← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9972

الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية

محمود أحمد شوق

Полный текст (445 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

د- مرحلة التمييز: "٧-١٤": في هذه المرحلة يكون النضج العقلي قد أصبح مهيأ لعملية تعلم مقصودة، ويكون النمو النفسي أكثر استقرارًا, بحيث يسمح بتحمل التوجيهات والأوامر والنواهي دون أن يولد انفعالات حادة بالمقارنة لما كان سابقًا. ويبدأ، في سن السابعة، تكليف الصبي بالصلاة، فعن رسول الله ﷺ قوله بالنسبة لتكليف الصبية بالصلاة: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين, وفرقوا بينهم في المضاجع ". "رواه أحمد وأبو داود". وغني عن القول أن تعلم الصبي ما يرغبه في الصلاة, وكيفية أدائها يسبق قيامه بأدائها الفعلي. وهنا مؤشر أن عملية التعلم بالنسبة لهذا الطفل تسبق سن السابعة، وأنه في سن العاشرة يحاسب الطفل بدقة على أفعالة؛ لأنه قد أصبح في درجة من النضج النسبي الذي يؤهله للتمييز. وفي هذه المرحلة يبدأ الطفل في النمو الجنسي، إذ قد يبدأ في المراهقة فتبدأ القدرة على الأبوة في الظهور عند الذكر وتظهر على الأنثى الخصائص المؤهلة للأمومة. لذلك، فقد وجه الرسول ﵊ إلى الفصل بين الصبي والفتاة في المضاجع. ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فترتين: إحداهما تشمل السنوات "٧-١٠"، وهذه أقرب إلى "مرحلة الطفولة"، والثانية تشمل السنوات "١٠-١٤ "، وتتميز هذه ببعض الخصائص التي تختلف عن الأولى. ولكننا سوف ننظر إلى المرحلة نظرة متكاملة إلا في حال ضرورة التمييز بينهما: ١- النمو الجسمي في مرحلة التمييز: يتدرج الطفل، في هذه المرحلة، نحو التحكم الأوثق في حركة عضلاته ولكن لا يتضح الفرق في هذه القدرة عنه في مرحلة الطفولة إلا قرب نهاية المرحلة، كما يكون الطفل كثير الحركة، كثير القفز والعدو. ويلاحظ أن نمو الحواس عمومًا يتجه هو الآخر إلى النضج, فنجد أن الذوق واللمس قد وصلا إلى النضج الكامل تقريبًا، ورغم أن طول النظر لا يزال من خصائص البصر في الفترة الأولى من المرحلة، إلا أنه يقترب من النضج في الفترة الثانية منها، أما السمع والشم فينضجان تمامًا بنهاية الفترة الثانية.

стр. 247

٢- النمو العقلي في مرحلة التمييز: لا يزال الطفل في هذه المرحلة غير قادر على استيعاب الأفكار المجردة، ولا يزال يرتبط تعلمه بالمحسوسات -بالدرجة الأولى- وبخاصة في الفترة الأولى من المرحلة. ولا يزال يتميز بالقدرة على الحفظ وبخاصة بالنسبة للمواد المنظومة. كما أنه لا يزال غير قادر على التركيز لفترة طويلة، وتقل قدرته على التخيل في الفترة الثانية عنها في الفترة الأولى من المرحلة، وفي نهاية هذه المرحلة، تظهر قدرة الطفل على التعميم طبقًا لخاصة معينة، ويتحول حبه للاستطلاع من التعرف على الأشياء إلى التعرف على أسباب الظواهر، وتنمو قدرته على التذكر المبني على الربط بين الأشياء والمواقف. بناء على ما حدث في النمو العقلي للطفل في هذه المرحلة، فإن خبرات المنهج ينبغي أن تتخذ المواقف العملية, والمشاهدات الواقعية والمواد المنظومة واللعب والنشاط الجماعي مدخلًا للتعلم. ٣- النمو النفسي في مرحلة التمييز: عرفنا أن انفعالات الطفل في المرحلة السابقة تتركز حول حاجاته ورغباته الشخصية. وتظل كذلك في هذه المرحلة, ولكن تتجه حدتها نحو الهبوط. وإذ يتعلم الطفل كيف يضبط انفعالاته في نهاية المرحلة وتتحرر هذه الانفعالات نسبيا فإنها تظل حادة نسبيا في الفترة الأولى, وترتبط -أساسًا- بعدم شعور الطفل بالأمان. وتتغير أساليب التعبير عن الانفعال. فبعد أن كان البكاء هو التعبير عن الغضب في المرحلة السابقة. فإن التعبير عنه في هذه المرحلة يتم بأساليب مختلفة منها تكسير الأشياء أو إخفاؤها انتقاما من الكبار. وقد يبادر الطفل بالعدوان تعبيرًا عن الخوف، كأن يهجم على أبيه أو أخيه ليوسعه ضربًا تعبيرًا عن خشيته من أن يضرباه، كما أنه قد يعتدي على غيره لينفس عن انفعالاته، وأشد أنواع الانفعال التي تجعل الطفل ينسحب من الجماعة وينطوي على ذاته، نتيجة لعدم شعوره بالأمان بالنسبة لمن حوله. ٤- النمو الاجتماعي: يقتصر مجتمع الطفل في مرحلة الطفولة على مجتمعه المباشر -بالدرجة الأولى- وهو الأسرة والرفاق في المدرسة. ففي بداية هذه المرحلة يقتصر مجتمع الطفل على مصادر الوفاء بحاجاته الأساسية. وأهمهم الأم والأب، ثم الإخوة والأخوات، ويتسع المجتمع بعد ذلك ليشمل أطفال الأسر المجاورة من رفاق اللعب، ومن يظهر عاطفة حب قوية نحو الطفل من الكبار. وأما بالنسبة لمجتمعه في المدرسة

стр. 248

فغالبًا يكون محدودًا بمن يتصلون به مباشرة من رفاقه في حجرة الدراسة والمدرسة. والطفل في هذه المرحلة لا يرتبط بمجتمعات أخرى ارتباطًا مستمرا. فغالبًا ما تكون علاقاته وقتية ترتبط بظروفها وتنتهي بانتهاء هذه الظروف. وفي بداية هذه المرحلة يكون الطفل مهتما بذاته. ولكن في نهايتها يتضح اهتمامه بتكوين جماعات اللعب. وفي نهاية مرحلة التمييز تبدأ الحدود بين البنين والبنات في الظهور، كما يقوى الانتماء إلى جماعات اللعب، وتكون المنافسة جماعية، ويصبح الطفل مهتما بشئونه الخاصة, ويظهر بعض العناد، ويتوقع ممن يتعامل معه أن يقدره ويقدر جماعة أصدقائه، ورغم هذا فإنه يتقبل النقد من جماعة اللعب أو من أفرادها. وفي نهاية هذه المرحلة يبدأ الميل إلى الجنس الآخر في الظهور، وإن كان هذا الميل يبدأ في شكل الرفض وعدم التقبل تغطية لهذا الميل الجديد. كما يتضح الاهتمام بالخدمة العامة مدخلًا لإثبات الذات وجذب أنظار الآخرين، والحصول على اعترافهم به وتقديرهم له.

стр. 249

هـ- مرحلة البلوغ أو الرشد: "١٤-٢١". هذه المرحلة قد تبدأ قبل السنة الرابعة عشرة، فقد تبدأ مرحلة البلوغ في الحادية عشرة بالنسبة للذكور، وقد تبدأ قبل ذلك بالنسبة للفتيات، وقد تتأخر عن الخامسة عشرة. وعل كل حال، فإن ظهور علامات البلوغ هي المؤشر الحقيقي لبداية مرحلة البلوغ تلك، وهي بداية الاحتلام عند الذكر والحيض عند الأنثى، ويأخذ الذكر شكل الرجال وتأخذ الأنثى شكل الإناث. وقد وجه الرسول ﷺ إلى أبناء هذه المرحلة بخاصة, وأبناء المراحل التالية بعامة قوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". "صحيح مسلم". ونظرًا للنمو السريع في هذه المرحلة، ونظرًا للحساسية الانفعالية في بدايتها، وتناقض تصرفات أبنائها بين الطفولة والرجولة، فإن توجيه هؤلاء ينبغي أن يتم بصورة مقبولة لديهم، كما أن للأصدقاء أثرًا كبيرًا عليهم. وقد حذر رسول الإسلام ﷺ من أثر قرناء السوء في قوله ﷺ : "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير, فحامل المسك إما يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة". "رواه البخاري".

стр. 250

و مرحلة الشباب: "٢١-٤٠". هذه المرحلة هي مرحلة بلوغ الأشد، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وهي المرحلة التي يبلغ فيها الفرد النضج الجسمي بحيث يكون قادرًا على تكوين أسرة. يقول الله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] . في هذه المرحلة يتم نضج الفرد الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي، ويكون عطاؤه في ذروته من حيث القوة البدنية, ومن حيث القدرة على التفكير ومن حيث الاستقرار الانفعالي. ويأتي بعد ذلك مرحلة النضج ونقدرها بين السنوات "٤٠-٦٠" على وجه التقريب، وهذه هي المرحلة التي تلقى محمد ﷺ الرسالة في بدايتها، وتتلو مرحلة الشيخوخة هذه المرحلة، وتأتي فيما بعد الستين. وقد أشار الحق ﵎ إلى هذه المرحلة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] . وقد استعاذ الرسول ﷺ من مرحلة أرذل العمر هذه. روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "أعوذ بالله من البخل والكسل وأرذل العمر, وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات". "رواه البخاري".

стр. 251

خاتمة الفصل السابع: في هذا الفصل: تناولنا أهم خصائص المتعلم من خلال نظرة الإسلام إلى الإنسان. وذلك من حيث طبيعته ومكونات شخصيته ووظيفته وخصائص نموه في المراحل المختلفة. وبينا أن أهم جوانب طبيعة المتعلم أنه مخلوق من تراب وأنه مفطور على التوحيد, وأن لديه توجهات للخير ونوازع للشر، وأن حياته في الدنيا موقوتة, وأنه قادر على الاختيار ومسئول عن اختياره. وبينا أن شخصيته تتكون من الجسم والعقل والنفس والروح، وأن وظيفته في الحياة هي عبادة الله ، وأنه يمر في نموه بمراحل أهمها الطفولة والتمييز والبلوغ, ولكل من هذه المراحل خصائص جسمية ونفسية وعقلية واجتماعية. ويدرك التربويون أن خصائص المتعلم هذه من أهم مصادر خبرات المنهج الدراسي. ولذلك فإن على مخططي المناهج الدراسية الذين يرغبون في توجيه هذه المناهج توجيهًا إسلاميا، عليهم أن يجعلوا هذه الخصائص معينا لخبرات مناهجهم فإن هذا خير عون لهم -بعد الله- على تربية المتعلمين تربية إسلامية.

стр. 252

أهم مصادر الفصل السابع: في هذا الفصل: تناولنا أهم خصائص المتعلم من خلال نظرة الإسلام إلى الإنسان. وذلك من حيث طبيعته ومكونات شخصيته ووظيفته وخصائص نموه في المراحل المختلفة. وبينا أن أهم جوانب طبيعة المتعلم أنه مخلوق من تراب وأنه مفطور على التوحيد, وأن لديه توجهات للخير ونوازع للشر، وأن حياته في الدنيا موقوتة, وأنه قادر على الاختيار ومسئول عن اختياره. وبينا أن شخصيته تتكون من الجسم والعقل والنفس والروح، وأن وظيفته في الحياة هي عبادة الله ، وأنه يمر في نموه بمراحل أهمها الطفولة والتمييز والبلوغ, ولكل من هذه المراحل خصائص جسمية ونفسية وعقلية واجتماعية. ويدرك التربويون أن خصائص المتعلم هذه من أهم مصادر خبرات المنهج الدراسي. ولذلك فإن على مخططي المناهج الدراسية الذين يرغبون في توجيه هذه المناهج توجيهًا إسلاميا، عليهم أن يجعلوا هذه الخصائص معينا لخبرات مناهجهم فإن هذا خير عون لهم -بعد الله- على تربية المتعلمين تربية إسلامية.

стр. 253

الفصل الثامن: أهم خصائص المجتمع المسلم مقدمة الفصل الثامن: يختلف الكاتبون في اشتقاق خصائص المجتمع المسلم لثراء المصادر، وكفاية الأدلة واختلاف أهداف الاشتقاق. وليس من أهدافنا استقصاء آراء الكاتبين في هذه الخصائص, ولا هو حصر هذه الخصائص، بناء على منهج معين لتحديدها، ولكن هدفنا هو تحديد أهمها بناء على الهدف من هذا الكتاب، وهو في مجمله حصر أهم خصائص المجتمع التي يمكن أن تكون مصدرًا لبناء مناهج دراسية غايتها تربية الفرد تربية إسلامية. وسوف نعنى، إن شاء الله، بالكليات دون التفاصيل. وتبني المقومات الأساسية لنظرة الإسلام للمجتمع، على نظرة الإسلام لكل من الإنسان والكون والحياة والمعرفة، فللإسلام في هذا كله نظرة تتفق مع طبيعة هذا الدين القيم. فالإنسان الذي يقول البعض أن سر وجوده هو الارتقاء من فصيلة أخرى، تعلمنا التربية الإسلامية أن الله خلقه من سلالة من طين. والكون الذي يرى البعض أن الطبيعة أوجدته، تعلمنا التربية الإسلامية أنه -بما فيه من أنساق ونواميس ومجرات وأحياء- من خلق الله . والحياة التى لا ترى تربيات كثيرة فيها سوى بعدها الدنيوي، ومن ثم تركز على أسباب الحياة ووسائلها ومادياتها ومتعها وصولًا إلى المتاع فيها وانتهاء بها، فإن التربية الإسلامية تجعلها تمتد إلى الحياة الأخرى، فتصبح الحياة الدنيا معبرًا لحياة أخرى، وعلى الإنسان أن يعمل للأولى كأنه يعيش فيها أبدًا، وأن يعمل للأخرى كأنه يموت غدًا. وللمعرفة -أيضًا- في الإسلام مفهوم خاص من حيث إنها من عند الله، وأنها لا تنفد وأنها تعنى بالمغيب والمشهود, وغير ذلك من الخصائص التي لا يتسع المجال لذكرها. واستقراء لنظرة الإسلام للمجتمع، فإن المؤلف يرى أن أهم خصائص المجتمع المسلم تتلخص فيما يلي: أولًا: ترسيخ عقيدة التوحيد. ثانيًا: الحكم بما أنزل الله على أساس الأخذ بالشورى والالتزام بالعدل. ثالثًا: الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رابعًا: تكوين الأسرة المسلمة. خامسًا: تحقيق التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي، بين المسلمين. سادسًا: متابعة الاجتهاد، لتقديم حلول لما لم يرد فيه نص. سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله. ثامنًا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع, والعمل على الارتقاء بالحياة فيه.

стр. 254

أولًا: ترسيخ عقيدة التوحيد أخص ما يتميز به المجتمع المسلم أنه مجتمع العقيدة، عليها يقوم بناؤه ومنها تنبثق روابطه وقيمه وضوابط سلوكه، وبقدر ما تكون قوة العقيدة في المجتمع يكون المجتمع قويا، وبقدر ما تضعف هذه العقيدة يكون ضعفه "٧، ٧٠٠". وهكذا تكون العقيدة الإسلامية هي الرواسي التي تحفظ المجتمع الإسلامي من أن يهتز. وهي التي تجعل منه بنية قوية دعائمها، راسخة أركانها، ثابتة قواعدها. والعقيدة "بمفهومها اللغوي ومفهومها الاصطلاحي" تعني الحكم المستقر الذي لا يقبل الشك عند معتقده "٧، ٧٠١" وهي بذلك, القوة الدافعة التي تحفظ توجه الإنسان إلى الله وحده لا شريك له, وهي الطاقة الإيمانية المتجددة لدى الأفراد، وهي حبل الله المتين الذي يحفظ وحدة المجتمع وتماسكه على طريق الهدى والرشاد. وللعقيدة مقتضيات: "٧، ٧٠٠-٧٠١" الأول: أن العقيدة لا تكون إلا عقيدة دينية، أي: العقيدة الإلهية التي تكون من الله ؛ ذلك لأن أي مبدأ أو رأي أو فكرة أو مذهب مما لدى البشر لا يستقر في القلب استقرار العقيدة التي لا تقبل الشك، فالبشر يخطئون ويصيبون نتيجة لما يعرض لهم من قصور في الفكر أو الرأي أو النظر أو نسيان أو غفلة، أو يعرض لهم من مؤثرات الهوى والشهوة والنزعات الوجدانية الأخرى. والثاني: أن العقيدة خاصة بالإنسان، خصه الله بها دون غيره, حيث ميزه بالهدى والبر والخير والصلاح. والثالث: أن العقيدة الإلهية لا تقبل الشرك، فلا يستقر في قلب صاحبها سواها من المذاهب أو الأفكار، فهي عقيدة التوحيد الخالص لله، توحيده في ربوبيته وفي ألوهيته، وفي ذاته وصفاته وأفعاله. ولقد جاء جميع الرسل بالعقيدة ذاتها، عقيدة التوحيد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] .

стр. 255

وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٦١] . وقال تعالى: ﴿إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُْ﴾ [هود: ٨٤] . وهذا رسول الله، يبين أن عقيدة التوحيد، هي حق من حقوق الله على العباد وأنها تنجيهم من العذاب. عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف النبي. على حمار. فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله"؟. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا, وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" , قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". "الصحيحان". ويبين الحاق ﵎ أن من تتلبث عقيدته بالشرك فقد أثم، ولا ينال مغفرة الله أبدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] . ورابطة العقيدة هي أوثق الروابط في المجتمع، فهي تتخطى حواجز الحدود الجغرافية والعرقية, وحواجز اللون والجنس. بل تتخطى كافة الحواجز، وتجعل الانتماء الوحيد للمسلم هو الدين الإسلامي. فبهذه العقيدة نجد بلالا الحبشي، وصهيبًا الرومي وسلمان الفارسي، وأبا بكر القرشي، وغيرهم يتركون وراء ظهورهم كل عوامل التمايز بينهم ويرتبطون بالعقيدة وحدها، فينصهرون في مجتمع مثالي متفرد -على مر التاريخ- في خصائصه الطيبة.

стр. 256

وهكذا تكون عقيدة التوحيد هي العمود الفقري لجسم الأمة الإسلامية. إذ بها يتجمع المسلمون جميعهم حول الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس له شبيه ولا ولد، وبهذه الصفات المتفردة يستقر في قلب المسلم -بعقيدة التوحيد- أن الإنسان ليس وحده في مسيرة الحياة، وأن المجتمع المسلم مجتمع رباني، فللفرد حدود في سعيه في الحياة يحددها منهج الله، وللمجتمع حدود يبينها هذا المنهج، ومن يلتزم بهذه الحدود فهو في رعاية خالق الكون، ومن ثم لا يخشى في الحق لومة لائم. فيعمل على إنفاذ منهج الله في الأرض ويسود -بذلك- الأمن والاستقرار والسلام لجميع البشر. وقبل هذا وبعده، فإن العقيدة تشبع حاجة أساسية عند الإنسان وهي حاجة الإنسان إلى الاعتقاد في قوة لا يحدها شيء، تكون له ملاذا حيث لا ملاذ، وتكون له ملجأ حين يعز عليه الملجأ. ويستمد منها القوة والأمن والأمان، وفي الوقت نفسه يخشاها حيثما يكون وفي أي وقت يكون، في سره وعلنه. والعقيدة الإسلامية عقيدة شاملة لحياة الفرد كلها دنياها وآخرتها في تكامل وتوازن واعتدال إنها العقيدة التي تتسع فتشمل كل نشاط الإنسان في كل حقول الحياة، وإنها لا تتولى روح الفرد وتهمل عقله وجسده. أو تتولى شعائره وتهمل شرائعه، أو تتولى ضميره وتهمل سلوكه. وإنها لا تتولاه وتهمله جماعة، ولا تتولاه في حياته الشخصية, وتهمل نظام حكمه وعلاقاته الدولية "١٦، ٨". لذلك فإن هذه العقيدة من أهم، بل أهم خصائص المجتمع المسلم التي ينبغي أن يضعها مخططو المناهج الدراسية في عين الاعتبار, من حيث كون المجتمع مصدرًا من مصادر هذه المناهج، وذلك عن طريق العمل على ترسيخها في أنفس المتعلمين وأفئدتهم واستثمارها في عملية التعليم والتعلم. أنها تؤسس على العقيدة الإسلامية، وأنها من أسس الدين الحنيف التي تجعل المسلم يحيا وفق ما

стр. 257

ثانيًا: الحكم بما أنزل الله والأخذ بالشورى والالتزام بالعدل إن الله قد أنزل الشريعة التي يحتكم إليها المسلمون في جميع شئونهم الخاصة والعامة، ولم تترك الشريعة أمرًا من الأمور إلا أحاطت به سواء ما يخص علاقة الفرد بذاته, أو علاقة الفرد بغيره من الأفراد، أو علاقة الفرد بأسرته أو بمجتمعه بما فيه من مؤسسات، أو علاقته بالمجتمعات الأخرى مسلمة أو غير مسلمة. وبينت للناس شئونهم في السلم والحرب. وفي الرخاء والشدة، ووضعت الحدود لكل فعل. كما أوضحت الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم. وما ينبغي أن يسود المجتمع المسلم من علاقات، إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره. وإن أهم ما ينبغي إدراكه بالنسبة لتحكيم الشريعة الإسلامية

стр. 258

أحله الله وما حرمه، ويجد في دخيلته رقابة ذاتية تمنعه في سره وعلنه من ارتكاب الخطأ، حبا في الله وتسليمًا بأوامره ونواهيه. وهذا الانسجام بين سر الفرد وعلنه، وهذا الشعور برقابة الله , والحب فيه والبغض فيه والحرص على إنفاذ أمره وتجنب نواهيه، يجعل المسلم رقيبا على نفسه مقوما لها، آخذا بناصيتها إلى الصراط الله العزيز. والشريعة الإسلامية هي: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق ونظم حياة في شعبها المختلفة لتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة. "٨، ٩" ومصادر الشريعة هي الكتاب والسنة, ثم أدلة أخرى تستند إلى هذين المصدرين وهي: القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة. "٨، ٧٣-٨٠". ومن أهم الفروق بين الشريعة والقوانين الوضعية أن الشريعة ربانية المصدر، وفي تحكيمها طاعة لله، ودليل على الإيمان به وباليوم الآخر. وقد وجه الله توجيهًا صريحًا إلى تحكيمها. فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] . ولقد نهى الله عن اتباع الهوى، وأمر بتطبيق الشريعة في المجتمع المسلم أمرًا ملزمًا كلا وتفصيلًا فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] . أما الذين لا يطبقون الشريعة من المسلمين فهم -لا شك- لا يؤسسون مجتمعا مسلمًا. فالشريعة -كما أشرنا سابقًا- ليست مجموعة من القوانين التي ينفذها الناس ما دامت هناك متابعة من القائمين عليها لتنفيذها، ويتحررون من قيدها في غيبة هذه المتابعة -كما هو الحال في القوانين الوضعية- ولكنها نظام

стр. 259

متكامل في ذاته يجعل سر الفرد يتكامل مع علنه في خشية الله، ومن ثم لا انفصام بين سلوك الفرد في الحالتين. والإسلام نظام تتكامل عناصره مع بعضها البعض، وهذا التكامل يجعل أي خلل في تطبيق الشريعة أو تراجع عن تطبيق جزئية فيها ينعكس على بقية العناصر. لذلك فإن الله قد وصف من لم يحكم بشرعه بالظلم مرة وبالكفر مرة وبالفسق مرة؛ لأن من يفعل ذلك يقوض أركان المجتمع المسلم من أساسها، ولا شك أن التراجع عن تطبيق الشريعة هو من أهم أسبباب انهيار المجتمعات المسلمة في أيامنا هذه. ومن الملاحظ أن الآيات التي تناولت المعرضين عن تحكيم شرع الله جاءت متتالية أو متقاربة، حتى يكون وقعها قويا ووعيدها شديدًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] . ويقوم الحكم في الإسلام على الشورى والعدل في تطبيق شرع الله. والشورى في الإسلام تقي الحاكم من أن ينفرد بالرأي. فقد يقضي في أمور المسلمين بما لا يتفق مع منهج الله. وقد يجتهد عن غير علم بما يقضي فيه فيضل السبيل الأقوم، وقد ينحاز أو يجور. كل هذا قد يحدث عن قصد أو عن غير قصد. لذلك، كانت الشورى وجاء للحاكم من الزلل في كل الأحوال. والشورى وسيلة للوصول إلى الرأي الأصوب؛ لأنه رأي الجماعة. والجماعة هنا لا يقصد بهم الأغلبية المطلقة كما هو الحال في النظام "الديموقراطي" الذي يعتمد عل الأغلبية العددية وحدها، ولكن المقصود بالجماعة هنا جماعة الأفراد المؤهلين للاستشارة من أهل الحل والعقد، ومن أهم ما ينبغي أن يتوافر في هؤلاء شرطان أساسيان، الأول: أن يكونوا منم يتقون الله في القول والعمل ولا يخشون أحدًا إلا هو، ويعملون على تحقيق منهجه في الأرض. والثاني: أن يكونوا ممن لديهم العلم الواثق والخبرة الكافية فيما يستشارون فيه. وبناء عليه فإن المستشار في الإسلام لا ينافق الحاكم ولا يخشاه، بل يصدقه القول، أما عن مدى صواب ما يشير به فعمله وخبرته يؤهلانه -بعد تو فيق الله- للوصول إلى الصواب. ومع ذلك، فهو بشر يخطئ ويصيب، ولكنه يتحرى الصدق والصواب في كل حال.

стр. 260

ويؤكد القرآن لكريم الشورى في أكثر من موضع. قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] . وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ويحدثنا التاريخ الإسلام عن اتباع الرسول ﷺ للشورى في اتخاذ قرارته. فما حفر الخندق في غزوة الخندق إلا نتيجة المشورة، وما خرج المسلمون في غزوة بدر لمقابلة الكفار إلا بعد المشورة، وما تقررت معاملة أسرى بدر إلا بناء على مشورة. ويعتمد العدل في الإسلام على المنهج وعلى الناس وعلى القوة. أما المنهج فهو شريعة الله ... وقد أكدت الشريعة أمر العدل مع النفس، وداخل الأسرة وفي ساحة القضاء، وعلى مستوى الرعية، وحتى مع المخالفين في العقيدة، ومع من نحبهم ومن نكرههم "١٨، ٢٨٤". قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وتطبيق الحدود من الدعائم المهمة للعدل في الإسلام، ومن أهم أسس استقرار الحياة في المجتمع المسلم. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ١٧٩] . ووضع الله موازين هذه الحدود, قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] .

стр. 261

وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] . وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . ويبين سلوك محمد ﷺ قواعد للعدل والمساواة ستظل نبراسا يستضيء به طلاب العدل ومريدوه على مر الأزمان. وذلك حين جاءه من يشفع في حد من حدود الله، فأقسم بالله بأن لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها. وقال ﵊: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". رواه أحمد". كما ضرب الحكام المسلمون الأوائل أمثلة للعدل مع النفس ومع الغير من أبناء الرعية المسلمين وغير المسلمين. فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحكم لنصراني من مصر بضرب ابن عمرو بن العاص واليه على مصر قصاصا منه. وهذا على بن أبي طالب ﵁. يقاضي نصرانيا أخذ درعه -وهو أمير المؤمنين- فيحكم القاضي للنصراني بالدرع؛ لأن أمير المؤمنين ليس عنده بينة. "١١، ٥٩".

стр. 262

وولي الأمر الذي يحكم بشرع الله مؤسسا عل الشورى والعدل له واجب الطاعة على المسلمين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] . وهكذا يحكم سلطة الحاكم شرع الله, ويعينه المحكومون ما دام منفذًا لهذا الشرع فيهم، وإذا ما اختلفوا فيما بينهم في شي يحتكمون فيه إلى الله. فهذا أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ وصديقه يضع قواعد العلاقة بين الحاكم المسلم والمحكومين تحت إمرته في كلمات بالغة الدلالة بقوله: "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم". وقال عن ذلك الإمام مالك: "لا يكون أحد إمامًا إلا على هذا الشرط". وهكذا كانت مبادرة الرعية إلى إبداء الرأي المخالف حقا مقررا لهم، بل واجبًا عليهم بمقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمبادرة ولي الأمر إلى طلب المشورة من أهلها واجبة عليه للاستدلال على حكم الله ورسوله من النصوص الشرعية المتعددة، وللاجتهاد فيما سكتت عنه النصوص "٩، ١٣٥". ويتبين مما سبق، أن الحكم بالشريعة الإسلامية مؤسسا على الشورى والعدل من أهم خصائص المجتمع المسلم، فكما أن المجتمع لا يكون مسلمًا بدون عقيدة التوحيد، فإنه لا يكون مجتمعا مسلمًا ما لم يطبق شرع الله فيما شجر فيه. ومن هنا كان هذا التطبيق من الأهمية، بحيث يكون من بين العناصر المعتبرة في مصادر المنهج الدراسي.

стр. 263

ثالثًا: الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإسلام دين الله في الأرض, ارتضاه الخالق لعباده بقوله، : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] . ولأن الإسلام دين محيط بجميع قضايا الحياة في حالها واستقبالها، فقد جعل الله الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم مقومات المجتمع المسلم.

стр. 264

فبهذا يجد الناس من يذكرهم -دائمًا- بمنهج الله ، ويوضح لهم طرائق هذا المنهج في علاج ما يواجهون من مشكلات، وما يتأتى من طروحات جديدة، ويوجه التغير في المجتمع وفق هذا المنهج. وسواء أكان حال المجتمع سيئًا -كما هو حال المجتمع المسلم اليوم -أم كان مستقرا على منهج الله، فإن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة؛ لأنها ضرورة ووقاية للمجتمع من المشكلات، وضرورة علاج لما يصيبه من خلل يبعده عن منهج الله، فالنفس البشرية في حاجة إلى التذكير بطريق الحق ﵎، بل إن المؤمنين منهم خاصة ينتفعون بهذا التذكير: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . ولأهمية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المسلمين مكلفون بها، بقدر الاستطاعة. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] . عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" , "رواه الترمذي". وقال ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا". "رواه مسلم". ومع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر, وهو فرض كفاية. إلا أنه فرض على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية. "٤، ٣٤". ومن شأن المجتمع الإسلامي أن يكون وقافًا عند حدود الله، يحرص أفراده على معرفة أحكام الله حتى لا يتجاوز ما يحل له إلى ما يحرم عليه، وحتى لا تغريه مشتبهات المسائل بالوقوع في المحظور؛ ولأن الفرد ليس عنده من الوقت لتعلم العلم من أصوله حتى يتوصل بذلك لما يعرض له في حياته من فروع، كثيرًا ما يتردد

стр. 265

على شيخ الجماعة أو فقيه المحلة أو خطيب المسجد وإمامه يسأله عن كل ما يصادفه في حياته من أمور "١٠، ٦٦". وللدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آداب ومنهج، لا ينبغي أن يحيد عنه من تولى شرف العمل بها، وقد بين الله ﵎ هذا المنهج في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . ومجالات الدعوة كثيرة، فهي نداء الله تعالى للكافرين كي يؤمنوا وللمشركين كي يوحدوا، ولأهل الكتاب كي يسلموا، وللعصاة كي يتوبوا، وللمختلفين كي يتفقوا، وللمتفرقين كي يتحدوا، وللمتخاذلين كي يتعاونوا, وللقاعدين كي يجاهدوا, وللمتطرفين كي يعتدلوا، وللمتهاونين كي يجدوا "١٣، ٤٣". ومن يحمل نداء الله هذا لا بد أن يحمله بالحسنى ولين الجانب وسعة الصدر، وأن يعتمد على الإقناع بالدليل تلو الدليل والحجة تلو الحجة، وأن يكون متواضعًا باشًّا، يعتمد على الحكمة ويقر في عقله وقلبه أنه مكلف بالبلاغ المبين بقدر طاقته، وأنه مرشد وموضح لمنهج الله، وأنه لم يكلف بتبديل السنن الكونية من أجل هداية الناس. فالله، وحده يهدي من يشاء. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] .

стр. 266

ومن أدب الدعوة ومنهجها أن يصبر الداعية على المكاره وعلى مقاومة الناس للدعوة ومحاربتهم لها، ولا ييأس ولا يقنط من رحمة الله ولا يحزن، بل يتحلى بالصبر وبالتقوى وبالإيمان. قال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] . وقال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . وقصة محمد ﷺ مع بني ثقيف تعطينا مثلًا رائعًا في منهج الدعوة. فقد ذهب الهادي البشير إليهم يدعوهم إلى طريق الحق والصواب، فأغروا به سفهاءهم فظلوا به حتى أدموا قدميه من قذفهم بالحجارة، ولكن الهادي البشير لم ييأس، ودعا لهم بالهداية. والله يكرر وصيته للداعية الأولى -خاتم الأنبياء- بأن يصبر في مواضع كثيرة من الذكر. ومن أمثلتها: قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] . وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] . وللقيام بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط واجب توافرها: أولها العلم والتفقه فيما يدعو الناس إليه، وما يأمرهم به وما ينهاهم عنه. فهذا هو زاد الرحلة وزواد السفر فيها، وإذا لم يتزود الداعية به ضل طريقه، وأضل الناس. ولكن بعض من نقص علمهم يحاولون تعويضه بتهييج عواطف الناس وبالهجوم على العلماء, وفي هذا بلاء للأمة عظيم. وفي هذا يتساءل عبد الله التركي قائلًا: فإذا كان المرء لا يعلم ما يدعو إليه، فلأي شيء يدعو إذن؟ ويشير إلى هؤلاء بقوله: الذين يدخلون ميدان الدعوة بغير عدة علمية, على أن يعوضوا القحط

стр. 267

العلمي بالتهييج. فنقص العلم في العبارة يعوض بالنفخ في مضمونها، وبالحدة في إخراجها والتهويل في المعلومات والواقع، وبالأحكام المتسرعة، وبالحط من قيمة العلماء. "٢، ١٤". والتركي -بهذا القول- يصف البلاء الذي وقع في بلاد المسلمين هذه الإيام، حيث تجرأ على الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير المؤهلين لها، ونظرًا لضعف إعدادهم ونقص تأهيلهم لجئوا إلى الاستخفاف بالعلماء وتسفيه آرائهم، وإلى إثارة عواطف الناس ضد المجتمع وعلمائه وولاة الأمر فيه، وأخذوا يكفرون من يكفرون ونصبوا أنفسهم ولاة للأمور. والشرط الثاني في الأهمية بالنسبة لمن يتصدى لواجب الدعوة إلى الله والأمر باتباع منهجه والنهي عن مخالفته، أن يكون الداعية قدوة عملية لما يقول: فلا يرجى لإنسان أن يقنع أحدًا بعمل أمر ما، وهو شخصيا يخالفه، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] . والإسلام منهج عمل وأسلوب حياة، ومن أهم أساليبه التربوية، القدوة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] . وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] . وقال الهادي البشير ﷺ : "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول: بلى، قد كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه". "رواه البخاري ومسلم". وهناك شروط كثيرة أخرى في من يتصدى لواجب الدعوة لا مجال لذكرها هنا. وتتعلق هذه الشروط بالصفات الشخصية والأخلاقية, والإعداد العلمي والثقافي والمهني, واكتساب مهارات الاتصال وتقانتها, والإلمام بمشكلات المجتمعات مجال الدعوة ولغتها وواقعها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، إلى غير ذلك من الشروط التي لا يتسع المجال هنا لتناولها. مما سبق يتبين أن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص المجتمع المسلم التي تعمل على وقاية أبنائه من الانحراف عن الجادة، كما تسهم في علاج المشكلات التي قد تظهر فيه سواء أكانت هذه المشكلة تتعلق بالأفراد أم بالجماعات والمؤسسات أم بغير ذلك. ومن هنا فإن مخططي المناهج الدراسية ينبغي أن يعنوا عناية كبيرة بهذه الخاصة عند اختيارهم لخبرات هذه المناهج وعند تنظيمها.

стр. 268

رابعا: تكوين الأسرة المسلمة مدخل ... رابعًا: تكوين الأسرة المسلمة إن جميع المؤسسات في المجتمع المسلم هي مؤسات إسلامية. ومن ثم ينبغي أن تؤسس وتنظم وتدار وتقوم مخرجاتها أو نتائجها وفق التوجيه الإسلامي. ويقع عليها واجب تربية منسوبيها وتوجيه سلوكهم وفق هذا التوجيه. وعليها أن تتعاون مع المؤسسات الأخرى على تحقيق التربية الإسلامية لأبناء المجتمع. والمجتمع المسلم مجتمع طهارة وعفة، يأبى أن تختلط فيه الأنساب وتهتز فيه القيم، ويضع الأسس التي تحفظ أفراده من الوقوع في براثن الغواية والشهوة، كما يضع الحدود الرادعة لمن ينتهك حرمات الله، وتتخذ فيه جميع السبل للحماية من انتشار الفحشاء. والأسرة نواة المجتمع وإحدى مؤسساته المهمة. لذلك فقد أولاها الإسلام عناية خاصة واتخذ من أسباب تكوينها وتنظيم العلاقات فيما بين أعضائها وتحديد حقوقهم وواجباتهم، ما يحفظ تماسكها وبقاءها. وبالإضافة إلى ذلك, فقد جعل لكل من لا يلتزم بحدود الله من أعضاء الأسرة جزاء مناسبًا. ويلاحظ الباحثون في كتاب الله وسنة رسوله أن الله قد بين مقومات لتربية الأسرة المسلمة بما يؤسس حياتها على العفاف والتقى واتباع منهجه، ومن ثم السعادة في الدارين. ومن أهم هذه المقومات: أ- الترغيب في الزواج، وبيان أسس اختيار كل من الزوجين. ب- بيان حقوق كل من الزوجين وواجباته قبل الآخر. جـ- بيان حقوق الوالدين. د- بيان حقوق الأولاد والحرص على تربيتهم. هـ- وضع أسس لوقاية الأسرة من التفكك والانحراف. وفيما يلي نتناول كلا من هذه المقومات بشيء من التفصيل:

стр. 269

أ- الترغيب في الزواج وبيان أسس اختيار كل من الزوجين: إن الدين الحنيف لا يغالب الدوافع الجنسية في الفرد فيكبتها ويوقع الفرد في صراع بين دوافعه الفطرية وبين قيم المجتمع، ولا يحاول تربية الفرد المسلم بحيث يستعلي على هذه الدوافع, ويدخل في عالم يحاول فيه نسيان جسده ووجدانه ودوافعه وما لها من مطالب. إن التربية الإسلامية تنظر إلى كل هذا نظرة متوازنة وتوجد لكل جانب من جوانبه العوامل المناسبة لنموه, بما يحقق أهدافها مراعية في ذلك طبيعته. لذلك نجد الإسلام، في الحال الدافع الجنسي يربي المسلم تربية تتفق تمامًا مع طبيعة هذا الدافع، ليس فقط ليجد هذا الدافع التعبير المناسب، ولكن أيضًا لأسباب أخرى مثل حفظ النوع واستمرار البقاء وحفظ الأنساب، والمحافظة على بقاء المسلم وطهره. وتحقيقًا لهذا يشجع المصطفى ﷺ على الزواج بقوله: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". "صحيح البخاري". ويتضح من هذا الحديث أن التربية الإسلامية تشجع على تكوين الأسرة وعلى التمسك بالعفة. وذلك بتشجيع الشباب على الزواج وترغيبهم في العفاف. كما نجد أنها تقدم حلا تعبديا لهؤلاء الذين لا يتوافر لديهم القدرة على الزواج وهو الصوم، كي يستطيع الفرد السيطرة على دوافعه دون الشعور بالكبت، فالصوم رياضة روحية، إضافة إلى أنه رياضة بدنية وتدريب للسيطرة على الدوافع والرغبات والميول. أما بالنسبة لاختيار الزوجين، فإننا نجد التربية الإسلامية قد حرصت على حسن اختيار قطبيها -الزوج والزوجة- لما لذلك من أثر على استقرار الأسرة بعد تكوينها. فبالنسبة لاختيار الزوجة بين الله ﵎ أن الصالحات من النساء حتى لو كن فقراء هن الاختيار الأفضل في الزوجات. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] . كما بين الرسول ﷺ أسس اختيار الزوجة، وأمر باختيار ذوات الصلاح منهن. وذلك في قوله ﷺ : "تنكح المرأ ة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". "متفق عليه".

стр. 270

كما وجه الرسول ﷺ إلى اختيار الصالحين من الرجال أزواجًا لبناتهم، بل إنه أوضح أن المسلمين إذا لم يفعلوا هذا فإنهم سوف يحدثون بذلك فتنة في الأرض، وفسادًا كبيرًا. ذلك في قوله: "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، وإن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". "رواه الترمذي". وهكذا تؤكد التربية الإسلامية أن الحياة الأسرية لا يمكن أن تقوم على المال أو الجمال أو الحسب فقط. ولكن ركنها الركين عند التخطيط لتكوين الأسرة واختيار الزوج أو الزوجة أن يكونا من ذوي الدين, فإن هذا خليق بأن يجعلهما يرعيان الله، كلا منهما في الآخر، وفي نفسه وأهله وأصحابه وماله وجميع شئونه. ومن الملاحظ أن جميع المقومات الأخرى لاختيار كل من الزوج والزوجة مثل المال والجمال والحسب قد تضعف بالتقادم أو بتغير الأحوال. أما الدين فإنه يقوى ويكون أشد أثرًا في سلوك الفرد مع دوام التمسك بالعمل به. ومن هنا، كان أثره أقوى وأدوم. كما أن كلا من الغنى اوالفقر ليس معيارًا أساسيا في اختيار الزوج أو الزوجة؛ لأن الله وحده هو المغني. ونلاحظ أن الله قد حرم زواج الأقارب تجنبا لاختلاط الأنساب وضعف النسل، ومحافظة على وئام الأهل ولأسباب يعلمها هو. قال الحق ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣] . وقد حرص الإسلام على ألا تكون تكاليف الزواج مرهقة للزوج أو الزوجة. فقد زوج النبي ﷺ ابنته فاطمة ﵂ من علي بن أبي طالب, وكان الصداق درع علي الحطمية. فماذا تصنع فاطمة بالدرع؟ وأي قيمة مادية لها؟ هذا دليل على أن الزواج في الإسلام ليس سلعة يشتريها القادرون. بل هو حق مشروع يعان عليه. ومثال آخر يوضح أن الزواج في الإسلام هدف نبيل لغاية شريفة هي تكوين الأسرة أن يزوج النبي ﷺ رجلًا امرأة، وكان مهرها هو تعليمه لها ما يحفظ من القرآن.

стр. 271

ب- بيان حقوق كل من الزوجين ووقايتهما من الغواية: العلاقة الزوجية في الإسلام علاقة مودة ورحمة. بل جعل الله الزوجة سكنًا للرجل يجد فيها الحبيبة التي يودع فيها نطفته وكوامن ذاته وحفيظتة نفسه. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢] . ولا ينبغي لعلاقة المودة هذه أن تهن أو تهتز في وقت الخلافات التي تؤدي إلى الانفصال، بل ينبغي أن تظل علاقة الزوجين بالمعروف ولا يحاول الزوج بحال من الأحوال الإضرار بزوجته، إلا أن يكون ظالمًا لنفسه عند الله. قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] . والرجال والنساء في الإسلام شركاء حياة وبناة مجتمع ورفاق مصير. يكونان معا نواة الأمة الإسلامية. وإنه لمن ضرورات الحياة -سواء في الحياة الزوجية أم في الحياة بعامة- أن تحدد حقوق الأفراد بما يحفظ التوازن بينهم. وقد حققت الشريعة الإسلامية هذا التوازن في الأسرة المسلمة. يقول الشيخ مناع القطان: بينت الشريعة الإسلامية حقوق الأسرة بما يحفظ التوازن بين أفرادها، فأعطت للمرأة الرشيدة حرية اختيار الزوج. وجعلت الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين متسقة مع الفطرة وطبيعة كل منهما. فللمرأة أهليتها الحقوقية الكاملة. تدير أموالها وتستثمرها، وتكون حاضنة لأولادها. ولها حق الإرث، وبين أحضانها تتربى أجيال المستقبل "٨، ٨٩". لقد جعل الإسلام الزواج طلبا وقبولًا وشهادة عدول. فالطلب من الرجل والقبول من الفتاة أو المرأة. والمرأة تصرح برأيها، أما الفتاة التي لم يسبق لها الزواج فيكفيها السكوت تعبيرًا عن الموافقة. ولكن لا زواج بدون موافقتها في الحالين.

стр. 272

فعن أبي هرية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن". قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت". "صحيح مسلم". وجعل الإسلام للزوجة على زوجها حقوقًا كثيرة لا يمكن الإحاطة بها هنا، منها: الصداق والنفقة والعدل بينها وغيرها من الزوجات الأخريات، وألا يفاجئها بالدخول عليها بعد غيبة حتى لا يراها على هيئة لا يحبها. قال ﷺ : "إذا دخلت ليلًا لا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمشط الشعثة". "صحيح مسلم". ومن حق الزوجة على زوجها أن يحفظ سرها. فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها". "صحيح مسلم". وكما أن الله ، قرر للزوجة حقوقًا على الزوج، فقدج جعل له هو أيضًا حقوقًا عليها. منها: حق القوامة عليها. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . ونجد تفسير البعض لمدلول هذه الآية في قول الشيخ مناع القطان: واحتفظت الشريعة الإسلامية بالسلطة العليا في تدبير شئون الأسرة للرجل؛ لأنه أقدر على ذلك بما منحه الله من صفات القيادة في الحزم وقوة الإرادة، وبما يتحمله من أعباء النفقة، فالغنم بالغرم "٨، ٨٩". ونجد أن عقدة النكاح -في الأساس- بيد الرجل، كما نجد للرجل على زوجته: حق الطاعة والإرث وحفظ العرض وتربية الأولاد ورعاية المال وصلة الأرحام، إلى غير ذلك من الحقوق التي أوجبتها الشريعة الإسلامية على الزوجة لزوجها.

стр. 273

جـ- بيان حقوق الوالدين: لقد جعل الإسلام للوالدين حقوقا لم ينلها سواهما. ويبين في جلاء ووضوح حقوقهما على أولادهما. فحقوق الوالدين على الأولاد تصل إلى حد طاعتهما طاعة مطلقة إلا في مصعية الله. وحتى لو كان الولدان غير مسلمين فإن تعاليم الإسلام تقضي بأن يصاحبهما الولد في الدنيا معروفًا. وتصل حقوق الوالدين على أولادهما في الإسلام إلى حد أن تعاليم الإسلام تقضي بألا يقول الولد لأحدهما أف عند الكبر، وأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة. كما أن من واجبه أن يدعو لهما بالرحمة، يقول الحق ﵎. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] . وقال تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] . وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] . ومن الجدير بالملاحظة في هذه الآيات الكريمات أن الله لم يقدم فيها على الإحسان للوالدين سوى عبادته . وهذا يبين مدى عناية الإسلام بحقوق الوالدين. وقد قدم الرسول ﷺ البر بالوالدين على الجهاد في سبيل الله, رغم ما للجهاد من علو قدر في الإسلام، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". "متفق عليه". وقد حض الإسلام الأم بعناية خاصة، فحث الأولاد على أن يرعوها رعاية خاصة، وأوضح فضلها في أكثر من موضع القرآن الكريم وفي السنة المطهرة. قال تعالى. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] . وهذا رجل يأتي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن أحق الناس بحسن صحابته، فبين له الهادي البشير أن والديه هما أحق الناس بحسن الصحابة. ويؤكد على أحقية الأم في ذلك. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أبوك". "متفق عليه".

стр. 274

ولم تقف حقوق رعاية الأولاد لوالديهما عند البر بهما في حياتهما. ولكن امتدت هذه الحقوق إلى الحياة الأخرى. عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذا جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شئ أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما". "رواه أبو داود". وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم".

стр. 275

بيان حقوق الأولاد والحرص على تربيتهم ... د- بييان حقوق الأولاد والحرص على تربيتهم إن للأولاد في الأسرة شأنا كبيرًا، فالأسرة هي البيئة التي يتشربون منها قيمهم ومعاييرهم ونظرتهم للحياة. وفي الأم يجدون المحضن الذي يأوون إليه فيشعرون بالأمن والحنان والحب، وفي الأب يجدون المثل والوقاية والمنقذ، وفي الإخوة والأخوات يجدون تلاميذ مدرسة الأسرة الذين يأخذون عنهم ما يساعدهم على فهم الحياة. ومن الأسرة يأخذ الطفل دينه فيظل على فطرته مسلمًا أو يعتنق المسيحية أو اليهودية أو المجوسية. ويكون هذا أو ذاك بناء على تعليم الأبوين وتوجيههما. وفي هذا روى أبو هريرة ﵁، عن رسول ﷺ : قوله: "ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء". "متفق عليه". وتقع مسئولية تربية الأولاد على الأبوين بحكم مسئولية رعايتهما لهم، قال رسول الله ﷺ عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته"، قال: وحسبت أن قد قال: "الرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته, وكلكم راع ومسئول عن رعيته". "مختصر صحيح البخاري".

стр. 276

وقال ﷺ : "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله, ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله". "رواه مسلم". بالإضافة إلى ما سبق، فإن الإسلام قد قرر حق الأولاد في ثروة الوالدين والأقربين، وجعل لهم فيها نصيبًا مفروضًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . ويؤكد رسول الإسلام -بالفعل وليس بالقول فقط- أن الحنان والعطف على الأطفال هو حجر الزاوية في تربيتهم: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: رأيت النبي. يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله. على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها. "مختصر صحيح مسلم". وقد بلغ عطف الرسول ﵊ على الأطفال؛ أنه نعت من لا يلاطف الأطفال، ولا يداعبهم بأنه غير رحيم، بل وأنذره بأنه لن يرحم يوم القيامة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قبل النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا. فنظر إليه رسول الله. فقال: "من لا يرحم لا يرحم". "متفق عليه". ويضرب الرسول المعلم مثلا في احترام الطفل كي يتربى على احترام الذات. عن سهل بن سعد ﵁ قال: أتي النبي ﷺ بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: "يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ"؟. قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه. "مختصر صحيح البخاري". وهكذا يضرب الرسول الأمين مثلًا للمربين في معاملة الأطفال، فهو -صاحب الرسالة- يستأذن غلامًا في أمر تقديم الشيوخ عليه، ويأبى الغلام فينفذ له الرسول رغبته. وكان الرسول الأمين حريصًا أشد الحرص على حسن تنشئة الأولاد وتربيتهم والعدل بينهم. فقد قال ﷺ :

стр. 277

عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع". "رواه أبو داود". وقد خص الإسلام الفتيان بعناية خاصة، فأبطل وأدهم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩] . وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] . مما يدل على عناية الإسلام الخاصة بالفتيات قول عائشة ﵂: "دخلت على امرأة ومعها ابنتان لها، تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت فدخل علي النبي. فأخبرته، فقال: "من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن أليهن كن له سترًا من النار". "متفق عليه. ومما يجدر بيانه أن الإسلام قد خص فئات معينة من الأولاد بمزيد من الرعاية نظرًا لضعفها وحاجتها إلى تهيئة فرص للنمو الصحيح والتنشئة السوية. من هذه الفئات الجنين قبل الولادة. والطفل بعد الولادة واليتامى والمساكين وأبناء السبيل واللقطاء.

стр. 278

هـ- وضع أسس لوقاية الأسرة من التفكك أو الانحراف: لقد حفظ الإسلام للأسرة مقومات البقاء والمودة والتراحم والرعاية، وعني بوقايتها من التفكك بمختلف السبل التي من بينها تحديد أساليب معاملة الزوجة إذا خاف الزوج منها نشوزًا، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] . وأسلوب ثان هو تحكيم أهل الزوجين، إذا ظهرت بوادر للشقاق بين الزوجين. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] .

стр. 279

وأسلوب ثالث: هو السماح للزوجين أن يعودا للزواج بعد الطلاق ما لم يكن طلاقًا بائنا، وحتى في حال الطلاق البائن سمح الإسلام للزوجين بالعودة على أن تنكح الزوجة زوجًا آخر قبل العودة، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] . ووقاية الرجل والمرأة من الإغراء والغواية، وضع الإسلام منهاجا لوقاية كل منهما من الوقوع فيما نهى الله عنه. فعلى سبيل المثال، حدد محارم للمرأة لا تظهر إلا عليهم وأمر كلا من الرجل والمرأة بغض البصر وحفظ الفرج، كما أمر المرأة بعدم إظهار زينتها إلا لفئات حددها في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] . وأمر نساء المؤمنين أن يلبسن الثياب الساترة للمحرم كشفه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] . كما وجه المؤمنات بأن يكون كلامهن واضحًا لا يحتمل التأويل من قبل المنحرفين، ولا يتبرجن: فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] . ومن أهم عوامل وقاية الأسرة تحديد أسس العلاقات بين أعضائها. فالزواج والطلاق والرضاعة والحضانة والإرث والقوامة وبيان علاقة كل عضو من الأسرة

стр. 280

بالآخرين وعلاقة الأسرة بالأجانب عنها، كل هذا مما ذكرناه سابقًا وما لم يتسع المجال لذكره. من عوامل حماية الأسرة من التفكك أو الانحراف. ولكي لا يحدث اتهام دون دليل قطعي في علاقة المرأة برجل غير زوجها. فقد جعل الإسلام إثبات الفاحشة على المرأة من الأمور التي لا يرقى إليها شك؛ حفاظًا على كرامة المرأة وسمعتها، وصيانة للأسرة من التفكك، وحماية للمجتمع من الشائعات غير القائمة على دليل أبو برهان. فقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] . وحرصًا على نقاء المجتمع بعامة والأسرة بخاصة، اتخذ الإسلام سبلًا لعلاج ما قد يظهر من انحرافات. فتوعد الله الذين يحبون إشاعة الفاحشة في المجتمع بالعذاب الأليم. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] . ومحافظة على الطهارة والحب، وحماية لكيان الأسرة والمجتمع، قرر الإسلام إقامة الحد على من يرمي المتزوجات دون دليل قاطع، وأسقط عنهم أهليتهم للشهادة. بل وصفهم بالفسق، وجعل لهم عقابًا على فعلتهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] . أما من يخرج عن منهج الله ويقترف الزنا في حق الأسرة والمجتمع الإسلامي, فقد خصص له حدا رادعًا يشهده طائفة من المؤمنين. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . مما سبق يتبين أن الإسلام قد أولى الأسرة اهتمامًا كبيرًا، بدءا من اختيار الزوجين بما يحفظ للحياة الزوجية استقرارها. وسعادتها، وما يهيئ لها مناخًا مناسبًا لتنشئة الأبناء وحسن رعايتهم وتوجيههم. وجعل كل عضو فيها راعيا لبقية أعضائها. وجعل على الأسرة واجب التآخي والتآزر مع بقية الأسر في سبيل تقدم المجتمع ورفعة الإسلام. كما أوجب عليها التعاون مع مؤسسات المجتمع الأخرى مثل المسجد والمؤسسات الثقافية والإعلامية وغيرها، من أجل تربية أولادها وأولاد المسلمين تربية إسلامية، ومن أجل العمل على تقدم المجتمع ورفع راية الإسلام والمسلمين.

стр. 281

خامسا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين إرساء أسس المحبة وصولا إلى التضامن والتعاون ... خامسًا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين المجتمع المسلم مجتمع تسوده المودة والإخاء والمحبة والتعاون والأخلاق الحميدة, وتربطه عقيدة التوحيد ويؤلف بين أفراده تقوى الله . مجتمع متضامن متكافل متعاون على البر والتقوى. ومن أسس تقوى الله والإيمان به أن يعبده المسلم كأنه يراه، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, وأن يدافع عن دينه وعرضه وماله, وأن يرعى حقوق أهله وجيرانه ووطنه, وأن يطيع ولي الأمر إلا في معصية الله، وأن يعينه على تحقيق الحياة -وفق منهج الله- في المجتمع، مجتمع ليس فيه ذات مصونة أو مقدسة، وليس فيه إنسان أفضل بمولده أو بجنسه أو بلونه من إنسان آخر، فالكل لآدم وآدم من تراب. ومن أهم أساليب تحقيق التضامن والتكافل والتعاون في هذا المجتمع: أ- إرساء أسس المحبة وصولًا إلى التضامن والتعاون. ب- إرساء أسس التكافل الاجتماعي. أ- إرساء أسس المحبة وصولًا إلى التضامن والتعاون: فالناس في المجتمع المسلم نشأتهم واحدة ورحلتهم في الحياة أيضًا واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] . والمجتمع المسلم، مجتمع يشمل الناس جميعًا ذكورًا وإناثًا من جميع الشعوب وجميع القبائل. وأساس التفضيل فيه هو تقوى الله ، ومن وظائف الناس فيه التعارف والتفاهم لصالح الجميع، وأمة الإسلام أمة واحدة لا ينبغي أن تتفرق شيعًا أو أحزابًا: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] .

стр. 282

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] . أناس توحدت نشأتهم، ومن وظائفهم أن يتعارفوا ويستبقوا إلى تقوى الله، فهل تنمو بينهم سوى المحبة؟ وهل يكون بينهم سوى وحدة الهدف، وشرف المقصد؟ ومع ذلك، فإن الإسلام يحدد السلوك الإجرائي للأخوة الإسلامية في الكتاب والسنة لتكون نبراسًا يهتدي به الناس في دنياهم فيحققون فيها أمنهم وأمن مجتمعهم وتضامنهم، ويفتحون آفاق التعاون المثمر بينهم. ومن ين ما وجه به الإسلام لتحقيق ذلك: ١- إيجاد فرص للتعارف والتآلف وحل المشكلات من خلال العبادات: إضافة إلى الفرص الكثيرة التي أوجدها الإسلام للتعاون والتحاب بين أفراد المجتمع المسلم، فقد شرع الله في العبادات ما يهيئ للمسلمين الالتقاء وتبادل الرأي ووحدة التوجه والانتماء وإصلاح ذات البين. فمثلًا: جميع العبادات من صلاة وصوم وغيرهما من أهم وسائل التي تنمي شعور المسلم بالعبودية لله وبالانتماء إلى الأمة الإسلامية، بكل ما يشمل هذا من معان تحيط بمختلف جوانب سلوك المسلم. فنجد في الصلاة مناسبات مقررة للقاء المسلمين: في الصلاة مع الجماعة خمس مرات في اليوم حين يتجمع أبناء الحي في رحاب بيت الله، وهنا فرصة لزوال ما قد يكون بينهم من جفوة ونمو أواصر الإخاء والمحبة، وفي صلاة الجمعة -التي لا تقبل إلا في جماعة أيضًا- يجتمع فيها جماعة أكبر نطاقًا، ومن ثم تتسع فرص الألفة والإخاء بين المسلمين وتتاح فرص لحل ما بينهم من المشكلات، وفي صلاة العيدين -التي لا تقبل إلا في جماعة إيضًا- حيث يكون التأثير الخير لتجمع المسلمين أكبر؛ نظرًا لاتساع نطاق الجماعة. إضافة إلى ما سبق، نجد في الحج فرصة سنوية لجمع شمل المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها, حيث يتدارس أبناء المجتمعات المسلمة في مختلف أرجاء المعمورة شئونهم, ويتساعدون على حل مشكلاتهم وتضامن أمتهم. ٢- تأدية الأمانة: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٨٥] .

стр. 283

٣- احترام الملكية الخاصة وبخاصة البيوت: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] . ٤- الإحسان إلى أهل والجار واليتيم والمسكين: قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] . ٥- عدم التفاخر: قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] . ٦- اتباع آداب السلوك وقت الراحة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] . ٧- العدل: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] .

стр. 284

٨- عيادة المريض وإطعام الجائع وسقيا العطشان: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله. قال: "إن الله يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يابن آدم استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي"؟. "رواه مسلم". ٩- حسن الخلق: عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله. عن البر والإثم فقال: "البر حسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس". "رواه مسلم". وقال: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". "رواه الترمذي". ١٠- إعطاء الطريق حقه: قال ﷺ : "إياكم والجلوس في الطرقات". فقالوا: يارسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها! فقال ﷺ : "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه". قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". "متفق عليه".

стр. 285

١١- إعانة المسلم عند الحاجة وستر عيوبه: قال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة". "متفق عليه". ١٢- التراحم والتواد: قال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". "رواه مسلم". ١٣- الإحسان إلى الجار: قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] . ون أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله. "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك". "رواه مسلم". وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". "متفق عليه". ١٤- التحقق من صدق الأخبار: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] . ١٥- اجتناب الظن والتجسس والغيبة والسخرية من الغير: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] .
следующие страницы →