← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9972

الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية

محمود أحمد شوق

Полный текст (445 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ب: بالنسبة للتطورات المعاصرة في المجال كما ذكرنا من قبل، تشهد مختلف العلوم نهضة وتطورا غير مسبوقين، ولا فكاك لمخططي المناهج من ملاحقة هذا التطور محافظة على المناهج من التخلف. فإذا قارنا مناهج الفيزياء -على سبيل المثال- في الصف الثاني الثانوي اليوم بما كانت عليه هذه المناهج من قبل سنوات قليلة سوف نلاحظ فروقًا كبيرة بين هذه المناهج في الحالين, نتيجة للتطورات التي حدثت في مجال الفيزياء، بل إن علومًا فيزيائية جديدة قد ظهرت مثل الفيزياء النظرية والفيزياء الذرية والفيزياء النووية ففرضت نفسها على المناهج الدراسية في مختلف مستويات التعليم وأنواعه. وكذلك الأمر بالنسبة للرياضيات، فعلى سبيل المثال، لقد رحل عن عالم الهندسة، هندسة إقليدس التي احتلت المناهج الدراسية قرونا من الزمان، وظهرت علوم هندسية جديدة مثل الهندسة الوصفية وهندسة التحويلات، أما الجبر فقد ظهر فيه أنواع جديدة مثل الجبر الخطي وغير الخطي والجبر الاكتواري، وغير هذه من التطورات الكثيرة، حدثت في مختلف فروع الرياضيات. ولكن التطور الأهم في مجال الرياضيات هو ما حدث من تطور في بنيتها, وما صاحب هذا من لغة جديدة. فظهرت البنية الرياضية التي أساسها مفهوم المجموعة والتي بناء عليها تمكن الرياضيون من الوصول إلى المفاهيم البنيوية المتدرجة مثل مفهوم الزمرة ومفهوم الحلقة، ومفهوم الحقل. مثل هذه البنى كونت أطرًا جمعت مختلف فروع الرياضيات، وصاحب هذا التطور لغة جديدة ورموز جديدة للتعبير عنه، وهذه مجرد أمثلة. ومن الجدير بالذكر أن هذه المفاهيم الجديدة التي كان لا يدرسها سوى الطلاب المتخصصين في الرياضيات في المستوى الجامعي، أصبحت من بين خبرات المناهج الدراسية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، بل إن بعضًا منها يقدم الآن بالمرحلة الابتدائية، وهذا يوضح إلى أي حد تؤثر التطورات الحديثة في العلوم على المناهج الدراسية، الأمر الذي يلقي على كاهل مخططي المناهج الدارسية عبء متابعة هذه التطورات, والحرص على مواكبة المناهج لها. ولم يتوقف التطور في العلوم عند العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، ولكنه تعداها إلى العلوم الاجتماعية أيضًا, إذ شهدت هي الأخرى تقدمًا كبيرًا، ليس فقط في المحتوى ولكن في المنهجية كذلك. ومن أهم ما يلاحظ عليها أنها أصبحت تستخدم المنهج العلمي التجريبي، كما أنها صارت تستخدم الأساليب الإحصائية بتركيز أكثر من ذي قبل. وملاحقة واهتماما بهذا التطور، نجد الجماعات المهنية والمؤسسات التربوية، والمتخصصين في مختلف المجالات والمعنيين بمناهجها، يتابعون هذا التطور ويعقدون المؤتمرات, وينظمون الندوات واللقاءات لتبادل الرأي حول كيفية استثماره في المناهج الدراسية. إضافة إلى استشراف ما يمكن أن يحدث في المسقبل القريب والبعيد من تطور في هذه المجالات.

стр. 317

جـ- بالنسبة للتطبيقات: من السمات الأساسية التي ينبغي أن يحرص على توافرها مخططو المناهج الدراسية, بالنسبة للخبرات التي تتضمنها هذه المناهج, أن تتوافر الوظيفية في هذه الخبرات بمعنى أن يكون لها تطبيقات في حياة المتعلم، سواء في حياته الخاصة أم في الحياة العامة في مجتمعه، فإن هذا إضافة إلى أنه يسهم في فتح آفاق الحياة أمام المتعلم، فإنه يجعل هذه الخبرات ذات معنى لديه، ومن ثم ييسر له استيعابها، ويوضح له التواصل والتكامل بين ما يتعلمه في المؤسسة التربوية, وما يدور من مناشط في مؤسسات المجتمع الأخرى. وبهذه المناسبة، فإنني أوصي إخواني -مخططي المناهج في عالمنا الإسلامي- بالعناية بتطبيقات خبرات المناهج الدراسية؛ لأنني أشعر بأنها لا تأخذ حقها من الاهتمام في مناهجنا، وبخاصة في بعض المناهج مثل الرياضيات ومناهج العلوم الشرعية، فمناهج الرياضيات في المرحلتين المتوسطة والثانوية بعامة ومناهج الجبر بخاصة تكاد تكون منقطعة الصلة بالمجتمع، وكثيرا ما يتساءل التلاميذ عن الهدف من دراستهم هذا وذاك. هذا التساؤل يمكن أن يختفي إذا ما حرص مخططو المناهج على تضمين خبرات المنهج تطبيقات في الحياة أو في العلوم الأخرى. وبالنسبة للجبر الذي يحظى بأكبر قدر من الأسئلة فإنني أرى -على سبيل المثال- في الجبر الخطي والاحتمالات، مجالًا لمثل هذه التطبيقات كلما كان هذا ممكنًا. أما مناهج العلوم الشرعية، فإنني أتمنى أن يحصر إخواني القائمون على تخطيطها على اختيار الخبرات المناسبة لعمر التلميذ، والمفيدة له في حياته الحاضرة. وأن ينفكوا من اختيار أبواب كاملة من كتب الفقه أو التوحيد أو الحديث، وفق ورودها في أمهات الكتب. نعم هذه الكتب نفائس ينبغي أن نتتلمذ عليها، ولكن حين نخطط المنهج ينبغي أن نختار منها يناسب عمر التلميذ, وما يفيده في حياته، وما يكون يسير الدراسة بقدر الإمكان، وأن نبسط لغة التعبير عن مضامينها بقدر المستطاع، وأن نوضح مفاهيمها بضرب الأمثال من الحياة اليومية للتلاميذ. إما أن يدرس تلميذ المرحلة الابتدائية "سلسل البول" -وبهذا التعبير نفسه- كما رأيت في مناهج المرحلة الابتدائية في إحدى البلدان الإسلامية, فإن الأمر يكون في حاجة إلى استدراك؛ لأن حالة "سلس البول" ليست من بين خبرات أطفال المرحلة الابتدائية بعامة؛ ولأن هذا التعبير فوق إدراك هؤلاء الأطفال. إن تدريس الدين الآن بحاجة إلى إعادة نظر. فهناك معلومات تقدم للكبار فقط، تشحن بها عقول الصغار، وهناك أراء للرجال تقدم على أنها وحي معصوم أو نص ثابت. وهناك أركان للأخلاق والسلوك تراجعت لتحل محلها صور فقهية ثانوية. ص٨٧

стр. 318

وليتنا نبصر طلابنا الذين يدرسون علوم الدين بحقائق الدين الرئيسية، ونتجاوز القضايا والخلافات التي خلفها الفراغ والترف في بعض الأزمنة، وبيان ما هو قطعي وما هو ظني، وما هو أصلي وما هو فرعي، وتناول المذاهب المختلفة على أنها وجهات نظر ليست معصومة من الخطأ. ص٨٧. أمر آخر فيما يتعلق بتطبيقات خبرات المناهج أن يعمل مخططو المناهج على أن تسهم المناهج في تربية المتعلمين تربية إسلامية. فعلى سبيل المثال، فإن توجيه المناهج إلى إلقاء الضوء على كل من المقبول والمرفوض -وفق التربية الإسلامية- توظيف للمنهج لرعاية هذه التربية، كما لا ينبغي أن تتناقض خبرات المناهج الدراسية في هذا الأمر. وحين ننادي بتوظيف المنهج الدراسي لتحقيق التربية الإسلامية لا ننادي كما ينادي الآخرون بتربية تحقق صالح مجتمعاتهم فقط. فالتربية الإسلامية كما بينا في الفصل الثالث ربانية المصدر عالمية الغاية، ومن ثم فهي لا تعمل لصالح مجتمع معين ولكن لصالح الإنسانية كلها، وتهدف إلى إيصال الإنسان إلى الكمال الإنساني، وتحض على البر والخير في كل زمان وفي كل مكان, وليس لقرابة أو جوار أو إلف أو مصلحة شخصية؛ بل لأنه عمل طيب يرضي الله ورسوله. لذلك فإن على مخططي المناهج الدراسية أن يوجهوا مناهجهم نحو تحقيق هذه التربية على النحو الذي أجملناه في الفصل الثالث. ومن الوظائف المهمة التي ينبغي أن يراعيها مخططو المناهج الدراسية على اختلاف مجالاتها مراعاة خصائص المتعلم التي أجملناها في الفصل السابع، فكما يتضح من هذا الفصل، فإن للمتعلم طبيعة خاصة وتكوينا خاصا. ووظيفة في الحياة وسمات نمو وقدرات واستعدادات، وغير ذلك مما ذكرنا في هذا الفصل. وبدون مراعاة هذه الخصائص في جميع خطوات تخطيط المنهج الدراسي وتطبيقه لن يفي المنهج الدراسي بوظيفته نحو المتعلم. ومراعاة خصائص المجتمع من الوظائف المهمة -إيضًا- للمنهج الدراسي بغض النظر عن مجال خبراته. فكما بينا في الفصل الثامن، فإن للمجتمع المسلم خصائص مثل عقيدة التوحيد والشريعة والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد والتكافل الاجتماعي، لا يمكن أن يحافظ على هويته إلا بتحقيقها، وهناك خصائص أخرى لا يمكن أن يحافظ على موقعه في ركب التقدم إلا بتحقيقها مثل: الاجتهاد والجهاد وتربية العلماء والعمل على استثمار الإمكانات المتوافرة فيه, والتضامن مع المجتمعات المسلمة الأخرى.

стр. 319

إختصارًا للقول فإن المجتمع المسلم لا يمكن أن يقوم على أسس سليمة دون تحقيق السمات التي ذكرنا أهمها في الفصل الثامن. لذلك فإن على مخططي المناهج الدراسية، بغض النظر عن مجالات تخصصاتها، أن يوجهوا المناهج لتحقيق هذه الخصائص وتطبيقها في المجتمع. ومن الوظائف التي ينبغي أن يحرص مخططو المناهج على الوفاء بها، الوفاء بحاجة المناهج الدراسية الأخرى. فعلى سبيل المثال، يحتاج تلميذ الصف الثالث الثانوي عند دراسته للفيزياء والكيمياء إلى خبرات معينة في الرياضيات. وما لم يأخذ مخططو منهج الرياضيات لهذا الصف تطبيقات الرياضيات في المناهج الدراسية الأخرى في الاعتبار، فإن هذا المنهج سوف يكون منقوصًا, ويسبب هذا النقص مشكلات كثيرة للمتعلم في دراسته للفيزياء والكيمياء، على سبيل المثال. ونسوق مثالًا آخر لوظيفة المنهج -بغض النظر عن مجال تخصصه- يتعلق باللغة العربية. فتحقيقًا لمبدأ تكامل المناهج الدراسية لمختلف مجالات الدراسة مع منهج اللغة العربية، ينبغي أن تراعي مناهج المجالات الأخرى تطبيق اللغة العربية من حيث الضبط النحوي وسلامة التراكيب وغيرها. لذلك، فإنه تصبح المحافظة على الضبط النحوي, وسلامة التراكيب وغيرها عند صياغة خبرات جميع المناهج في هذا الصف مسئولية مخططي مناهجها وفاء لحاجة المتعلم إلى اللغة العربية. وهناك وظيفة أخرى تتخطى حدود البيئة المحلية والمجتمع المحلي، ولكن في ظل العولمة التي تزحف على حياتنا اليومية، وفي ظل أهمية الاقتصاد في حياة الأمم يصبح لوظيفة المناهج الدراسية امتداد أبعد من البيئة والمجتمع المحليين. فالبيئة المحلية والمجتمع المحلي لهما مطالب من المناهج الدراسية، لا شك واجبة الوفاء. ففي بلد مثل مصر يتوقع أن تسد المناهج الدراسية حاجتها، من المختصين في استصلاح الأراضي الصحراوية واستزراعها سدا لحاجة المجتمع إلى التوسع في زراعة القمح والخروج من الشريط الزراعي الضيق حول النيل، كما أنها في حاجة إلى شباب مؤهل للاستثمار في المشروعات الصغيرة خروجًا من مصيدة البطالة. ونضرب مثلًا آخر, للوفاء بحاجة المجتمع المحلي من البلدان الخليج، فقد أنشأت هذه البلدان في وقت الطفرة الاقتصادية بنية أساسية رائعة. وتتوقع هذه البلدان من المناهج الدراسية أن تعد الخبرات القادرة على صياغة هذه البنية وتطويرها حلا لمشكلة الاعتماد على القوى العاملة الأجنبية، وبخاصة غير المسلمة. أما بالنسبة للعولمة وأهمية التنمية الاقتصادية، فإن العولمة تفرض أن يعنى المنهج الدراسي بهذا الاتجاه وما يتمخض عنه من آثار كلما كان هذا ممكنًا. وإضافة إلى ما سبق ذكره فإن التنمية الاقتصادية أصبحت تمتد إلى خارج حدود المجتمع المحلي، في كثير من الأحيان فمثلًا، مصر عندها عمالة فائضة عن حاجتها، الأمر الذي يضع على كاهل المناهج الدراسية إعدادها لسد حادة البلدان التي تحتاج إلى عمالة مثل أوربا وأفريقيا وبلدان الخليج وغيرها من البلدان. ولا يمكن الوفاء بهذا إلا عن طريق تخطيط مناهج دراسية تحققه.

стр. 320

د: بالنسبة للتوجيه الإسلامي للمجال الدراسي لقد أوضحنا في الفصل الخامس مفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم وأهميته وأسسه، وجعلناه من الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي. ولم يعتد الكاتبون في تخطيط المناهج الدراسية وبنائها اعتبار هذا التوجيه، أساسًا لتخطيط المناهج الدراسية وبنائها. ولكن المؤلف يشعر بالحاجة إلى تطبيق هذا التوجيه -اليوم- أكثر من أي وقت مضى، فالهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام من كل حدب وصوب تشكيكًا في عقيدتهم وتشويها لشريعتهم وطمسًا لهويتهم، والدعوة المعاصرة إلى العولمة التي جعلت الشعور بالشخصية الذاتية تتراجع في المجتمعات غير ذات السبق، والتغيرات العلمية والتقنية سريعة الخطى. كل هذا قد هز الشعور بالاستقرار في ديارنا. لذلك فإن هذه العوامل وأمثالها تحتاج منا -نحن المسلمون- إلى وقفة تربوية نراجع فيها أنفسنا, ونشخذ قوانا, ونصحح مسيرتنا التربوية. فدول السبق هي التي ترفع شعار العولمة وتفرضها على الدول الأخرى. ومع ذلك فإنها تعمل عملًا دءوبًا على الاحتفاظ بشخصيتها وثقافتها، بل تحاول فرضه عل غيرها. فهل تربي أمريكا مواطنا عالميا أم مواطنا أمريكيا؟ ومثلها روسيا واليابان وفرنسا وإنجلترا وغيرها من دول السبق. بل إن هذه الدول حاولت تكوين كيانات كبرى تستطيع فرض مصالحها على العالم مع الاحتفاظ بالخصوصيات المحلية لكل دولة, بقدر الإمكان مثال لهذا الوحدة الأوربية. ومع ذلك فالتربية في فرنسا لا تزال فرنسية، والتربية في ألمانيا لا تزال ألمانية والتربية في بريطانيا لا تزال بريطانية. من حقنا -نحن المسلمين- أن نوجه تربيتنا توجيهًا إسلاميا، وبخاصة المناهج الدراسية. ولكي يتم هذا ينبغي أن يكون جميع ما يتعرض له المتعلم -في داخل المؤسسة التربوية على وجه الخصوص، وفي المجتمع على وجه العموم- متسقًا مع التوجيه الإسلامي، على وجه العموم. وحيث إن اهتمامنا هنا ينصب على تخطيط المناهج الدراسية فإن على مخططي المناهج أن يختاروا خبرات المناهج الدراسية بما يحقق الخصائص العامة

стр. 321

للعلم، كما بيناها في الفصل الرابع. فلا بد أن يقر في قلب المتعلم المسلم -بغض النظر عن مستواه الدراسي أو مجال التخصيص- أن العلم كله من عند الله، وأنه لا ينفد، وأن منه الموحى به ومنه المكتسب، وأن اليقيني منه لا يتعارض مع حقائق الكون. فالوحي نزل بكتاب الله والكون من خلق الله، ومن ثم لا يمكن أن يتعارضا في شيء، وأننا نحن المسلمين مطالبون بتحصيل العلم وبذل أقصى الطاقة في ذلك، وأننا نثاب على هذا إذا ما أخلصنا النية لله وحصلنا العلم بما يرضي الله, وطبقناه فيما يرضي الله، . هذه الخصائص وغيرها مما ذكرنا في الفصل الرابع تتسق مع التوجيه الإسلامي، وتقي المتعلم من التلوث الفكري الذي يتسرب إليه من الأفكار التي تتعارض مع التوجيه الإسلامي. وقد سبق أن بينا في الفصل الثالث خصائص التربية الإسلامية, وأكدنا على ضرورة عناية مخططي المناهج الدراسية بهذه الخصائص. فعندما يعمل مخططو المناهج على تحقيق خصائص التربية الإسلامية، إضافة إلى تحقيق خصائص العلم. فإن المتعلم يجد اتساقًا وتناغمًا في الخبرات التي يقدمها إليه المنهج الدراسي. الأمر الذي يساعده على استيعاب هذه الخبرات التي يقدمها إليه المنهج الدراسي. الأمر الذي يساعده على استيعاب هذه الخبرات وتمثلها. ويدفعها إلى الإيمان بها فضلًا عن أنها تسهم في تربيته تربية إسلامية. ويساعد التوجيه الإسلامي للعلوم على وقاية المتعلم من التلوث الفكري. فما يحدث في كثير من مدارسنا هو أننا نقدم العلوم على أنها نتاج فكر العلماء وإبداعهم، أي: أننا نقدم علما منقطع الصلة بالله، ونحصر الهدف من تحصيل العلم في الهدف النفعي وهنا نستبعد -مرة أخرى- صلة تحصيل العلم بعبادة الله ونقدم العلماء على أنهم أناس أفذاذ العقول قدراتهم الإبداعية هي التي مكنتهم من الإبداع والابتكار، ولا نذكر أن لله هو الذي وفقهم إلى ما أنجزوا, وأنهم مكرمون عند الله إذا اتبعوا أوامره ونواهيه في إبداعاتهم وابتكاراتهم، فإيضاح الصلة بين توفيق الله من ناحية وبين العلم والعلماء من ناحية أخرى، يسهم في التوجيه الإسلامي للمناهج كما يسهم في حماية أبناء المسلمين من التلوث الفكري. وباب آخر واسع للتلوث الفكري نفتحه على أبنائنا, حين ندرس ما يناقض تعاليم الإسلام. وسأضرب هنا مثلًا بسيطًا من مناهج مدارسنا الابتدائية يتعلق بمناهج التربية الإسلامية والرياضيات، فمدرس التربية الدينية يعلم المتعلم أن الربا محرم في الإسلام، ويعلمه معلم الرياضيات -ربما في الحصة التالية- ما يتناقض مع هذا تمامًا, حين يدرس الفائدة البسيطة والفائدة المركبة في البنوك، وهي فائدة مقطوعة مقدمًا. أي: إنها ربا بواح، وحيث إن ما يعلمه معلم الرياضيات يشهده المتعلم في المجتمع، يصبح ما يعلمه معلم التربية الإسلامية الدينية -في نظر المتعلم- تاريخًا انقضى عهده مضى وزمنه، وما كان لهذا التناقض أن يحدث لو أننا حرصنا على توجيه مناهج الرياضيات توجيهًا إسلاميا. للأسباب السابقة، فإن الحرص على توجيه المناهج الدراسية توجيها إسلاميا بدءا من اختيار خبراتها أمر مهم, يقع على عاتق مخططي هذه المناهج ومطبقيها.

стр. 322

هـ- بالنسبة لإسهامات العلماء المسلمين في المجال الدراسي: حين تمر الأمم بفترات تخلف وتترك مكانها الريادي، وتجد نفسها وقد تخلت عن مكانها في الصفوف الأمامية من مسيرة التقدم، فإن من عوامل هذه الأمة وحفز أجيالها للعمل على استعادة مكانها في الطليعة تبصير أبنائها بإنجازات أسلافهم في مختلف الميادين. من أجل هذا تحرص الأمم على أن يستوعب أبناؤها ما حققته من إنجازات عبر التاريخ. والمسلمون -اليوم- ليسوا في مكان الريادة كما كانوا بالأمس. فقد تخلفوا عن ركب التقدم, وفاتهم تسارع التقدم العلمي والتقني. وأصبحوا يتلقون الجديد منهما ولا ينتجدونه، وفي كثير من الأحيان، يتلقون معونات وقروضًا من الغير يستعينون بها على سد حاجتهم من المأكل والمشرب وتسيير أمور الحياة. ومن بين دول المسلمين ما يلبس ما لا ينسج ويركب ما لا يصنع, ويعيش حياة تذكر بتلك التي كانت منذ قرون خلت. ويبين تاريخ هذه الأمة أنها كانت تحمل لواء الحضارة الإنسانية يوم أن كانت أوربا وكثير غيرها من البلدان المتقدمة اليوم، في تخلف وانحدار. فكانت ديار المسلمين منارة للعلم والنور, يشد العلماء إليها الرحال للتزود بالعلم والمعرفة؛ لأن العلماء المسلمين أخذوا عن سابقيهم من الهنود والإغريق والفرس وغيرهم, وتمثلوا ما أخذوه، ثم انتقلوا إلى مرحلة الإبداع والابتكار. يؤكد هذا فؤاد سيزكين في قوله عن إنجازات المسلمين العلمية: لسنا نخالف الحقائق التاريخية إذا اعتبرنا أن مرحلة "الأخذ والتمثل" تنتهي في أواسط القرن الثالث الهجري إلى مرحلة "الإبداع" كما يمكننا أن نصور الطابع الأساسي لبداية هذه المرحلة -أي: مرحلة الإبداع- في إدراك العلماء المسلمين بأنفسهم أنهم قادرون على الإبداع، وهم قادرون بالتالي على أن يصلوا إلى ما لم يصل إليه الإغريق من قبلهم "٢، ١٥". ولكن القارئ لكتب الغرب عن تاريخ العلوم يجد تعتيمًا وتشويها لإنجازات المسلمين العلمية، فمعظم هذه الكتب تقفز من عصر الإغريق إلى ما يسمى "عصر النهضة" ويتجاهل عصر الحضارة الإسلامية الذي يتوسطهما، وإذا مر بإنجازات المسلمين ففي عجالة لا تعطيها حقها. مع أن المسلمين قد أسسوا علومًا

стр. 323

وبدءوها وما كانوا فيها بمسبوقين، كما طوروا علومًا أخرى. فمحمد بن موسى الخوارزمي هو مؤسس "علم الجبر". ونصير الدين الطوسي هو مؤسس "علم المثلثات"، هذا إضافة إلى جهود العلماء المسلمين التي أسهمت في تقدم العلوم الأخرى مثل: الكندي وابن الهيثم في الجغرافيا والشيرازي وثابت بن قرة والبناني وجابر بن أملح في الفلك وابن سينا في الطب وثابت بن قرة والبيروني والكاشي وأبو جعفر في الرياضيات وابن خلدون في الاجتماع، وابن حزم والغزالي وإخوان الصفا في التربية وابن الجوزية والزرنوجي في علم النفس. وهؤلاء مجرد أمثلة. وقليل من أبناء المسلمين المعاصرين من يعرف أن الأولين من المسلمين لهم إسهامات علمية ساعدت على تقدم البشرية. فقليل من علمائنا من اهتم بالبحث في المصادر الأصلية عن إنجازات المسلمين في العلوم، والأقل من كتب عن هذه الإنجازات. لجأ الكثير من هؤلاء إلى المراجع الأجنبية مع ما فيها من تشويه لجهود المسلمين في تقدم حضارة الإنسان. وزاد الطين بلة أن المناهج الدراسية في معظم المؤسسات التربوية في العالم الإسلامي لم تعن العناية الكافية بإسهامات العلماء المسلمين العلمية, إضافة إلى قلة ما كتب عنها للقارئ العادي. ولقصور المناهج الدراسية في العناية بإسهامات العلماء المسلمين في حضارة الإنسان أسباب كثيرة, يذكر المؤلف منها سببين رئيسيين: أحدهما: قلة المراجع والدراسات الخاصة بهذ الإسهامات, كما سبق أن ذكرنا. والثاني، أن مخططي مناهجنا الدراسية لا يهتمون كثيرًا بهذه الإسهامات. لذلك فإن طلابنا يتعلمون في مؤسساتنا التربوية أن الرياضيات من ابتكار نيوتن وغيره من غير المسلمين, ولا يعرفون أن للخوارزمي وغيره من العلماء المسلمين إسهاما في مجالها, وأن الاجتماع من ابتكار دور كايم وغيره من العلماء غير المسلمين، ولا يعرفون أن لابن خلدون وغيره من العلماء المسلمين إسهاما في مجاله, وأن التربية من ابتكار جون ديوي وغيره من العلماء المسلمين, ولا يعرفون أن ابن الجوزية وغيره من العلماء المسلمين لهم إسهامًا فيها، وأن علم النفس من ابتكار فرويد وغيره من العماء غير المسلمين, ولا يعرفون أن الزرنوجي وغيره من العلماء المسلمين لهم إسهامًا فيها. وبهذا يقر في عقولنا أبناء المسلمين أن العلماء غير المسلمين هم بناة حضارة الإنسان, وأن المسلمين ليس لهم إسهام يذكر فيها، وبخاصة أن حال المسلمين -اليوم- لا ينبئ عنهم في سالف زمانهم وعن كبير إنجازهم. علاج هذا القصور في المناهج الدراسية ينبغي -من وجهة نظر المؤلف- أن يبدأ على أيدي مخططي هذه المناهج. وذلك بأن يقدم كل منهج دراسي خبرات عن إسهامات العلماء المسلمين كلما كان هذا ممكنًا. بمعنى أنه إذا كان المنهج الدراسي

стр. 324

يقدم عمليتي الجمع والطرح في الحساب -على سبيل المثال- فإن المنهج يقدم للمتعلمين مفهوم كل من هاتين العمليتين, وكيفية إجراء كل منهما وتطبيقاتهما عند علماء المسلمين، وإذا كان مجال خبرات المنهج هو الفلك، فعلى المنهج الدراسي أن يقدم إسهامات العلماء المسلمين فيما يدرسه المتعلمون في الفلك. وبذلك يطلع أبناء الأمة على إنجازات أجدادهم في حضارة الإنسان. ويرى المؤلف إضافة إلى تقديم إسهامات العلماء المسلمين في كل مجال دراسي عن طريق خبرات هذا المجال، أن يخصص مقرر مستقل في منهج المؤسسة التربوية يعطي فكرة شاملة عن هذه الإسهامات. ويرى المؤلف أن أهمية عناية مخططي المناهج الدراسية بتقديم إسهامات العلماء المسلمين في المناهج الدراسية ترجع إلى ما يلى، على وجه الخصوص: ١- الإسهام في تكوين شعور الاعتزاز بالأمة الإسلامية لدى المتعلمين، وحفزهم على النهوض بها وإعادتها إلى سابق مجدها. ٢- تثقيف أبناء الأمة بالنسبة لتطور الفكر في مختلف مجالات الدراسة. ٣- إتاحة فرص للترويح عن المتعلمين من خلال تقديم هذه الإسهامات وتذوقها من قبل المتعلمين. ٤- الوقوف على إسهامات الحضارة الإسلامية في حضارة الإنسان.

стр. 325

ثانيًا: الثقافة العلمية والتقنية في هذا الجزء من الفصل سوف يعالج المؤلف التقدم العلمي والتقني, من حيث كونهما مصدرًا من مصارد المنهج الدراسي. ولعل القارئ يتساءل ما إذا كان المقصود هنا أن هذا المصدر يخص مجالات العلوم الطبيعية فقط أم العلوم الطبيعية والتطبيية أم أنه يخص العلوم الإنسانية أيضًا. وإجابة هذا السؤال -من وجهة نظر المؤلف-ذات ثلاث شعب: الشعبة الأولى أن المستحدث في المجال وما يتصل به من تقانة ينبغي أن يكون له نصيب مفروض في المنهج الدراسي، كما سبق أن بينا، والشعبة الثانية أن تقانة تعليم المجال هي أيضًا جزء لا يتجزأ من المنهج، أما الشعبة الثالثة فهي الثقافة التقنية التي لا غنى لكل فرد عنها, ليتفهم حركة الحياة ولغتها اللتين تتغيران بتغيرالتقدم العلمي والتقني في العالم. هذه الثقافة تجنب المتعلم الدخول في زمرة المنتمين إلى الأمية العلمية التقنية.

стр. 326

ويلاحظ أن كثرة الحديث عن التقدم العلمي والتقني وأثرهما على الحياة، أصبح قولًا مكرورًا، ومن ثم لم يعد يشد الانتباه عند البعض. هذا رغم أن آثاره مشهودة وفعاليته في تقدم الأمم غير منكورة. لذلك، قد يكون مفيدًا أن يقدم المؤلف للقارئ ما اطلع عليه عن تقانة التبريد. وهذا رغم أنه مجرد مثال عن تأثير التقانة فإنه مثال مبين. يقول كاتب المقال بعنوان: "رحلة البحث عن الأبدية في الخلايا": عندما عرض المتطوع الطيار الشاب مكورماك McCormac نفسه للتجربة السرية، في قسم التبريد والمعالجة الطويلة الأمد بأحد المختبرات العسكرية الأمريكية، تحت العزل المطبق عام ١٩٣٩م عشية نشوب الحرب العالمية الثانية، على أن يدوم الاختبار لمدة سنة واحدة فقط، لم يخطر في بال ذلك الطيار، أنه سينام في التابوت المبرد حتى عام ١٩٩٢م، في غيبوبة رهيبة لفترة تزيد عن نصف قرن. وعندما استيقظ الشاب المنسي في قاعة مهملة من مستودعات الجيش الأمريكي، من تابوت اختبار التبريد المديد، انتفض جسد الشاب يرتعش من البرد القطبي الذي كان غاطسًا فيه، ليرى العالم قد تغير، فأصبح جديدًا، ونشأة مستأنفة، وعالمًا مستحدثًا "٥، ٢٤". ولكن المفاجأة في هذه التجربة أنها لم تختصر له الزمن، ففي خلال فترة قصيرة، بعد نهوضه من مرقده، بدأت تهو d خلاياه من جديد وباتجاه متسارع رهيب، لتعوض كل السنوات بسرعة أيام وساعات، فهو الذي ولد عام ١٩٠٧م ونهض في عام ١٩٩٢م بعد ثلاث وخمسين سنة، من المفروض أن تتسارع خلاياه بسرعة لتلحق بالشيخوخة، حتى يصبح في فترة قصيرة لا تتجاوز العام الواحد شيخًا عجوزًا في الخامسة والثمانين، يجر أقدامه المتعبة من طول الأيام وكر السنين، وهكذا فالتبريد لم يجدد الخلايا، ولم يحافظ عليها في وضع الشباب إلا لشهور معدودة، وكل ما فعله التبريد أنه أوقف التسارع، فلما استيقظ الرجل من نومة أهل الكهف، هرعت الخلايا عائدة إلى ذاكرتها المخدرة، لتعوض الوقت الطويل الذي مر، والتخلف الذي عاشت فيه، فإذا به في فترة قصيرة وقد تيبست مفاصله، وتراجعت حيويته، واشتعل رأسه شيبًا، وتجعد جلده، وتغضنت قسمات وجهه، وبدأ ظهره في التقوس، حتى خلاياه أظهرت وضعًا حير الأطباء، فشكله كان شبابًا ولكن صبغة الدم كان تشير إلى مرض البرغريا Progeria ففي هذا المرض تصاب الخلايا بالتسارع "٥، ٢٥". ويذكر كاتب هذا المقال، أن القارورة الواحدة "من الخلايا الحية" يمكن أن تبقى محفوظة بنصف حياة في درجة الحرارة هذه مائة قرن بالتمام والكمال، فإذا كشف الغطاء بعد عشرة آلاف سنة كان حوالي نصفها ما زال على قيد الحياة، ويمكن أن يتابع مسيرة الحياة مرة أخرى بكل عنفوان "٥، ٢٩".

стр. 327

ويضيف: إن البكتريا التي تصدرها هذه المؤسسات "مؤسسة تكثير الخلايا" بعد تكثيرها يمكنها إبادة الجنس البشري؛ لأن السلاح البيولوجي يعد أخطر من السلاح النووي بما لا يقارن، فكلتة خمسة عشر طنا من السلاح البيولوجي كافية لإبادة الجنس البشري "٥، ٢٨". ويود المؤلف أن يوجه نظر القارئ أن تقنية التبريد التي نتحدث عنها هنا، هي تقنية عام ١٩٣٩م، وهي التقنية ذاتها التي تطورت اليوم فمكنت الأطباء من إجراء عمليات القلب المفتوح بصورة مأمونة بعد تبريده تبريدًا سريعًا، هذا ما كشف عنه لغير حائزي هذه التقنية. وقد يكون عند حائزيها -بل بالضروة- أن يكون عند حائزيها الكثير مما لم يكشفوا عنه للآخرين. واليوم نادرًا ما نقرأ صحيفة يومية دون أن نجد فيها أخبارًا عن كشف علمي جديد أو تطبيق تقني حديث، أما المجلات المتخصصة فقد ضاقت صفحاتها على كثرتها عن متابعة الكشوف العلمية التي تتدفق كل يوم من مراكز البحث العلمي, والتطبيقات التقنية التي تنهمر بصورة أذهبت العقول وحيرت الأفئدة. ولا يزال السيل الجارف مستمرا. أما قضية البث المباشر فقد أصبحت قضية عالمية، كما أصحب من العسير أن ترى بيتا من وسط الأكواخ لا يعلوه ذلك العمود الممتد كأنه يد تترصد الصور من الأجواء. وحين تنتشر الأقمار الصناعية على مدى أوسع، ويتطور الإنتاج في عالم الإلكترونيات بشكل أكبر، سوف يصبح في متناول الناس في كل بقاع الأرض المشاركة في الرؤية والاستماع إلى البرامج عبر العالم كله. وحيئنذ لن تجدي أية رقابة. وهنا يتضح جلاء أن نجاة أمتنا رهن بصحوة ذاتيتها. وانطلاقها الذاتي، وتمسكها بقيمها النبيلة وهويتها الأصلية. هذه مقتطفات بسيطة عن المشهود لنا من التقدم العلمي والتقني على ساحة الحياة، فما بالنا بما هو آت، وقد أطلت علينا بشائره. فإلى أين تسير بنا البحوث العلمية والتقنية في مجال الهندسة الوراثية، والحزم الضوئية ونقل الأعضاء، والتحكم عن بعد، والتجسس من خلال الأقمار الصناعية، وطفرة المعلوماتية وغيرها. وإذا فكرنا في التطور التقني في المنظور المستقبلي القريب، نقرأ ما يلي: ستكون أجهزة الحاسوب المستقبلية بحجم مفكرة الجيب، وتتيح لك قراءة البريد الإلكتروني وإرساله. واستقبال الفاكسات وإرسالها، وتخزين النقود، ومراجعة أرصدتك لدى البنوك، والحصول على أية معلومات أو بيانات أو مواد إعلامية أو ثقافية أو تعليمية.

стр. 328

أما عن شبكة هذه الحواسيب فيذكر، وبدلًا من الهرولة نحو المكتبة للحصول على المراجع ومصادر المعلومات المطلوبة لإعداد التقرير، تلجأ إلى جهاز الحاسوب القابع أمامك فترسل الفاكسات والبريد الإلكتروني إلى جميع الأشخاص للاستشارة والإجابة عن أسئلتك واستفساراتك. كما تستطيع من خلال جهاز الحاسوب الشخصي هذا أن تتجول في أرجاء مكتبة الكونجرس وغيرها من المكتبات العالمية، ويمكنك الإفادة من المعلومات والبيانات التي توفرها مراكز البحوث والدراسات. وبذلك تتوافر لديك المواد اللازمة لإعداد التقرير المطلوب. كما يمكنك القيام بدراسة استطلاعية على عينة من مشتركي شبكة "إنترنيت" للحكم على قابلية تنفيذ التصور المطروح في التقرير الذي قمت بإعداده. من الأمثلة السابقة يتضح أن عالم المستقبل سيكون فيه التفوق الحضاري لهذه المجتمعات التي تستطيع توظيف العلم والتقانة التوظيف الأمثل. التقدم العلمي والتقني -إذن- أصبح لا يتوقف على استيعاب ما تجمع من معرفة عبر الزمن أو لدى الآخرين، ولكنه يعتمد - في المقام الأول- على امتلاك ناصية أدوات المعرفة. فما يشهده العالم اليوم -على ضخامته- إن هو إلا مقدمات لموجات عارمة من العلوم والمعارف التي يدخل بها العالم آفاقا مجهولة، الأمر الذي يمكن أن يعرض حياة الإنسان وبيئته إلى مخاطر غير مرئية "٤، ٣٣-٣٤". ومهما تكن وجهة النظر التي نأخذ بها بالنسبة للنمط العام للمنهج، ومهما تكن وجهة نظرنا بالنسبة للمحتوى، فالمعترف به هو أن هناك الكثير ليتعلمه الفرد، وهو أكثر بكثير عما يتاح له أن يتعلمه خلال فترة التعليم المدرسي. ولا شك أن هناك شكلًا جديدًا لإنتاج المعرفة آخذا في النشأة والصعود جنبًا إلى جنب مع الإنتاج التقليدي للمعرفة. وهذا الشكل أو الصيغة الجديدة لإنتاج المعرفة لا يؤثر فقط على ماهية ونوع المعرفة المنتجة، ولكن - أيضًا- على الكيفية التي يتم بها إنتاجها, والمحيط البيئي التي تتم فيه مواصلة هذا الإنتاج والطريقة التي ينتظم بها، ونظم المكافآت التي يطبقها وآليات ضبط جودة الإنتاج "٤، ٦". وننبه هنا لما يمكن أن تصير إليه المناهج الدراسية إذا ما تجاهل مخططوها أو مطوروها التقدم العلمي والتقني المعاصر. فالذي ينبغي أن يدركه هؤلاء وهؤلاء هو أن إيقاع تطوير المناهج المعهود لم يعد مناسبًا لما نشهده من تغير من حولنا: في المجتمع، وفي العلوم، وفي التقنية ... لذلك عليهم أن يبحثوا عن أساليب جديدة ليتعلم الفرد قدرًا أكبر من ذي قبل، ويفهم بأسلوب أعمق من ذي قبل، ويبدع أكثر من ذي قبل ويستشرف بطريقة أكثر نفاذًا من ذي قبل.

стр. 329

وليكن في حسبان من يقومون على بناء المناهج وتطويرها أنه من الضروري بالنسبة للنظم التعليمية مهما كان مستواها أن تدخل التقنية في برامجها كجزء أساسي وتنظيمي على نطاق واسع. فإن عصرنا هو عصر التقنية العقلية المعقدة التي تتجاوز مجرد استخدام الآلات والأجهزة إلى المبادئ العلمية القائمة عليها. وأن الاستخدام الفعال والصحيح للتقنية التربوية الحديثة يمكن أن يعطي مردودًا أكبر للاستثمارات القائمة, والإمكانات المخصصة لبرامج التعليم والتدريب، كما يمكن أن يوثق العلاقة بين مراكز الدراسة ومراكز العمل والإنتاج وبذلك تضيق الهوة بين المدرسة والمجتمع، وتقل الشكوى من أن المدرسة لا تعد الدارسين لعالم العمل ذي الطبيعة المتغيرة باستمرار. ويمكن الاستخدام الصحيح لتقنية التعليم من المساهمة بصورة فعالة في برامج مكافحة الأمية والتعليم المستمر، وتيسير الدراسة لأعداد أكبر من الراغبين في التعليم، وزيادة الاستفادة من البرامج الدراسية، وإتاحة الفرص لكافة فئات المجتمع لكي تزيد من تحصيلها العلمي والثقافي، وبذلك يتحقق - تدريجيا- المجتمع المستمر في التعلم. كما ينبغي أن تعكس المواد التعليمية أحدث التطبيقات التقنية المتصلة بالمناهج المعنية، وأن تتضمن نتائج أرفع الأعمال العلمية المناسبة في كل تخصص، وأن تأخذ بأحدث الاتجاهات في التعليم والتدريس. وإذا نظرنا إلى التقدم التقني وأثره على المناهج، فإننا نجد له تأثيرًا بالغا. فإضافة إلى أن التقنية فرضت نفسها على خبرات المنهج الدراسي وأصبحت وسيلة مؤثرة في توصيل المعلومات إلى المتعلم، فإنه بناء على تقنية التعليم الحديثة استحدثت نظم جديدة وأساليب متطورة, وتغيرت مهام المشاركين في العملية التعليمية نتيجة لكفاءة أدوات التقنية الحديثة, مثل نظام التعليم المفتوح الذي أخذ ينتشر, وصولًا إلى هؤلاء الذين لا يتسع وقتهم للانخراط في التعليم التقليدي, وسدا للنقص في المعلمين، وتوسيعا لنطاق التعليم سواء من حيث مستويات المتعلمين وعددهم أم من حيث المساحة الجغرافية التي يغطيها. والواقع أن التعليم المفتوح كان أحد الحلول التي طبقتها بعض المجتمعات المتقدمة لمشكلات عدم تفرغ الدارسين لفترات طويلة من التعليم النظامي, وعدم ملاءمة النظم التعليمية ومناهجها وطرقها لحاجاتهم التي تتغير بسرعة، والطلب الملح على أنواع التعليم الذي تعجز هذه النظم عن تلبيته. ومن أهم ما أدخله التقدم التقني إلى مجال التعليم جهاز الحاسب الآلي "الكمبيوتر" فقد أحدث هذا الجهاز طفرة في تطوير العملية التعليمية، إذا استخدم

стр. 330

في إرسال برامج تعليمية معدة إعدادًا جيدًا بواسطة خبراء على مستوى عال من العلم والخبرة، كما أصبح وسيلة عالية الكفاءة في تخزين المعلومات وسرعة استدعائها. هذا إضافة إلى ما يقدمه للبحث العلمي من خدمات أدت به إلى تقدم مذهل في اتساع المجالات, ودقة النتائج وسرعة الإنجاز. وسوف يكون للحاسب الآلي دور حاسم ومهم في عملية التربية المستمرة. فقد ثبت من نتائج الدراسات التي جرت في هذا المجال. أن الوظائف التي يؤديها هذا الحاسب لا تتوقف على مجرد تقديم المعلومات وتخزينها, وإنما يساعد كذلك في تكوين المفاهيم وتطبيق الأساليب المختلفة, والحكم عليها وإثارة القوى الفكرية, والفضول العلمي لدى المتعلمين، فهو يساعد الفرد على أن يكتشف الحلول المحتملة لمشكلة ما، وأن يدرس الآثار والنتائج المختلفة إذا ما غير في معطياتها. وأن يصل إلى أحكام علمية ومنطقية حول المعلومات التي تقدم له أو يتعلمها. ويمكن القول بأن عملية استخدام الحاسب في التربية قد قدمت حوارًا بين الفرد المتعلم وبين نظام كامل للمعلومات والحقائق والمهارات والأحكام. وغدا، تجعل الأقمار الصناعية من العالم كله مدرسة واحدة، تتعدد مناهجها بقدر ما تبثه هذه الأقمار من برامج، ويصل عدد طلابها بقدر المتلقين للبرامج المبثوثة في مختلف أرجاء العالم. وهذا تحد خطير لمطوري المناهج ينبغي أن يلاحقوه بتطوير يواكب ما تبثه هذه الأقمار. وللأقمار الصناعية جانب آخر أكثر خطورة هو التجسس، فهذه الأقمار تكشف المستور في الكون، وتكشف المحجوب عن أعين البشر، فما موقف مخططي المناهج من هذه التعرية لحياة الأمم؟ هل يقفون مكتوفي الأيدي أم يواجهون هذا بالتوعية, وإعداد شباب الأمة لأن يواجهوا هذا الغزو بغزو مثله، وفوق ذلك أن يكونوا قادرين على الدخول في حلبة سباق تطوير هذه الأقمار، وهي حلبة لا يدخلها إلا أولو الابتكار والعزم من العالمين. وللأقمار الصناعية مهام أخرى أشد فتكا بالمجتمعات التي لا تملك المقدرات التقنية اللازمة لحماية نفسها، منها التلويث الفكري. فلكل مجتمع قيمه التي هي عماد تماسكه وأساس استقراره، فإذا ما اهتزت هذه القيم دخل المجتمع في تيه يضل به فيبعد عن أصوله، وتكون هذه هي الخطوة الأولى لانهياره. وإذ تستبدل قيم دخيلة بقيمه، ومن ثم يجتاح التلوث الفكري عقول أبنائه، والبقية معروفة بعد ذلك. ومقاومة هذا الغزو مهمة معاصرة أخرى أمام مخططي المناهج الدراسية.

стр. 331

ونستطيع أن نلخص ما ينبغي أن يراعيه مخططو المناهج الدراسية ومنظموها بالنسبة للتثقيف العلمي والتقني فيما يلي: ١- أن التقدم على وجه العموم وفي التنمية على وجه الخصوص، يعتمد على القوى البشرية المثقفة علميا وتقنيا تثقيفا عاما، إضافة إلى حيازتها للمستوى العلمي والتقني المناسب للتنمية ووجود نظام العمل الحافز. ٢- أنه مع تقدم التقنية أصبتح الآلات هي التي تتعامل مع المواد, وتركت للإنسان مجال التفكير والإبداع وإنتاج المعرفة واكتشاف الجديد، وعلى المناهج الدراسية تكوين هذا الإنسان. ٣- أن سرعة التقدم العلمي والتقني قد أفرزت مشكلتين مهمتين هما: كيف يمكن المحافظة على القيم والمبادئ الأساسية التي -عادة- ما تهتز مع سرعة التغير؟ وكيف لا تكون القيم حجر عثرة في طريق التغيير المطلوب؟ ٤- أن الإبداع المنشود في مختلف المجالات -عمومًا- وفي مجال العلوم والتقنية على وجه الخصوص، لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ سياسي اجتماعي يمنح الفرد الثقة والأمن وحرية التفكير والتعبير. ٥- أن إشاعة التفكير العلمي والتخلص من التفكير الخرافي من بين العوامل الدافعة لعجلة البحث العلمي, والتطبيق التقني في المجتمع, والحافزة على مواكبته. ٦- أن الكفاءة الإدارية وسرعة اتخاذ القرار شرط لازم لاستثمار التطبيق التقني في الإنتاج بالمجتمع. ٧- أنه كلما اتسعت دائرة التقدم العلمي والتدريب التقني وارتفعت المهارات التقنية بين المتعلمين في المجتمع, كان توطين التقنية وإنتاجها في المجتمع أيسر. ٨- أنه يسهم في تطوير مناهج الدراسة ومواكبتها للتقدم العلمي والتقني توثيق الصلة وتبادل الخبرات بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات الإنتاج, ومواكبة الأولى للمتطلبات العلمية والتقنية الثانية. ٩- أن التقنيات التي يبدو أنها سوف تأخذ في المستقبل القريب، هي:

стр. 332

- تقنية المعلومات. - تقنية الاتصالات والموصلات. - تقنية الهندسة الحيوية. - تقنية الطاقة المتجددة. - تقنية البيئة. - تقنية الفضاء. ١٠- أن نقل العلوم والتقنية من مجتمع إلى آخر لا يحقق تقدمًا للمجتمع المنقول إليه، وأنه لا بديل من أن ينتج كل مجتمع العلوم والتقنية التي يحتاج إليه، فبها وحدها ومهما كان مستواها يدخل عالم السباق التقني. ١١- أن التطور في الحواسب الآلية وفي الإلكترونيات أحد المداخل المهمة للتقدم العلمي والتقني. ١٢- أن التفوق في الإنتاج يستند إلى التفوق في العلوم والتقنية. والتفوق في العلوم والتقنية يستند إلى إشاعة الثقافة العلمية والتقنية، وهذه تستند -بالدرجة الأولى- إلى مناهج دراسية متفوقة, وبرامج تعليم مستمر متميزة تعنى بهذه الثقافة. ١٣- أن التفوق العلمي والتقني يحتاج إلى تربية ابتكارية تقوم على إطلاق الطاقات الإبداعية للمتعلمين، ومما يساعد على إطلاق هذه الطاقات في مجال العلوم والتقنية -بخاصة- جعل الثقافة العلمية والتقنية مصدرًا من مصادر المنهج الدراسي وحسن اختيار عناصرها. ١٤- أن التثقيف العلمي والتقني يتطلب تعاون المؤسسات التربوية مع مؤسسات المجتمع الأخرى، وبخاصة مؤسسات الإعلام والثقافة.

стр. 333

خاتمة الفصل التاسع: في هذا الفصل: حاول المؤلف أن يعطي مرشدًا واضحًا لمخططي المناهج الدراسية بالنسبة للمجال الدارسي. وذلك عن طريق تحديد أهم الجوانب التي ينبغي أن يحرصوا على الاهتمام بها عند تخطيطهم للمناهج الدراسية, لأي من المجالات الدراسية، لا تختلف الجغرافيا - في هذا- عن الاجتماع وكلاهما لا يختلفان عن التاريخ أو غيره من المجالات الدراسية. وأهم هذه الجوانب، هي: أ- أساسيات خبرات المجال الخاصة بالمنهج الدراسي, وتسلسلها والتطورات الحديثة فيها. ب- الوظائف المختلفة التي يمكن أن تؤديها هذه الخبرات. وبخاصة فيما يتعلق بالتربية الإسلامة واللغة العربية وتطبيقاته في كل من المجتمع والمجالات الأخرى التي يدرسها المتعلم. ج- التوجيه الإسلامي لهذه الخبرات. د- إسهامات العلماء المسلمين المتصلة بخبرات المنهج الدراسي بخاصة، وبإسهامات العلماء المسلمين في حضارة الإنسان، على وجه العموم. كما قدم المؤلف في هذا المفصل مصدرًا آخر للمنهج الدراسي هو الثقافة العلمية والتقنية. وذلك من حيث كون التقدم العلمي والتقني أصبح منتشرًا في مختلف مجالات الحياة المعاصرة. ويزداد انتشاره يومًا بعد يوم، الأمر الذي جعله قاسمًا مشتركًا لمختلف مجالات النشاط الإنساني اليومية، ولذلك فإن التربية المعاصرة والمستقبلة مدعوة لأن تجعل التثقيف العلمي والتقني جزءًا من رسالتها. وتقع على كاهل مخططي المناهج ومطوريها ومطبقيها مسئولية القيام بالتثقيف المناسب، ليس فقط لمستوى المتعلم وطبيعة المجال الدراسي ومتطلبات المجتمع، ولكن أيضًا، الذي يناسب التقدم العلمي والتقني المعاصر.

стр. 334

أهم مصادر الفصل التاسع: ١- الغزالي, محمد: الطريق من هنا: القاهرة: دار البشير للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م. ٢- سزكين, فؤاد: محاضرات في تاريخ العلوم، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م. ٣- شوق، محمود أحمد: الاتجاهات الحديثة في تدريس الرياضيات "طـ٢". الرياض: دار المريخ، ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م. ٤- على، سعيد إسماعيل: الأمن التربوي العربي "طـ١". القاهرة، عالم الكتب، ١٩٨٩م. ٥- مجلة القافلة -العدد الخامس- المجلد الخامس والأربعون، جمادى الأولى ١٤١٧هـ- سبتمبر وأكتوبر عام ١٩٩٦م.

стр. 335

خاتمة الباب الثالث: في هذا الباب: عالج المؤلف مصادر المنهج الدراسي وهي -كما يتضح من الشكل- خصائص كل من المتعلم والمجتمع ومجال الدراسة والتقانة. فعالج المؤلف في الفصل السابع طبيعة المتعلم من حيث تكوين شخصيته ووظيفته في الحياة الدنيا ومراحل نموه وأهم ما اشتملت عليه طبيعته من حيث كونه مكرمًا عند الله ومستخلفًا في الأرض، وأنه مخلوق من تراب، وأنه مخير فيما هو مؤهل للاختيار فيه، ومسئول عن اختياره ومسير فيما لا يقدر على الخيرة فيه، وأن حياته الدنيا موقوتة، وأهم مكونات شخصيته، هي: الروح والجسم والعقل والنفس. وأما وظيفته فهي عبادة الله بما في ذلك عمارة الأرض. وقد قسمت مراحل نموه إلى المراحل الثماني التالية، على التوالي: مرحلة التكوين وتشمل اختيار الزوج والزوجة وفترة الحمل، تليها مرحلة الرضاعة فمرحلة الطفولة ثم مرحلة التمييز التي تعقبها مرحلة البلوغ. ويأتي بعد ذلك مرحلة الرشد فمرحلة الكهولة ثم مرحلة الشيخوخة. ولكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها النفسية والعقلية والجسمية والاجتماعية. وعالج المؤلف خصائص المجتمع في الفصل الثامن. ومن أهم هذه الخصائص: أن ترسخ في المجتمع عقيدة التوحيد وأن يكون الحكم فيه بما أنزل الله مؤسسا على الشورى، وأن يقام فيه واجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يسهم في تحقيق التضامن الإسلامي ويعمل على تحقيق التكافل الاجتماعي، وأن يأخذ بالاجتهاد لإيجاد حلول إسلامية للمشكلات المستحدثة التي تواجه المسلمين، وأن يعمل على تربية العلماء والمجاهدين وأن يجند طاقاته البشرية لحسن استثمار ما يتوافر لديه من مصادر طبيعية, وصولًا إلى أداء واجب عمارة الأرض وفق أساليب العصر والارتقاء بمستوى الحياة فيه. والمصدر الثالث وهو المجال الدراسي، والثقافة العلمية والتقنية فقد عالجه المؤلف في الفصل التاسع. وأهم ما تناوله في المجال الدراسي أساسياته وتسلسله وتطبيقاته في داخل المنهج الدراسي وخارجه والتوجيه الإسلامي بالنسبة له، وإسهامات العلماء المسلمين فيه. أما الثقافة العلمية والتقنية فقد جعلها المؤلف -على غير المتواتر بين الكاتبين في المناهج الدراسية -مصدرًا لخبرات المناهج الدراسية؛ لأنها عنصر فاعل ومؤثر في حياتنا اليومية بحيث أصبح عدم أخذه في عين الاعتبار في تربية الأجيال

стр. 336

شكل "١" مصادر المنهج الدراسي.

стр. 337

المعاصرة والمستقبلة سوف يؤدي -من وجهة نظر المؤلف- إلى تخلف هذه الأجيال عن إيقاع العصر ومقتضيات الحياة فيه. فالعلوم والتقنية تأتي كل يوم بجديد ينبغي أن تستوعبه الأجيال وتواكب التغيرات فيه. هذه المصادر هي المنهل الذي ينبغي أن ينهل منه مخططو المناهج الدراسية, بمعنى أن تؤدي خبرات المنهج إلى تحقيق ثلاثة أهداف: الأول، تجلية خصائص هذه المصادر ودراسة المناسب منها، والثاني: تطبيق المناسب منها تطبيقًا فعليا في المناهج الدراسية بخاصة، وفي المجتمع المدرسي بعامة، والثالث، العمل على تطبيق هذه الخصائص في البيئة المحلية للمدرسة وفي المجتمع، على وجه العموم.

стр. 338

الباب الرابع: أهم خطوات تخطيط المنهج الدراسى ومعوقاته مقدمة الباب الرابع ... لقد عالج المؤلف في الباب الأول من هذا الكتاب مفهوم كل من الخبرة والمنهج الدراسي وعناصره وتخطيطه، وبعض مجالات التخطيط المتصلة بالمناهج. وعالج في الباب الثاني الأسس العامة التي ينبغي مراعاتها عند اختيار خبرات المنهج الدراسي وعند تنظيمها. وعالج في الباب الثالث المصادر التي ينبغي أن تشتق منها خبرات هذا المنهج. وفي هذا الباب، يعالج المؤلف استثمار ما سبق في عملية تخطيط المنهج الدراسي. فكما يتضح من جدول "١" فإن تخطيط المنهج الدراسي يشمل مرحلتين أساسيتين: الأولى تختص بإعداد المنهج الدراسي، وتشمل اختيار جدول "١" خطوات تخطيط المنهج وعلاقتها بالتقويم.

стр. 339

خبراته وتنظيمها في صورة أهداف ومحتوى وطرائق التعليم وتقانته والمناشط المدرسية. إضافة إلى تقويم مخرجات المنهج، وقد عالج المؤلف هذا في الفصل العاشر. ويعتبر المؤلف أن هذه الخطوة مع أهميتها في تخطيط المنهج الدراسي إلا أنها تقدم اقتراحًا لمنهج دراسي. لذلك فإن المرحلة الثانية التي تشملها الخطوات العملية لتخطيط المنهج الدراسي هي تطبيق هذا المنهج الذي تم إعداده تطبيقًا ميدانيا في المدارس بأسلوب علمي وتحت إشراف خبير، فيتم تجريبه وتقويم نتائج التجريب إلى أن تستقر هذه النتائج يبدأ التعميم. وقد عالج المؤلف الخطوات الإجرائية لتطبيق المنهج في الفصل الحادي عشر، وكما يتضح من جدول١ فإن المؤلف يرى أن تتبع كل خطوات إعداد المنهج وتطبيقه بالتقويم. أما الفصل الثاني عشر فقد عالج المؤلف فيه أهم المعوقات التي يمكن أن تواجه عملية تخطيط المنهج الدراسي. يتضح من جدول "١" أن الخطوات الأربع التي يمر بها تخطيط المنهج الدراسي, وهي: الاختيار والتنظيم والتجريب والتعميم, تخضع جميعها للتقويم والتعديل ثم التقويم مرة أخرى، إلى أن تتحقق أهداف كل منها. وكما يتضح من شكل"١" فإن هناك معوقات تواجه جميع خطوات تخطيط المنهج. شكل "١" خطوات تخطيط المنهج ومعوقاتها.

стр. 340

وبذلك، فإن هذا الباب يشمل ما يلي: الفصل العاشر: أهم خطوات تخطيط المنهج الدراسي. الفصل الثاني عشر: أهم خطوات تطبيق المنهج الدراسي. الفصل الثاني عشر: أهم معوقات تخطيط المنهج الدراسي.

стр. 341

الفصل العاشر: أهم خطوات إعداد المنهج الدراسي مقدمة الفصل العاشر ... مقدمة الفصل العاشر: على وجه العموم، فإن إعداد المنهج الدراسي يأتي ترجمة للأهداف التربوية التي سوف يعمل المنهج الدراسي على تحقيقها، إذ يعتبر المنهج الدراسي مرآة تعكس الفكر التربوي السائد في المجتمع وقت إعدادها، فإذا كان الفكر التربوي -ومن ثم الأهداف التربوية- تعتبر المعلومات هي الأساس في تربية الفرد، فإن اختيار خبرات المنهج سوف يركز على المعلومات دون عناية كبيرة بالمتعلم والمجتمع، وسوف يعمل تنظيم هذه الخبرات على وضعها في صورة مرتبطة بطبيعة المعلومات، كأن يكون تنظيم المعلومات منطقيا دون كبير اعتبار لأثر هذا التنظيم على المتعلم والمجتمع. وإذا كان الفكر التربوي الذي يوجه المناهج الدراسية يركز على المتعلم فإن اختيار خبرات المناهج وتنظيمها سوف يهتمان -بالضرورة- بالمتعلم دون كبير اهتمام بالمجتمع والمادة الدراسية. وفي حال اهتمام الفكر التربوي بالتوازن بين كل من المتعلم والمجتمع والمادة الدراسية فإن اختيار خبرات المناهج وتنظيمها سوف يسير على الدرب نفسه؛ وذلك لأن الفكر التربوي السائد في المجتمع هو منطلق الأهداف العامة للتربية -على وجه العموم- وأهداف المناهج الدراسية على وجه الخصوص. واختلاف الفكر التربوي لا يرجع إلى أسباب اجتماعية فقط، بل يرجع إلى عوامل أخرى كثيرة أهمها الدراسات التي تؤثر في المناهج مثل: الدراسات الخاصة بعلم النفس التربوي والدراسات على الإنسان من حيث وظائف الأعضاء وتوجيهها في عملية التعليم والتعلم، وعلى الذكاء بصفة خاصة. ومهما اختلفت المؤثرات على إعداد المناهج الدراسية وعلى مختلف خطواته فإن عملية إعداد المنهج الدارسي تظل من أهم العمليات التي تتم على طريق تخطيط المناهج الدراسية في أي مجتمع وفي كل وقت وفي جميع الأحوال، وينبغي أن يحرص القائمون به على أن يستوعب مختلف المتغيرات التي تؤثر على المنهج الدراسي إعدادا وتطبيقًا. وفيما يلي، يحدد المؤلف الخطوات الإجرائية لإعداد المنهج بناء على ما يلي: - مفهوم المنهج الدراسي وتخطيطه ومكوناته التي ذكرها في الباب الأول. - الأسس العامة لاختيار خبرات المنهج الدراسي التي حددها في الباب الثاني. - مصادر المنهج الدراسي التي حددها في الباب الثالث. وحيث إننا هنا لا نعد منهجًا لمجال معين في مستوى دراسي بذاته، مثل الرياضيات في الصف الثالث الثانوي فنعد المنهج بذكر أهداف هذا المنهج ومحتواه وطرائق تعليمه وتقانة تعليمه ومناشطه المدرسية وتقويم مخرجاته. ولكننا معنيون هنا بأسلوب إعداد المنهج لكل المجالات وليس لمجال بذاته. ولذلك فإن المؤلف سوف

стр. 342

يحدد الأسس الخاصة بالأهداف وليس الأسس الخاصة بالمحتوى، والأسس الخاصة بطرائق التعليم.. بحيث تكون هذه الأسس مرشدًا لإعداد كل من عناصر المنهج الستة بناء على الأسس الخاصة به، بغض النظر عن المجال الدراسي لهذا المنهج. وبناء عليه، فإنه يمكن تحديد أهم خطوات إعداد المنهج الدراسي، كما يلي: أولًا: الإعداد للمهمة. ثانيًا: أهم أسس إعداد أهداف المنهج الدراسي. ثالثًا: أهم أسس إعداد محتوى المنهج الدراسي. رابعًا: أهم أسس إعداد طرائق التعليم. خامسًا: أهم أسس التخطيط لاستخدام تقانة التعليم. سادسًا: أهم أسس إعداد المناشط. سابعًا: أهم أسس الإعداد لتقويم مخرجات المنهج الدراسي. ثامنًا: تقويم المنهج الذي تم إعداده.

стр. 343

أولا: الإعداد للمهمة ... أولً: الإعداد للمهمة يتوقف الإنجاز الكفي لأية مهمة -إلى حد كبير- على تحديد أهداف واضحة لها وحسن اختيار من سينفذونها، ثم تأتي بعد ذلك بقية مراحل الإنجاز، وهذا ما سوف يتناوله المؤلف بالنسبة لإعداد المنهج الدراسي. بمعنى أن المؤلف سوف يجيب فيما يلي على سؤالين محددين، هما: ما أهداف المنهج الدراسي، على وجه العموم؟ وما تكوين فريق العمل الذي يمكن أن يعد المنهج الدراسي بكفاءة. ويرى المؤلف أن الإجابة على هذين السؤالين تكفي للتهيئة والاستعداد لمهمة "إعداد المنهج الدراسي". أ- تحديد أهداف تخطيط المنهج الدراسي: يمكن تحديد الهدف العام من تخطيط المنهج الدراسي على النحو التالي: اقتراح منظومة من الخبرات يمكن أن تقدمها المؤسسة التربوية للمتعلمين لمساعدتهم على النمو الشامل المتكامل المتوازن إلى أقصى ما تسمح به إمكانات كل منهم، وعلى السلوك قولًا وعملًا وفق تعاليم الدين الحنيف. ويمكن تحليل هذا الهدف إلى أهداف فرعية كما يلي:

стр. 344

اقتراح منظومة من الخبرات يمكن أن تقدمها المؤسسة التربوية للمتعلمين لمساعدتهم على تحقيق ما يلي: ١- النمو المتوازن روحيا وجسميا وعقليا ونفسيا واجتماعيا إلى أقصى ما تسمح به إمكانات المتعلمين. ٢- اكتساب الخبرات والاتجاهات التي تمكنهم من السلوك وفق التربية الإسلامية، ومن التزود بالمناسب من العلوم الحديثة والتقانة المعاصرة. ٣- اكتساب مهارات القيادة والتفكير العلمي, وحل المشكلات والتعليم الذاتي المستمر. ٤- اكتساب المهارات الفكرية والتقانية المناسبة لحسن الأداء في حياتهم اليومية. ٥- المحافظة على قيم المجتمع والإسهام في تقدمه والارتقاء بالحياة فيه وحسن استثمار مصادره. ٦- الإسهام في خدمة البيئة المحلية وفي حل مشكلاتها. ب- تكوين فريق العمل في إعداد المنهج الجديد: المناهج وتطبيقها عمل تعاوني يشترك فيه فريق متكامل من المتخصصين والخبراء في مجالات مختلفة، ينبغي أن يتوافر لدى كل منهم إضافة إلى التخصص، خبرة عملية لا تقل عن خمس سنوات، من هؤلاء متخصصون في كل من مناهج وطرائق تعليم المجال المراد تخطيط منهجه. فإذا كان المجال هو اللغة العربية فإننا نعني هنا المتخصصين في مناهج وطرائق تعليم اللغة العربية، وإذا كان المجال هو التاريخ فإننا نعني هنا المتخصصين في مناهج وطرائق تعليم التاريخ، وهكذا. يضاف إلى هؤلاء. المتخصصون في المجال نفسه. فإذا كان التخطيط يتناول مناهج الرياضيات فإننا نعني هنا المتخصصين في الرياضيات، وإذا كان التخطيط يتناول مناهج اللغة الإنجليزية، فإننا نعني هنا المتخصصين في اللغة الإنجليزية. يضاف إلى من سبق، متخصصون في كل من التقويم التربوي والتخطيط التربوي وعلم النفس التربوي وعلم نفس النمو وتقنية التعليم والتربية الإسلامية واللغة العربية. ويشترك من مجتمع المدرسة معلمان أو ثلاثة من الحاصلين على أعلى المؤهلات العلمية في المجال المراد تخطيط منهجه أو في طرائق تعليمه، ولهم خبرة في تعليم المنهج المرد إعداده بين خمس إلى ثماني سنوات. فلا يكون من المعلمين الجدد الذين تعوزهم الخبرة، ولا من الذين تقادم فكرهم بفعل الزمن، إلا أن يكونوا ممن حضروا أكبر عدد من الدورات التدريبية في المجال الدراسي أو في طرائق تعليمه. فإذا كان المنهج المراد إعداده هو منهج الكيمياء. فإن المعلم الذي نرشحه

стр. 345

للاشتراك في إعداد المنهج ينبغي أن يكون حاصلا على أعلى المؤهلات في الكيمياء أو في طرائق تعليمها، وأن يكون عدد سنوات خبرته في تعليمها ما بين خمس وثمان، إلا أن يكمن قد حصل على دورات تدريبية في طرائق تعليم الكيمياء, أو في تقويم تحصيل المتعلمين في الكيمياء, أو في استخدام تقانة التعليم في تعليم الكيمياء أو في تعليم الكيمياء للمتفوقين أو للمتخلفين دراسيا، أو غير هذه من الدورات المتعلقة بتعليم الكيمياء. ومن الأهمية بمكان أن يكون المعلم لذي يشترك في إعداد المناهج الدراسية، قد حصل على تقارير ممتازة عن أدائه في الثلاث أو الأربع سنوات الأخيرة. ولا ينبغي أن يغيب المتعلم عن الفريق القائم بإعداد المنهج، بل يجب أن يكون حضوره مستمرا بالتمثيل أو بنتائج الدراسات التي تقدم حاجاته بموضوعية للقائمين بالتخطيط. ويشترك من مجتمع الإدارة التعليمية موجهان على الأقل، يتوافر لديهما نفس المؤهلات العلمية والعملية التي ذكرناها آنفًا بالنسبة للمعلم، على الأقل، إلا أن الخبرة والتدريب يكونان في مجال التوجيه الفني للمناهج المراد إعدادها. وحتى يتحقق التنسيق بين المنهج المراد إعداده ومناهج المواد الأخرى، فإننا نقترح أن يشترك في الإعداد موجه عن كل من المواد التي يراد التنسيق مع منهجها. يضاف إلى ما سبق، ممثلون عن المجتمع، إذ ينبغي أن تتواصل المؤسسة التربوية مع المجتمع, وتتفاعل معه أخذا وعطاء، فتشترك في تحقيق أهدافه وحل مشكلاته واستثمار مصادره، كما يشترك المجتمع اشتراكًا فعليا في عملياتها ومناشطها بعامة، وفي تخطيط المناهج بخاصة. وتحقيقًا لهذه المشاركة بالنسبة لإعداد المناهج، أرى أن يسهم مع فريق العمل المكلف بتخطيط المناهج ممثل لأولياء الأمور، ترشحه المؤسسة التربوية ممن يناسب تعليمهم وخبرتهم مجال المنهج المراد إعداده يختاره أولياء الأمور. وبنفس الطريقة يختار ممثل لكل من المؤسسات السياسية والإنتاجية والخدمية والإعلامية والمنظمات المهنية.

стр. 346

شكل "٢" تكوين فريق العمل الفني في تخطيط المنهج الدراسي.

стр. 347

نلاحظ أن تكوين فريق العمل في إعداد المناهج وفق التصور المقترح سابقًا، يجمع بين ذوي الاختصاص والخبرة العلمية والعملية في كل من مجال المنهج المراد تخطيطه وفي طرائق تعليمه، وفي نمو المتعلم وأساليب التعليم، إضافة إلى ممثلين عن الأسرة ومختلف مؤسسات المجتمع الخدمية والإنتاجية والمهنية والسياسية. كما يحافظ على التنسيق بين مختلف المناهج الدراسية في المؤسسة التربوية. بهذا يكون تخطيط المنهج عملًا تعاونيا ومسئولية مشتركة بين الجميع. يرى المؤلف أن لكل من هؤلاء مهمة محدودة، يذكر منها ما يلي: فبالنسبة للمتخصص في المناهج وطرائق التعليم فإن مهمته كبيرة، فهو العارف بمفهوم المنهج وأسسه ومكوناته وتنظيماته وتخطيطه وتقويمه وتطويره، وهو الملم بطرائق تعليم المجال المراد إعداد منهجه، والمتابع للتطورات الحديثة في هذا كله. والمتخصص في المجال الدراسي هو الذي يعرف أساسياته وتسلسله وتطبيقاته والمستحدثات فيه. والتقويم وتقنية التعليم عنصران من عناصر المنهج الدراسي إلا أن التطورات الحديثة فيهما جعلتهما تخصصين ذوي أهمية خاصة في العملية التعليمية يخطوان خطوات واسعة نحو الحداثة والتطور، ولا يمكن أن يستثمر إعداد المنهج المعطيات الحديثة في هذين المجالين ما لم يشترك متخصص في كل منهما في عملية الإعداد. وللمتخصص في التخطيط التربوي وعلم النفس التربوي وعلم النفس النمو مهام أخرى لا غنى عنها، فالمتخصص في التخطيط التربوي مهمته أساسية في رسم خطة العمل، وعليه وضع جميع المعلومات والإمكانات والمتطلبات في منظومة تربوية. والمتخصص في علم النفس التربوي يحدد التصورات التي يمكن الاستفادة منها, والمعلومات التي يمكن استثمارها من نظريات التعلم وتطبيقاتها في مختلف الميادين, مع توافر خصائص التعليم الجيد، أما المتخصص في علم نفس النمو فتكون من بين مهامه مراعاة خصائص النمو الروحي والعقلي والجسمي والوجداني والاجتماعي للمتعلم، وكيفية جعلها أساسًا لاختيار وتنظيم خبرات المنهج الدراسي. والمتخصص في كل من التربية الإسلامية واللغة العربية مهماتهما, ضرورة مستمرة في تخطيط مناهج جميع المواد بغض النظر عن مجال التخصص الذي ينتمي إليه المنهج الدراسي. والهدف من اشتراك الأول، هو المساعدة في توجيه المنهج توجيهًا إسلاميا وصولًا إلى تربية المتعلمين تربية إسلامية، وفي التنسيق بين المنهج ومناهج العلوم الشرعية. والهدف من اشتراك الثاني هو التأكد من سلامة لغة المصادر التي سوف تستخدم في إعداد المنهج وتطببيقه سوءا أكانت مواد تعليمية أم نشرات أم غيرها، وكذلك التنسيق بين المنهج المخطط ومناهج اللغة العربية. كما يمكن أن يسهم كلاهما في تدريب المعلمين، كل في تخصصه.

стр. 348

والتنسيق الأفقي بخاصة والتكامل بعامة بين المناهج الدراسية ضرورة تعليمية. لذلك فإنه من الضروري أن ينضم إلى فريق التخطيط الموجهون الفنيون لتعليم المناهج التي ينبغي التنسيق بين مناهجها والمنهج المراد تخطيطه. مثال لهذا، اشتراك الموجهين الفنيين لتعليم الفيزياء عندما يتناول التخطيط منهج الرياضيات، والعكس صحيح أيضًا. ولخبراء التطبيق الميداني مهام تتعلق بالجوانب العملية، فكل منهم قد خبر تطبيق المناهج عمليا وعايشها معايشة جعلته قادرًا على تحديد نقاط الضعف التي تعانيها وكون تصورات لعلاجها. والمتعلمون هم الذين توجه إليهم المناهج الجديدة. من ثم ينبغي أن يكون لهم حضور معتبر في تخطيط المناهج، ويمكن أن يتم هذا عن طريق الاستبانات والمقابلات الشخصية والجماعية والتجريب المبدئي وكتابة التقارير. والمعلمون والموجهون يشتركون بالحضور مع فريق التخطيط وإبداء الرأي والتعبير عن وجهات نظرهم في جميع ما يتم من أعمال في إعداد المنهج، سواء بالنسبة لملاءمتها للتعليم أم بالنسبة لتناسقها مع المناهج الأخرى، أو غير ذلك من أوجه اختيار خبرات المنهج أو تنظيمها أو تنسيقها أفقيا ورأسيا. وممثلو المجتمع لهم مهام مختلفة عن جميع من سبق ذكرهم، فأولياء الأمور هم مصدر مهم للتغذية العائدة من أبنائهم, سواء بالنسبة لصعوبة المنهج الجديد أم بالنسبة لنتائج التجريب المبدئي للمنهج، إضافة إلى خبرتهم الشخصية. أما ممثلو المؤسسات الإنتاجية والخدمية فيعبرون عن متطلبات مؤسساتهم من الخبرة في المنهج الجديد. وعلى كل حال، فإن هؤلاء يمكن أن يكون اشتراكهم دوريا على فترات محددة أو عند الحاجة. ولكن المؤكد أن إسهامهم في إعداد المنهج ضرورة لا غنى عنها. ويكون تنظيم هذا الإسهام حسب الحاجة، وكذلك الأمر بالنسبة لممثلي المنظمات والهيئات المهنية، مثل الجمعيات التربوية، والعلمية، والإعلامية. ويمكن إجمال أهم الأعمال الفنية لهذا الفريق -بالتعاون مع الجهات المعنية- في التالي: ١- دراسة حاجات كل من المتعلم والمجتمع والبيئة المحلية وأخذها في الاعتبار عند إعداد المنهج الجديد. ٢- العمل على إعداد الكتب أو الكتيبات وغيرها من المصادر التي سوف تستخدم في المنهج الجديد، ومتابعتها بالتقويم والتعديل والتطوير. ٣- تخطيط برامج التدريب وبخاصة تدريب المعلمين والموجهين والإشراف على تنفيذها وتقويم مخرجاتها.

стр. 349

٤- اختيار المتدربين في هذه البرامج وفق معايير يضعونها. ٥- التعاون في بث الشعور بالحاجة إلى المنهج الجديد، وحفز المواطنين على التعاون في إنجازه وحل ما يواجهه من مشكلات. ٦- وضع معايير لاختيار المدارس التي يمكن أن يتم فيها تجريب المنهج الجديد، وتلك التي لها أولوية عند التوسع في التطبيق. ٧- توفير الإشراف على تطبيق المنهج الجديد في المدارس سواء في فترة التجريب أم في فترة التوسع. ٨- إعداد تقارير متابعة عن سير تطبيق المنهج الجديد وعن تقويم نتائجه. ٩- الإشراف على الاختبارات التي يعدها المعلمون بالتعاون مع الموجهين ومتابعة تطبيقها وتصحيحها، واستخراج النتائج منها، واستثمار هذه النتائج في تحسين المنهج. ١٠- اقتراح عقد ندوات ومؤتمرات لمناقشة نتائج تطبيق المنهج المعد - سواء في مرحلة التجريب أم في مرحلة التوسع والتعميم- وتنظيمها واستثمار نتائجها في تحسين المنهج. ١١- إعداد خطة التوسع في تطبيق المنهج الجديد وتعميمه على مختلف المدارس وتنفيذها. ١٢- متابعة الندوات والمؤتمرات التي تعقد في الداخل والخارج عن تخطيط المناهج بهدف الاشتراك فيها والاستفادة من نتائجها. إلى جانب الفريق الفني، يوجد فريق العمل الإداري الذي يتحمل الأعمال الإدارية بعملية الإعداد، تتضح عناصره من الشكل التالي: شكل "٣" تكوين الفريق الإداري في تخطيط المنهج الدراسي.

стр. 350

كما يتضح من الشكل يتكون فريق العمل الإداري من التالي: ١- رئيس للفريق، يكون من رجال الإدارة العليا في وزارة التربية والتعليم المختصين بشئون المناهج، كأن يكون وكيلًا أو وكيلًا مساعدًا للوزارة، ويكون رئيسًا لفريق الإعداد بشقيه الفني والإداري. ٢- خبراء في الشئون المالية والإدارية يكون لهم خبرة بالعمل في المؤسسات التعليمية لا تقل عن أربع سنوات. ٣- ضابط اتصال بين الفريقين الفني والإداري يفضل أن يكون موجهًا من المشتركين في الفريق الفني. ٤- سكرتير أو أكثر -حسب حاجة العمل- له خبرة في الطباعة على الحاسب باللغتين العربية والإنجليزية، إضافة إلى محاسب له خبرة في العمل بالمؤسسات التعليمية لا تقل عن أربع سنوات. ويمكن تحديد أهم مسئوليات الفريق الإداري فيما يلي: ١- الإشراف على طباعة الكتب الخاصة بالمنهج الجديد، وتأمين وجودها قبل الحاجة إليها. ٢ طباعة جميع المطبوعات الأخرى التي يحتاجها المشروع, وتوزيع ما يراد توزيعه منها. ٣- تزويد مكتبة مشروع التخطيط بالكتب والدوريات والمواد الأخرى التي يقترحها الفريق الفني. ٤- الاشتراك في اختيار المدارس التي سيطبق فيها المشروع، بناء على المعايير التي يضعها الجهاز الفني. ٥- إجراء الاتصالات الداخلية والخارجية بالهيئات المعنية بعملية إعداد المناهج الدراسية. ٦- تنظيم العمل لعقد المحاضرات واللقاءات والندوات والمؤتمرات في أوقاتها المحددة والاضطلاع بالعمل الإدراي الخاص بها. ٧- تنظيم اجتماعات الجهاز الفني، والقيام بالأعمال الإدارية الخاصة بها. ٨- القيام بجميع الاتصالات، والأعمال الإدارية والتنظيمية الأخرى التي يطلبها الجهاز الفني. ٩- اقتراح ميزانية المشروع بالتعاون مع الجهاز الفني والإنفاق منها حسب اللوائح والنظم وإعداد تقريرها.

стр. 351

ثانيًا: أهم أسس إعداد أهداف المنهج الدراسي يمكن تحديد أهم هذه الأسس فيما يلي: أ- تغطية المجالات الثلاثة للأهداف، وسوف نشرح هذا بشيء من التفصيل. فالأهداف مجالات ثلاثة، حسب تقسيم بلوم. المجال الأول هو المجال المعرفي: وقد قسم بلوم وصحبه هذا المجال إلى ستة مستويات تبدأ بمعرفة المعلومات وتنتهي بالتقويم مرورا بالفهم والتطبيق والتحليل والتركيب، وقد أضاف المؤلف إلى هذه المستويات مستوى سابعًا هو الابتكار، كما هو مبين في شكل٤. وأتصور أن المثال التالي يوضح ما تعنيه هذه المستويات السبعة، هب أن طالبًا قرأ موضوعًا مكتوبًا في حصة المطالعة. فالمستوى الأدنى لتحصيله يكون معرفته لمعلومات وردت في الموضوع كثيرة كانت أم قليلة. وقد تحتاج إلى أن يعيد قراءة الموضوع مرات لكي يلم بالمعلومات الواردة فيه. وإذا ألم بالمعلومات. يكون مهيأ للمستوى الثاني, وهو فهم ما في الموضوع من تعميمات أو علاقات. وإدراك طبيعة هذه العلاقات وتأثيرها في بعضها البعض. وحينئذ يكون مهيأ للمستوى الثالث، وهو تطبيق هذه التعميمات أو العلاقات في مواقف أخرى، ربما في موضوع آخر ولكن بالترتيب نفسه. وحينئذ يكون مستعدا لأن ينتقل إلى المستوى الرابع، وهو مستوى القدرة على التحليل. أي: تحليل العلاقات المركبة في الموضوع الذي قرأه إلى علاقات وتنظيمات أصغر داخل إطار العلاقات المركبة. وبذلك يمكنه أن ينتقل إلى المستوى الخامس، وهو التركيب، حيث يمكنه تركيب العناصر تركيبًا جديدًا يختلف عما ورد في الموضوع الذي قرأه. بعد ذلك يصل إلى المستوى السادس والأخير الذي حدده بلوم وأصحابه، وهو اكتساب الطالب القدرة على تقويم موضوع المطالعة أو غيره من الموضوعات وفق معايير يعدها بنفسه نتيجة لنموه في المستويات السابقة. والمؤلف يقترح مجالًا سابعًا يتلو مستوى الابتكار، حين يستطيع الطالب أن يكتب موضوعات مبتكرة دون الرجوع إلى ما قرأه في كتاب المطالعة، تتوافر فيها المعايير التي استخلصها نتيجة لنموه في المستويات السابقة.

стр. 352

والمجال الثاني من مجالات الأهداف هو المجال الوجداني، ويتعلق بالمعتقدات والقيم والعواطف والمشاعر والاتجاهات والتقدير. ويبدأ بمستوى الاستقبال وينتهى

стр. 353

بمستوى التميز، كما يتضح من شكل "٥". ومستوى الاستقبال محدود بمجرد استقبال المعلومة، وقد يستجيب المتعلم لما حصل من معلومات وقد لا يستجيب. فإذا استجاب لما حصل، يكون قد وصل إلى المستوى الثاني من التمكن. فمثلًا يمكن أن يسمع فرد خطيبا في موضوع معين, فإذا استجاب بالانتباه إلى الخطيب يكون قد وصل إلى المستوى الثاني من التمكن، أما في حال عدم انتباهه للخطيب فهذا يعني أنه لا يزال في المستوى الأول. مستوى الاستقبال. وإذا استحسن ما يقوله الخطيب فإنه يكون قد انتقل إلى المستوى الثالث من التمكن، وهو مستوى الاستحسان والتقدير. بعد ذلك يصل المتعلم إلى المستوى الرابع إذا أدرك أهمية ما تشمله الخطبة من قيم أو اتجاهات فيزداد اندماجه في عملية التعلم، ويصل إلى المستوى الخامس -وهو مستوى التنظيم- إذ بدأ في تنظيم ما تعلمه من قيم أو اتجاهات أو عواطف في نظام معين وفق معيار يختاره لنفسه. وفي الخطوة الأخيرة يبتكر الفرد نظامًا خاصا به يميزه، ربما نطاقا قيميا يتعلق بعلاقاته الاجتماعية أو الأسرية أو غير ذلك. أما المجال الثالث من مجالات الأهداف فهو المجال الحركي، وهو خاص باكتساب المهارات الحركية. وكما هو موضح في شكل "٦" يبدأ بمستوى الملاحظة وينتهي بمستوى الابتكار, مرورًا بمستويات التقليد والممارسة والتكييف. فالمستوى الأول -إذن- هو مستوى الملاحظة. فإذا فرضنا أن متعلما يود أن يتعلم إصلاح أعطال جهاز المذياع. فإن نفطة البدء المحتملة أن يلاحظ غيره وهو يقوم بإصلاح أعطال مثل هذا الجهاز

стр. 354

بعد ذلك يقلد -في المستوى الثاني- ما لاحظه من أعمال غيره ليصلح الأعطال ذاتها، وإذا نجح في الإصلاح عن طريق التقليد واكتسب مهارة فيه، فإنه يكون مؤهلا للانتقال إلى المستوى الثالث. والمستوى الثالث وهو ممارسة فحص الأجهزة وتحديد الأعطال وإصلاحها. فإذا مهر في ذلك، كان مستعدا لأن ينتقل إلى المستوى الرابع وهو التكييف. ويمكن أن يكيف في المستوى الرابع -على سبيل المثال- الأدوات التي يستعملها أو قطع الغيار التي يتسخدمها. وإذا ما اكتسب المهارة الكافية في هذا، فإن الكاتب يرى أنه يمكن أن ينتقل إلى المستوى الخامس. والمستوى الخامس -مستوى الابتكار- آفاقه واسعة. فد يكون الابتكار في الأسلوب، وقد يكون الابتكار في التصميم، وقد يكون الابتكار في استحداث أدوات أو مواد أو غير ذلك. ومما ينبغي ذكره أن هذه المجالات الثلاثة متداخلة ومتكاملة فيما بينها، وأن هذا التقسيم لغرض الدراسة فقط. فعلى سبيل المثال، الاستقبال في المستوى الأول من المجال الوجداني, والملاحظة في المستوى الأول من المجال الحركي تتأثران كثيرًا بالمعلومات التي يعرفها المتعلم عن موضوع التعلم في المجال المعرفي، كما أن الحالة الوجدانية التي يكون فيها المتعلم تؤثر كثيرًا في تحصيله المعرفي. وهكذا تكون المجالات الثلاثة منظومة ثلاثية الأبعاد تتفاعل مع بعضها البعض لتعطي أساسا لإعداد أهداف المنهج الدراسي. ب- أن تعمل الأهداف على المحافظة على فطرة كل من المتعلم والمتعلمة وتنميته تنمية شاملة ومتوازنة بما يتفق مع هذه الفطرة، وتقدح قدراته وتوجه ميوله واتجاهاته الوجهة المطلوبة. ج- أن تعمل الأهداف على الوفاء بحاجات المجتمع والمحافظة على قيمه واستثمار مصادره وحل مشكلاته وتنميته وتطوير الحياة فيه. د- أن تراعي الأهداف كلا من: الحياتين الدنيا والآخرة، والجوانب الغيبية والجوانب المشهودة من العلم. هـ- أن تعد الأهداف الإنسان لعبادة الله وعمارة الأرض في توازن واعتدال. وأن تغطي الأهداف جميع جوانب العملية التعليمية وتتيح فرصًا لتكامل جهود أعضاء المجتمع المدرسي فيها. ز- أن تتيح الأهداف دورًا مناسبًا لكل عنصر من عناصر العملية التعليمية.

стр. 355

ح- أن تراعي الأهداف طبيعة خبرات المنهج وتغطي جميع مستويات تحقيقها. ط- أن تعمل الأهداف على تحقيق تكامل العملية التعليمية واستمرارها وتنوع أساليبها واختلاف مستوياتها. ي: أن تتيح الأهداف فرص مواكبة كل حديث ومعاصر في العلم والتقانة وتستفيد من معطياته. ك- أن تناسب مجال الدراسة الذي يتعلق به المنهج. ل- أن تكون الأهداف متناسقة فيما بينها ومع المستويات الأخرى من الأهداف التربوية. م- أن تكون الأهداف مرنة تتوافق مع مختلف الظروف, ومنها مقتضيات التطوير. ن- أن تكون صياغة الأهداف واضحة ودقيقة وقابلة للترجمة إلى مواقف سلوكية. س- أن تكون الأهداف عملية، بمعنى أن يكون تحقيقها ممكنًا بما يمكن توافره من إمكانات في المؤسسة التربوية. وكما يتضح من شكل "٧"، فإن هذه الخصائص تستمد قوامها من التربية الإسلامية. إذ طالما أن غاية هذه الأهداف هي تربية الفرد تربية إسلامية, فإن أسسها ينبغي أن تنبع من متطلباتها. وتشمل هذه الأسس جميع متطلبات تنمية كل من المتعلم والمجتمع وجميع متطلبات مجال الدراسة، بمعنى أنه إذا كان المستهدف إعداد منهج الرياضيات فإن الأهداف ينبغي أن تراعي متطلبات تعليم وتعلم هذا المجال، وتؤكد هذه الأسس مواكبة الأهداف للمعاصر من العلم والتقنية، بمعنى أن الأهداف ينبغي أن تتيح فرصا لأن يشمل المنهج المستحدث من الرياضيات -في مثالنا السابق- وتطبيقاتها في الحديث من الفيزياء والكيمياء والأحياء والإحصاء وغيرها من العلوم. كما ينبغي أن تتيح الأهداف دورًا مناسبًا لكل عنصر من عناصر العملية التعليمية، وتغطي جميع جوانبها, كما تراعي طبيعة المجالات المختلفة للخبرات. وتعمل على تكامل العملية التعليمية واستمرارها. كما تعد الإنسان لوظيفتي عبادة الله وعمارة الأرض، وتشمل كلا من الحياتين الدنيا والآخرة, وتعمل على مواكبة كل حديث ومعاصر في جميع جوانب العملية التعليمية, سواء من حيث مستواها أو الطرق المستخدمة فيها أو غير ذلك مما يتصل بها. اختصارا للقول، فإن أسس الأهداف ينبغي أن تمكنها من الإحاطة بمختلف أطراف العملية التعليمية لتصل بها إلى صورتها المثلى.
следующие страницы →