وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
وهكذا نرى أن الإسلام قد جعل من الرجل والمرأة عنصرين متكافئين في كثير من الأمور، فكلاهما مكلف، وكلاهما مأجور على عمله الصالح، وكلاهما عضو نشيط في الحياة يسعى طاعة لربه.
والإنسان مخير فيما يمكنه الاختيار فيه، ومسئول عن اختياره:
والجانب السادس من جوانب طبيعة الإنسان أنه مخير فيما يقع في حدود قدرته، ومسئول عن اختياره. فلقد خلق الله ﵎ الإنسان، وميزه عن جميع خلقه بالعقل. وبناء على نعمة العقل، سخر له جميع المخلوقات الأخرى من الحيوان والنبات والجماد. ولا شك أن العقل هو مناط التكليف، والمقياس الذي يميز به الإنسان بين مختلف الأمور التي تعرض له في حياته. وبهذا العقل أصبح الإنسان مؤهلًا لاستقبال الرسالات، وأصبح مسئولًا عن قراره بالنسبة لهذه الرسالات؛ لذلك قال الحق ﵎: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] .
وفي "صفوة التفاسير"، نجد تفسير هذه الآية على النحو التالي:
أي: يناله طريقا الخير والشر، والهدى والضلال؛ ليسلك طريق السعادة ويتجنب طريق الشقاوة.
وهكذا يتضح أن الإنسان مؤهل للاختيار بين طريقي الخير والشر، بدليل أن خالقه، قد أعطاه فرصة هذا الاختيار بما أهله به لذلك، وليس هذا فحسب، فإنه سوف يحاسبه على هذا الاختيار، وعدل الخالق لا يمكن أن يقضي بمحاسبة الإنسان على فعل هو ليس مسؤلا عنه, بدليل أنه رفع التكليف عن الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق.
مما سبق نستطيع أن نستنتج أن الاختيار بالنسبة للإنسان يقتضي توافر شروط منها:
стр. 212
أن يكون الإنسان ذا عقل ناضج، وأن يكون أمامه بدائل يختار من بينها، وأن يكون الموقف مهيأ لتنفيذ قرار الاختيار بعد اتخاذه. وفي ذلك يقول الشيخ الشعراوي:
" ... إذن، ففي المنطقة التي يعرض فيها الفعل على العقل، يفعل أو لا يفعل, فتلك هي المنطقة التي يوجد فيها الاختيار، وهي منطقة التكليف من الله".
ويضيف قوله:
"إذن، فربط التكليف بالعقل وجودًا ونضجًا يدل عى أن مهمة التكليف هي في الأمر الاختياري الذي يجد الإنسان فيه بديلان: "يفعل" أو "لا يفعل" "٦، ٢١٣".
فالإنسان بما وهبه الله من قدرة على التفكير، وقنوات الاتصال بالعالم من حوله وبصيرة ينفذ بها إلى كبد الحقيقة، يستطيع أن يختار بين الخير والشر، وبين أن يفعل أيهما في وقت ما أو مكان ما، أو لا يفعل. فمثلًا، يختار من بين أنواع الطعام والشراب واللباس، ويختار من مساقات التعليم وأنواعه، ويختر من بين الوظائف، ويختار من بين النساء زوجة, ويختار من بين الرجال صديقا, ويختار من بين المساكن سكنًا.
وهناك أمور أخرى لا خيرة للإنسان فيها، فهو بالنسبة لها مسير. فالإنسان لا يستطيع أن يختار تاريخ ولادته أو وفاته، ولا يختار المثول لعذاب القبر أو أن يتجاوزه، ولا أن يدخل الجنة وهو يعمل عمل أهل النار، ولا أن يختار لنفسه لنفسه درجة للحرارة معينة، ولا عددًا معينا لضربات قلبه، ولا يستطيع أن يغير من عدد آذانه أو عيونه أو أنوفه أو ألسنته. كما أنه لا يستطيع أن يختار أمه أو أباه أو أخاه أو أخته، ولا بقية أصلابه أو أرحامه. فهذه الأمور جميعها لا سبيل للإنسان أن يختار فيها، فمنها ما هو فوق قدرة الإنسان مثل عذاب القبر وتاريخ الوفاة. ومنها ما هو من الأنساق الحيوية التي خلقها الله في توازن وتكامل يسهم في استمرار الحياة، ومن ثم أخرجها عن نطاق اختياره، بل إن تدخل الإنسان فيها يكون بهدف تثبيتها على النسق الذي خلقها الله عليه، مثل درجة الحرارة ودقات القلب وعمل كل من الجهاز الهضمي والجهاز العصبي وبقية أجهزة جسم الإنسان، ومنها ما لا تستقر حياة الفرد والمجتمع إلا باستقراره مثل اختيار الأصلاب والأرحام.
ولكن توجد درجة من الحرية لاختيار الإنسان تتعلق بما هو مسير فيه. فمثلًا إن كان الإنسان لا خيار له بالنسبة لفترة حياته فهو مخير في أن يعمل خيرًا أو شرا
стр. 213
ومسئول عن عمره فيما أفناه، وإن كان الإنسان لا خيار له بالنسبة لعدد عينيه أو أذنيه وأنفه ولسانه، فإن له خيارًا في استخدامها في الخير أو الشر، وإن لم يكن له خيار في لون جسمه أو حجمه فإنه مخير في أن يرضى بما هو عليه أو يقنط. وإن لم يكن له خيار في أصلابه وأرحامه فإنه مخير في أن يصلهم أو يقطعهم. وهذه مجرد أمثلة توضح أنه فيما يتعلق بالأمور التي يسير فيها الإنسان توجد مواقف له فيها الخيرة؛ لأنه يستطيع أن يقرر في حدود قدرته العقلية أن يختار بشأنها بين فعل أو آخر.
نستطيع -إذن- أن نستنتج أن الإنسان مخير فيما هو مؤهل لاتخاذ قرار راشد بشأنه، ومسير فيما لا علم له به ولا قدرة له عليه، وليس في صالحه ولا صلاح الأمة أن يقدر عليه. بل إن ترك تسييره لمبدع الكون وخالقه هو الأصلح للفرد وللأمة وللناس أجمعين.
ولقد حاولنا أن نبين -فيما سبق- أهم جوانب طبيعة المتعلم التي خلقه الله عليها. ويعرف المتخصصون في التربية أن طبيعة المتعلم هي الأساس الأول في الانطلاق به نحو عملية التعليم والتعلم. ومن ثم فإن العلم بهذه الجوانب -وفق التوجيه الإسلامي- هو حجر الزاوية في تربية المتعلم تربية إسلامية.
ولذلك، فإن الكاتب جعلها من المصادر المهمة لخبرات المنهج الدراسي. بمعنى أن مخططي المناهج ينبغي أن يختاروا خبرات المناهج الدراسية بحيث تتوافق مع هذه الطبيعة وتتخذ منها منطلقًا لتنمية شخصية المتعلم، وبحيث يجعلونها أساسا لتنظيم هذه الخبرات.
стр. 214
ثانيًا: أهم جوانب شخصية المتعلم
من أهم مكونات شخصية الإنسان الروح والجسم والعقل والنفس.
وتمثل الروح جوهر صلة الإنسان السوية بخالقه. ولا يعلم كنهها إلا خالقها ، ويمثل العقل مركز التغذيؤ الفكرية والمعرفية ومنطلق الإنسان للكشف عن كوامن الكون. وتمثل النفس المجال الوجداني في الإنسان، ويمثل الجسم مركز الحركة والطاقة، ويحوي قنوات الاتصال بالعالم الخارجي.
ولا يمكن النظر إلى هذه المكونات كل في معزل عن الآخر فهي منظومة متفاعلة عناصرها مع بعضها البعض ويؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به، كما يتضح من شكل "٣".
стр. 215
شكل "٣" أهم مكونات الإنسان.
وإذا استعرضنا آراء بعض الكاتبين المسلمين في تكوين الإنسان، نجد الأستاذ المبارك يرى أن الإنسان يتكون من ثلاثة عناصر هي: الجسم والعقل والروح. فيقول: الإنسان الكامل هو من نمت فيه العناصر الثلاثة مع ترتيبها في الأهمية، فالروح أعلى من العقل، والعقل أعلى من الجسم. لذلك فالجسم خادم للعقل، والعقل خادم للروح، فالروح هي التي تؤمن الأخلاق والصلة بالله، والعقل هو الذي يؤمن صلتنا بالأشياء، فهذا ضار وهذا سام، ... وهذا لا يكفي؛ لأنك قد تستعمل السام لنفسك ولغيرك، أما الروح -وهي الصلة الربانية- فهي التي تمنعك "١٤، ٢٦٢".
ومن دراستنا لوظائف الأعضاء نجد أن العقل هو الذي يترجم الإشارات من الحواس -وهي من المكونات الجسمية- إلى أفعال. وقد يكون نزوع الأفعال إلى الخير أو النشر، طبقًا لتوجيه النفس التي ألهمها الله فجورها وتقواها، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧, ٨] .
ويوضح لنا القرآن الكريم أن النفس المطمئنة هي التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧-٣٠] .
стр. 216
كما يبين لنا أن النفس قد تنزع إلى الشر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] .
وفينا يلي نوضح وجهة نظرنا بالنسبة لمكونات شخصية الإنسان:
أ- الجسم: لا ينظر الإسلام إلى جسم الإنسان على أنه -فقط- مجموعة نامية من الخلايا، وأنها تحتاج إلى غذاء لتنمو وتصح، ومن ثم فإن الواجبات التربوية تجاه التربية الجسمية تنحصر في العمل على اكتساب السلوك الصحيح في المأكل والمشرب والملبس، واكتساب الوعي الصحي والاهتمام بالحواس وبممارسة الرياضة البدنية, والعناية بالأعضاء والاهتمام بوظائفها. ولكن -بالإضافة إلى كل ما سبق- فإن الجسم من وجهة نظر الإسلام يحوي أشياء، أخرى مثل الطاقات التي يوظفها الإنسان في حركته, وفي التعبير عن انفعالاته وعن مختلف مشاعره وأحاسيسه.
يقول محمد قطب في هذا:
ليس المقصود بالجسم في مجال التربية هنا هو عضلاته وحواسه ووشائجه فحسب، وإنما نقصد -كذلك- الطاقة الحيوية المنبثقة من الجسم والمتمثلة في مشاعر النفس. طاقة الدوافع الفطرية والنزوعات والانفعالات.. طاقة الحياة الحسية على أوسع نطاق. "١١، ١٢٦".
ولم يخلق الله الجسم ليكون مجرد وعاء تجمع فيه المكونات الحيوية للإنسان أو مخزنًا للطاقة. ولكن الله حين خلق الجسم بهذه الصورة إنما جعله في أحسن تقويم تكريمًا للإنسان. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] .
فأقام الإنسان على قدمين، وميز كل إنسان ببنانه، ووهبه بيانا بلسانه فاستطاع به أن يفتح آفاقًا رحيبة للاتصال مع غيره من البشر, وهنا تميز الإنسان عن سائر المخلوقات. وفي هذا يقول المبارك: "إذ يميز الله بهاتين الخاصيتين: الأولى، انتصاب القامة وانطلاق اليدين، والثانية اللسان والبيان وتتبعه الكتابة" "١٤، ٢٦١".
ويوجه الإسلام إلى العناية بالبدن، واتخاذ الأسباب التي تحافظ عليه قويا قادرًا على أداء مهامه في السعي في مناكب الأرض ليعمرها، والسعي بين الناس بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي لتوفير أسباب الحياة له
стр. 217
ولمجتمعه. ويؤكد الإسلام هذا إلى درجة أن رسول الله ﷺ يعلمنا أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في قوله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير". "صحيح مسلم".
ويوجه الإسلام إلى النظافة, فوجه كتاب الله المسلمين إلى أن يأخذوا زينتهم عند الذهاب إلى المساجد, وهم يذهبون إليها خمس مرات، على الأقل، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] .
وقال ﷺ : "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". "متفق عليه".
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان, والاستحداد، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وقص الشارب". "متفق عليه".
كما وجه رسول الإسلام ﷺ المسلمين أن ينظفوا أسنانهم قبل كل صلاة مفروضة أو نافلة، قال: "لولا أن أشق على أمتي -أو علي الناس- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ". "متفق عليه".
وهذا أمر صريح بالمحافظة على النظافة، فلكي يصلي المسلم لا بد أن يكون متطهرًا، والتطهر يتم بغسل الجسم كله. كما ينبغي أن تكون الثياب - أيضًا- طاهرة، وأن يتوضأ بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح على رأسه وقدميه وينظف أسنانه بالسواك، وهذا يتم خمس مرات -على الأقل- في اليوم، إذا توضأ المسلم لكل صلاة.
ويوجه الإسلام إلى التغذية الصحيحة والاعتدال فيها، قال الله ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] .
وقال الرسول الكريم ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". "رواه أحمد والترمذي".
стр. 218
ويوجه الإسلام إلى الوقاية من الأمراض، لذلك حرم الإسلام المأكولات الضارة تحريمًا صريحًا. فقد جاء في محكم التنزيل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:] .
كما قال ﵇: "إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها". "متفق عليه".
ومما هو سبق للإسلام في وقاية الإنسان من الأمراض, تحريمه للزنا وللشذوذ الجنسي، وذلك في قوله تعالى عن قوم لوط: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨٠، ٨١] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
وفي القرن الخامس عشر من نزول القرآن، يوفق الله الإنسان للكشف عن بعض حكمة هذا التحريم فيكتشف الإنسان أن الشذوذ الجنسي والزنا من أسباب مرض فقدان المناعة "الإيدز".
ووقاية للمرأة والرجل من الأذى، وجه الإسلام المسلمين إلى اجتناب النساء أثناء المحيض؛ لأن المرأة تكون منكهة خائرة القوى مفتحة الأعضاء، كما يجعل دم الحيض عملية الاقتراب ذات أثر نفسي سيئ على كلا الطرفين. إضافة إلى هذا، ما قد يسببه دم الحيض للرجل من ضرر. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
ويوجه الإسلام الإنسان إلى المحافظة على صحة البيئة. فيأمره بقتل الهوام فيما روت عائشة ﵂ في قولها: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". "رواه مسلم والبخاري، وزاد "الحية"". وقال أيضًا:
стр. 219
"الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان ". "متفق عليه". وجاء في الحديث القدسي: "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن". "رواه مسلم".
ويوجه الإسلام إلى ضرورة الأخذ بأسباب العلاج في حال المرض. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء". "متفق عليه"
مما سبق يتبين أن الإسلام قد عنى عناية فائقة بالنمو الجسمي للإنسان عن طريق التغذية السلمية، والعناية بنظافته ووقايته من الأضرار وطلب العلاج مما يصيبه من أمراض، والمحافظة على نظافة البيئة ووقايتها من مسببات الأمراض والأوبئة.
ب- العقل: أما العقل في التربية لإسلامية، فإنه ركيزة الاستخلاف. فما كان الله ليستخلف الإنسان في الكون إلا بعد أن كرمه على سائر المخلوقات بنعمة العقل، وما كان ليسخر له كافة المخلوقات الأخرى ما لم يزوده بقوة التفكير والتدبر التي بها يسوس هذه المخلوقات، وما كان الله ليرسل الرسل إلى الناس ما لم يزود عباده بما يميزون به بين الحق والباطل، وما كان الله ليكلف الإنسان بعمارة الأرض ما لم يودع فيه طاقات فكرية تستثمر في عمارتها، وفي عبادته.
وقد قال محمد قطب عن العقل في حديثه عن الإنسان: "العقل وسيلته إلى الله وإلى معرفة الحق، ... فيتخذ لذلك وسيلتين: الأولى هي وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي، والثانية هي تدبر نواميس الكون وتأمل ما فيها من دقة وارتباط" "١١، ٩٢".
وتفكير الإنسان في خلق الله يقود بالضرورة إلى الاعتقاد في خالقه، وبقدر ما يستطيع الإنسان أن يكشف من أسرار نواميس الكون وما أودع الخالق فيه من سنن، يتضح له عظمة الخالق وإبداع المبدع. فمجموعات الكواكب التي تسير في نسق بديع، كل في فلكه لا تحيد عنه ولا يتقدم ولا يتأخر. وهذه الأجهزة المتعددة الوظائف المتناغمة الأداء في جسم الإنسان، وهذه المكونات الدقيقة للمركبات المادية من جزيء إلى ذرة إلى نواة إلى ... لا بد لها من نسق لم يستطع العقل البشري الكشف عنه بعد. هذه الأنساق تدل على أن لهذا الكون خالقًا بادئًا له، ومنسقًا لحركته، خالق
стр. 220
عظيم واحد أحد، وهذا هو جوهر التوجيه القرآني للإنسان نحو التفكير في الكون.
ولذلك لم يكن هناك أي تعارض بين العلم والإيمان في الإسلام، يقول محمد شديد في هذا:
وحين يتفتح القلب على بعض حقائق الوجود يحس أنه أمام تناسق مطلق وجمال معجز وتدبير محير. وقد وصل العلم الحديث إلى معرفة قليل مما في السماء والأرض، فوجد أن هذا القليل محير للعقل البشري لا يملك معه إلا التسليم بوحدة المدبر ووحدة الناموس "٥، ٧٧".
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] .
فمن الركائز الأساسية في التربية الإسلامية -إذن- أن حياة الإنسان في هذا الكون هي حياة تدبر وإعمال فكر فيما أودع الله في الكون من عناصر، يكلف الإنسان باستثمارها من أجل توفير حياة أفضل لمخلوقات الله. وعناصر باطنة أخفاها الله وجعلها من أسرار هذا الكون, وكلف الإنسان بالكشف عنها لتحقيق حكمة تسخير الله لها لخدمة المخلوقات. ونجد التوجيه
القرآني لتدبر خلق الله في مواضع كثيرة: منها: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠] .
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] .
стр. 221
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
ومن أهم سمات التوجيه الإسلامي توجيه العقل إلى رفض كل ما لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي. لذلك نجد القرآن يرد تمسك الكفار بدين آبائهم أن آباءهم يعتنقونه، ودون أن يتدبروا فيه بعقولهم. قال تعالى على لسانهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] .
ويوجه الإسلام العقل إلى منهج تفكير يقوم على التثبت والتقصي قبل الأخذ بالأمر أو الحكم عليه؛ وذلك لأن تأسيس الحكم على جهالة يوقع في الخطأ، ومن ثم يورث الندم.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
ويوجه الإسلام العقل إلى أن يفكر الإنسان في حكمة التشريع. تقول عائشة عبد الرحمن في مقالها: "العقل في عقيدتنا لب الإنسان ومناط الرشد والتكليف" "٨، ٧".
العقل في البيان القرآني هو لب الإنسان وفؤاده. لم يأت في القرآن بغير هذه الكلمات الثلاث، القلب بدلالته على العقل، ويكثر أن يجيء بدلالته على العواطف والأهواء، وكذلك الفؤاد والأفئدة، وتتمحص الألباب العقول. فأولو الألباب هم أولو العقول، باستقراء آياتها في القرآن. وعددها ست عشرة آية، مع ملحظ من التوجيه فيها إلى ذوي العقول النيرة الرشيدة، المرجوين للتدبر والتذكر والتقوي والاعتبار. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] .
стр. 222
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] .
وتضيف: وفي كل حال، لم تأتي في أي موضع منها بدلالتها الحسية العضوية، بل هي جميعها بدلالتها على معنويات الإنسان وعقله وعواطفه وأهوائه، باستقراء آيات القلب مفردًا ومثنى وجميعًا في اثنتين وثلاثين ومائة آية، الفؤاد والأفئدة في ست عشرة آية.
وأضافت: ولكي يحافظ الإسلام على العقل، فأنه حرم كل ما يعرقل وظيفته مثل المسكرات. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام". "صحيح البخاري".
ويشير سيد قطب إلى عناية الإسلام الفائقة بوظيفة العقل في قوله: وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه وتقويم منهجه في النظر واستجابته للعمل، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة وصيانته في الوقت من التبدد في غير مجاله، ومن الخبط في التبيه بلا دليل ... ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام. "١٠، ٤٩".
جـ- النفس: ذكرنا أن الجسم يحوي قنوات اتصال الإنسان بالعالم من حوله، وأن العقل هو مركز الاتصالات الذي يترجم الإشارات الواردة من الخارج إلى سلوك. ونرى أن النفس هي التي توجه هذا السلوك، فإذا كان نزوعها للخير يكون في شخصية المسلم توجه خير, أما إذا كان غير ذلك فإنه يكون في شخصية المسلم توجه شيطاني. ولأهمية النفس أقسم بها الله ﵎,
وأوضح ما ألهمه أياها من نزوع في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] .
ويوضح النزوع الخير للنفس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧-٣٠] .
стр. 223
ويوضح النزوع غير السوي في النفس في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] .
والنفس في القرآن تطلق على الذات بجملتها "١، ٢٤٥" بدليل قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] .
وتطلق على الروح وحدها، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] .
وقوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] .
ويرى ابن القيم أن للنفس ثلاثة جوانب: "١، ٢٤٩".
النفس المطمئة بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] .
وطبقًا لمختصر تفسير الطبري فإن تفسير هذه الآية أن الملائكة تقول لأولياء الله يوم القيامة: يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله الذي وعد به أهل الإيمان في الدنيا. "٢، ٥٣٩".
وطبقًا لصفوة التفاسير فإن هذه الآية تعني: يا أيتها النفس الطاهرة الزكية، المطمئنة بوعد الله، التي لا يلحقها اليوم خوف ولا فزع "٣، ٥٥٩".
والنفس الثانية هي النفس اللوامة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] .
وهناك أقوال كثيرة في النفس اللوامة. "١، ٢٥٦".
قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائمًا يقول: ماذا أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولي، ونحو هذا الكلام.
стр. 224
وقال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب، ثم تلومه عليه، فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي، فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها على فواته.
وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين، فإن كل أحد يلوم نفسه بارا كان أم فاجرًا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها.
وقالت فرقة أخرى: هذا اللوم يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه، فإن كان مسيئًا على إساءته، وإن كان محسنًا على تقصيره.
والنفس الثالثة هي النفس الأمارة بالسوء، فهي النفس المذمومة، فإنها تأمر بكل سوء. وهذا من طبيعتها إلا ما وفقها الله وثبتها بإيمانها.
فالنفس عند ابن القيم، نفس واحدة وليست ثلاثة أنفس، نف س واحدة لها صفات تسمى باعتبارها: فتسمى "مطمئة" باعتبار طمأنينتها إلى ربها ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الصفات الخيرة المتصلة بالله.
وتسمى النفس "لوامة" باعتبارها لا تزال تحث صاحبها على طاعة الله مع بذل جهده فهذه غير ملومة، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله. وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في الله ملام اللوام، فهي التي يلومها الله . وتسمى النفس "أمارة بالسوء" باعتبارها توسوس لصاحبها بالعمل السيئ. "١، ٢٤٩".
ويقول نجاتي عن جوانب النفس الثلاثة قولا يميل المؤلف إلى الأخذ به: يمكن أن نتصور هذه المفاهيم الثلاثة وهي: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة على أنها حالات تتصف بها شخصية الإنسان في مستويات مختلفة من الكمال الإنساني التي تمر بها أثناء صراعها الداخلي بين الجانبين المادي والروحي. فحين تكون شخصية الإنسان في أدنى مستوياتها الإنسانية بحيث تسيطر عليها الأهواء والشهوات والملذات البدنية فإنها ينطبق عليه وصف "الأمارة بالسوء". وحينما تبلغ الشخصية أعلى مستويات الكمال حيث يحدث التوازن التام بين المطالب البدنية والروحية، فإنها تكون في الحالة التي ينطبق عليها وصف المطمئنة". وبين هذين المستويين مستوى آخر متوسط بينهما يحاسب فيه الإنسان نفسه على ما يرتكب من أخطاء, ويسعى جاهدًا إلى الامتناع عن ارتكاب ما يغضب الله، ويسبب له تأنيب الضمير، ولكنه لا ينجح دائمًا في مسعاه، فقد يضعف ويقع في الخطيئة، ويطلق على الشخصية في هذا المستوى للنفس "اللوامة" "١٣، ٢١٥-٢١٦".
стр. 225
ومما ينبغي ذكره أيضًا أن النفس جانبًا محسوسًا، وهو ما يتصل بالجسم، ولكنها ليست كلها محسوسة. ويمكن فهم النفس في الإسلام بأنها كائن مركب من جانب مغيب لا سبيل للعلم به إلا بتعليم من الله، وجانب مشهود يمكن العلم به علمًا جزئيا، وأقول جزئيا؛ لأن الجانب المحسوس من الإنسان مرتبط بالجانب المغيب، ولا يمكنه فهمه فهما صحيحصا إلا به. "٤، ٧١".
وتستخدم كلمة القلب في القرآن بمعنى النفس أو بمعنى العقل. وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة الفؤاد. ففي هذا ذكر الدكتور خليل: "٤, ٥٩-٦٠".
وقد جاء القلب بمعنى النفس الأمارة بالسوء في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٢، ١٣] .
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] .
وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] .
وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] .
وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] .
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] .
ويذكر الدكتور خليل أن القلب جاء -أيضًا- بمعنى النفس المطمئنة في قوله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الوعد: ٢٨] .
ويستعمل القلب فيما هو من عمل النفس في مختلف العواطف والمشاعر والأحاسيس، يتضح هذا في قوله تعالى:
стр. 226
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] .
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾ [الأحزاب: ١٠] .
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤] .
وقد أتت كلمة القلب فيما نسب للعقل، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] .
وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] .
وتأتي كلمة "الفؤاد" في القرآن بمعنى كلمة "القلب" كما في قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] .
وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] .
وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] .
والمؤلف يتفق مع هذه النظرة إلى كل من القلب والفؤاد. ولا يرفض أن يكون لكل منهما تفسير آخر في الحال أو الاستقبال. فقد وضع الله في خلقه من الأسرار والخبايا ما يتفرد وحده بعلمها، ولا يقدر عليها أحد من عباده إلا بإذنه. وجميع التفسيرات التي نقبلها أو نرفضها، وهي بناء على ما علمنا عنها، وعلمنا -لا شك- قاصر. والله وحده الأعلم.
د- الروح: أما الروح -في الإسلام- فهي الوازع الديني والحبل المتين الذي يحفظ صلة الإنسان بالله، ويكون حضورًا مستمرا للشعور برقابة الله على تصرفات الإنسان، ودافعًا متجددًا نحو العمل على تقوية العقيدة والالتزام بالشريعة وتأدية الفرائض. وهي ضابط لتصرف الفرد على الطريق المستقيم، موجه لأعماله وأقواله للاستقامة على منهج الله. وهي إحساس غامر بموجود الله بكل صفاته وبعلمه
стр. 227
الأزلي. وهي الطاقة الإيمانية التي تسيطر على السلوك، وتحدد نظرة الإنسان لذاته وللكون والحياة وللنواميس الربانية. وهي في عالم السر الذي يتم فيه الاتصال بدون موصلات مادية أو عبارات أو إشارات. والروح معروف كنهها؛ لأنها من أمر الله .
يقول مصطفى محمود عن الروح: لذلك نجد أن "تمزق الأرواح سببه الأول اعتقاد أصحابها أنهم يعيشون في عالم بلا إله، وأنهم يبحثون عن عدل دون اعتقاد في عادل، ويحاولون النهوض بحياة يعتقدون أن مصيرها التراب. "١٢، ١٨".
ويقول محمد قطب عنها: "الروح هي الطاقة التي يتصل بها الإنسان بالمجهول ... بالغيب المحجوب عن الناس". ويضيف: "الروح هي وسيلتنا للاتصال بالله". ويذكر أن من وظائفها: الاستشفاف والحكم التنبؤي والتخاطر "١١، ٤٥".
أما على القاضي فيقول عن الروح: "الروح هي الطاقة التي يحس الإنسان بها بالغيب المحجوب عن الحواس، ووظيفتها الاتصال بالله فهي قبس من الله ".
وطبقًا لما ذكره الدكتور أحمد شلبي، فإن كلمة الروح قد وردت في القرآن الكريم بثلاثة معان: الأول بمعنى جبريل ﵇، وذلك في الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] .
وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] .
وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] .
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .
وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] .
وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] .
стр. 228
وفي المعنى الثاني جاءت كلمة الروح بمعنى الوحي بوجه عام والقرآن بصفة خاصة. وذلك في الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] .
وقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] .
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وفي المعنى الثالث جاءت كلمة الروح بمنعى القوة التي تحدث الحياة في الكائنات. وذلك في الآيات مثل قوله
تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨, ٢٩]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١, ٧٢] .
وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] .
وقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] .
بناء على ما سبق فإننا نرى أنه لا يمكن أن نخضع الروح للتربية والتوجيه بالمعنى الذي نفهمه في تطبيقاتنا التربوية, فهي قد تتساوى مع النفس من حيث إنها
стр. 229
ثالثًا: وظيفة المتعلم
وظائف المتعلم الأساسية في الحياة، كما بينها الحق ﵎، اثنتان: تشمل الأولى منهما الثانية إلا أننا نعطي الثانية هذه الأهمية لإبرازها فقط. كما يتضح من شكل "٤".
شكل "٤" وظيفة المتعلم.
стр. 230
أ- عبادة الله: الوظيفة الأساسية بل الوظيفة الأم للإنسان في الحياة الدنيا هي عبادة الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦, ٥٧] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] .
وأهم أسس هذه العبادة ما يلي:
١- الانقياد المطلق لله:
فهذا الانقياد هو أساس حياة المسلم، فهو يؤدي الفرائض لله ، ويعمل -أينما يكون، وفي كل حين ومهما كانت طبيعة العمل الذي يعمله- فيكون علمه كله لله ما دام مراعيًا حدود الله فيه ومخلصًا النية لله. ويتسع نطاق العبودية ليشمل جميع ما يفعل الإنسان في سره وعلنه، وما يتلعق منه بذاته وما يتعلق منه بغيره من بني الإنس أو من غير بني الإنس، وما يدخل منه في نطاق الأحياء، وما يدخل منه في نطاق الجوامد والمواد. فهو في كل هذا يؤدي وظيفته الأساسية في الكون. وهي عبادة الله وهي عبادة مختارة، ويختارها الإنسان ويعتز بها ويبذل في سبيلها من نفسه وماله وبنيه وذويه كل رخيص وغال طوعًا، بل يستبق إلى ذلك ما استطاع إليه سبيلًا. ومن ثم فإن حقوق الإنسان وحرياته في تعامله مع الإنسان الآخر والمجتمع والدولة تصبح مرتبطة بعقيدة التوحيد وتربيته عليها.
وهذا الانقياد هو القاعدة الكبرى التي يستمد منها المسلم نظام الحياة كله".
الفرد في خلوته والناس في جمعهم، في وقت التعبد وفي وقت العمل، في وقت التعامل في تجارة أو صناعة أو سياسة أو حرب أو سلم، في وقت المودة، وفي وقت الخصومة، في كل لحظة من اللحظات يربي الإسلام الفرد على أن تكون صلته بالله، وتعامله مع الله، وخشيته من الله وحبه لله، ورجوعه إلى منهج الله". "١١، ٤١".
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .
٤- لقد ترك الله للإنسان حرية الاختيار لكن هذه الحرية مقيدة بجدود الله، وكل إنسان سوف يحاسب على اختياره في الآخرة: قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٩-٤١] .
وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] .
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-١٢] .
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] .
وقال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٨-٤١] .
مما سبق يتبين أن مدلول العبادة في الإسلام شامل لا يقتصر على أداء العبادات فقط. فالحياة وحدة لا تنفصل فيها العبادات عن السلوك. ومن أهم
стр. 233
مقوماتها عقيدة التوحيد والإيمان بالله الواحد الأحد وبملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وعبادة هذه مقوماتها لا بد من أن تقود إلى تحكيم شريعة الله والسير على منهجه في القول والعمل. وفي المعاملات والأخلاق.
ب- عمارة الأرض:
الشق الجزئي من وظيفة الإنسان في الحياة الدنيا -لأنه جزء من عبادة الله- هو عمارة الأرض. فقد استخلف الله ﵎ الإنسان في الأرض واستعمره فيها.
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] .
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: ١٠] .
وقال تعالى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ﴾ [الأعراف: ٧٤] .
وأهم أسس هذه العمارة، ما يلي:
١- إعانة الله ﵎ للإنسان على هذه العمارة بسبل شتى، أهما: عقيدة التوحيد التي توحد طاقة الإنسان في عبوديته لله وحده، وتحرر إرادته من أية رقابة سوى رقابته لله ثم رقابته لنفسه للالتزام بما أحل الله وتجنب ما حرم الله، وتحرر طاقته لاستثمار ما أودع الله في الأرض من خيرات.
٢- وأعان الله ﵎ الإنسان على عمارة الأرض بأن أنزل له الشريعة التي تحدد له علاقته مع ربه وعلاقته مع نفسه وعلاقته مع غيره من البشر ومع المجتمع بعامة، وغير ذلك من العلاقات التي بينها الله ﵎ في كتابه الحكيم، وجاءت السنة المطهرة فوضحت
стр. 234
وشرحت وأضافت ما زاد الشرع وضوحًا وانسجامًا مع مقتضايات الحياة في كل عصر ومصر.
٣- وأعان الله ﵎ الإنسان على عمارة الأرض بأن سخر له ما في الكون من سموات وأرض وحيوان ونبات وهواء وماء والشمس والقمر والنجوم وأنساق الكواكب وتراكيب الفضاء، وغيرها مما أودع الله في الكون من عناصر ونظم.
٤- وأعان الله ﵎ الإنسان على عمارة الأرض بأن جعله قادرًا على تحصيل العلم. فأودع فيه السمع والبصر والفؤاد، ووهب العقل الذي به يفكر، واللسان الذي به يعبر، واليد التي بها يتناول، والرجل التي بها يسعى.
٥- وأعان الله، ﵎، الإنسان على عمارة الأرض بأن أودع فيه من الأجهزة ما يعوضه عما يفقده من طاقة، والأعضاء التي يمكن تعويضها من إنسان لإنسان. فنحن نسمع كل من يوم عن قلب أو كلية أو قرنية أو دم ينقل من إنسان لآخر. أما ترقيع جلد الإنسان من موضع من جسمه لموضع آخر فهذه خاصة أخرى أودعها الله في الإنسان لتساعده على التمتع بالصحة التي تعينه على عمارة الأرض.
٦- واستخلاف الله الإنسان في الأرض وتسخير الكون له وإعانته على عمارة الأرض في حياته الدنيا يحاسبه الله عليه في الحياة الآخرة. فكما سبق أن بينا فإن هذه النعمة مثل غيرها -امتحان للإنسان من ربه ليرى ماذا هو صانع بها. فهل يستخدمها في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض؟ أم يستخدمها ليهلك الحرث والنسل والزرع والضرع؟ فإذا عمر الأرض لصالح البشرية كلها تكون خطاه على منهج الله، وإلا فقد حاد عن هذا المنهج. فهذه النعم لا يوفي الإنسان واجب شكر الله عليها إلا باتباع صراطه الحميد.
٧- وعمارة الأرض وإن كانت تكليفًا من الحق ﵎ للإنسان ما دامت الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة, إلا أنها بالنسبة للإنسان الفرد موقوتة بأجله في الحياة. وهذا يعني أن على الإنسان أن يستفرغ طاقته وعلمه في العمل على عمارة الأرض دون تأجيل أو تسويف؛ خشية أن يوافيه الموت الذي لا يعلم ميقاته إلا الله وهو لم يؤد الواجب الذي أناطه الله به، وهذه العمارة تعتمد على العلم الذي حض الله على اكتسابه والعمل الذي حض الله الإنسان على الدأب فيه وعلى إحسانه.
стр. 235
٨- وللعمل -وفق منهج الله- أسس سوف نحاول فيما يلي أن نوضح أهمها، أما العلم فقد عالجناه في الفصل الرابع من هذا الكتاب بشيء من التفصيل.
٨-١ لقد بين الإسلام القدرة في العمل من الأنبياء. فعمل محمد ﷺ بالتجارة ورعي الغنم. وعمل نوح ﵇ نجارًا ليبني سفينته التي أنقذته ومن اتبعه من الغرق، وعمل موسى ﵇ أجيرًا لدى شعيب ﵉، وعمل داود ﵇ بصناعة الحديد، وعمل يوسف ﵇ خازنًا ومتصرفا في أموال عزيز مصر، وعمل زكريا ﵇ بالنجارة.
٨-٢ تتطلب عمارة الأرض -وفق منهج الله- العمل الدءوب للارتقاء بحياة البشر، والوفاء بحق نعمة تسخير ما في الكون للإنسان ويعمل المسلم مرضاة لله وحبا له ورغبة في ثوابه وخشية من الحساب في الآخرة، وهو يشعر برقابة الله له، في عمله، سواء في السر أو العلن. ويعلم أن العمل في الدنيا زاده ليوم الميعاد الذي لا يعلمه إلا الله.
٨-٣ يهدف الإسلام إلى عمارة الأرض في أقصى مداها وأفضل أساليبها وأكثر عطائها. لذلك، حث المسلم على العمل الجاد المثمر المتواصل. فالإنسان مكلف بالعمل الكادح ليعمر الأرض، التي جعله الله فيها خليفة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] .
وقال تعالى: ﴿قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] .
٨-٤ لم يرض الله للمسلمين، أن يعتكفوا في المساجد دون الضرب في مناكب الأرض, واستغلال ثرواتها لصالح البشرية، بل أمرهم بالجمع بين أداء واجبات العبادة، والعمل. فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] .
стр. 236
ووصل اهتمام الدين الحنيف بالعمل إلى درجة حث المسلمين عليه حتى لو أحسوا بقيام الساعة.
قال ﷺ : "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر". "رواه أحمد بن حنبل".
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها". "متفق عليه".
وقال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة". "متفق عليه".
وقال ﷺ : "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". "أخرجه البخاري".
٨-٥ الإسلام يرغب المسلمين في إتقان عملهم فيجعل لإحسان العمل أجرًا مقررًا من الله ﵎، ويحذر من الغش أو الخداع فيه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] .
وقال ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه". "رواه البيهقي".
وقال ﷺ : "من غشنا فليس منا". "رواه مسلم بن الحجاج وأحمد بن حنبل".
٨-٦ لا بد من أن يؤسس العمل على النية، فأعمال المسلم لا بد من أن تكون مقصودة، يعملها المسلم وقد عقد العزم عليها، وابتغى بها وجه الله عن إرادة وتصميم وتهيؤ.
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا
стр. 237
يصيبها أو امرأة ينكها فهجرته إلى ما هاجر إليه". "وراه البخاري ومسلم".
٨-٧ الله يتابع عمل الإنسان ويحاسبه عليه، وأن التغير في حياة البشر ينبغي أن يؤسس على سعيهم لإحداثه، لذلك، فإن تقدم الأمة لا يكون بنقل الخبرة من الغير ولكن باكتسابها، ولا يكون باستيراد أدوات الإنتاج ولكن بصنعها ولا يكون بأخذ التقنية عن الغير ولكن بحيازتها وامتلاكها، ولا يكون بأخذ العلم من الآخرين ولكن بإنتاجه في مراكز البحوث ومعامل الجامعات اختصارًا. باستنفار طاقات الأمة كلها.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ و ... ﴾ [الرعد: ١١] .
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٩-٤١] .
٨-٨ رغم تكليف الإنسان بالكدح في الحياة الدنيا للوفاء بأمانة الاستخلاف في الأرض وعمارتها, إلا أن الخالق هو الأعلم بقدرات خلقه. لذلك فإن منهج الله قد التزم بالواقعية في هذا التكليف فلم يطلب من الإنسان فوق طاقته أو قدرته.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢] .
وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
стр. 238
وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا..﴾ [الطلاق:٧] .
٨-٩ إن تحرر إرادة الإنسان تعتمد -إلى حد كبير- على عدم حاجته إلى أحد إلا الله, . ولا شك أن في سؤال الإنسان لأخيه لعطاء دون مقابل فيه مهانة للسائل وإنزال لقدره.
وقال ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة". "متفق عليه".
يتضح مما سبق أن وظيفة الإنسان في الحياة الدنيا هي عبادة الله بما في ذلك عمارة الأرض. ولهذه العبادة أسس. وكذلك الأمر بالنسبة لعمارة الأرض. ومقومات هذا كله من بين مصادر خبرات المناهج الدراسية. ومن ثم فإن مراعاتها في اختيار هذه الخبرات وفي تنظيمها من بين واجبات مخططي المناهج.
стр. 239
رابعا: أهم خصائص نمو المتعلم
مدخل
...
رابعًا: أهم خصائص نمو المتعلم
يمر الإنسان منذ تكوينه في مراحل نمو مختلفة، لكل منها خصائص جسمية وعقلية ونفسية واجتماعية ينبغي أن تراعى عند تربية الإنسان وتوجيه نموه. ولقد سبق الإسلام في العناية بالفرد من قبل تكوينه كما عني عناية فائقة بإتاحة الفرصة لنموه النمو السليم.
وفيما يلي نحاول تحديد. مختلف مراحل نمو الإنسان، لتكون من بين مصادر خبرات المناهج الدراسية. وكما يتضح من الشكل التالي فقد قسمنا مراحل نمو الإنسان إلى عشرة مراحل، هي:
شكل "٥" مراحل نمو المتعلم.
стр. 240
أ- مرحلة التكوين.
ب- مرحلة الرضاعة. "٠-٢".
جـ- مرحلة الطفولة. "٢-٧".
د- مرحلة التمييز. "٧-١٤".
هـ- مرحلة البلوغ. "١٤-٢١".
ومرحلة الشباب. "٢١-٤٠".
ز- مرحلة الرشد. "٤٠-٦٠".
ح- مرحلة الشيخوخة "٦٠-٨٠".
ك- مرحلة الكهولة. "٨٠-١٠٠".
ل- مرحلة أرذل العمر "١٠٠-+".
стр. 241
أ- مرحلة التكوين:
إذا فهمنا التربية بأنها -في جوهرها- عملية مقصودة لتنميه الفرد وتوجيه سلوكه بهدف تحقيق أهداف معينة، وأن المؤسسات التربوية ينبغي أن تتخذ كافة السبل لإحداث تلكم التنمية وذلكم التوجيه، فإنا نجد أن نظرة الإسلام إلى تربية الفرد غير مسبوقة في أنها بدأت العناية بالفرد قبل تكوينه في حين وجهت اهتماما خاصا إلى مرحلة التهيئة للتكوين السليم قبل الزواج، حيث يتم فيها اختيار الزوج لزوجته والزوجة لزوجها، والأساس الأول للاختيار في الحالين -وفق نظرة الإسلام- هو التمسك بمنهج الله. فقال قال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". "متفق عليه".
وقال ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، وإلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". "رواه الترمذي".
وإذا كان كل من الزوجين على دين، فإن كل طرف منهما سوف يتقي الله في معاملته للطرف الآخر. وفي رعايته له، وفي تربية أولاده، وفي التعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي البعد عن المحرمات مثل شرب المسكرات وتبديد المال والتحيز لبعض الأولاد، إلى غير ذلك من دروب التمسك بالعمل الصالح، والبعد عن جميع ما يحيد عنه. وأسرة هذا شأنها تكون منبتا حسنا للأولاد.
إضافة إلى ما تقدم. فإن العلم الحديث يضيف كل يوم جديدًا لأثر الوراثة التي يورثها الآباء والأجداد والأسلاف للأولاد من حيث الخصائص الجسمية والأمراض، وغير ذلك من مكونات الشخصية. وهذا يوضح الحكمة من توجيه الله للمسلمين إلى دقة الاختيار، والاختيار من ذوي الدين لما لذلك من أثر في نقاء الجسم والعقل والنفس من الأدران، والبوائق.
ومن أهم جوانب حرص الإسلام على تكوين الجنين تكوينا سليمًا أن خص المرأة الحامل بحقوق تكفل لها الراحة البدنية والنفسية. والتغذية المناسبة، والرعاية الصحية الملائمة. كما رخص للحامل بالفطر في رمضان مع القضاء عند الاستطاعة.
وغير ذلك من الحقوق التي نبعت من مفهوم الإسلام عن الإنسان والكون والحياة، والتي تهيئ للجنين التكوين السليم.
стр. 242
ب- مرحلة الرضاعة "٠-٢ ".
وتمتد من لحظة الولادة إلى أن يتم الطفل سنتين كاملتين من العمر. وحرصًا على الرضاعة الطبيعية، يؤكد الإسلام على ضرورة إعطاء الأمهات أجورهن عن الرضاعة، كما يؤكد على ضرورة إيجاد مرضعة أخرى للطفل إذا لم ترضعه أمه، وأن تكون الرضاعة حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] .
ومن عناية الإسلام بالطفل في مرحلتي الحمل والرضاعة أنه رخص للحامل وللمرضع بالإفطار في الصوم إذا لم يطيقانه مع القضاء عند الاستطاعة. كما وجه رسول الله بتأجيل الحد عن الحامل حتى تكفل وليدها.
ومما يوضح حكمة تأكيد الإسلام على ضرورة رضاعة الطفل رضاعة طبيعية ما يتنادى به الأطباء في عصرنا هذا أن الرضاعة الطبيعية للطفل وقاية له من الكثير من الأمراض، وأفضل له من حيث نموه مما سواها.
وما يوضح أهمية عناية الإسلام بتوفير المرضعة المناسبة للطفل في هذه المرحلة، حتي تعنى بالوفاء بحاجاته الأساسية، وبراحته ونظافته ... ما أكدته بحوث الأطفال من أن صلة الطفل بالعالم الخارجي في هذه المرحلة تكون من خلال حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب وإخراج وراحة وشعور بالأمان. وإذا ما توافرت هذه الحاجات تكون مرتكزات طمأنينته وسعادته قد توافرت.
стр. 243
ونلاحظ أن الطفل في السنة الأولى من عمره، يكون اتصاله بالعالم الخارجي عن طريق فمه -بالدرجة الأولى- ويكون دور الحواس -باستثناء السمع- ضعيفًا جدا. وحتى السمع في هذه المرحلة لا يؤدي وظيفته بصورة فعاله، إذ أن نسبة كبيرة من الأطفال في هذه المرحلة لا يميزون الأصوات، إلا أصوات من لهم بهم صلة وثيقة مثل الأم، أما حاسة اللمس فإنها لا تؤدي دورها بصورة جيدة، وخاصة في بداية المرحلة. ولذا نجد الطفل يتحسس عالمه الخارجي باللمس باليد عشوائيا, ثم يتحسن بتقدم عمره، وكذلك الأمر بالنسبة للحواس الأخرى.
مما سبق نستطيع أن نستنتج أن أكثر المؤثرات على الطفل في هذه المرحلة هو ثدي المرضعة الذي لا يمده فقط بالغذاء، ولكن أيضًا بالشعور بالأمان. وهنا تتضح حكمة الإسلام في التدقيق في اختيار المرضعة، وفي عنايته الخاصة بحاضنة الطفل في هذه المرحلة، وفي العناية الخاصة بالطفل نفسه، لما لهذه الفترة من تأثير كبير على نموه الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي.
ويستهوي الطفل في هذه المرحلة، الألوان الفاقعة مثل الأحمر والأصفر، وتستهويه الأجسام الكبيرة نسبيا, والأجسام المتحركة حركة بطيئة، كما تستهويه الأصوات المعتدلة ذات الإيقاع المنتظم. لذلك ينبغي مراعاة هذا عند اختيار خبرات المنهج الدراسي.
بناء على ما سبق، فإن عناية مخططي المناهج الدراسية للطفل في هذه المرحلة تتركز بالدرجة الأولى في العمل على توافر التغذية المناسبة والنظافة التامة لجسمه وملابسه وفراشه, والبيئة الصالحة لنموه المتكامل، ووقايته من التغيرات المفاجئة والحادة ومن الأخطار، والعمل على علاج ما قد يظهر من أعراض غير مرغوب فيها، وإحاطته بعوامل الشعور بالأمن والأمان والاستقرار الانفعالي، وتوفير فرص الحركة المناسبة وفرص اكتساب بعض العادات السليمة.
стр. 244
جـ- مرحلة الطفولة: "٢-٧".
يدرك المتخصصون في التربية وعلم النفس خطورة هذه المرحلة على تكوين القيم والاتجاهات والميول عند الأطفال. ففي هذه المرحلة يتكون لدى الطفل المفاهيم الأساسية عن الدين والحياة والمعرفة. وفي هذه المرحلة يكون دور الأسرة عظيمًا, فالأسرة هي التي يمكن أن توجه الطفل إلى مزالق خطرة في العقيدة أو تتركه على فطرة التوحيد، وهي التي توفر المناخ المناسب لنمو الطفل الروحي والجسمي والعقلي والاجتماعي أو يكون المناخ غير ذلك كله. وفي هذه المرحلة ينبغي أن يتاح للطفل جو من المرح, وأن يكتسب المعرفة والسلوك من خلال اللعب المحبب إليه, وفي جو من الحنو والعطف.
стр. 245
وقد ضرب الرسول ﵊ لنا أمثلة لهذا الحنو نذكر منها، فيما روى عنه أنه ذهب يومًا إلى المسجد وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص فصلى، فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها. "فتح الباري بشرح البخاري".
وفي هذه المرحلة تتكون أساسيات شخصية الطفل. فمن حيث النمو الجسمي، فإن النمو الحواس يكتمل تقريبًا. وفي أول المرحلة يكون الطفل قد بدأ المشي والكلام والسيطرة على عضلاته، وينتقل من المشي إلى الجري، ومن الحركة غير المنتظمة وغير الثابتة إلى الحركة المستقرة الثابتة، وفي هذه المرحلة يستطيع التنسيق الحركي، فيركب الدراجة ويقفز ويتابع إيقاع الأصواب بحركة جسمه، وفي أثناء السنة الرابعة يبدأ في السيطرة على القلم وبالتدريج يستطيع السيطرة على عضلاته.
ومن حيث النمو العقلي، فإن الطفل يبدأ في فهم بعض الإرشادات وتنفيذها والبعض منهم يستطيع ذلك قبل سن الثانية، وفي بداية هذه المرحلة يستطيع الطفل أن يتعلم بعض العلاقات مثل "أمام" و"خلف" و"أكبر" و"أصغر" و ... ، وفي أثناء السنة الرابعة يستطيع أن يقوم بتلوين المساحات الواسعة، كما
يمكنه كتابة الحروف والأعداد بحجم كبير، وأن يقارن بين الفراغات والحجوم، وأن يتعلم بعض المهارات العقلية البسيطة، والمهارات الحركية. ولكن ينبغي التنبه -هنا- أنه لا يزال غير قادر على تركيز انتباهه لفترة طويلة. ومن أهم خصائص هذه المرحلة قدرة الطفل على التخيل، وعلى الحفظ السريع للمواد التعليمية المنظومة، وبخاصة إذا ما قدمت من خلال مخاطبة أكثر من حاسة من حواسه الخمس.
أما بالنسبة للنمو النفسي، فإن الطفل في هذه المرحلة تتركز اهتماماته حول ذاته، فهو أناني يحب ما يحقق أهدافه الخاصة بغض النظر عن أثره على الغير، ويكره ما يتعارض مع رغباته، ويكون متقلب المزاج سريع الخاطر. ولكن في نهاية هذه المرحلة تبدأ انفعالاته في الاستقرار.
وبقدر الأهمية البالغة لهذه المرحلة في تكوين الطفل ينبغي أن يتحمل مخططو المناهج المسئولية عن تنميته تنمية متكاملة في جميع مجالات النمو الجسمي والعقلي والنفسي١.
стр. 246
د- مرحلة التمييز: "٧-١٤":
في هذه المرحلة يكون النضج العقلي قد أصبح مهيأ لعملية تعلم مقصودة، ويكون النمو النفسي أكثر استقرارًا, بحيث يسمح بتحمل التوجيهات والأوامر والنواهي دون أن يولد انفعالات حادة بالمقارنة لما كان سابقًا.
ويبدأ، في سن السابعة، تكليف الصبي بالصلاة، فعن رسول الله ﷺ قوله بالنسبة لتكليف الصبية بالصلاة: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين, وفرقوا بينهم في المضاجع ". "رواه أحمد وأبو داود".
وغني عن القول أن تعلم الصبي ما يرغبه في الصلاة, وكيفية أدائها يسبق قيامه بأدائها الفعلي. وهنا مؤشر أن عملية التعلم بالنسبة لهذا الطفل تسبق سن السابعة، وأنه في سن العاشرة يحاسب الطفل بدقة على أفعالة؛ لأنه قد أصبح في درجة من النضج النسبي الذي يؤهله للتمييز.
وفي هذه المرحلة يبدأ الطفل في النمو الجنسي، إذ قد يبدأ في المراهقة فتبدأ القدرة على الأبوة في الظهور عند الذكر وتظهر على الأنثى الخصائص المؤهلة
للأمومة. لذلك، فقد وجه الرسول ﵊ إلى الفصل بين الصبي والفتاة في المضاجع.
ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فترتين: إحداهما تشمل السنوات "٧-١٠"، وهذه أقرب إلى "مرحلة الطفولة"، والثانية تشمل السنوات "١٠-١٤ "، وتتميز هذه ببعض الخصائص التي تختلف عن الأولى. ولكننا سوف ننظر إلى المرحلة نظرة متكاملة إلا في حال ضرورة التمييز بينهما:
١- النمو الجسمي في مرحلة التمييز:
يتدرج الطفل، في هذه المرحلة، نحو التحكم الأوثق في حركة عضلاته ولكن لا يتضح الفرق في هذه القدرة عنه في مرحلة الطفولة إلا قرب نهاية المرحلة، كما يكون الطفل كثير الحركة، كثير القفز والعدو.
ويلاحظ أن نمو الحواس عمومًا يتجه هو الآخر إلى النضج, فنجد أن الذوق واللمس قد وصلا إلى النضج الكامل تقريبًا، ورغم أن طول النظر لا يزال من خصائص البصر في الفترة الأولى من المرحلة، إلا أنه يقترب من النضج في الفترة الثانية منها، أما السمع والشم فينضجان تمامًا بنهاية الفترة الثانية.
стр. 247
٢- النمو العقلي في مرحلة التمييز:
لا يزال الطفل في هذه المرحلة غير قادر على استيعاب الأفكار المجردة، ولا يزال يرتبط تعلمه بالمحسوسات -بالدرجة الأولى- وبخاصة في الفترة الأولى من المرحلة. ولا يزال يتميز بالقدرة على الحفظ وبخاصة بالنسبة للمواد المنظومة. كما أنه لا يزال غير قادر على التركيز لفترة طويلة، وتقل قدرته على التخيل في الفترة الثانية عنها في الفترة الأولى من المرحلة، وفي نهاية هذه المرحلة، تظهر قدرة الطفل على التعميم طبقًا لخاصة معينة، ويتحول حبه للاستطلاع من التعرف على الأشياء إلى التعرف على أسباب الظواهر، وتنمو قدرته على التذكر المبني على الربط بين الأشياء والمواقف.
بناء على ما حدث في النمو العقلي للطفل في هذه المرحلة، فإن خبرات المنهج ينبغي أن تتخذ المواقف العملية, والمشاهدات الواقعية والمواد المنظومة واللعب والنشاط الجماعي مدخلًا للتعلم.
٣- النمو النفسي في مرحلة التمييز:
عرفنا أن انفعالات الطفل في المرحلة السابقة تتركز حول حاجاته ورغباته الشخصية. وتظل كذلك في هذه المرحلة, ولكن تتجه حدتها نحو الهبوط. وإذ يتعلم الطفل كيف يضبط انفعالاته في نهاية المرحلة وتتحرر هذه الانفعالات نسبيا فإنها تظل حادة نسبيا في الفترة الأولى, وترتبط -أساسًا- بعدم شعور الطفل بالأمان.
وتتغير أساليب التعبير عن الانفعال. فبعد أن كان البكاء هو التعبير عن الغضب في المرحلة السابقة. فإن التعبير عنه في هذه المرحلة يتم بأساليب مختلفة منها تكسير الأشياء أو إخفاؤها انتقاما من الكبار. وقد يبادر الطفل بالعدوان تعبيرًا عن الخوف، كأن يهجم على أبيه أو أخيه ليوسعه ضربًا تعبيرًا عن خشيته من أن يضرباه، كما أنه قد يعتدي على غيره لينفس عن انفعالاته، وأشد أنواع الانفعال التي تجعل الطفل ينسحب من الجماعة وينطوي على ذاته، نتيجة لعدم شعوره بالأمان بالنسبة لمن حوله.
٤- النمو الاجتماعي:
يقتصر مجتمع الطفل في مرحلة الطفولة على مجتمعه المباشر -بالدرجة الأولى- وهو الأسرة والرفاق في المدرسة. ففي بداية هذه المرحلة يقتصر مجتمع الطفل على مصادر الوفاء بحاجاته الأساسية. وأهمهم الأم والأب، ثم الإخوة والأخوات، ويتسع المجتمع بعد ذلك ليشمل أطفال الأسر المجاورة من رفاق اللعب، ومن يظهر عاطفة حب قوية نحو الطفل من الكبار. وأما بالنسبة لمجتمعه في المدرسة
стр. 248
فغالبًا يكون محدودًا بمن يتصلون به مباشرة من رفاقه في حجرة الدراسة والمدرسة.
والطفل في هذه المرحلة لا يرتبط بمجتمعات أخرى ارتباطًا مستمرا. فغالبًا ما تكون علاقاته وقتية ترتبط بظروفها وتنتهي بانتهاء هذه الظروف. وفي بداية هذه المرحلة يكون الطفل مهتما بذاته. ولكن في نهايتها يتضح اهتمامه بتكوين جماعات اللعب.
وفي نهاية مرحلة التمييز تبدأ الحدود بين البنين والبنات في الظهور، كما يقوى الانتماء إلى جماعات اللعب، وتكون المنافسة جماعية، ويصبح الطفل مهتما بشئونه الخاصة, ويظهر بعض العناد، ويتوقع ممن يتعامل معه أن يقدره ويقدر جماعة أصدقائه، ورغم هذا فإنه يتقبل النقد من جماعة اللعب أو من أفرادها.
وفي نهاية هذه المرحلة يبدأ الميل إلى الجنس الآخر في الظهور، وإن كان هذا الميل يبدأ في شكل الرفض وعدم التقبل تغطية لهذا الميل الجديد. كما يتضح الاهتمام بالخدمة العامة مدخلًا لإثبات الذات وجذب أنظار الآخرين، والحصول على اعترافهم به وتقديرهم له.
стр. 249
هـ- مرحلة البلوغ أو الرشد: "١٤-٢١".
هذه المرحلة قد تبدأ قبل السنة الرابعة عشرة، فقد تبدأ مرحلة البلوغ في الحادية عشرة بالنسبة للذكور، وقد تبدأ قبل ذلك بالنسبة للفتيات، وقد تتأخر عن الخامسة عشرة. وعل كل حال، فإن ظهور علامات البلوغ هي المؤشر الحقيقي لبداية مرحلة البلوغ تلك، وهي بداية الاحتلام عند الذكر والحيض عند الأنثى، ويأخذ الذكر شكل الرجال وتأخذ الأنثى شكل الإناث.
وقد وجه الرسول ﷺ إلى أبناء هذه المرحلة بخاصة, وأبناء المراحل التالية بعامة قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". "صحيح مسلم".
ونظرًا للنمو السريع في هذه المرحلة، ونظرًا للحساسية الانفعالية في بدايتها، وتناقض تصرفات أبنائها بين الطفولة والرجولة، فإن توجيه هؤلاء ينبغي أن يتم بصورة مقبولة لديهم، كما أن للأصدقاء أثرًا كبيرًا عليهم.
وقد حذر رسول الإسلام ﷺ من أثر قرناء السوء في قوله ﷺ : "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير, فحامل المسك إما يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة". "رواه البخاري".
стр. 250
و مرحلة الشباب: "٢١-٤٠".
هذه المرحلة هي مرحلة بلوغ الأشد، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] .
وهي المرحلة التي يبلغ فيها الفرد النضج الجسمي بحيث يكون قادرًا على تكوين أسرة. يقول الله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] .
في هذه المرحلة يتم نضج الفرد الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي، ويكون عطاؤه في ذروته من حيث القوة البدنية, ومن حيث القدرة على التفكير ومن حيث الاستقرار الانفعالي.
ويأتي بعد ذلك مرحلة النضج ونقدرها بين السنوات "٤٠-٦٠" على وجه التقريب، وهذه هي المرحلة التي تلقى محمد ﷺ الرسالة في بدايتها، وتتلو مرحلة الشيخوخة هذه المرحلة، وتأتي فيما بعد الستين. وقد أشار الحق ﵎ إلى هذه المرحلة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] .
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] .
وقد استعاذ الرسول ﷺ من مرحلة أرذل العمر هذه. روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "أعوذ بالله من البخل والكسل وأرذل العمر,
وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات". "رواه البخاري".