وذكر بعضهم أن "ما" هذه هي التي تذكر في التعجب إذا قلنا "ما أحسنَ زيداً".
وقد تكون "ما" مضمرة، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ ١ أراد: ما ثَمّ. وكما قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ٢ أي: ما بيني. و ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٣ أي ما بينَكم. فإذا قلت: "بينُكم" فمعناه: وصلُكم.
وتكون للنفي، نحو: "ما فعلتُ".
وتكون لاستفهام، نحو: "ما عندك?". وزعم ناس في قولهم: "قَبْلَ عَيْرٍ وَمَا جرى" أن "ما" للنفي وأنشدوا قول الشمّاخ٤:
أعَدْوَ الْقِمصَّى قَبْلَ عَيْرٍ وما جَرَىَ ... ولم تدْرِ ما خُبرِي ولم أدرِ مالَها
يقول: نفرتْ هذه المرأة منّي مثل ما نفرت أتان من عَيْر من قبل أن يبلوَها ويعدوَها إليها. وما جرى، أي: لم يجرِ إليها.
من:
يُسميها أهل العربية "ابتداءَ غاية". وتكون للجنس، نحو "خاتمٌ من حديد".
وتكون للتبعيض، نحو: "أكلت من الرَّغيف".
وتكون رفعاً للجنس نحو: "ما جاءني من رجل".
وتكون صِلةً، نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥، و ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٦.
وتكون تعجّباً، نحو: "ما أنت من رجل" و"حسبك من رجل".
стр. 142
وتكون بمعنى "على"، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ ١. وكان أبو عبيدة يقول في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ٢: إن مِن صلة. قال أبو ذُؤَيب٣:
جَزَيْتُكِ ضِعفَ الوْدَ لَمّا أردتِه ... وما إن جزاك الضِعْفَ مِن أحد قبلي
وقال غيره: لا تزد من أمرٍ واجب، يقال: "ما عندي من شيء" و"ما عنده من خير" و"هل عندك من طعام?". فإذا كان واجباً لم يحسُن شيء من هذا: لا تقول "عندك من خير".
مَنْ:
اسم لِمَن يعْقل. تقول: "لَقِيتُ مَن لقيتَ" و"من مَرّ بِك?" في الاستفهام. وهو يكون في الواحد والاثنين والجميع. ويخرج الفعل منه على لفظ الواحد والمعنى تثنيه أو جمع. قال٤:
تعالَ فإن عاهدتَني لا تخونني ... نكن مثلَ مَن يا ذِئبُ يَصطحبانِ
وكذلك يَكون في المؤنث. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ ٥". و"من" تضمَر. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ ٦ المعنى: إلاَّ مَنْ. ومثله "وما منا إلا له مقامٌ" أي إلا من.
مه ومهما:
"مَهْ" زجرٌ وإسكات وأمرٌ بالتوقّف عما يريده المريد، كأنّ قائلاً يريد الكلامَ بشيء أو فاعلاً يريد فعلاً فيُقال لهما "مَهْ" أي: قِف ولا تفعل. هذا مشهور في كلام العرب. قال:
مه ما لي الليلة مَهْ ما لِيهْ ... يا راعيَ ذودي وأجماليه
стр. 143
ويكون هذا على أنّ أمراً تقدّم، فردّ عليه القائل فقال: "مَهْ" ثم مرّ كلام نفسه. "ومَهْمَا" بمنزلة ما في الشرط. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ ١. وقال: إنّها "ما" أدخلت عليها "ما" قالوا: ما تكون إحداهما كالصلة كقوله جل ثناؤه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٢ فغُيّر اللفظ.
مَتَى:
"مَتَى" سؤالٌ عن وقت, تقول: "متى يخرجُ زيد?".
و"متى" يكون شرطاً يقتضي التكرار. تقول: "متى كلمتُ زيداً فعلى كذا" سمعت علّياً يقول: سمعت ثعلباً يقول ذلك.
فأما "متى" التي في لغة هُذَيْل فليست من هذا، لأنهم يقولون: "وضعتُه متى كُمِّي" يريدون: الوسَط وينشدون٣:
شَرِبْنَ بماء البحر ثُم تصعّدت ... متى لُججٍ خضرٍ لهن نَئيجُ
قالوا: معناه من لجج. وقالوا: بمعنى وَسط.
نَعَمْ ونِعْمَ:
"نَعَمْ" عدَة تصديق. و"نِعْمَ " كلمة تنبئ عن المحاسِنِ كلّها.
هَلمَّ:
قالوا: معناها "تعَالَ". وكان الفرّاء يقول: أصلها "هل" ضُمّ إليها "أمَّ" وتأويل ذلك أن يقال: "هَلْ لكَ في كذا، أُمَّ" أي: اقصُد وتَعالَ.
وكان الفرّاء يقول: معنى "اللهم" يا الله أُمَّنا بخير. فكثرت في الكلام واختلطت وتُركت الهمزة.
стр. 144
ها:
قالوا: معناها "خذْ. تَنَاوَل" تقول: "ها يا رجُل". ويُؤمر بها ولا يُنهى بها. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ١.
هَاتِ:
بمعنى "أعْطِ" على لفظ "رام" و"عاط". قال الله جل ثناؤه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ٢ قال الفرّاء: ولم يُسمع في الاثنين، إنّما يقال للواحد والجميع. ويقولون: أنا أُهاتِيك، وليس من كلامهم هاتَيْتُ، ولا يُنهى بها. وبلغني أن رجلاً قال لآخر: هات فقال: لا أُهاتِيكَ ولا أؤاتيك.
وَيْكأَنَّ:
اختلف أهل العلم فيها. قال أبو زَيْد: معنى و"يكأنه" ألَمْ تَرَ. وأنشد:
ألا وَيْكَ المسرّةُ لا تدومُ ... ولا يبقى على الدّهر النعيمُ
وأنشد أبو عبيدة٣:
سَأْلَتاني الطِّلاقَ أن رأتانِي ... قَلَّ مالي قد جئتماني بِنكرِ
وَيْكَانْ مَن يكُنْ له نَشَبٌ يُحْـ ... ـببْ ومَنْ يفتِقر يَعِشْ عيشَ ضرِّ
وحدثني علي بن إبراهيم عن محمد بن فرج عن سلمة عن الفراء قال: هو في كلام العرب تقرير كما يقول القائل: "أما ترى إلى صنع الله".
وحكى الفراء عن شيخ من البصريين قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنُك? فقال زوجها: ويكأَنَّه وراء الباب. معناه: أما تَرَيْنَه وراء البَاب?.
قال الفرّاء: ويذهب بها بعض النحويين إلى أنهما كلمتان، يردي "وَيْكَ" إنما أراد "ويلَكَ" فحذف اللام ويجعل "أنّ" مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك أعلم أن. وقال: إنما حذفوا اللام من وَيْلَكَ حتى صارت وَيْكَ، فقد تقول العرب
стр. 145
ذلك لكثرتها في الكلام واستعمال العرب إياها. قال عنترة١:
ولقدْ شفى نفسي وأبرأ سقُمَها ... قِيلُ الفوارس وَيكَ عَنْتَرَ أَقْدِمٍ
وقال آخرون: ويكَ "وَيْ" منفصلة مِن كأنّ كقولك للرجل: أما ترى بين يديك. فقال: "وَيْ" ثم استأنف كأن الله و"كأن" في معنى الظن والعلم. وفيها معنى تعجب. قال: وهذا وجه مستقيم، ولم تكتبها العرب منفصلة. ويجوز أنّ يكون كثر بها الكلام فُوصلت بما ليس منه، كما اجتمعت العربُ على كتاب "يا بْنَؤُمَّ" فوصلوها لكثرتها.
أوْلَى:
سمعت أبا القاسم عليَّ بن أبي خالد يقول: سمعت ثعلباً يقول "أولى له" أي: داناه الهلاك. وأصحابنا يقولون: "أوْلَى" تَهَدُّدٌ ووعيدٌ. وهو قريب من ذلك. وأنشدوا٢:
ألْفِيَتَا عيناكَ عند الْقَفَا ... أوْلَى فأوْلَى لك ذا واقيَهْ
وقال قوم -وأنا أبرأ مِن عهدته-: إن "أوْلَى" مأخوذ من "الوَيْل". وكان للويلِ فِعْل وتصريف دَرَجَ ولم يبق منه إلا "الويل" قطُّ. قال جرير٣:
يَعَمَلنَ بالأكبادِ وَيْلاً وآئِلا
فقوله: "أَوْلَى": "أَفْعَلُ" من الويل، إلاَّ أن فيه القلبَ.
وقال قوم "أَوْلَى": داناهُ الهلاك فليَحْذَرْ. قال:
أولى لكم ثم أولى أن تصيبَكُمُ ... مِنِّي نَواقِرُ لا تبقى ولا تَذَرُ٤
يا:
تكون للنداء، نحو: "يا زيدُ". وللدعاء نحو: "يا لله". وتكون للتعجّب، كقوله: "يا لَهُ فارساً". وفي التعجب من المذموم: "يا له جاهلاً". قال في المدح
стр. 146
أنشد فيه القطّان عن ثعلب:
يا فارساً ما أبو أَوْفى إذا شُغِلتْ ... كلتا اليدين كَروراً غَير فَرَّارِ
وفي الذمّ قول الآخر:
أبو حازم جارٌ لها وابنُ بُرْثٌنٍ ... فيا لَكَ جارَيْ ذلة وصغار
و"يا" للتلهف والتأسف نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ ١.
ويكون تنبيهاً كقوله:
يا شاعراً لا شاعرَ اليوم مثلُه ... جرير ولكنْ في كُليب تواضُعُ
وعلى هذا يتأوّلُ قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ ٢ وقد ذكرناه.
و"يا" تكون للتلذُّذ نحو قوله:
يا بَرْدَها على الفؤاد لو يَقِفْ
стр. 147
باب معاني الكلام:
وهي عند بعض أهل العلم عشرة: خبرٌ. واستخبار. وأمر. ونهي. ودُعاء. وطَلَب. وعَرْض. وتحْضيض. وتَمنّ. وتعجّبٌ.
فهذا:
بابُ الخَبَرِ:
أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثرَ من أنّه إعلامٌ. تقول: "أخبرتُه. أخُبِرْه" والخبر هو العلم.
وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه. وهو إفادة المخاطَب أمراً في ماضٍ من زمان أو مستَقبل أو دائم. نحو "قام زيد" و"يقوم زيد" و"قائم زيد". ثم يكون واجباً وجائزاً وممتنعاً. فالواجب قولنا: "النار مُحرقة". والجائز وقولنا: "لقي زيد عمراً". والممتنع قولنا: "حملت الجَبَل".
والمعاني التي يحتملها لفظ "الخبر" كثيرة: فمنها التعجب نحو "ما احسنَ زيداً". والمنّي نحو: "ودِدتُكَ عندنا" والإنكار: "ما له عليَّ حق". والنفي: "لا بَأسَ عليك". والأمر نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَّ﴾ ١. والنهي نحو قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢. والتعظيم نحو "سبحان اللهِ". والدُّعاء نحو "عفا الله عنه". والوعد نحو قوله جلّ وعزّ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ ٣. والوعيد نحو قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٤ والإنكار والتبكيت نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٥.
стр. 148
وربّما كان اللفظُ خبراً والمعنى شرطٌ وجزاء، نحو قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ١ فظاهره خبر، والمعنى: إنّا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ومثله ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ٢ المعنى: مَن طلّق امرأته مرتين فليُمْسِكها بعدهما بمعروف أو يسرّحها بإحسان.
والذي ذكرناه في قوله جل ثناؤه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٣ فهو تبكيت وقد جاء في الشعر مثله. قال شاعر يهجو جريراً:
أبلغْ جريراً وأبلغ مَن يُبَلّغُه ... أني الأغرُّ وأني زهرةُ اليَمَنِ
فقال جريرٌ مبكّتاً له٤:
ألم تكن في وُسُوم قد وَسَمْتُ بها ... من حَانَ موعظةٌ يا زهرةَ اليَمَنِ
ويكون اللفظ خَبَراً، والمعنى دعاء وطلب مَرّ في الجملة. ونحوه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ معناه فأعِنّا على عبادتك. ويقول القائل: "أستغفر الله" والمعنى: اغْفِرْ. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ٦ ويقول الشاعر٧:
استغفرُ اللهَ ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوَجهُ والعملُ
باب الاستخبار:
الاستخبارُ طلب خُبْر ما ليس عن المستخبر، وهو الاستفهام.
وذكر ناس أن بين الاستخبار والاستفهام أدنى فرق. قالوا: وذلك أن أولى الحالين الاستخبار لأنك تستخبر فتجابُ بشيء، فربّما فهمته وربّما لم تفهمه، فإذا سألت ثانيةً فأنت مستفهم تقول: أفهمْني ما قتله لي. قالوا: والدليل على ذلك أن
стр. 149
الباري جل ثناؤه يوصَف بالخُبْر ولا يوصف بالفهم.
وجملة باب الاستخبار أن يكون ظاهره موافقاً لباطنه كسؤالك عنّا لا تعلمه، فتقول: "ما عندك?" و"من رأيتَ?".
ويكون استخباراً، في اللفظ، والمعنى تعجب. نحو: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ١. وقد يسمى هذا تفخيماً. ومنه وقوله: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٢ تفخيم للعذاب الذي يستعجلونه.
ويكون استخباراً والمعنى توبيخ. نحو ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ ٣. ومنه قوله:
أغَرَرْتني وزَعمت أنـ ... ـنك لاَبِنٌ بالصيف تَامرْ
ويكون اللفظ استخباراً، والمعنى تفجع. نحو: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ ٤.
ويكون استخباراً، والمعنى تبكيت نحو: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ ٥ تبكيتُ للنصارى فيما ادعوه.
ويكون استخباراً، والمعنى تقرير. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ٦.
ويكون استخباراً، والمعنى تسوية. نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ٧.
ويكون استخباراً، والمعنى استرشاد. نحو: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ٨.
ويكون استخباراً، والمعنى إنكار نحو: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
стр. 150
تَعْلَمُونَ﴾ ١. ومنه قول القائل:
وتقولُ عَزَّةُ قد مَلِلتَ فقل لها ... أيَمَلُّ شيءٌ نفسَه فأمَلَّها
ويكون اللفظ استخباراً، والمعنى عَرْض. كقولك: "ألا تنزل".
ويكون استخباراً، والمعنى تحْضيضِ. نحو قولك: "هَلاَّ خيراً من ذلك" و:
بني ضَوْطَرَى لولا الكمي المقنَّعا٢
ويكون استخباراً والمراد به الإفهام. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ ٣ قد علم أن لها أمراً قد خفي على موسى ﵇، فأعلمه مِن حالها ما لم يعلمه.
ويكون استخباراً، والمعنى تكثير، نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ٤ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ٥. ومثله:
كَم مِن دَنِيٍّ لها قد صِرتُ أتْبَعُه ... ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا
وقال آخر٦:
وكم مِن غائط من دونِ سلْمى ... قليلِ الأُنس ليس به كتيعُ
ويَكون استخباراً، والمعنى نفي. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ٧ فظاهره استخبار والمعنى: لا هاديَ لمن أضلَّ اللهُ. والدليل على ذلك قوله في العطف عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٨. ومما جاء في الشعر منه قولُ
стр. 151
الفرزدق١:
أينَ الذين بهم تُسامِي دارِماً ... أمْ منْ إلى سلفيْ طهيَّة تَجْعلُ
ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٢ أي لستَ منقذَهم.
وقد يكونُ اللفظ استخبارًا، والمعنى إخبار وتحقيق. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٣ قالوا معناه: قد أتى.
ويكون بلفظ الاستخبار، والمعنى تعجّب. كقوله جلّ ثناؤه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ٤ و ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ٥ ومِن دقيق باب الاستفهام أن يوضَع في الشرط وهو في الحقيقة للجزاء. وذلك قول القائل: "إن أكرمتُكَ تُكرِمني" المعنى: أتكرمني إن أكرمتُك? قال الله جلّ ثناؤه: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٦ تأويل الكلام: أفهم الخالدون إن متّ? ومثله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ٧ تأويله: أفتنقلبون على أعقابكم إنّ مات?
وربّما حَذفت العربُ ألف الاستفهام. ومن ذلك قول الهُذْلِيّ٨:
رَفوْنِي وقالوا يا خويلدُ لم ترَعْ ... فقلت وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ
أراد: أهم? وقال آخر٩:
لَعمرُكَ ما أدري وإن كنتُ دارياً ... شُعَيْث بنَ سَهْم أم شُعيث بنَ مِنْقرِ
وقال آخر١٠:
لعمركَ ما أدري وإن كنتُ دارياً ... بسبع رَمين الجمر أم بثمان
стр. 152
وعلى هذا حمل بعض المفسرين قوله جل ثناؤه في قصة إبراهيم ﵇: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ١: أي: أهذا ربي?.
باب الأمر:
الأمر عند العرب ما إذا لم يفعله المأمور به سمي المأمور به عاصياً. ويكن بلفظ "افْعلْ" و"ليفعل" نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ٢ ونحو قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ ٣.
فأما المعاني التي يحتملها لفظ الأمر فأن يَكون أمراً، المعنى مسألة. نحو قولك: "اللهم اغفر لي". قال:
ما مَسَّها من نَقبٍ ولا دَبَرْ ... اغْفِرْ له اللهمَّ إن كان فَجَر
ويكون أمراً، والمعنى وعيد. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ٤. ومثله قوله جلّ ثناؤه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٥. ومنه قول عَبِيد٦:
حَتّى سَقيناهم بكأسٍ مُرَّةٍ ... فيها المُثمَّلُ ناقعاً فليشْرَبوا
ومن الوعيد قوله:
ارْوُوْا عليَّ وأرْضُوا بي رِحالَكُمُ ... واسُتَسْمِعوا يا بني مَيْثاءَ إنشادي
ما ظنُّكم ببني مَيْثاءَ إن رَقدوا ... ليلاً وشَدَّ عليهم حَيّةُ الوادي
وقد جاء في الحديث٧: "إذا لم تَسْتَحْيِ فاصنَعْ ما شئت" أي: إن الله جل ثناؤه مجازيك، قال الشاعر٨:
стр. 153
ذا لم تَخْشَ عاقِبةَ الليالي ... ولم تَسْتَحي فاصنع ما تشاءُ
ويكون اللفظ أمراً، والمعنى تسليم. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضِ﴾ ١.
ويكون أمراً، والمعنى تكوين. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢. وهذا لا يجوز أن يكون إلا مِن الله جلّ ثناؤه.
ويكون أمراً، وهو نَدْب نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضَ﴾ ٣. مثله:
فقلتُ لراعيها انْتَشِرْ وتَبَقَّلِ
ويكون أمراً، وهو تعجيز. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ ٤. ومثله٥:
خَلِّ الطريقَ لمن يَبْني المَنَارَ بها ... وابرُز بِبَرْزَة حيثُ اضْطَرَّكَ الْقَدَرُ
ويكون أمراً، وهو تعجب. نحو قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ﴾ ٦. قال٧:
أحْسِنْ بها خُلَةً لو أنها صدقتْ ... موعودَها ولو انَّ النُّصحَ مقبولُ
ويكون أمراً، وهو تمنٍّ. تقول لِشَخص تراه: "كُنْ فلاناً".
ويكون أمراً، وهو واجب. في أمر الله جلّ ثناؤه: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ٨.
ويكون اللفظ أمراً، والمعنى تلهيفٌ وتحسير. كقول القائل: "متْ بِغَيْظِكَ" ومُتْ بِدائِكَ" وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ٩ ثم قال
стр. 154
جرير١:
موتوا من الغَيْظ غَمّاً في جَزِيرَتِكم ... لَنْ تقطعوا بطنَ وادٍ دونَهُ مُضَرُ
ويكون أمراً، والمعنى خَبَر. كقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ٢ المعنى: انهم سيضحكون قليلاً ويبكون كثيراً.
فإن قال قائل: فما حال الأمر في وجوبه وغير وجوبه? قيل له: أمّا العرب فليس يُحفظُ عنهم في ذلك شيء، غير أن العادة بأنَّ من أمر خادمه بسقيه ماءً فلم يفعل، أنّ خادمه عاصٍ: وان الآمر مَعْصِيّ. وكذلك إذا نهى خادَمه عن الكلام فتكلّم، لا فرق عندهم في ذلك بين الأمر والنهي.
فأما "النهي" فقولك: "لا تَفْعَلْ" ومنه قوله٣:
لا تَنِكحي إن فَرَّق الدهر بيننا ... أغمَّ القفا والوَجهِ ليس بأنْزعا
وأمّا "الدعاء، والطَّلب" فيكون لمن فوقَ الداعي والطالب. نحو: "اللهم اغُفرْ" ويقال للخليفة: "انظُرْ في أمري". قال الشاعر٤:
إليك أشكو فتقبَّلْ مَلَقي ... واغفِرْ خطاياي وثمِّرْ وَرقي
و"العرض. والتحضيض" متقاربان. إلا أن العَرْضَ أرفَقُ. والتحضيض أعْزَمُ. وذلك قولك في العَرض "ألا تنزِل. ألا تأكلُ" والإغراء والحثُّ قولك: "ألَمْ يأنِ لك أن تطيعَني". وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٥. والحثّ والتحضيض كالأمر ومنه قوله : ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ ٦ فهذا من الحثّ والتخصيص، معناه: ائْتِهم ومُرْهُم بالاتقاء.
و"لولا" يكون لهذا المعنى، وقد مضى ذكرها. وربما كان تأويلها النفي،
стр. 155
كقوله جلّ ثناؤه: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ ١ المعنى: اتخذوا من دونه آلهة لا يأتونَ عليهم بسلطان بين.
و"التمني" قولك: "وَدِدتكَ عندنا" وقوله٢:
وَدِدتُ وما تُغني الوَدَادَةُ أنني ... بما في ضمير الحاجِبيَّة عالِمُ
قال قوم: مِن الأخبار، لأن معناه "ليس" إذا قال القائل: "لَيْتَ لي مالاً" فمعناه: ليس لي مالٌ. وآخرون يقولون: لو كان خبراً لجاز تصديق قائله أو تكذيبه، وأهل العربية مختلفون فيه على هذين الوجهين.
أما "التعجب" فتفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه بوصف. كقولك: ما أحسَنَ زيداً. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ٣ وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ٤ وقد قيل: إنّ معنى هذا: "ما الذي صَبَّرهم". وآخرون يقولون: "ما أصبرَهم: ما أجرأهم". قال وسمعت أعرابيّاً يقول لآخر: ما أصبرك على الله، أي ما أجرأك عليه.
باب الخطاب بلفظ المذكر أو لجماعة الذُّكران:
إذا جاء الخطاب بلفظ مذكّر ولم يُنَصَّ فيه على ذِكر الرجال فإنّ ذلك الخطاب شامل للذُكران والإناث. كقوله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٥. كذا تَعْرف العرب هذا. فإن قال القائل: "هذا لقوم من بني فلان" فقد ذهب أكثرُ أهل اللغة إلى أن "القوم" للرجال دون النساء، فسمعت عليَّ بن إبراهيم يقول، سمعت ثعلباً يقول: يقال: "امُرُؤُ, وامْرَءان, وقوم" و"امرأة. وامْرأتان. ونِسْوَة". وسمعت عليّاً يقول: سمعت المفسّر يقول: سمعت عبد الله بن مُسْلم يقول: القوم للرجال دون النساء، ثم يخالطهم النساء فيقال:
стр. 156
"هؤلاء القومُ قومُ فلان" ولا يجوز للنساء ليس فيهن رجل: هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: هؤلاء من قوم فلان، لأن قومه رجال والنساء منهم. قال: وإنّما سمّي الرِّجالَ دون النساء قوماً، لأنهم يقومون في الأمور وعند الشدائد يقال قائم وقَوْم، كما يقال: زائر وزَوْر. وصائم وصَوْم. ونائم ونَوْم. ومثله "النَّفَر" لأنهم ينفِرُون مع الرجال إذا استنفَرَهم. قال امرؤ القيس١:
فهو لا تَنمِي رَمِيَّتُهُ ... ما لَهُ لا عُدَّ من نَفَرِهِ
ومما يدلّ على أن القوم للرجال قول زهير٢:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقول آل حصن أم نساءُ
باب أقلِّ العدد الجمعِ:
الرُّتَبُ في الأعداد ثلاث: رتبةُ الواحد. ورتبة الاثنين. ورتبة الجماعة، فهي للتوحيد والتثنية والجمع، لا يزاحم في الحقيقة بعضُها بعضاً. فإن عُبِّر عن واحد بلفظ جماعة وعن اثنين بلفظ جماعة فذلك كله مجاز والتحقيق ما ذكرناه. فإذا قال القائل: "عندي دراهمُ, أو أفراسٌ, أو رجال" فذلك كله عبارة عن أكثر من اثنين. وإلى ذلك ذهب عبد الله بن عباس -ومكانُه من العلم باللغة مكانُه- في قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ٣ إلى أن الحَجْبَ في هذا الموضع عن الثلث إلى السدس لا يكون إلا بأكثر من اثنين، وقوله ﷺ : "الاثنان فما فوقَهما جماعة" ٤ فإنما أراد أنهما إذا صَلَّيا فقد حازا فضلَ الجماعة، لا أنّ النبي ﷺ سمَّي الشخصين جماعة. وقول القائل: إن أقلّ ذلك أن يُجْمع واحد إلى واحد فهذا مجاز، وإنما الحقيقة أن يُقال: كان واحد فثنّي ثم جمع. ولو كان الأمر على ما قالوه لما كان للتثنية ولا للاثنين معنى بوجه، ونحن نقول: خرجا. ويخرجان فلو كان الاثنان جمعاً لَمَا كان لقولنا يخرجان معنىً، وهذا لا يقوله أحد.
стр. 157
باب الخطاب الذي يقع به الإفهام من القائل والفَهم من السامع:
يقع ذلك بين المتخاطبيْن من وجهين: أحدهما الإعراب، والآخر التصّريف. هذا فيمن يعرف الوجهين، فأمّا من لا يعرفهما فقد يمكن القائل إفهامُ السامع بوجوه يطول ذِكرها من إشارة وغير ذلك, وإنّما المُعَوَّل على ما يقع في كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب أو في سنة رسول الله ﷺ أو غيرهما من الكلام المشترك في اللفظ.
فأمّا الإعراب فبه تُميَّز المعاني ويُوقَف على أغراض المتكلمين. وذلك أنّ قائلاً لو قال: "ما أحسنْ زيدْ" غيرَ معرب أو "ضربَ عمرْ زيد" غير معرب لم يوقَف على مراده. فإن قال: "ما أحسنَ زيداً" أو "ما أحسنُ زيدِ" أو "ما أحسنَ زيدٌ" أبانَ بالإعراب عن المعنى الذي أراده.
وللعرب في ذلك ما ليس لغيرها: فهم يفْرُقون بالحركات وغيرها بين المعاني. يقولون "مِفْتَح" للآلة التي يُفتح بها. و"مفتح" لموضع الفتح و"مقص" لآلة القص. و"مقص" للموضع الذي يكون فيه القصّ. و"محلب" للقدَح يُحلب فيه و"محلب" للمكان يُحتلب فيه ذواتُ اللبن. ويقولون: "امرأة طاهر" من الحيض لان الرجل لا يَشْرَكها في الحيض. وطاهرة من العيوب لأن الرجل يَشْرَكها في هذه الطّهارة. وكذلك "قاعد" من الحبل و"قاعدة" من القعود.
ثم يقولون: "هذا غلاماً أحسن منه رجلاً" يريدون الحالَ في شخص واحد. ويقولون: "هذا غلام أحسنُ منه رجل" فهما إذاً شخصان.
وتقول: "كم رجلاً رأيتَ?" في الاستخبار و"كم رجلٍ رأيتَ" في الخبر يراد به التكثير. و"هن حَوَاجُّ بيتِ الله" إذا كنّ قد حججن. و"حَوَاجُّ بيتِ الله" إذا أردْن الحجَّ. ومن ذلك "جاء الشتاءُ والحَطَبَ" لم يُرِدْ أنَّ الحطب جاء، إنما أراد الحاجة إليه، فإن أراد مجيئَهما قال: "والحطبُ". وهذا دليل يدل على ما وراءه.
وأما التصريف فإنَّ من فاته علمه فاته المُعظَم، لأنا نقول: "وَجَدَ" وهي كلمة مبهمة فإذا صرفنا أفصحتْ فقلنا في المال "وُجْداً", وفي الضالة "وِجْداناً", وفي الغضب "مَوْجِدَةً" وفي الحزن "وَجْداً". وقال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ
стр. 158
فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ١ وقال: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢ كيف تحول المعنى بالتصريف من العدل إلى الجَوْر. ويكون ذلك في الأسماء والأفعال فيقولون للطريقة في الرمل "خِبَّة" وللأرض المخصبة والمجدبة "خُبَّة". وتقول في الأرض السهلة الخوَّارة "خارت، تخورُ، خَوْراً، وخؤورًا"، وفي الإنسان إذا ضعُف "خارَ، خَوَراً"، وفي الثور "خار، خُواراً". ويقولون للمرأة الضخمة "ضِنَاك" وللزُّكمة "ضُنَاك" ويقولون للإبل التي ذهبت ألبانها "شَوْل" وهي جمع "شائلة". والتي شالت أذنابها لِلَّقح "شُوَّل" وهي جمع "شائل". ويقولون لبقية الماء في الحوض "شَوْل" ويقولون للعاشق "عميد" وللبعير المتأكل السَّنام "عَمِد" إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يُحصى.
باب معاني ألفاظ العبارات التي يعبّر بها عن الأشياء:
ومرجعها إلى ثلاثة وهي: المعنى، والتفسير، والتأويل. وهي وإن اختلفت فإن المقاصد بها متقاربة.
فأما المعنى فهو القصد والمراد. يقال: "عَنَيْتُ بالكلام كذا" أي: قَصَدْتُ وعَمَدْت. أنشدني القطان عن ثعلب عن ابن الأعرابي٣:
مثلُ البُرام غدا في أُصْدَةٍ خلَقِ ... لم يستَعِن وحوامي الموتِ تَغشاهُ
فَرَّجْتُ عنه بِصِرْعَيْنا لأرمَلة ... وبائس جاء معناه كمعناهُ
يقول في رجل قُدِّم لِيُقتل، وأنه فرج عنه بِصِرْعين، أي فِرْقين من غنم: قد كنتُ أعددتُها لأَرملة تأتيني تسألني أو لبائس مثل هذا المقدَّم ليقتل معنا، أي إن مقصدهما في السؤال والبؤس ومقصد واحد ويجوز أن يكون المعنى "الحال" أي حالهما واحدة.
وقال قوم اشتقاق "المعنى" من "الإظهار" يقال: "عَنتِ القِرْبة" إذا لم تحفظ
стр. 159
الماء بل أظهرته، و"عنوان الكتاب" من هذا. وقال آخرون: "المعنى" مشتق من قول العرب "عَنتِ الأرض بنبات حسن" إذا أنبتت نباتاً حسناً. قال الفراء: "لم تَعْنُ بلادنا بشيء" إذا لم تُنبت وحكى ابن السّكِّيت: "لم تَعْنِ" من "عَنَتْ. تعني" فإن كان هذا فإنَّ المراد بالمعنى الشيء الذي يفيده اللفظ كما يقال: "لم تَعْنِ هذه الأرض" أي لم تُفِدْ.
وأما "التفسير" فإنه "التفصيل" كذا قال ابن عباس في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ١ أي: تفصيلاً.
وأما اشتقاقه فمن "الفَسر". أخبرني القطّان عن المَعْدَانّي عن أبيه عن معروف عن الليث عن الخليل قال: الفسر البيان، واشتقاقه من فَسرِ الطبيب للماء إذا نظر إليه، ويقال لذلك: "التَّفْسِرَة" أيضاً.
وأما "التَّأْويل" فآخِرُ الأمر وعاقبته. يقال: "إلى أي شيء مآل هذا الأمر?" أي مَصيرُهُ وآخِره وعقباه. وكذا قالوا في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهِ﴾ ٢ أي: لا يعلم الآجال والمُدَدَ إلاَّ الله جلّ ثناؤه، لأن القوم قالوا في مدّة هذه الملة ما قالوه، فأُعلموا أن مآل الأمر وعقباه لا يعمله إلا الله جل ثناؤه.
واشتقاق الكلمة من "المآل" وهو العاقبة والمصير، قال عَبْدَةُ بن الطبيب٣:
ولِلأَحِبَّة أيام تَذَكَّرُها ... ولِلنّوى قبل يوم البين تأويلُ
وقال الأعشى٤:
على أنًّها كانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تَأّوُّلَ رِبِعِيِّ السِّقاب فأَصْحَبَا
يقول: إن حبّها كان صغيراً في قلبه فآلَ إلى العِظَم ولم يزل يَنْبُت حتى أصْحَبَ، فصار كالسَّقب الذي لم يزل يَشِبُّ حتى أصحب، يعني أنه إذا استصحبَتْه أمّه صَحِبَها.
стр. 160
باب الخطاب المطلق والمقيّد:
أمّا الإطلاق فأن يّذكَر الشيء باسمه لا يُقرَن به صفة ولا شرط ولا زمان ولا عدد ولا شيء يشبه ذلك.
والتقيد أن يذكَر بِقَرِينٍ من بعض ما ذكرناه، فيكون ذلك القرين زائداً في المعنى. من ذلك أن يقول القائل: "زيدٌ لَيْثٌ"، فهذا إنما شبَّهه بليث في شجاعته، فإذا قال: "هو كالليثِ الحَرِبِ" فقد زاد "الحَرِبَ" وهو الغضبان الذي حُرِبَ فريسَتَه، أي: سُلِبَها. فإذا كان كذا كان أدهى له. ومن المطلَق قوله١:
ترائِبُها مَصْقولة كالسَّجَنْجلِ
فشبَّهَ صدرها بالمرآة، لم يزد على هذا. وذكر ذو الرّمة أخرى فزاد في المعنى حتى قيّد فقال٢:
ووجهٌ كمرآة الغريبة أسْجَحُ
فذكر المرآة كما ذكر امرؤ القيس السَّجنجل، وزاد الثاني ذِكْرَ الغريبة فزاد في المعنى، وذلك أن الغريبة ليس لها من يُعْلِمها محاسنها من مساويها فهي تحتاج أن تكون مرآتها أصفى وأنقى لتُرِيَها ما تحتاج إلى رؤيته من سُنَنِ وجهها. ومنه قول الأعشى٣:
تَرُوحُ على آل المُحَلَّق جَفنةٌ ... كجابِيَة الشيخ العِراقيِّ تَفْهَقُ
فشبَّه الجفنة بالجابية، وهي الحوض، وقيدها بذكر الشيخ العراقي، لأن العراقي إذا كان بالبدو لم يعرف مواضعَ الماء ومواقع الغيث، فهو على جمع الماء الكثير أحرص من البدوي العارف بالمناقِع والأحساء. وفي هذا الباب قول حُمَيد بن ثَوْر يصف بعيراً٤:
стр. 161
مُحَلّى بأطواقٍ عِتاقٍ يُبينُها ... على الضُّرِّ راعى الثَّلَّة المُتَعيّفُ
فقال "راعي ثَلَّة" ولم يطلق اسم الراعي، وذلك أنهم يقولون: إنّ راعي الغنم أجهلُ الرُّعاة، فيقول: إنّ هذا البعيرَ محلّىً بأطواق عتاق، أي كريمة، يُبينُها راعي الثلَّة على جهله فكيف بغيره ممن يعرف.
باب الشيء يكون ذا وصفين فيُعلَّق بحُكْم من الأحكام على أحد وصفَيْه:
أمّا الفقهاء فمختلفون في هذا.
فأمّا مذهب العرب فإنّ العربي قد يذكر الشيء بإحدى صفتيه فيؤَثّر ذلك، وقد يذكره فلا يؤثّر بل يكون الأمر في ذلك وفي غيره سواءً. ألاَ ترى القائل يقول١:
مِنْ أُناس ليسَ من أخلاقِهم ... عاجِلُ الفُحش ولا سوء الطَّمَعْ
فلو كان الأمر على ما يذهب إليه مَن يُخالِف مذهبَ العرب لاستجيز عاجلُ الفُحش إذا كان الشاعرُ إنما ذكر العاجل، وقد قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ ٢ والكفر لا يجوز في حال من الأحوال. وحكى ناس عن أبي عُبيدْ إنما سَلك فيما قاله من هذا مَسْلك التَّأوُّل ذاهباً إلى مذهب من يقول بهذه المقالة، ولم يَحْكِ ما قاله عن العرب، ولو حكاه عنهم للزم القولُ به، لأنّ أبا عبيدْ ثِقة أمين فيما يحكيه عن العرب، فأما في الذي تأوَّله فإنّا نحن نُخالفه فيه كما نخالفه في مسألة مُتعة الحج وفي ذوي الأرحام وغير ذلك من المسائل المختلف فيها.
стр. 162
باب سنن العرب في حقائق الكلام والمجاز:
نقول في معنى الحقيقة والمجاز:
إن "الحقيقة" من قولنا: "حَقَّ الشيء" إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقَّق وهو المُحْكَم، تقول: ثوب محقَّق النَّسْج أي مُحْكَمُه. قال الشاعر:
تَسرْبلْ جِلدَ وجهِ أبيك إنّا ... كَفيناكَ المحقَّقَةَ الرِّقاقا١
وهذا جنس من الكلام يُصدِّق بعضُه بعضاً من قولنا: "حَقٌّ وحقيقة. ونصُّ الحِقاق". فالحقيقة: الكلام الموضوع موضِعَه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل، ولا تقديم فيه ولا تأخير، كقول القائل: "أحمدُ اللهَ على نِعَمِهِ وإحسانه". وهذا أكثر الكلام. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ٢ وأكثر ما يأتي من الآي على هذا. ومثله في شعر العرب٣:
لَمالُ المرءِ يُصْلحِهُ فيَغْنى ... مفاقِرَه أعَفُ من القُنوعِ
وقول الآخر:
وفي الشرِّ نَجَاةٌ حِـ ... ـينَ لا يُنْجيكَ إحْسانُ
وأمّا "المجاز" فمأخوذ من "جازَ، يَجُوزُ" إذا استنَّ ماضياً تقول: "جاز بنا فلان. وجازَ علينا فارِس" هذا هو الأصل. ثم تقول: "يجوز أن تفعلَ كذا" أي: يَنْفُذ ولا يُرَدُّ ولا يُمْنَع. وتقول: "عندنا دراهم وَضَح وازِنَة وأخرى تَجُوزُ جَوَازَ الوازِنَة" أي: إن هذه وإن لم تكن وازِنة فهي تجوز "مجازَها" وجوازها لِقْربِها منها. فهذا تأويل قولنا: "مجاز" أي: إن الكلام الحقيقيّ يَمْضي لِسَنَنَهِ لا يُعْتَرض عليه،
стр. 163
وقد يكون غيره يجوز جوازه لقُربه منه، إلاِّ أنّ فيه من تشبيهٍ واستعارَة وكفٍّ ما ليس في الأول، وذلك كقولك: "عطاءُ فلان مُزْنٌ واكفٌ" فهذا تشبيه وقد جاز مجاز قوله: "عطاؤه كثير وافٍ" ومن هذا في كتاب الله جل ثناؤه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ ١ فهذا استعارة. وقال: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ٢ فهذا تشبيه ومنه قول الشاعر٣:
ألَمْ ترَ أنّ الله أعطاكَ سورَةً ... تَرَى كلَّ مَلك دُونها يَتَذَبذَبُ
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طَلَعَتْ لم يبْدُ منهن كوكبُ
فالمجاز هنا عند ذِكر "السُّورَة" وإنما هي من البناء. ثم قال: "يتذبذب". والتذبذب يكون لِذَباذِب الثوب وهو ما يتدلّى منه فيضطرب, ثم شبهه بالشمس وشبههم بالكواكب.
وجاء هذان البابان في نُظوم كتاب الله جلّ ثناؤه، وكذلك يجيء بعدهما ما نذكره في سُنَن العرب لتكون حجَّة الله جلّ اسمه عليهم أكَدَ، ولِئَلاَّ يقولوا: إنما عجزنا عن الإتيان بمثله لأنه بغير لغتنا وبغير السُّنن التي نَسْتَنُّها. لا، بل أنزله جل ثناؤه بالحروف التي يعرفونها وبالسُّنن التي يسلكونها في أشعارهم ومخاطباتهم ليكون عجزهم عن الإتيان بمثله أظهرَ وأشهر. ثم جعله تبارك اسمه أحد دلائل نُبوّة نبينا محمد ﷺ , ثم أعلمهم ألاَّ سبيل لهم إلى معارَضته، وقَطَع العُذر بقوله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٤.
فمن سنن العرب مخالفة ظاهرِ اللفظ معناه، كقولهم عند المدح: "قاتله الله ما أشعره" فهم يقولون هذا ولا يريدون وقوعه. ومن قول امرئ القيس يصف رامياً٥:
فهو لا تَنمِي رَمِيَّتُهُ ... ما لَهُ لا عُدَّ من نفره
стр. 164
يقول: إذا عدَّ نفره لم يعدَّ معهم، كأنه قال: قتله الله، أماته الله، حتى لا يعدَّ. ومنه قولهم: "هوَتْ أمُّه. وهَبِلَتْهُ، وثكلَته" قال: كعب بن سعد يرثي أخاه١:
هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصبحُ غادياً ... وماذا يؤَدّى الليلُ حينَ يؤوبُ
وهذا يكون عند التعجب من إصابة الرجُل في رميْه أو في فعل يفعله وكان عبد الله بن مسلم بن قتيبة يقول في هذا الباب: من ذلك الدعاءُ على جهة الذم لا يراد به الوقوعُ كقوله الله جل ثناؤه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ٢، و ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ٣. و ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤" وأشباه ذلك.
قال أحمد بن فارس: وهذا وإن أشبه ما تقدم ذكره فإنه لا يجوز لأحد أن يُطلق فيما ذكره الله جلّ ثناؤه أنه دعاء لا يراد به الوقوع، بل هو دعاء عليهم أراد الله وقوعه بهم فكان كما أراد، لأنهم قُتلوا وأهلكوا وقوتلوا ولُعنوا، وما كان الله جلّ ثناؤه ليدعوَ على أحد فتَحِيدَ الدعوة عنه: قال الله جلّ ثناؤه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٥ فدعا عليه ثم قال: ﴿وَتَبَّ﴾ أيّ وقد تبّ وحاق به التبَّاب.
وابن قتيبة يُطِلق إطلاقات منكرةً ويروي أشياءَ شنعة، كالذي رواه عن الشَّعْبِيّ أنَّ أبا بكر وعمر وعليّاً توُفوا ولم يجمعوا القرآن. قال: وروى شَريك عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت الشَّعبي يقول ويحلف بالله: لقد دخل علي حُفرته وما حِفظ القرآن. وهذا كلام شنع جدّاً في من يقول "سَلُوني قبل أن تَفقِدوني، سلوني فما من آية إلاَّ أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل".
وروى السُّدّيّ عن عبدِ خيرٍ عن عليَّ رضي الله تعالى عنه أنه رأى من الناس طَيْرَةً عند وفاة رسول الله ﷺ فأقسَمَ ألاَّ يضع على ظهره رداءً حتى يجمع القرآن قال: فجلس في بيته حتّى جمع القرآن، فهو أول مصحف جُمع فيه القرآن، جَمعه
стр. 165
في قلبه، وكان ند آل جعفر.
وحدّثنا علي بن إبراهيم عن علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبيد حدّثني نصر بن بابٍ عن الحجاج عن الحكم عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنه قال: ما رأيتُ أحداً أقرى من عليّ صلوات الله عليه، صلّينا خلفه فأسْوأ بَرْزخاً ثم رجَع فقرأه ثم عاد إلى مكانه قال أبو عبيد البرزخ: ما بينَ كل شيئين، ومنه قيل للميت: هو في البرزخ، لأنه بين الدنيا والآخرة، فأراد أبو عبد الرحمن بالبرزخ ما بين الموضع الذي أسقط علي صلوات الله عليه منه ذلك الحرفَ إلى الموضع الذي كان انتهى إليه.
باب أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق:
يكون ذلك على وجوه: فمنه اختلاف اللفظ والمعنى، وهو الأكثر الأشهر، مثل "رجل، وفرس" و"سيف، ورمح" ومنه اختلاف اللفظ واتفاق المعنى، كقولنا: "سيف, وعَضب" و"ليث، وأسَد" على مذهبنا في أن كل واحد منهما فيه ما ليس في الآخر من معنى وفائدة
ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، كقولنا عين الماء وعين المال وعين الرّكبة وعين الميزان ومنه في كتاب الله جل ثناؤه: ﴿قَضَى﴾ بمعنى: حَتَم كقوله جلّ ثناؤه ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ ١ وقضى بمعنى: أمرَ كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٢ أي أمر. ويكون قضى بمعنى: أعَلَم كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ ٣ أي أعلمناهم. وقضى بمعنى: صَنَع كقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٤ وكقوله جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ ٥ أي اعملوا ما أنتم عاملون. وقضى: فَرَغ. ويقال للميت:
стр. 166
قَضَى أي فرغ. وهذه وإن اختلفت ألفاظها فالأصل واحد.
ومنه اتفاق اللفظ وتضادُّ المعنى كـ"الظنّ" وقد مضى الكلام عليه.
ومنه تقارب اللفظين والمعنيين كـ"الحَزْم" و"الحَزن". فالحَزمُ من الأرض أرفع من الحزن. وكـ"الخَضْم" وهو بالفم كله. و"القضم" وهو بأطراف الأسنان.
ومنه اختلاف اللفظين وتقارب المعنيين كقولهم مدحه إذا كان حيًّا و"أبنه" إذا كان ميتاً.
ومنه تقارب اللفظين واختلاف المعنيين وذلك قولنا "حَرِجَ" إذا وقع في الحَرج و"تحرج" إذا تباعد عن الحرج. وكذلك "أثِمَ، وتأثم"، و"فزع" إذا أتاه الفَزَع و"فزع عن قلبه" إذا نحِّي عنه الفزع قال الله جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ١ أراد والله أعلم: أخرِج منها الفزعُ.
باب القلب:
ومن سنن العرب القلبُ. وذلك يَكون في الكلمة، ويكون في القِصَّة:
فأمّا الكلمة فقولهم: "جَذَبَ، وجبَذَ" و"بكل، ولبَكَ" وهو كثير وقد صنّفه علماء اللغة، وليس من هذا فيما أظن من كتاب الله جلّ ثناؤه شيءٌ. وأما الذي في غير الكلمات فقولهم:
كما عُصِبَ العِلْباءُ بالعودِ٢
و:
كما كان الزِّناءُ فريضة الرَّجْمِ٣
و:
كأنّ لونَ أرضه سماؤُهُ٤
و:
كأنّ الصفا أوْراكُها
إنما أراد: كان أوراكَها الصَّفا، ويقولون: "أدخلتُ الخاتَمَ في إصبعي" و:
стр. 167
تشقى الرِّماحُ بالضَّياطِرَةِ الحُمرِ١
و:
كما بَطنْتَ بالفَدَنِ السيَّاعا٢
و:
حَسَرْتُ كَفِّي عن السِّرْبالِ
وإنما حَسَرَ السِّربالَ عن كفه. ومثله في كتاب الله جل ثناؤه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٣ ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٤ ومعلوم أن التحريم لا يقع إلا على مَن يلزَمُه الأمر والنّهي، وإذا كان كذا فالمعنى: وحرَّمنا على المراضع أن يرضِعْنَه. ووجه تحريم إرضاعه عليهن أن لا يقبَل إرضاعهن حتى يُرَد إلى أمّه. قال بعض علمائنا: ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ والأصنام لا تعادي أحداً، فكأَنَّهُ قال: فإني عدوٌّ لهم. وعداوته لها بغضه إيّاها وبراءته منها.
باب الإبدال:
ومن سنن العرب إبدالُ الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، ويقولون "مَدَحَه، ومدهه" و"فرس رِفلٌّ. ورِفنٌّ" وهو كثير مشهور قد ألَّف فيه العلماء. فأمّا ما جاء في كتاب الله جل ثناؤه فقوله جل ثناؤه: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ ٦ فاللام والراء يتعاقبان كما تقول العرب: "فلقُ الصبح. وفَرَقه". وذُكر عن الخليل ولم أسمعه سماعاً أنه قال في قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَجَاسُوا﴾ : إنما أراد فحاسوا فقامت الجيم مقام الحاء، وما أحسب الخليل قال هذا ولا أحقُّه عنه.
باب الاستعارة:
ومن سنن العرب الاستعارة، وهو أن يضعوا الكلمة للشيء مستعارة من
стр. 168
موضع آخر فيقولون: "انشقت عصاهم" إذا تفرقوا. وذلك يكون للعصا ولا يكون للقوم. ويقولون: "كشَفَتْ عن ساقها الحروبُ". وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ١ يقولون للرجل المذموم: إنما هو حمار. وقال الشاعر:
دُفِعتُ إلى شيخ بجنَبِ فِنائِهِ ... هو العِيرُ إلا أنّه يتكلَّمُ
ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ٢ و ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ٣ أي في الخلق الجديد. و ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٤ وتقول العرب: "رانَ به النُّعاس" أي غلب عليه. و ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ٥ أي ضيق وشدة. و ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ ٦. و ﴿امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ٧ وقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ٨ وتقول العرب "ناقة تاجِرَة" يريدون أنها تُنْفِّقُ نفسَها بحسنها. وقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٩ و ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ١٠ و ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١١ ويُراد حظُّهم وما يحصل لهم. والعرب تقول١٢:
فإني لستُ منكَ ولستَ مني ... إذا ما طارَ من مالي الثمينُ
أي حصل. ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ ١٣ أي ائْتِ بها كما أمرتَ به و ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ ١٤ أي عَصَمَكَ منهم. رواه شعْبَة عن أبي رَجاء عن
стр. 169
الحَسَن ومن الاستعارة قولهم: "زالَتْ رحالةُ سابح" كناية عن المرأة تستعصي على زوجها. قال الشمّاخ١:
وكنتُ إذا زالت رِحالَةُ سابحٍ ... شَمِتُّ به حتَّى لقيتُ مِثالَها
وكانت امرأته نَشَزَتْ عليه، وذلك قوله٢:
ألا أصبحتْ عِرْسي من البيت جامحاً ... بغيرِ بَلاءٍ سَيِّئٍ ما بَدا لَها
باب الحذف والاختصار:
ومن سنُن العرب الحذف والاختصار، يقولون: "والله أفعلُ ذاك" يريد لا أفعل. و"أتانا عند مَغيب الشمس. أو حين أرادَ. أو حينَ كادت تغرب" قال ذو الرّمة٣:
فلمّا لَبِسْنَ الليلَ أو حين نَصَّبتْ ... له مِن خذا آذانها وهو جانِحُ
ومنه في كتاب الله جل ثناؤه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ ٤ أراد أهلّها. و ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٥. و"بنو فلان يَطَؤُهم الطريق" أي أهله. و"نحن نَطأُ السماء" أي مَطرها. و ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ ٦ أي من آل فرعون. و ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ ٧ أي ضِعفَ عذابِها. و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ ٨. ومثله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ ٩ أي فضرب فانفلق. ومنه ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ ١٠ أراد الثناءَ الحسن. ومنه ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ ١١ معناه: فإذا عزم الأمر كَذبُوه.
стр. 170
باب الزيادة:
قال بعض أهل العلم: إنّ العرب تَزيد في كلامها أسماءً وأفعالاً.
أما الأسماء فالاسم والوَجه والمِثْلِ. قالوا: فالاسم في قولنا: "بسم الله" إنما أردنا "بالله" لكنه لمّا أشّبه القسم زِيدَ فيه الاسم. وأما الوجه فقول القائل: "وَجْهي إليك" وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ١ ثم قال: الشاعر٢:
استغفر الله ذنبا لستُ مُحْصِيَهُ ... رب العباد إليه الوجهُ والعملُ
وأما المِثْل ففي قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ٣ ويقول قائلهم: "مثلي لا يَخضع لمثلك" أي: أنا لا أخضعُ لك. قال الشاعر٤:
يا عاذِلي دعْني مِن عَذْلكا ... مِثليَ لا يَقبَل من مثلكا
وقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ ٥ أي عليه.
وأما الأفعال فقولهم "كاد" في قول الشاعر٦:
حتّى تناول كَلْباً في دِيارهِم ... وكادَ يسمو إلى الجُرفَيْنِ فارتَفعا
أراد "وسما"، ألا ترى أنه قال: "فارتفعَ". وما يُزاد أيضاً من الأفعال قول القائل: "لا أعلم في ذلك اختلافاً" وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ ٧ أراد والله أعلم: بما ليس في الأرض.
وقد تزاد حروف من حروف المعاني, كزيادة "لا" و"من" وغير ذلك. وقد مضى ذكره بشواهده.
стр. 171
باب التكرار:
وسُنن العرب التكرير والإعادة إرادةَ الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عُبَاد١:
قَرّبا مرْبِط النَّعامةِ مِنّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عن حِيالِ
فكرَّرَ قوله: "قَرِبا مربِط النّعامة مني" في رءوس أبيات كثيرة عناية بالأمر وأراد الإبلاغ في التنبيه والتحذير. وكذلك قول الأشعر٢:
وَكَتِيبَةٍ لبَّسْتها بكتيبة ... حتى يقول نساؤهم هذا فتى
فكرر هذه الكلمة في رءوس أبيات على ذلك المذهب. وكتكرير مَن كرَّر٣:
مَهْلاً بني عَمِّنا مهلاً موالينا
وكقول الآخر:
كم نعمة كانت لَهُ ... كَمْ كَمْ وَكَمْ
فكرّر لفظ "كم" لفرط العناية بقصد تكثير العدد. قال علماؤنا: فعلى هذه السنة ما جاء في كتاب الله جل ثناؤه من قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٤.
فأما تكرير الأنباء والقِصَص في كتاب الله جل ثناؤه فقد قيلت فيه وجوه. واصح ما يقال فيه أن الله جل ثناؤه جعل هذا القرآن وعجْزَ القوم عن الإتيان بمثله أيةً لصحة نبوة محمد ﷺ ، ثم بيَّن وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القِصَّة في مَواضِعَ إعلاماً أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاء وبأي عبارة عَبَّرَ. فهذا أولى ما قيل في هذا الباب.
стр. 172
باب العموم والخصوص:
العامُّ الذي يأتي على الجملة لا يغادر منها شيئاً. وذلك كقوله جلّ ثناؤه: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ١ وقال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢.
والخاصُّ الذي يتحلّل فيقع على شيء دون أشياء. وذلك كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ٣ وكذلك قوله ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٤ فخاطب أهلَ العقلِ.
وقد يكون الكلامان متّصلين، ويكون أحدهما خاصاً والآخر عامّاً. وذلك قولك لمن أعطى زيداً درهماً: "أعْط عمراً، فإن لم تفْعل فما أعطيتَ" تريد: إن لم تُعطِ عمراً فأنت لم تعطِ زيداً أيضاً، وذلك غير محسوب لك. ومثله في كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٥ فهذا خاص، يريد: هذا الأمر المجدَّد بَلِّغْه، فإن لم تفعل ولم تبلغ هذا فما بلغت رسالته. يريد: جميع ما أرسلتَ به.
وأمّا العامُّ الذي يراد به الخاصُّ فكقوله جل ثناؤه حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦ ولم يرد كلَّ المؤمنين؛ لأن الأنبياء قبله قد كانوا مؤمنين. ومثله كثير. ومنه ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ ٧, وإنّما قاله فريق منهم. و ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ٨, إنما قاله نُعَيْم بن مسعود إن الناس أبو سفيان وعيينة بن حِصْن. ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ٩ أراد: الآيات التي إذا كذّب بها نزل العذاب على المكذِّبين وكذلك
стр. 173
قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ أراد به من المؤمنين لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢.
وأما الخاصُّ الذي يُرادُ به العامّ فكقوله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ٣ الخطاب له ﷺ والمراد الناسُ جميعاً.
باب إضافة الفعل إلى ما ليس بفاعل في الحقيقة:
ومن سُنن العرب إضافة الفعل إلى ما ليس فاعلاً في الحقيقة، يقولون: "أراد الحائطُ أن يقعَ" وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ٤ وهو في شعر العرب كثير. قال الشمّاخ٥:
أقامتْ على رَبعَيْهما جارتا صفاً ... كْمَيتا الأعالي جَوْنَتَا مُصْطلاهُما
فجَعل الأثافِيَّ مُقيمةً. وقال٦:
وأشعثَ وَرَّادِ العِدادِ كأنّهُ ... إذا انشقَّ في جَوز الفلاة فَليقُ
يصف طريقاً يَرِدُ ماء وهو لا وِرْدَ له. ومنه قوله٧:
كأني كَسوْتُ الرَّحُل أحقَبَ سَهْوقاً ... أطاعَ لهُ من رامَتَيْن حَدِيقُ
فجعل الحديثَ مطيعاً لهذا الحمارِ لمَا تمكّن من رَعيه، والحديق لا طاعة ولا معصية له.
стр. 174
باب الواحد يَرادُ به الجمع:
ومن سُنن العرب ذكر الواحد والمراد الجميع، كقوله للجماعة "ضَيْفٌ" و"عدو" قال الله جلّ ثناؤه: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ ١ وقال: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ٢ وقال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ٣ والتفريق لا يكون إلا بين اثنين. ويقولون: "قد كَثُرَ الدِّرهَم والدِّينار" ويقولون٤:
فقلنا أسْلِموا إنّا أخُوكُم
ويقولون٥:
كُلُوا في نِصف بطنكمُ تعيشوا
و ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ ٦ و ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ٧.
باب الجمع يراد به واحدٌ واثنان:
ومن سُنن العرب الإتيان بلفظ الجميع والمراد واحد واثنان كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ ٨ يُراد به واحد واثنان وما فوق. وقال قَتَادةُ في قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ ٩: كان رجلاً من القوم لا يمالِئُهم على أقاويلهم في النبي ﷺ ويَسير مُجانِباً لهم فسمّاهُ الله جلّ ثناؤه طائفة وهو واحد. ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ١٠, كان رجلاً نادى "يا محمَّد! إنّ مدحي زَيْنٌ وإنّ ستمي شيْن" فقال رسول الله ﷺ : "ويلك! ذاك الله جل
стр. 175
ثناؤه". وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ١ وهما قلبان، وقال: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢ وهو واحد يدلّ عليه قوله جلّ ثناؤه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ ٣.
باب آخر:
العرب تصف الجميعَ بصفة الواحد كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ ٤ فقال جنباً وهم جماعة. وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٥. ويقولون: قوم عَدْل ورِضىً" قال زُهَيْر٦:
وإن يَشْتَجرْ قوم يَقُلْ سَرَواتهمْ ... هُمُ بيننا فَهُمُ رِضىً وهم عَدْلُ
وربما وصفوا الواحدَ بلفظ الجميع فيقولون: "بُرْمةٌ أشعارٌ" و"ثوب أهدام" و"حبل أحْذاقٌ" قال٧:
جاء الشتاء وقميصي أخْلاَقْ ... شَراذِمٌ يضحك منه التَّوَّاقْ
فأخبرني علي بن إبراهيم عن محمد بن فرح عن سلمة عن الفرّاء قال: التَّوّاق ابنه. ومن الباب ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ٨, إنما أراد المسجد الحرام. ويقولون: "أرض سَبَاسب" يسمّون كل بقعة منها "سَبْسَباً" لاتِّساعها.
ومن الجمع الذي يُراد به الاثنان قولهم: "امرأة ذات أوْراكٍ ومآكِمَ".
باب مخاطبة الواحد بلفظ الجميع:
ومن سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجميع، فيقال للرجل العظيم "انظروا في أمري". وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يقال هذا لأنّ الرّجل العظيم يقول:
стр. 176
"نحن فعَلْنا" فعلى هذا الابتداء خُوطبوا في الجواب. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ١.
باب آخر:
العرب تذكر جماعة وجماعة، أو جماعة وواحداً، ثم تخبر عنهما بلفظ الاثنين. يقول الأسْوَدُ٢:
إن المنيِّةَ والحُتوفَ كِلاهما ... يوفي المَخارِمَ يَرْقُبانِ سوادي
وقال آخر:
ألم يَحْزُنكَ أنّ حبالَ قَيسْ ... وتَغْلِبَ قد تَبَايَنَتا انقطاعا
وقد جاء مثله في القرآن: قال الله تبارك اسمه: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ٣.
باب مخاطبة الواحد خطاب الجمع إذا أريد بالخطاب هو ومَنْ معه:
قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٤ فخوطب ﷺ بلفظ الجميع لأنه أريد هو وأمّته. وكان ابن مسعود يقرأ: "ارجعوا إليهم" مِدْرَهَهُم.
باب تحويل الخطاب من الشاهد إلى الغائب:
العربُ تخاطِب الشاهدَ، ثم تحول الخِطابَ إلى الغائب. وذلك كقول النَّابغة٥:
يا دارَ مَيَّةَ بالعَلياءِ فالسَّنَدِ ... أقْوت وطالَ عليها سالِفُ الأبد
стр. 177
فخاطب ثم قالَ: "أقوتْ". وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٢. قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ ٣ وقال في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ٤. ومنه قوله٥:
أسِيئي بنا أوْ أحسنِي لا ملومةٌ ... لديْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنّ تقلّتِ
باب تحويل الخطاب من الغائب إلى الشاهد:
وقد يجعلون خطابَ الغائب للشاهد، قال الهُذَلِيّ:
يا ويحَ نفسي كان جدَّهُ خالدٍ ... وبياضُ وجهك للتراب الأعْفَرِ
فخبَّرَ عن خالد ثم واجَهَ فقال: "وبياض وجهك". ومنه٦:
شَطتْ مزَار العاشقِينَ فأصْبَحَتْ ... عسراً عليَّ طِلابُك ابنةَ مخرَمِ
باب مخاطبة المخاطب ثم جعل الخطاب لغيره أو يُخْبر عن شيء ثم يُجعل الخبر المتصِل به لغيره:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ٧ الخطاب للنبي ﷺ ثم قال للكفار: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ ٧ يدلّ على ذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٨. وقال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ ٩. وقال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ١٠ وقريب من هذا الباب أن يبتدأ الشيء ثم يخبر عن غيره كقول
стр. 178
شدَّاد بن مُعاوِية١:
ومَن يَكُ سائلاً عنّي فإني ... وجِرْوَةَ لا تَرودُ ولا تعار
و"جروة" فرسه، فالمسألة عنه والخبر عن غيره. وقال الأعشى٢:
وإن امْرأُ أسرَى إليك ودونَه ... من الأرض موتاة ويَهْماءُ سَمْلقُ
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَستجيبي لصوته ... وأنْ تعلمي أنّ المُعان موَفَّقُ
وقد جاء في كتاب الله جلّ ثناؤه ما يشبه هذا وهو قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ٣ فبدأ بهم ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ بدأ بهم ثم حوَّل الخطاب. ومنه قول القائل٤:
لَعَلّيَ إنْ مالَتْ بي الريحُ مَيلةً ... على ابنِ أبي ذِبّان أن يتَندَّما
فذكر نفسه وترك وأقبل على غيره، كأنه أراد: لعل ابن أبي ذِبّانَ أن يتندم إن مالَتْ بي الريحُ عليه. ومثله في كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ ٥ فخبَّر عن الأزواج وترك الذين. ومثله:
بَني أسَدٍ إنْ ابنَ قيْس وقتلَه ... بغير دَمٍ دارُ المذلَّة حُلَّتِ
فترك ابن قيس وخبَّر عن القتل، كأنه قال: قتلُ ابن قيس ذُلّ.
باب الشيئين ينسب الفعل إليهما وهو لأحدهما:
وينسبون الفعل إلى اثنين وهو لأحدهما. وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ٦ وكان النسيان من أحدهما لأنه قال: ﴿إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ٧. وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ ٨ ثم قال: ﴿يَخْرُجُ
стр. 179
مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ١، وإنما يُخرَجان من المِلحِ لا العذب.
وينسبون الفعل إلى الجماعة وهو لواحد مهم. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ٢ وإنما كان القاتل واحداً.
باب نسبة الفعل إلى أَحد اثنين وهو لهما:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ٣ وإنما انفضوا إليهما. وقال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٤. وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ ٥. ثم قال: الشاعر٦:
إنَّ شَرْخَ الشباب والشَّعرَ الأسـ ... ـودَ ما لم يُعاصَ كان جنونا
وقال آخر٧:
نحنُ بما عندَنا وأنت بما عنـ ... ـدكَ راضٍ والرأيُ مختلِفُ
باب أمر الواحد بلفظ أمر الاثنين:
تقول العربُ: "افعلا ذاك" ويكون المخاطب واحداً. أنشد الفرّاء٨:
فقلتُ لِصاحِبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدزَّ شِيحا
وقال٩:
فإنْ تزجُراني يابن عَفَّانَ أنْزَجرْ ... وإنْ تَدَعاني أحْمِ عِرْضاً ممنعا
стр. 180
وقال الله جلّ ثناؤه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ١ وهو خطاب لخَزَنَة النّار والزَّبانِيَة. قال: ونُرى أن أصل ذلك أنَّ الرُّفْقة أدنى ما يكون ثلاثةُ نفرَ فجرى كلام الواحد على صاحبيْه، ألا ترى أن الشعراء أكثر الناس قولاً "يا صاحبي" و"يا خليليّ".
باب الفعل يأتي بلفظ الماضي وهو راهنٌ أو مستقبل وبلفظ المستقبل وهو ماضٍ:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ٢ أي: أنتم. وقال جلّ ثناؤه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ٣ أي: يأتي ويجيء بلفظ المستقبل وهو في المعنى ماضٍ. قال الشاعر٤:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يَسبُّني ... فَمَضيْتُ عنه وقلتُ لا يعنيني
فقال: "أمُرُّ" ثم قال: "مضيت". وقال٥:
وما أضْحِي ولا أمسَيْتُ إلا ... رأوْني منهمُ في كرفان
وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٦ وقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ ٧ أي ما تَلَتْ. وقال آخر٨:
وندمان يزيد الكأس طيباً ... سقيت إذا تغوَّرت النجوم
ومثله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ ٩ المعنى: فلم عذَّب آباءكم بالمسخ والقتل? لأن النبي ﷺ لم يَؤْمَر بأن يحتجّ عليهم بشيء لم يكن، لأن الجاحد يقول: إني لا أعذَّب, لكن احتج عليهم بما قد كان.