد المعلم, ونظام إعداده ونظام تنميته في منظومة موحدة لاستمرار الاحتفاظ بكفاءة المعلم في أدائه المهني. ٥- الأخذ بالتطورات المعاصرة في التقنية التربوية: لا مبالغة في القول أن التقنية المعاصرة قد جعلت حياة الإنسان تفور بالمستحدثات وتتوشح بالمفاجآت، وهي وإن كانت قد بدأت في مجالات الصناعة إلا أنها ما لبثت أن غشيت جميع دروب الحياة ومواقفها، وشغلت البشر بأخبار متابعتها؛ نظرًا لأنها تشكل ملامح المستقبل وفق نفاذها إلى أعماق الكون أرضَا وبحرًا وجوا وفضاء، ووفق إسهامها في زيادة قبضة العلم على مقدرات الإنسان، بما يوفق الله العقل البشري إلى كشفه من كوامن خلقه. ولقد كان أثر التقنية على التعليم غامرًا. فغيرت من نظمه ومناهجه وإدرته، والإشراف عليه إلى غير ذلك من الكثير الكثير الذي لا يمكن أن نفي بمعالجته هنا. ولكن غاية ما نستطيعه أن نذكر أمثلة من آثارها على تربية المعلم. يذكر عبد الرزاق عن التغير الذي حدث في مهمات المعلم بسبب تطبيق التقنية في التعليم، ما يلي: ١- أقل ممارسة لتقديم المعلومات، وأكثر ممارسة للتوجيه والنشاط نحو تحقيق الأهداف والتقويم. ٢- أقل توجيها للأسئلة وتصحيحًا للكراسات، وأكثر متابعة للتقدم الفردي، وتحديد الأهداف الإجرائية للتدريس، والمناقشة الجماعية، وتفسير المعلومات. ٣- اختيار المعرفة من مصادرها المتعددة والمعقدة. ٤- استعراض أساليب مناقشة أوسع مدى، وأكثر عناية بالجانب الوجداني. ٥- تحمل مسئولية أكبر في الجوانب الشخصية، وممارسة وظائف كان يمارسها المتخصصون في علم النفس، واستخدام تفاعل الجماعة في دفع تطوير النضج الاجتماعي والتفكير الإبداعي.

стр. 179

٦- تقويم وتشخيص حاجات كل تلميذ وتقدمه. ٧- تطوير خطط الدراسة الفردية. ٨- إعداد خطط قصيرة الأجل، وأخرى طويلة الأجل للعمل داخل حجرة الدراسة، تأخذ في الاعتبار الحاجات الفردية للتلاميذ. ٩- تخطيط حجرة الدراسة وتنظيمها وتخطيط وقت التعليم، لابتكار بيئة تعليمية فعالة. ١٠- تطوير خطط الدراسة اللازمة للمجموعات الكبيرة. ١١- الإشراف على عمل الطلاب كمرشحين للمهنة. ١٢- دراسة النظام وتقويمه، لتطوير العمل في حجرة الدراسة. ٦- العناية بأداء المعلم داخل حجرة الدراسة باستخدام أسلوب الكفايات: يرجع أسلوب الكفايات في جوهره إلى النظرية السلوكية في علم نفس التعلم، ومن أهم ملامحه الارتباط الوثيق بين النظرية والتطبيق، والتركيز على أداء المتعلم وأهدافه، وعلى ناتج عملية التعليم والتغذية العائدة من تقويمها. وتوجد ثلاث خصائص مهمة لتربية المعلم على أساس الكفايات. الأولى: هي وجود أهداف تعليمية محدد معرفة بأسلوب إجرائي ومعروفة لدى كل من المتعلم والمعلم. والثانية: هي تحديد المسئولية، بمعنى أن المتعلم يعرف أنه مسئول عن أداء الكفايات المعينة بالمستوى المطلوب وفق المعايير المحددة. أما الثالثة: فهي خاصة ضمنية تتلعق بتفريد التعليم. بمعنى أن كل متعلم له نوع من الحق في اختيار الأهداف، وفي اختيار الأنشطة التعليمية ويسير في هذه الأنشطة بسرعته الخاصة. ولذلك فإن الوقت الذي يستغرق في تنفيذ هذه الأنشطة له دلالته. ونتيجة لهذا أمكن تحديد بعض النتائج بالنسبة لتربية المعلم على أساس الكفايات ومنها: ١- انتقال التركيز في التقويم وفي المسئولية إلى الفرد. فلم يعد تقويم الفرد منسوبًا إلى موقعه أقرانه أو إلى اختبار جمعي، ولكن يقارن أداؤه بمجموعة أهداف ومعايير خاصة به. ٢- انتقال التركيز من المعلم وعملية التعليم، إلى المتعلم وعملية التعلم.

стр. 180

٣- تطبيق تريبة المعلم على أساس الكفايات تتعلق بالتقنية، فالتقنية هي محور تفريد التعليم، إذ من خلالها فقط يستطيع المتعلم التخلص من الاعتماد الكلي أو المبالغ فيه على المعلم، ومن خلالها يمكن مد فرص التعليم للفرد وتوسيعها. ٤- استخدام أسلوب النظم, ويستخدم "أسلوب النظم" التغذية العائدة في تصميم المنظومات التدريسية الصغيرة، ويمكن اعتبار أسلوب النظم -مثله مثل التقنية- عاملًا مساندًا يزيد من فعاليات تربية المعلم على أساس الكفايات. ٧- العناية بأداء المعلم داخل حجرة الدراسة باستخدام أسلوب التعليم المصغر: يستخدم التعليم المصغر في تدريب الطلاب الذين يعدون لمهنة التعليم، كما يستخدم أيضًا في تدريب المعلمين الذين يمارسون التعليم، وتثبيت كفاءته في الحالين، كما ساعد تطبيقه على حل الكثير من مشكلات التربية العلمية التقليدية في مراحل الإعداد، وتصحيح أخطاء الممارسة في أثناء الخدمة. والتعليم المصغر لا يخرج عن كونه عينة مصغرة لتدريس واقعي يستغرق عادة ما بين عشر دقائق وثلاثين دقيقة، ويضم ما بين أربعة إلى عشرة تلاميذ. وبذلك فإن جلسة التدريس المصغر تماثل حصة الفصل العادية من جميع الجوانب، فيما عدا كل من الطول الزمني وعدد التلاميذ الذي يكون أقل كثيرًا. ويمكن تلخيص خطوات أسلوب التعليم المصغر على النحو التالي: ١- يقوم الطالب المعلم بالتعرف من المشرف على المهارة المطلوب التدريب عليها. ٢- يبدأ الطالب في التحضير للدرس موضحا الأهداف والمحتوى والطريقة. ٣- يبدأ الطالب التدريس الفعلي لعدد من زملائه. ٤- تبدأ عملية التقويم بواسطة المشرف. ٥- تبدأ التغذية الراجعة بعد انتهاء الدرس. ٦- يسمح للطالب بمراجعة درسه وإعادة تخطيطه. ٧- يبدأ الطالب في التدريس مرة أخرى على مجموعة أخرى. ٨- تبدأ التغذية الراجعة، للمرة الثانية.

стр. 181

ولقد حدثت تطورات في أسلوب التعليم المصغر نتيجة لما حدث في مجاله من تجارب وبحوث, منها: ١- أن التلاميذ الذين يتلقون التدريس من تلاميذ المدارس, وليسوا زملاء الطالب. بل إن من التوصيات المهمة أن يمثل هؤلاء التلاميذ المدارس التي سوف يقوم الطلاب بالتدريس فيها بعد التخرج. ٢- هناك من يرى أن يبدأ زمن الدرس بخمس دقائق ثم يزاد إلى عشر دقائق ثم خمس عشرة دقيقة، ويرى أن زيادة الوقت على النحو المذكور يعتبر مكافأة للطالب على نجاحه في المرحلة الأولى ذات الخمس دقائق. ويناسب تكوين المهارت، ويقرب التدريس المصغر من التدريس الفعلي. ٣- تختلف نتائج البحوبث بالنسبة لحضور المشرف في أثناء تدريس الطالب دروس التعليم المصغر. فبعضها أوصى بضرورة وجوده، وأخرى انتهت إلى أن وجوده سلبيا على أداء الطالب. ولا تزال البحوث تترى في متابعة التعليم المصغر بهدف تحسينه، بعد أن أثبت تفوقه على الأسلوب التقليدي للتربية الميدانية.. ويظل الباب مفتوحا لتحسينه وتطويره. مما سبق نلاحظ أن أهم خصائص التعليم المصغر ما يلي: ١- قصر مدة الدرس بالمقارنة بالدرس العادي. ٢- قلة عدد التلاميذ. ٣- التركيز على تعلم مهارات بذاتها. ٤- التحكم في معظم المتغيرات. ٥- معرفة النتيجة بعد الأداء مباشرة. ٦- التركيز على تنفيذ نموذج معين من التدريس، وليس تقليد مدرس معين. ٨- ظهور النموذج الإنساني في تربية المعلم: إن العصر المادي الذي نعيش فيه، وسيطرة الآلة على حياة البشر وزحف التقنية على هذه الحياة، جعل الإنسان يلهث وراء مستحدثاتها التي تمطره بوابل منها وتغرقه في مشكلاتها حتى أصبحت هي الصديق اللدود الذي لا يحبه، وفي الوقت نفسه لا يقدر على فراقه.

стр. 182

ويحاول البعض أن يعيد الإنسانية إلى الجسد الذي أزهقت منه في غمرة السعي إلى السبق الحضاري المادي والتفوق العلمي والتقني. والذي معه قذفوا بأنفسهم في هوة الخواء الروحي -وإن كان هذا التفوق لم يكن بالضرروة سببًا له- فنادوا بالمنهج الإنساني. وهدفنا هنا أن نلقي بعض الضوء على هذا المنهج وأثره على تربية المعلم. وذلك على النحو التالي: ٨-١ أهداف المنهج الإنساني وأسسه النفسية: إن أهم أهداف المنهج الإسلامي هي إمداد المتعلم بخبرات تشعره بالمكافأة الداخلية وتسهم في تحريره وتنميته. ويرى المنهج الإنساني أن التربية عملية ديناميكية شخصية ترتبط بالتنمية الذاتية، والكمال الإنساني والاستقلال الذاتي، وينبغي أن تحقق اتجاها أسلم نحو الذات والأقران والتعلم. وتحقق الذات هو في موضع القلب من هذا المنهج، فلكل متعلم ذات خاصة ينبغي اكتشافها وبناؤها وتعليمها. وطبقًا للمنهج الإنساني فإنه ينبغي أن يسمح للمتعلمين أن يعبروا، وأن ينصرفوا، وأن يجربوا، وأن يخطئوا، وأن يروا، وأن يحصلوا على التغذية العائدة, وأن يكتشفوا من هم. وعلى المنهج الإنساني أن يمدهم بالنمو المعرفي والشخصي في الوقت نفسه. ٨-٢ أثر المنهج الإنساني على تربية المعلم: غني عن القول أن أي تعديل في المناهج الدراسية يستتبعه تغيير في خبرات المعلم, بما يمكنه من استيعاب هذا التعديل بصورة تجعله قادرًا على تقديم المنهج المطور إلى طلابه, بما يحقق أهداف التعديل. وإذا كان المنهج جديدًا -كما هو الحال في المنهج الإنساني- فإن حاجة المعلم إلى هضم متطلبات تطبيق المنهج الجديد وتمثلها تكون أشد. وللمنهج الإنساني مطالب من تربية المعلم أهمها: ١- أن يحتفظ المعلم بعلاقة حميمة مع تلاميذه، وأن يطلق خيالهم بتدريسه، وأن يبتكر مواقف تتحدى تفكيرهم. ٢- أن يعتبر كل طالب قادر على التعلم، وعليه أن يجد المدخل المناسب لتعليمه.

стр. 183

٣- أن يعتبر التدريس فنا، ومن ثم ينبغي أن يجلب المسرة لتلاميذه، إلى جانب حثهم على الارتقاء والإبداع. ٤- أن تكون الثقة بينه وبين طلابه من مثيرات دوافعهم نحو التعلم، ومن أهم عوامل إيجاد هذه الثقة أن يكون المعلم مصدرًا للمعلومات الصحيحة، ومجددا في أساليبه. ٥- أن يكون قادرًا على تفريد تعليمه، ويدفع تلاميذه إلى التعليم الذاتي. ٦- أن يكون برنامج تربيته مفتوحًا ومستمرا ومتجددًا ومواكبًا لحاجات تلاميذه ومجتمعهم. ٩- التركيز على البحوث وتطبيقاتها الميدانية: في عصر العلم لا بد أن تسود لغة العلم, ولغة العلم ليست رموزًا ومعادلات ونماذج, ومنظومات وجداول فقط. ولكنها -إضافة إلى ما سبق- منهج وأسلوب وفكر واتجاه. لذلك، نجد الأمم التي أخذت بالمنهج العلمي، وثبتت على هذا الاتجاه، أسرعت الخطى وطوت مسافات شاسعة على طريق التقدم، ونجد أمما أخرى ظنت، أن المنهج العلمي مضياع للوقت ومقوق للمسيرة فأصابتها الأمية العلمية، ووقعت في غياهب الجهل في عصر المعرفة المتوقدة. والمنهج العلمي لا يتحقق إلا بالبحث العلمي، فبالبحث العلمي تضبط التوجهات وتصحح الأخطاء وتحصر التعميمات في إطارها الصحيح. وتحدد المشكلات، وتعرف الأسباب ويوصف العلاج، وتفتح آفاق التقدم. ومع سرعة الخطى أصبحت الموضوعية العلمية أساسا لكل تطوير ممكن، وما كان التفاعل اللفظي داخل حجرة الدراسة والتعليم المصغر وأسلول الكفايات وغيرها وغيرها من المستحدثات التربوية في مجال تربية المعلم أو في غيره من المجالات، إلا نتيجة للبحوث العلمية. واليوم أصبح البحث -على وجه العموم وفي المجالات التربوية على وجه الخصوص- الأساس الذي يبنى عليه اتخاذ القرار والتحسين والتطوير والبناء والتخطيط والتشخيص والعلاج و....، وبدونه لا شيء من هذا يمكن إنجازه بالصورة المطلوبة. ويمكن تلخيص أهمية البحث العلمي في تربية المعلم على النحو التالي:

стр. 184

١- أن المعلم يحتاج إلى ممارسة البحث العلمي لكي يستطيع تطوير أدائه في مهنته؛ لذلك ينبغي أن يدرس المعلم في مرحلة إعداده، مناهج البحث وأدواته، وأن يطبق ما درسه في مواقف واقعية، وأن يكون البحث علميا على البحث جزءا أساسيا في برامج تنميته، وأن يكون البحث من الممارسات المستمرة للمعلم في أثناء عمله. ٢- أن تؤسس القرارات الخاصة بالتجديد والتعديل والتحسين في نظم تربية المعلم على البحث العلمي. ولكي يسهل تطبيق هنذه البحوث، ينبغي أن يكون أصحاب القرار في تطبيقها من المتابعين لتطور مراحلها ومتعاونين في إنجازها. ٣- أن يكون من يقوم بهذه البحوث أو يشرف عليها ممن لهم خبرة بتربية المعلم. ٤- أن تتناول البحوث المشكلات الواقعية التي تواجه المعلمين سواء كانت خاصة بعملية التعليم أو بنظم تربية المعلمين. وأن تكون نتائجها قابلة للتطبيق، وأن يكون تطبيقها سهلا وواضحًا، وأن تكون منسقة فيما بينها، ومنسقة مع بحوث المجالات الأخرى، بقدر الإمكان. ١٠- اتساع قاعدة المشاركين في اتخاذ القرارات الخاصة بتربية المعلم: إن الاهتمام بقضايا التعليم -ومن أهمها تربية المعلم- لم تعد معنية بالمتخصصين في التعليم فقط، ولكن امتد الاهتمام بها إلى عامة الناس وخاصتهم من حيث إنها تعنى بتربية الأبناء في عصر يشعر الناس فيه بتعاظم الحاجة إلى التربية، وأن فهم الحياة -على وجه العموم- يتوقف على مدى ما أدرك الفرد من تعليم، وأن مشكلات العصر مثل المخدرات والتلوث البيئي والإرهاب تتطلب تعليمًا جيدًا للتعامل مع مخاطرها بذكاء، وأن سرعة إيقاع الأحداث والمنافسة الحادة على كل من مقاعد الدراسة وفرص العلم ومكان المنظمات المهنية، تحتاج -أيضًا- إلى تعليم جيد. ويعود هذا كله إلى تربية المعلم، مما جعل اتخاذ قرار بشأن هذه التربية مهمة جميع قطاعات المجتمع. يضاف إلي هذا: ١- أن التعليم أصبح عملية اجتماعية تهم المجتمع كله، وليس القائمين على التعليم فقط. ومن ثم فإن قيادات المجتمع -وبخاصة السياسيون منهم- يتطلعون إلى دور في شئونه، ولا سيما بالنسبة للمعلم.

стр. 185

٢- أن الهيئات المهنية أصبح لها متطلبات محددة في منسوبيها، وبناء عليه، فإن هذه الهيئات ترى ضرورة اشتراكها في تسيير دفة التعليم وتربية المعلم، ضمانا لتحقيق هذه المتطلبات. ٣- أن المؤسسات الإنتاجية تتطلع إلى عناصر مؤهلة أو -على الأقل- مهيأة للتأهل للعمل فيها، وأصبح هذا مبررًا لإسهام هذه المؤسسات في توجيه التعليم وتربية المعلم. ٤- أن العناية باقتصاديات التعليم أدت إلى التدقيق في مخرجاته، ومن ثم فإن دافعي الضرائب ورجال الحكم يودون الاطمئنان على الاستثمار الأمثل لما ينفق على التعليم، وبخاصة بالنسبة لتربية المعلم. ٥- أن التكامل المنشود بين مؤسسات التعليم -بما فيها مؤسسات تربية المعلم- والمؤسسات المجتمعية الأخرى، وبخاصة المؤسسات الإعلامية أوجد لقادة الجانبين اهتماما بما يجري لدى الطرف الآخر, وصولا إلى التنسيق والتكامل. ٦- أن تغير متطلبات العمالة فتح قنوات الاتصال بين رجال الأعمال ومؤسساتهم من ناحية، ومؤسسات التعليم من ناحية أخرى، مما جعل لرجال الأعمال نصيبًا مفروضًا في شئون التعليم وتربية المعلم.

стр. 186

أهم الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية ... جـ- الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية: إن أهم العوامل المعاصرة التي تؤثر في المناهج هي التقدم العلمي والتقني والتطور في الفكر التربوي عمومًا, وفي البحث العلمي والتجريب التربوي، والاتجاه إلى الدراسات المستقبلة، على وجه الخصوص؛ لذلك فإننا سوف نتناول فيما يلي الاتجاهات المعاصرة في المناهج فيما يتعلق بهذه المجالات: ١- الاتجاهات المعاصرة في المناهج فيما يتعلق بالتطور في الفكر التربوي. ٢- الاتجاهات المعاصرة في المناهج فيما يتعلق بالبحث العلمي والتجريب التربوي. ٣- الاتجاهات المعاصرة في المناهج فيما يتعلق بالدراسات المستقبلة. ١- الاتجاهات المعاصرة في المناهج فيما يتعلق بالتطور في الفكر التربوي، على وجه العموم: إن الأبحاث التربوية في مجال المناهج الدراسية كانت -بالأمس- تبحث عن إجابات مبدئية مثل: ماذا نعلم؟ وكيف نعلم؟ ومن نعلم؟ ودارت العملية

стр. 187

التعليمية حول ماذا؟ وكيف؟ ومن؟ ردحا من الزمان، إلى أن أصبحت ميول المتعلم في منتصف النصف الأول من القرن العشرين الميلادي هي الركيزة الأولى للمناهج. وظهرت بناء على هذا المفهوم مناهج النشاط التي بنيت -أساسًا- على ميول المتعلم. واستخدمت أسلوب المشكلات في التعليم. إلا أنه سرعان ما اتضحت لهذه المناهج، عيوب عدة منها: أن الميول ليست مستقرة بحيث تبنى عليها مناهج مستقرة، وأن تحديدها أمر صعب، وأن الميول التي يعبر عنها المتعلم لا تتوافق -بالضرورة- مع حقيقة قدراته. كما لوحظ أن هذه المناهج لا تقدم منظومة خبرية متصلة تتتابع وتتواصل فيها الخبرات. وتغير التركيز في أسس المناهج من الميول إلى الحاجات في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، كما تحررت طرائق التدريس هي الأخرى من البحث عن المداخل والمواقف التدريسية التي تتفق -بالضرورة- مع ميول التلاميذ ورغباتهم، وانتقلت إلى مبدأ آخر في التعليم مؤداه: أنه يكمن تعليم أية خبرة لأي فرد إذا أمكن اختيار المدخل والأسلوب المناسب لتعليمه. ويلاحظ هنا تغير كبير في تربويات التعليم، فبعد أن كانت نقطة البداية ومركز الاهتمام تتعلق بالمتعلم ورغباته، أصبحت نقطة البداية ومركز الاهتمام هي حاجة المتعلم من الخبرات, وسواء نبعت هذه الحاجة من شخصه أو من المجتمع، فإن عليه أن يكتسبها، بشرط ألا يكون في عملية التعلم قسر أو قهر له، ويوظف فيها من طرائق التعليم وأساليبه، ووسائله وتقنيته ما يجعلها مقبولة وميسورة الاكتساب، بقدر المستطاع بالنسبة للمتعلم. لذلك، أخذ البحث والتجديد التربوي يتناولان الأهداف والطرائق والأساليب المختلفة لصياغة خبرات المنهج وتنظيمها بحيث يمكن تطويعها -بقدر الإمكان- للمتعلم. فظهر التنظيم الحلزوني لخبرات المناهج الذي يمكن من معالجة خبرات الموضوع نفسه بمستويات مختلفة بحيث يعمق ويتسع في كل مستوى عن المستوى السابق له، وهذا يساعد على اتصال المتعلمبالموقف في أوقات مختلفة ومرات متعددة، فيحدث تعلم مجزأ للخبرات المراد تعلمها. بل ظهرت مناهج جديدة مثل المنهج التقني والمنهج الإنساني. وظهر أيضًا مفهوم البنية المعرفية، وهي تركيب أو نسق لبناته هي المفاهيم الأساسية، يكون إطارًا مرجعيا للتفاصيل التي يمكن أن يستنتجها المتعلم من هذا النسق، وقد أنقذ هذا المفهوم المتعلم من الغرق في تفاصيل تفكك أوصال النسق وتخفي المبادئ التي توحده.

стр. 188

"والتنظيم المبرمج للخبرات" تنظيم آخر ظهر فيما يسمى "التعليم المبرمج" ويمكن أن يوصف هذا النوع من التنظيم بأنه إعداد للمادة التعليمية في خطوات قصيرة ومتتابعة في تسلسل بحيث تقود فيه كل خطوة إلى التي تليها، وتساعد المتعلم على التعلم الذاتي، وتوفر تعزيزًا فوريا لنجاحه. أما من حيث الأهداف، فقد ظهرت فيها اهتمامات جديدة، مثل: - أن يتجه التعليم إلى تنمية مواهب الجميع إلى أقصى قدراتهم. وتحقيق ذلك الهدف يتطلب أن نعين كل الطلاب على بذل الجهد إلى آخر حدود قدراتهم. "١٠، ٢٣". - التعليم للعيش مع الآخرين، ويتطلب هذا فهمهم وفهم تاريخهم وتقاليدهم وقيمهم الروحية. - التعلم للعمل. وقد أصبح هذا يتطلب إلى جانب الإعداد لممارسة عمل معين، اكتساب المهارة في مواجهة تشكيلة من المواقف غير المتوقعة, والعمل مع فرق من الآخرين. "١٥، ٧". - التعلم لتحقيق الذات، ويتطلب هذا حتمية أن يفهم الإنسان شخصيته بصورة أفضل، وألا تترك أية موهبة مخبأة عنده دون أن تستثمر إلى أقصى حد. "١٥, ٨". - إذكاء القدرة على التخيل؛ وذلك لأن مجتمع الغد يحتاج إلى أن يسبق التخيل التقنية لكي نتجنب مزيدًا من البطالة وعدم المساواة في التنمية والعدل الاجتماعي. - العناية بكل من: "التعليم للمستقبل" و"التنمية الاقتصادية " و"المشاركة السياسية" فتحقيق هذا الثالوث هو شرط الضرورة، والتنمية الاقتصادية والمشاركة السياسية هما شرط الكفاية. "١، ١٠". ولا تزال هناك تطورات أخرى تتعلق بمفهوم طرائق التعليم ووظيفتها. فقد ظهر التأكيد على التعليم الذاتي، وعلى الوصول بالتعلم إلى الحد الأقصى، بمعنى أن فترة التعليم لم تعد محدودة بأية حدود زمنية أو مكانية، وأصبحت تشمل حياة الإنسان كلها، فما دام كان الإنسان حيا فلا ينبغي أن يتوقف عن التعلم، كما أن المدى الذي يذهب إليه التعلم ينبغي أن يصل بالمتعلم إلى الحد الأقصى من إمكاناته، أي: يستنفد جميع قدراته ومهاراته التي يمكن أن يوظفها في عملية التعلم.

стр. 189

وفي عالم سريع التغير، مليء بالأحداث، مفعم بالتطورات والمشكلات، لا بد من أن تمد التربية المتعلم بباقة متنوعة من الخيارات في التخصصات والمقررات الدراسية، لكي يتسع مدى الخبرات وتتنوع بما يقابل الفروق الفردية بين المتعلمين. بل، وأن تيسر التعلم للجميع، ليس فقط داخل المدرسة ولكن خارجها أيضًا. فهذا هو أهم ما يمكن أن تقدمه في هذا العصر السريع الخطى نحو التغيير. فإن الثورة العلمية التقنية وسيل المعلومات الهائل المتيسر الآن للإنسان. ووجود شبكات هائلة للإعلام، مع عديد من العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، قد عدلت كثيرا من صيغ وأشكال ونظم التعليم التقليدية، مظهرة ضعف بعضها وقوة البعض الآخر. كما وسعت من نطاق التعلم الذاتي، ويسر فكرة الاكتساب الواعي النشيط للمعرفة، بحيث أصبح التعليم الخاص بالصغار والشباب والكبار يستدعي وجود عدد كبير متنوع من أشكال وأنماط التعليم الخارجة عن نطاق المدرسة. وأخذت طرائق التدريس -أيضًا- طريقها للتقدم. فمن أمثلة المستحدثات فيها "التدريس بالفريق" بغية تكثيف الخبرات للمتعلم، وتوسيع نطاق التفاعل الإنساني في الموقف التعليمي، وقد ثبت من نتائج الدراسات التي أجريت في مجال تطبيق التعليم الفريقي، أن الجو الجماعي في المؤسسات التعليمية يساعد أفراد المجموعة في ترقية عواطفهم وميولهم, وتقليل التوترات والمشكلات النفسية، ويقود إلى تحسين علاقتهم بالمدرسين، وتوسع دائرة خبراتهم، وازدياد شعورهم بالمسئولية الاجتماعية. كما أن التعليم الفريقي يساعد الأفراد في التغلب على أزماتهم والصعوبات التي تواجههم. والقيام بوظائف وعمليات تعليمية لا تتاح لهم عادة في النظام التقليدي "مدرس وصف" كالاشتراك في الملاحظة العلمية والتحليل والتشخيص والتقويم. وتهدف التربية الحديثة إلى تكوين المجتمع الشامل، فإضافة إلى تكوين مجتمع يأخذ أفراده بأسباب التعلم الذاتي المستمر، فإنه يستثمر جميع فئاته استثمارًا كاملًا. فتعمل التربية على اكتشاف الموهوبين والمتفوقين وتربية العلماء والمخترعين من بيهم، كما تعمل في الوقت نفسه على توجيه المتوسطين والمعوقين والأقليات والمحرومين اقتصاديا إلى أنسب ما يمكنهم عمله. فهؤلاء من موارد المجتمع التي يقع استثمار قدراتها إلى أقصى ما تمكنها استعداداتها على عاتق المناهج. وما لم تنهض المناهج بهولاء -بصفة خاصة- يصبحون عبئًا ثقيلًا على المجتمع.

стр. 190

ولكي يتكون المجتمع المنشود، وتتاح الفرصة للأفراد بأن يعطوا جميع ما عندهم، ويستنفذوا كل ما لديهم من قدرات واستعدادات ومواهب، فإن الاتجاهات الحديثة في التعليم تقضي بأن يصل التعليم في المدرسة إلى أقصى كفاءته ويظل كذلك. كما ينبغي أن يصل التعليم خارج المدرسة قمته ويستمر عندها. ومن بين ما يحقق ذلك، أن يمتد اليوم الدراسي إلى أن يكون يومًا دراسيا كاملًا، كما يمتد العام الدراسي إلى أقصى مدى، على أن يخصص بعد ذلك أوقات للفئات الخاصة. وقد ظهر في عالم التربية والعلوم الأخرى، عدد كبير من المكتشفات والابتكارات والاختراعات تستطيع تطوير النظم التربوية، فالأبحاث الجارية في مجال دراسة الدماغ البشري وكيفية اكتساب المعرفة وتنظيمها والتقدم في نظرية المعلومات, ونتائج التجريب في علم النفس الفردي والجماعي والنماذج البنائية في العلوم بعامة وعلوم الإدارة والاقتصاد بخاصة، كلها تقدم للتربية دفعًا جديدًا نحو التطوير. ويكون في موطن القلب من هذا التغيير الالتزام بمجموعة من القيم ونظم التعلم تمكن أعضاء المجتمع أن يمدوا تفكيرهم إلى أقصى قدراتهم منذ بواكر الطفولة، وطوال فترة النضج -كبالغين- ليتعلموا أكثر كلما تغير العالم من حولهم بشكل أكبر. وتتوقف الاستفادة من هذه التطورات كلها على المناهج الدراسية؛ ذلك لأن تخطيط المناهج وتطويرها في المجتمع ينبغي أن يلاحق هذه التطورات لكي تسهم في تربية الأجيال القادرة على صياغة الحياة وفق معطيات العصر دون تجاوز لحدود المنهج الرباني. ٢- الاتجاهات المعاصرة في المناهج الدراسية فيما تتلعق بالبحث العلمي والتجريب التربوي: لم تعد شئون الأمم بعامة، وشئونها التعليمية بخاصة تخضع لاجتهادات شخصية، أو تصورات فردية أو جماعية. كما أنها لم تعد تعتمد على الحدس. وبالقطع فإنها لا تترك هكذا للصدفة أو كيفما تسيرها ردود لأفعال الآخرين من البشر أو الأمم. وإنه لمن نافلة القول أن نذكر أن منبع الأساليب والتطبيقات الحديثة، ومنصة الانطلاق نحو الآفاق الرحيبة جديد مبتكر، هو البحث العلمي والدراسات الكاشفة عن مكونات الكون التي غيبها الله عن عباده إلى حين. فالبحث العلمي أسلوب موثوق فيه لحل المشكلات التي تواجهها مختلف

стр. 191

المجتمعات، على أسس موضوعية، ومن خلاله يمكن تقديم البدائل المختلفة لحلولها، واقتراح الصيغ المتعددة لتوظيف المستجدات في هذه الحلول، وفي غيرها من ساحات التجديد والابتكار والتحديث. إضافة إلى أنه الوسيلة الموضوعية لإنتاج المعلومات والتقنية. وفي المجالات التربوية يكون البحث العلمي ضرورة لا غنى عنها؛ لأن فيه الأساس المكين لكل بنية تربوية جديدة -سواء تعلقت هذه البنية بالنظم والخطط أم بالمناهج وأساليب العمل وخطواته -ولكل تطوير في هذه البنى. بل من خلال تطبيق نتائج البحوث التربوية يتحقق لكل تطوير تربوي مقوماته الأساسية. وتتعدد أنواع البحوث التربوية بتعدد مجالاتها. فهناك بحوث الواقع التي تتناول مكونات الواقع وتحلله إلى عناصره، وتكشف عن إيجابياته وسلبياته. ولنضرب لذلك مثالًا يتعلق بتخطيط المناهج، فإذا كان هدفنا تخطيط منهج، فإنه لا بديل لنا عن بحوث كشفية تكشف واقع المجتمع والبيئة المحلية والعوامل المؤثرة فيهما. وإلى جانب أهمية البحوث العلمية في تخطيط المناهج وبنائها فإن التجريب يحتل أهمية خاصة؛ إذ بدون البحوث التجريبية لا يمكن استقصاء مختلف العوامل التي تؤثر على التطبيق العملي، وما يكتنفه من صعوبات. وعلى وجه العموم، فإن التصدي للتوجيه الشامل للنظم التربوية والخطط والمناهج نحو استيعاب المتغيرات في كل من المتعلم والمجتمع والمادة الدراسية والاتجاهات التربوية المعاصرة, لا يمكن تحقيقه بدون العمل العلمي المتجدد المستمر القائم على رؤية الواقع وحاجاته، وعلى البحث العلمي والدراسة الموضوعية، والتخطيط والتجريب قبل الانتقال إلى التطبيق والتعميم. بهذا فقط يمكن توقع فعالية المنهج, وتحسن مخرجاته, ومواكبته لمتطلبات المجتمع الشاملة, ليس فقط بالنسبة للتنمية البشرية للمحتمع، ولكن أيضًا بالنسبة لجميع جوانب العملية التعليمية. خلاصة القول، إن البحث والتجريب هما الضمان الأكيد للتحقق من بلوغ الأهداف المحددة، وهو -في الوقت نفسه- منصة لتطوير المنهج -فيما بعد- بناء على نتائج تقويم التجريب. ٣- الاتجاهات المعاصرة في المناهج فيما يتعلق بالدراسات المستقبلة: في العصر الحاضر لا يمكن إغفال التطورات المتلاحقة في مختلف المجالات, فقد أصبحت المستحدثات الجديدة -المتوقع منها وغير المتوقع- مادة أساسية في وسائل الإعلام، ولقد انتقلت حلبة السباق العلمي والتقني من الكرة الأرضية إلى

стр. 192

الكواكب الأخرى، واستحدثت علوم جديدة مثل علوم الاتصالات وعلوم البيئة، وهذه كلها تخطو الخطوات الأولى من نشأتها وتتطور -هي وغيرها- بصورة سريعة وتفعل فعلها في حياة البشر. والبقية آتية بحول الله. وفي العصر الحاضر قفزت التقنية بالعالم إلى آفاق لم تكن في الحسبان. ونضرب لهذا مثلا بالتحكم عن بعد، ومراكب الفضاء، والأقمار الصناعية والإنسان الآلي. والبقية تأتي لتسهم مع التقدم في تغيير نمط الحياة. وفي العصر الحاضر تواجه الإنسان تحديات أخلاقية، ليس فقط في التعامل اليومي فيما نشهده اليوم من غبش في العقيدة ونكوص في العبادات، وجور في المعاملات، وتفلت في الأخلاق، ولكن أيضًا فيما يتعلق بتوجيه البحث العلمي، كما في الهندسة الحيوية -على سبيل المثال- وجهة غير أخلاقية. والبقية آتية. وفي العصر الحاضر نلحظ تلوثًا للبيئة كبيرًا. ونتيجة لهذا يتسع ثقب طبقة الأوزون. ولاتساعه عواقب وخيمة من حيث التغير في مناخ الكرة الأرضية، ومن حيث ما يترتب على اتساعه من كوارث طبيعية لا قبل للإنسان بها. وقد يحدث غدًا تغيرات جديدة تضيف مخاطر جديدة لا يعلم مداها إلا الله، . وفي العصر الحاضر. نعلم أن الشتاء النووي الذي يعقب التفجير النووي، يبيد الحياة على وجه الأرض، فمن لم يمت من الأحياء بفعل التفجير، سوف يقضى عليه -إن شاء الله له هذا- بفعل الشتاء النووي. ومن ثم فإن مصير البشرية أصبح يتعلق بمن بيدهم قرار الحرب النووية من البشر بعد مشيئة الله. وفي العصر الحاضر، يتحول العالم إلى كيانات كبرى. والملاحظ في هذا الأمر أن الذي يتكتل ويتوحد في الكيانات الكبيرة التي تملك ناصية التقدم العلمي والتقني والاقتصادي، أما الكيانات الصغيرة غير القادرة فلم تجد سبيلًا إلى التوحد بعد. وجود هذه الكيانات الجديدة يزيد المسيطر سيطرة والتابع تبعية. وفي العصر الحاضر. ينقسم العالم قسمين: الأول متقدم في مختلف المجالات. والثاني مختلف في مختلف المجالات، وللتسارع في التقدم تزداد الفجوة بين القسمين. وحيث إننا ننتمي في الوقت الحاضر إلى المتخلفين. فماذا نحن فاعلون؟ إجابة مثل هذا السؤال تنتمي للمستقبل. الأمر الذي يجعل من أهداف التعليم أن يعد المتعلم للأخذ بأسباب السلوك الإيجابي هذا مع المستقبل بمعنى أن نعده لتشوف المستقبل على أساس من الماضي والحاضر. وأن يتخيل صوره المحتملة

стр. 193

انطلاقًا من معطيات الواقع المعاصر والماضي المعاش، وأن يستخدم في سبيل ذلك مختلف الأساليب العلمية للاستطلاع والتحكم والتوجيه الكمي والنوعي، وصولًا إلى تحديد ملامح المستقبل وإعداد المتعلمين للحياة فيه، وفيما يلي نحاول إلقاء بعض الضوء على أهم جوانب هذا الإعداد: ٣-١ الملامح العامة للتغيرات المستقبلة ذات الأهمية الخاصة بالنسبة لمجال التعليم، على وجه العموم: الدراسات المستقبلة امتداد للدراسات التاريخية، وهي ليست تنبؤا يقوم على الرجم بالغيب، ولكنها توقعات علمية يحتمل حدوثها من حيث كونها نتيجة منطقية لدراسة الماضي والحاضر، والتعرف على سنن الكون، إلى استشراف المستقبل وتشوفه، وصولًا إلى بلورة رؤية عنه. وهي توقعات يحتمل وقوعها استمرارًا لحركة التاريخ التي تحكم الواقع، كما أنها تتضمن بدائل وخيارات وأحلامًا نتطلع إلى تحقيقها بالفعل، ولا تغيب هنا إرادة العقل وترجيح بديل على آخر، كما لا يغيب دور الحكم عند الإنسان، والمثل العليا عند المجتمع الإنساني، ويمكن تحديد أهم ملامح التغيير المتوقعة في مجال التعليم -على وجه العموم- على النحو التالي: ١- يتوقع أن تكون المعرفة من العوامل الفارقة بشدة بين المجتمعات, فالتغيرات الهائلة التي تميز عصرنا الحالي تعرض مستقبل الإنسان للخطر: وليس ما يخشى هو مجرد انقسام العالم إلى من يملكون ومن لا يملكون، بل الاتجاه الحالي الذي تسير فيه الإنسانية نحو الانقسام إلى من يعرفون ومن لا يعرفون، ومن يتفوقون بالعلم والمعرفة ومن يتخلفون بالجهل وأمية العصر. والضرر في ذلك عميم يصيب الإنسانية جمعاء. ومن ثم فلا مناص من تربية صحيحة وحقيقية؛ لأن التربية -في هذا الحال- تصبح قدر الإنسان. ٢- اهتزاز الأخلاق والقيم: فالمجتمع الحديث يقدم أنواعًا من الأخطار والتهديدات. مثل: انعدام المسئولية الاجتماعية في المجتمعات الاستهلاكية، اهتزاز القيم بسبب مظاهر الظلم وانعدام العدالة، ثورة الشباب على النظم والمؤسسات القائمة لبعدها عن تحقيق حاجاتهم, والاستجابة لمشاعرهم, واحتجاجًا على الفقر والمرض والحروب، وفوق كل ذلك، ضد تسلط نظم الحكم. ٣- الدعوة إلى معاهدة تعليم بلا جدران بصورة قوية. فالبعض يدعو إلى إلغاء المدارس والنظم التعليمية بدل إصلاحها بدعوى أنها أصبحت

стр. 194

قديمة ومتآكلة ولم تعد تناسب طبيعة العصر، كما ينادون بنزع الصفة المؤسسية عنها، أو فتحها وإزالة جدرانها ليصبح التعليم حرا ومفتوحًا وليس حكرًا على المدارس والمعاهد والجامعات. وعلى الرغم من أن هذه الدعوة تبدو دعوة جديدة، فلا غنى للإنسان عن الدراسة المنظمة في مؤسسات تربوية متخصصة في نشر العلوم والمعارف بين الأجيال بطريقة منظمة. لذلك، فإنه يتوقع أن تظل هي العامل الحاسم في إعداد الأفراد مساهمة في تنمية مجتمعاتهم، ولتولي الأعمال والمهن المنتجة. وفي المجتمعات الحديثة تدعو الحاجة إلى التعامل مع قدر هائل من المعلومات الواردة من خلال عدد كبير من المصادر بطريقة منظمة، وبواسطة وسائل واستعدادات ومهارات دقيقة ومتخصصة، وهذا الأمر يستدعي وجود نظم للمعرفة تقوم ضمن مؤسسات تربوية وتعليمية وتدريبية، أي: وجود مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز وبحوث. ٤- تغيرات متوقعة في بنية التعليم: - يصبح تعليم ما قبل المدرسة الابتدائة جزءًا لا يتجزأ من النظام التعليمي. - تتوسع قاعدة التعليم الابتدائي ويبدأ في سن مبكرة عن ذي قبل. - يبقى التلاميذ في المدارس لفترة أطول. - يزيد بصورة مطردة عدد المسجلين في مراحل التعليم المختلفة. - يزيد عدد المنقطعين عن الدراسة، وكذلك الراسبون. ولا يتوقع أن يبقى أحد دون أن يتعلم مهارة معينة تجعله عضوًا فاعلًا في البيئة المتغيرة، وهذا ينطبق على المنقطعين والراسبين، إلا أن هؤلاء سوف يجدون ضالتهم في أنواع أخرى من التعليم المستمر، وإن لم يفعلوا فإنهم لن يجدوا مكانًا لهم مع الأسوياء. ٥- تركيز التعليم على الإنسان نفسه، وعلى التعليم المستمر. لذلك يتوقع أن تستبعد من أي برنامج تربوي أو تعليمي أو تدريبي تلك الاتجاهات التي تدعو إلى أن يكون نشر التعليم مرتبطًا -فقط- بالقدر اللازم لتوفير اليد العاملة المطلوبة، ومن ثم يعمل على تقليص النمو في التربية لأسباب اقتصادية أو ثقافية أو سياسية، فإن هدف التربية هو تمكين الإنسان من أن "يكون نفسه" ولا يجوز أن يكون هدف التربية إعداد الشباب للعمل في مهن معينة طوال حياتهم، بقدر ما يجب أن يكون تشجيع الحراك المهني والحث على السعي الدائم للتدريب والتعلم

стр. 195

المستمر. ولذلك يجب إعادة النظر في أهداف وطرائق ومضمون التربية دون التخلي عن فكرة نشر التعليم والمعرفة. ٦- التركيز على تقدم التربية وتطوير مفاهيمها. فإذا علمنا أن هذه القفزة الهائلة في دنيا العلم والمخترعات لا تزال في بدء عهدها، وإذا أدركنا أن لهذه التقنيات استعمالات سليمة نافعة، وأخرى حربية مدمرة للإنسان ومستقبله، فإن هذا المستقبل سوف يصبح من دون شك رهنا بتقدم التربية وتطوير مفاهيمها. ٧- الحاجة إلى مزيد من الترابط بين المناهج الثقافية والعلمية والإنسانية والتطبيقية. هناك اتجاه إلى تأخير عملية اختيار الطالب للتخصص في الفروع المختلفة للدراسة. كما يتوقع أن تتوسع -باستمرار- مناهج الدراسة الفنية والمهنية لمواجهة مطالب سوق العمل. ويلاحظ أن الترابط يزداد بين أنواع المناهج الثقافية والعلمية والإنسانية والتطبيقية. ٨- يتوقع اختفاء فكرة النجاح والرسوب المسيطرة على التعليم. فإن فكرة النجاح والرسوب المسيطرة على النظم التربوية في معظم بلدان العالم لم تعد تلائم عصر التغير والإنسانية العلمية والديمقراطية في التربية؛ لأن كل فرد يستطيع أن ينجح في شيء ما إذا ما أتيحت له الفرصة لذلك. وأن فكرة قياس أداء جميع الطلاب بالقياس العام نفسه لا تفيد ولا تحقق شيئًا. ولهذا فإن مفهوم النجاح والرسوب سوف يتغير بمجرد أن تصبح التربية مستمرة، وأن من يفشل في سن معينة ومستوى دراسي معين خلال فترة من فترات تعليمه، سوف يجد حتمًا فرصا أخرى ولن يقضي حياته أسيرًا لفشله. ٩- اتساع نطاق التعليم إلى خارج المدرسة، فالمتوقع أن التعليم خارج نطاق المدرسة سوف يتسع وينتشر، سواء على شكل حملات لمكافحة الأمية، أو برامج لتعليم الكبار، أو خدمات ثقافية تقدمها الجامعة، والمعاهد العليا أو خلال برامج الإعلام، أو برامج المنظمات المهنية. ١٠- يتوقع أن يصبح التخطيط التربوي أساس النظم التربوية، ومن الاتجاهات الملاحظة اليوم في عالم التربية، الارتباط بين برامج التعليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا الارتباط يتوقع له أن يكون أكثر وثوقا وأكثر تأثيرًا على النظم التربوية.

стр. 196

٣-٢ ضرورات مستقبلة في مجال التعليم في العالم العربي بخاصة: وتتلاقى مع الآراء السابقة آراء أخرى تحدد إجراءت معينة لإعداد مسرح التعليم بالعالم العربي للمستقبل، نذكر منها: ١- ضرورة وجود سياسة وطنية في تطوير التعليم؛ لأن الواقع الاجتماعي الاقتصادي التربوي له متطلبات تنبع من طبيعته. ولا يمكن أن يستمد هذا التطور جذوره من مجتمعات مختلفة عن المجتمعات العربية، ولا يمكن أن يستند إرشاد هذه السياسة بتشديد قبضته المركزية. ٢- هناك حاجة للبعد عن الإصلاحات الجزئية؛ نظرًا لضعف مردودها على العملية التعليمية، ولا تغير المواقف الرئيسية أو السلوك الأساسي في غرف التدريس. ٣- لا يمكن للمدرسة في العالم العربي أن تعمل كمدرسة مجددة إلا بإعادة تجديد البيئة التربوية، وتجسيد الأفكار الجديدة والمستحدثات في عملية التعليم والتعلم. ٤- تتعثر المدرسة في مسيرتها نحو تطوير المناهج, والتطوير التربوي بعامة إذا اصطدمت بقوانين وأنظمة ومتطلبات عفا عليها الدهر. لذلك قد يستدعي تطوير المناهج تغييرات في القوانين والأنظمة والامتحانات والسياسات المتعلقة بشئون الموظفين وإنشاء وظائف للدعم على المستوى المحلي والعربي. ٥- ينبغي إسهام أصحاب المصالح المختلفة في عملية تطوير المناهج وفتح باب الاتصال معهم، وبخاصة أولياء الأمور والمعلمين والطلاب وإدارة المدرسة والجماعات بالمحيط المحلي, بدءا بتحديد الحاجات إلى عملية التنفيذ والتقويم والمتابعة. ٦- مما يساعد في تطوير المناهج، إنشاء ما يلي على المستوى المحلي والعربي. - مراكز لإعداد المعلمين والمديرين ومراكز لتدريبهم أثناء الخدمة. - مراكز لإجراء التجارب والممارسات التجديدية وعرضها. - مراكز للبحث تسهم في إجراء البحوث وفي التقويم، واستحداث المواد التربوية الجديدة وإنتاجها في مراكز يمكن أن تخدم على مستوى العالم العربي. - شبكة منهجية متكاملة للتخطيط والتطوير والتقويم.

стр. 197

مما سبق نتبين أن الدراسات المستقبلة أصبحت هدفًا رئيسا في الحياة المعاصرة بالنسبة لجميع المجتمعات. ولكنها بالنسبة للمجتمعات المتخلفة أشد حاجة، وأكثر إلحاحًا لكي تتبين موضعها في مسيرة الأمم، وتتشوف مصيرها في خضم السباق المحموم المعاصر، وتستشرف خططها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية في ضوء الاحتمالات العلمية للمستقبل. وعالمنا الإسلامي بعامة والعربي بخاصة في حاجة -اليوم- إلى هذه الدراسات أكثر من أي وقت مضى، إذ يبدو أن الكيانات الكبرى التي بدأت تتكون من حوله، أصبحت تتمتع بالقوة الشاملة تربويا واقتصاديا وعلميا وعسكريا، وما لم تحقق بلادنا هذه القوة فإنها ستظل سوقًا لغيرها ومطمعًا لهم. وفي المجال التربوي على وجه الخصوص، تكون الدراسات المستقبلة المستندة على واقع الأمة، وهي أساس التخطيط التربوي عمومًا، وتخطيط المناهج خصوصًا. فلم يعد المعنيون بالتربية يتساءلون عن حاجات الفرد اليوم، ولكنهم يتساءلون عن حاجات الفرد والمجتمع في القريب العاجل والبعيد الآجل، ومن هنا ينطلقون إلى اختيار الخبرات التربوية. ومن بين ما يمكن أن تتصدى له المناهج في هذا الصدد تنمية طرق التفكير العلمي، وأسلوب حل المشكلات، ودراسة الاحتمالات، والسلاسل الزمنية، ولكن الأهم من الجميع هو وجود الدراسات المستقبلة في المناهج الدراسية. فقد ظهر نوع من المناهج حديثًا يمكن تسميته "منهج المستقبل" ينبع من خيارات حرة في عالم المستقبل تعتمد على دراسة الاتجاهات الحالية، وتقدير الآثار الاجتماعية المترتبة عليها، ومحاولة تحقيق مستقبل جيد بناء عليها, ويرى بعض المؤيدين لهذا المنهج أنه ينبغي "تخطيط المستقبل" وليس" التخطيط للمستقبل" هذا، يسهم في تمكين العالم الإسلامي من أن يدرك ركب التقدم المعاصر، بحول الله.

стр. 198

خاتمة الفصل السادس: في هذا الفصل: حاولنا باختصار تحديد أهم الاتجاهات التربوية الحديثة التي نرى أن تكون من بين أسس تخطيط المناهج، ولقد بدأنا بتحديد أهم الاتجاهات العالمية المعاصرة، نظرًا لما لها من تأثير بالغ على الاتجاهات التربوية المعاصرة. ورغم أن ما يعنينا هنا -بالدرجة الأولى- هو الاتجاهات التربوية المعاصرة في المناهج الدراسية. فقد حاولنا أن نحدد بعض الاتجاهات المعاصرة في كل من سياسة التعليم وتربية المعلم لما لهما من أثر على المناهج, فالأولى هي قاعدة انطلاق جميع النظم التربوية، ومنها المناهج والثانية تتعلق بأهم العناصر القائمة على تنفيذ المناهج. أما بالنسبة للمناهج فقد تناولنا تحديد أهم الاتجاهات المعاصرة، في مجالات ثلاثة هي: الفكري التربوي، والبحث العلمي والتجريب التربوي، والدراسات المستقبلة.

стр. 199

أهم مصادر الفصل السادس: ١- إبراهيم، سعد الدين "محرر". تعليم الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين. عمان ١٢-١٤/ ٥/ ١٩٩٠م. مسودة التقرير التلخيصي لمشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي "الكارثة والأمل". ٢- الديب، بدر "مترجم". آليات التخطيط الشامل للإصلاح التعليمي "وثيقة تعليمية من الولايات المتحدة الأمريكية: "الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، ١٤١٢هـ-١٩٩١م. ٣- الخميسي, السيد سلامة: التربية وتحديث الإنسان العربي. القاهرة: عالم الكتب، ١٩٨٨م. ٤- رضا، محمد جواد: سياسات التعليم في الخليج العربي، مشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي "ط١". عمان: منتدى الفكر العربي، ١٩٨٩م. ٥- سرور، أحمد فتحي: استراتيجية تطوير التعليم في مصر. القاهرة: وزارة التربية والتعليم ١٩٨٧م. ٦- شوق، محمود أحمد: تطوير المناهج الدراسية "ط١" الرياض: دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٦هـ-١٩٩٥م. ٧- شوق، محمود أحمد: "اقتراح بنظام للدراسة بالجامعة الإسلامية" بحوث مؤتمر دور الجامعات الإسلامية في تكوين الدعاة, وندوة التنسيق بين كليات الشريعة "ج٣". الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب الرئيس. ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.

стр. 200

٨- شوق، محمود أحمد، ومحمد مالك محمد سعيد: تربية المعلم للقرن الحادي والعشرين "ط١". الرياض: مكتبة العبيكان. ١٤١٦هـ-١٩٩٥م. ٩- طه، حسين جميل: ويوسف عبد المعطي "عرض وتلخيص". تعلم لتكون، عالم التربية اليوم وغدًا، "تقرير اللجنة الدولية لليونسكو". الكويت: مكتبة الفلاح، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م. ١٠- عبد المعطي، يوسف "مترجم". أمة معرضة للخطر, حول حتمية إصلاح التعليم "تقرير لجنة دراسة وسائل تحقيق التفوق والسبق في التعليم في الولايات المتحد الأمريكية"، الرياض مكتب التربية العربي لدول الخليج، ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م. ١١- علي، سعيد إسماعيل: الأمن التربوي العربي "ط١" القاهرة: عالم الكتب، ١٩٨٩. ١٢- هلال، علي الدين: "آفاق المستقبل وتطوير التعليم" مستقبل النظام العالمي وتجارب تطوير التعليم "تحرير سعد الدين إبراهيم وآخرين". عمان: منتدى الفكر العربي، ١٩٨٩م. ١٣- "التحديات العلمية والتقنية وآثارها المستقبلية", تقرير لجنة التحديات العلمية والتقنية، القاهرة: رابطة الجامعات الإسلامية، ١٩٩٦م. ١٤- تقرير اللجنة المعنية بالثقافة والتنمية، تنوعنا الإبداعي "طبعة موجزة اليونسكو، ١٩٩٥م. ١٥ - International Commission on Education for the Twenty First Century Report of the Commission, Preliminary Synthesis UNESCO. Paris, October, ١٩٩٥.

стр. 201

خاتمة الباب الثاني: في هذا الباب: عالج المؤلف أهم الأسس العامة لاختيار خبرات المناهج وتنظيمها، وهي خصائص التربية الإسلامية، وخصائص العلم، والتوجيه الإسلامي للعلوم، ثم التطورات التربوية المعاصرة في المناهج الدراسية. ويرى المؤلف أن هذه الأسس هي المنطلق الذي ينبغي أن ينطلق منه اختيار خبرات المناهج الدراسية وتنظيمها. بمعنى أن جميع الخبرات التي يختارها مخططو المناهج ينبغي أن تحقق خصائص كل من التربية الإسلامية, وتنسجم مع نظرة الإسلام للعلم وتحقيق التوجيه الإسلامي للعلوم، كما ينبغي أن تواكب التطورات التربوية الحديثة في المناهج الدراسية. وكذلك الأمر بالنسبة لتنظيم هذه الخبرات. وكما يتضح من الشكل، فإن المؤلف قد حدد للتربية الإسلامية خصائص أهمها: أنها ربانية المصدر، عالمية الغاية، يشمل أثرها الحياتين الدنيا والآخرة، كما يشمل جميع شئون حياة الإنسان فردا وجماعة ومؤسسات ونظما ومجتمعات وغيرها. في توازن واعتدال، ولهذه التربية أصول ثابتة لا تتغير وفق الزمان والمكان والظروف البيئية، كما أن لها تطبيقات تتغير وفق المتغيرات المحيطة. وبالنسبة للعلم، تناول المؤلف بعض خصائصه المهمة، مثل: أنه كله من عند الله، وأنه لا ينفد، وأن منه ما هو من الوحي ومنه ما هو مكتسب بواسطة الإنسان، وأن غاية اكتسابه هي تطبيقه في الحياة، وأن طالب العلم الذي يجتهد في اكتساب العلم وفي تطبيقه وفق منهج الله يكون مكرما عند الله ، وأن حقائق العلم اليقينية لا تتعارض مع الحقائق الكونية. وبالنسبة للتوجيه الإسلامي للعلوم، قد بين المؤلف الدوافع التي تدعو للأخذ بهذا التوجيه، كما بين مفهومه وأسسه ومنهجه ومعقوقاته. أما بالنسبة للاتجاهات التربوية المعاصرة، فإن المؤلف لم يعتبرها مصدرًا لخبرات المناهج الدراسية، كما يذهب معظم الكاتبين؛ لأنه -يرى أن- صلتها بالمناهج صلة إرشادية تطويرية وليست مصدرية. وبناء على هذه الرؤية. قد حصر هذه الاتجاهات في العناية بتطبيق التقنية في مجال التربية والتعليم، ومتابعة الاتجاهات الحديثة في المناهج بخاصة وفي التربية بعامة, وتأكيدا على أهمية ثقافة المجتمع يرى المؤلف أن من بين الاتجاهات التربوية التي ينبغي الأخذ بها في الوقت الحاضر: تحقيق التربية الإسلامية، والعناية باللغة العربية وبالثقافة الإسلامية.

стр. 202

ويرى المؤلف أن أية خبرات تخالف هذه الأسس ينبغي أن تستبعد من دائرة اختيار خبرات المنهج الدراسي. وهذا يعني أنه عندما يختار مخططو المناهج خبرات المنهج الدراسي أو ينظموها يسألون أنفسهم أربعة أسئلة عن هذه الخبرات، هي: - هل تحقق خصائص التربية الإسلامية؟ - هل تحقق خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي؟ - هل تحقق متطلبات التوجيه الإسلامي للعلوم؟ - هل تواكب التطورات التربوية المعاصرة في مجال المناهج الدراسية؟ وفي حال إجابة كل من الأسئلة السابقة بالإيجاب، يتم اختيار الخبرات ويتم تنظيمها في صورة منهج دراسي. وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن هذه الخبرات تستبعد من الاختيار ومن ثم التنظيم. كما يرى المؤلف أن ما تعانيه المناهج الدراسية -اليوم- في معظم البلدان الإسلامية من تلوث ثقافي وتشوه فكري وانحراف تربوي، إنما يعود -بالدرجة الأولى- إلى عدم الأخذ بهذه الأسس عند اختيار خبرات المناهج الدراسية وعند تنظيمها. الأمر الذي أضعف هويتها الإسلامية، وأخذت تغرف من منابع فكرية غربية عن ثقافة المجتمع, بل مناهض لهذه الثقافة. فنقلت مناهج دراسية عن الغرب -بالدرجة الأولى- رغبة في تحقيق التقدم الذي حدث فيه. ونسي هؤلاء أن التربية عملية مجتمعية لا بد من أن تنبع من عقيدة المجتمع وقيمه. وتراعي طبيعة الحياة فيه وصولًا إلى تقوية بنيته والانطلاق به نحو التقدم. فكانوا بهذا النقل كمن حاول غرس نبات في تربة غير صالحة لغرسه، فأهلك النبات وأفسد التربة. بناء على ما سبق، فإن من أهم أساليب تصحيح مسار هذه المناهج مراعاة الأسس التي أوردها المؤلف في هذا الباب عند اختيار خبرات هذه المناهج وعند تنظيمها. أما مصادر هذه الخبرات فسوف يقدمها المؤلف في الباب التالي، بمشيئة الله تعالى.

стр. 203

الباب الثالث: مصادر خبرات المنهج الدراسي مقدمة الباب الثالث: تناول المؤلف في الباب الثاني أهم الأسس العامة التي ينبغي مراعاتها عند اختيار خبرات المنهج الدراسي وتنظيمها. والتي تستبعد جميع الخبرات التي لا تتفق معها. ويتناول المؤلف في هذا الباب المصادر التي يتخير مخططو المناهج هذه الخبرات، وهي ثلاثة مصادر: الأول: المتعلم, العنصر المستهدف بالتنمية والتوجيه، والذي تدور حوله عملية التعليم والتعلم، والذي تقوم هذه العملية بناء على مدى إحداث التغيير المطلوب في سلوكه، وبناء على تنميته إلى أقصى ما يمكن. وتكون هذه التنمية، تنمية شاملة لجميع جوانب شخصيته، روحيا وجسميا وعقليا ونفسيا واجتماعيا. ولا تؤتي هذه التنمية أكلها ما لم تراع طبيعة المتعلم, وتكوين شخصيته, ووظيفته في الحياة, وخصائص المراحل المختلفة لنموه. ولا تكون هذه التنمية مطلقة بدون قيود، إذ للجميع مطالب بالنسبة للأفراد الذين يعيشون فيه. فالعقيدة السائدة في المجتمع والقيم التي توجه الحياة فيه، والمهارات اللازمة لدفع عجلة تقدمه، والمؤسسات الفاعلة في حراكه مثل: الأسرة والمسجد والنوادي والمؤسسات الإعلامية وغيرها، جميعها لها مطالب في هذه التنمية، ومن ثم تتفاعل معها أخذًا وعطاء. ولذلك فإن المجتمع بما فيه من مقومات تحفظ بنيانه من التفكك, وما يحوي من ثروات طبيعية تحتاج إلى استثمار رشيد، وما يتطلبه هذا من مهارات وغير ذلك من مطالب تشكل المصدر الثاني لخبرات المناهج الدراسية. أما المصدر الثالث: فهو المجال الدراسي. فلكل مجال دراسي طبيعته وبنيته وفروعه وتطبيقاته. فمثلًا، تختلف اللغة العربية في الكيمياء وكلتاهما تختلفان عن الاجتماع. لذلك، فإن خصائص المجال الدراسي وتطبيقاته داخل المدرسة وخارجها، من المصادر الأساسية لخبرات المناهج الدراسية، وكذلك الأمر بالنسبة للثقافة العلمية، والتقنية التي أصبحت ضرورة حياة في الوقت الحاضر. هذه المصادر الثلاثة هي مجال الاهتمام في هذا الباب, على النحو التالي. الفصل السابع: أهم الخصائص المتعلم. الفصل الثامن: أهم خصائص المجتمع. الفصل التاسع: المجال الدراسي والثقافة العلمية والتقنية.

стр. 204

الفصل السابع: أهم خصائص المتعلم مقدمة الفصل السابع ... مقدمة الفصل السابع: لقد خلق الله ﵎ الإنسان، وأودع فيه خصائص معينة تتكامل فيما بينها لتحقق له السيادة على بقية المخلوقات، وتساعده على أداء وظيفته التي كلفه الله بها في الحياة، وكما يتضح من شكل "١" فإن طبيعة الإنسان وتكوينه ومراحل نموه تؤثر في بعضها البعض كما تؤثر جميعها في وظيفة الإنسان في الحياة. وفي هذا الفصل، نعالج كلا من طبيعة الإنسان "المتعلم" وجوانب شخصيته ووظيفته ومراحل نموه، على النحو التالي: شكل "١" أهم مقومات شخصية الإنسان. أولًا: أهم جوانب طبيعة المتعلم. ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم. ثالثًا: وظيفة المتعلم في الحياة. رابعًا: أهم مراحل نمو المتعلم.

стр. 205

أولًا: أهم جوانب طبيعة المتعلم شكل "٢" أهم جوانب طبيعة المتعلم. كما يتضح من الشكل فإن من أهم جوانب طبيعة المتعلم ما يلي: أ- أنه مخلوق من تراب: أول جانب من جوانب طبيعة الإنسان أن الله قد خلقه من تراب. فقد خلق الله الناس جميعا أميرهم وغنيهم وفقيرهم، وأسودهم وأبيضهم وطويلهم وقصيرهم وقويهم وضعيفهم وذكرهم وأنثاهم، من تراب. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر: ٦٧] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] . وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] . وأطوار خلق هؤلاء جميعا واحدة، لا تبديل فيها ولا اختلاف.

стр. 206

قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤] . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [غافر: ٦٧] . ب- فطر الله الإنسان على التوحيد: الجانب الثاني من جوانب طبيعة الإنسان أن الإنسان مفطور على التوحيد، فهو بفطرته يؤمن بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس له كفوا أحد. قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١] . وقال تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ . [الزخرف: ٢٧] . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"؟. ويكمن فهم الفطرة على أنها حالة من السلامة والخير والحنيفية التي إذا ما تركت وشأنها فإنها تصل بصاحبها إلى معرفة الحق ﵎، والوقوف على وحدانيته، ومن ثم إفراده بالعبادة، كما تقود صاحبها إلى كل ما جاء به الدين

стр. 207

الحنيف ... ، ويأتي الدين الحنيف ليثبتها ويقويها ويوصلها إلى غاياتها الخيرة التي أودعها الخالق ﵎ فيها "٢٢، ٤٠". وعقيدة التوحيد التي أساسها العبودية الخالصة لله وحده، هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، نجد هذا في قول الحق ﵎: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] . ويوضح محمد شديد أن الفطرة حاجة أساسية من حاجات الإنسان, لا يمكن أن تتوازن شخصية الإنسان إلا بالوفاء بمتطلباتها. وذلك في قوله: العقيدة في الله ليست ترفًا في التفكير، ولا نافلة للنفس، ولا حاشية على هامش الحياة، ولا مظهرًا من مظاهر الخوف أو الضعف، وإنما هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وحاجة ملحة للنفس والروح، فإذا تركت ولدت فراغًا في النفس لا يملأ، وجوعة في الروح لا تسد, وخرابًا في الضمير لا يعمر. جـ- الإنسان لديه استعداد لكل من الخير والشر: الجانب الثالث من جوانب طبيعة الإنسان أن لديه استعداد للخير والشر، فقد وردت آيات كثيرة عن صفات الخير فيه وعن قدرته على فعل الخير، قال الحق ﵎: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين﴾ [القصص: ٢٦] . ورغم أن الإنسان مفطور على التوحيد ولديه استعداد للخير، فإن لديه استعدادا لفعل الشر أيضًا، وقد بين الحق ﵎ هذا في الذكر الحكيم في مواضع كثيرة، في مثل قوله تعالى:

стр. 208

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] . وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . وقوله تعالى: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] . د- الإنسان مكرم عند الله: الجانب الرابع من جوانب طبيعة الإنسان أن الله قد كرمه على سائر المخلوقات، وخلقه في أحسن تقويم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . ومن دلائل تكريم الله للإنسان أن جعل الملائكة تسجد له: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١, ٧٢] . ومن دلائل تكريم الله للإنسان أن خصه باللسان والبيان: قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨-١٠] . وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] .

стр. 209

ومن دلائل تكريم الله للإنسان أن استخلفه في الأرض استخلافًا عاما يشمل الأرض كلها، بما فيها من أحياء وجوامد على سطحها وما في بطنها. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [فاطر: ٣٩] . ومن دلائل تكريم الله للإنسان أن سخر له جميع ما في الأرض وما في السموات. فلقد سخر الله للإنسان جميع مخلوقاته. فالشمس والقمر والنجوم والنبات والطير والحيوان والجماد جميعًا مسخرة لخدمة الإنسان، بل إن دورة الحياة في الكون وتكامل عناصرها -مع اختلاف هذه العناصر- نظمها الله في نسق يساعد على تسخيرها للإنسان. فعلى الماء تتوقف الحياة كلها، وعلى النبات تتوقف حياة الحيوان والطير، وعلى الحيوان والنبات والطير تتوقف حياة الإنسان. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] .

стр. 210

وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . هـ- جعل الله حياة الإنسان موقوتة وخلقه من جنسين فقط: الجانب الخامس لطبيعة الإنسان هو أن حياته موقوتة، فحتى لا يقود الاستخلاف والتسخير إلى حالة من الرغبة في الدنيا والسعي من أجلها والغفلة عن الآخرة، فإن مشيئة الله جعلت هذا كله لأجل مسمى بالنسبة للإنسان. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٢] . وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] . والإنسان الذي خلقه الله وكرمه، وميزه على سائر مخلوقاته، الإنسان الذي علمه الأسماء كلها واستخلفه في الأرض، الإنسان الذي أقامه على قدمين ووهبه البيان هو الإنسان من الجنسين: الإنسان الذكر والإنسان الأنثى، خلقهما الله من نفس واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاْ﴾ [النساء: ١] . وجعل المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض, وكلفهما معا بطاعة الله ورسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة والزكاة، وخاطبهما معًا ووعدهما بالرحمة والمغفرة، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] .

стр. 211

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . وهكذا نرى أن الإسلام قد جعل من الرجل والمرأة عنصرين متكافئين في كثير من الأمور، فكلاهما مكلف، وكلاهما مأجور على عمله الصالح، وكلاهما عضو نشيط في الحياة يسعى طاعة لربه. والإنسان مخير فيما يمكنه الاختيار فيه، ومسئول عن اختياره: والجانب السادس من جوانب طبيعة الإنسان أنه مخير فيما يقع في حدود قدرته، ومسئول عن اختياره. فلقد خلق الله ﵎ الإنسان، وميزه عن جميع خلقه بالعقل. وبناء على نعمة العقل، سخر له جميع المخلوقات الأخرى من الحيوان والنبات والجماد. ولا شك أن العقل هو مناط التكليف، والمقياس الذي يميز به الإنسان بين مختلف الأمور التي تعرض له في حياته. وبهذا العقل أصبح الإنسان مؤهلًا لاستقبال الرسالات، وأصبح مسئولًا عن قراره بالنسبة لهذه الرسالات؛ لذلك قال الحق ﵎: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . وفي "صفوة التفاسير"، نجد تفسير هذه الآية على النحو التالي: أي: يناله طريقا الخير والشر، والهدى والضلال؛ ليسلك طريق السعادة ويتجنب طريق الشقاوة. وهكذا يتضح أن الإنسان مؤهل للاختيار بين طريقي الخير والشر، بدليل أن خالقه، قد أعطاه فرصة هذا الاختيار بما أهله به لذلك، وليس هذا فحسب، فإنه سوف يحاسبه على هذا الاختيار، وعدل الخالق لا يمكن أن يقضي بمحاسبة الإنسان على فعل هو ليس مسؤلا عنه, بدليل أنه رفع التكليف عن الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق. مما سبق نستطيع أن نستنتج أن الاختيار بالنسبة للإنسان يقتضي توافر شروط منها:

стр. 212

أن يكون الإنسان ذا عقل ناضج، وأن يكون أمامه بدائل يختار من بينها، وأن يكون الموقف مهيأ لتنفيذ قرار الاختيار بعد اتخاذه. وفي ذلك يقول الشيخ الشعراوي: " ... إذن، ففي المنطقة التي يعرض فيها الفعل على العقل، يفعل أو لا يفعل, فتلك هي المنطقة التي يوجد فيها الاختيار، وهي منطقة التكليف من الله". ويضيف قوله: "إذن، فربط التكليف بالعقل وجودًا ونضجًا يدل عى أن مهمة التكليف هي في الأمر الاختياري الذي يجد الإنسان فيه بديلان: "يفعل" أو "لا يفعل" "٦، ٢١٣". فالإنسان بما وهبه الله من قدرة على التفكير، وقنوات الاتصال بالعالم من حوله وبصيرة ينفذ بها إلى كبد الحقيقة، يستطيع أن يختار بين الخير والشر، وبين أن يفعل أيهما في وقت ما أو مكان ما، أو لا يفعل. فمثلًا، يختار من بين أنواع الطعام والشراب واللباس، ويختار من مساقات التعليم وأنواعه، ويختر من بين الوظائف، ويختار من بين النساء زوجة, ويختار من بين الرجال صديقا, ويختار من بين المساكن سكنًا. وهناك أمور أخرى لا خيرة للإنسان فيها، فهو بالنسبة لها مسير. فالإنسان لا يستطيع أن يختار تاريخ ولادته أو وفاته، ولا يختار المثول لعذاب القبر أو أن يتجاوزه، ولا أن يدخل الجنة وهو يعمل عمل أهل النار، ولا أن يختار لنفسه لنفسه درجة للحرارة معينة، ولا عددًا معينا لضربات قلبه، ولا يستطيع أن يغير من عدد آذانه أو عيونه أو أنوفه أو ألسنته. كما أنه لا يستطيع أن يختار أمه أو أباه أو أخاه أو أخته، ولا بقية أصلابه أو أرحامه. فهذه الأمور جميعها لا سبيل للإنسان أن يختار فيها، فمنها ما هو فوق قدرة الإنسان مثل عذاب القبر وتاريخ الوفاة. ومنها ما هو من الأنساق الحيوية التي خلقها الله في توازن وتكامل يسهم في استمرار الحياة، ومن ثم أخرجها عن نطاق اختياره، بل إن تدخل الإنسان فيها يكون بهدف تثبيتها على النسق الذي خلقها الله عليه، مثل درجة الحرارة ودقات القلب وعمل كل من الجهاز الهضمي والجهاز العصبي وبقية أجهزة جسم الإنسان، ومنها ما لا تستقر حياة الفرد والمجتمع إلا باستقراره مثل اختيار الأصلاب والأرحام. ولكن توجد درجة من الحرية لاختيار الإنسان تتعلق بما هو مسير فيه. فمثلًا إن كان الإنسان لا خيار له بالنسبة لفترة حياته فهو مخير في أن يعمل خيرًا أو شرا

стр. 213

ومسئول عن عمره فيما أفناه، وإن كان الإنسان لا خيار له بالنسبة لعدد عينيه أو أذنيه وأنفه ولسانه، فإن له خيارًا في استخدامها في الخير أو الشر، وإن لم يكن له خيار في لون جسمه أو حجمه فإنه مخير في أن يرضى بما هو عليه أو يقنط. وإن لم يكن له خيار في أصلابه وأرحامه فإنه مخير في أن يصلهم أو يقطعهم. وهذه مجرد أمثلة توضح أنه فيما يتعلق بالأمور التي يسير فيها الإنسان توجد مواقف له فيها الخيرة؛ لأنه يستطيع أن يقرر في حدود قدرته العقلية أن يختار بشأنها بين فعل أو آخر. نستطيع -إذن- أن نستنتج أن الإنسان مخير فيما هو مؤهل لاتخاذ قرار راشد بشأنه، ومسير فيما لا علم له به ولا قدرة له عليه، وليس في صالحه ولا صلاح الأمة أن يقدر عليه. بل إن ترك تسييره لمبدع الكون وخالقه هو الأصلح للفرد وللأمة وللناس أجمعين. ولقد حاولنا أن نبين -فيما سبق- أهم جوانب طبيعة المتعلم التي خلقه الله عليها. ويعرف المتخصصون في التربية أن طبيعة المتعلم هي الأساس الأول في الانطلاق به نحو عملية التعليم والتعلم. ومن ثم فإن العلم بهذه الجوانب -وفق التوجيه الإسلامي- هو حجر الزاوية في تربية المتعلم تربية إسلامية. ولذلك، فإن الكاتب جعلها من المصادر المهمة لخبرات المنهج الدراسي. بمعنى أن مخططي المناهج ينبغي أن يختاروا خبرات المناهج الدراسية بحيث تتوافق مع هذه الطبيعة وتتخذ منها منطلقًا لتنمية شخصية المتعلم، وبحيث يجعلونها أساسا لتنظيم هذه الخبرات.

стр. 214

ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم من أهم مكونات شخصية الإنسان الروح والجسم والعقل والنفس. وتمثل الروح جوهر صلة الإنسان السوية بخالقه. ولا يعلم كنهها إلا خالقها ، ويمثل العقل مركز التغذيؤ الفكرية والمعرفية ومنطلق الإنسان للكشف عن كوامن الكون. وتمثل النفس المجال الوجداني في الإنسان، ويمثل الجسم مركز الحركة والطاقة، ويحوي قنوات الاتصال بالعالم الخارجي. ولا يمكن النظر إلى هذه المكونات كل في معزل عن الآخر فهي منظومة متفاعلة عناصرها مع بعضها البعض ويؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به، كما يتضح من شكل "٣".

стр. 215

شكل "٣" أهم مكونات الإنسان. وإذا استعرضنا آراء بعض الكاتبين المسلمين في تكوين الإنسان، نجد الأستاذ المبارك يرى أن الإنسان يتكون من ثلاثة عناصر هي: الجسم والعقل والروح. فيقول: الإنسان الكامل هو من نمت فيه العناصر الثلاثة مع ترتيبها في الأهمية، فالروح أعلى من العقل، والعقل أعلى من الجسم. لذلك فالجسم خادم للعقل، والعقل خادم للروح، فالروح هي التي تؤمن الأخلاق والصلة بالله، والعقل هو الذي يؤمن صلتنا بالأشياء، فهذا ضار وهذا سام، ... وهذا لا يكفي؛ لأنك قد تستعمل السام لنفسك ولغيرك، أما الروح -وهي الصلة الربانية- فهي التي تمنعك "١٤، ٢٦٢". ومن دراستنا لوظائف الأعضاء نجد أن العقل هو الذي يترجم الإشارات من الحواس -وهي من المكونات الجسمية- إلى أفعال. وقد يكون نزوع الأفعال إلى الخير أو النشر، طبقًا لتوجيه النفس التي ألهمها الله فجورها وتقواها، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧, ٨] . ويوضح لنا القرآن الكريم أن النفس المطمئنة هي التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧-٣٠] .
следующие страницы →