خامسا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين
إرساء أسس المحبة وصولا إلى التضامن والتعاون
...
خامسًا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين
المجتمع المسلم مجتمع تسوده المودة والإخاء والمحبة والتعاون والأخلاق الحميدة, وتربطه عقيدة التوحيد ويؤلف بين أفراده تقوى الله . مجتمع متضامن متكافل متعاون على البر والتقوى.
ومن أسس تقوى الله والإيمان به أن يعبده المسلم كأنه يراه، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, وأن يدافع عن دينه وعرضه وماله, وأن يرعى حقوق أهله وجيرانه ووطنه, وأن يطيع ولي الأمر إلا في معصية الله، وأن يعينه على تحقيق الحياة -وفق منهج الله- في المجتمع، مجتمع ليس فيه ذات مصونة أو مقدسة، وليس فيه إنسان أفضل بمولده أو بجنسه أو بلونه من إنسان آخر، فالكل لآدم وآدم من تراب.
ومن أهم أساليب تحقيق التضامن والتكافل والتعاون في هذا المجتمع:
أ- إرساء أسس المحبة وصولًا إلى التضامن والتعاون.
ب- إرساء أسس التكافل الاجتماعي.
أ- إرساء أسس المحبة وصولًا إلى التضامن والتعاون:
فالناس في المجتمع المسلم نشأتهم واحدة ورحلتهم في الحياة أيضًا واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] .
والمجتمع المسلم، مجتمع يشمل الناس جميعًا ذكورًا وإناثًا من جميع الشعوب وجميع القبائل. وأساس التفضيل فيه هو تقوى الله ، ومن وظائف الناس فيه التعارف والتفاهم لصالح الجميع، وأمة الإسلام أمة واحدة لا ينبغي أن تتفرق شيعًا أو أحزابًا:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] .
стр. 282
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
أناس توحدت نشأتهم، ومن وظائفهم أن يتعارفوا ويستبقوا إلى تقوى الله، فهل تنمو بينهم سوى المحبة؟ وهل يكون بينهم سوى وحدة الهدف، وشرف المقصد؟ ومع ذلك، فإن الإسلام يحدد السلوك الإجرائي للأخوة الإسلامية في الكتاب والسنة لتكون نبراسًا يهتدي به الناس في دنياهم فيحققون فيها أمنهم وأمن مجتمعهم وتضامنهم، ويفتحون آفاق التعاون المثمر بينهم. ومن ين ما وجه به الإسلام لتحقيق ذلك:
١- إيجاد فرص للتعارف والتآلف وحل المشكلات من خلال العبادات:
إضافة إلى الفرص الكثيرة التي أوجدها الإسلام للتعاون والتحاب بين أفراد المجتمع المسلم، فقد شرع الله في العبادات ما يهيئ للمسلمين الالتقاء وتبادل الرأي ووحدة التوجه والانتماء وإصلاح ذات البين. فمثلًا: جميع العبادات من صلاة وصوم وغيرهما من أهم وسائل التي تنمي شعور المسلم بالعبودية لله وبالانتماء إلى الأمة الإسلامية، بكل ما يشمل هذا من معان تحيط بمختلف جوانب سلوك المسلم.
فنجد في الصلاة مناسبات مقررة للقاء المسلمين: في الصلاة مع الجماعة خمس مرات في اليوم حين يتجمع أبناء الحي في رحاب بيت الله، وهنا فرصة لزوال ما قد يكون بينهم من جفوة ونمو أواصر الإخاء والمحبة، وفي صلاة الجمعة -التي لا تقبل إلا في جماعة أيضًا- يجتمع فيها جماعة أكبر نطاقًا، ومن ثم تتسع فرص الألفة والإخاء بين المسلمين وتتاح فرص لحل ما بينهم من المشكلات، وفي صلاة العيدين -التي لا تقبل إلا في جماعة إيضًا- حيث يكون التأثير الخير لتجمع المسلمين أكبر؛ نظرًا لاتساع نطاق الجماعة. إضافة إلى ما سبق، نجد في الحج فرصة سنوية لجمع شمل المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها, حيث يتدارس أبناء المجتمعات المسلمة في مختلف أرجاء المعمورة شئونهم, ويتساعدون على حل مشكلاتهم وتضامن أمتهم.
٢- تأدية الأمانة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٨٥] .
٨- عيادة المريض وإطعام الجائع وسقيا العطشان:
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله. قال: "إن الله يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يابن آدم استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي"؟. "رواه مسلم".
٩- حسن الخلق:
عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله. عن البر والإثم فقال: "البر حسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس". "رواه مسلم".
وقال: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". "رواه الترمذي".
١٠- إعطاء الطريق حقه:
قال ﷺ : "إياكم والجلوس في الطرقات". فقالوا: يارسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها! فقال ﷺ : "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه". قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". "متفق عليه".
стр. 285
١١- إعانة المسلم عند الحاجة وستر عيوبه:
قال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة". "متفق عليه".
١٢- التراحم والتواد:
قال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". "رواه مسلم".
١٣- الإحسان إلى الجار:
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] .
ون أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله. "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك". "رواه مسلم".
وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". "متفق عليه".
١٤- التحقق من صدق الأخبار:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
١٥- اجتناب الظن والتجسس والغيبة والسخرية من الغير:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] .
стр. 286
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] .
١٦- الوفاء بالعقود:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
١٧- الحث على الصبر والعفو وعدم الغلو في العقاب:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] .
وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
مما سبق، نلاحظ أن الإسلام يجمع بين طرفي النصيحة ببيان المرغوب فيه من الأعمال والترغيب فيها، وبيان المنهي عنه من الأعمال والترغيب عنها، وإيضاح فضل الأولى ووبال الأخرى على الفرد والمجتمع. وذلك وصولا إلى الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج معًا، بهدف بناء مجتمع على تقوى الله ومنهجه يسوده الود والتعاون والتآخي والتضامن.
стр. 287
ب- التكافل الاجتماعي:
إنه لمن دواعي الأمن النفسي للفرد، والأمن في المجتمع على اختلاف طوائفه وطبقاته أن يعتقد الناس ويقر في قلوبهم أن ما عندهم من عرض الدنيا فإن الله مصدره، وأنه استخلفهم فيه لينفقوه في أبواب البر والخير وفق المنهج الذي بينه لهم، سواء أكان هذا العرض مالا أم غيره، فمثلًا لقد حدد الحق ﵎ بوضوح وجوه إنفاق المال, وأبان مهماته في الحياة بما يحفظ التكافل الاجتماعي، وبين أسس الأمن الدائم والمستقر في المجتمع. ومن أمثلة هذه الأسس ما نجده في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] .
وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] .
وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] .
ومن أهم أسس التكافل الاجتماعي أن يكون الناس جميعهم شركاء في عناصر الحياة المهمة. وهي الماء والكلأ والنار.
ولقد بين الإمام على ﵁ أن عمارة الأرض -التي تعود على الرعية بالخير والتنمية- مقدمة على جمع الخراج. وذلك حين كتب إلى بعض ولاته يقول: "ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج من غير عمارة خرب البلاد وأهلك العباد" "٨، ٤٩".
وهكذا تكون مصارف الأموال العامة قنوات لتحقيق التكافل الاجتماعي والعناية بالتنمية الاقتصادية. ولقد حذر الله المسلمين من الإسراف في إنفاق المال أو اكتنازه أو أكله بالباطل. فلا ينبغي أن يسرف المسلم فيبدد ماله وتدفعه الحاجة للسؤال, كما لا ينبغي له أن يكتنزه فلا ينتفع به بالمثوبة على إنفاقه في أبواب الخير
стр. 288
والبر، أو يحبسه عن الإسهام في رفاه المجتمع فلا يسهم في تنمية مجتمعه، بل ينبغي توظيفه في مشروعات التنمية فيه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .
ويضع الرسول ﷺ قاعدة التكافل الاجتماعي بمعناه الشامل بأن يوجه المسلم إلى ميزان العدالة المطلقة والمسئولية الذاتية في قوله::
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه". "متفق عليه".
وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". "صحيح مسلم".
ومن أبلغ ما قرره الإسلام في مجال التكافل الاجتماعي عن عنايته الخاصة باليتامى واللقطاء.
فاليتيم هو من فقد أباه وهو دون البلوغ. وقد يكون هذا اليتيم رضيعًا أو طفلًا، ومن ثم فهو -على أي حال- في حاجة إلى رعاية ممن يتولى رعايته.
لذلك فقد أمر الله المسلمين بالعناية باليتيم عناية كبيرة. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] .
стр. 289
وقال تعالى: ﴿ ... لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] .
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] .
كما أمر الله ﵎ بالمحافظة على مال اليتيم، وتوعد الذين يأكلونه بالعقاب الشديد. فقال عز من قائل: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] .
وقد ضرب الله مثلًا عمليا للمحافظة على مال اليتيم في سورة الكهف حين وجه عبده الصالح بأن يقيم جدارًا، يريد أن ينقض؛ لأن تحته كنزًا ليتيمين.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .
وقد وجه الرسول الكريم إلى العناية باليتيم، والرفق به، فقال ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما" , "أخرجه أبو داود والبخاري والترمذي".
ونجد صورة رائعة أخرى للتكافل الاجتماعي في الإسلام من خلال عنايته باللقيط. فاللقيط هو المولود الذي لا يعرف نسبه, حيث نبذه أهله فرارًا من تهمة الزني أو لغير ذلك. ومن حق اللقيط في الإسلام وجوب التقاطه؛ لأن في التقاطه وصيانته إحياء نفس، ويكون التقاطه فرض كفاية في حالة رؤيته من جماعة، بحيث إذا تركوه أثموا جميعًا، وكان عليهم تبعة هلاكه إذا هلك. أما إذا لم يره سوى فرد واحد فإن التقاطه يصبح فرض عين على من رآه، ومن التقطه لا يجوز له التخلي عنه؛ لأن في ذلك هلاكه "١٢، ١١٤-١١٥".
стр. 290
ويشترط الإسلام لحماية اللقيط أن يكون من يرعى اللقيط مسلمًا، بالغا، عاقلًا، رشيدًا، حرا، أمينا، قويا، قادرًا، عدلًا، مقيما في المدينة أو القرية التي التقط منها؛ لأن هذا أرجى لكشف نسبه "١٢، ١٥".
ومن رحمة الله على اللقيط أن جعل الإنفاق عليه فرض كفاية، فإذا وجد متبرع بالإنفاق عليه سواء أكان ملتقطه أو غيره، فهذا فضل وإحسان يثاب عليه دون أن يستحق الرجوع بما أنفق، أما إذا أنفق على اللقيط بنية الرجوع عليه, وكانت النفقة بالعدل والقسط والمعروف وبإذن من الحاكم. فللمنفق حينئذ حق الرجوع على اللقيط إذا أيسر "١٢، ١١٦-١١٧" وإذا لم يتيسر من ينفق على اللقيط ينفق عليه من بيت المال.
وما تكررت صورة للتكافل الاجتماعي في مجتمع إنساني كما حدثت بين الأنصار والمهاجرين. إذ كان الأنصاري يستضيف أخاه من المهاجرين وليس في بيته من الزاد إلا قوت صبيانه، فيؤثره على نفسه وعياله قائلًا لزوجته: نومي صبيانك وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونجلس معه إلى المائدة، نوهمه أننا نأكل معه ولا نأكل. ويجلسون إلى المائدة ويأكل الضيف وحده ويبيت الزوجان طاويين "٩، ٦٦".
وحسب الأنصار ثناء الله عليهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
هذا هو المجتمع المسلم الذي أسس على العقيدة الغراء والشريعة السمحة.
فلولا وجود هذا المجتمع المحمدي لظن الناس أن المجتمع المسلم مجتمع معنوي لا يمكن تحقيقه في الواقع. ومجتمع هذا شأنه لا بد أن يصل إلى درجة الكمال أبعد من مألوف البشر. ولا غرو في ذلك، فهو مجتمع تكون وفق المنهج الإلهي.
وعلى وجه العموم، فقد فتح الإسلام أبوابًا كثيرة للتفاعل الاجتماعي. فإضافة إلى الزكاة على اختلاف أنواعها والصدقة على اتساع مداها مثل: الهبة والعطية والفيء، رغب في الإنفاق في سبيل الله في مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
بهذه الآفاق الرحيبة من التكافل الاجتماعي. لا يتوقع أن يكون في المجتمع المسلم جائع أو محروم أو ذو حاجة ما دام متمسكًا بمنهج الله. بل يحدثنا التاريخ أنه جاء زمن لم يوجد في هذا المجتمع من يستحق الزكاة، واستقرت الجنوب في المضاجع وأقفرت الجفون من المدامع وعم الأمن والأمان.
стр. 291
سادسًا: متابعة الاجتهاد
يعني الاجتهاد في اللغة بذل الطاقة والوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة، أما الاجتهاد عند علماء الأصول فهو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد فيه "١٩، ١٦٢/ ٤".
ولمن يتصدى للاجتهاد. مؤهلات لا مجال للتوسع فيها هنا. ولكن نذكر منها: العلم بالقرآن الكريم ناسخه ومنسوخه, وآيات الأحاكم ومواقعها من السور. والعلم بالسنة النبوية المطهرة القولية والفعلية والتقريرية. ويسبق ذلك الإسلام وما يتضمنه من الإيمان بالله وصفاته. والعلم باللغة العربية؛ لأنها هي التي نزل بها القرآن الكريم وجاءت بها السنة المطهرة. ومعرفة ما أجمع عليه، ومعرفة مقاصد الشارع من الأحكام، ومعرفة استنباط الأحكام من الأدلة "٣، ٩-١٥"، إلى غير ذلك من الشروط الواجب توافرها في المجتهد. وللاجتهاد أركان وشروط وأقسام "١٧، ١١-١٣" كما أن له أنواعًا وأطوارًا "١٧، ٤٠٧-٤٣١" لا نرى أن نتناولها هنا، إذ يكفينا أن نشير إليها حتى يتبين للقارئ خصائص الاجتهاد ومقوماته.
والمعلوم أن الاجتهاد ظل مزدهرًا حتى منتصف القرن الرابع الهجري، حينما بدأ يتضاءل رويدًا رويدًا حتى حصلت الحالة التي سميت "سد باب الاجتهاد"، الأمر الذي أردى الأمة الإسلامية في مهالك كثيرة، بل فيه مخالفة لطبيعة هذا الدين، فمن آثار ذلك تراجع الشريعة عن مواكبة متطلبات الحياة اليومية لمختلف المجتمعات الإسلامية، مما ساعد على ظهور فصل الدين عن الدنيا في بعض هذه المجتمعات "المسلمة" "١، ٤٦".
وإذا مما نظرنا في مصالح الناس وما يتفق منها مع عاداتهم وأحوالهم وأخضعنا كل ذلك للقواعد العامة وأدلة الأحكام الكلية في هذه الشريعة لاستراح الناس واطمأنوا. ولم يقع هذا الفصل الذي نراه في بعض الدول الإسلامية من الفصل بين الدين وواقع الحياة "١٧، ١٥٥".
فينظر علماء أمتنا فيما يحقق الخير والمصلحة لهذه الأمة في ظل هذه الشريعة الخالدة. وبهذا نجعل صلاح الشريعة لكل زمان ومكان واقعا مستقرا في حياتنا يتسع لما جد من وقائع، ويستظل بظلها الناس أجمعون.
стр. 292
ولا شك أن انتصار الإسلام يتحقق بتحديد موقفه من قضايانا المعاصرة التي لم يفلح علماؤنا حتى الآن في التوفيق بينها وبين الإسلام. وكأن الإسلام دين عقيدة، وليس له صلة بالمعاملات أو شئون العبادات والأخلاق، وكلها تتأثر بالتغيرات التي تطرأ على المجتمع.
ويحدد الشعراوي هذا بدقة في قوله:
إذا استطعنا أن نحدد موقف الإسلام بشجاعة وصراحة من عمل المرأة الآن والاختلاط وتعدد الزوجات. وإذا استطعنا أن نحدد موقف الإسلام من الإعلام ووسائله والترفيه وأبعاده والسياحة وضروراتها. وإذا استطعنا أن نحدد الموانع التي تحول بين تطبيق أحكام الله وإقامة الحدود ... إذا استطعنا هذا كله أمكننا أن نحقق التواجد الفعلى للإسلام "٥، ٧".
ونتيجة لهذا التواجد الفعلى للإسلام، ونتيجة لإظهار قدرة الإسلام على حل المشكلات المعاصرة بحلول نابعة منه، ونتيجة لثراء الإسلام بالفكر في كل زمان ومكان، "يصبح في الإمكان إعادة الثقة في نفوس الأجيال المتمردة من شبابنا في إمكانيات الإسلام وقدراته الفائقة. كدين صالح لكل زمان ومكان" "٥، ٨".
وهناك مجال معاصر للاجتهاد هو تغير شئون الحياة بفعل التقدم العلمي والتقني، وهو مجال مهم في حياتنا يتنامى يومًا بعد يوم، ويزداد تأثيره في مجريات أمورنا، ويفرض نفسه على قضايانا، ويجعل حلولها -في بعض الأحيان- متوقفة عليه، بل قد تصبح تلكم الحلول التي لا تعتمد عليه ضررها أكثر من نفعها، وهذا يواجه المسلمين مواجهة مستمرة متجددة بتجدده، ومن ثم لا مناص من أن يجتهد علماء الإسلام ليواجهوا متطلبات هذا التقدم العلمي والتقني المعاصر من حيث تبصير المسلمين بموقفهم تجاهها.
يقول فضيلة الشيخ الشعراوي في هذا الصدد:
والمحور الثالث "الذي يواجه الإسلام" يتمثل في الإنجازات العلمية التي تطلع علينا كل يوم بجديد في الفلك والطب والأحياء وعلم الوراثة والفضاء وغير ذلك من المجالات العلمية، فتثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام ما لا يجد تفسيرًا أو توضيحًا حاضرا لدى الإسلام، وقد تركت في العقول الحيرة وفي النفوس الريبة، وقد تؤثر -بالسلب أو الإيجاب- على العقيدة الإسلامية. "٥، ٥".
ويقترح الشعراوي حلا لهذه المشكلةت في قوله:
والواجب الآن إزاء هذه الكشوف العلمية التي يحققها الإنسان في كثير من المجالات وتصطدم أو تتعارض -مؤقتًا- بالرؤية القرآنية أن يتزود العلماء
стр. 293
المسلمون بالرؤية العلمية، وأن يناظر العلم علما مثله، وأن تجب الحقيقة حقيقة مثلها، ولا ضير من معاودة النظر في كتاب الله ومراميه على ضوء المجهر العصري "٥، ٨-٩".
وكاتب هذا البحث يرى أن العبارة: "ولا ضير من معاودة النظر في كتاب الله ومراميه على ضوء المجهر العصري". ذات دلالة عميقة على صلاح الإسلام لكل زمان ومكان وعلى ضرورة استمرار الاجتهاد. ودلالة هذه العبارة ترجع إلى أن تفسير القرآن يخضع لقدرة المفسر على فهمه: ليس فقط من حيث اللغة، ولكن أيضًا من حيث مدلول الألفاظ في ضوء خبرة المفسر بمعطيات عصره. وحيث إن القرآن يحيط بكل شيء في صورة كلية وليس في صورة تفصيلية، فإن المفسرين قد يختلفون باختلاف قدرتهم على النفاذ إلى جوهر المعنى, وباختلاف خبرتهم كما ونوعًا وحداثة بالنسبة للأمور المتعلقة بالعلم والمتغيرات الكونية والمشكلات الاجتماعية.
وهذا دليل على أن الله تعالى لم يهمل هذه الأمة التي أنزل إليها القرآن، ولم يعطل مداركها، ولم يرض لها الجمود، وإنما دفعها نحو العمل الدءوب على فهم القرآن وإدراك مقاصده والتفكير للوصول إلى عطائه المتجدد بتجدد معطيات العصر مع الاحتفاظ بمقومات المنهج وكلياته.
ولذلك، حثنا الله ﵎ على الاجتهاد في آيات كثيرة تحض على التفكير والتدبر والتبصر، منها: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] .
وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] .
ونتيجة لعدم قيام العلماء باستنباط حلول إسلامية لمشكلات العصر عن طريق الاجتهاد، وتردد القادرين منهم في ذلك، فقد تصدى للاجتهاد شباب ليسوا مؤهلين له، فضلوا وأضلوا. وفي هذا يقول الدكتور عز الدين إبراهيم:
فالملاحظ الآن في العالم الإسلامي أنه بسبب كثرة الإلحاح على ضرورة فتح باب الاجتهاد ظهر بعض الشباب الذين لم يحصلوا بعد على الصفات التي تؤهلهم للنظر، ومع ذلك يتجرءون على الفتوى في أمور خطيرة مما كانت سببًا في حركات التفكير والبغي والتنطع المبغوض "١، ٤٨".
стр. 294
هذا، علمًا بأن الواجب على علماء المسلمين أن يتابعوا الاجتهاد، ليس فقط من أجل المشكلات التي يواجهها المسلمون ولا يجدون لها حلا عند العلماء فينفد صبر الشباب ويغامر للفتيا دون أساس أو تأهيل لذلك، ولكن ينبغي عليهم أيضًا أن يستبقوا حدوث هذه المشكلات -باستقرائها استبصارا وحدسًا ونفاذ بصيرة- ويحاولوا استنباط حلول لها.
فالحياة المعاصرة تتغير وتتبدل كل يوم، والمسلمون يقفون حيارى أماما أنماط جديدة من المكتشفات العلمية, وما تفرزها من مشكلات. وما لم يجد المسلمون لها حلول مستنبطة من الإسلام، سوف تستورد حلولها من المجتمعات الأخرى، أو يغامر غير القادرين على الفتيا بحلول منسوبة إلى الإسلام تكون في غالبها -ما لم تكن جميعها- تضليلًا للمسلمين، وهذان أمران أحلاهما مر.
ولعلنا لا نذهب بعيدًا عن الواقع إذا ما قلنا: إن العزوف عن الاجتهاد قد أسهم في دفع المسلمين إلى أن يتبعوا غير المسلمين، وفي تفرق المسلمين داخل العالم الإسلامي شيعًا وأحزابًا، وفي بعد المسلمين عن جوهر عقيدتهم ومنهج دينهم القويم.
стр. 295
سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله
إن الإسلام دين السلام والأمن، فحيث طبق شرعه, واتبع منهجه حل السلام والأمن بين الناس في داخل المجتمع المسلم، كما نشأت علاقات هذا المجتمع بغيره من المجتمعات على أسس حسن الجوار والمودة والتعاون لخير البشرية جمعاء.
وأمن المجتمعات الخارجي، لا ينفصل عن أمنها الداخلي، فهما مترابطان, ويتأثر كل منهما بالآخر. وإذا اهتز أمن المجتمع الخارجي أثر تأثيرًا سلبيا على أمنه الداخلي, وكذلك الأمر بالنسبة لأثر الأمن الداخلي على الأمن الخارجي. لذلك أمر الإسلام بالإعداد لتوافر كلا الأمنين. فالمسلمون مكلفون بأن يجاهدوا أنفسهم وأن يجاهدوا غيرهم دفاعا عن دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم. وجهاد النفس يكون بإلزامها بمنهج الله قولًا وعملًا، والجهاد للدفاع عن دين الله والمستضعفين في الأرض يكون بدفع البغي عن ديار المسلمين في كل أرض، وفي كل وقت وحين.
ويكن فهم الجهاد من الوجهة الشرعية بأنه "استفراغ الطاقة في مدافعة الأعداء، وقتالهم ويطلق على جهاد النفس والشيطان والفاسقين "١٤، ٨٦".
ويتسع نطاق الجهاد ليشمل جميع جوانب الحياة في المجتمع. بل إن الجهاد بهذا المعنى يصبح مع الاجتهاد مولدًا دائمًا لطاقة التغيير في المجتمع المسلم واستثمار مصادره الطبيعية لصالح المسلمين وتقدمهم.
стр. 296
وقد حث الله ﵎ على الجهاد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] .
وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] .
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] .
وقد أوضح الرسول الأمين فضل الجهاد في سبيل الله في قوله: عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" , قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" , قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". "متفق عليه".
وقال ﷺ عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها". "متفق عليه"
وحذر الله ﵎ المسلمين من الانشغال بشئون دنياهم عن الجهاد في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] .
كما حذر الرسول ﷺ تاركي الجهاد في قوله: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى ديناكم". "رواه أبو داود".
ومما يدل على أن الجهاد ركيزة مهمة من ركائز المجتمع المسلم، فإن الله قد جعله فرض عين على الذين يشتركون في المعارك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] .
стр. 297
كما أمر الله المسلمين كافة بالجهاد. إذا ما هاجم الكفار ديار المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ﴿١٢٣] .
كما أن إصلاح ذات البين في المجتمع المسلم جهاد في سبيل الله. وذلك حتى لا تتفكك عرى المسلمين, وينقسموا شيعًا وأحزابًا, ينتصر كل حزب لفريق من المتخاصمين، وحتى لا تستهلك قوة المسلمين في الاقتتال فيما بينهم بدلا من أن توجه ضد أعداء الله، وحتى لا يضعف المسلمين فيغري هذا أعداءهم باحتلال بلادهم وتبديل دينهم, والذهاب بطريقتهم ومنهجهم. وقاية من هذا كله كلف الله المسلمين بأن يصلحوا بين المسلمين المتقاتلين, وكسر شوكة الباغي منهم ثم عقد الصلح بينهم بالعدل والقسط. وقد جاء هذا التوجيه صريحًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠] .
ومن أسس الجهاد في سبيل الله أن يكون المسلمون على أهبة الاستعداد دائمًا للدفاع عن دينهم وعقيدتهم. وذلك بالأخذ بأسباب القوة طبقًا لمعايير العصر ومستحدثاته، وإعداد القوة المتيقظة الواعية المؤمنة بربها الحفيظة على دينها المتمسكة بعقيدتها القادرة على الدفاع عن دين الله، إذا ما حاول أعداء المسلمين وأعداء الله غزو بلاد المسلمين. وقد جاء هذا التوجيه في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
ومن أسس الجهاد في سبيل الله، أن يستخدم المسلمون القوة التي أمرهم الله بإعدادها للجهاد في سبيل الله, وفي سبيل نصرة المستضعفين من المؤمنين.
نستبين هذا من قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] .
ومن أسس الجهاد الثبات وعدم الفرار. فقد توعد الله من يولي الكفار دبره بغضبه، ووعد من يستشهد في الجهاد بالجنة، فقد قال :
стр. 298
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] .
ويعلق الشعراوي على ذلك بقوله:
فإذا ما كان الثمن الجنة فليتعجلها "المجاهد" كما تعجلها الصحابي الذي قال لرسول الله: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أذهب إلى هؤلاء أقاتلهم فيقتلوني؟ قال: "نعم"، وكانت في فمه تمرات، فاستطبأ أن يظل حيا إلى أن يمضغ هذه التمرات, وألقى بالتمرات خارج فمه, وخاض المعركة فقتل. "٥، ١٠٠".
ومن أسس الجهاد، في سبيل الله احترام المواثيق والمعاهدات في المجتمعات الأخرى، فرغم أن الإسلام يحض على نصرة المسلم، إلا أنه يستثني من هذه القاعدة ما سبق عليه ميثاق. وقد جاء هذا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] .
والإسلام لم يؤسس الأمن الخارجي للمجتمع على إعداد القوة واستخدامها ضد أعداء الله دون تدبر أو روية، فإن كثيرًا من الأهداف التي تحققها الحروب يمكن تحقيقها بصنع السلام، لذلك حض الله المسلمين على أخذ السلم إذا ما سنحت فرصته، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] .
стр. 299
ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه
...
ثامنًا: حسن استثمار المصارد البشرية والطبيعية بالمجتمع والعمل على الارتقاء بالحياة فيه
مجتمع الأمة الإسلامية التي وصفها الله بأنها خير أمة أخرجت للناس، في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
مجتمع الأمة الإسلامية التي يبين الحق ﵎ أنها شهيدة على الناس, وأن الهادي البشير شهيد عليها، في قوله تعالى: ﴿.... لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
هذا المجتمع ينبغي أن يستنفد طاقاته في الارتقاء بطرائق الحياة فيه، وصولًا إلى أن يتبوأ مكانه ليكون خير أمة، وإلى أن يستحق مكان الشهادة على الناس، وإلى أن يكون مؤهلاء للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن بين أهم الأسس التي وضعها الله للارتقاء بهذا المجتمع -إلى جانب ما سبق ذكره في هذا الفصل- أن يستثمر الإنسان المصادر الطبيعية في المجتمع على أساس من العلم وتطبيقاته، وبذل الجهد والعمل الدءوب في سبيل تقدمه ووقايته من المشكلات. وذلك من خلال عمارة الأرض التي كلف الله المسلم بها. ولا شك أن وسائل هذه العمارة تحصيل العلم إلى جانب العمل.
ومن يتتلمذ على كتاب الله وسنة رسوله يجد العلم مكانًا رحيبًا فيهما، كما يجد تكريم الله للعلماء, ورفعتهم وفضلهم على العباد من خلقه*.
والدين الإسلامي منهج حياة متكامل, لا يقف عند العقيدة وحدها أو العبادات وحدها أو المعاملات وحدها أو الأخلاق، ولكنه يشمل هذا كله، مضافًا إليه ما يتعلق باستثمار جميع ما سخر الله للإنسان من نعم في نفسه وفي الكون لعمارة الأرض وفق منهج الله.
وهذا ما طبقه المسلمون في صدر الإسلام، فقراء التاريخ يعرفون أنه تقديرًا للعلم وأهميته كان الرسول ﵊ يطلق الأسير الذي يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، وكان يبعث المسلمين ليتعلموا تقنية الصناعة في بلاد الشام.
стр. 300
فالقاعدة الأولى التي تبنى عليها الحياة هي العلم بالدين، والعلم -بالضرورة- بشئون الحياة ارتقاء بها. ومن يقرأ القرآن الكريم يجده مليئا بحفز عباد الله على التدبر والتعقل, والتفكر في قدرة الله في الخلق وكشف أسرار الكون واستثمارها والاستمرار في ذلك والمواظبة عليه، والكدح فيه وصولًا إلى تنمية المجتمع والارتقاء به.
فلنقرأ قوله الذي يخاطب العلماء فيه، العلماء الذين هم أكثر عباده خشية له بما أوتوا من علم بمكنونات خلقه في الكون.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] .
في هذ الآيات الكريمة نجد من عناصر الكون وظواهره ما هو مجال لإعمال فكر العلماء. ومن بين العلماء هنا علماء كل من الأجناس والأحياء والفيزياء والكيمياء والرياضيات وغير ذلك من العلوم الكونية. هؤلاء أيضًا مطالبون بأن ينظروا في تكوين عناصر الكون والتدبر في شأنها، وهذا النظر وذاك التدبر إذا طولب به العلماء فإنه يكون مدخلًا للارتقاء بالعلم والبحث والاسقتصاء؛ للكشف عن مكنونات الخلق بغية تسخيرها لصالح البشرية بعامة والمجتمع الإسلامي بخاصة، إضافة إلى الوقوف على عظمة الخالق. ولنقرأ قوله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢-٤] .
وهكذا يطالب الحق ﵎ في مواضع شتى من الذكر الحكيم عباده بأن يطلقوا عقولهم؛ للتفكر والتدبر والاستقراء والإحصاء والتنقيب والدراسة. وإخضاع ما حولهم من أنهار وبحار وجبال وسهول، والشمس والقمر، والثمر المختلف مذاقه رغم
стр. 301
أنه يسقى بماء واحد، ودورة الماء وأنساق الكواكب والنجوم، وغيرها من الظواهر الكونية, يطالبنا خالقها بالتدبر في شأنها, ليس فقط لنقف على بديع صنعه ومن ثم الإيمان به واحدًا لا إله إلا هو ولا شبيه ولا مثيل, متفردًا في ربوبيته وألوهيته وصفاته وأسمائه، ولكن أيضًا لتسخيرها وفاء بأمانة عمارة الأرض وفق منهجه، ومن ثم الارتقاء بالمجتمع واستثمار مصادره البشرية والطبيعية على أسس علمية.
ولا بد من أن يقود العلم إلى إعداد القوى البشرية اللازمة للارتقاء بالحياة في المجتمع وفق تنوع مجالاتها وتعدد مستوياتها، ومن يقرأ آيات الذكر الحكيم التي تحث المسلم على التدبر والتفكر والتيقن وغيرها من مرادفات إعمال الفكر يجدها تأتي في مساقات مختلفة, منها الأنهار والبحار. ومنها الجبال. ومنها الرياح، ومنها الكواكب والنجوم، ومنها الأشجار والثمار، ومنها الإنسان نفسه، ومنها الدواب والحيوان، ومنها السموات والأرض، ومنها الشمس والقمر، وغير ذلك من المخلوقات. وفي هذا بيان باختلاف مجالات العلم والتعلم، وميادين اكتساب الخبرة التي ينبغي أن يستوعبها المسلم ويستخدمها في الارتقاء بالمجتمع.
ومن يقرأ تاريخ المسلمين يجد أن الصحابة عليهم رضوان الله، كانوا يحفظون عشر آيات من القرآن ولا يحفظون غيرها إلا بعد أن يطبقوا في حياتهم ما حفظوه. وهذا يبين مدى الالتزام بتطبيق العلم.
والقاعدة الثانية التي يعتمد عليها الارتقاء بالحياة في المجتمع إلى جانب العلم هي العمل. ولعلنا نلاحظ أن العمل من العوامل الفارقة بين الدول المتقدمة والدول المختلفة. ففي الدول المتقدمة نلاحظ اليوم أن ساعات العمل ونظمه ومهاراته وأخلاقياته ومن ثم إنتاجه كما ونوعًا أفضل منها في الدول المختلفة. إضافة إلى هذا فإن العمل في الدول المتقدمة يؤسس على علم حديث وتقنية متقدمة، الأمر الذي يجعل إنتاجه يتمتع بالوفرة الكمية والتميز النوعي.
ومن يتتلمذ على كتاب الله وسنة رسوله، يجد أن العمل وفق منهج الله قد حظى باهتمام بالغ، فالآيات الكريمة التي تحث على العمل كثيرة، وترغيب الله للعاملين وحفزهم عليه مستمر.
ونظرًا لأهمية العمل الصالح فقد اقترن بالإيمان, بل إن العمل الصادق هو ما وقر في القلب وصدقة العمل. فالعمل -إذن- ضرورة إيمانية إلى جانب أنه ضرورة حيوية للارتقاء بحياة الفرد والمجتمع. وفي القرآن الكريم نلحظ اقتران الإيمان
стр. 302
بالعمل، كما نتبين مدى حرص رب العالمين على ترغيب المسلمين في العمل الصالح، وعلى مكافأتهم عليه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] .
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥] .
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] .
وكان رسول الله ﷺ يحمل متاعه بنفسه ويرتق ثوبه بنفسه ويخسف نعله بنفسه, ليضع العمل في الموضع المناسب من حياة أمة الإسلام، وليكون قدوة للمسلمين في العمل والجد.
وهذا رسول الإسلام يجعل العمل قيمة كبرى في الحياة بقوله ﷺ : "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده, وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". "البخاري وأحمد بن حنبل".
وإضافة إلى أن العمل قيمة كبرى في الإسلام، فإن إنجازه في الوقت المحدد, واستثمار الوقت عمومًا هو أيضًا من القيم الكبرى في الإسلام. يقول الحق ﵎: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] .
ويقول محمد ﷺ : "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر". "رواه أحمد في مسنده".
وقد حث الإسلام المسلمين على الإحسان في العمل، قال تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] .
стр. 303
وقال الرسول الكريم:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه". "رواه
البيهقي".
ولكي تؤتي عملية الارتقاء بالمجتمع أكلها، وتسرع خطاها ينبغي وقاية المجتمع من المشكلات. ويحرص الدين الحنيف على وقاية المجتمع المسلم من المشكلات, وعلاج ما قد يحدث منها بأساليب كثيرة، منها -كما سبق أن فصلنا- تأسيس المجتمع على عقيدة التوحيد، وتحكيم شرع الله الأعلم بخصائص عباده وما يصلحهم وما يضرهم، وتأسيس الحكم على الشورى، وإقامة العدل الذي به تطمئن القلوب وتملأ الثقة النفوس. ويكون القوي في المجتمع ضعيفًا حتى يؤخذ الحق منه، ويكون الضعيف في المجتمع قويا حتى يؤخذ الحق له، وفي هذا استقرار لشئون العباد.
واتخاذ الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهاجًا لتذكير الناس وتوجيههم. والأخذ بالتعاون والتكافل بين الناس لتوفير الاستقرار والطمأنينة بينهم أفرادا وجماعات، وإشعارهم بالرباط المتين الذي يربطهم، ومن ثم لا يحقد الفقير على الغني ولا يحقر الغني الفقير. فالغني مستخلف في ماله وللفقير حق فيه.
ومن عوامل وقاية المحتمع من المشكلات الجهاد والاجتهاد. فالجهاد وقاية للدين والنفس والمال والمجتمع من المشكلات، والاجتهاد هدفه الأساسي تقديم حلول لمشكلات المجتمع -وفق منهج الله- قبل أن تفعل هذه المشكلات فعلها في المجتمع, وتتفاعل مع غيرها فتستحيل إلى معمل لتفريخ مشكلات جديدة.
ومن أهم عوامل الوقاية من المشكلات وعلاجها في المجتمع المسلم. كفاءة النظم التي توجه مختلف المؤسسات فيه. فللأسرة في الإسلام نظام يحدد حقوق
أطرافها وواجباتهم ويهيئها للانطلاق في البناء. وللاقتصاد نظام يحدده حلاله وحرامه وآفاقه ويعمل على الارتقاء به, وللعبادة نظامها. وللحكم نظامه. وللمجتمع نظامه. وللعلاقات الدولية نظامها، وغير ذلك من النظم التي توجه الحياة في المجتمع وفق منهج الله، فيستقيم على الجادة ويعمل على
الانطلاق الحضاري إذا ما طبق تطبيقًا صحيحًا, وبني على فهم سليم لمراد الله في الذكر الحكيم, ولتوجيه الرسول الكريم في السنة المطهرة.
وعلى وجه العموم يعمل الإسلام على تكوين المسلم بحيث يكون قويا بدينه، قويا ببدنه، قويا بعلمه، قويا بعمله، قويا بإخوانه، قويا بعطائه لمجتمعه. كما يعمل على تكوين مجتمع قوي في التزامه بمنهج الله, وبالتضامن مع كافة مجتمعات الأمة.
стр. 304
خاتمة الفصل الثامن:
في هذا الفصل:
تناولنا خصائص المجتمع المسلم التي تعمل على تكوين مجتمع قوي بالعدل والإحسان وإحقاق الحق بين عناصره أفرادا وجماعات، قوي بتوجيه أبنائه ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، قوي باجتهاد علمائه في حل مشكلاته، وقبل كل شيء قوي بإنفاذ شرع الله وتطبيق حدوده والحرص على التمسك بالعقيدة السمحة، بالتكافل الاجتماعي والإخاء والتواد والتراحم والتعاون على البر والتقوى, وبالجهاد في سبيل الارتقاء بالحياة وفيه وفي سبيل الدفاع عن دين الله، وبالتضامن مع بقية عناصر الأمة المسلمة.
جميع الخصائص السابق ذكرها للمجتمع المسلم إضافة إلى الخصائص الأخرى التي لم يذكرها المؤلف من أهم مصادر خبرات المناهج الدراسية. إذ إن المتعلم الذي هو محور الاهتمام في العملية التعليمية يعد للحياة في هذا المجتمع، ومن ثم تصبح الخبرات المتعلقة بهذه الخصائص أساسية في المناهج الدراسية، وبخاصة بالنسبة لمخططي المناهج.
стр. 305
أهم مصادر الفصل الثامن:
إضافة إلى: القرآن الكريم والسنة المطهرة.
١- إبراهيم، عز الدين:
معالم رئيسية في مسيرة الجامعات الإسلامية في العهد الحديث. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.
٢- التركي، عبد الله بن عبد المحسن:
"منهج الدعوة" بحوث مؤتمر دور الجامعات الإسلامية في تكوين الدعاة "جـ١" الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب رئيس الرابطة، ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م.
٣- السعيد، عبد العزيز بن عبد الرحمن:
الاجتهاد ورعاية المصلحة ودرء المفسدة في الشريعة الإسلامية، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.
٤- الشافعي، حسن محمود:
"خطة لتكوين الداعية المفتي"، بحوث مؤتمر دور الجامعات الإسلامية في تكوين الدعاة "جـ٣". الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية مكتب رئيس الرابطة، ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م.
٥- الشعراوي، محمد متولي:
هذا هو الإسلام. القاهرة: الدار المصرية للنشر والتوزيع ١٩٨٥م.
٦- العسال، أحمد:
"دور الجامعات الإسلامية في تطبيق الشريعة في المجتمعات الإسلامية".
بحوث مؤتمر دور الجامعات الإسلامية في تكوين الدعاة "جـ٣". الرياض: رابطة الجامعات الإسلامية، مكتب رئيس الرابطة، ١٤٠٩هـ.
стр. 306
٧- القطان، مناع خليل:
"العقيدة والمجتمع" مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء، العدد الثاني، السنة الثانية. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٢/ ١٤٠٣هـ.
٨-
стр. 307
١٥- قطب، سيد:
الإنسان ومشكلات الحضارة. بيروت: دار الشروق، ط ٦، ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م.
١٦-
стр. 308
الفصل التاسع: أهم خصائص المجال الدراسي والثقافة والعلمية والتقنية
مقدمة الفصل التاسع
...
الفصل التاسع: أهم خصائص المجال الدراسي والثقافة العلمية والتقنية
مقدمة الفصل التاسع:
كان مجال الدراسة دائمًا ولا يزال من أهم مصادر خبرات المناهج الدراسية. بل إن المتتبع لتطور الفكر في هذه المناهج، يجد أن مجال الدراسة كان حينا من الدهر هو المصدر الوحيد لخبراتها، وذلك فيما يعرف في تاريخ تنظيمات المناهج بمنهج المادة الدراسية. فآنذاك كان لكل مادة من المواد الدراسية منهج مستقل، بمعنى أنه كان للغة العربية منهج مستقل، كما كان لكل من الرياضيات والكيمياء والأحياء منهج مستقل، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المواد الدراسية.
في هذا الوقت، كان تزكيز المناهج الدراسية على المعلومات، وكانت وظيفة المدرسة هي -بالدرجة الأولى- نقل التراث الإنساني من جيل إلى جيل. وذلك على اعتبار أن تراكم الخبرات الإنسانية من جيل إلى جيل كفيل بأن يوفر للمتعلم زادًا يمده بما يحتاج إليه في مسيرة حياته, ومع أن الأمر اختلف بعد أن دخل كل من المتعلم والمجتمع في دائرة اهتمام المناهج الدراسية، فإن مجال الدراسة لا يزال يتبوأ مكانًا خاصا بين مصادر خبرات المناهج الدراسية.
стр. 309
أولا: المجال الدراسي
مدخل
...
أولًا: المجال الدراسي
وكما هو متوقع، فإن مجالات الدراسة تختلف باختلاف طبيعتها والتطورات التي تشهدها. فمثلًا، تختلف الرياضيات من حيث بنيتها وسرعة تطورها عن التاريخ أو الاجتماع أو غيرهما. وعلو وجه العموم، فإن أهم ما ينبغي أن يراعيه مخططو المناهج بالنسبة لمجال الدراسة -من وجهة نظر المؤلف- ما يلي:
أ- أساسيات المقرر الدراسي وتسلسله.
ب- التطورات المعاصرة فيه.
جـ- تطبيقاته.
د- التوجيه الإسلامي له.
هـ- إسهامات العلماء المسلمين فيه.
وفيما يلي نعطي نبذة عن كل عنصر من هذه العناصر:
أ- بالنسبة للأساسيات والتسلسل:
نعني بالأساسيات -هنا- الخبرات التي تعتمد عليها بنية المقرر الدراسي المراد
تخطيط منهجه، ولا نعني أساسيات المجال نفسه، فعلى سبيل المثال، حين
стр. 310
أ- بالنسبة للأساسيات والتسلسل:
نعني بالأساسيات -هنا- الخبرات التي تعتمد عليها بنية المقرر الدراسي المراد
تخطيط منهجه، ولا نعني أساسيات المجال نفسه، فعلى سبيل المثال، حين
نخطط منهجًا لرياضيات الصف الثالث الابتدائي، فإننا نعني بالأساسيات هنا موضوعات الرياضيات التي تشكل بنية منهج الرياضيات لهذا الصف بالذات. فإذا فرضنا أن هذا المنهج يحتوي على جدول الضرب والقسمة بدون باق، فإن الأساسيات هنا تصبح كما يلي:
١- مفهوم الضرب كعملية جمع متكرر، بمعنى أن:
٧+٧+٧+٧+٧=٧ "مكررة بالجمع ٥ مرات".
=٧×٥
ولتعميق هذا المفهوم، يمكن تناوله بصورة خارجة عن نطاق جدول الضرب، مثل:
٤١٣+٤١٣+٤١٣+٤١٣+٤١٣+٤١٣ =٤١٣× ــ كما يمكن تناوله بصورة
أخرى، مثل:
٩٠٢+٩٠٢+٩٠٢+٩٠٢+٩٠٢+٩٠٢+٩٠٢= ــ× ٧
٢- حقائق جدول الضرب:
وهي الحقائق المعروفة في جدول الضرب والتي ينبغي أن يستنتجها التلاميذ بأنفسهم باستخدام مفهوم الضرب، ولا يحفظوها عن ظهر قلب دون فهم. وما ينطبق على حقائق الضرب هنا ينطبق على حقاقق أي موضوع في أي مجال آخر. فهل يمكن أن يتابع متعلم دراسة الهندسة أو تطبيق نظرياتها دون استيعاب منطوق هذه النظريات، وهل يمكن أن يطبق متحدث قواعد النحو دون استعيابها استيعابًا جيدًا، وهل يمكن أن يبدع عالم في علمه دون استيعابه للقواعد الأساسية فيه.
ولا يعني ما سبق إثقال المتعلم بالحفظ والاستظهار. ولكن يمكن أن يحدث الاستيعاب عن طريق التطبيقات وتنوعها واستمرارها. وهذا ما ينبغي أن يتنبه له مخططو المناهج.
وتدل خبرة المربين على أن تطبيق المفهوم لاستخلاص الحقائق يعمق فهم المتعلم للمفهوم كما يعمق فهمه للحقائق. ويساعد المتعلم على استنتاج الحقيقة التي تغيب عن ذهنه، ويصحح فهم المتعلم الخاطئ عن ضرورة استظهار هذه الحقائق.
ومن الملاحظ -بعد أن انتشرت الحاسبات الآلية الصغيرة- أن المتعلم لم يعد يحاول حفظ حقائق جدول الضرب -على سبيل المثال- كما كان في الماضي، ولم يعد كثير من المعلمين يحرصون على متابعة حفظ تلاميذهم لهذه الحقائق اعتقادًا.
стр. 311
منهم بأن الحاسبات قد تحملت عبء إجراء العمليات، ومن ثم لم يعد استيعاب التلاميذ لحقائق الضرب ضروريا من وجهة نظرهم.
المؤلف لا يتفق مع هذا الاتجاه. فالحقيقة التي يتفق عليها المربون أن من أهم أهداف التعلم -اليوم- هو تنمية تفكير المتعلم ومساعدته على الإبداع والابتكار وإنتاج المعلومات، ولم يعد تخزين المعلومات في الذاكرة البشرية يحتل الأهمية التي كان يتبوؤها من قبل. والبعض يرفض حفظ أي قدر من المعلومات. وهنا يثار سؤال: هل يمكن أن يطبق المتعلم في حياته ما تعلمه دون تخزين قدر منها في ذاكرته؟
وهل يمكن أن يحدث ابتكار دون الانطلاق إليه من قاعدة المعلومات -لدى المبتكر- كافية لأن توصله إلى ما يبتكره؟ هذا القاعدة من الخبرات اللازمة لإيصال المبتكر إلى الابتكار هي الحد الأدنى لما ينبغي أن يستوعبه المتعلم، ويفضل أن يحفظه حتى يكون سهل الاستدعاء. سهل التطبيق، ومن ثم ييسر طريق الإبداع والابتكار وإنتاج المعلومات.
٣- القسمة كعملية عكسية لعملية الضرب، بمعنى:
٨×٩= ٧٢ تؤدي إلى ٧٢÷٨=٩
كما تؤدي إلى ٧٢÷٩= ٨
١٢×١١= ١٣٢ تؤدي إلى ١٣٢÷١٢= ١١
كما تؤدي إلى ١٣٢÷١١=١٢
٤ القسمة كعملية طرح متكرر من المقسوم، بمعنى:
١٣٢÷١١ يمكن إجراؤها على النحو التالي:
стр. 312
يلاحظ هنا أننا كررنا طرح العدد ١١ من العدد ١٣٢، ١٢ مرة. وبناء عليه، يكون ناتج قسمة "١٣٢÷ ١١" هو ١٢.
ويمكن إجراء هذه العملية بصورة أبسط إذا طرحنا مضاعفات العدد ١١، مثل:
٥- القسمة كعملية جمع متكرر المقسوم عليه، مثل:
١٣٢ ÷ ١٢ يمكن إجراؤها على نحو:
وبذلك، فإن ١٣٢ ÷ ١٢= ١١
стр. 313
ويمكن تبسيط هذه العملية إذا جمعنا مضاعفات العدد ١٢، مثل:
وبذلك فإن ١٣٢÷١٢=١١
وتختلف الأساسيات في المجال الواحد من مستوى لآخر، كما تختلف باختلاف مستوى التعليم وأنواعه؛ لأن أهداف المنهج الدراسي تختلف باختلاف أنواع التعليم ومستوياته. فأهداف مناهج اللغة العربية في الصف السادس الابتدائي تختلف عن أهداف مناهج اللغة العربية في الصف الثالث الإعدادي. وأهداف مناهج اللغة العربية في الصف الثالث الثانوي تختلف عن أهداف مناهج اللغة الغربية في الصف الثالث من المرحلة الثانوية التجارية أو الزراعية أو الصناعية.
ومن الأساسيات التي ينبغي أن يراعيها مخططو المناهج الدراسية أن البنية المعرفية لكل مجال من المجالات تشتمل على مفاهيم وحقائق، وأن الدراسة للوصول إلى مستوى الإتقان تتطلب مساعدة المتعلم إلى الوصول إلى مستوى المهارة. فلكل علم مفاهيمه وحقائقه، ففي العلوم الاجتماعية نجد الحق والأمانة والاتحاد والحب مفاهيم مجردة، وفي الرياضيات نجد المثلث والمستطيل والدائرة والفراغ مفاهيم مجردة، وفي العلوم القانونية نجد الجريمة والاعتداء والجناية والعدل مفاهيم مجردة.
وللطبيعة المجردة للمفاهيم، فإن إخضاعها للمستوى الحسي يصبح مدخلًا للتعامل معها في الحياة، وفي المناهج الدراسية. لذلك قد يرمز للاتحاد بمجموعة من الأيدي الممسكة ببعضها البعض أو مجموعة عصي في حزمة، وقد يرمز للعدل بميزان متعادل الكفتين، وقد يرمز للمثلث بثلاثة قطع مستقيمة تتقاطع مثنى مثنى، أو غير ذلك من صور التمثيل الحسي لهذه المفاهيم.
ولا شك أن وعي مخططي المنهج الدراسي بمفاهيم كل مجال من مجالات الدراسة وحسن تمثيلها حسيا في خبرات المناهج، والعمل على تعميق فهم المتعلمين لها يسهم إسهامًا إيجابيا في استيعاب المتعلم لها، أما إذا غفل مخططو المنهج
стр. 314
الدراسي عن المفاهيم التي يحتويها المنهج، فإن استيعاب المتعلمين لخبرات المنهج يصبح أمرًا بعيد المنال؛ لأن المفاهيم تشكل البنية الأساسية للمجال المراد تخطيط منهج دراسي له.
الحقائق هي المكون الثاني للبنية الأساسية لأي علم أو مجال. فإذا كان المجال هو الفيزياء أو الكيمياء، فإن الحقائق تشمل القواعد والخواص والمعادلات وإذا كان المجال هو الرياضيات فمن الحقائق ما يعرف بحقائق العمليات الأساسية. ففي الحساب -على سبيل المثال- وهي حقائق الضرب وحقائق الجمع وحقائق الطرح وحقائق القسمة، وتكون حقائق الهندسة هي النظريات، ومن حقائق الجبر القواعد والنظريات والمبادئ, أم التاريخ فتكون حقائقه هي الأحداث والتواريخ، وفي العلوم القانونية تكون الحقائق هي مواد القانون. وهكذا نجد لكل علم أو مجال حقائق ينبغي أن يضمن مخططو المناهج الدراسية وجود المناسب منها بين خبرات المناهج الدراسية.
وما يود المؤلف تأكيده هنا إضافة إلى توجيه انتباه مخططي المناهج الدراسية إلى العناية بالمفاهيم والحقائق هو التوازن المطلوب بين هذه المفاهيم وتلكم الحقائق.
فالشائع في تخطيط المناهج الدراسية توجيه العناية إلى الحقائق على حساب المفاهيم، ومن ثم يلجأ المتعلم إلى استظهار الحقائق دون فهم في معظم الحالات؛ لأن فهم الحقائق يرتكز على جذورها وهي المفاهيم، وأشير إلى جدول الضرب لتوضيح المقصود. التلميذ الذي لا يستوعب مفهوم جدول الضرب بحيث يستطيع أن يستنتج حقائقه بنفسه، يضطر إلى حفظ هذه الحقائق عن ظهر قلب. ولعل منا من يذكر أنه حين سأل ابنه عن ناتج ضرب ٥×٤ بدأ الابن من ٥×٥. وفي غالب الأحوال إذا صعب على الابن أن يبدأ هذه البداية لا يستطيع الإجابة, في حين أنه في حال تمكنه من مفهوم جدول الضرب سيحاول الحصول على الإجابة بجمع ٥+٥+.. إلى ٤ مرات. مثل هذه المشكلة لم تحدث -بالضرورة- نتيجة لإهمال المتعلم. ولكن قد يكون السبب فيها عدم إعطاء مفهوم الضرب العناية المناسبة عند اختيار خبرات المنهج الدراسي من قبل مخططي المناهج, أو عند تطبيق المنهج في عملية التدريس.
ويعتبر المؤلف الوصول بالمتعلم إلى اكتساب المهارة في تناول كل من المفاهيم والحقائق من الأساسيات المهمة. فحيث إن عصرنا هذا يتطلب إيصال المتعلم إلى الحد الأقصى من التمكن، فإن المدخل الحاسم إلى تحقيق ذلك هو مساعدته للوصول إلى المستوى المهاري في الأداء، بمعنى أن يكتسب المهارة في تحصيل كل من المفاهيم والحقائق وتطبيقاتهما.
ولا نعني بالمهارة هنا سرعة الأداء ودقته، كأن يسأل تلميذ الصف الثاني الابتدائي عن ناتج "٥×٦" فيجيبك الإجابة الصحيحة بسرعة. فإذا كان هذا
стр. 315
التلميذ ماهرًا لمجرد أنه أجاب هذه الأجابة الصحيحة. فإن الآلة الحاسبة تكون أكثر مهارة منه؛ لأنه قد يجيب إجابات صحيحة وأخرى خطأ، ولكنها تجيب دائمًا بسرعة وبدقة ولا تخطئ إلا إذا أصابها عطب أو خلل.
المهارة -من وجهة نظر المؤلف- تتكون من ثلاثة عناصر، هي: السرعة والدقة والفهم. بمعنى أن تكون سرعة الإجابة ودقتها مبنية على فهم المتعلم لمكونات العملية، وما يتصل بها من مفاهيم. هذا الفهم الشامل إضافة إلى السرعة والدقة حين تتوافر ثلاثتها عند المتعلم في أداء أي عمل، يكون المتعلم قد وصل إلى المستوى المهاري الذي يوصله إلى التمكن.
وهذا المستوى المهاري لا يمكن تحقيقه إلا إذا أخذه في الاعتبار مخططو المنهج الدراسي من بداية اختيارهم المنهج الدراسي. ولا ينبغي أن يترك إلى وقت تطبيق المنهج كما يتصور البعض، فالأوزان النسبية للخبرات داخل نظام المنهج الدراسي تبدأ من مرحلة اختيار الخبرات لكي يتحقق التكافؤ بينها، كل حسب الهدف منه، وحسب وظيفته بالتحديد.
أما التسلسل، فينبغي على مخططي المناهج أن يراعوه حيث يلزم. فهناك مجالات يتحتم فيها مراعاة التسلسل والتتابع في الخبرات مثل الرياضيات، حيث لا يمكن تدريس القسمة قبل تدريس الجمع والطرح والضرب، ولا يمكن تدريس الضرب قبل الجمع، ولا يمكن تدريس التفاضل قبل الجبر. وهكذا. ولذلك فإن مراعاة خاصتي التسلسل والتتابع في مناهج الرياضيات في مختلف المستويات وبين خبرات الرياضيات في المنهج الواحد أمر ضروري، سواء عند اختيار خبرات المنهج أم عند تنظيمها.
وهناك مجالات لا يكون التسلسل فيها أساسيا مثل التاريخ، إذ يمكن أن يعالج وفق التسلسل الزمني للأحداث, كما يمكن معالجته وفق الوحدة الموضوعية للأحداث, والاجتماع والجغرافيا والاقتصاد لا يكون التسلسل فيه أساسيا مثلما هو في الرياضيات والفيزياء، ولكن -على وجه العموم- حيثما يكون التسلسل مطلوبًا، فعلى مخططي المناهج أن يحققوه بالقدر اللازم.
стр. 316
ب: بالنسبة للتطورات المعاصرة في المجال
كما ذكرنا من قبل، تشهد مختلف العلوم نهضة وتطورا غير مسبوقين، ولا فكاك لمخططي المناهج من ملاحقة هذا التطور محافظة على المناهج من التخلف.
فإذا قارنا مناهج الفيزياء -على سبيل المثال- في الصف الثاني الثانوي اليوم بما كانت عليه هذه المناهج من قبل سنوات قليلة سوف نلاحظ فروقًا كبيرة بين هذه المناهج في الحالين, نتيجة للتطورات التي حدثت في مجال الفيزياء، بل إن علومًا فيزيائية جديدة قد ظهرت مثل الفيزياء النظرية والفيزياء الذرية والفيزياء النووية ففرضت نفسها على المناهج الدراسية في مختلف مستويات التعليم وأنواعه.
وكذلك الأمر بالنسبة للرياضيات، فعلى سبيل المثال، لقد رحل عن عالم الهندسة، هندسة إقليدس التي احتلت المناهج الدراسية قرونا من الزمان، وظهرت علوم هندسية جديدة مثل الهندسة الوصفية وهندسة التحويلات، أما الجبر فقد ظهر فيه أنواع جديدة مثل الجبر الخطي وغير الخطي والجبر الاكتواري، وغير هذه من التطورات الكثيرة، حدثت في مختلف فروع الرياضيات.
ولكن التطور الأهم في مجال الرياضيات هو ما حدث من تطور في بنيتها, وما صاحب هذا من لغة جديدة. فظهرت البنية الرياضية التي أساسها مفهوم المجموعة والتي بناء عليها تمكن الرياضيون من الوصول إلى المفاهيم البنيوية المتدرجة مثل مفهوم الزمرة ومفهوم الحلقة، ومفهوم الحقل. مثل هذه البنى كونت أطرًا جمعت مختلف فروع الرياضيات، وصاحب هذا التطور لغة جديدة ورموز جديدة للتعبير عنه، وهذه مجرد أمثلة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المفاهيم الجديدة التي كان لا يدرسها سوى الطلاب المتخصصين في الرياضيات في المستوى الجامعي، أصبحت من بين خبرات المناهج الدراسية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، بل إن بعضًا منها يقدم الآن بالمرحلة الابتدائية، وهذا يوضح إلى أي حد تؤثر التطورات الحديثة في العلوم على المناهج الدراسية، الأمر الذي يلقي على كاهل مخططي المناهج الدارسية عبء متابعة هذه التطورات, والحرص على مواكبة المناهج لها.
ولم يتوقف التطور في العلوم عند العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، ولكنه تعداها إلى العلوم الاجتماعية أيضًا, إذ شهدت هي الأخرى تقدمًا كبيرًا، ليس فقط في المحتوى ولكن في المنهجية كذلك. ومن أهم ما يلاحظ عليها أنها أصبحت تستخدم المنهج العلمي التجريبي، كما أنها صارت تستخدم الأساليب الإحصائية بتركيز أكثر من ذي قبل.
وملاحقة واهتماما بهذا التطور، نجد الجماعات المهنية والمؤسسات التربوية، والمتخصصين في مختلف المجالات والمعنيين بمناهجها، يتابعون هذا التطور ويعقدون المؤتمرات, وينظمون الندوات واللقاءات لتبادل الرأي حول كيفية استثماره في المناهج الدراسية. إضافة إلى استشراف ما يمكن أن يحدث في المسقبل القريب والبعيد من تطور في هذه المجالات.
стр. 317
جـ- بالنسبة للتطبيقات:
من السمات الأساسية التي ينبغي أن يحرص على توافرها مخططو المناهج الدراسية, بالنسبة للخبرات التي تتضمنها هذه المناهج, أن تتوافر الوظيفية في هذه الخبرات بمعنى أن يكون لها تطبيقات في حياة المتعلم، سواء في حياته الخاصة أم في الحياة العامة في مجتمعه، فإن هذا إضافة إلى أنه يسهم في فتح آفاق الحياة أمام المتعلم، فإنه يجعل هذه الخبرات ذات معنى لديه، ومن ثم ييسر له استيعابها، ويوضح له التواصل والتكامل بين ما يتعلمه في المؤسسة التربوية, وما يدور من مناشط في مؤسسات المجتمع الأخرى.
وبهذه المناسبة، فإنني أوصي إخواني -مخططي المناهج في عالمنا الإسلامي- بالعناية بتطبيقات خبرات المناهج الدراسية؛ لأنني أشعر بأنها لا تأخذ حقها من الاهتمام في مناهجنا، وبخاصة في بعض المناهج مثل الرياضيات ومناهج العلوم الشرعية، فمناهج الرياضيات في المرحلتين المتوسطة والثانوية بعامة ومناهج الجبر بخاصة تكاد تكون منقطعة الصلة بالمجتمع، وكثيرا ما يتساءل التلاميذ عن الهدف من دراستهم هذا وذاك. هذا التساؤل يمكن أن يختفي إذا ما حرص مخططو المناهج على تضمين خبرات المنهج تطبيقات في الحياة أو في العلوم الأخرى.
وبالنسبة للجبر الذي يحظى بأكبر قدر من الأسئلة فإنني أرى -على سبيل المثال- في الجبر الخطي والاحتمالات، مجالًا لمثل هذه التطبيقات كلما كان هذا ممكنًا.
أما مناهج العلوم الشرعية، فإنني أتمنى أن يحصر إخواني القائمون على تخطيطها على اختيار الخبرات المناسبة لعمر التلميذ، والمفيدة له في حياته الحاضرة. وأن ينفكوا من اختيار أبواب كاملة من كتب الفقه أو التوحيد أو الحديث، وفق ورودها في أمهات الكتب. نعم هذه الكتب نفائس ينبغي أن نتتلمذ عليها، ولكن حين نخطط المنهج ينبغي أن نختار منها يناسب عمر التلميذ, وما يفيده في حياته، وما يكون يسير الدراسة بقدر الإمكان، وأن نبسط لغة التعبير عن مضامينها بقدر المستطاع، وأن نوضح مفاهيمها بضرب الأمثال من الحياة اليومية للتلاميذ. إما أن يدرس تلميذ المرحلة الابتدائية "سلسل البول" -وبهذا التعبير نفسه- كما رأيت في مناهج المرحلة الابتدائية في إحدى البلدان الإسلامية, فإن الأمر يكون في حاجة إلى استدراك؛ لأن حالة "سلس البول" ليست من بين خبرات أطفال المرحلة الابتدائية بعامة؛ ولأن هذا التعبير فوق إدراك هؤلاء الأطفال.
إن تدريس الدين الآن بحاجة إلى إعادة نظر. فهناك معلومات تقدم للكبار فقط، تشحن بها عقول الصغار، وهناك أراء للرجال تقدم على أنها وحي معصوم أو نص ثابت. وهناك أركان للأخلاق والسلوك تراجعت لتحل محلها صور فقهية ثانوية. ص٨٧
стр. 318
وليتنا نبصر طلابنا الذين يدرسون علوم الدين بحقائق الدين الرئيسية، ونتجاوز القضايا والخلافات التي خلفها الفراغ والترف في بعض الأزمنة، وبيان ما هو قطعي وما هو ظني، وما هو أصلي وما هو فرعي، وتناول المذاهب المختلفة على أنها وجهات نظر ليست معصومة من الخطأ. ص٨٧.
أمر آخر فيما يتعلق بتطبيقات خبرات المناهج أن يعمل مخططو المناهج على أن تسهم المناهج في تربية المتعلمين تربية إسلامية. فعلى سبيل المثال، فإن توجيه المناهج إلى إلقاء الضوء على كل من المقبول والمرفوض -وفق التربية الإسلامية- توظيف للمنهج لرعاية هذه التربية، كما لا ينبغي أن تتناقض خبرات المناهج الدراسية في هذا الأمر.
وحين ننادي بتوظيف المنهج الدراسي لتحقيق التربية الإسلامية لا ننادي كما ينادي الآخرون بتربية تحقق صالح مجتمعاتهم فقط. فالتربية الإسلامية كما بينا في الفصل الثالث ربانية المصدر عالمية الغاية، ومن ثم فهي لا تعمل لصالح مجتمع معين ولكن لصالح الإنسانية كلها، وتهدف إلى إيصال الإنسان إلى الكمال الإنساني، وتحض على البر والخير في كل زمان وفي كل مكان, وليس لقرابة أو جوار أو إلف أو مصلحة شخصية؛ بل لأنه عمل طيب يرضي الله ورسوله. لذلك فإن على مخططي المناهج الدراسية أن يوجهوا مناهجهم نحو تحقيق هذه التربية على النحو الذي أجملناه في الفصل الثالث.
ومن الوظائف المهمة التي ينبغي أن يراعيها مخططو المناهج الدراسية على اختلاف مجالاتها مراعاة خصائص المتعلم التي أجملناها في الفصل السابع، فكما يتضح من هذا الفصل، فإن للمتعلم طبيعة خاصة وتكوينا خاصا. ووظيفة في الحياة وسمات نمو وقدرات واستعدادات، وغير ذلك مما ذكرنا في هذا الفصل. وبدون مراعاة هذه الخصائص في جميع خطوات تخطيط المنهج الدراسي وتطبيقه لن يفي المنهج الدراسي بوظيفته نحو المتعلم.
ومراعاة خصائص المجتمع من الوظائف المهمة -إيضًا- للمنهج الدراسي بغض النظر عن مجال خبراته. فكما بينا في الفصل الثامن، فإن للمجتمع المسلم خصائص مثل عقيدة التوحيد والشريعة والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد والتكافل الاجتماعي، لا يمكن أن يحافظ على هويته إلا بتحقيقها، وهناك خصائص أخرى لا يمكن أن يحافظ على موقعه في ركب التقدم إلا بتحقيقها مثل: الاجتهاد والجهاد وتربية العلماء والعمل على استثمار الإمكانات المتوافرة فيه, والتضامن مع المجتمعات المسلمة الأخرى.
стр. 319
إختصارًا للقول فإن المجتمع المسلم لا يمكن أن يقوم على أسس سليمة دون تحقيق السمات التي ذكرنا أهمها في الفصل الثامن. لذلك فإن على مخططي المناهج الدراسية، بغض النظر عن مجالات تخصصاتها، أن يوجهوا المناهج لتحقيق هذه الخصائص وتطبيقها في المجتمع.
ومن الوظائف التي ينبغي أن يحرص مخططو المناهج على الوفاء بها، الوفاء بحاجة المناهج الدراسية الأخرى. فعلى سبيل المثال، يحتاج تلميذ الصف الثالث الثانوي عند دراسته للفيزياء والكيمياء إلى خبرات معينة في الرياضيات. وما لم يأخذ مخططو منهج الرياضيات لهذا الصف تطبيقات الرياضيات في المناهج الدراسية الأخرى في الاعتبار، فإن هذا المنهج سوف يكون منقوصًا, ويسبب هذا النقص مشكلات كثيرة للمتعلم في دراسته للفيزياء والكيمياء، على سبيل المثال.
ونسوق مثالًا آخر لوظيفة المنهج -بغض النظر عن مجال تخصصه- يتعلق باللغة العربية. فتحقيقًا لمبدأ تكامل المناهج الدراسية لمختلف مجالات الدراسة مع منهج اللغة العربية، ينبغي أن تراعي مناهج المجالات الأخرى تطبيق اللغة العربية من حيث الضبط النحوي وسلامة التراكيب وغيرها. لذلك، فإنه تصبح المحافظة على الضبط النحوي, وسلامة التراكيب وغيرها عند صياغة خبرات جميع المناهج في هذا الصف مسئولية مخططي مناهجها وفاء لحاجة المتعلم إلى اللغة العربية.
وهناك وظيفة أخرى تتخطى حدود البيئة المحلية والمجتمع المحلي، ولكن في ظل العولمة التي تزحف على حياتنا اليومية، وفي ظل أهمية الاقتصاد في حياة الأمم يصبح لوظيفة المناهج الدراسية امتداد أبعد من البيئة والمجتمع المحليين.
فالبيئة المحلية والمجتمع المحلي لهما مطالب من المناهج الدراسية، لا شك واجبة الوفاء. ففي بلد مثل مصر يتوقع أن تسد المناهج الدراسية حاجتها، من المختصين في استصلاح الأراضي الصحراوية واستزراعها سدا لحاجة المجتمع إلى التوسع في زراعة القمح والخروج من الشريط الزراعي الضيق حول النيل، كما أنها في حاجة إلى شباب مؤهل للاستثمار في المشروعات الصغيرة خروجًا من مصيدة البطالة. ونضرب مثلًا آخر, للوفاء بحاجة المجتمع المحلي من البلدان الخليج، فقد أنشأت هذه البلدان في وقت الطفرة الاقتصادية بنية أساسية رائعة. وتتوقع هذه البلدان من المناهج الدراسية أن تعد الخبرات القادرة على صياغة هذه البنية وتطويرها حلا لمشكلة الاعتماد على القوى العاملة الأجنبية، وبخاصة غير المسلمة.
أما بالنسبة للعولمة وأهمية التنمية الاقتصادية، فإن العولمة تفرض أن يعنى المنهج الدراسي بهذا الاتجاه وما يتمخض عنه من آثار كلما كان هذا ممكنًا. وإضافة إلى ما سبق ذكره فإن التنمية الاقتصادية أصبحت تمتد إلى خارج حدود المجتمع المحلي، في كثير من الأحيان فمثلًا، مصر عندها عمالة فائضة عن حاجتها، الأمر الذي يضع على كاهل المناهج الدراسية إعدادها لسد حادة البلدان التي تحتاج إلى عمالة مثل أوربا وأفريقيا وبلدان الخليج وغيرها من البلدان. ولا يمكن الوفاء بهذا إلا عن طريق تخطيط مناهج دراسية تحققه.
стр. 320
د: بالنسبة للتوجيه الإسلامي للمجال الدراسي
لقد أوضحنا في الفصل الخامس مفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم وأهميته وأسسه، وجعلناه من الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي. ولم يعتد الكاتبون في تخطيط المناهج الدراسية وبنائها اعتبار هذا التوجيه، أساسًا لتخطيط المناهج الدراسية وبنائها.
ولكن المؤلف يشعر بالحاجة إلى تطبيق هذا التوجيه -اليوم- أكثر من أي وقت مضى، فالهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام من كل حدب وصوب تشكيكًا في عقيدتهم وتشويها لشريعتهم وطمسًا لهويتهم، والدعوة المعاصرة إلى العولمة التي جعلت الشعور بالشخصية الذاتية تتراجع في المجتمعات غير ذات السبق، والتغيرات العلمية والتقنية سريعة الخطى. كل هذا قد هز الشعور بالاستقرار في ديارنا. لذلك فإن هذه العوامل وأمثالها تحتاج منا -نحن المسلمون- إلى وقفة تربوية نراجع فيها أنفسنا, ونشخذ قوانا, ونصحح مسيرتنا التربوية.
فدول السبق هي التي ترفع شعار العولمة وتفرضها على الدول الأخرى. ومع ذلك فإنها تعمل عملًا دءوبًا على الاحتفاظ بشخصيتها وثقافتها، بل تحاول فرضه عل غيرها. فهل تربي أمريكا مواطنا عالميا أم مواطنا أمريكيا؟ ومثلها روسيا واليابان وفرنسا وإنجلترا وغيرها من دول السبق. بل إن هذه الدول حاولت تكوين كيانات كبرى تستطيع فرض مصالحها على العالم مع الاحتفاظ بالخصوصيات المحلية لكل دولة, بقدر الإمكان مثال لهذا الوحدة الأوربية. ومع ذلك فالتربية في فرنسا لا تزال فرنسية، والتربية في ألمانيا لا تزال ألمانية والتربية في بريطانيا لا تزال بريطانية.
من حقنا -نحن المسلمين- أن نوجه تربيتنا توجيهًا إسلاميا، وبخاصة المناهج الدراسية. ولكي يتم هذا ينبغي أن يكون جميع ما يتعرض له المتعلم -في داخل المؤسسة التربوية على وجه الخصوص، وفي المجتمع على وجه العموم- متسقًا مع التوجيه الإسلامي، على وجه العموم.
وحيث إن اهتمامنا هنا ينصب على تخطيط المناهج الدراسية فإن على مخططي المناهج أن يختاروا خبرات المناهج الدراسية بما يحقق الخصائص العامة