← Язык

Язык · id 9977

الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها

ابن فارس

Полный текст (245 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

باب إنَّ وأنَّ وإنْ وأنْ: قال "الفَرّاء": "إنَّ" مقدرة لقسم متروك استُغْنيَ بِهَا التقدير: "والله إنّ زيداً عالمٌ". وَكَانَ ثعلب يقول: "إن زيداً لقائم" هو جواب مَا زيد بقائم فـ"إنّ" جواب "مَا" و"اللام" جواب "الباء". وَكَانَ بعض النحويين يقولون: "إنّ" مُضارِعَة للفعل لفظاً ومعنىً: أما اللفظ فللفتحة فِيهَا كما تقول "قامَ". والمعنى فِي "أن زيداً قائم": ثبت عندي هَذَا الحديث. وقال سيبويه: سألت الخليل عن رجل سميناه بـ"إن" كَيْفَ إعرابه? قال: بفتح الألف لأنه يكون كالاسم، وإذا كَانَ بكسر الألف لكان كالفعل والأداة، ولذلك نُصب فِي ذاته لأنه كالفعل ومعناه التثبيت للخبر الَّذِي بعده، ولذلك نصب بِهِ الاسم الَّذِي يليه. ومما يدل على أن "إن" للتثبيت قول القائل١: إن مَحَلاًّ وإنَّ مُرتَحَلا ... وإنَّ فِي السَّفْرِ مَا مضوا مهلا وتكون "إن": بمعنى "لَعَلّ" فِي قوله : ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾ ٢ بمعنى "لعلَّها إذا جاءت". وحكى الخليل: "إئتِ السوقَ أنْكَ تشتري لَنَا شيئاً" بمعنى "لعلَّك". و"أنّ" إذا كَانَتْ اسماً كَانَتْ فِي قولك "ظننت أن زيداً قائم" فيكون "أن" والذي بعدها قصةً وشأناً، نحو "ظننت ذَاكَ" فيكون محلّه نصباً، وإذا قلْت "بلغني أن زيداً عالمٌ" فهذا فِي موضع رفع. وإذا قلنا "عجبت من أنّ زيداً كلّمكَ" فمحله خفض عَلَى مَا رتبناه من أنه اسم. وأما "إن": فإنها تكون شرطاً، تقول: "إن خرجتَ خرجتُ". وتكون نفياً كقوله جلّ وعزّ: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ٣. وكقول الشاعر٤: وَمَا إنْ طبنا جبنا

стр. 107

وتكون بمعنى "إذْ" قال الله جلّ وعزّ: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ بمعنى "إذ" لأنه جلّ وعزّ لَمْ يخبرهم بعلوّهم إلا بعدما كانوا مؤمنين. وزعم ناس أنها تكون بمعنى "لقد" فِي قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢ بمعنى "والصوم خير لكم"٣. وتكون بمعنى "إذ" تقول: "أعجبني أن خرجتَ", وفرحتُ أن دخلتَ الدار". وَقَدْ تُضْمَر فِي قوله٤: ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى وتكون بمعنى "أي" قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٥ بمعنى: أي امشوا. باب إلى: تكون "إلى" بمعنى الانتهاء، تقول: "خرجتُ من بَغْدادَ إلى الكوفة". وتكون بمعنى "مع". قالوا في قوله جل ثناؤه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ ٦: بمعنى "مع الله" وقال قوم: معناها مَن يُضيف نُصرتَه إلى نصرة الله جلّ وعزّ لي? فيكون بمعنى الانتهاء، وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٧. وربما قامت "إلى" مقام "اللام" قال "الشماخ٨:

стр. 108

فالْحق بَبجلَةَ ناسِبْهُم وَكن مَعَهُمْ ... حَتَّى يُعيرُوك مجداً غيرَ مَوْطُودِ واتركْ تُراثَ خُفافٍ إنهم هَلكوا ... وأنت حَيٌّ إلى رِعْلٍ ومَطرُودِ يقول: اتركْ تُراث خفاف لرعل ومطرود. وخفافٌ ورعل ومطرود بنو أبٍ واحد. وأخبرنا عليّ ابن ابراهيم القطان عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: ألقى عليَّ أعربيٌ هَذَا البيت فقل لي: مَا معناه? فأجبته بجواب، فقال لي: لَيْسَ هو كذا. وأجابني بهذا الجواب. وَكَانَ الَّذِي أجابهُ بهِ ابنُ الأعرابي أن خفافاً من غير رعِل ومطرود. باب أَلاَ: "ألاَ" افتتاح كلام، وَقَدْ قيل: إن "الهمزة" للتنبيه و"لا" نفي لدعوى فِي قوله جلّ ثناؤه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ١ فالهمزة تنبيهٌ لمخاطب و"لا" نفي للإصلاح عنهم. وَفِي كلام العرب كلمة أخرى تُشبهها لَمْ تجئ فِي القرآن وهي "أما" وهي كلمة تحقيق إذا قلت "أما إنّه قائمٌ" فمعناه "حقاً إنّه قائمٌ". باب إنما: سمعت عليَّ بن إبراهيم القطّان يقول: سمعت ثعلباً يقول: سمعت سلمة يقول: سمعت الفرَّاء يقول: إذا قلتَ: "إنما قمت" فقد نفيتَ عن نفسكَ كلَّ فعل إلا القيام، وإذا قلت: "إنما قامَ أنا" فإنك نفيتَ القيامَ عن كلّ أحد وأثبتَّهُ لنفسك. قال الفرَّاء: يقولون: "مَا أنت إلاَ أخي" فيدخل فِي هَذَا الكلام الأفراد. كأنه ادعى أنه أخٌ ومولىَّ وغير الأخوّة، فنفى بذلك مَا سواها. قال: وكذلك إذا قال: "إنما أنت أخي". قال الفرّاء: لا يكونان أبداً إلا ردّاً، يعني أن قولك "مَا أنت إلاّ أخي" و"إنّما قام أنا" لا يكون هَذَا ابتداء أبداً وإنما يكون ردّاً عَلَى آخر، كأنّه ادّعى أنه أخٌ ومولىَّ وأشياء أخر، فنفاه وأقرّ لَهُ بالأخوة، أو زعم أنه كَانَتْ منكَ أشياء سوى القيام فنفيتها كلها مَا خلال القيام. وقال قوم: "إنما" معناه التحقير. تقول: "إنما أنا بشر" محقراً لنفسك. وهذا

стр. 109

لَيْسَ بشيء: قال الله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١ فأين التحقير ها هنا؟ والذي قاله الفرّاء صحيح، وحجته قوله ﷺ : "إنّما الولاء لمن أعتق". باب إلاّ: أصل الاستثناء أن تَستثني شيئاً من جملة اشتملت عَلَيْهِ فِي أول مَا لفظ به، وهو قولهم: "مَا خرج الناسُ إلا زيداً" فقد كَانَ "زيد" فِي جملة الناس ثُمَّ أُخرج منهم، ولذلك سمي "استثناءً لأنه ثُنِّيَ ذكره مرةً فِي الجملة ومرّة فِي التفصيل. ولذلك قال بعض النحويين: المستثنى خرج مما دخل فيه، وهذا مأخوذ من "الثِّنَا" والثِّنا الأمر يثَّنى مرّتين: قال رسول الله ﷺ : "لا ثِنا فِي الصدقة" ٢ يعني لا تؤخذ فِي السنة مرتين. قال أوس٣: أفي جَنْب بَكْرٍ قطَّعَتْني ملامةً ... لَعَمري لقد كَانَتْ ملامتها ثِنَا يقول: لَيْسَ هَذَا بأولّ لومها، فقد فعلَتْه قبل هذا، وهذا ثِنًا بعده. وقال بعض أهل العلم: "إلا" تكون استثناء لقليل من كثير، نحو "قام الناسُ إلا زيداً". وتكون محققة لفعلٍ مَنفيّ عن اسم قبلها، نحو "مَا قام أحد إلا زيد". وتكون بمعنى "واو العطف" كقوله٤: وأرى لَهَا داراً بأغدرة السيِّـ ... ـدَانِ لَمْ يَدْرُس لَهَا رسمُ إلا رَماداً هامداً دفعت ... عنه الرِّياحَ خوالِدٌ سُحْمُ أراد "ورماداً". وتكون بمعنى "بل" كقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ ٥ بمعنى "بل تذكرة". ومنه قوله : ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ

стр. 110

فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ معناه: والذين آمنوا ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ . وتكون "إلا" بمعنى "لكن" وتكون من الَّذِي يسمونها الاستثناء المنقطع كقوله جل ثناؤه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾ ٢ -معناه لكن من تولى- ﴿وَكَفَرَ﴾ . ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ ٣ كَانَ الفرّاء يقول: استثنى الشيء من الشيء لَيْسَ منه على الاختصار، ومن ذَلِكَ هَذِهِ الآية. ثُمَّ قال: وَفِي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ٤ قال: هو مختصر، معناه "إلا أن يصيب الرجلُ اللمم" واللمم الذنوب. والله جلّ ثناؤه لا يأذن فِي قليل الذنب ولا كثيره. قال: ومما جاء فِي شعر العرب قول أبي خراش٥: نجا سالم والنفس منه بشدقه ... وَلَمْ ينجُ إلا جفنَ سيفٍ ومِئْزَرا فاستثنى الجفن والمئزر وليسا من سالم، وإنما هَذَا عَلَى الاختصار. وأنشد٦: وبلدة لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلا اليعافير وإلا العيسُ معناه "لكن فِيهَا" ومثله قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧ وأما قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٨ فقال قوم أراد: "إلا عَلَى الذين ظلموا فإن عليهم الحجة" ويكون حينئذ "الذين" فِي موضع خفض ويكون أيضاً عَلَى "لكن الذين ظلموا فلا تخشوهم" تبتدئه. وقال

стр. 111

جل وعز: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ١ فهذا قَدْ انقطع من الأوّل ويجوز أن يكون عَلَى الاستثناء من أوله كأنه قال: "إلا الذين ظلموا فجادلوهم بالتي هي أسوأ من لسان أو يدٍ" أي أغلظ، يريد مشركي العرب. وقوله جلّ ثناؤه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ ٢ قال قوم: إنما يريد المُكْرَه لأنه مظلوم فذلك عنه موضوع وإن نطق بالكفر. والاستثناء باب يطول. وَقَدْ يُستثنى من الشيء الموحَّد لفظاً وهو فِي المعنى جمع، نحو: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣. واستثناء الشيء من غير جنسه لا معنى لَهُ مع الَّذِي ذكرناه من حقيقة الاستثناء. وإذا جَمع الكلام ضروباً من المذكورات وَفِي آخره استثناء، فالأمر إلى الدليل فإن جاز رجعه عَلَى جميع الكلام كَانَ عَلَى جميعه كقوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ ثُمَّ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ والاستثناء جائز فِي كلّ ذَلِكَ والذي يمنع منه الدليل قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ٥ فالاستثناء ها هنا عَلَى مَا كَانَ من حق الله جلّ ثناؤه دون الجلد. باب من الاستثناء آخر: قال قوم: لا يُستثنى من الشيء إلا مَا كَانَ دون نصفه: لا يجوز أن يقال عشرة إلا خمسة. وقال قوم: يُستثنى القليل من الكثير ويستثنى الكثير مما هو أكثر منه. وهذه العبارة هي الصحيحة. فأما من يقول: يُستثنى الكثير من القليل فليست بالعبارة الجيدة، قالوا: "عشرة إلا خمسة" حَتَّى يبلغ التسعة. قالوا: ومن الدليل عَلَى أن نصف الشيء قَدْ يستثنى من الشيء قوله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ

стр. 112

قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١ ثُمَّ قال: ﴿نِصْفَهُ﴾ أفلا تراه سمّى النصف قليلاً واستثناه من الأصل? قال أحمد بن فارس: واعترض قوم بهذا الَّذِي ذكرناه عَلَى أبي عبد الله مالك بن أنس فِي قوله فِي الجائحة؛ لأن مالكاً يذهب إلى أن الجائحة٢ إذا كَانَتْ دون الثلث لَمْ يوضع لأنها قليل بمنزلة مَا تناله العوافي٣ من الطير وغيرها وَمَا تلقيه الريح، فإذا بلغت الجائحة الثلث وَمَا زاد فهي كثيرة ولزم وضعها للحديث المرويّ فِيهَا. قال المعترض عَلَى أبي عبد الله مالك رضي الله تعالى عنه: فقد دفع هَذَا الفصل المعنى الَّذِي ذهب إليه مالك، لأن قوله جلّ ثناؤه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٤ قَدْ جعل النصف قليلاً، فإذا كَانَ نصف الشيء قليلاً منه وجب أن يكون كثيرة مَا فَوْقَ النصف. فالجواب عن هَذَا أن مالكاً إنما ذهب فِي جعله الثلث كثيراً إلى حديث حدثناه عليّ بن إبراهيم عن محمد بن يزيد عن هشام بن عمار عن ابن عيينة عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: "مرضت عامَ الفتح حَتَّى أشرفت، فعادَني رسول الله ﷺ فقلت: أي رسول الله إن لي مالاً وَلَيْسَ يرثني إلا ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي? قال: "لا". قلت: فالشطر? قال: "لا" قلت: فالثلث? قال: "الثلث كثير، إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالَةً يتكففون الناس" , فبقول رسول الله ﷺ أخذ مالك، ورسول الله ﷺ أعلم بتأويل كتاب الله جلّ ثناؤه. باب إِيَّا: "إيَّا" كلمة تخصيص. إذا قلت: "إياك أردتُ" وَكَانَ الأصل "أردتك" فلما قدمت الكاف كما تقدم المفعول بِهِ فِي "ضربت زيداً" لَمْ تستقم كاف وحدها مقدمة عَلَى فعل فوصل بها "إيا".

стр. 113

وَقَدْ تكون "إيَّا" للتحذير كقوله: فإياكم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسي١ باب إذا: تكون "إذا" شرطاً فِي وقت موقت. تقول: "إذا خرجتَ خرجتُ". وزعم قوم أن "إذا" تكون لغواً وفضلاً وذكروا قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ٢ قالوا: تأويله: "انشقت السماء" كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ٣ و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ٤. قالوا: وَفِي شعر العرب قوله٥: حَتَّى إذا أسلكوهم فِي قتائدَةٍ ... شلاًّ كما تطرد الجمَّالةُ الشردا المعنى: حَتَّى أسلكوهم. وأنكر ناس هَذَا وقالوا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ لَهَا جواب مضمر. وقول القائل: "حَتَّى إذا أسلكوهم" فجوابه قوله: "مثلاً"، يقول: "أسلكوهم شَلّوهم شلاًّ" واحتج أصحاب القول الأول بقول الشاعر٦: فإذا وذلك لا مَهاةَ لذكره ... والدهرُ يُعْقِب صالحاً بفساد قالوا: المعنى "وذلك". وقال أصحاب القول الثاني: الواو مقحمة، المعنى "فإذا ذَلِكَ". وقولهم: "إذا فعلت كذا" يكون عَلَى ثلاثة أضرب: ضربٌ يكون المأمور بِهِ قبل الفعل: "إذا أتيتَ الباب فالبس أحسنَ لباس" ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ٧. وضربٌ يكون مع الفعل كقولك: "إذا قرأت فترسَّلْ". وضرب

стр. 114

يكون بعد الفعل نحو ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١ و ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ ٢. باب إذ: إذ تكون للماضي تقول: "أتذكر إذ فعلتَ كذا?" فأما قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا﴾ ٣ فـ"ترى" مستقبل و"إذ" للماضي، وإنما كَانَ كذا لأن الشيء كائن وإن لَمْ يكن بعد، وذلك عند الله جلّ ثناؤه، قَدْ كَانَ، لأن علمه بِهِ سابق وقضاءه بِهِ نافذ فهو كائن لا محالة، والعرب تقول مثل ذا وإن لَمْ تعرف العواقب. قال٤: ستندم إذ يأتي عَلَيْكَ رعيلنا ... بأرعن جرار كثير صواهله وقوله جل ثناؤه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ ٥ فقال قوم: قال لَهُ ذَلِكَ لمّا رفعه إليه. وقال آخرون: "إذ" و"إذا" بمعنىً. كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ ٦ بمعنى: "إذا". قال أبو النجم٧: ثُمَّ جزاهُ اللَّهُ عنّا إذ جَزَى ... جنات عدن فِي العلالي العُلَى المعنى: "إذا جزى" لأنه لَمْ يقع. ومثله قوله الأسود٨: الحافظ الناس فِي تَحُوط إذا ... لَمْ يرسلوا تَحْتَ عائذ رُبَعَا وهبّت الشمأل البليل وإذ ... بات كَميعُ الفتاة مُلتَفِعا قالوا: فـ"إذا" و"إذ" بمعنىً. قال: وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت إذا تغورت النجوم

стр. 115

و"إذ" تكون بمعنى "حين" كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ١ أي "حين تفيضون". باب إِذًا: "إذاً" مجازاة عَلَى فعل، يقول: "أنا أقوم" فتقول: "إذاً أقوم معك". هَذَا هو الأصل. ومنه قوله ﷺ : "فإني إذاً صائم" أي إذا لَمْ يحضر الطعام فإني صائم. وقال الشاعر٢: أُزْجُر حِمارِي لا يرتعْ بروضَتِنا ... إذاً يرد وقيد العير مكروبُ باب أيٍّ: "أيٌّ" تكون استفهاماً. تقول: "أيُّ الرجلين عندك?". وتكون للترجيح بَيْنَ أمرين تقول: "أيَّا مّا فعلت فلي كذا" أي إن فعلت هَذَا وإن فعلت هَذَا. وتكون للتعجب نحو: "أيُّ رجل زيدٌ! ". باب أَنَّى: "أنَّى" بمعنى "كَيْفَ" كقوله جلّ ثناؤه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ٣. وتكون بمعنى: "مِنْ أينَ" كقوله: "أنَّى يكون لَهُ ولد?" أي من أين. والأجْودُ أن يقال فِي هَذَا أيضاً كَيْفَ. قال الكميت٤: أنَّى ومن أَيْنَ آبَكَ الطربُ ... من حَيْثُ لا صَبْوةٌ ولا رِيَبُ فجاء بالمعنيين جميعًا.

стр. 116

باب أَيْنَ وأينما: "أَيْنَ" تكون استفهاماً عن مكان. نحو "اين زيدٌ?". وتكون شرطا لمكان. نحو "أَيْنَ لقيت زيداً فكلِّمْهُ" بمعنى فِي أي مكان. فأمّا "أَيْنَما" فإنّما يكون شرطاً لمكان. نحو "أَيْنَما تَجْلِسْ أجْلِسْ" ولا يكون استفهاماً. باب أيّان: "أيّانَ" بمعنى "متى" و"أي حين". قال بعض العلماء: نُرى أصلها "أيَّ أوان" فحذفت الهمزة وجعلت الكلمتان واحدة. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ١ أي متى و ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ٢ أي متى. باب الآنَ: يقولون: "الآن" حدُّ الزمانين، حدّ الماضي من آخره وحدُّ المستقبل من أوّله. وَكَانَ الفرّاء يقول: بُني عَلَى الألف واللام لَمْ يُخلَعا منه وتُرى عَلَى مذهبِ الصِّفة لأنه صفة فِي المعنى واللفظ، كما فعلوا فِي "الَّذِي" و"الَّذِينَ" فتركوهما عَلَى مذهبِ الأداة، والألف واللام غير مفارِقين. ومثله قوله٣: فإنَّ الأُولاءِ يَعلَمونكَ مِنهُم ... كعلميَ مُطَّنُّوكَ مَا دُمتَ أَشعَرا فأدخل الألف واللام عَلَى "أُولاء" ثُمَّ تركها مخفوضة فِي موضع نصب كما كَانَتْ قبل أن يَدخلها الألف واللام ومثله٤: وإنّي حُبِسْتُ اليومَ والأمسِ قبله ... ببابكَ حَتَّى كادَتِ الشمسُ تغرُبُ فأدخل الألف واللام عَلَى "أمس" ثُمَّ تركه مخفوضاً عَلَى جهته الأُولى. ومثله٥:

стр. 117

تَفَقَّأَ فَوْقَه الْقَلَعُ السَّوَارِي ... وجُنَّ الْخَازِبازِ بِهِ جُنُونا وأصل "الآن" إنما كَانَ "أوَان" حذفت منها الألف وغُيّرت واوها إِلَى الألف، كما قالوا فِي الراح "الرياح" أنشد الفَرَّاء أنشدني أبو القَمْقَام الأَسَدي١: كأنّ مَكَاكِيَّ الجِوَاءِ غُدَيَّةً ... نشاوَى تَسَاقَوا بالرِّيَاح المُفلْفَلِ فجعل "الرياح" و"الأوان" مرةً عَلَى جهة "فَعَل" ومرة عَلَى جهة "فَعَال" كما قالوا: "زَمَن" و"زَمَان" وإِن شئتَ جعلتَ "الآن" من قولك: "آن لَكَ أن تَفْعَل" أدخلتَ عَلَيْهَا الألف واللام ثُمَّ تركتها عَلَى مذهب فِعْل فأتى النصب من نصب "فَعَلَ" وهو وجه جيد. كما قالوا٢: "نهى رسول الله ﷺ عن قيل وقال", و"الآن" فِي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ ٣، ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ٤ أي فِي هَذَا الوقت وهذا الأوان تتوب وَقَدْ عصيت قبل. قال الزجاج: "الآن" عند الخليل وسيبويه مبنيٌّ عَلَى الفتح تقول: "نحن من الآنَ نَصِيرُ إِلَيْكَ" فتفتح. لأن الألف واللام إنما تدخل لعهد، و"الآن" تُعْهَد قبلَ هَذَا الوقت، فدخلت الألف واللام للإشارة إِلَى الوقت. المعنى: "نحن من هَذَا الوقت نفعل" فلما تَضَمَّنَتْ معنى هَذَا وجب أن تكون موقوفة ففتحت لالتقاء الساكنين. باب إمَّا لا: هما كلمتانِ "إِمّا" و"لا" تقول: "أُخرج" فإذا امتنع قلت: "إِمَّا لا فتكلَّمْ" أي "إِن لَمْ يكن منكَ خروج فليكن منك تكلّم". فـ"إِمَّا" شرط و"لا" جَحْدٌ. كَأَنَّك قلت: "إِن لا".

стр. 118

باب أمَّا وإمَّا: "أمَّا" كلمة إخبار لا بدّ فِي جوابها من "فاء". تقول: "أمّا زيد فكريم". "وإمَّا" تكون تَخْييراً وإباحة. نحو: إِشربْ إما ماءً وإمّا لَبناً. وَقَدْ تكون بمعنى الشرط، والأكثر فِي جوابها نون التوكيد. نحو: ﴿إِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ ١ و ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ ٢ وَقَدْ يكون بلا "نون" نحو قوله٣: إمّا تَرَى رأسي عَلانِي أغْثَمُهْ ومما أوله باء بَلَى: "بَلَى" تكون إثباتاً لمنفيّ قبلها. يقال: "أما خرج زيدٌ?" فنقول: "بَلَى" والمعنى أنّها "بل" وُصِلَتْ بِهَا ألفٌ تكون دليلاً عَلَى كلام. يقول القائل: "أما خرج زيد?" فتقول: "بَلَى" فـ"بل" رُجُوع عن جَحْد، و"الألف" دلالةُ كلام، كَأَنَّك قلت: "بل خرج زيد". وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٤ المعنى والله أعلم: "بل أنت ربُّنا". بَلْ: "بَلْ" إِضرابٌ عن الأوّل وإثباتٌ للثاني. واختلف فِيهِ أهل العربيّة. فقال قوم: جائز "مررت برجل بل حمار" وَقَدْ يكون فِيهِ الرفع أي: "بل هو حمارٌ". والكوفيون لا يَنْسُقُون بـ"بَلْ" إِلاَّ بعد نفيٍ. قال هشام: محالٌ: "ضَرَبتُ

стр. 119

أخاكَ بَلْ أباك" لأن الأوّل قَدْ ثبَّتَّ لَهُ الضرب. والبصريون يقولون: لمَّا كَانَ "بل" تقع للإضراب، وكنَّا نُضرِب عن النفي وقعت بعد الإيجاب كوقوعها بعد النفي. و"لا بل" مثلها. وقال قوم: يكون "بَلْ" بمعنى "إِنَّ" فِي قوله جلّ ثناؤه: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ معناه: "إنَّ الذينَ كفروا" ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ قالوا: وذلك أنَّ القَسَم لا بُدّ لَهُ من جواب. ويزعُم ناسٌ أنها إِذَا جاءت فِي الإثبات كَانَتْ استدراكاً. تقول: "لقيتُ زيداً بل عمراً" وهذا عند الغلط. بَلْهَ: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله جلّ ثناؤه: أَعدَدْتُ لعبادِيَ الصَّالحينَ مَا لا عَينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعَتْ ولا خَطَر عَلَى قلبِ بَشَر، بَله مَا أطلَعْتُهُم عَلَيْهِ" ٢. قالوا: معناه "سِوى" و"دَعْ" كَأَنَّه قال: "سوى مَا أطلعتهم عَلَيْهِ" و"دَعْ مَا أطلعتهم" قال أبو زُبَيْد٣: تَمْشي القَطُوف إِذَا غَنَّى الحداة لها٤ ... مشي النَّجِيبَة بَلْهَ الْجِلَّةَ النُّجَبَا بَيْدَ: قالوا: "بيد" بمعنى "غَيْرَ". قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخِرُونَ السابِقُون يومَ القيامة، بَيْدَ أنَّهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناهُ من بعدهم" ٥, أي "غيرَ أنهم" قال الشاعر٦:

стр. 120

عَمْداً فَعَلْتِ ذَاكَ بَيْدَ أنّي ... إِخالُ لو هَلَكْتُ لَمْ تُرِنِّي بينا وبينما: هما لزمان غير محدود. واشتِقاقهما من قولنا: "بيني وبينه قِيدُ كذا" فإذا قلنا: "بَيْنَا نحنُ عِنْدَ زَيْدٍ أتانا فلان" فالمعنى "بَيْنَ أن حَصَلْنا عند زيد وبين زمان آخر أتانا فلان" قال١: فَبَيْنَا نحنُ نَرْقُبُه أتانا ... مُعَلِّقَ شَكْوَةٍ وزِنَادَ رَاع بَعْدُ: يَدُلُّ عَلَى أن يَعقُبَ شَيْءٌ شيئاً. تقول: "جاء زيدٌ بعد عمرو" ويقولون: إنها تكون بمعنى "مع" يقال: "هو كريم وهو بعد هَذَا فقيه" أي: "مَعَ هَذَا" ويتأولون قول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ٢ عَلَى هذا، بمعنى "مع ذَلِكَ". ومما أوله تاء تَعَالَ: يقال: إنها أمرٌ أي "تَفاعلْ" من "عَلَوْتُ. تَعَالَى. يَتَعَالَى" فإذا أمرتَ قلت: "تَعالَ" كما تقول: "تَقاضَ". قالوا: وكثرت فِي الكلام حَتَّى صارت بمنزلة "هلَّم" حَتَّى يقال لمن هو فِي عُلوّ: "تَعالَ" وأنتّ تُرِيدُ: "اهبطْ". ولا يجوز أن تَنْهَى بِهَا. وَقَدْ تُصَرَّف فيقال: "تعالَيتُ" و"إِلَى أيّ شيءٍ أتَعالى?". ومما أوله ثاء ثُمَّ: "ثُمَّ" يكون لِتَراخي الثاني عن الأول: "جاء زيد ثم عمرو".

стр. 121

وتكوم "ثُمَّ" بمعنى "واو عطف" قال الله جلّ ذِكرهُ: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ ١ أي وهو شهيد. وتكون بمعنى التعجّب كقوله جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ ٢ و ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٣ وأنشد قطرب أن "ثُمَّ" بمعنى "الواو": سألت ربيعةَ مَن خَيرُها ... أباً ثُمَّ أمّاً فقالت لِمَهْ ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ ٤ فأمّا قوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ٥ فقال قوم معناها: "وصوّرناكم" وقال آخرون: المعنى "ابتدأنا خلقكم" لأنه جلّ ثناؤه ابتدأ خلق آدم ﵇ من تُراب، ثُمَّ صَوَّره. وابتدأ خلق الإنسان من نُطْفَة ثُمَّ صَوَّره. قالوا: فـ"ثُمَّ" علي بابها. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ٦. وزعم ناس أن "ثُمَّ" تكون زائدة. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ ٧ إِلَى قوله جلّ ثناؤه ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ معناه: "حَتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض تاب عليهم" وقوله جل ثناؤه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ ٨ وَقَدْ كَانَ قضى الأجل، فمعناه: "أُخْبِرُكم أني خلقته من طين، ثُمَّ أخبركم أنّي قضَيتُ الأجَل" كما تقول: "كلمتك اليومَ ثُمَّ قَدْ كلمتُك أمسِ" أي إني أخبرك بذاك ثُمَّ أُخبركَ بهذا. وهذا يكونُ فِي الجُملِ، فأما فِي عطف الاسم عَلَى الاسم، والفعل عَلَى الفعل فلا يكون إِلاَّ مرتّباً أحدُهما بعد الآخر.

стр. 122

وثَمَّ: بمعنى: "هُنالك" قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ ١. وقرئت: ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ ٢ أي: هنالك الله شهيد. ومما أوله جيم جَيْرِ: يقولون: "جَيْرِ" بمعنى "حَقّاً" قال المُفَضَّل: هي خَفْضٌ أبداً، ورُبَّما نوّنوها. وأنشد المفضَّل٣: ألا يَا طالَ بالغَرَباتِ لَيْلي ... وَمَا تلْقَى بَنو أسَدٍ بِهِنَّهْ وقائِلةٍ أسِيتَ فقلت جَيْرٍ ... أسِيٌّ إنّه من ذَاكَ إنَّهْ أصابَهُمُ الْحِمَا وهمُ عَوافٍ ... وكُنَّ عَلَيْهِمِ نَجْساً لعنه فجئت قبورَهم بَدْأَ ولمَا ... فَنَادَيتُ القبورَ فلم يُجِبْنَهْ وكيف تجيبُ أصْداءٌ وَهامٌ ... وأجْسَادٌ بُدِرْنَ وَمَا نُحِرْنَهْ٤ الحما: أراد الحِمَام. وبُدِرْنَ: طعِنَّ فِي البوادِر. لا جَرَمَ: قال: "جَرَمَ" بمعنى "حُقّ" قال٥: ولقد طعنتُ أبا عُيَيْنَة طَعنةً ... جَرمَتْ فَزَارَةُ بَعدَها أن يَغْضِبُوا وذكر ناس أنها بمعنى "لا بُدّ" و"لا مَحَالةَ". وأصلح مَا قيل فِي ذَلِكَ أن "لا" نفي لما ظَنُّوا أنه ينفعهم فِي قوله جل ثناؤه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ ٦ والمعنى "لا" أي "لا ينفعهم ظنهم"

стр. 123

ثُمَّ يقول مبتدئاً: ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي "كَسَبَهم ذَلِكَ" "حُقّ أنهم فِي الآخرة هم الأخسرون". قال ابن قتيبة: وَلَيْسَ قول من قال: "حُقَّ لفَزارة الغضب" بشيء، والأمر بخلاف مَا قاله، لأن الَّذِي يحصل من الكلمة مَا قلناه أنه بمعنى "حُقّ" فيكون عَلَى هَذَا "جَرَمت فَزَارة بعدَها أن يغضبوا" المعنى: "أحَقَّتْ الطَّعنة لفزارة الغضبَ". ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ١ ثُمَّ قال: ﴿لا﴾ وهو ردّ عَلَيْهِم، وقال بعدها: ﴿جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾ أي حُقَّ وكسب. ومما أوله حاء حَتَّى: تكون للغاية. قال الله جلّ ذكره: ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢ بمعنى "إِلَى" وقال تبارك اسمه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ . وتكون بمعنى "كَيْ" تقول: "أكلمه حَتَّى يرضى" أي "كي يرضى". ويقولون: إنها تكون بمعنى العطف، تقول: "قَدِمَ الجيشُ حَتَّى الأتباعُ". ومذهب أهل البصرة أنه لا يجوز أن يُعْطَف بِهَا حَتَّى يكون الثاني من الأول, قالوا: لو قلت: "كلَّمت العربَ حَتَّى العجم" لَمْ يجز. وقال الفرّاء لا يجوز "كلّمت أخاك حَتَّى أباك" وهو مثل الاستثناء، كما لا يجوز "كلمت أخاك إِلاَّ أباك". وأجاز الفرّاء: "إنه ليقاتل الرَّجَّاَلة حَتَّى الفرسانَ", و"إِن كلبي ليصيد الأرانبَ حَتَّى الظِّباء" خفضاً ونصباً، قال الفراء: لأن الظباء وإن كَانَتْ مخالفة للأرانب فإنها من الصيد وهي أرفع منها. وقال البصريون: هَذَا خطأ وفيه بطلان الباب. قالوا: لأن "حَتَّى" إنما جعلت لما تتناهى إِلَيْهِ الأشياء من أعلاها وأسفلها مما يكون منتهى فِي الغاية، فإذا قلت "ضربتُ القوم" جاز أن يتوهم السامع أن زيداً لَمْ يدخل فِي الضرب، إما لأنه

стр. 124

أعلاهم أو لأنه أدونهم، فمعنى "إِلَى" فِيهَا قائم إِذَا كَانَتْ "إِلَى" منتهى الغاية. والكوفيون لا يجعلون "حَتَّى" حرف عطف، إنما يعربون مَا بعدها بإضمار. حاشا: معناها الاستثناء، واشتقاقها من "الحشا" وهي "الناحية" تقول: "خرجوا حاشا زيدٍ" أي: إني أجعله فِي ناحية من لَمْ يخرج ولا أجعله فِي جملة مَن خرج. قال الشاعر١: بأيِّ الْحَشَا أمْسَى الخليطُ المُباينُ ومن ذَلِكَ قولهم: "لا أحاشي بك أحداً" أي: لا أجعلك وإيّاه فِي حَشاً واحد، أي فِي ناحية واحدة بل أميّزك عنه. ومما أوله خاء خَلا وَمَا خَلا: أصلهما من قولنا: "خلا البيت" و"خلا الإناء" إِذَا لَمْ يكن فِيهِ شيء. كذلك إِذَا قلنا: "خرج النّاسُ خلا زيدٍ" فإنّما نُريد: أنه خلا من الخروج، أَوْ خلا الخروجُ منه. وَعَلَى هَذَا التأويل فالنصب فِيهِ أحسن. ومنه قول العرب: "افعَلْ كذا وخلاك ذمّ" يريدون "عَدَاك الذَّمُّ" و"خلوت من الذمّ". ومما أوله راء رُبّ: يقولون: للتقليل، وهي مُناقِضة لـ"كَمْ" الَّتِي للتكثير، تقول: "رُبّ رجلٍ لَقِيتُه". وقال قوم: وُضِعَت لتذكُّر شيء ماضٍ من خيرٍ أَوْ شرٍّ. قال٢:

стр. 125

رُبّ ركبٍ قَدْ أناخُوا حَوْلَنا ... يَشربونَ الخمرَ بالماء الزُّلال قالوا: وَعَلَى هَذَا التأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ١. رُوَيْدٌ: قالوا: هو تصغيرُ "رُود" وهو المهل. قال٢: كَأَنَّها مثل من يمشي عَلَى رُودِ وقال بعضهم: فِي قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ٣ أي قليلا. ذو وذات: "ذو" يدل على الملك. تقول: "هو ذو الثوب". وقد يكون في غير الملك أيضا، بل يكون صفة من صفات نحو قولك: "هو ذو كلام" و"ذو عارضة". فمن الملك قوله جل ثناؤه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ﴾ ٤. وأما "ذات" فيكون في المؤنث كـ"ذا". وتكون لها معان أخر. تكون كناية عن ساعة من يوم أو ليلة أو غير ذلك، كقولك: "ذات يوم"، و"ذات عشية". وتكون كناية عن الحال كقوله٥: وأهل خباء صلح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله ومن هذا قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ٦ أي الحال بينكم

стр. 126

وأزيلوا المشاجرة. ومن الزمان قوله١: لما رأت أرقى وطول تقلبي ... ذات العشاء وليلى الموصولا وتكون للبنية تقول: "هو في ذاته صالح" أي: في بنيته وخلقته. وتكون للإرادة والنية كقوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢ أراد السرائر. ومنه فيما ذكروا قوله٣: محلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب فقوله: "ذات الإله" أي إرادتهم الله تبارك اسمه. سَوْفَ: تكون للتأخير والتنفيس والأناةَ. سِوَى: تكون بمعنى "غير" وهما جميعاً فِي معنى "بَدَل" وهي مقصورةٌ مكسورة فإذا مُدّتْ فُتح أوّلها. قال٤: تَجَانفُ عن جَوِّ الْيَمَامَةِ ناقَتِي ... وَمَا عدَلتْ عن أَهلِها لِسَوائِكا أي: لغيرك. و"سَوَاء الجحيم" وسطها، فِي غير معنى الأول. وَقَدْ جاء "سِوَى" أيضاً. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ ٥. سِيَّما: أصلُها "السّيُّ" وهو"المِثْلُ". تقول: "ولا سِيَّما كذا" أي "ولا سواءَ" قال: امرؤ القيس٦:

стр. 127

ألا رُبَّ يومٍ لكَ منّ صالحٍ ... ولا سِيَّما يوماً بِدَارَةِ جُلْجلِ وأصلُه راجع إِلَى "السّي" وهو المثل. يقولون: "هما سيان" قال "الحُطَيْئَة١: فإيّاكم وحيّة بَطن واد هموز الناب ليس لكم بِسِيِّ وسمعت أبا الحسن المعروف بابن التركية يقول، سمعت ثعلباً يقول: من قاله بغير اللفظ الَّذِي قاله امرؤ القيس فقد أخطأ. شَتَّانَ: أصلها من "شتَّ" ومن "التَّشتُّت" وهو التَّفرقُ والتباعد، تقول: "شَتَّانَ مَا هُما" أي: بَعُدَ مَا بَيْنَهما، ويقال: هَذَا هو الأفصح، وينشدون٢: شَتَّانَ مَا يومي علي كُورِها ... ويوم حَيَّانَ أخي جابِرِ وربما قالوا: "شتان مَا بَيْنَهما" وليس بالفصيح. عَنْ: يدلّ عَلَى الانحطاط والنزول، تقول: "نَزَلَ عن الجبل" و"عن ظهر الدّابة" و"أخذ العِلْمَ عن زيد" لأن المأخوذَ عنه أعلى رُتبةً من الآخذ. وتكون بمعنى "بَعْد" فِي قوله: "لَمْ تنتطق عن تفضّل".ولها وجوه والأصلُ مَا ذكرناهُ. عَلَى: تكون للعلوّ، تقول: "هو عَلَى السطح". وتكون للعزيمة، كما تقول: "أنا عَلَى الحجّ العامَ". وتكون للثبات عَلَى الأمر تقول: "أنا عَلَى مَا عَرَفْتَني بِهِ". وتكون للخلاف، مثل "زيدٌ عَلَى عمرو" أي: مُخالِفُه.

стр. 128

وهِي -وإن انْشَعَبَتْ- راجعة إِلَى أصل واحد. عَوْض: "عوض" لزمان غير محدود ولا معلوم كنههُ، كما قلناه فِي "الحِين" و"الدهر". قال الأعشى١: رضيعَيْ لبانِ ثديِ أُمٍّ تقاسما بأسحَمَ داج عَوض لا نتفرق ويقولون: "لآتيك عوض العائضين". عَسَى: للقرب والدُّنوّ، قال الله جل ثناؤه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ ٢. والأفصح أن يكون بعدها "أَنْ" ورُبّما لَمْ يكن. قال٣: عسى فَرَجٌ يأْتي بِهِ الله إنَّهْ ... لَهُ كلَّ يوم فِي خليقته أمرُ قال "الكِسَائي": كل مَا فِي القرآن من "عسى" عَلَى وجه الخبر فهو مُوَحَّد: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ٤ و ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ٤ و ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ٥ وَوُحِّدَ عَلَى "عسى الأمر أن يكون كذا". وَمَا كَانَ عَلَى الاستفهام فإنه يُجْمَع كقوله جلّ وعزّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ٦ قال أبو عبيدة في قوله جل ثناؤه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ٧: هل عدوتم ذَاكَ، هل جُزتموه. غَيْر: "غَيْر" تكون استثناء، وتقوم مقامها "إلا"، تقول: "خرج الناسُ غير زيد" تريد "إلاّ زيداً".

стр. 129

أو تكون حالاً، وتقوم مقامها لا تقول: "فعلت ذلك غير خائف منك أي لا خائفاً منك". في: زعموا أن "في" للتضمُّن، تقول: "المال في الكِيس" و"الماء في الجَرَّة". ويقولون: إنها تكون بمعنى على في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ١. وإنها تكون بمعنى مع في قوله جلّ ثناؤه: ﴿فِي تِسْعِ آَيَاتٍ﴾ ٢. وكان بعضهم يقول: إنما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ , لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور فلذلك جاز أن يقال فيه هذا. وأنشدوا٣: هُمُ صلبوا العَبْديَّ في جِذْع نخلة ... فلا عَطسَتْ شيبَانُ إلاَّ بأجدعا قَدْ: "قَدْ" جواب لمتوقَّع، وهي نقيضُ "ما" التي للنفي، وليس من الوجه الابتداء بها إلا أن تكون جواباً للمتوقع، وقوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ على هذا المعنى، لأن القوم توقعوا علمَ حالهم عندَ الله تبارك اسمه فقيل لهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤ والحقيقةُ ما ذكرناه. كم: موضوعة للكثير في مقابلة "رُبَّ" تقول: "كم رجل لقيت". وتكون استفهاماً، تقول: "كم مالُكَ?". وقال الفَرَّاء: نُرى أن قول العرب "كم مالك?" أنها "ما" وُصِلتْ من أولها بكاف، ثم إن الكلام كثر بِـ"كم" حتى حُذِفَت الألف من آخرها وسكّنت ميمها,

стр. 130

كما قالوا: "لِمْ قلتَ ذاك?" ومعناهُ: "لم" و"لما قلت" قال١: فأنا الأسْوَدُ لِمْ أسْلَمْتَنِي ... لِهُمُوم طارِقَاتِ وَذِكَرْ وقيل لبعض العرب: "مذ كم قعد فلان؟ " فقال: "كَمْذ أخذتَ في حديثك", فزيادةُ الكاف في "مُذْ" دليل على أن الكاف في "كم" زائدة. وعابّ الزَّجَّاجُ على الفَرَّاء قوله في "كم"، وقال: لو كان في الأصل "كما" وأسقطت ألف الاستفهام لُتِركتْ على فتحها، كما تقول: "بمَ" و"عم" و"فيم أنت". والجوابُ عمّا قاله ما ذكره أبو زكريّاء وهو كثرة الاستعمال وحجته ما ذكره في "لم". كيف: سأل عن حال، تقول: "كيف أنت?" أي: بأيّ حال أنتَ? وقال بعض أهل اللغة: لها ثلاثة أوجُه: أحدها سؤال محض عن حال، تقول: "كَيْفَ زيدُ?". والوجه الآخر حالٌ لا سؤال معه، كقولك: "لأكْرِمَنّك كيف كنتَ" أي: على أيّ حال كنت. والوجه الثالث "كيف" بمعنى التعجب، وعلى هذين الوجهين يُفَسَّر قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ٢ قالوا: معناها "على أيّ حال قَدَّر" وتعجيب أيضاً. ومن التعجيب قوله جلّ ثناؤه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ٣. وقد يكون "كيف" بمعنى النفي. قال٤: كيف يَرْجونَ سِقاطِي بعدما ... لاحَ في الرَّأس مَشِيبٌ وَصَلَعْ ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥ و ﴿كَيْفَ

стр. 131

يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١. وتكون توبيخاً، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ ٢. فأمّا قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ٣ فهو توكيد لِمَا تقَدَّم من خبر وتحقيق لِمَا بعده، على تأويل: إن الله لا يظلم مثقالَ ذَرَّة في الدنيا فكيف في الآخرة. كادَ: قال أبو عبيدة: "كاد" للمقاربة في قوله جلّ ثناؤه: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ٤ أي: لَمْ يَرَ. ولَمْ يُقارب. ومن المقاربة قول جرير٥: حيُّوا المقام وحيّوا ساكن الدارِ ... ما كدتَ تعرف إلا بعدَ إنكارِ ويقولون: "كاد النَّعامُ يَطير". فهذه المقاربة للشبه ولا يكون وبيت جرير يكون. كَانَ: يدلُّ على المُضِيّ، تقول: "كانَ له مالٌ". وتكون بمعنى القدرة, كقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ ٦ أي ما قدرتم. وتكون بمعنى "صار" كقولك: "إن كنتَ أبي فَصِلْني" أي: إذا صِرتَ أبي. وأنشد٧:

стр. 132

أجَزت إليه حُرَّة أرْحَبِيَّة ... وقد كانَ لونُ الليل مثلَ الأرنْدَج أي: صار. وتكون بمعنى الرهون، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا﴾ ١ أي: هل أنا إلا بشر. وتكون بمعنى ينبغي قال الله جل ثناؤه ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ٢ أي ما ينبغي لنا. وكان تكون زائدة كقوله٣: وجيران لنا كانوا كرام وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤ أي: بما يعملون, لأنه قد كان عالماً بما عملوه وهو إيمانهم به. كأين: "كأين" تكون بمعنى "كم" قال الله جل ثناؤه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٥. وفيها لغتان: "كأين" بالهمز والتشديد. و"كأين". وقد قرئ بهما, قال الشاعر: وكأين أرينا الموت من ذي تحية ... إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم وسمعت بعض أهل العربية يقول: ما أعلم كلمة يثبت فيها التنوين خطأ غير هذه. كأنَّ: كلمة تشبيه, قال قوم: هي "إن" دخلت عليها كاف التشبيه ففتحت, وقد

стр. 133

تخفف قال الله جل ذكره: ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ١ إلا أنها إذا ثقلت في مثل هذا الموضع قرنت بها الهاء فقيل: "كأنّه لم يَدْعُنا". وقالت الخنساء في التخفيف٢: كَأَن لم يكونوا حِمىً يُتّقى ... إذ الناسُ إذ ذاكَ من عزّ بَزّا أرادت: كأنّهم لم يكونوا. كلاَّ: تكون ردّاً ورَدْعاً ونفياً لدعوى مدع إذا قال: "لقيتُ زيداً" قلتَ: "كلاَّ". وربما كان صِلةً ليمين، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ ٣. وهي -وإن كانت صِلةً ليمين- راجعةٌ إلى ما ذكرناهُ. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ ٤ فهي رَدْعٌ عن طاعةِ من نَهاهُ عن عبادة الله جلّ ثناؤه. ونكتة بابها النفي والنهي. وزعم ناس أن أصل "كَلاَّ": "كَلاَ" و"لا". قال٥: أصابَ خَصَاصَةً فَبَدَا كَلِيلاً ... كَلاَ وانْغَلَّ سائرُه انغِلاَلا وهذا ليس بشيء. و"كلا" كلمة موضوعة لما ذكرناه على صورتها في التثقيل، وقد ذكرنا وجوهّ "كَلاَّ" في كتاب أفردناه. فأما نقيض "كَلاَّ" فقال بعض أهل العلم: إن "ذلك" و"هذا" نقيضان لـ"لا". و"أن" كذلك نقيض لِـ"كَلاَّ". قال: وقوله جلّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ ٦ على معنى: ذلك كما قلنا وكما فعلنا. ومثله. ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب﴾ ٧ بمعنى: هذا كما قلنا وإن للطاغين لشر مآب.

стр. 134

قال: ويدل على هذا المعنى دخول "الواو" بعد قوله: "ذلك" و"هذا" لأن ما بعد الواو يكون مَنْسوقاً على ما قبله بها وإن كان مُضْمَراً. وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ١، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كذلك فعلناه ونفعله من التنزيل. ومثله في القرآن كثير. لَوْ ولَوْلا: "لَوْ" تدل على امِتناع الشيء لامتناع غيره، تقول: لو حَضَر زيدٌ لحضرت فامتنع هذا لامتناع هذا. وكان الفرّاء يقول: "لو" يقوم مقام "إنْ"، قال جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٢ بمعنى: وإن كره، ولولا أنها بمعنى "أن" لاقتضت جواباً. لأنّ لولا بدّ لها من جواب ظاهر أو مُضْمَر كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ﴾ ٣ وإنّما وُضِعت مقامَ "أنْ" لأنَّ في كل واحد منهما معنى الشرط، كما يقال في الكلام: "لأكْرِمَنَّكَ وإنْ جَفَوْتَني ولو جفوتني" و"لاعطينك وإن منعتني, ولو منعتني". وأمّا "لَولا" فإنها تدل على امتناع الشيء لوجود غيره. تقول: "لولا زيدٌ لضربتك" فإنما امتنعت من ضربه لأجل زيد. وقد يكون "لولا" بمعنى "هَلاَّ" كقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ ٤ أي "فَهلاَّ" قال الشاعر٥: تَعدُّونَ عقرَ النيب أفضلَ مجدكم ... بَني ضَوْطَرَى لولا الكميَّ المقَنَّعا أي: "هَلاَّ". وكذلك "لَوْمَا"، كقوله جل ثناؤه: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ٦ أي "هَلاَّ تأْتينا". وأما "لولا" الأول فكقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ

стр. 135

فِي بَطْنِهِ﴾ ١ وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ ٢ فلها وجهان: أحدهما أن يكون بمعنى "هَلاَّ" والوجه الآخر أن يكون بمعنى "لَمْ" يقول: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قومَ يُونُسَ. ومثله: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ ٣ بمعنى لم يكن. لمْ ولمّا: "لَمْ" تنفي الفعلَ المستقبل وتنقلُ معناهُ إلى الماضي. نحو: "لم يقم زيد" تريد: ما قام زيد. فإن دخل عليها حرفُ جزاء لم تنقل معنى الاستقبال، تقول: إنْ لَمْ تَقُمْ ولا يحسنُ السكوت عليها إلا إذا كانت جواباً لمثَبت كأنَّ قائلاً قال: "قد خرج زيد" فتقول: "لما". و"لما" لا تدخل إلاّ على مستقبل، تقول: "جئت ولما يجئ زيدٌ بعدُ" فيكون بمعنى "لمْ" كقوله جلّ ثناؤه: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابَ﴾ ٤. فأمّا "لمّا" التي للزمان فتكون للماضي، تقول: "قصدتُكَ لَمّا وَرَدَ فلان". لَنْ: "لن" تكون جواباً للمثبِت أمراً في الاستقبال، يقول: "سيقوم زيد" فتقول أنت: "لن يقومَ". وحكي عن الخليل أنّ معناها: "لا أنْ" بمعنى "ما هذا وقت أن يكون كذا". لا: "لا" حرف نَسَقٍ يَنفي الفعلَ المستقبلَ، نحو: "لا يخرجُ زيدٌ". ويُنهى به نحو: "لا تفعلْ". ويكون بمعنى "لمْ" إذا دخلتْ على ماض كقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ ٥ أي: لم يُصِّدقْ ولم يُصلّ. وقال الشاعر٦:

стр. 136

وأي خميس لا أفأنا نِهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دماً وأنشدني أبي١: إن تَغْفِرِ اللهمَّ تغفِرْ جَمّا ... وأيُّ عبدٍ لَكَ لا أَلَمّا أي: أيُّ عبد لك لم يُلِمَّ بالذنب. وكان قُطرُب يقول: إن العرب تُدخل "لا" توكيداً في الكلام كما يُدخلون ما في مثل قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢ و ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ ٣ وكذلك ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ٤ أي: ما منعك أن تسجد. وكذلك ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٥ المعنى: أُقْسم. وقد يجوز في ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أن يكون نَفَى بها كلاماً تقدَّم منهم، كأن قال: ليس الأمرُ كذا؛ ثم قال: أُقسم. وقال زُهَير في "لا"٦: مُوَرَّثُ المَجْد لا يَغْتالُ هِمَّتهُ ... عن الرِيّاسة لا عَجْزٌ ولا سَأمُ أي: لا يغتالها عجز. وقال٧: بيوم جَدودا لا فَضَحتُم أباكمُ ... وسالمتُمُ والخيلُ تَدْمَى نُحورُها يريد: فضحتم أباكم. وحَكى قطرب: "ضربتُ لا زيداً". وقال آخر: وقد حداهن بلا غير خُرُقْ وقال الهُذلي٨: أفعنك لا برق كأنّ وميضه ... غاب تسنّمه ضرام مُثقب ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ٩.

стр. 137

قال أبو عبيدة في قوله جلّ ثناؤه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١ قال: "لا" من حروف الزوائد لتتميم الكلام، والمعنى إلغاؤها. قال العجاجُ٢: في بئر لا حُورٍ سرى وما شعرْ أي: بئر حُور، أي هَلَكة. وقال أبو النجم٣: فما ألوم الْبِيضَ أن لا تَسْخَرا يقول: فما ألومُهنَّ أن يَسْخَرْنَ. قال الشَّمّاخ٤: أعائشَ ما لأهلكِ لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع يريد: أراهم يضيعون السوام، و"لا" إنما هي لغة. وقال٥: ويلحينني في اللهو أن لا أُحبَّه ... ولِلَّهو داعٍ دائبٌ غيرُ غافلِ المعنى: يلحينني في اللهو أن أحبه. وفي القرآن: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ ٦ أي: أن تسجد. قال أحمد بن فارس: أما قوله إنّ "لا" في ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ زائدة فقد قيل فيه: إن "لا" إنما دخلت ها هنا مُزِيلةً لتوهُم متوهم أن الضّالين هم المغضوب عليهم، والعرب تنعت بالواو، يقولون: مررت بالظريف والعاقل فدخلت "لا" مُزِيلةً لهذا التوهم ومُعلمة أن الضّالين هم غير المغضوب عليه. وأما قوله في شعر الشمّاخ: إن لا زائدة في قوله: ما لأهلك لا أراهم, فغلطٌ من أبي عبيدة لأنه ظنّ أنه أنكر عليهم فساد المال، وليسَ الأمر كما ظنِّ، وذلك أن "الشمّاخ" احتجّ على امرأته بصنيع أهلها أنهم لا يُضيعون المالَ. وذلك أن امرأة الشمّاخ وهي عائشة قالت للشمّاخ: لِمَ تشدّد على نفسك في العيش حتى تلزَم الإبلَ وتعزبَ

стр. 138

فيها؟ فهِوّن عليك. فردّ على امرأته فقال: ما لي أرى أهلك يتعهدون أموالهم ولا يضيعونها، بل يصلحونها، وأنت تأمرينني بإضاعة المال? فقال١: أعايشَ ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المُضيعِ وَكيف يُضيع صاحبُ مُذْفَآت ... على أثباجِهنّ من الصقيعِ٢ لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره أعف من القنوع و"لا" تنفي الاسمَ المنكور، نحو: "لا رجلٌ عندكَ". لات: اختلف الناس فِيهَا: فمنهم من زعم أن التاء متصلة بـ"لا" وأنها بمنزله "ليس" على تأويل: "وليس حينَ مناصٍ", نصب "حين" خبر "ليس". وقال الأفوه وجعل "لاتَ" بمعنى "حِين"٣: ترك الناسُ لنا أكتافَهم ... وتولوا لاتَ لم يُغنِ الفرار لدُن: "لدْنْ" بمعنى "عِنْدَ". قال الله جلّ ثناؤه: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ٤ وقال: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ٥ أي: من عندنا. وقد تحذف النون من لدن قال الشاعر٦: من لدُ لحييه إلى منخوره لدى: بمعنى "لدن" قال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ٧.

стр. 139

لَيْسَ: "ليس" نفيٌ لفعل مستقبَل تقول: "ليس يقوم". وزعم ناس أنها من حروف النَّسَق نحو: "ضربتُ عبد الله ليس زيداً" و"قام عبد الله ليس زيد" و"مررت بعبد الله ليس بزيد"، لا يجوز حذف الباء لأنك لا تضمر المرور والباءَ. ولو قلتَ: "ظننت زيداً ليس عمراً قائماً" جاز. قال لبيد: وإذا جوزيت فرضاً فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل١ والبصريون يقولون: لا يجوز العطف بـ"ليس"، وهي لا تُشبه من حروف العطف شيئاً. ألا ترى أنه يبتدَأ بها ويضمَر فيها وروى سيبويه هذا البيت: إنما يجزي الفتى غيرَ الجمل قالوا: وخطأ "رأيت زيداً ليس عمراً" لأنه لا يكون على تقديرهم فعل بلا فاعل، وكان الكسائي يقول: أجريتْ "ليس" في النسق مجرى "لا". لَعَلّ: "لَعَلَّ" تكون استفهاماً وَشَكّاً. وتكون بمعنى "خليق". وحكي عن الكسائي أنّ "لعلّما" تأتي بمعنى "كأنما" و"أنما" وأنكر الفرّاء هذا، قال: لأن "أنما" معبرة عن "أنْ" ولا يجوز أن تُسقط ما منها أبداً. وأهل البصرة يقولون: "لعلّ" ترجٍّ. وبعضهم يقول: توقُّع. وتكون "لعلّ" بمعنى "عسى". وتكون بمعنى كي. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢ يريد: لكي تهتدوا. لَكِن: قال قوم: هي كلمة استدراك تتضمن ثلاثة معانٍ: منها "لا" وهي نفي و"الكاف" بعدها مخاطبة و"النون" بعد الكاف بمنزل "إن" الخفيفة أو الثقيلة، إلا أن الهمزة حذفت منها استثقالاً لاجتماع ثلاثة معان في كلمة واحدة، فـ"لا"

стр. 140

تنفي خبراً متقدماً و"إن" تُثبت خبراً متأخراً، ولذلك لا تكاد تجيء إلا بعد نفي وجحد، مثل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ١. ومما يدلّ على أن النون في "لكن" بمنزلة إن خفيفةً أو ثقيلة، أنك إذا ثقّلت النون نصبتَ بها وإذا خففتها رفعتَ بها. مذْ ومنذُ: هما ابتداءُ غايةٍ في زمان. نحو "مُذُ اليومِ" و"منذ الساعةِ". مَا: أصلُ "مَا" أنها تكون لغير الناس. تقول "ما مرَّ بك من الإبل?". فأمّا قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٢ فقال أبو عبيدة: معناه ومَن خَلقَ الذكر والأنثى. وكذلك ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ٣ أي "من بناها" وكذلك ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ٤. قال: وأهل مكَّةَ يقولون إذا سمعوا صوتَ الرعد "سُبحانَ ما سبَحتَ له" وبعضهم يقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٥ أي: وخلقِهِ الذكر والأنثى. و"ما" تكون صِلةً، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٦ المعنى: قليلاً تذكّرون. ولو كانت اسماً لارتفع فقلت: "قليلٌ ما تذكرون" أي: قليلٌ تذكركم. و"ما" تكون للتفخيم، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٧ ومنه: بَانَتْ لتَحزُننا عَفَارَهْ ... يا جارتا ما أنت جاره٨

стр. 141

وذكر بعضهم أن "ما" هذه هي التي تذكر في التعجب إذا قلنا "ما أحسنَ زيداً". وقد تكون "ما" مضمرة، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ ١ أراد: ما ثَمّ. وكما قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ٢ أي: ما بيني. و ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٣ أي ما بينَكم. فإذا قلت: "بينُكم" فمعناه: وصلُكم. وتكون للنفي، نحو: "ما فعلتُ". وتكون لاستفهام، نحو: "ما عندك?". وزعم ناس في قولهم: "قَبْلَ عَيْرٍ وَمَا جرى" أن "ما" للنفي وأنشدوا قول الشمّاخ٤: أعَدْوَ الْقِمصَّى قَبْلَ عَيْرٍ وما جَرَىَ ... ولم تدْرِ ما خُبرِي ولم أدرِ مالَها يقول: نفرتْ هذه المرأة منّي مثل ما نفرت أتان من عَيْر من قبل أن يبلوَها ويعدوَها إليها. وما جرى، أي: لم يجرِ إليها. من: يُسميها أهل العربية "ابتداءَ غاية". وتكون للجنس، نحو "خاتمٌ من حديد". وتكون للتبعيض، نحو: "أكلت من الرَّغيف". وتكون رفعاً للجنس نحو: "ما جاءني من رجل". وتكون صِلةً، نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥، و ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٦. وتكون تعجّباً، نحو: "ما أنت من رجل" و"حسبك من رجل".

стр. 142

وتكون بمعنى "على"، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ ١. وكان أبو عبيدة يقول في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ٢: إن مِن صلة. قال أبو ذُؤَيب٣: جَزَيْتُكِ ضِعفَ الوْدَ لَمّا أردتِه ... وما إن جزاك الضِعْفَ مِن أحد قبلي وقال غيره: لا تزد من أمرٍ واجب، يقال: "ما عندي من شيء" و"ما عنده من خير" و"هل عندك من طعام?". فإذا كان واجباً لم يحسُن شيء من هذا: لا تقول "عندك من خير". مَنْ: اسم لِمَن يعْقل. تقول: "لَقِيتُ مَن لقيتَ" و"من مَرّ بِك?" في الاستفهام. وهو يكون في الواحد والاثنين والجميع. ويخرج الفعل منه على لفظ الواحد والمعنى تثنيه أو جمع. قال٤: تعالَ فإن عاهدتَني لا تخونني ... نكن مثلَ مَن يا ذِئبُ يَصطحبانِ وكذلك يَكون في المؤنث. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ ٥". و"من" تضمَر. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ ٦ المعنى: إلاَّ مَنْ. ومثله "وما منا إلا له مقامٌ" أي إلا من. مه ومهما: "مَهْ" زجرٌ وإسكات وأمرٌ بالتوقّف عما يريده المريد، كأنّ قائلاً يريد الكلامَ بشيء أو فاعلاً يريد فعلاً فيُقال لهما "مَهْ" أي: قِف ولا تفعل. هذا مشهور في كلام العرب. قال: مه ما لي الليلة مَهْ ما لِيهْ ... يا راعيَ ذودي وأجماليه

стр. 143

ويكون هذا على أنّ أمراً تقدّم، فردّ عليه القائل فقال: "مَهْ" ثم مرّ كلام نفسه. "ومَهْمَا" بمنزلة ما في الشرط. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ ١. وقال: إنّها "ما" أدخلت عليها "ما" قالوا: ما تكون إحداهما كالصلة كقوله جل ثناؤه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٢ فغُيّر اللفظ. مَتَى: "مَتَى" سؤالٌ عن وقت, تقول: "متى يخرجُ زيد?". و"متى" يكون شرطاً يقتضي التكرار. تقول: "متى كلمتُ زيداً فعلى كذا" سمعت علّياً يقول: سمعت ثعلباً يقول ذلك. فأما "متى" التي في لغة هُذَيْل فليست من هذا، لأنهم يقولون: "وضعتُه متى كُمِّي" يريدون: الوسَط وينشدون٣: شَرِبْنَ بماء البحر ثُم تصعّدت ... متى لُججٍ خضرٍ لهن نَئيجُ قالوا: معناه من لجج. وقالوا: بمعنى وَسط. نَعَمْ ونِعْمَ: "نَعَمْ" عدَة تصديق. و"نِعْمَ " كلمة تنبئ عن المحاسِنِ كلّها. هَلمَّ: قالوا: معناها "تعَالَ". وكان الفرّاء يقول: أصلها "هل" ضُمّ إليها "أمَّ" وتأويل ذلك أن يقال: "هَلْ لكَ في كذا، أُمَّ" أي: اقصُد وتَعالَ. وكان الفرّاء يقول: معنى "اللهم" يا الله أُمَّنا بخير. فكثرت في الكلام واختلطت وتُركت الهمزة.

стр. 144

ها: قالوا: معناها "خذْ. تَنَاوَل" تقول: "ها يا رجُل". ويُؤمر بها ولا يُنهى بها. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ١. هَاتِ: بمعنى "أعْطِ" على لفظ "رام" و"عاط". قال الله جل ثناؤه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ٢ قال الفرّاء: ولم يُسمع في الاثنين، إنّما يقال للواحد والجميع. ويقولون: أنا أُهاتِيك، وليس من كلامهم هاتَيْتُ، ولا يُنهى بها. وبلغني أن رجلاً قال لآخر: هات فقال: لا أُهاتِيكَ ولا أؤاتيك. وَيْكأَنَّ: اختلف أهل العلم فيها. قال أبو زَيْد: معنى و"يكأنه" ألَمْ تَرَ. وأنشد: ألا وَيْكَ المسرّةُ لا تدومُ ... ولا يبقى على الدّهر النعيمُ وأنشد أبو عبيدة٣: سَأْلَتاني الطِّلاقَ أن رأتانِي ... قَلَّ مالي قد جئتماني بِنكرِ وَيْكَانْ مَن يكُنْ له نَشَبٌ يُحْـ ... ـببْ ومَنْ يفتِقر يَعِشْ عيشَ ضرِّ وحدثني علي بن إبراهيم عن محمد بن فرج عن سلمة عن الفراء قال: هو في كلام العرب تقرير كما يقول القائل: "أما ترى إلى صنع الله". وحكى الفراء عن شيخ من البصريين قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنُك? فقال زوجها: ويكأَنَّه وراء الباب. معناه: أما تَرَيْنَه وراء البَاب?. قال الفرّاء: ويذهب بها بعض النحويين إلى أنهما كلمتان، يردي "وَيْكَ" إنما أراد "ويلَكَ" فحذف اللام ويجعل "أنّ" مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك أعلم أن. وقال: إنما حذفوا اللام من وَيْلَكَ حتى صارت وَيْكَ، فقد تقول العرب

стр. 145

ذلك لكثرتها في الكلام واستعمال العرب إياها. قال عنترة١: ولقدْ شفى نفسي وأبرأ سقُمَها ... قِيلُ الفوارس وَيكَ عَنْتَرَ أَقْدِمٍ وقال آخرون: ويكَ "وَيْ" منفصلة مِن كأنّ كقولك للرجل: أما ترى بين يديك. فقال: "وَيْ" ثم استأنف كأن الله و"كأن" في معنى الظن والعلم. وفيها معنى تعجب. قال: وهذا وجه مستقيم، ولم تكتبها العرب منفصلة. ويجوز أنّ يكون كثر بها الكلام فُوصلت بما ليس منه، كما اجتمعت العربُ على كتاب "يا بْنَؤُمَّ" فوصلوها لكثرتها. أوْلَى: سمعت أبا القاسم عليَّ بن أبي خالد يقول: سمعت ثعلباً يقول "أولى له" أي: داناه الهلاك. وأصحابنا يقولون: "أوْلَى" تَهَدُّدٌ ووعيدٌ. وهو قريب من ذلك. وأنشدوا٢: ألْفِيَتَا عيناكَ عند الْقَفَا ... أوْلَى فأوْلَى لك ذا واقيَهْ وقال قوم -وأنا أبرأ مِن عهدته-: إن "أوْلَى" مأخوذ من "الوَيْل". وكان للويلِ فِعْل وتصريف دَرَجَ ولم يبق منه إلا "الويل" قطُّ. قال جرير٣: يَعَمَلنَ بالأكبادِ وَيْلاً وآئِلا فقوله: "أَوْلَى": "أَفْعَلُ" من الويل، إلاَّ أن فيه القلبَ. وقال قوم "أَوْلَى": داناهُ الهلاك فليَحْذَرْ. قال: أولى لكم ثم أولى أن تصيبَكُمُ ... مِنِّي نَواقِرُ لا تبقى ولا تَذَرُ٤ يا: تكون للنداء، نحو: "يا زيدُ". وللدعاء نحو: "يا لله". وتكون للتعجّب، كقوله: "يا لَهُ فارساً". وفي التعجب من المذموم: "يا له جاهلاً". قال في المدح
следующие страницы →