ركعتان إلى ثمان يسلم ندبًا من كل ركعتين بعد ارتفاع الشمس إلى الاستواء وتأخيرها إلى ربع النهار أفضل، ثم ركعتا الإحرام الطواف وركعتا التحية، ثم سنة الوضوء، وتحصل التحية بفرض أو نفل هو ركعتان أو أكثر نواها أو لا، وتتكرر بتكرر الدخول
ــ
وثلاثين وإن كان اقتصارهم على العشرين أفضل ولا يجوز لغيرهم ذلك ويجوز فيها أن تكون مثنى فحينئذ "يسلم من كل ركعتين" فلو صلى أربعًا بتسليمة لم تصح لشبهها بالفرض في طلب جماعة فلا تغير عما ورد بخلاف سنة الظهر وغيرها من الرواتب فإنه يجوز جمع الأربع القبلية أو البعدية بتسليمة. ووقتها "بين" فعل صلاة "العشاء و" طلوع "الفجر" كالوتر "ثم" يتلوها في الفضيلة "الضحى" لمشروعية الجماعة في التراويح وأقلها "ركعتان" ويزاد عليهما فتفعل أشفاعًا "إلى ثمان" من الركعات فهي أفضلها وإن كان أكثرها اثنتي عشرة لحديث ضعيف١ فيه، وصح أنه ﷺ كان يفعلها أحيانًا ويتركها٢ كذلك فقول عائشة ﵂: "ما رأيته صلاها" وقول ابن عمر: إنها بدعة مؤول "يسلم ندبًا من كل ركعتين" للاتباع٣، ويسن أن يقرأ فيها سورتي الشمس والضحى. ووقتها "بعد ارتفاع الشمس" كرمح تقريبًا "إلى الاستواء وتأخيرها إلى ربع النهار أفضل" لحديث صحيح٤ فيه. "ثم" بعد الضحى "ركعتا الإحرام" بنسك ولو مطلقًا "وركعتا الطواف" وهما أفضل من ركعتي الإحرام للخلاف في وجوبهما "ثم" بعد الثلاثة "سنة الوضوء" وإن كان سببها متقدمًا وسبب سنة الإحرام متأخرًا ودليل ندبها الاتباع. "وتحصل التحية بفرض أو نفل هو ركعتان أو أكثرها نواها أو لا" لأن القصد أن لا ينتهك المسجد بلا صلاة، ثم المراد بحصولها بغيرها عند عدم نيتها سقوط الطلب وزوال الكراهة لا حصول الثواب لأن شرط النية فالمتعلق بالداخل حكمان: كراهة الجلوس قبل صلاة وتنتفي بأي صلاة كانت ما لم ينو عدم التحية، وحصول الثواب عليها وهو متوقف على النية، أما أقل من ركعتين كركعة
стр. 142
وتفوت بالجلوس عامدًا أو ناسيًا وطال الفصل، ويستحب زيادة ركعتين قبل الظهر، وقبل الجمعة وبعده وبعدها وأربع قبل العصر وركعتين قبل المغرب وقبل العشاء وعند السفر في بيته وعند القدوم في المسجد وصلاة الاستخارة والحاجة والتسبيح، ومن فاتته صلاة مؤقتة
ــ
وسجدة تلاوة وشكر وصلاة جنازة فلا تحصل به لما صح من قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" ١, والاشتغال بهما عن فرض ضاق وقته وعن فائتة وجب عليه فعلها فورًا حرام، وعن الطواف لمن دخل المسجد الحرام بقصده وقد تمكن منه، وعن الخطبة، وعن الجماعة ولو في نفل دخل وهي قائمة أو قرب قيامها مكروه قيل والمدرس كالخطيب بجامع التشوف٢ إليه. "وتتكرر بتكرر الدخول" ولو على قرب للخبر السابق وإن لم يرد الجلوس "وتفوت" التحية "بالجلوس" قبل فعلها حال كونه عالمًا "عامدًا" وإن قصر الفصل "أو ناسيًا" أو جاهلا "وطال الفصل" بخلاف ما إذا قصر الفصل على المعتمد لعذره لا بالقيام وإن طال ولا بالجلوس بعد الإحرام بها قائمًا، ويكره دخول المسجد بغير وضوء، ويسن لمن لم يتمكن منها لحدث أو شغل أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربعًا. "ويستحب زيادة" رواتب أخر غير ما مر لكنها ليست مؤكدة وهي فعل "ركعتين قبل الظهر و" ركعتين "قبل الجمعة و" ركعتين "بعده وبعدها" ركعتين "وأربع قبل العصر وركعتين قبل المغرب و" ركعتين "قبل العشاء" للاتباع في كل ذلك إلا الجمعة فقياسًا على الظهر. "و" من المندوب أيضًا ركعتان "عند" الخروج من المنزل ولو لغير "السفر" ويسن فعلهما "في بيته" للاتباع ويقرأ فيهما الكافرون والإخلاص. "و" ركعتان "عند القدوم" من السفر ويبدأ بهما "في المسجد" قبل دخوله منزله ويكفيانه عن ركعتي دخوله فإنهما سنة أيضًا وإن دخله من غير سفر، ويسن ركعتان أيضًا عقب الأذان وبعد طلوع الشمس وخروج وقت الكراهة وعند الزفاف لكل من الزوجين وبعد الزوال عقب الخروج من الحمام، ولمن دخل أرضًا لا يعبد الله فيها، وللمسافر كلما نزل منزلًا، وللتوبة ولو من صغيرة.
"وصلاة الاستخارة" أي طلب الخيرة فيما يريد أن يفعله ومعناها في الخير والاستخارة في تعيين وقته لا في فعله وهي ركعتان للاتباع٣ ويقرأ فيهما ما مر ثم يدعو بعد السلام منهما
стр. 143
قضاها، ولا يقضى ما له سبب، ولا حصر للنفل المطلق، فإن أحرم بأكثر من ركعة فله أن
ــ
بدعائها المشهور١ ويسمي فيه حاجته وتحصل بكل صلاة كالتحية، فإن تعذرت استخار بالدعاء ويمضي بعدها لما ينشرح له صدره. "و" صلاة "الحاجة" وهي ركعتان لحديث فيها ضعيف٢ وفي الإحياء٣ أنها اثنتا عشرة ركعة فإذا سلم منها أثنى على الله بمجامع الحمد والثناء ثم صلى على نبيه ﷺ ثم سأل حاجته، وصلاة الأوابين وهي عشرون ركعة بين المغرب والعشاء. "و" صلاة "التسبيح" وهي أربع ركعات يقول في كل ركعة بعد الفاتحة والسورة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، زاد في الإحياء: ولا حول ولا قوة إلا بالله خمس عشرة مرة وفي كل من الركوع والاعتدال وكل من السجدتين والجلوس بينهما والجلوس بعد رفعه من السجدة الثانية في كل عشرة فذلك خمس وسبعون مرة في كل ركعة وقد علمها النبي ﷺ لعمه العباس ﵁ وذكر له فيها فضلا عظيمًا منه: "لو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفر الله لك" ٤, وحديثها ورد من طرق بعضها حسن، وذكر ابن الجوزي له في الموضوعات مردود، قال التاج السبكي٥ وغيره: لا يسمع بعظيم فضلها ويتركها إلا متهاون بالدين أي ومن ثم ورد في حديثها "فإن استطعت أن تصليها كل يوم مرة وإلا ففي كل جمعة، وإلا ففي كل شهر، وإلا ففي كل سنة، وإلا ففي عمرك مرة".
ومن البدع القبيحة صلاة الرغائب أول جمعة من رجب وصلاة نصف شعبان وحديثهما باطل، وقد بالغ النووي وغيره في إنكارهما.
"ومن فاتته صلاة مؤقتة" بوقت مخصوص وإن لم تشرع جماعة أو اعتادها وإن لم تكن مؤقتة "قضاها" ندبًا وإن طال الزمان للأمر به وللاتباع في سنة الصبح والظهر القبلية. "ولا يقضي" نفل مطلق لم يعتده إلا إن شرع فيه وأفسده ولا "ما له سبب" كتحية وكسوف واستسقاء وغيرها مما يفعل لعارض إذ فعله لذلك العارض وقد زال، وينبغي لمن فاته ورده ولو غير
стр. 144
يتشهد في كل ركعتين أو كل ثلاث أو أربع، ولا يجوز في كل ركعة، وله أن يزيد على ما نواه وينقص بشرط تغيير النية قبل ذلك، والأفضل أن يسلم من كل ركعتين، وطول القيام أفضل من عدد الركعات، ونفل الليل المطلق أفضل، ونصفه الأخير وثلثه الأوسط أفضل، ويكره
ــ
صلاة أن يتداركه في وقت آخر لئلا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية. "ولا حصر للنفل المطلق" وهو ما لا يتقيد لوقت ولا سبب لقوله ﷺ لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع استكثر منها أو أقل" ١, "فإن أحرم" في النفل المطلق "بأكثر من ركعة فله أن يتشهد في كل ركعتين أو" في "كل ثلاث أو" كل "أربع" لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة "ولا يجوز في كل ركعة" من غير سلام؛ لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد، ويسن أن يقرأ السورة ما لم يتشهد. "وله" في النفل المطلق إذا أحرم بعدد "أن يزيد على ما نواه و" أن "ينقص" عنه "بشرط تغيير النية قبل ذلك" أي قبل الزيادة والنقص فلو نوى أربعًا وسلم من ركعتين أو قام لخامسة قبل تغيير النية بطلت صلاته إن علم وتعمد، فلو قام لزيادة ناسيًا أو جاهلا, ثم تذكر أو علم قعد وجوبًا ثم قام للزيادة إن شاء. "والأفضل" فيه "أن يسلم من كل ركعتين" لما صح من قوله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" ٢ "وطول القيام" في سائر الصلوات "أفضل من عدد الركعات" للخبر الصحيح: "أفضل الصلاة طول القنوت" ٣, ولأن ذكره القرآن وهو أفضل من ذكر غيره، فلو صلى شخص عشرًا وأطال في قيامها وصلى آخر عشرين في ذلك الزمن كانت العشر أفضل على ما اقتضاه كلام المصنف وهو أحد احتمالات في الجوهر٤. "ونفل الليل المطلق أفضل" من نفل النهار المطلق وعليه حمل خبر: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" ٥ "ونصفه الأخير" إن قسمه نصفين أي الصلاة فيه أفضل منها في نصفه الأول
стр. 145
قيام كل الليل دائمًا وتخصيص ليلة الجمعة بقيام، وترك تهجد اعتاده، وإذا استيقظ مسح وجهه ونظر إلى السماء وقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، إلى آخر السورة، وافتتاح تهجده بركعتين خفيفتين، وإكثار الدعاء والاستغفار بالليل، وفي النصف الأخير والثلث الأخير أهم.
ــ
للخبر الصحيح: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل" ١ "وثلثه الأوسط" إن قسمه أثلاثًا "أفضل" من ثلثيه الأول والأخير والأفضل من ذلك السدس الرابع والخامس للخبر الصحيح: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" ٢ "ويكره قيام كل الليل دائمًا" للنهي فيه٣ ولأن من شأنه أن يضر وخرج بدائمًا بعض الليالي كالليالي العشر٤ الأخير من رمضان وليلتي العيدين٥ للاتباع "و" يكره "تخصيص ليلة الجمعة بقيام" أي صلاة للنهي عنه٦ "و" يكره "ترك تهجد اعتاده" ونقصه بلا ضرورة لما صح من قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "لا تكن كفلان كان يقوم الليل ثم تركه" ٧ ويسن أن لا يخلي الليل من صلاة وإن قلت، وأن يوقظ من يطمع في تهجده إن لم يخف ضررًا. "وإذا استيقظ مسح" النوم عن "وجهه نظر إلى السماء وقرأ" قوله تعالى في أواخر آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، إلى آخر السورة وأن ينام من له تهجد وقت القيلولة، وأن ينام أو يستريح من نعس أو فتر في صلاته. "وافتتاح تهجده بركعتين خفيفتين" للاتباع كما مر. "وإكثار الدعاء والاستغفار بالليل" لخبر مسلم: "إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم
стр. 146
فصل: "في صلاة الجماعة وأحكامها "
ــ
يسأل الله تعالى خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه" ١, وذلك كل ليلة لأن الليل محل الغفلة. "و" ذلك "في النصف الأخير والثلث الأخير أهم" للخبر الصحيح: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له" ٢, ومعنى ينزل ربنا ينزل أمره أو ملائكته أو رحمته أو هو كناية عن مزيد القرب، وبالجملة فيجب على كل مؤمن أن يعتقد من هذا الحديث ومشابهه من المشكلات الواردة في الكتاب والسنة كـ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ , وغير ذلك مما شاكله أنه ليس المراد بها ظواهرها لاستحالتها عليه ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، ثم هو بعد ذلك مخير إن شاء أولها بنحو ما ذكرناه وهي طريقة الخلف وآثروها لكثرة المبتدعة القائلين بالجهة والجسمية وغيرهما مما هو محال على الله تعالى وإن شاء فوض علمها إلى الله تعالى وهي طريقة السلف وآثروها لخلو زمانهم عما حدث من الضلالات الشنيعة والبدع القبيحة فلم يكن لهم حاجة إلى الخوض فيها. واعلم أن القرافي٣ وغيرها حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة ﵃ القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك.
فصل: في صلاة الجماعة وأحكامها
والأصل فيها الكتاب٤ والسنة كخبر الصحيحين: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" ٥, وفي رواية البخاري: "بخمس وعشرين" ولا منافاة؛ لأن القليل لا ينفي الكثير أو أنه أخبر أولا بالقليل, ثم أعلم بالكثير فأخبر به أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة.
стр. 147
الجماعة في المكتوبة المؤداة للأحرار الرجال المقيمين فرض كفاية بحيث يظهر الشعار، وفي التراويح والوتر بعدها سنة، وآكد الجماعة في الصبح ثم العشاء ثم العصر، والجماعة للرجال في المساجد أفضل إلا إذا كانت الجماعة في البيت أكثر، وما كثرت
ــ
"الجماعة في" الجمعة فرض عين كما يأتي وفي "المكتوبة" غيرها "المؤداة للأحرار الرجال المقيمين" ولو ببادية توطنوها المستورين الذين ليسوا معذورين بشيء مما يأتي "فرض كفاية" فإذا قام بها البعض "بحيث يظهر الشعار" في محل إقامتها بان تقام في القرية الصغيرة بمحل وفي الكبيرة والبلد بمحال بحيث يمكن قاصدها أن يدركها من غير كثير تعب فلا إثم على أحد وإلا كأن أقاموها في الأسواق أو البيوت وإن ظهر بها الشعار أو في غيرهما ولم يظهر أثم الكل وقوتلوا لما صح من قوله ﷺ : "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة" أي جماعة كما أفادته رواية أخرى: "إلا استحوذ عليهم الشيطان" ١ أي غلب، وخرج بالمكتوبة المنذورة وصلاة الجنازة والنوافل وبالمؤداة المقضية وبالأحرار من فيهم رق وبالرجال النساء والخناثى وبالمقيمين المسافرون وبالمستورين العراة وبغير المعذورين المعذورون فليست فرض كفاية في جميع ما ذكر بل هي سنة فيما عدا المنذورة والرواتب ولا تكره فيهما ومحل ندبها في المقضية إن اتفق فيها الإمام والمأموم وإلا كرهت كالأداء خلف القضاء وعكسه وتسن للعراة إن كانوا عميًا أو في ظلمة "و" الجماعة "في التراويح" سنة للاتباع "و" في "الوتر" في رمضان سواء فعل "بعدها" أما لم تفعل هي بالكلية "سنة" لنقل الخلف له عن السلف "وآكد الجماعة" الجماعة "في الصبح" يوم الجمعة لحديث فيه ثم سائر الأيام لأنها فيه أشق منها في بقية الصلوات "ثم" في "العشاء" لأنها فيه أشق منها في العصر "ثم" في "العصر" لأنها الصلاة الوسطى وبما تقرر علم أن ملحظ التفضيل المشقة لا تفاضل الصلوات.
"والجماعة للرجال في المساجد أفضل" منها في غيرها للأخبار المشهورة في فضل المشي إليها٢ أما النساء والخناثى فبيوتهن أفضل لهن "إلا إذا كانت الجماعة في البيت أكثر" منها في المسجد على ما قاله القاضي أبو الطيب٣ ومال إليه الأذرعي٤
стр. 148
جماعته أفضل إلا إذا كان إمامها حنفيًّا أو فاسقًا أو مبتدعًا أو يتعطل عن الجماعة مسجد قريب، فالجماعة القليلة أفضل، فإن لم يجد إلا جماعة إمامها مبتدع ونحوه فهي أفضل من الانفراد، وتدرك الجماعة ما لم يسلم، وفضيلة الإحرام بحضور تحرم الإمام واتباعه
ــ
والزركشي١ لكن الأوجه ما اقتضاه كلام الشيخين وغيرهما وصرح به الماوردي٢ من أنها في المسجد أفضل وإن قلت؛ لأن مصلحة طلبها فيه تربو٣ على مصلحة وجودها في البيت والكلام في غير المساجد الثلاثة أما هي فقليل الجماعة فيها أفضل من كثيرها خارجها باتفاق القاضي والماوردي وقول المتولي٤ الانفراد فيها أفضل من الجماعة خارجها ضعيف "وما كثرت جماعته" من المساجد وغيرها "أفضل" مما قلت جماعته للخبر الصحيح: "وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى" ٥: "إلا إذا كان إمامها" أي الجماعة الكثيرة "حنفيًا" أو غيره ممن لا يعتقد وجوب بعض الأركان والشروط وإن علم منه الإتيان بها لأنه مع ذلك لا يعتقد وجوب بعض الأركان "أو فاسقًا" أو متهمًا بالفسق "أو مبتدعًا" كمعتزلي ومجسم وجوهري وقدري ورافضي وشيعي وزيدي "أو" كان "يتعطل عن الجماعة" القليلة بغيبته عنه "مسجد قريب" منه أو بعيد عنه لكون جماعته لا يحضرون إلا إن حضر أو كان محل الجماعة الكثيرة بنى من شبهة أو شك في ملك بانيه لبقعته أو كان إمامه سريع القراءة والمأموم بطيئها بحيث لا يدرك مع الفاتحة أو يطيل طولا مملا والمأموم لا يطيقه، أو يزول به خشوعه. "فالجماعة القليلة" في كل هذه المسائل وما شابهها مما فيه توفر مصلحة أو زيادتها مع الجمع القليل دون الكثير "أفضل" لما فيه من المصلحة المقصودة للشارع بل الصلاة وراء المبتدع واللذين قبله مكروهة لجريان قول ببطلانها، أما إذا لم يحضر بحضوره أحد فتعطيله والذهاب لمسجد الجماعة أولى اتفاقًا. "فإن لم يجد إلا جماعة إمامها مبتدع ونحوه" ممن يكره الاقتداء به "فهي" أي الجماعة معهم "أفضل من الانفراد" على ما زعمه جمع متأخرون والمعتمد أنها خلف من ذكر مكروهة مطلقًا.
ــ
١ تقدمت ترجمته. راجع صفحة ٨٠ حاشية ٣.
٢ تقدمت ترجمته. راجع صفحة ٥٨ حاشية ١.
٣ تربو: تزيد.
٤ تقدمت ترجمته. راجع صفحة ٨٨ حاشية١.
٥ تمام الحديث كما رواه أبو داود في الصلاة باب ٤٧ "حديث ٥٥٤" عن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح فقال: "أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان" قالوا: لا. قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الركب؛ وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله ". ورواه أيضًا النسائي في الإمامة باب ٤٥، وأحمد في المسند "٥/ ١٤٥".
Results
فصل: "في صلاة الجماعة وأحكامها"
جماعته أفضل إلا إذا كان إمامها حنفيًّا أو فاسقًا أو مبتدعًا أو يتعطل عن الجماعة مسجد قريب، فالجماعة القليلة أفضل، فإن لم يجد إلا جماعة إمامها مبتدع ونحوه فهي أفضل من الانفراد، وتدرك الجماعة ما لم يسلم، وفضيلة الإحرام بحضور تحرم الإمام واتباعه
ــ
والزركشي١ لكن الأوجه ما اقتضاه كلام الشيخين وغيرهما وصرح به الماوردي٢ من أنها في المسجد أفضل وإن قلت؛ لأن مصلحة طلبها فيه تربو٣ على مصلحة وجودها في البيت والكلام في غير المساجد الثلاثة أما هي فقليل الجماعة فيها أفضل من كثيرها خارجها باتفاق القاضي والماوردي وقول المتولي٤ الانفراد فيها أفضل من الجماعة خارجها ضعيف "وما كثرت جماعته" من المساجد وغيرها "أفضل" مما قلت جماعته للخبر الصحيح: "وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى" ٥: "إلا إذا كان إمامها" أي الجماعة الكثيرة "حنفيًا" أو غيره ممن لا يعتقد وجوب بعض الأركان والشروط وإن علم منه الإتيان بها لأنه مع ذلك لا يعتقد وجوب بعض الأركان "أو فاسقًا" أو متهمًا بالفسق "أو مبتدعًا" كمعتزلي ومجسم وجوهري وقدري ورافضي وشيعي وزيدي "أو" كان "يتعطل عن الجماعة" القليلة بغيبته عنه "مسجد قريب" منه أو بعيد عنه لكون جماعته لا يحضرون إلا إن حضر أو كان محل الجماعة الكثيرة بنى من شبهة أو شك في ملك بانيه لبقعته أو كان إمامه سريع القراءة والمأموم بطيئها بحيث لا يدرك مع الفاتحة أو يطيل طولا مملا والمأموم لا يطيقه، أو يزول به خشوعه. "فالجماعة القليلة" في كل هذه المسائل وما شابهها مما فيه توفر مصلحة أو زيادتها مع الجمع القليل دون الكثير "أفضل" لما فيه من المصلحة المقصودة للشارع بل الصلاة وراء المبتدع واللذين قبله مكروهة لجريان قول ببطلانها، أما إذا لم يحضر بحضوره أحد فتعطيله والذهاب لمسجد الجماعة أولى اتفاقًا. "فإن لم يجد إلا جماعة إمامها مبتدع ونحوه" ممن يكره الاقتداء به "فهي" أي الجماعة معهم "أفضل من الانفراد" على ما زعمه جمع متأخرون والمعتمد أنها خلف من ذكر مكروهة مطلقًا.
стр. 149
فورًا، ويستحب انتظار الداخل في الركوع والتشهد الأخير بشرط أن لا يطول الانتظار ولا يميز بين الداخلين، ويكره أن ينتظر في غيرهما ولا ينتظر في الركوع الثاني من الكسوف، ويسن إعادة الفرض بنية الفرض مع منفرد أو مع جماعة وإن كان قد صلاها معها، وفرضه الأولى، ولا يندب أن يعيد الجنازة.
ــ
"وتدرك الجماعة" أي جميع فضلها بإدراك جزء من الصلاة مع الإمام من أولها أو أثنائها بأن بطلت صلاة الإمام عقب اقتدائه أو فارقه بعذر أو من آخرها وإن لم يجلس معه "ما لم يسلم" أي ينطق بالميم من عليكم, فإذا أتم تحرمه قبل النطق بها صح اقتداؤه وأدرك الفضيلة لإدراكه ركنًا معه لكنها دون ثواب من أدركها من أولها إلى آخرها، ويسن لجماعة حضروا والإمام قد فرغ من الركوع الأخير أن يصبروا إلى أن يسلم ثم يحرموا، وتسن المحافظة على إدراك تحرم الإمام، لما فيه من الفضل العظيم.
"و" تدرك "فضيلة" تكبيرة "الإحرام بحضور تحرم الإمام واتباعه" للإمام فيها "فورًا" لخبر البزار: لكل شيء صفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها"١ نعم يعذر في وسوسة خفيفة، ولا يسن الإسراع لخوف فوت التحرم بل يندب عدمه وإن خافه، وكذا إن خاف فوت الجماعة على المعتمد.
"ويستحب" للإمام والمنفرد "انتظار الداخل" لمحل الصلاة مريدًا الاقتداء "في الركوع" غير الثاني من صلاة الكسوف "و" في التشهد الأخير" من صلاة تشرع فيها الجماعة وإن لم يكن المأمومون محصورين، ويسن ذلك للمنفرد مطلقًا وللإمام "بشرط أن لا يطول الانتظار ولا يميز بين الداخلين" للإعانة على إدراك الركعة في الأولى وعلى إدراك فضل الجماعة في الثانية، ولو كان الداخل يعتاد البطء وتأخير الإحرام إلى الركوع لم ينتظره زجرًا له، وكذا إن خشي من الانتظار خروج الوقت، أو كان الداخل لا يعتقد إدراك الركعة أو الجماعة بما ذكر أو أراد جماعة مكروهة إذ لا فائدة في الانتظار حينئذ. "ويكره أن ينتظر في غيرهما" لفقد المعنى السابق، وكذا عند فقد شرط مما ذكر بأن أحس به خارج محل الصلاة أو داخله ولم يكن في الركوع أو التشهد الأخير أو كان فيهما وأفحش فيه بأن يطول تطويلا لو وزع على الصلاة لظهر له أثر محسوس في كل ركن على حياله أو ميز بين الداخلين ولو لملازمة أو علم أو دين أو مشيخة أو استمالة أو غير ذلك أو سوى بينهم لكن لم يقصد بانتظارهم وجه الله تعالى، نعم إن كان الانتظار للتودد حرم وقيل يكفر. "ولا ينتظر في الركوع الثاني" من صلاة "الكسوف" لأن الركعة لا تحصل بإدراكه. "ويسن" ولو في وقت الكراهة "إعادة الفرض" أي المكتوبة ولو جمعة "بنية الفرض" أي كونها على صورته وإلا فهي نافلة
стр. 150
فصل: "في أعذار الجمعة والجماعة "
أعذار الجمعة والجماعة المطر إن بل ثوبه ولم يجد كنًا، والمرض الذي يشق كمشقته، وتمريض من لا متعهد له، وإشراف القريب على الموت أو يأنس به، ومثله الزوجة والصهر والمملوك والصديق والأستاذ والمعتق والعتيق، ومن الأعذار الخوف على
ــ
كما يأتي "مع منفرد" يرى جواز الإعادة ولم يكن ممن يكره الاقتداء به. "أو مع جماعة" غير مكروهة. "وإن كان قد صلاها معها" أي جماعة وإن كانت أكثر من الثانية عددًا أو زادت على الثانية بفضيلة أخرى ككون إمامها أعلم مثلا لما صح من أمره ﷺ لمن صلى جماعة بأنه إذا أتى مسجد جماعة يصليها معهم وعلله بأنها تكون له نافلة، ومن قوله وقد جاء بعد صلاة العصر رجل: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " ١ فصلى معه رجل. ومن ثم يسن لمن لم يصل مع الجائي لعذر أو غيره أو يشفع٢ إلى من يصلي معه ولاحتمال اشتمال الثانية على فضيلة وإن كانت الأولى أكمل منها ظاهرًا وإنما تسن الإعادة مرة. "وفرضه الأولى" للخبر السابق فلو تذكر خللا فيها لم تكفه الثانية، وإن نوى بها الفرض على المعتمد لما مر أن معنى نيته الفرض أي صورته لا حقيقته إذ لو نوى حقيقته لم يصح لتلاعبه، وإذا نوى صورته لم يجزه عن فرضه. "ولا يندب أن يعيد" المنذورة ولا "الجنازة" إذ لا ينتفل بهما، بخلاف ما تسن فيه الجماعة من النوافل فإنه تسن إعادته كالفرض.
فصل: في أعذار الجمعة والجماعة
"أعذار الجمعة والجماعة" المرخصة لتركهما حتى تنتفي الكراهة حيث سنت والإثم حيث وجبت "المطر" والثلج والبرد ليلا أو نهارًا "إن بل" كل منهما "ثوبه" أو كان نحو البرد كبارًا يؤذي "ولم يجد كنًا" يمشي فيه للاتباع "والمرض الذي يشق" مع الحضور "كمشقته" مع المطر وإن لم يبلغ حدًا يسقط القيام في الفرض قياسًا عليه بخلاف الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر. "وتمريضه من لا متعهد له" ولو غير قريب ونحوه بأن لا يكون له متعهد أصلًا أو يكون لكنه مشتغل بشراء الأدوية ونحوها لأن دفع الضرر عن الآدمي من المهمات. "وإشراف القريب على الموت" وإن لم يأنس به "أو" كونه "يأنس به" وإن كان له متعهد فيهما. "ومثله" أي القريب "الزوجة والصهر" وهو كل قريب لها "والمملوك والصديق و" كذا على الأوجه "الأستاذ" أي المعلم "والمعتق والعتيق" لتضرر أو شغل قلبه السالب
стр. 151
نفسه، أو عرضه، أو ماله وملازمة غريمه وهو معسر ورجاء عفو عقوبة عليه، ومدافعة الحدث مع سعة الوقت، وفقد لبس لائق، وغلبة النوم وشدة الريح بالليل، وشدة الجوع والعطش والبرد والوحل والحر ظهرًا، وسفر الرفقة وأكل منتن نيئ إن لم يمكنه إزالته، وتقطير سقوف الأسواق والزلزلة.
ــ
للخشوع بغيبته عنه "ومن الأعذار الخوف على" معصوم من "نفسه أو عرضه أو ماله" أو نحو مال غيره الذي يلزمه الدفع عنه، ومن ذلك خشية ضياع متمول كخبزه في التنور ولا متعهد غيره يخلفه. "و" خوف "ملازمة غريمه" الذي له عليه دين "وهو معسر" عنه وقد تعسر عليه إثبات إعساره بخلاف الموسر بما عليه والمعسر القادر على الإتيان ببينة أو يمين لتقصيره. "ورجاء عفو" ذي "عقوبة عليه" كقود في نفس أو طرف مجانًا أو على مال وحد قذف, وتعزير لآدمي أو لله تعالى؛ لأن موجب ذلك وإن كان كبيرة لكن العفو منه مندوب إليه، أما ما لا يقبل العفو عنه كحد الزنى والسرقة فلا يعذر بالخوف منه إذا بلغ الإمام وثبت عنده. "ومدافعة الحدث" البول أو الريح أو الغائط، وكذا مدافعة كل خارج من الجوف وكل مشوش للخشوع وإنما يكون ذلك عذرًا "مع سعة الوقت" كما مر في مكروهات الصلاة، ومر أنه لو خشي من كتم ذلك ضررًا فرغ نفسه منه وإن خشي خروج الوقت "وفقد لبس لائق" به وإن وجد ساتر عورته أو بدنه إلا رأسه مثلا؛ لأن عليه مشقة في خروجه كذلك، بخلاف ما إذا وجد ما اعتاد الخروج معه إذ لا مشقة. "وغلبة النوم" أو النعاس لمشقة الانتظار حينئذ "وشدة الريح بالليل" أو بعد الصبح إلى طلوع الشمس للمشقة، ويؤخذ من تقييده بالليل أنه ليس عذرًا في ترك الجمعة. "وشدة الجوع والعطش" بحضرة مأكول أو مشروب يشتاقه، وقد اتسع الوقت للخبر الصحيح: "لا صلاة بحضرة الطعام" ١ وقريب الحضور كالحاضر وحينئذ فيكسر شهوته فقط ولا يشبع ويأتي على المشروب كاللبن. "و" شدة "البرد" ليلا أو نهارًا. "و" شدة "الوحل" بفتح الحاء٢ ليلا أو نهارًا كالمطر وكثرة وقوع البرد والثلج على الأرض بحيث يشق المشي عليهما كمشقته في الوحل. "و" شدة "الحر" حال كونه "ظهرًا" أي وقته وإن وجد ظلا يمشي فيه للمشقة. "وسفر الرفقة" لمريد سفر مباح وإن قصر ولو سفر نزهة لمشقة تلحقه باستيحاشه وإن أمن على نفسه أو ماله. "وأكل منتن" كبصل أو ثوم أو كراث وكذا فجل في حق من يتجشأ منه "نيئ" بكسر النون وبالمد والهمزة، أو مطبوخ بقي له ريح يؤذي لما صح من
стр. 152
فصل: "في شروط القدوة "
شروط صحة القدوة أن لا يعلم بطلان صلاة إمامه بحدث أو غيره، وأن لا يعتقد بطلانها كمجتهدين اختلفا في القبلة أو إناءين أو ثوبين، وكحنفي علمه ترك فرضًا، وأن
ــ
قوله ﷺ : "من أكل بصلًا أو ثومًا أو كراثًا فلا يقربن المساجد وليقعد في بيته فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" ١، قال جابر ﵁: أراه يعني إلا نيئه، زاد الطبراني: "أو فجلًا" ومثل ذلك كل من ببدنه أو ثوبه ريح خبيث وإن عذر كذي بخر٢ أو صنان٣ مستحكم وحرفة خبيثة، وكذا نحو المجذوم والأبرص، ومن ثم قال العلماء: إنهما يمنعان من المسجد وصلاة الجماعة واختلاطهما بالناس، وإنما يكون أكل ما مر عذرًا "إن لم يمكنه" أي يسهل عليه "إزالته" بغسل أو معالجة، فإن سهلت لم يكن عذرا وإن كان قد أكله بعذر، ومحل ذلك ما لم يأكله بقصد إسقاط الجمعة وإلا لزمه إزالته ما أمكن ولا تسقط عنه، ويكره لمن أكله لا لعذر دخول المسجد وإن كان خاليًا ما بقي ريحه والحضور عند الناس ولو في غير المسجد قاله القاضي حسين٤. "و" من الأعذار "تقطير" الماء من "سقوف الأسواق" التي في طريقه إلى الجماعة وإن لم يبل ثوبه لأن الغالب فيه النجاسة أي والقذارة، وقال غيره: "و" منها "الزلزلة" والسموم وهي ريح حارة ليلا أو نهارًا, وللبحث عن ضالة يرجوها والسعي في استرداد مغصوب والسمن المفرط والهم المانع من الخشوع والاشتغال بتجهيز ميت ووجود من يؤذيه في طريقه أو المسجد، وزفاف زوجته إليه في الصلاة الليلية وتطويل الإمام على المشروع وترك سنة مقصودة وكونه سريع القراءة والمأموم بطيئها أو ممن يكره الاقتداء به وكونه يخشى وقوع فتنة له أو به.
فصل: في شروط القدوة
"شروط صحة القدوة أن لا يعلم" المقتدي "بطلان صلاة إمامه بحدث أو غيره" كنجاسة؛ لأنه حينئذ ليس في صلاة فكيف يقتدي به "وأن لا يعتقد بطلانها" أي بطلان صلاة إمامه "كمجتهدين اختلفا في القبلة" فصلى كل لجهة غير التي صلى إليها الآخر. "أو" في "إناءين" من الماء "أو" في "ثوبين" طاهر ونجس فتوضأ كل في الثانية بإناء منهما وليس كل
стр. 153
لا يعتقد وجوب قضائها كمقيم تيمم، وأن لا يكون مأمومًا ولا مشكوكًا فيه، وأميًّا -وهو من لا يحسن حرفًا من الفاتحة- إلا إذا اقتدى به مثله، وأن لا يقتدي الرجل بالمرأة ولو
ــ
في الثالثة ثوبًا منهما لاعتقاد كل بطلان صلاة صاحبه بحسب ما أداه إليه اجتهاده. "وكحنفي" أو غيره اقتدى به شافعي وقد "علمه ترك فرضًا" كالبسملة ما لم يكن أميرًا أو الطمأنينة أو أخل بشرط كأن لمس زوجته ولم يتوضأ فلا يصح اقتداء الشافعي به حينئذ اعتبارًا باعتقاد المأموم لأنه يعتقد أنه ليس في صلاة, بخلاف ما إذا علمه اقتصد لأنه يرى صحة صلاته وإن اعتقد هو بطلانها، وبخلاف ما إذا لم يعلم أنه ارتكب ما يخل بصلاته أو شك فيه لأن الظاهر أنه يراعي الخلاف ويأتي بالأكمل عنده. "وأن لا يعتقد" المأموم "وجوب قضائها" على الإمام "كمقيم تيمم" لفقد ماء بمحل يغلب فيه وجوده ومحدث صلى مع حدثه لإكراه أو فقد الطهورين ومتحيرة وإن كان المأموم مثله لعدم الاعتداد بصلاته من حيث وجوب قضائها فكانت كالفاسدة وإن صحت لحرمة الوقت، أما من لا قضاء عليه كموشوم خشي من إزالة وشمه مبيح١ تيمم وإن كان تعدى به فيصح الاقتداء به. "وأن لا يكون" الإمام "مأمومًا" لأنه تابع فكيف يكون متبوعًا؟ "و" أن "لا" يكون "مشكوكًا فيه" أي في كونه إمامًا أو مأمومًا، فمتى جوز المقتدي في إمامه أنه مأموم كأن وجد رجلين يصليان وتردد في أيهما الإمام لم يصح اقتداؤه بواحد منهما وإن ظنه الإمام ولو باجتهاد على الأوجه إذ لا مميز هنا عند استوائهما إلا النية ولا اطلاع عليها. "و" أن لا يكون "أميًّا" ولو في سرية وإن لم يعلم بحاله "وهو" أي الأمي "من لا يحسن" ولو "حرفًا من الفاتحة" بأن يعجز عنه بالكلية أو عن إخراجه من مخرجه أو عن أصل تشديد منها لرخاوة لسانه فلا يصح الاقتداء به حينئذ؛ لأنه لا يصلح لتحمل القراءة والإمام إنما هو بصدد ذلك. "إلا إذا اقتدى به مثله" في كونه أميًّا أيضًا في ذلك الحرف بعينه بأن اتفق الإمام والمأموم في إحسان ما عداه وأخلا به لاستوائهما وإن كان أحدهما يبدله غينًا مثلا والآخر يبدله لامًا، بخلاف ما إذا أحسن أحدهما حرفًا لم يحسنه الآخر فلا يصح اقتداء كل منهما بالآخر كمن يصلي بسبع آيات من غير الفاتحة لا يقتدي بمن يصلي بالذكر ولو عجز إمامه في الأثناء فارقه وجوبًا فإن لم يعلم حتى فرغ أعاد لندرة حدوث الخرس دون الحدث، وتكره القدوة بمن يكرر حرفًا من حروف الفاتحة كلاحن لا يغير المعنى فإن غيره ولو بإبدال أو قراءة شاذة فيها زيادة أو نقص أو تغيير معنى، فإن كان في الفاتحة أو بدلها وعجز عن النطق به إلا كذلك فكأمي أو في غيرها صحت صلاته والقدوة به إن عجز أو جهل أو نسي.
"وأن لا يقتدي الرجل" أي الذكر "بالمرأة" أو الخنثى المشكل ولا الخنثى بامرأة أو
стр. 154
صلى خلفه ثم تبين كفره أو جنونه أو كونه امرأة أو مأمومًا أو أميًّا أعادها إلا إن بان محدثًا أو جنبا أو عليه نجاسة خفية أو ظاهرة أو قائمًا لركعة زائدة، ولو نسي حدث إمامه, ثم تذكره أعاد.
ــ
خنثى لما صح من قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة" ١. وروى ابن ماجه: "لا تؤمن المرأة رجلا" ٢ بخلاف اقتداء المرأة بالمرأة وبالخنثى وبالرجل واقتداء الخنثى أو الرجل بالرجل فيصح إذ لا محذور.
"ولو صلى" إنسان "خلفه" أي خلف آخر وهو يظنه أهلا لإمامته "ثم تبين" في أثناء الصلاة أو بعدها أنه لا يصح الاقتداء به لمانع يمكن إدراكه بالبحث عنه كأن بان "كفره" ولو بارتداد أو بزندقة "أو جنونه أو كونه امرأة أو مأمومًا أو أميًّا أعادها"؛ لتقصيره بترك البحث عما من شأنه أن يطلع عليه، وتجب الإعادة أيضًا على من ظن بإمامه خللا مما ذكر ونحوه فبان أن لا خلل به لعدم صحة القدوة في الظاهر للتردد عندها "إلا إن بان" إمامه "محدثًا أو جنبًا" أو حائضًا لانتفاء تقصير المأموم "أو عليه نجاسة خفية أو ظاهرة" في ثوبه أو بدنه على ما صححه في التحقيق٣ واعتمده الإسنوي، لكن المعتمد أن الخفي وهو ما يكون بباطن الثوب لا إعادة معه لعسر الإطلاق عليه بخلاف الظاهر، ومحل هذا وما قبله في غير الجمعة وفيها إن زاد الإمام على الأربعين وإلا بطلت لبطلان صلاة الإمام فلم يتم العدد والصلاة خلف المحدث وذي الخبث الخفي جماعة يترتب عليها سائر أحكامها إلا نحو لحوق السهو وتحمله وإدراك الركعة بالركوع. "أو" بان إمامه "قائمًا لركعة زائدة" وقد ظنه في ركعة أصلية فقام معه جاهلا زيادتها أو أتى بأركانها كلها فلا قضاء عليه لحسبان هذه الركعة لعدم تقصيره بسبب خفاء الحال عليه ولو لم يدرك المقتدي بذي حدث أو خبث أو أتى بركعة زائدة الفاتحة بكمالها لم تحسب له الركعة، "ولو" علم المأموم حدث إمامه أو خبثه أو قيامه لزيادة, ثم "نسي حدث إمامه" أو خبثه أو قيامه لزائدة فاقتدى به, ولم يحتمل وقوع طهارة عنه, "ثم تذكره أعاد" استصاحبًا لحكم العلم ولا نظر لنسيانه؛ لأنه فيه نوع تقصير منه.
стр. 155
فصل: "فيما يعتبر بعد توفر الشروط السابقة "
يشترط لصحة الجماعة سبعة شروط: أن لا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه، أو بأليته إن صلى قاعدًا، أو بجنبه إن صلى مضطجعًا، فإن ساواه كره ويندب تخلفه عنه قليلًا ويقف الذكر عن يمينه، فإن جاء آخر فعن يساره، ثم يتقدم الإمام أو يتأخران وهو أفضل،
ــ
فصل: فيما يعتبر بعد توفر الشروط السابقة
"يشترط لصحة الجماعة" بعد توفر الصفات المعتبرة في الإمام "سبعة شروط":
الأول: "أن لا يتقدم المأموم على إمامه" في الموقف لما صح من قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ١ والائتمام الاتباع والمتقدم غير تابع، ولو شك في تقدمه عليه لم يؤثر سواء جاء من خلفه أو أمامه لأن الأصل عدم المبطل والعبرة في التقدم "بعقبه" التي اعتمد عليها من رجليه أو من إحداهما وهو مؤخر القدم مما يلي الأرض هذا إن صلى قائمًا "أو بأليته إن صلى قاعدًا" وإن كان راكبًا "أو بجنبه إن صلى مضطجعًا" أو برأسه إن كان مستلقيًا فمتى تقدم في غير صلاة شدة الخوف في جزء من صلاته بشيء مما ذكر لم تصح صلاته لما مر، وأفهم تعبيره بالعقب أنه لا أثر للأصابع تقدمت أو تأخرت لأن عدم العقب يستلزم تقدم المنكب بخلاف تقدم غيره، نعم لو تأخر وتقدمت رؤوس أصابعه على عقب الإمام فإن اعتمد على العقب صح أو على رؤوس الأصابع، فلا. "فإن ساواه" بالعقب "كره" ولم يحصل له شيء من فضل الجماعة "ويندب" للمأموم الذكر ولو صبيًّا اقتدى وحده بمصل مستور "تخلفه عنه قليلا" إظهارًا لرتبة الإمام "ويقف الذكر" المذكور كما ذكر "عن يمينه" لما صح عن ابن عباس ﵄ أنه وقف عن يساره ﷺ فأخذ برأسه فأقامه عن يمينه٢، وبه يعلم أنه يندب للإمام إذا فعل أحد المأمومين خلاف السنة أن يرشده إليها بيده أو غيرها إن وثق منه بالامتثال، أما إذا لم يقف عن يمينه أو تأخر كثيرًا فإنه يكره له ذلك ويفوته فضل الجماعة، "فإن جاء آخر فعن يساره" أي الإمام يقف ويكره وقوفه عن يمين المأموم ويفوته به فضل
стр. 156
ولو حضر ذكران صفًا خلفه وكذا المرأة أو النسوة، ويقف خلفه الرجال ثم الصبيان إن لم يسبقوا إلى الصف الأول، فإن سبقوا فهم أحق به، ثم النساء وتقف إمامتهن وسطهن، وإمام العراة غير المستور وسطهم، ويكره وقوفه منفردًا عن الصف، فإن لم يجد سعة
ــ
الجماعة. "ثم" بعد إحرامه "يتقدم الإمام أو يتأخران" حالة القيام لا غيره "وهو" أي تأخرهما حيث أمكن كل من التقدم والتأخر "أفضل" فإن لم يمكن إلا أحدهما فعل وأصل ذلك خبر مسلم عن جابر ﵁: "قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأدارني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فأقامه عن يساره فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه" ولكون الإمام متبوعًا لم يلق به الانتقال من مكانه، أما إذا تأخر من على اليمين قبل إحرام الثاني أو لم يتأخرا أو تأخرا في غير القيام فيكره ويفوت به فضل الجماعة. "ولو حضر" ابتداء معًا أو مرتبًا "ذكران" ولو بالغًا وصبيًا "صفا خلفه وكذا" إذا حضرت "المرأة" وحدها "أو النسوة" وحدهن فإنها تقوم أو يقمن خلفه لا عن يمينه ولا عن يساره للاتباع "ويقف" ندبًا فيما إذا تعددت أصناف المأمومين "خلفه الرجال" صفًّا "ثم" بعد الرجال إن كمل صفهم "الصبيان" صفًّا ثانيًا وإن تميزوا عن البالغين بعلم ونحوه هذا "إن لم يسبقوا" أي الصبيان "إلى الصف الأول فإن سبقوا" إليه "فهم أحق به" من الرجال فلا ينحون عنه لهم لأنهم من الجنس بخلاف الخناثى والنساء ثم بعد الصبيان وإن لم يكمل صفهم الخناثى "ثم" بعدهم وإن لم يكمل صفهم "النساء" للخبر الصحيح: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" أي البالغون العاقلون "ثم الذين يلونهم ثلاثًا" ١, ومتى خولف الترتيب المذكور كره، وكذا كل مندوب يتعلق بالموقف فإنه يكره مخالفته وتفوت به فضيلة الجماعة كما قدمته في كثير من ذلك ويقاس به ما يأتي "وتقف" ندبًا "إمامتهن" أي النساء "وسطهن", لأنه أستر لها. "و" يقف "إمام العراة" البصراء "غير المستور وسطهم" بسكون السين ويقفون صفًّا واحدًا إن أمكن لئلا ينظر بعضهم إلى عورة بعض فإن كانوا عميًا أو في ظلمة تقدم إمامهم. "ويكره" للمأموم "وقوفه منفردًا عن الصف" إذا وجد فيه سعة لما صح من النهي عنه وأمر المنفرد بالإعادة في خبر الترمذي٢ الذي حسنه محول على الندب على أن الشافعي ﵁ ضعفه "فإن لم يجد سعة" في الصف "أحرم"
стр. 157
أحرم ثم جرَّ واحدًا ويندب أن يساعده المجرور.
الشرط الثاني: أنيعلم بانتقالات إمامه برؤية أو سماع ولو من مبلغ.
الشرط الثالث: أن يجتمعا في مسجد وإن بعدت المسافة وحالت الأبنية وأغلق الباب بشرط إمكان المرور، فإن كانا في غير مسجد اشترط أن لا يكون بينهما وبين كل
ــ
مع الإمام "ثم جر" ندبًا في القيام "واحدًا" من الصف إليه ليصطف معه خروجًا من الخلاف ومحله إن جوز أنه يوافقه وإلا فلا جر بل يمتنع لخوف الفتنة وأن يكون حرًّا لئلا يدخل غيره في ضمانه، وأن يكون الصف أكثر من اثنين لئلا يصير الآخر منفردًا، "ويندب أن يساعده المجرور" لينال فضل المعاونة على البر والتقوى وذلك يعادل فضيلة ما فات عليه من الصف، ويحرم الجر قبل الإحرام لأنه يصير المجرور منفردًا، أما إذا وجد سعة في صف من الصفوف وإن زاد ما بينه وبين صفها على ثلاثة صفوف فأكثر فالسنة أن يخترق الصفوف إلى أن يدخلها، والمراد بها أن يكون بحيث لو دخل بينهم لوسعه من غير مشقة تحصل لأحد منهم ولو كان عن يمين الإمام محل يسعه لم يخترق بل يقف فيه.
"الشرط الثاني" لصحة الجماعة "أن يعمل بانتقالات إمامه" أو يظنها ليتمكن من متابعته ويحصل ذلك "برؤية" للإمام أو لبعض المأمومين "أو سماع" نحو أعمى ومن في ظلمة نحو صوت "ولو من مبلغ" بشرط كونه عدل رواية؛ لأن غيره لا يجوز الاعتماد عليه ويكفي الأعمى والأصم مس ثقة بجانبه.
"الشرط الثالث: أن يجتمعا" أي الإمام والمأموم في موقف إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في مكان كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية ومبنى العبادات على رعاية الاتباع ثم هما إما أن يكونا في مسجد أو غيره من فضاء أو بناء أو يكون أحدهما بمسجد والآخر بغيره، فإن كانا "في مسجد" أو مساجد تنافذت أبوابها، وإن كانت مغلقة غير مسمرة أو انفرد كل مسجد بإمام ومؤذن وجماعة صح الاقتداء. "وإن بعدت المسافة" كأن زادت على ثلاثمائة ذراع فأكثر "وحالت الأبنية" النافذة أو اختلفت كبئر وسطح ومنارة داخلين فيه. "و" إن "أغلق الباب" المنصوب على كل مما ذكر غلقا مجردًا من غير تسمير, لأنه كله مبني للصلاة فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الجماعة مؤدون لشعارها فلم يؤثر اختلاف الأبنية. "بشرط إمكان المرور" من كل منها إلى الآخر, لأنها حينئذ كالبناء الواحد، بخلاف ما إذا كان في بناء لا ينفذ كأن سمر بابه وكسطحه الذي ليس له مرقى، وإن كان له مرقى منه من خارجه أو حال بين جانبيه أو بين المساجد المذكورة نهر أو طريق قديم بأن سبقا وجوده أو جودها فلا تصح القدوة حينئذ مع بعد المسافة أو الحيلولة الآتية كما لو وقف من وراء شباك بجدار المسجد، وقول الإسنوي لا يضر سهو وكالمسجد في ذلك رحبته، والمراد بها هنا ما كان خارجه محجرًا عليه لأجله، وإن جهل أمرها أو كان بينها وبين طريق لا حريمه وهو المحل المتصل
стр. 158
صفين أكثر من ثلاثمائة ذراع تقريبًا، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع، وأن لا يكون بينهما جدار أو باب مغلق أو مردود أو شباك، ولا يضر تخلل الشارع والنهر الكبير، والبحر بين سفينتين، وإذا وقف أحدهما في سفل والآخر في علو اشترط محاذاة أحدهما الآخر في غير المسجد والآكام، ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه فالثلاثمائة محسوبة من
ــ
به المهيأ لمصلحته فليس له حكمه في شيء. "فإن كانا" أي الإمام والمأموم "في غير المسجد" كفضاء "اشترط أن لا يكون بينهما وبين كل صفين أكثر من ثلاثمائة ذراع" بذراع الآدمي المعتدل وهو شبران "تقريبًا فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع" ونحوها وما قاربها كما في المجموع وغيره فتقييد البغوي١ التابع له المصنف بثلاثة ضعيف وهذا التقييد مأخوذ من العرف، وعلم من كلام المصنف أنه لا يضر بلوغ ما بين الإمام والأخير فراسخ. "و" اشتراط القرب حيث لم يجمعهما مسجد يعم ما لو كانا في فضاءين أو فلكين٢ مكشوفين أو مسقفين أو بناءين كصحن٣ وصفة٤ سواء في ذلك المدرسة والرباط وغيرهما، فالشرط في الكل القرب على المعتمد بشرط "أن لا يكون بينهما جدار أو باب مغلق أو مردود أو شباك" لمنعه الاستطراق وإن لم يمنع المشاهدة وصفف٥ المدارس الشرقية أو الغربية إذا كان الواقف فيها لا يرى الإمام ولا من خلفه ولا تصح قدوته به، وعند إمكان المرور والرؤية لا يضر انعطاف وازورار في جهة الإمام ويضر في غيرها. "ولا يضر تخلل الشارع والنهر الكبير" وإن لم يمكن عبوره والنار ونحوها. "و" لا تخلل "البحر بين سفينتين"؛ لأن هذه تعد للحيلولة فلا يسمى واحد منها حائلا عرفًا وحيث كان بين البناءين سواء أكان أحدهما مسجدًا أم لا منفذ يمكن الاستطراق منه ولا يمنع المشاهدة صحت قدوة أحدهما بالآخر, لكن إن وقف أحد المأمومين في مقابل المنفذ حتى يرى الإمام أو من معه في بنائه وهذا في حق من في المكان الآخر كالإمام؛ لأنهم تبع له في المشاهدة فيضر تقدمهم عليه في الموقف وإلا حرم "وإذا وقف أحدهما" أي الإمام والمأموم "في سفل والآخر في علو اشترط محاذاة أحدهما الآخر في غير المسجد والآكام" بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى وإلا لم يعدا مجتمعين، ويعتبر غير المعتدل بالمعتدل وهذا ضعيف خلافًا لجمع متأخرين وإن تبعهم المصنف والمعتمد أن ذلك
стр. 159
آخر المسجد، نعم إن صلى في علو داره بصلاة الإمام في المسجد قال الشافعي: لم تصح، ويكره ارتفاع أحدهما على الآخر بغير حاجة.
الشرط الرابع: نية القدوة أو الجماعة، فلو تابع بلا نية أو مع الشك فيها بطلت إن طال انتظاره.
ــ
ليس بشرط. "ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه فالثلاثمائة" الذراع "محسوبة من آخر المسجد" لا من آخر مصل فيه؛ لأنه مبني للصلاة فلا يدخل منه شيء في الحد الفاصل، وفي عكس صورة المصنف تعتبر المسافة من صدره. "نعم إن صلى" المأموم "في علو داره بصلاة الإمام في المسجد قال الشافعي" ﵁: "لم تصح" صلاته أي سواء كانا متحاذيين أم لا ويوافقه نصه -فيمن صلى بأبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام- على المنع وصوبه الإسنوي لكن المعتمد نصه الآخر في أبي قبيس على الصحة وإن كان أعلى منه والنص في السطح وأبي قبيس محمول على ما إذا لم يمكن المرور للإمام إلا بالعطاف من غير جهة الإمام أو على ما إذا بعدت المسافة أو حالت أبنية هناك منعت الرؤية فعلم أنه يعتبر في الاستطراق أن يكون استطراقًا عاديًا وأن يكون من جهة الإمام، وأن لا يكون هناك ازورار وانعطاف بأن يكون بحيث لو ذهب للإمام من مصلاه لا يلتفت عن القبلة بحيث يبقي ظهره إليها وإلا ضر لتحقيق الانعطاف حينئذ من غير جهة الإمام، وأنه لا فرق في ذلك بين المصلي على نحو جبل أو سطح. "ويكره" في المسجد وغيره "ارتفاع أحدهما" أي الإمام أو المأموم "على الآخر" للنهي عن ارتفاع الإمام وقياسًا عليه في ارتفاع المأموم، هذا إن كان الارتفاع "بغير حاجة" وإلا كتعليم المأموم كيفية الصلاة أو تبليغ تكبيرة الإمام فلا يكره بل يندب.
"الشرط الرابع: نية" نحو "القدوة أو الجماعة" أو الائتمام بالإمام الحاضر أو بمن في المحراب أو نحو ذلك. "فلو تابع" في فعل أو سلام "بلا نية أو مع الشك فيها بطلت" صلاته "إن طال" عرفًا "انتظاره" له ليتبعه في ذلك الركن؛ لأنه وقف صلاته على صلاة غيره بلا رابط بينهما، والتقييد في مسألة الشك بالطول والمتابعة هو الأوجه خلافًا لجمع، وإنما أبطل الشك في أصل النية مع الانتظار الكثير وإن لم يتابع وباليسير مع المتابعة لأن الشك في أصلها ليس في صلاة بخلافه هنا فإن غايته أنه كالمنفرد، فلا بد من مبطل وهو المتابعة مع الانتظار الكثير، ولو عرض ذلك الشك في الجمعة أبطلها حيث طال زمنه لأن نية الجماعة شرط فيها فالشط فيها كالشك في أصل النية، وأفهم كلام أنه لو تابعة اتفاقًا أو بعد انتظار يسير أو انتظره كثيرًا بلا متابعة لم تبطل لأنه في الأولى لا يسمى متابعة وفي الثانية يغتفر لقلته وفي الثالثة لم يتحقق الانتظار لفائدته وهي المتابعة فألغى النظر إليه وأنه لا يجب تعيين الإمام بل لو عينه وأخطأ بطلت صلاته إلا أن يشير إليه لأنه يجب التعرض له في الجملة، بخلاف ما لو عين الإمام المأموم فأخطأ فإنه لا يضر مطلقًا لأنه لا يجب التعرض له في الجملة ولا تفصيلا
стр. 160
الشرط الخامس: توافق نظم صلاتيهما، فإن اختلف كمكتوبة وكسوف أو جنازة لم تصح القدوة، ويصح الظهر خلف العصر والمغرب، والقضاء خلف الأداء وعكسه، والفرض خلف النفل وعكسه.
الشرط السادس: الموافقة في سنة فاحشة المخالفة، فلو ترك الإمام سجدة التلاوة وسجدها المأموم أو عكسه أو ترك الإمام التشهد الأول وتشهده المأموم بطلت، وإن تشهد
ــ
وأن الإمام لا تلزمه نية الإمامة وهو كذلك بل تسن له وإلا لم تحصل له فضيلة الجماعة ومحله في غير الجمعة أما فيها فتلزمه نية الإمامة مقترنة بالتحرم.
"الشرط الخامس: توافق نظم صلاتيهما" أي الإمام والمأموم بأن يتفقا في الأفعال الظاهرة وإن اختلفا عددًا "فإن اختلف" نظم صلاتيهما "كمكتوبة" أو فرض آخر أو نفل "وكسوف" أو كمكتوبة أو فرض آخر "أو" نفل أو "جنازة لم تصح القدوة" ممن يصلي غير الجنازة بمصليها وغير الكسوف بمصليه وعكسهما لتعذر المتابعة، ومن ثم يصح الاقتداء بإمام الكسوف في القيام الثاني من الركعة الثانية لإمكان المتابعة حينئذ، وإلا لم يصح الاقتداء بمصلي الجنازة أو الكسوف، ويفارق عند الأفعال المخالفة؛ لأن ربط إحدى الصلاتين بالأخرى مع تنافيهما مبطل ومثلهما١ سجدتا التلاوة والشكر وإن صحت إحداهما خلف الأخرى، ويصح الفرض خلف صلاة التسبيح وعند تطويل ما يبطل تطويله كالاعتدال ينتظره في الركن الذي بعده. "ويصح" مع الكراهة المفوتة لفضيلة الجماعة "الظهر خلف" مصلى "العصر و" خلف مصلي "المغرب" وعكسه لاتحاد النظم وإن اختلفا عددًا ونية "والقضاء خلف" مصلي "الأداء وعكسه والفرض خلف" مصلي "النفل وعكسه" لاتفاق النظم في الجميع وحيث كانت صلاة الإمام أطول تخير المأموم عند إتمام صلاته بين أن يسلم وأن ينتظر وهو أفضل ومحل حل انتظاره حيث لم يفعل تشهدًا لم يفعله الإمام، فلو صلى المغرب خلف مصلي العشاء امتنع الانتظار، وإن جلس الإمام للاستراحة في الثالثة أو الصبح خلف الظهر جاز الانتظار إن جلس الإمام للتشهد الأول وتشهد؛ لأنه حينئذ يكون مستصحبًا تشهد الإمام، فإن لم يجلس أو جلس ولم يتشهد لزم المأموم المفارقة لئلا يحدث تشهد لم يفعله الإمام.
"الشرط السادس: الموافقة" للإمام "في سنة فاحشة المخالفة" يعني تفحش المخالفة بها "فلو ترك الإمام سجدة التلاوة وسجدها المأموم أو عكسه" بأن سجدها الإمام وتركها المأموم "أو ترك الإمام التشهد الأول وتشهده المأموم بطلت" صلاته إن علم وتعمد وإن لحقه عن القرب لعدوله عن فرض المتابعة إلى سنة ويخالف ذلك سجود السهو والتسليمة الثانية لأنهما يفعلان بعد فراغ الإمام، أما غير فاحشة المخالفة كجلسة الاستراحة فلا يضر الإتيان بها، ومثلها القنوت لمن أدرك الإمام في
стр. 161
الإمام وقام المأموم عمدًا لم تبطل، ويندب له العود.
الشرط السابع: المتابعة فإن قارنه في التحرم بطلت، وكذا إن تقدم عليه بركنين فعليين أو تأخر عنه بهما لغير عذر، وإن قارنه في غير التحرم أو تقدم عليه بركن فعلي أو تأخر عنه به لم يضر، ويحرم تقدمه عليه بركن فعلي وإن تخلف بعذر كبطء قراءة بلا وسوسة واشتغال
ــ
السجدة الأولى وفارق التشهد الأول بأنه لم يحدث غير ما فعله الإمام وإنما طول ما كان فيه، ومن ثم لو أتى الإمام ببعض التشهد وقام عنه جاز للمأموم إكماله؛ لأنه حينئذ مستصحب كالقنوت. "وإن تشهد الإمام وقام المأموم" سهو لزمه العود وإلا بطلت صلاته أو "عمدًا لم تبطل" صلاته بعدمه؛ لأنه انتقل إلى فرض آخر وهو القيام. "ويندب له العود" خروجًا من خلاف من أوجبه.
"الشرط السابع: المتابعة" للإمام كما سيعلم من كلامه، وأما المتابعة المندوبة فهي أن يجري على أثره في الأفعال والأقوال بحيث يكون ابتداؤه بكل منهما متأخرًا عن ابتداء الإمام ومتقدمًا على فراغه منه، ويشترط تيقن تأخر جميع تكبيرته للإحرام عن جميع تكبيرة إمامه. "فإن قارنه في التحرم" أو في بعضه أو شك فيه أو بعده هل قارنه فيه أو لا وطال زمن الشك أو اعتقد تأخر تحرمه فبان تقدمه "بطلت صلاته يعني لم تنعقد للخبر الصحيح: "إذا كبر فكبروا" ١ ولأنه نوى الاقتداء بغير مصل إذ يتبين بتمام تكبيرة الإحرام الدخول في الصلاة من أولها. "وكذا" تبطل صلاة المأموم "إن تقدم عليه" أي على إمامه عامدًا عالمًا بالتحريم "بركنين فعليين" ولو غير طويلين بأن يركع المأموم فلما أراد إمامه أن يركع رفع فلما أراد أن يرفع سجد فبمجرد سجوده تبطل صلاته وفارق ما يأتي في التخلف بأن التقدم أفحش فأبطل السبق بالركنين ولو على التعاقب؛ لأنهما لم يجتمعا في الركوع ولا في الاعتدال. "أو تأخر عنه بهما" أي بركنين فعليين تامين ولو غير طويلين كأن ركع الإمام واعتدل وهوى للسجود وإن كان إلى القيام أقرب والمأموم قائم أو سجد الإمام السجدة الثانية وقام وقرأ وهوى للركوع والمأموم جالس بين السجدتين هذا إن كان "لغير عذر" مما يأتي كأن تخلف لإكمال السنة كالسورة "وإن قارنه في غير التحرم" من أفعال الصلاة لم يضر وإن قارنه في السلام لكن يكره ذلك وتفوته به فضيلة الجماعة. "أو تقدم عليه بركن فعلي أو تأخر عنه به لم يضر" لعدم فحش المخالفة. "ويحرم تقدمه عليه بركن فعلي" تام كأن ركع ورفع والإمام قائم للخبر الصحيح: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"٢ أما إذا لم يتم كأن
стр. 162
الموافق بدعاء الافتتاح أو ركع إمامه فشك في الفاتحة أو تذكر تركها، أو أسرع الإمام قراءته عذر إلى ثلاثة أركان طويلة، فإن زاد نوى المفارقة أو وافقه وأتى بركعة بعد سلامه هذا في الموافق -وهو من أدرك مع الإمام قدر الفاتحة- وأما المسبوق إذا ركع الإمام في فاتحته، فإن اشتغل بسنة كدعاء الافتتاح أو التعوذ قرأ بقدرها، ثم إن أدركه في الركوع أدرك الركعة، وإلا فاتته ووافقه، ويأتي بركعة، وإن لم يشتغل بسنة قطع القراءة وركع معه.
ــ
ركع قبله ولم يعتدل فيكره، ويسن له العود ليوافقه فإن سها بالركوع قبله تخير بين العود والدوام ويكره التأخر بركن. "وإن تخلف" المأموم "بعذر كبطء قراءة" واجبة "بلا وسوسة" بل لعجز لسانه ونحوه "واشتغال" المأموم "الموافق بدعاء الافتتاح" والتعوذ عن الفاتحة حتى ركع الإمام أو قاربه الركوع "أو" كان "ركع إمامه فشك" بعد ركوعه وقبل أن يركع هو "في الفاتحة" هل قرأها أم لا؟ ومثلها بدلها. "أو تذكر تركها أو" كان "أسرع الإمام قراءته", وركع قبل أن يتم المأموم فاتحته وإن لم يكن بطيء القراءة "عذر" في التخلف عن الإمام لإتمام قراءة ما بقي عليه لعذره بوجوب ذلك عليه بخلاف تخلفه لمندوب كقراءة السورة أو لوسوسة بأن كان يردد الكلمات من غير موجب سواء كانت ظاهرة أو خفية, فإنه متى كان بتمام ركنين فعليين بطلت صلاته لعدم عذره وحيث عذر بالتخلف كما في الصورة التي ذكرناها فإنما يتخلف "إلى" تمام "ثلاثة أركان طويلة", وهي المقصودة بنفسها فلا يعد منها القصير وهو الاعتدال والجلوس بين السجدتين فيسعى على ترتيب نظم صلاة نفسه حيث فرغ قبل قيام الإمام من السجدة الثانية وجلوسه بعدها. "فإن زاد" التخلف على ذلك بأن لم يفرغ إلا والإمام منتصب للقيام أو جالس للتشهد "نوى المفارقة" إن شاء وجرى على ترتيب صلاة نفسه "أو وافقه" فيما هو فيه بأن يترك قراءته ويتبع الإمام في القيام أو التشهد "وأتى بركعة" بدل هذه الركعة التي فاتته "بعد سلامه" أي سلام الإمام كالمسبوق ولا يجوز له بلا نية المفارقة الجري على ترتيب صلاة نفسه، فإن فعل عامدًا عالمًا بطلت صلاته لما فيه من المخالفة الفاحشة. "وهذا" كله "في الموافق وهو من أدرك مع الإمام قدر الفاتحة" سواء الركعة الأولى وغيرها. "وأما المسبوق" وهو من لم يدرك مع الإمام من الركعة الأولى أو غيرها قدرًا يسع الفاتحة "إذا ركع الإمام" وهو باق "في فاتحته" إلى الآن لم يكملها "فإن" كان قد "اشتغل" قبلها "بسنة كدعاء الافتتاح" أو التعوذ أو سكت أو سمع قراءة الإمام أو غيره "قرأ" وجوبًا من الفاتحة "بقدرها" أي بقدر حروف السنة التي اشتغل بها وبقدر زمن السكوت الذي اشتغل به لتقصيره بعدوله عن الفرض إليها إذ السنة للمسبوق أن لا يشتغل بسنة غير الفاتحة، فإن ركع ولم يقرأ قدر ما فوته بطلت صلاته إن علم وتعمد وإلا فركعة. "ثم" إذا اشتغل بقراءة قدر ما فوته "إن" أكمله و"أدركه" أي الإمام "في الركوع أدرك الركعة" كغيره "وإلا" يدركه فيه بأن لم يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقله فإن فرغ والإمام في الاعتدال "فاتته" الركعة على اضطراب طويل فيه بين المتأخرين.
стр. 163
فصل: "في إدراك المسبوق الركعة "
ومن أدرك الإمام المتطهر راكعًا واطمأن معه قبل ارتفاعه أدرك الركعة، وإن أدركه في ركوع زائد أو في الثاني من الكسوفين لم يدركها.
ــ
"و" حينئذ "وافقه" وجوبًا في الاعتدال وما بعده ولا يركع؛ لأنه لا يحسب له فإن ركع عامدًا عالمًا بطلت صلاته. "ويأتي بركعة" بعد سلام إمامه لأنه لم يدرك الأولى معه وإن لم يفرغ والإمام في الاعتدال بأن أراد الهوي منه إلى السجود وهو إلى الآن لم يكمل قراءة ما لزمه فقد تعارض معه واجبان: متابعة الإمام وقراءة ما لزمه، ولا مرجح لأحدهما فيلزمه فيما يظهر أن ينوي المفارقة ليكمل الفاتحة ويجري على ترتيب صلاة نفسه وتكون مفارقته بعذر فيما يظهر أيضًا، وإن قصر بارتكاب سبب وجوبها وهو اشتغاله بالسنة عن الفرض. "وإن لم يشتغل" المسبوق بعد إحرامه "بسنة" ولا بغيرها بل بالفاتحة وركع إمامه "قطع القراءة وركع معه" ليدرك الركعة ويتحمل الإمام عنه بقية الفاتحة أو كلها إن لم يدركه إلا في الركوع، فإن لم يركع معه فاتته الركعة بل وبطلت صلاته إن تخلف ليكمل الفاتحة إلى أن شرع الإمام في الهوي إلى السجود.
فصل: في بيان إدراك المسبوق الركعة
"ومن أدرك الإمام المتطهر راكعًا" ركوعًا محسوبًا له أو قريبًا من الركوع بحيث لا يمكنه قراءة الفاتحة جميعها قبل ركوعه. "و" تيقن أنه "اطمأن معه" في الركوع "قبل ارتفاعه" عن أقل الركوع السابق بيانه "أدرك الركعة" لما صح من قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها" ١, ومن لم يسن الخروج من خلاف من منع إدراك الركعة بذلك. "وإن أدركه" وهو محدث أو متنجس أو "في ركوع" غير محسوب له نحو "زائد" قام إليه سهوًا أو في أصلي ولم يطمئن معه فيه أو اطمأن بعد ارتفاع الإمام عن أقل الركوع وهو بلوغ راحتيه ركبتيه، أو تردد هل اطمأن قبل وصول الإمام لحد أقل الركوع سواء أغلب على ظنه شيء أم لا؟ "أو" أدركه "في" الركوع" الثاني من" صلاة "الكسوفين لم يدركها" أي الركعة لعدم أهلية نحو المحدث لتحمل القيام والقراءة، ولأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بالركوع رخصة فلا يصار إليها إلا بيقين، ولأن الركوع الثاني وقيامه من كل ركعة من صلاة الخسوفين تابع للركوع الأول وقيامه فهو في حكم الاعتدال، ولذا سن فيه: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ولو قرأ الفاتحة أدرك الركعة، وإن كان الإمام محدثًا أو في زائدة ما لم يعلم بحدثه أو بسهوه، وإن نسي بعد كما مر وحيث أتى الشاك في الطمأنينة المذكورة بركعة بعد سلام الإمام سجد للسهو، وشرط صحة صلاة المسبوق المذكور أن يكبر للإحرام ثم للهوي، فإن اقتصر
стр. 164
فصل: "في صفات الأئمة المستحبة "
أحق الناس بالإمامة الوالي، فيتقدم أو يقدم غيره ولو في ملك غيره، والساكن بملك أو إعارة أو إجارة أو وقف أو وصية أو نحوها يتقدم أو يقدم أيضًا، إلا أن المعير أحق من المستعير، والسيد أحق من عبده الذي ليس بمكاتب، والإمام الراتب أحق من غير الوالي فيتقدم أو يقدم، ثم قدم الأفقه ثم الأقرأ ثم الأورع ثم من سبق بالهجرة هو أو
ــ
على تكبيرة اشترط أن ينوي بها الإحرام وأن يتمها قبل أن يصير أقرب إلى أقل الركوع، فإن نوى بها الهوي أو مع التحرم أو أطلق لم تنعقد صلاته.
فصل: في صفات الأئمة المستحبة
"أحق الناس بالإمامة الوالي" في محل ولايته الأعلى فالأعلى وإن اختص غيره بسائر الصفات الآتية للخبر الصحيح: "لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه" ١, ومحل ذلك في غير من ولاه الإمام الأعظم أو نائبه، أما من ولاه أحدهما في مسجد فهو أولى من والي البلد وقاضيها، وفيمن تضمنت ولايته الإمامة عرفًا بخلاف نحو ولاة الحروب والشرطة فلا حق لهم في الإمامة وحيث كان الوالي أحق "فيتقدم" بنفسه "أو غيره" لأن الحق له فينيب فيه من شاء. "ولو" أقيمت الصلاة "في ملك غيره" وقد رضي المالك بإقامتها في ملكه؛ لأن تقدم المالك وغيره بحضرته من غير استئذانه لا يليق ببذل الطاعة له "و" الأحق بعد الوالي فيما إذا أقيمت الصلاة في مملوك الرقبة أو المنفعة "الساكن" يعني المستحق لتلك المنفعة "بملك أو إعارة أو إجارة أو وقف أو وصية أو نحوها" فحينئذ "يتقدم" بنفسه "أو يقدم أيضًا" لما مر في الوالي ولخبر أبي داود: "لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في بيته" ٢ والحاصل أن مقدم المقدم هنا وفي جميع ما أتى كالمقدم وإن كان من قدمه غيره أهل للإمامة كالمرأة المستحقة لمنفعة محل أقيمت الجماعة فيه والشريكان يعتبر إذنهما ولا يتقدم أو يقدم أحدهما إلا بإذن الآخر أو وكيله، ولا حق لولي المحجور في التقديم ولا التقدم والساكن أولى كما تقرر "إلا" في مسائل منها "أن المعير أحق" بالتقديم والتقدم "من المستعير" لأنه مالك للمنفعة وللرجوع فيها متى شاء. "و" منها أن "السيد أحق" بما ذكر "من عبده" أي قنه "الذي ليس بمكاتب" لأنه المالك بخلاف المكاتب كتابة صحيحة فإنه أحق من السيد لأنه مستقل بالتصرف. "والإمام الراتب" بمحل الجماعة "أحق من غير الوالي" وإن اختص الغير بما يأتي "فيتقدم أو يقدم" من تصح
стр. 165
أحد آبائه, ثم من سبق إسلامه ثم النسيب، ثم حسن الذكر، ثم نظيف الثوب، ثم نظيف البدن وطيب الصنعة، ثم حسن الصوت ثم حسن الصورة، فإن استووا أقرع، والعدل أولى من الفاسق وإن كان أفقه أو أقرأ، والبالغ أولى من الصبي وإن كان أفقه أو أقرأ، والحر أولى من العبد، ويستوي العبد الفقيه والحر غير الفقيه، والمقيم أولى من المسافر، وولد الحلال أولى من ولد الزنى، والأعمى مثل البصير.
ــ
إمامته وإن كان هناك أفضل منه للخبر السابق ولو لم يحضر الراتب سن الإرسال إليه ليحضر أو يأذن، فإن خيف فوت أول الوقت ولا فتنة ولا تأذي لو تقدم غيره سن لواحد أن يؤم بالقوم، ولو ضاق الوقت أو كان المسجد مطروقًا جمعوا مطلقًا. "ثم" إن لم يكن هناك أولى باعتبار المكان كأن كانوا بموات أو مسجد ولا إمام له راتب أو له إمام وأسقط حقه وجعله للأولى "قدم" باعتبار الصفة "الأفقه" بأحكام الصلاة على من بعده لاحتياج الصلاة إلى مزيد الفقه بل مزيده أكثر من نحو القراءة. "ثم" إن استوى اثنان في الفقه وأحدهما أقرأ قدم "الأقرأ" أي الأحفظ لأن الصلاة أشد احتياجًا إليه من الأورع. "ثم" إن استويا فقهًا وقراءة قدم "الأورع" أي الأكثر ورعًا وهو اجتناب الشبهات خوفًا من الله تعالى ومن لزمه حسن السيرة والعفة. "ثم" إن استويا فقهًا وقراءة وورعًا قدم "من سبق الهجرة" إلى النبي ﷺ أو إلى دار الإسلام سواء كان السابق "هو أو أحد آبائه" لخبر مسلم١ وجعل الهجرة هنا هو المعتمد. "ثم" بعد من ذكر يقدم الأسن لخبر مسلم أيضًا٢، والمراد به "من سبق إسلامه" كشاب أسلم أمس على شيخ أسلم اليوم فإن أسلما معًا قدم الأكبر سنًّا، ويقدم المسلم بنفسه على المسلم بالتبعية. "ثم" بعد ما ذكر يقدم "النسيب" بما يعتبر في الكفاءة فيقدم الهاشمي ثم المطلبي ثم بقية قريش ثم بقية العرب، ويقدم ابن الصالح والعالم على غيره، "ثم" بعد ما ذكر يقدم "حسن الذكر" لأنه أهيب ممن بعده والقلوب إليه أميل. "ثم" بعده "نظيف الثوب ثم" بعده نظيف البدن وطيب الصنعة" عن الأوساخ لذلك. "ثم" بعده "حسن الصوت ثم حسن الصورة" أي الوجه لذلك أيضًا، وهذا الذي ذكره آخذًَا لأكثره من الروضة ولبعضه من التحقيق هو المعتمد لأن المدار كما أشعر به تعليلهم على ما هو أفضى إلى استمالة القلوب، وكل واحد ممن ذكر أفضى إلى ذلك مما بعده كما لا يخفى، وحينئذ فالأولى بعد الاستواء في النسب وما قبله الأحسن ذكرًا فالأنظف ثوبًا فبدنًا فصنعة فالأحسن صوتًا فوجهًا. "فإن استووا" في جميع ما ذكر وتشابهوا "أقرع" بينهم ندبًا قطعًا للنزاع "والعدل" ولو قنًّا٣ "أولى" بالتقديم والتقدم "من
стр. 166
فصل: "في بعض السنن المتعلقة بالجماعة "
يستحب أن لا يقوم إلا بعد فراغ الإقامة، وتسوية الصفوف والأمر بذلك ومن الإمام آكد، وأفضل الصفوف الأول فالأول للرجال، وتكره إمامة الفاسق والأقلف -وهو الذي
ــ
الفاسق وإن كان" الفاسق حرًّا أو "أفقه أو أقرأ" لكراهة الاقتداء به؛ لأنه قد يقصر في الواجبات. "و" كذلك "البالغ" ولو قنًّا "أولى من الصبي وإن كان" الصبي حرًّا أو "أفقه أو أقرأ" لكراهة الاقتداء به وللخلاف في صحة إمامته. "والحر أولى من العبد" لأنه أكمل "ويستوي العبد الفقيه" أو القارئ مثلا "والحر غير الفقيه" أو القارئ لانجبار نقص الرق بما انضم إليه من صفة الكمال، وإنما كان الحر أولى في صلاة الجنازة مطلقًا لأن القصد بها الدعاء والشفاعة وهو بهما أليق "والمقيم" والمتم "أولى من المسافر" الذي يقصر؛ لأنه إذا أم أتموا كلهم فلا يختلفون وإذا أم القاصر اختلفوا. "وولد الحلال أولى من ولد الزنى" وممن لا يعرف له أب وإن كان أفقه أو أقرأ لأن إمامته خلاف الأولى للحوق العار به، ولو تعارضت هذه الصفات فالذي يظهر أن العدل أولى من الفاسق مطلقًا، وأن البالغ العدل أولى من الصبي العدل وإن زاد بنحو الفقه، وأن الحر العدل أولى من الرقيق العدل ما لم يزد بما ذكر، والمبعض أولى من كامل الرق، وقد علم مما مر أن الوالي يقدم وإن كان فيه جميع هذه النقائص. "والأعمى مثل البصير" حيث استويا في الصفات السابقة؛ لأن في كل مزية ليس في الآخر؛ لأن الأعمى لا ينظر إلا ما يشغله فهو أخشع، والبصير ينظر إلى الخبث فهو أحفظ لتجنبه.
فصل: في بعض السنن المتعلقة بالجماعة
"يستحب" لمريد الجماعة غير المقيم "أن لا يقوم إلا بعد فراغ الإقامة" إن كان يقدر على القيام بسرعة بحيث يدرك فضيلة تكبيرة الإحرام وإلا قام قبل ذلك بحيث يدركها، ومن دخل في حال الإقامة أو وقد قربت بحيث لو صلى التحية فاته فضل التكبيرة مع الإمام استمر قائمًا ولا يجلس ولا يصلي. "و" يستحب "تسوية الصفوف والأمر بذلك" لكل أحد "و" وهو "من الإمام" بنفسه أو مأذونه "آكد" للاتباع مع الوعيد على تركها والمراد بها إتمام الأول فالأول وسد الفرج وتحاذي القائمين فيها بحيث لا يتقدم صدر واحد ولا شيء منه على من هو بجنبه ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الأول، ولا يقف في صف حتى يتم ما قبله، فإن خولف في شيء من ذلك كره أخذًا من الخبر الصحيح: "ومن وصل صفًّا وصله الله ومن قطع صفًّا
стр. 167
لم يختتن- والمبتدع والتمتام، والفأفاء، والوأواء، وكذا تكره الجماعة في مسجد له إمام راتب وهو غير مطروق إلا إذا خشي فوات فضيلة أو الوقت ولم يخش فتنة، ويندب أن يجهر الإمام بالتكبير وبقوله: سمع الله لمن حمده والسلام، ويوافقه المسبوق في الأذكار.
ــ
قطعه الله" ١, "وأفضل الصفوف الأول" وهو الذي يلي الإمام وإن تخلله منبر أو نحوه "فالأول" وهو الذي يليه وهكذا وإذا استداروا في مكة فالصف الأول في غير جهة الإمام ما اتصل بالصف الذي وراء الإمام لا ما قرب من الكعبة على الأوجه، وأفضلية الأول فالأول تكون "للرجال" والصبيان وإن كان ثم غيرهم وللخناثى الخلص أو مع النساء وللنساء الخلص بخلاف النساء مع الذكور أو الخناثى فالأفضل لهن التأخر، وكذا الخناثى مع الذكور كما علم مما مر، وأصل ذلك خبر مسلم: "خير صفوف الرجال أولها وأشرها آخرها وخير صفوف النساء -أي مع غيرهن- آخرها وشرها أولها"٢ وسن تحري يمين الإمام "وتكره إمامة الفاسق" والاقتداء به حيث لم يخشَ فتنة بتركه وإن لم يوجد أحد سواه على الأوجه للخلاف في صحة الاقتداء به لعدم أمانته. "و" إمامة "الأقلف" والاقتداء به "وهو الذي لم يختتن" سواء ما قبل البلوغ وما بعده؛ لأنه قد لا يحافظ على ما يشترط لصحة صلاته فضلا عن إمامته وهو غسل جميع ما يصل إليه البول مما تحت قلفته؛ لأنها لما كانت واجبة الإزالة كان ما تحتها في حكم الظاهر. "و" إمامة "المبتدع" الذي لم يكفر ببدعته والاقتداء به وإن لم يوجد غيره كالفاسق بل أولى، وبحث الأذرعي حرمة الاقتداء به على عالم شهير لأنه سبب لإغوء العوام ببدعته، أما من يكفر ببدعته كمنكر علم الله بالجزئيات وبالمعدوم والبعث والحشر للأجساد وكذا المجسم على تناقض فيه٣ والقائل بالجهة على قول نقل عن الأئمة الأربعة فلا يصح الاقتداء به كسائر الكفار "و" إمامة "التمتام" وهو الذي يكرر التاء "والفأفاء" وهو من يكرر الفاء "والوأواء" وهو من يكرر الواو وغيرهم ممن يكرر شيئًا من الحروف للزيادة ولتطويل القراءة بالتكرير ولنفرة الطباع عن سماع كلامهم وصحت إمامتهم لعذرهم، ويكره أيضًا إمامة من يلحن بما لا يغير المعنى والموسوس ومن كرهه أكثر من نصف القوم المذموم فيه شرعًا. "وكذا تكره الجماعة أي إقامتها "في مسجد له إمام راتب" قبله أو معه أو بعده "وهو" أي المسجد "غير مطروق" ولم يأذن في ذلك؛ لأنه يورث الطعن فيه وتفرق الناس عنه بخلاف ما إذا لم يكن له إمام راتب أو أذن إمامه الراتب لأن الحق له أو كان المسجد مطروقًا لانتفاء ما ذكر لأن العادة في المطروق أن لا يقتصر فيه على جماعة واحدة، ويكره ذلك في غير المطروق بغير إذنه كما
стр. 168
باب صلاة المسافر
مدخل
...
باب: صلاة المسافر
يجوز للمسافر سفرًا طويلا مباحًا قصر الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين أداء وقضاء، لا فائتة الحضر والمشكوك أنها فائتة سفر أو حضر، والطويل يومان معتدلان بسير الأثقال والإتمام أفضل إلا في ثلاث مراحل، ولمن وجد في نفسه كراهة القصر.
ــ
تقرر "إلا إذا" غاب الراتب أول الوقت و"خشي" بالبناء للمفعول "فوات فضيلة أول الوقت ولم يخش فتنة" ولا يتأذى الراتب لو تقدم غيره فيسن حينئذ لواحد، وكونه الأحب للإمام أولى أن يؤم بالقوم، فإن خشي فتنة أو تأذى به صلوا فرادى، ويسن لهم الإعادة معه، فإن لم يبق من الوقت إلا ما يسع تلك الصلاة جمعوا وإن خافوا الفتنة هذا كله في غير المطروق كما تقرر، أما المطروق فلا بأس أن يصلوا أول الوقت جماعة. "ويندب أن يجهر الإمام بالتكبير وبقوله: سمع الله لمن حمده والسلام" للاتباع فإن كبر المسجد سن مبلغ يجهر بذلك، "ويوافقه" أي الإمام "المسبوق في الأذكار" والأقوال الواجبة والمندوبة أي يندب له ذلك وإن لم يحسب له، ومن ذلك أنه يكبر معه فيما يتابعه فيه، فلو أدركه في الاعتدال كبر للهوي ولما بعده من سائر الانتقالات، وفي نحو السجود لم يكبر للهوي إليه؛ لأنه لم يتابعه فيه ولا هو محسوب له، وخرج بذلك الأفعال فيجب عليه موافقته فيما أدركه معه منها وإن لم يحسب له, وإذا قام بعد سلام الإمام ليأتي بما عليه، فإن كان جلوسه في محل تشهده كالأول من الرباعية أو الثلاثية قام مكبرًا ندبًا ولا يلزمه القيام فورًا، وإن لم يكن محل تشهده قام فورًا وجوبًا بلا تكبير ندبًا، وما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته، وما أتى به بعده آخرها فيقرأ فيه السورة ندبًا إن لم يكن قرأها في أولييه ولا يجهر بقراءته في الأخيرتين ولو أدركه في ثانية الصبح أو العيد قنت معه وكبر معه خمسًا وقنت في ثانيته وكبر فيها خمسًا لا سبعًا.
باب: كيفية "صلاة المسافر" قصرًا وجمعًا ويتبعه جمع المقيم بالمطر
"يجوز للمسافر سفرًا طويلا مباحًا" يعني جائزًا وإن كره كسفر الواحد أو الاثنين "قصر الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين" دون الصبح والمغرب والمنذورة والنافلة؛ لأنه لم يرد "أداء" لو بأن سافر وقد بقي من الوقت قدر ركعة "و" كذا "قضاء" عما فات في سفر قصر يقينًا وقضى فيه أو في سفر قصر آخر "لا فائتة الحضر" لأنها لزمته تامة. "و" لا "المشكوك" فيها "أنها فائتة سفر أو حضر" لأن الأصل الإتمام، وخرج بالطويل القصير وبالجائز الحرام بأن يقصد محلا لفعل محرم وهذا هو العاصي بالسفر، بخلاف من عرضت له معصية وهو مسافر فارتكبها وهذا هو العاصي في السفر، فلا يقصر ذو السفر القصير إذ لا مشقة عليه، ولا العاصي بسفره لأن السفر سبب الرخصة فلا تناط بالمعصية، ومن ثم امتنع رخص السفر حتى أكل الميتة عند الاضطرار لتمكنه من دفع الهلاك بالتوبة، ومنه من يسافر لمجرد رؤية البلاد ومن يتعب نفسه
стр. 169
فصل: "فيما يتحقق به السفر "
وأول السفر الخروج من السور في المسورة، ومن العمران مع ركوب السفينة فيما
ــ
أو دابته بالركض بلا غرض شرعي. "و" السفر "الطويل يومان" أو ليلتان أو يوم وليلة "معتدلان" أي مسيرهما ذهابًا مع المعتاد من النزول والاستراحة والأكل ونحوها وذلك مرحلتان "بسير الأثقال" ودبيب الأقدام وهي بالبرد أربعة وبالفراسخ ستة عشر وبالأميال ثمانية وأربعون ميلا والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعًا والأصبع ست شعيرات معتدلات معترضات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون، والمسافة في البحر كالبر ولو قطعها فيه أو في البر في لحظة ترخص، ولو شك في طول سفره اجتهد فإن ظهر له أن القدر المعتبر قطع ترخص وإلا فلا. "والإتمام" للصلاة في مرحلتين أو أكثر "أفضل" من القصر "إلا في ثلاث مراحل" فالقصر أفضل خروجًا من قول أبي حنيفة ﵁: وجوب الإتمام في الأول والقصر في الثاني، نعم الأولى لملاح وهو من له دخل في تسيير السفينة إذا كان معه أهله فيها ولمن لم يزل مسافرًا بلا وطن الإتمام مطلقًا لأن أحمد ﵁ يوجبه عليه. "و" إلا "لمن" يقتدي به أو "وجد في نفسه كراهة القصر" لا رغبة عن السنة؛ لأنه كفر بل لإيثاره الأصل وهو الإتمام فالأولى له القصر بل يكره تركه، وكالقصر في ذلك كل رخصة، وكالكاره لذلك الشاك في جوازه أي لظن فاسد تخيله فيؤمر به قهرًا لنفسه عن الخوض في مثل ذلك.
فصل: فيما يتحقق به السفر
"وأول السفر" الطويل هنا والقصير فيما مر بالنسبة للمتنفل على الدابة أو ماشيًا "الخروج من السور في" البلدة "المسورة" أو من بعضه في المسور بعضها وهو صوب سفره وإن تهدم أو تعدد أو كان ظهره ملصقًا به أو كان وراءه عمارة أو احتوى على خراب ومزارع؛ لأن ما كان خارجه لا يعد من البلد بخلاف ما كان داخله ولو من الخراب والمزارع ومثله الخندق ومحل ذلك إن اختص وإلا بأن جمع بلدتين أو قريتين لم يشترط مجاورته بل لكل حكمه. "و" أوله فيما لا سور له الخروج "من العمران" وإن تخلله خراب أو نهر أو ميدان ليفارق محل الإقامة، وأفهم كلامه أنه لا يشترط مجاوزة الخراب الذي وراءه ولا المزارع والبساتين المتصلة بالبلد وإن كانت محوطة أو كان فيها دور تسكن في بعض فصول السنة وهو المعتمد فيهما والقريتان المتصلتان كالقرية فإن انفصلتا ولو يسيرًا فلكل حكمها، ويعتبر في سفر البحر المتصل ساحله بالبلد الخروج منها "مع ركوب السفينة" وجريها أو جري الزورق إليها قاله البغوي١ وأقره
стр. 170
لا سور له، ومجاوزة الحلة، وينتهي سفره بوصوله سور وطنه أو عمرانه إن كان غير مسور، وبنية الرجوع إلى وطنه، وبوصول موضع نوى الإقامة فيه مطلقًا أو أربعة أيام صحيحة، أو لحاجة لا تنقضي إلا في المدة المذكورة، وإن كان يتوقع قضاءها كل وقت ترخص إلى ثمانية عشر يومًا، ولا يقصر هائم وطالب غريم أو آبق لا يعرف موضعه، ولا زوجة وعبد لا يعرفان المقصد.
ــ
ابن الرفعة١ وغيره، وظاهر قول المصنف "فيما لا سور له" أن خاص بما لا سور له وهو متجه. "و" أوله لساكن الخيام "مجاوزة الحلة" بكسر الحاء وهي بيوت مجتمعة وإن تفرقت، ولا بد أيضًا من مفارقته مرافقها كمعاطن٢ الإبل ومطرح الرماد وملعب الصبيان والنادي ونحوها كالماء والمحتطب إلا أن يتسعا بحيث لا يختصان بالنازلين لأن ذلك كله من جملة موضع الإقامة، فاعتبرت مفارقته واتحاد الحلة باتحاد ما يسمرون٣ فيه واستعارة بعضهم من بعض، وإلا فكالقريتين فيما مر. "وينتهي سفره" المجوز لترخصه بالقصر وغيره "بوصوله" ما مر مما يشترط مجاوزته في ابتداء السفر وإن لم يدخله وذلك بأن يصل "سور وطنه" إن كان مسورًا "أو عمرانه" أي عمران وطنه "إن كان" وطنه "غير مسور" وإن لم ينو الإقامة به. "و" ينتهي أيضًا "بنية الرجوع" وبالتردد فيه من مستقل ماكث ولو بمحل لا يصلح للإقامة كمفازة قبل وصوله مسافة القصر "إلى وطنه" سواء أقصد مع ذلك ترك السفر أو أخذ شيء منه فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه إلا أن يفارق وطنه تغليبًا للوطن وخرج به٤ غيره، وإن كان له فيه أهل أو عشيرة فيترخص، وإن دخله كسائر المنازل وبنية الرجوع ما لو رجع إليه ضالا عن الطريق وبالمستقل من هو تحت حجر غيره وقهره كالزوجة والعبد فلا أثر لنيتهم، وبالماكث السائر فلا أثر لنيته حتى يصل إلى المحل الذي نوى الإقامة ويقيم به لأن فعله وهو السير يخالف نيته، فألغيت ما دام فعله موجودًا، ويقبل وصوله ما ذكر ما لو رجع أو نوى الرجوع من بعيد لحاجة فيترخص إلى أن ينتهي سفره. "و" ينتهي أيضًا "بوصول موضع نوى" المستقل "الإقامة فيه مطلقًا" من غير تقيد بزمن وإن لم يصلح للإقامة "أو" نوى أن يقيم فيه "أربعة أيام" بلياليها "صحيحة" أي غير يومي الدخول والخروج لأن من الأول الحط وفي الثاني الرحيل وهما من أشغال السفر. "أو" أن يقيم فيه "لحاجة لا تنقضي إلا في المدة المذكورة" لأنه ﷺ رخص للمهاجرين في إقامة الثلاثة بين أظهر الكفار٥, وكانت الإقامة عندهم محرمة
стр. 171
فصل: "في بقية شروط القصر ونحوه "
стр. 172
فصل: "في بقية شروط القصر ونحوه "
وشروط القصر: العلم بجوازه، وأن لا يقتدي بمتم، ولا بمشكوك السفر، وأن ينوي القصر في الإحرام، وأن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها.
ــ
والترخيص فيها يدل على بقاء حكم السفر فيها وفي معناها ما فوقها ودون الأربعة، وألحق بإقامتها نية إقامتها "وإن كان" نوى الإقامة لحاجة كريح لمن حبس لأجله في البحر "يتوقع قضاءها كل وقت" أي قبل مضي أربعة أيام صحاح "ترخص" بالقصر وغيره سواء المقاتل والتاجر وغيرهما "إلى ثمانية عشر يومًا" غير يومي الخروج والدخول للاتباع١. "ولا" يجوز الترخص بالقصر وغيره إلا لمن قصد مكانًا معينًا "يقصر هائم" وهو من لا يدري أين يتوجه وإن طال تردده لأن سفره معصية إذ إتعاب النفس بالسفر لغير غرض حرام. "و" لا يقصر "طالب غريم أو آبق لا يعرف موضعه" ومتى وجده رجع وإن طال سفره كالهائم إذ شرط القصر أن يعزم على قطع مسافة القصر، فإن علم أنه لا يجده قبل مرحلتين أو قصد الهائم سفرهما قصر فيهما لا فيما زاد عليهما إذ ليس له بعدهما مقصد معلوم. "ولا" يقصر قبل قطع مسافة القصر "زوجة وعبد لا يعرفان المقصد" إلا بعد مرحلتين للزوج أو السيد لانتفاء شرط الترخص وهو تحقق السفر الطويل، بخلاف ما إذا جاوزهما فإنهما يقصران وإن لم يقصر المتبوع لتبين طول سفره.
فصل: في بقية شروط القصر ونحوه
"وشروط القصر" ونحوه غير ما مر أربعة: الأول: "العلم بجوازه" فلو قصر أو جمع جاهلًا بجواز ذلك لم يصح لتلاعبه. "و" الثاني: "أن لا يقتدي" في جزء من صلاته "بمتم" ولو مسافرًا مثله وإن ظنه مسافرًا أو أحدث عقب اقتدائه كأن اقتدى مصلي الظهر مثلًا به في جزء من الصبح أو الجمعة أو المغرب أو النافلة لأنها تامة في نفسها. "ولا بمشكوك السفر" لأنه لم يجزم حينئذ بنية القصر والجزم بها شرط كما يأتي، وصح عن ابن عباس ﵄ أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك
стр. 173
فصل: "في الجمع بالسفر والمطر "
يجوز الجمع بين العصرين والعشاءين تقديمًا وتأخيرًا وتركه أفضل إلا لمن وجد في
ــ
السنة. "و" الثالث: "أن ينوي القصر في الإحرام" أي عنده بأن يقرنها به يقينًا ويستديم الجزم بها لأن لا يأتي بما ينافيها إلى السلام لأن الأصل الإتمام فاحتيج في الخروج منه إلى قصد جازم، فإن لم يجزم بها أو عرض ما ينافيها كأن تردد هل يقطعها أو شك هل نوى القصر أو لا؟ أتم وإن تذكر حالا لأنه الأصل، وبه فارق الشك في أصل النية إذا تذكر حالا، نعم لا يضر تعليقها بنية إمامه بأن ظن سفره ولم يعلم قصره فقال: إن قصر قصرت وإن أتم أتممت لأن الظاهرة من حال المسافر القصر، وإنما لم يضر التعليق لأن الحكم معلق بصلاة إمامه وإن جزم. "و" الرابع: "أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها" فإن انتهت به سفينته إلى محل إقامته أو سارت به منها أن نوى الإقامة أو شك هل نواها أو هل هذه البلدة التي انتهى إليها هي بلده أو لا وهو في أثناء الصلاة في الجميع أتم لزوال الرخصة أو الشك في زواله.
فصل: في الجمع بالسفر والمطر
"يجوز" في السفر الذي يجوز فيه القصر "الجمع بين العصرين" أي الظهر والعصر وغلبت لشرفها لأنها الوسطى. "و" بين "العشاءين" أي المغرب والعشاء وغلبت لأنها أفضل، وعبر غيره بالمغربين كأنه توهم أن في هذه تسمية المغرب عشاء وهو مكروه وليس كذلك، فلا اعتراض على المصنف "تقديمًا وتأخيرًا" ويكون كل أداء لأن وقتيهما صارا كالوقت الواحد، نعم يمتنع جمع التقديم للمتحيرة وفاقد الطهورين وكل من لم تسقط صلاته؛ لأن شرطه كما يأتي وقوع الأولى معتدًا بها وما يجب إعاته لا اعتداد به لأنها إنما فعلت لحرمة الوقت، أما الصبح مع غيرها والعصر مع المغرب فلا جمع فيهما لأنه لم يرد بخلاف ما ذكره، فقد صح "أنه ﷺ كان إذا ارتحل قبل الزوال أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زالت قبل ارتحاله صلاهما ثم ركب، وأنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"١ أي في وقت العشاء. "وتركه" أي الجمع "أفضل" لا رعاية لخلاف من منعه لأنه عارض السنة الصحيحة الدالة على الجواز كما تقرر، بل أن فيه إخلاء أحد الوقتين عن وظيفته، وبه فارق ندب القصر فيما مر٢ "إلا لمن وجد في نفسه كراهة الجمع أو شك في
стр. 174
نفسه كراهة الجمع أو شك في جوازه، أو يصلي منفردًا لو ترك الجمع، وشروط التقديم أربعة: البداءة بالأولى، ونية الجمع ولو مع السلام، والموالاة بينهما، ودوام السفر إلى الإحرام بالثانية، ويشترط في التأخير نيته قبل خروج وقت الأولى ولو بقدر ركعة ودوام السفر إلى تمامها وإلا صارت الظهر قضاء، ويجوز الجمع بالمطر تقديمًا لمن صلى جماعة في مكان بعيد وتأذى بالمطر في طريقه.
ــ
جوازه" أو كان ممن يقتدى به فيسن له الجمع نظير ما مر في القصر. "أو" كان "يصلي منفردًا لو ترك الجمع" وفي جماعة لو جمع فالأفضل الجمع أيضًا لاشتماله على فضيلة لم يشتمل عليها ترك الجمع، ومثل الجماعة في ذلك سائر الفضائل المتعلقة بالصلاة، فمتى اقترنت صلاته في الجمع بكماله ولو ترك الجمع فات ذلك الكمال كان الجمع أفضل، والأفضل للمسافر الحاج جمع العصرين تقديمًا بمسجد نمرة١، وجمع العشاءين تأخيرًا بمزدلفة إن كان يصليهما قبل مضي وقت الاختيار للعشاء للاتباع فيهما وفي ذلك صور كثيرة.
"وشروط" جمع "التقديم أربعة" الأول: "البداءة بالأولى" للاتباع ولأن الثانية تابعة فلا تتقدم على متبوعها، ولو قدم الأولى وبان فسادها فسدت الثانية. "و" الثاني: "نية الجمع" فيها "ولو مع السلام" منها أو بعد نية الترك بأن نواه ثم نوى تركه ثم نواه تمييزًا للتقديم المشروع عن التقديم سهوًا أو عبثًا وفارق القصر بأنه يلزم من تأخر نيته عن الإحرام تأدي جزء على التمام. "و" الثالث: "الموالاة بينهما" في الفعل للاتباع في الجمع بنمرة وقياسًا عليه في غير ذلك، ولأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة فوجبت الموالاة كركعات الصلاة، ولا يضر الفصل بزمن يسير عرفًا ولو بغير شغل، بخلاف الطويل عرفًا ولو بعذر كسهو وإغماء ومنه صلاة ركعتين. "و" الرابع: "دوام السفر" من حين الإحرام بالأولى "إلى" تمام "الإحرام بالثانية" فالإقامة قبل الإحرام بها مبطلة للجمع لزوال العذر. ولا يشترط في جمع التأخير شيء من الشروط الثلاثة الأول لكنها سنة فيه. "و" إنما "يشترط في" جمع "التأخير" شيئان: الأول شرط لجواز التأخير وكون الأولى أداء وهو "نيته قبل خروج وقت الأولى" ويجزئ بالنسبة إلى الأداء تأخير النية إلى زمن. "ولو" كان "بقدر ركعة" وأما الجواز فشرطه أن ينوي وقد بقي من وقت الأولى ما يسعها أو أكثرها وإلا عصى وإن كانت أداء، وعلى الأول تحمل عبارة الروضة وأصلها، وعلى الثاني تحمل عبارة المجموع وغيره، فلا تنافي بين العبارات خلافًا لمن ظنه."و" الثاني شرط لكون الأولى أداء وهو "دوام السفر إلى تمامها" أي الثانية "وإلا" يدم إلى ذلك بأن أقام ولو في أثنائها "صارت" الأولى وهي "الظهر" أو المغرب "قضاء" لأنها تابعة للثانية في
стр. 175
باب صلاة الجمعة
مدخل
...
باب: صلاة الجمعة
تجب الجمعة على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه مما تقدم، وتجب
ــ
الأداء للعذر وقد زال قبل تمامها، وقضيته أنه لو قدم الثانية وأقام في أثناء الأولى لا تكون قضاء لوجود العذر في جميع المتبوعة وهو ما اعتمده الإسنوي لكن خالفه بعض شراح الحاوي١. "ويجوز الجمع بالمطر تقديمًا" لا تأخيرًا لأن استدامة المطر ليست إلى المصلي بخلاف السفر، ويجوز جمع العصر إلى الجمعة بعذر المطر والسفر وذلك لما صح "أنه ﷺ جمع بالمدينة الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر"٢، قال الشافعي كمالك ﵄: أرى ذلك بعذر المطر، ويؤيده جمع ابن عباس وابن عمر ﵃ به، وإنما يباح الجمع به في العصرين والعشاءين "لمن" وجدت فيه الشروط السابقة في جمع التقديم، نعم الشرط وجود المطر عند الإحرام بالأولى والتحلل منها والتحرم بالثانية ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك. و"صلى" أي أراد أن يصلي "جماعة في مكان" مسجد أو غيره وكانت تلك الجماعة تأتي ذلك المكان من محل "بعيد" عنه "وتأذى" كل منهم "بالمطر" ولو خفيفًا بحيث يبل الثوب والبرد والثلج إن ذابا أو كانا قطعًا كبارًا للمشقة حينئذ، أما إذا صلى ولو جماعة ببيته أو بمحل الجماعة القريب بحيث لا يتأذى "في طريقه" إليه بالمطر أو مشى في كن أو صلوا فرادى ولو في محل الجماعة فلا جمع لانتفاء التأذي، نعم للإمام الجمع بالمأمومين وإن لم يتأذ به.
باب: صلاة الجمعة
هي بتثليث الميم وبإسكانها، وهي فرض عين عند اجتماع شروطها الآتية، ومثل سائر الخمس في الأركان والشروط والآداب، لكنها اختصت بشروط لصحتها وشروط للزومها وبآداب كما يأتي بعض ذلك.
"تجب الجمعة على كل مكلف" لا صبي ومجنون كغيرها "حر" لا من فيه رق ولو مبعضًا وإن كانت النوبة له ومكاتبًا لنقصه "ذكر" لا امرأة وخنثى لنقصهما أيضًا "مقيم" بالمحل الذي تقام فيه وإن لم يكن مستوطنه لا مسافر كما يأتي "بلا مرض ونحوه مما تقدم" من سائر أعذار الجماعة، فالمعذور بشيء منها لا تلزمه الجمعة لما مر، ثم نعم لا تسقط عمن أكل
стр. 176
على المريض ونحوه إذا حضر وقت إقامتها، أو حضر في الوقت ولم يشق عليه الانتظار، ومن بلغه نداء صيت من طرف موضع الجمعة مع سكون الريح والصوت لا على مسافر سفرًا مباحًا طويلا أو قصيرًا، ويحرم السفر بعد الفجر إلا مع إمكانها في طريقه، أو توحش بتخلفه عن الرفقة، وتسن الجماعة في ظهر المعذورين ويخفونها إن خفي عذرهم، ومن صحت ظهره صحت جمعته، ومن وجبت عليه لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام، ويندب للراجي زوال عذره تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة.
ــ
منتنًا إلا إذا لم يقصد به إسقاطها وإلا لزمته، وصح أنه ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض" ١ "وتجب" الجمعة "على المريض ونحوه" كالمعذور بالمطر "إذا حضر" محل إقامتها "وقت إقامتها" ولا يجوز له الانصراف إلا إن كان هناك مشقة لا تحتمل كمن به إسهال ظن انقطاعه فحضر, ثم عاد بعد تحرمه وعلم من نفسه أنه إن مكث جرى جوفه فله الانصراف لاضطراره إليه، وكذا لو زاد ضرره بطول صلاة الإمام "أو حضر في الوقت" أي بعد الزوال "ولم يشق عليه الانتظار" بأن لم يزد ضرره بذلك لأن المانع في حقه مشقة الحضور وبالحضور زال المانع، فإن تضرر بالانتظار أو لم يتضرر لكن حضر قبل الوقت فله الانصراف ولمن لا تلزمه لنحو رق الانصراف مطلقًا. "و" كما تجب على أهل محل إقامتها تجب على غيرهم وهم كل "من بلغه" نداء الجمعة لخبر: "الجمعة على من سمع النداء"٢ إسناده ضعيف لكن له شاهد بإسناد جيد. والمعتبر "نداء صيت" أي عالي الصوت يؤذن كعادته في علو الصوت وهو واقف على الأرض "من طرف موضع الجمعة" الذي يلي المكان الخارج عن موضعها "مع سكون الريح والصوت" واعتبر ما ذكر من الشروط لأنه عند وجودها لا مشقة عليه في الحضور بخلافه عند فقدها أو فقد بعضها، وتجب على من ذكر "لا على مسافر سفرًا مباحًا طويلا أو قصيرًا" بشرط أن يخرج من سور محلها أو عمرانه قبل الفجر. "ويحرم" على من لزمته الجمعة "السفر بعد الفجر" ولو لطاعة لأنها مضافة إلى اليوم وإن كان وقتها بالزوال، ولذا دخل وقت غسلها بالفجر ولزم بعيد الدار السعي قبل وقتها ليدركها فيه "إلا مع إمكانها في طريقه أو" إن "توحش" أي حصلت له وحشة "بتخلفه عن الرفقة" وإن لم يخف ضررًا على الأوجه أو إن خشي ضررًا على محترم له أو لغيره. "وتسن الجماعة في ظهر المعذورين" لعموم أدلتها "ويخفونها" ندبًا "إن خفي عذرهم" لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام أو الجمعة، أما ظاهر العذر كالمرأة فيسن لها إظهارها لانتفاء التهمة. "ومن صحت ظهره" ممن لا تلزمه الجمعة "صحت جمعته" فيتخير
стр. 177
فصل: "للجمعة شروط زوائد "
للجمعة شروط زوائد:
الأول: وقت الظهر، فلا تقضى الجمعة فلو ضاق الوقت أحرموا بالظهر.
ــ
بين فعل ما شاء منهما لكن الجمعة أفضل لها لأنها صلاة أهل الكمال، نعم إن أحرم مع الإمام بالجمعة تعين عليه إتمامها فليس له أن يتمها ظهرًا بعد سلام الإمام لانعقادها عن فرضه. "ومن وجبت عليه" الجمعة "لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام" من الجمعة ولو بعد رفعه من ركوع الثانية لتوجه فرضها بناء على الأصح أنها الفرض الأصلي، وليست بدلًا عن الظهر وبعد سلام الإمام يلزمه فعل الظهر فورًا وإن كانت أواء لعصيانه بتفويت الجمعة فأشبه عصيانه بخروج الوقت، ولو تركها أهل بلد تلزمهم وصلوا الظهر لم تصح إلا إن ضاق الوقت عن أقل واجب الخطبتين والركعتين "ويندب للراجي زوال عذره" قبل فوات الجمعة كالعبد يرجو العتق والمريض يرجو الخفة١ "تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة" لما في تعجيل الظهر حينئذ من تفويت فرض أهل الكمال، فإن أيس من الجمعة بأن رفع الإمام رأسه من ركوعها الثاني فلا تأخير، وإنما لم يكن الفوات فيما مر بهذا بل بالسلام لأن الجمعة ثم لازمة له فلا ترتفع إلا بيقين بخلافه هنا، أما من لا يرجو زوال عذره كالمرأة فيسن له حيث عزم على أنه لا يصلي الجمعة الظهر أول الوقت ليحوز فضيلته.
فصل:
"للجمعة" أي لصحتها "شروط زوائد" على شروط غيرها "الأول: وقت الظهر" بأن تقع كلها مع خطبتيها فيه للاتباع رواه الشيخان٢. "فلا تقضي الجمعة" لأنه لم ينقل "فلو ضاق الوقت" عن أن يسعها مع خطبتيها أو شكوا هل بقي ما يسع ذلك أم لا "أحرموا بالظهر" وجوبًا لفوات الشرط، ولو مد الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية أتم وانقلبت ظهرًا من الآن وإن لم يخرج الوقت، ولو خرج الوقت وهم فيها أتموها ظهرًا وجوبًا، ولا يشترط تجديد نية لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر، ويسر بالقراءة من حينئذ، ولا أثر للشك أثناءها في خروجه لأن الأصل بقاؤه٣، ولو قام المسبوق ليكمل فخرج الوقت انقلبت له ظهرًا أيضًا.
стр. 178
الثاني: أن تقام في خطة بلد أو قرية.
الثالث: أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في تلك البلد أو القرية إلا لعسر الاجتماع.
الرابع: الجماعة وشروطها أربعون مسلمًا ذكرًا مكلفًا حرًّا متوطنًا لا يظعن إلا لحاجة
ــ
"الثاني" من الشروط: "أن تقام في خطة بلدة أو قرية" مبنية ولو بنحو قصب للاتباع، فلا تصح إلا في أبنية مجتمعة في العرف وإن لم تكن في مسجد وإن انهدمت وأقاموا لعمارتها ولو في غير مظال لأنها وطنهم، وبه فارق ما لو نزلوا مكانًا ليعمروه قرية فإن جمعتهم لا تصح فيه قبل البناء، ودخل في قوله خطة -وهي بكسر الخاء المعجمة أرض خط عليها أعلام للبناء فيها- الفضاء المعدودة من الأبنية المجتمعة بأن كان في محل منها لا تقصر فيه الصلاة وإن كان منفصلا عن الأبنية، بخلاف غير المعدود منها وهو ما يقصر فيه المسافر إذا وصله، وعليه يحمل قولهم: لو بنى أهل بلد مسجدهم خارجها لم يجز لهم إقامة الجمعة فيه لانفصاله وخرج بالبلد والقرية الخيام وإن استوطنها أهلها فلا جمعة عليهم.
"الثالث" من الشروط: "أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في تلك البلاد أو القرية" للاتباع "إلا لعسر الاجتماع" في محل مسجد أو غيره منها فحينئذ يجوز تعددها بحسب الحاجة أما إذا سبقت واحدة مع عدم عسر الاجتماع فهي الصحيحة، وما بعدها باطل، وإما إذا تقارنتا فهما باطلتان، والعبرة في السبق والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام، فإن علم سبق وأشكل الحال أو علم السابق ثم نسي فالواجب الظهر على الجميع لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولا مقارنة أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت لعدم وقوع جمعة مجزئة من خلاف من منع التعدد ولو لحاجة.
"الرابع" من الشروط: "الجماعة" فلا تصح بأربعين فرادى لأنه لم ينقل "وشروطها" أي الجماعة ليعتد بها في الجمعة "أربعون" بالإمام لأن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد فيها وإلا صلى الظهر، ولا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف١ وقد ثبت جوازها بأربعين١ ولم تثبت صلاته ﷺ لها بأقل من أربعين فلا تجوز بأقل منه "مسلمًا ذكرًا مكلفًا" أي بالغًا عاقلًا "حرًا متوطنًا" ببلد الجمعة بأن يكون بحيث "لا يظعن" عن وطنه صيفًا ولا شتاء "إلا لحاجة" كتجارة وزيارة فلا تنعقد بأضداد من ذكر لنقصهم، ومنهم غير المتوطن كمن أقام على عزم عوده إلى بلده بعد مدة ولو طويلة كالمتفقهة٣
стр. 179
فإن نقصوا في الصلاة صارت ظهرًا، ويجوز كون إمامها عبدًا أو مسافرًا أو صبيًّا إن زاد على الأربعين.
الخامس: خطبتان قبل الصلاة، وفروضهما خمسة: حمد الله تعالى، والصلاة على
ــ
والمتوطن خارج بلد الجمعة وإن سمع النداء فلا تنعقد بهما، وفي صحة تقدم إحرام من لا تنعقد بهم على من تنعقد بهم اضطراب طويل، فينبغي لمن لا تنعقد به أن لا يحرم بها إلا بعد إحرام أربعين ممن تنعقد بهم. "فإن نقصوا" عن الأربعين بانفضاض أو غيره "في" الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى من "الصلاة" بطلت الخطبة في الأولتين والجمعة في الثالثة و"صارت ظهرًا" إلا أن أتموا على الفور بمن سمع أركان الخطبتين، فحينئذ يبني على ما مضى أو كان أحرم قبل الانفضاض من كمل العدد به وإن لم يسمع الخطبة لأنهم لما لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدًا، ولو تحرم تسعة وثلاثون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم أو نقصوا فالجمعة باقية وإن لم يحضر اللاحقون الركعة الأولى لما مر، ولا يضر تباطؤ المأمومين بالإحرام بعد إحرام الإمام لكن بشرط تمكنهم من قراءة الفاتحة قبل ركوعه وإلا لم تنعقد الجمعة بهم، ولو كان في الأربعين أمي قصر في التعلم لم تصح جمعتهم لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض فصار كاقتداء القارئ بالأمي، ولو جهلوا كلهم الخطبة لم تصح الجمعة بخلاف ما إذا جهلها بعضهم، وعلم مما تقرر أن الجماعة هنا إنما تشترط في الركعة الأولى، فلو صلى بالأربعين ركعة ثم أحدث فأتم كل وحده أو فارقوه في الثانية وإن لم يحدث وأتموا منفردين أجزأتهم الجمعة، لكن يشترط بقاء العدد إلى السلام، فلو بطلت صلاة واحد من الأربعين حال انفرادهم في الركعة الثانية بطلت صلاة الجميع لتبين فساد صلاته من أولها فكأنه لم يحرم. "ويجوز كون إمامها عبدًا أو مسافرًا أو صبيًا" أو محدثًا ولم يبن حدثه إلا بعد الصلاة أو محرمًا برباعية كالعصر "إن زاد على الأربعين" ولا أثر لحدثه لأنه لا يمنع الجماعة ولا نيل فضلها فإن لم يكن زائدًا على الأربعين لم تنعقد الجمعة لانتفاء العدد المعتبر، ومثله ما لو بان كافرًا أو امرأة وإن زاد على الأربعين لأنهما ليسا أهلًا للإمامة بحلا، ولو بان حدث الأربعين صحت للإمام وللمتطهر تعبًا له وإن لم يكن الإمام زائدًا على الأربعين لأنه لم يكلف العلم بطهارتهم، بخلاف ما لو بان فيهم نحو عبد أو امرأة لسهولة الاطلاع على حاله.
"الخامس" من الشروط: "خطبتان قبل الصلاة" للاتباع١ وأخرت خطبتا نحو العيد
стр. 180
رسول الله ﷺ والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في الخطبتين. الرابع: قراءة آية مفهمة في إحداهما. الخامس: الدعاء للمؤمنين في الثانية، وشروطهما: القيام لمن قدر، وكونهما بالعربية وبعد الزوال والجلوس بينهما بالطمأنينة، وإسماع العدد الذي تنعقد به والولاء بينهما وبينهما والصلاة وطهارة الحدثين، وطهارة النجاسة والستر.
ــ
للاتباع أيضًا١. "وفروضهما" من حيث المجموع "خمسة: حمد الله تعالى" للاتباع٢ ويشترط كونه بلفظ الله ولفظ حمد وما اشتق منه كالحمد لله أو أحمد الله أو الله أحمد أو لله الحمد أو أنا حامد لله فخرج الحمد للرحمن والشكر لله ونحوهما فلا يكفي. "والصلاة على رسول الله ﷺ " ويتعين صيغتها كاللهم صل أو أصلي أو نصلي أو الصلاة والسلام على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الحاشر أو الماحي أو العاقب أو البشير أو النذير فخرج سلم الله على محمد ورحم الله محمدًا وصلى الله عليه فلا يكفي على المعتمد خلافًا لمن وهم فيه وإن تقدم له ذكر يرجع إليه الضمير. "والوصية بالتقوى" للاتباع ولأنه المقصود الأعظم من الخطبة ولا يتعين لفظها بل يكفي أطيعوا الله أو اتقوا الله، ولا يكفي الاقتصار فيها على التحذير من غرور الدنيا وزخارفها لأن ذلك معلوم حتى عند الكافر، بل لا بد من الحث على الطاعة أو المنع من المعصية. "وتجب هذه" الأركان "الثلاثة في" كل من "الخطبتين" اتباعًا للسلف والخلف. "والرابع: قراءة آية مفهمة" للاتباع سواء آية الوعد والوعيد وغيرهما فلا يكفي شطر آية ولو طويلة ولا آية غير مفهمة نحو ثم نظر وتكفي ولو "في إحداهما" لأن الثابت القراءة في الخطبة دون تعين محلها، ويسن كونها بعد فراغ الأولى وقراءة ق في الأولى في كل جمعة للاتباع. "الخامس: الدعاء للمؤمنين" والمؤمنات بأخروي "في" الخطبة "الثانية" لاتباع السلف والخلف وإن اختص بالسامعين نحو رحمكم الله. "وشروطهما" أي شروط كل منهما "القيام لمن قدر" عليه للاتباع٣ فإن عجز عنه بالضابط السابق في صلاة الفرض خطب قاعدًا فإن عجز عن ذلك فمضطجعًا ويجوز الاقتداء به وإن لم يتبين عذره لأن الظاهر أنه معذور،