باب القول فِي أصول أسماء قِيسَ عَلَيْهَا وأُلحِقَ بِهَا غيرُها:
كَانَ الأصمعي يقول: أصل "الورِد" إتيان الماء، ثُمَّ صار إتيانُ كلِّ شيء ورْداً. و"القرَبَ" طلبُ الماء. ثُمَّ صار يقال ذَلِكَ لكل طلب، فيقال: "هو يَقْرَب كذا" أي يطلبه و"لا تَقْرب كذا".
ويقولون: "رَفَعَ عَقِيرَتَهُ" أي صوته، وأصل ذَلِكَ أن رَجُلاً عُقِرَتْ رجله فرفعها وجعل يَصيحُ بأعلى صوته فقيل بعد ذَلِكَ لكل من رفع صوته: رفع عقيرته.
ويقولون: "بَيْنَهما مسافة" وأصله من "السَّوف" وهو الشم. ومثل هَذَا كثير.
стр. 72
قلنا: وهذا الَّذِي عن الأصمعي وسائر ما تركنا ذكره لشهرته فهو راجع إِلَى الأبواب الأُوَلِ، وكلّ ذَلِكَ عندنا توقيف عَلَى مَا احتججنا لَهُ.
وقول هؤلاء: إنه كَثُرَ حَتَّى صار كذا، فعلى مَا فسرناه من أن الفرع مُوَقَّفٌ عليه، كما أن الأصل موقَّف عَلَيْهِ.
стр. 73
باب الأسماء كَيْفَ تقع عَلَى المسميات:
يُسمَّى الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين، وذلك أكثر الكلام كرَجُل وفرس.
وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو: "عين الماء" و"عين المال" و"عين السحاب".
ويسمى الشيء الواحد بالأَسماء المختلفة. نحو: "السيف والمهنّد والحسام"١.
والذي نقوله فِي هَذَا: إن الاسم واحد وهو "السيف" وَمَا بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى.
وَقَدْ خالف فِي ذَلِكَ قوم فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها فإنها ترجع إِلَى معنى واحد. وذلك قولنا٢: "سيف وعضب وحُسام".
وقال آخرون: لَيْسَ منها اسم ولا صفة إِلاَّ ومعناه غيرُ معنى الآخر. قالوا: وكذلك الأفعال. نحو: مضى وذهب وانطلق. وقعد وجلس. ورقد ونام وهجع. قالوا: ففي "قعد" معنى لَيْسَ فِي "جلس" وكذلك القول فيما سواهُ.
وبهذا نقول، وهو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.
واحتجُ أصحاب المقالة الأولى بأنه: لو كَانَ لكلّ لفظة معنىً غير معنى الأُخرى لما أمكن أن يعبّر عن شيء بغير عبارته. وذلك أنّا نقول فِي "لا ريب فِيهِ": "لا شك فِيهِ" فلو كَانَ "الرَّيْب" غير "الشَّكّ" لكانت العبارة عن معنى الرّيب بالشك
стр. 74
خطأ. فلما عُبّرَ عن هَذَا بهذا علم أن المعنى واحد.
قالوا: وإِنما يأتي الشعر بالاسمين المختلفين للمعنى الواحد فِي مكان واحد تأكيداً ومبالغة. كقولهم١:
وهند أتى من دونها النأيُ والبُعدُ
فقالوا: فالنأي هو البعد قالوا: وكذلك قول الآخر: إِن الحبس هو الأصْرُ.
ونحن نقول: إِن فِي قعد معنىً ليس فِي جلس. ألا ترى أَنَّا نقول "قام ثُمَّ قعد" و"أخَذَهُ المقِيمُ والمقْعِدَ" و"قَعَدَتِ المرأة عن الحيض". ونقول لناس من الخوارج "قَعَدٌ" ثُمَّ نقول: "كَانَ مضطجعاً فجلس" فيكون القعود عن قيام والجلوس عن حالة هي دون الجلوس لأن "الجَلْسَ: المرتفع" فالجلوس ارتفاع عما هو دونه. وَعَلَى هَذَا يجري الباب كلُّه.
وأما قولهم: إِن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يُعَبَّر عن الشيء بالشيء. فإنا نقول: إنّما عُبّر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول إِن اللفظتين مختلفتان، فيلزمنا مَا قالوه. وإنما نقول إِن فِي كلّ واحدة منهما معنىً لَيْسَ فِي الأخرى.
ومن سُنَن العرب فِي الأَسماء أن يسمّوا المتضادَّين باسم واحد. نحو"الجَوْن" للأسود و"الجَوْن" للأبيض. وأنكر ناس هَذَا المذهب وأن العرب تأتي باسم واحد لشيء وضدّه. وهذا لَيْسَ بشيء. وذلك أن الَّذِين رَوَوْا أن العرب تُسمي السيف مهنَّداً والفَرَسَ طِرْفاً هم الَّذِين رَوَوْا أن العرب تُسمِّي المتضادَّين باسم واحد. وَقَدْ جرَّدنا فِي هَذَا كتاباً ذكرنا فِيهِ مَا احتجوا به، وذكرنا ردَّ ذَلِكَ ونقصه، فلذلك لَمْ نكرره.
من ذَلِكَ "المائدة" لا يقال لَهَا مائدة حَتَّى يكون عَلَيْهَا الطعام لأن المائدة من "مَادني يميدُني" إِذَا أعطاك. وإلاَّ فاسمها "خِوَان".
وكذلك "الكأس" لا تكون كأساً حَتَّى يكون فِيهَا شراب. وإلا فهو "قدح" أَوْ "كوب".
стр. 75
وكذلك "الحُلَّة" لا تكون إِلاَّ ثوبين: إزار ورداء من جنس واحد فإن اختلفا لَمْ تُدْعَ حُلَّة.
ومن ذَلِكَ "الظعينة" لا تكون ظعينة حَتَّى تكون امرأة فِي هودج١ عَلَى راحلة.
ومن ذَلِكَ "السَّجْل" لا يكون سجلاً إِلاَّ أن يكون دلواً فِيهِ ماء، و"اللِّحْيَة" لا تكون إِلاَّ شعراً عَلَى ذّقّن ولَحْيَيْن٢.
ومن ذَلِكَ "الأرِيكَة" وهي الحَجْلة٣ عَلَى السرير لا تكون كذا. فسمعت عليَّ بن إبراهيم يقول سمعت ثعلباً يقول: الأرِيكة لا تكون إِلاَّ سريراً مُتَّخَذاً فِي قبة عليه شَوارُهُ ونجْدُهُ٤.
وكذلك "الذنوب" لا تكون ذنوباً إِلاَّ وهِي ملأى، ولا تسمّى خالية ذَنوباً.
ومن ذَلِكَ "القلم" لا يكون قلماً إِلاَّ وَقَدْ بُرِيَ وأُصلح، وإلاَّ فهو أُنْبوبة.
وسمعت أبي يقول: قيل لأعرابي "مَا القلم?" فقال: "لا أدري" فقيل لَهُ "تَوَهَّمْهُ" فقال: "هو عود قُلِمَ من جانبيه كتقليم الأُظفور٥ فسُمِّيَ قلما".
ومن ذَلِكَ "الكوب" لا يكون إِلاَّ بلا عروة, و"الكوز" لا يكون إلا بعروة.
стр. 76
باب الاسمين المصطلحين:
أخبرنا عليّ بن إبراهيم عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: قال الأصمعي: إِذَا كَانَ أَخَوان أَوْ صاحبان وَكَانَ أحدهما أشهر من الآخر سُمّيا جميعاً باسم الأشهر، قال الشاعر١:
стр. 77
ألا مَنْ مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عني ... مُغَلْغَلَةً وخُصَّ بِهَا أُبيَّا
وأحدهما هو "الحُرّ". وكذلك الزَّهدَمان والثعلبتان١.
ويكون ذَلِكَ فِي الألقاب كقولهم لِقَيْسٍ ومُعاوية ابنَيْ مالك بن حَنْظَلة "الكُرْدوسان", ولِعَبْس وذُبْيان "الأَجربان".
وذَكَر الأبواب بطولها. وإنما نذكر من كلّ شيء رسماً لشُهْرَته.
стр. 78
باب فِي زيادات الأسماء:
ومن سُنن العرب الزّيادة فِي حروف الاسم، ويكون ذَلِكَ إما للمبالغة وإما للتشويه والتقبيح.
سَمعت مَن أثِقُ بِهِ قال: تفعل العَرب ذَلِكَ للتشويه، يقولون للبعيد مَا بَيْنَ الطرفين المفرط الطول "طِرِمّاح", وإنما أصله من "الطَّرَح" وهو البعيد، لكنه لما أفرط طوله سُمي طرمّاحاً، فشُوّه الاسم لما شوهت الصورة. وهذا كلام غير بعيد.
ويجيء فِي قياسه قولهم "رَعَشْنٌ" للذي يرتعش, و"خَلْبَنٌ" و"زُرْقَمٌ" للشديد الزَّرق و"صِلْدِم" للناقة الصُّلْبة، والأصل صَلْد و"شَدْقَم" للواسع.
ويكون من الباب قولهم للكثيرة التَّسَمُّع والتَّنظُّر: "سِمْعَنَّةٌ، نِظْرَنَّة".
ومن الباب: كبير وكُبار وكُبَّار. وطُوَال وطُوَّال.
стр. 79
باب الحروف:
قال أحمد بن فارس: هَذَا باب يصلح فِي أبواب العربية، لكني رأيت فقهاءنا يذكرون بعض الحروف فِي كتب الأصول، فذكرنا منها مَا ذكرناه عَلَى اختصار.
فأصل الحروف الثمانيةُ والعشرون الَّتِي منها تأليف الكلام كلِّه. وتتولَّد بعد ذَلِكَ حروف كقولنا١: "اصْطَبر" و"ادكر" تولدت الطاء لعلّة، وكذلك الدال.
فأول الحروف الهمزة، والعرب تنفرد بِهَا فِي عُرْض الكلام مثل "قرأ" ولا يكون فِي شيء من اللغات إِلاَّ ابتداءً.
وممّا اختصت بِهِ لغة العرب الحاء والظاء. وزعم ناس أن الضاد مقصورة عَلَى العرب دون سائر الأمم.
قال أبو عبيدة: وَقَدْ انفردت العرب بالألف واللام اللتين للتعريف، كقولنا: "الرجل" و"الفرس" فليسا فِي شيء من لغات الأمم غير العرب.
باب ذكر دخول ألف التعريف ولامه فِي الأسماء:
تدخل ألف التعريف ولامهُ عَلَى اسمين: متمكن وغير متمكن فالذي هو غير متمكن "الَّذِي" و"الَّتِي". والمتمكن قولنا: "رجل" ثُمَّ يكون ذَلِكَ للجنس والتعريف. فالأول قولنا "رجل" لِمَنْكُورٍ، فإذا عُهد مرّة قيل "الرجل". والجنس قولنا "كثر الدينار والدِّرهم" وقوله والذئب أخشاه إن مررت بِهِ لا يريد بِهِ ذئباً بعينه، إنما يريد أنه يخشى هَذَا الجنس من الحيوان.
ويكون الألف واللام بمعنى الَّذِي كقولنا "جاءني الضاربُ عمرًا" بمعنى:
стр. 80
الَّذِي ضرب عمراً.
وربما دَخلا عَلَى الاسم وضعاً، لا لجنس ولا لشيء من المعاني كقولنا: "الكوفة" و"البصرة" و"البشْرُ" و"الثَّرثارُ".
وربما دخلا للتفخيم نحو"العبّاس" و"الفضل. وهذان هما اللذان يدخلان فِي أسماء الله -جلّ وعزّ- وصفاتِهِ.
باب الألف المُبْتَدأ بِهَا:
يقولون: ألِفُ أصْل، وألف وصل، وألف قَطْع، وألف استفهام، وألف المُخْبر عن نفسه.
فالألف الَّتِي للأصل قولنا "أتى يأتي". وألف القطع مثل "أكرم". وألف الاستفهام نحو: "أخَرجَ زيد?". وألف المُخْبِر عن نفسه نحو: "أنا أخرجُ".
وألف الوصل: تدخل عَلَى الأسماء والأفعال والأدوات. ففي الأسماء قولنا: "اسم" و"ابن" وَفِي الأفعال قولنا: "اضْربْ". والتي تدخل عَلَى الأدوات مختلف فِيهَا: قال قوم هي الألف فِي قولك: "أَيم الله". والألف الَّتِي تدخل عَلَى لام التعريف مثل "الرجُل"، وهذا فِي مذهب أهل البصرة. وكثيراً مَا سمعت أبا سعيد السيْرافيّ يقول فِي ألف الرجل ألف لام التعريف. والكوفيون يقولون ألف التعريف ولامه وهما مثل "هل" و"بل".
بابُ وُجوه دُخول الألف فِي الأفعال:
دخول الألف فِي الأفعال لوجوهٍ:
أحدها: أن يكون الفعل بالألف وغير الألف بمعنىً واحد نحو قولهم "رَمَيْتُ عَلَى الخمسين" و"أَرْمَيْتُ" أي زدت و"عَنَدَ العِرْقُ" إذَا سال و"أَعْنَدَ".
والوجه الآخر: أن يتغيَّر المعنَيَان، وإن كَانَ الفعلان فِي القياس راجعين إِلَى أصل واحد نحو: "وَعَيْتُ الحديث" و"أَوْعَيْتُ المتاعَ فِي الوعاء". ومن هَذَا الباب "أَسْقَيْتُه" إذَا جعلت لَهُ سُقْياً و"سَقَيْتُهُ" إذَا أنت سقيته.
والوجه الثالث: أن يتضادَّ المعنيان بزيادة الألف نحو: "تَرِبَ" إذَا افْتَقرَ,
стр. 81
و"أَتْرَب" إذَا اسْتَغْنَى.
والوجه الرابع: أن يكون الفعلان لشيئين مختلفين، فيكون بغير ألف لشيء وبالألف لشيء آخر. من ذَلِكَ "حَيّى القومُ بعدَ هُزال" إذَا حسنت أحوالهم و"أَحْيَوْا" إذَا حيَّت دَوابُّهم.
والوجه الخامس: أن يكون بالألف بمعنى العَرْض وبغير ألف لإنفاذ الفعل نحو"بِعْتُ الفرس" إذَا أمضيت بيعه و"أَبَعْتُه" إذَا عرضته لبيع.
والوجه السادس: أن يكون بالألف إخباراً عن مجيء وقت نحو: "أَحْصَدَ الزَّرعُ" حان لَهُ أن يُحْصَد.
والوجه السابع: أن يكون دالاًّ عَلَى وجود شيء بصفة نحو"أَحْمَدتُ الرجُل" إذَا وجدته محموداً.
والوجه الثامن: أن يدل عَلَى إتيان فعل نحو"أَخَسَّ الرجل" أتى بِخَسِيسِ.
وتكون الألف للتعدية نحو"أذهبتُ زيداً".
وربّما كَانَتْ هَذِهِ الألف للشيء نفسه، ويكون الفاعل ذلك بلا ألف نحو: "أَقْشَعَ الغيمُ" و"قَشَعْته الريحُ"، و"أًَتْرَفَتْ البئرُ" ذهب ماؤها و"تَرَفْناها نحنُ" و"أنْسَلَ رِيشُ الطائر" سقط و"نَسَلته أنا"، و"أكبَّ عَلَى وجهه" قال الله جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ ١ و"كَبَّهُ اللهُ" قال الله جل ثناؤه: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ٢.
باب شرحُ جُملةٍ تقدَّمت فِي أَلِفات الوَصْل:
ألفات الوصل تكون فِي صدور الأسماء والأفعال والأدوات, ويذكر أهلُ العربية أنها نَيّفٌ وأربعون ألفاً- عَلَى تكرير يقع فِي بعضها- لأن الَّذِي يذكر منها فِي المصادر مكرَّرٌ فِي الأفعال.
فأما الَّتِي فِي الأسماء فَتِسْعَ عشرة ألفاً. وهي عَلَى ضربين: ألفٌ فِي اسم لَمْ
стр. 82
يَصدُر عن فعل، فالألفات فِي الأسماء الَّتِي لَمْ تصدر عن الأفعال ثمان: ألف "ابن" و"ابنة" و"اثنين" و"اثنتين" و"امرئ" و"امرأة" و"اسم" وألف ثامنة. والألفات فِي الأسماء الصادرة عن الأفعال هي الَّتِي فِي "اقتطاع" و"استعطاف" و"ارتداد" و"احميرار" و"اسحنكاك"١ و"اقشعرار" و"اخرِوَّاط"٢ و"اعْريراء"٣ و"اطّواف" و"اثيقال". وهذه تكون فِي الإدراج ساكنةً وإذا ابتدئ بِهَا كَانَتْ مكسورة.
وأما الَّتِي فِي الأفعال فثلاث: منها فِي الأمر بالفعل الثلاثي. مثل "اضْرِبَ، اعلمُ، اقْتُلُ". ومنها فِي الأفعال الماضية التي صدرت عنها الأسماء المتقدّم ذكرها إحدى عشرة ألفاً وهي: أَفْتَعلَ، وانْفعَلَ، واسْتفعَل، وافْعلّ، وافعال، وافعنلل، وافعوعل، وافعلل، وافعل، وافّاعِلْ. وقد ذكرنا ترجمة هذه الأمثلة ثم تقع هذه الألقاب بعينها في الأفعال المستقبلة المأمور بها وهي: افتعل، وانفعل، واستفعل، وافعلل، وافعالل، وافعنلل، وافعول، وافعوعل، وافعلل، وافعل، وافاعل.
وقد أعلمتُ أن فِيهَا تكريراً ليكون الباب أبلغ شرحاً.
وأما الَّتِي تقع فِي الأدوات فقليلة عَلَى اختلاف فِيهَا، وإنما هي فِي قولهم "أيمُ الله". والألف التي مع اللام فِي قولنا: "الرجلُ". وموضع الاختلاف أن الألف فِي "أَيمُ" مقطوعة صحيحة. وهي بالهمزة أشبه منها بألفات الوصل، إِلاَّ أن نقول "إِيمُ الله"٤ بالكسر فيكون حينئذ أشبه بألف الوصل. والألف الَّتِي مع اللام قَدْ تقدم ذكرها.
باب الباء:
الباء من حروف الشفَّة. ولذلك لا تأتلف مع الفاء والميم: أما الفاء فلا تقارنها باء متقدمة ولا متأخرة. وأما الميم فلا تتقدم عَلَى الباء ملاصقةً لَهَا بوجه,
стр. 83
ومتأخّرةً كذلك إِلاَّ فِي قولنا "شَبمٌ". وَقَدْ يدخل بَيْنَهما دخيل فِي مثل "عَبَام" وهي عَلَى الأحوال يقل تألفها معها.
وهي من الحروف الأصلية، وَمَا أعلمهم زادوها فِي شيء من أبنية كلامهم، إِلاَّ فِي حرف قاله الأغلب:
فَلَّكَ ثدياها مع النتُوبِ ... أراد النُّتُوء فزاد الباء
والباء تكون للإلصاق، وللاعتمال، وَفِي موضع "عن"، وَفِي موضع "من"، وتكون للمصاحبة، وتقع موقع "مع". وتقع موقع "فِي" و"عَلَى"، وتكون للبدل، ولتعدية الفعل، وللسبب، وتكون دالَّة عَلَى نفس المُخْبِر عنه وظاهرها يُوهِم أن الإخبارَ عن غيره، ومنها المُلْصَقة بالاسم والمعنى الطرح، ومنها باء الابتداء، ومنها باء الْقَسَم.
فالإلصاق قولك: "مسحت يدي بالأرض". ومن أهل العربية من يقول: "مررت بزيد" إنها للإلصاق، كَأَنَّه ألصق المرورَ بِهِ. وكذا إذَا قال: "هَزَأت بِهِ".
والإِعْتِمال قولنا "كتبت بالقلم" و"ضربت بالسيف". وذكر ناس أن هَذِهِ والتي قبلها سواء.
والباء الواقعة موقع "عن" قولهم "سألت بِهِ" إنما أردت عنه ومنه ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ١. ومنه٢:
وسائِلة بثعلبةَ بنِ سير
والباء الواقعة موقع "من" فِي قوله جل ثناؤه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ٣ أراد منها. و٤:
стр. 84
شَرِبَتْ بماء الدُّحْرَضَيْنِ
وباء المصاحبة: "دخل فلان بثيابه وسيفه" وقوله : ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ ١ ومنه "ذهبت بِهِ" لأنك تكون مصاحباً لَهُ. والباء الَّتِي فِي موضع "فِي" قوله٢:
مَا بُكتْ الكبير بالأَطلال
والتي فِي موضع "عَلَى" قوله٣:
أربٌ يبول الثَّعْلُبانُ برأسه
أراد "عَلَى".
وباء البدل, قولهم: "هَذَا بذاك" أي عوض منه. ومنه:
قالت بما قَدْ أراهُ بصيراً
وباء تعدية الفعل "ذهبت بِهِ" بمعنى "أذهبته". وقوله جلّ ثناؤه: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ٤ لَيْسَ من ذا، لأن سرى وأسرى واحد.
وباء السبب قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٥ أي من أجله. فأما قوله جلّ وعزّ: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٦ فمحتمل أن يكونوا كفروا بِهَا وتبرءوا منها. ويجوز أن تكون باء السبب، كَأَنَّه قال: "وكانوا من أجل شركائهم كافرين".
والباء الدالّة عن نفس المُخبّر عنه والظاهر أنها لغيره قولك: "لقيت بفلان
стр. 85
كريماً" إنما أردته هو نفسه. ومنه قوله١:
وَلَمْ يَشْهَدِ الْهَيْجَا بأَلْوَثَ مُعْصِم
أراد نفسه.
والزائدة, قولك "هززت برأسي" و"لا يَقْرَأْنَ بالسُّور".
وباء الابتداء قولك: "باسم الله" المعنى: أبدأ باسم الله.
وباء القسم: قولك "أُقْسِمُ بالله" ثُمَّ يحذف "أقسم" فيقال: "بالله". فإن أرادوا أن يُقسموا بمُضْمَر لَمْ يقولوه إِلاَّ بالباء يقولون: "والله" فإذا أضمروا قالوا: "بِهِ لا فعلت" قال٢:
ألا نادَتْ أُمامَةُ بارْتِحال
لِتُحْزِنَني فلا بِكِ مَا أُبالي
فأما قوله جلّ ثناؤه ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ ٣، فقال قوم: الباء فِي موضعها وأن العرب تعرف ذَلِكَ وتفعله. قال امرؤ القيس٤:
فإن تَنْأَ عنها حقْبَةً لَمْ تُلاقِها ... فإنَّك مما أَحْدَثَتْ بالمُجرَّبِ
وقال قوم: إنما هو"بالمُجَرِّبَ" بكسر الراء، ويكون معناه "كالمُجَرِّب" كما قال عديّ٥:
إِنني والله فاقبل حَلْفَتِي ... بِأَبِيلٍ كُلَّما صَلَّى جَأَرْ
قالوا: معناه "كابيل" وهو الراهب وبمنزلته فِي الدين والتقوى.
ومن روى بيت امرئ القيس بالفتح فالمعنى "بموضع التجريب" كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٦ أي بحيث يفوزون. وكذلك "بالمجرَّب" أي بحيث جُرِّبت وبحيث التجريب، والمُجَرَّب والتجريب واحد.
стр. 86
كقولهم "مُمَزَّق" بموضع تمزيق فِي قوله جلَّ ثناؤه ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ١.
بابُ التاء:
التاء: تزاد فِي الكلام أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة: فزيادتها فِي الأسماء أُولى فِي نحو"تَنْضُب"٢ و"تَتْفُل"٣. وَفِي الفعل "تَفْعَل" وَمَا أشبهه. والثانية نحو"اقتدر". والثالثة "استفعل". والرابعة "سَنْبَتةٌ من الدهر"٤ لأن الأصل "سَنْبَة". والخامسة مثل "عفريت". والسادسة مثل "عنكبوت".
ومن التاء: تاء القسم نحو: "تالله". قالوا: هي عِوَض من الواو كقولهم "تُجَاه" و"تُكْلان".
وتقع فِي جمع المؤنث نحو: "قائمات".
وتكون بدلاً من الهاء فِي لغة من يقول: "ليست عندنا عربيت".
وتاء تدخل عَلَى "ثُمَّ" و"رُبَّ" و"لا"، كقولهم ثُمت ورُبَّتَ ولاتَ حِين. وناس يقولون: هي داخلة عَلَى "حين".
وتاء المؤنث نحو: "هي تفعل".
وتاء النفس نحو: "فعلتُ" و"فعلتَ" فِي المخاطبة. و"فعلتِ" و"فعَلَتْ" فِي الأخبار عن المؤنث٥:
يَا قبح الله بني السعْلاتِ ... عَمْرو بن مسعود شرارِ النات
وأما الثَّاءُ:
فلا أعرف لها عِلَّةً، ولا تقع زائدةً.
стр. 87
وكذلك الجيم:
إِلاَّ فِي الَّذِي ذكرناه من اللغات المستكرَهة.
والحاء والخاء:
فلا أعرف لهما علّةً.
والدال:
لا عِلَّة لَهَا إِلاَّ فِي لغة من يقلب التاءَ دالاً. فحدثنا عليّ عن محمد بن فرح عن سلمة عن الفَرَّاء قال: قوم من العرب يقولون: "أجدَبيكَ" فِي موضع "أَجتَبِيكَ" يجعلون تاء الافتعال بعد الجيم دالاً, ويقولون: "اجْدَمَعُوا" وأنشد١:
فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واحدْزّ شِيحا
والراء:
لا أعرف لها علة. وكذلك الزاي.
وأما السين:
فإنها تزاد فِي "استفعل". ويختصرون "سَوْفَ أَفْعَلُ" فيقولون "سَأَفْعَلُ".
ولا أعرف للشين علّة غير الَّذِي ذكرناه فِي الحروف المستكرهة وكذلك فِي الحروف الَّتِي بعدّها حَتَّى العين.
وعِلة العين أنّها تقوم مقام الهمزة فِي لغة بني تميم يقولون: "علمت عَنَّ ذَاكَ" كأنما أراد "أَنَّ".
وكذلك الحروف الَّتِي بعدها حَتَّى الفاء.
باب الفاء:
قال البصريون "مررت بزيد فعمرو: الفاء أشركت بَيْنَهما فِي المرور
стр. 88
وجعلت الأول مبدوءاً بِهِ".
وكان الأخفش يقول: "الفاء تأتي بمعنى الواو" وأنشد١:
بسِقط اللَّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
وخالفه بعضهم فِي هَذَا فقال: لَيْسَ فِي جعل الشاعِر الفاء فِي معنى الواو فائدةٌ، ولا حاجة بِهِ إلى أن يجعل الفاءَ فِي موضع الواو ووزنُ الواو كوزن الفاء. قال: وأصل الفاء أن يكون الَّذِي قبلها علّةً لما بعدها. يقال: "قام زيد فقام الناس".
وزعم الأخفش أن الفاء تُزاد، يقولون: "أخوك فَجَهدَ" يريد: أخوك جَهَد، واحتجَّ بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ٢.
وَكَانَ قُطْرُب يقول بِقَولِ الأخفش، يقول: إن الفاء مثلُ الواو فِي "بَيْنَ الدخول فَحَوْمَلِ" قال: ولولا أن الفاء بمعنى الواو لفسد المعنى، لأنه لا يريد أن يُصيِّره بَيْنَ الدَّخول أولاً ثُمَّ بَيْنَ حَوْمَل وهذا كثير فِي الشعر.
وتكون الفاء جواباً للشرط. تقول: "إن تَأتني فحسَنٌ جميل" ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ ٣ دخلتِ الفاء لأنه جعل الكفر شريطة كَأَنَّه قال: ومن كفر فتعساً لَهُ.
وأمّا القاف:
فلا أعلم لَهَا علّة إِلاَّ فِي جعلهم إيّاها عند التعريب مكان الهاء نحو "يَلْمَق".
باب الكاف:
تقع الكاف مخاطبة: للمذكر مفتوحة، وللمؤنث مكسورة. نحو: "لكَ" و"لكِ".
стр. 89
وتدخل فِي أول الاسم للتشبيه فتخفض الاسم. نحو: "زيد كالأسد" وأهل العربية يقيمونها مقام الاسم ويجعلون لَهَا محلاً من الإعراب، ولذلك يقولون: "مررت بِكالأسد" أرادوا بمثل الأسد. وانشدوا١:
عَلَى كالخنيف السَّحق يدعو بِهِ الصدى ... لَهُ قلُبٌ عادِيَّةٌ وصُحونُ
فأما الكاف فِي قوله جل ثناؤه: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ٢ فقال البصريون: هَذِهِ الكاف زائدة، زيدت لمعنى المخاطَبة. قال محمد بن زيد: وكذلك رُوَيْدكَ زيداً. قال: والدليل عَلَى ذَلِكَ أنّك إذَا قلت أرأيتَكَ زيداً? فإنما هي أرأيت زيداً? لأن الكاف لَوْ كَانَتْ اسماً لاستحال أن تُعدى "أرأيت" إِلَى مفعولين إِلاَّ والثاني هو الأول. يريد قولهم "أرأيتَ زيداً قائماً?" لا يتعدى "رأيتَ" إلى مفعولين إِلاَّ إِلَى مفعول هو "زيد" ومفعول آخر هو "قائم" فالأول هو الثاني. قال: و"أرأيتَك زيداً?" الثاني غير الكاف، قال: وإن أردت رؤية العين لَمْ يتعدّ إِلاَّ إِلَى مفعول واحد. قال: ومع ذَلِكَ إن فعل الرجل لا يتعدى إِلَى نفسه فيتصل ضميراً إِلاَّ فِي باب "ظَنَنْت" و"عَلِمْت". فأمّا ضربتُني وضَرَبْتَك فلا يكون. وكذلك إذَا قلت: "رُوَيْدَكَ زيداً" إنما يُراد "أَروِدْ زيداً" قال الزجّاج: الكاف فِي هَذَا المكان لا موضع لَهَا لأنها ذكرت فِي المخاطبة توكيداً. وموضع هَذَا نصب بـ"أرأيتَك?". وقال الكوفيون: إن محلّ هَذِهِ الكاف الرفع إذَا قلنا "لولاك" فهي فِي موضع رفع. ثُمَّ نقول: "لولا أنتَ" وإنما صَلَح هَذَا لأن الصورة فِي مثل هَذَا صورة واحدة فِي الرفع والنصب والخفض.
وتكون الكاف دالة عَلَى البعد. تقول: "ذا" فإذا بُعد قلت "ذَاكَ".
وتكون الكاف زائدة كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣.
وتكون للعجب نحو: "مَا رأيت كاليوم ولا جِلْدَ مخبأة".
стр. 90
باب اللام:
اللام: تقع زائدة فِي موضعين: فِي قولهم "عبدل" وَفِي قولهم "ذَلِكَ".
واللام تكون مفتوحة ومكسورة: ففي المفتوحات لام التوكيد وربما قيل: لام الابتداء نحو قوله جل ثناؤه: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ ١. وقال:
لَلُبْسُ عَبَاءة وتَقرَّ عيني ... أحْبُّ إليَّ من لبس الشُّفُوف٢
وتكون خبراً لـ"إن": إنَّ زيداً لقائمٌ.
ولام التوكيد: إن هَذَا لأنت.
وتكون فِي خبر الابتداء نحو: أم الحليس لعجوز".
وزعم ناس أنها تقع صِلةً لا اعتبار بِهَا. ويزعم أنه اعتبر ذَلِكَ من قراءة بعض القراء "إِلاَّ أنّهم لَيأكلون" ففتح "أن" وألغى اللامَ. وأنشد بعضُ أهل العربية٣:
وأعلمُ علماً لَيْسَ بالظَّنّ أنّهُ ... متى ذَلَّ مولى المرء فهو ذليلُ
وأن لِسان المرء مَا لَمْ تكن لَهُ ... حصاة عَلَى عوراته لدليل
واللام تكون جوابَ قَسَم "والله لأَقومَنَّ" وتلزمها النونُ فإن كَانَتْ للماضي لَمْ يُحْتَجْ إِلَى النون "والله لَقَامَ".
ولام الاستغاثة نحو قولهم: "يَا للنَّاس" فإن عَطَفْتَ عَلَيْهَا أُخرى كَسَرْتَ. يُنشِدون:
يُبْكيك ناءٍ بعيدُ الدّارِ مُغْتَرِبٌ ... يَا للكهولِ وللشُّبَّانِ والشّيبِ٤
قال بعض أهل العلم: إِن لام الإضافة تجيء لمعان مختلفة:
منها أن تصَيّرَ المُضاف للمُضَافِ إِلَيْهِ. نحو ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٥.
стр. 91
ومنها أن تكون سبباً لشيء, وعِلةً لَهُ. مثل ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ ١.
ومنها أن تكون إرادة. نحو: "قُمتُ لأَضرب زيداً" بمعنى قمت أريد ضَرْبَهُ.
ومنها أن تكون بمعنى "عند" مثل قوله جل ثناؤه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢ و ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي عنده.
ومنها أن تكون بمنزلة "فِي". مثل قوله جلّ وعزّ: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ٣ أي فِي أول الحشر.
ومنها أن تكون لمرور وقت. نحو قول النابغة٤:
تَوَهَّمْت آياتٍ لَهَا فعرفتها ... لِسِتَّةِ أعوام وذا العامُ سابعُ
ومنه قولهم: "غلام لَهُ سنة" أي أتتْ عَلَيْهِ سنة.
وتكون بمعنى "بعد" مثل قوله ﷺ : "صوموا لِرُؤْيته" ٥ أي بعد رؤيته.
وتكون للتخصيص. نحو "الحمد لله", وَفِي الكلام "الفصاحة لقريش والصباحة لبني هاشم"٦.
وتكون للتعجب. نحو: "لله دَرُّه! " ويُنشدون٧:
لله يبقى عَلَى الأيَّام ذو حِيَدٍ ... بمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ
ويقولون: "يَا لِلْعَجَب! " معناه: يَا قوم تعالوا إِلَى العجب ولِلْعجب أدعو.
стр. 92
وَقَدْ تجتمع الَّتِي للنداء والتي للعجب فيقولون١:
ألا يا لقوم لِطَيْف الخيال ... يُؤَرّقُ من نازِحٍ ذي دلاَل
وتكون للأمر. نحو: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ٢ وربما حُذفت هَذِهِ فيقولون٣:
محمد تَفْدِ نَفسكَ كلُّ نَفْسٍ
وقالوا فِي لام الأمر: كَانَ الأصل "اذهب" فلما سقطت الألف لَمْ يوصل إِلَى الفعل إِلاَّ بلام، لأن الساكن لا يُبْدأ بِهِ.
وقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ٤ فقال قائل: لِمَ جاز أن تكون المَغْفِرة جزاءً لِما امُتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ وهو قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾ ? فالجواب من وجهين: أحدهما أن الفتح وإن كَانَ من الله جلَّ ثناؤه فكل فعل يفعله العبد من خير فالله الموفق لَهُ والمُيَسّر، ثُمَّ يجازي عَلَيْهِ، فتكون الحسنة من العبد مِنةً من الله جلّ وعزّ عَلَيْهِ. وكَذلك جزاؤه لَهُ عنها منه. والوجه الآخر أن يكون قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ ٥ فأمَرَهُ بالاستغفار إِذَا جاء الفتح، فكأنه أعلمه أنه إِذَا جاء الفتح واستغفر غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه وَمَا تأخر، فكأن المعنى عَلَى هَذَا الوجه: إنا فتحنا لَكَ فتحاً مبيناً، فإذا جاء الفتح فاستغفر ربك ليغفر لَكَ الله مَا تقدم من ذنبك وَمَا تأخر. وقال قوم: فتحنا لَكَ فِي الدّين فتحاً مبيناً لتهتدي بِهِ أنت والمسلمون فيكون ذَلِكَ سبباً للغفران.
ومن اللامات لام العاقبة. قوله جل ثناؤه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٦ وَفِي أشعار العرب ذَلِكَ كثير:
جاءت لتُطعمَه لحما ويَفْجَعَها ... بابنٍ فقد أطعمت لحماً وَقَدْ فجعا
стр. 93
وهي لم تجئ لذلك، كما أنهم لَمْ يلتقطوه لذلك، لكن صارت العاقبة ذَلِكَ.
ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ١ أي: أتيتَهم زينةَ الحياة فأصارهم ذَلِكَ أن ضلُّوا. وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا﴾ ٢ هي لام العاقبة.
وتكون زائدة. ﴿هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ٣ و ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ٤.
باب زيادة الميم:
والميم تزاد أولى فِي مثل: مُفْعل ومِفْعل ومَفْعل وغير ذَلِكَ.
وتزاد فِي أواخر الأسماء. نحو: زُرْقُم وشَدْقم.
باب زيادة النون:
تُزاد أولى وثانيةً وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة.
فالأولى: "نَفْعَل". وقالوا: "نَرْجِس" وَلَيْسَ نرجس من كلام العرب، والنون لا تكون بعدّها راء. والثانية: نحو: "ناقةٌ عَنْسَلٌ", والثالثة: فِي "قَلَنْسُوَة", والرابعة: فِي "رَعْشن"، والخامسة: فِي "صَلتَان"، والسادسة: فِي "زَعْفَرَان".
وتكون فِي أول الفعل للجمع. نحو: "نخرج".
وعلامة للرفع فِي: "يخرجان" فإذا قلنا: الرجلان فقال قوم: هي عوض من الحركة والتنوين. وقال آخرون: هي فرق بَيْنَ الواحد المنصوب والاثنين المرفوعين.
وتقع فِي الجمع نحو: "مسلمون" وربما سقطت فقالوا٥:
стр. 94
الحافظو عورة العشيرة
وتكون ثانية فعل المطاوعة نحو "انكسر" و"بَغيْتهُ فانْبغى".
وتكون للتأكد مُخَفَّفة ومُثقَّلَة. نحو: "اضْرِبْنَ" و"اضْرِبنَّ" إِلاَّ أنها تقلب عند التخفيف فِي الكتاب ألفاً. نحو: "لَنَسْفعاً".
وتكون للمؤنثة, نحو: "تفعلين" وللجماعة "تفعلن".
وتُلحق آخر الاسم فِي "زيدٌ خرج", فَرْق بَيْنَ المفرد والمضاف.
ويقولون: فرقاً بَيْنَ مَا يجري وَمَا لا يجري. وقالت الجماعة: إنما اختيرت النون لأنها أشبه بحروف الإعراب من جهة الغُنَّة.
وَمَما تختص بِهِ النون من بين سائر الحروف انقلابُها فِي اللفظ إِلَى غير صورتها ضرورة، وذلك إِذَا كَانَتْ ساكنة وجاءت بعدها باء تنقلب ميماً "عنْبر" و"شَنْباء".
والهاء:
تُزَاد فِي "يَا زَيْداه" وَفِي "سُلْطَانيهُ" وهم يسمونها استراحة وبيان حركة. وللوقف عَلَى الكلمة نحو "عِهْ" و"شِهْ" و"اقْتدِه".
باب الواو:
لا تكون الواو زائدةً أولى. وَقَدْ تزاد ثانيةً وثالثة ورابعة وخامسة.
فالثانية نحو "كوثر" والثالثة نحو "جدول". والرابعة نحو "قَرنُوة"١.
والخامسة نحو "قَمَحْدُوة"٢.
وتكون للنَّسَق، وهو العطف، نحو: "زيد وعمرو".
وتكون علامةَ رفع نحو: "أخوك والمسلمون".
стр. 95
فإذا قالوا: "يُعجبني ضَربُ زيدٍ وتَغْضَبَ" فقال قوم: نُصِبَ "تَغْضبَ" عَلَى إِضمار "أنْ" معناه وأن تغضب فيصيرُ فِي معنى المصدر. كأنك قلتَ "يعجبني ضَرْبُ زيد وغضَبُك" فتخرج بذلك من أن تكون ناسِقَةً فعلاً عَلَى اسم. ويقولون١:
للُبْس عباءة وتَقَرَّ عيني
بمعنى وأن تقرّ عيني. فإن نَسَقْت فعلاً عَلَى فعل مجموعين فإعرابهما واحد هو "يقوم ويضرب زيداً" فإن لَمْ تُرِد الجمعَ بَيْنَهما نصبتَ الثاني فيقال نَصبَ بإضمار "أنْ" يقولون: "لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبنَ" و٢:
لا تَنْهَ عن خُلُق وتَأتيَ مِثْلَهُ
وتكون بمعنى الباء فِي القَسَم نحو "والله".
وتكون الواو مُضْمَرَة في مثل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ ٣ التأويل: ولا على الذين إذا ما أَتوك لتحملهم وقلت: لا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ تولوا. فجواب الكلام الأول تولّوا.
وتكون بمعنى "رُبّ". نحو "وَقَاتِم الأعْماقِ".
وتكون بمعنى "مَعَ" كقولهم "اسْتَوى الماءُ والْخشَبة" أي مع الخشبة وأهل البصرة يقولون فِي قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٤ معناها مع شركائكم. كما يقال: "لو تُركت الناقة وفَصيلها" أي مع فصيلها.
وقال آخرون: أجْمِعوا أمركم وادعوا شركاءكم، اعتباراً بقوله جلّ وعزّ: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٥.
стр. 96
وتكون صِلةً زائدةً كقوله جلّ وعزّ: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ١ المعنى إِلاَّ لَهَا.
وتكون بمعنى "إِذ" كقوله جلّ وعزَ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ ٢ يريد إذ طائفة. وتقول: "جئت وزيدٌ راكب" أي إذ زيد.
وقال قوم: للواو معنيان: معنى اجتماع ومعنى تفرُّق نحو "قام زيد وعمرو". وإن كَانَتْ الواو فِي معنى اجتماع لَمْ تُبَل بأيّهما بَدأتَ. وإن كَانَتْ فِي معنى تَفَرُّق فعمرو قائم بعد زيد.
وذهب آخرون إِلَى أن الواو لا تكون إِلاَّ للجمع. قالوا: إِذَا قلت: "قام زيد وعمرو" جاز أن يكون الأمر وقع منهما جميعاً معاً فِي وقت واحد وجاز أن يكون الأول تقدم الثاني، ونكتة بابِها أنَّها للجمع.
وتكون الواو عَطْفاُ بالبناء عَلَى كلام يُتَوَهَّم، وذلك قولك إِذَا قال القائل: "رأيتُ زيدا عند عمرو", قلتَ أنتَ "أَوْ هو ممن يُجالسه?"، قال البصريون: معناهُ كَأَنَّ قائلاً قال: "هو ممن يجالسه" فقلتَ أنت "أوَ هو كذاك?"، وَفِي القرآن "أوَ أمِنَ أهلُ القُرى?"
, وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ٤, فليس بأو إنما هي واو عطف دخل عَلَيْهَا ألف الاستفهام كأنه لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ٥ استفهموا عنهم.
وتكون الواو مُقحَمةً كقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ٦ أراد -والله أعلم- فاضرب بِهِ لا تحنث، جزماً عَلَى جواب الأمر، وَقَدْ تكون نهياً والأول أجود. وكذلك ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ ٧ أراد "لنعلمه" وَقَدْ قيل: "ولنعلمه فعلنا ذَلِكَ". وكذلك: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ ٨ أي
стр. 97
"وحفظاً فعلنا ذَلِكَ". وقوله١:
فَلمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانْتَحى
قيل: هي مُقْحَمة. وقيل: معناه أجزنا وانتحى.
باب الياء:
الياء: تُزاد أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة.
فالأولى "يَرْمعٌ"٢ و"يرْبوعٌ"٣. والثانية "حَيْدَرٌ"٤. والثالثة "خَفَيدَدٌ"٥. والرابعة "إِصلِيتٌ"٦. والخامسة "ذَفاري"٧.
وتكون أولى فِي الأفعال نحو: "يضرب".
وللإضافة نحو: "عِبَادي".
وللتثنية والجمع نحو: "الزَّيْدَين" و"الزَّيْدِينَ".
وتكون علامة للخَفْض نحو: "أخيك".
وللتَّأنيث نحو: "استَغْفرِي".
وللتَّصْغير نحو: "بُيَيْتٌ".
وللنَّسَب نحو: "كُوفِّي".
стр. 98
باب القول عَلَى الحروف المفردة الدَّالَّةِ عَلَى المعنى:
وللعرب الحروف المفردة الَّتِي تدلُّ عَلَى المعنى. نحو التاء فِي "خَرَجْتُ" و"خَرَجْتَ", ونحو الياء و"ثَوْبي" و"فَرَسي".
ومنها حروف تدلّ عَلَى الأفعال نحو "إ زيدًا" أي عِدْهُ. و"ح" من وحَيتُ. و"دِ" من وَدَيْتُ, و"ش" من وَشيْتُ, و"عِ" من وَعَيْتُ, و"فِ" من وَفَيْتُ و"قِ" من وَقَيْتُ و"لِ" من وَلِيْتُ و"نِ" من وَنَيْتُ و"هِـ" من وهيت. إلا أنَّ حذّاق النحويين يقولون فِي الوقف عَلَيْهَا "شِهْ" و"دِهْ" فيقفون عَلَى الهاء.
ومن الحروف مَا يكون كناية ولَهُ مواضع من الإعراب نحو قولك: "ثوبه" فالهاء كنايةٌ لَهَا محلٌ من الإعراب.
ومنه مَا يكون دلالة لَهُ مثل "رأيتها" فالهاء اسم لَهُ محل والميم والألف علامتان لا محلّ لهما، فعلى هَذَا يجيء الباب.
فأمّا الحروف الَّتِي فِي كتاب الله جل ثناؤه فواتحَ سور فقال قوم: كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسماء الله، فالألف من اسمه "الله" واللام من "لطيف" والميم من "مجيد". فالألف من آلائه واللام من لطفه والميم من مجده. يُروَى ذا عن ابن عباس وهو وجه جيِّد، وَلَهُ فِي كلام العرب شاهد، وهو:
قلنا لَهَا قفي فقالت قاف
وقال آخرون: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بهذه الحروف أن هَذَا الكتاب الَّذِي يقرأه محمد ﷺ هو الكتاب الَّذِي أنزله الله جل ثناؤه لا شك فِيهِ. وهذا وجه جيد، لأن الله جلّ وعز دل عَلَى جلالة قدر هَذِهِ الحروف، إذ كَانَتْ مادَّة
стр. 99
البيان ومباني كتب الله المنزلة باللغات المختلفة، وهي أصول كلام الأمم، بِهَا يتعارفون، وبها يذكرون الله جلّ ثناؤه. وَقَدْ أقسم الله جل ثناؤه فِي كتابه بالفجر والطور وغير ذلك، فكذلك شأنُ هَذِهِ الحروف فِي القسم بِهَا.
وقال قوم: هَذِهِ الأحرف من التسعة وعشرين حرفاً دارَتْ بِهَا الألْسِنة، فليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه جلّ وعزّ، وَلَيْسَ منها حرف إلا هو فِي آلائه وبلائه، وَلَيْسَ منها حرف إلا وهو فِي مدة أقوام وآجالهم: فالألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون. رواه عبد الله بن جعفر الرازي عن أبيه عن الرّبيع بن أنس وهو قول حَسَنٌ لطيف، لأنّ الله جلّ ثناؤه أنزل عَلَى نبيه محمد ﷺ الفرقان فلم يدع نظماً عجيباً ولا علماً نافعاً إلا أودعه إيَّاهُ، عَلِم ذَلِكَ من عَلمَهُ وَجهِلهُ مَن جَهِلهُ. فليس مُنْكراً أن ينزل الله جلّ ثناؤه هَذِهِ الحروف مشتملة -مع إيجازها- عَلَى مَا قاله هؤلاء.
وقولٌ رُوِي عن ابن عباس فِي ﴿ألم﴾ ١: "أنا الله أعلم". وَفِي ﴿ألمص﴾ ٢: "أنا الله أعلم وأفصل". وهذا وجه يقرب مما مضى ذكره من دَلالة الحرف الواحد عَلَى الاسم التامّ والصفة التامّة.
وقال قوم: هي أسماء للسُّور فـ ﴿ألم﴾ اسم لهذه و ﴿حم﴾ ٣ اسم لغيرها. وهذا يُؤثَرُ عن جماعة من أهل العلم، وذلك أن الأسماء وضِعَت للتمييز، فكذلك هَذِهِ الحروف فِي أوائل السُّوَر موضوعة لتمييز تِلْكَ السُّور من غيرها.
فإن قال قائل: فقد رأينا ﴿ألم﴾ افتتح بِهَا غير سورة، فأين التمييز? قلنا: قَدْ يقع الوفاق بَيْنَ اسمين لشخصين، ثُمَّ يميز مَا يجيء بعد ذَلِكَ من صفة ونعت كما قيل "زيد وزيد" ثُمَّ يميزان بأن يقال: "زيد الفقيهُ" و"زيد العربيُّ" فكذلك إذا
стр. 100
قرأ القارئ ﴿ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ١ فقد مّيزها عن الَّتِي أولها ﴿ألم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ٢.
وقال آخرون: لكل كتاب سرٌّ وسرّ القرآن فواتح السور. وأظنّ قائل هذا أراد أن ذَلِكَ من السرّ لا يعلمه إلا الخاص من أهل العلم والراسخون فِيهِ.
وقال قوم: إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فِيهِ وقال بعضهم لبعض ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ٣ فأنزل الله ﵎ هَذَا النظم ليتعجبوا منه، ويكون تعجبهم منه سبباً لاستماعهم، وأسماعهم لَهُ سبباً لاستماع مَا بعده، فترق حينئذ القلوب وتلين الأفئدة.
وقول آخر: إن هَذِهِ الحروف ذكرت لتدل عَلَى أن القرآن مؤلف من الحروف الَّتِي هي أب ت ث فجاء بعضها مقطعاً وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين نزل القرآن فيما بَيْنَ ظهريهم أنه بالحروف الَّتِي يعقلونها فيكون ذَلِكَ تقريعاً لهم ودلالة عَلَى عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد أن أعلموا أنه منزل بالحروف الَّتِي يعرفونها ويبنون كلامها منها.
قال أحمد بن فارس: وأقرب القول فِي ذَلِكَ وأجمعه قول بعض علمائنا: إن أولى الأمور أن تُجعل هَذِهِ التأويلات كلّها تأويلاً فيقال: إن الله جلّ وعزّ افتتح السور بهذه الحروف إرادةً منه الدلالة بكل حرف منها عَلَى معان كثيرة لا عَلَى معنىً واحد. فتكون الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا للسور، وأن يكون كلُّ واحد منها مأخوذاً من اسم من أسماء الله جلّ ثناؤه، وأن يكون الله جل ثناؤه قَدْ وضعها هَذَا الموضع قَسَماً بها، وأن كل حرف منها فِي آجال قوم وأرزاق آخرين، وهي مع ذَلِكَ مأخوذة من صفات الله جلّ وعزّ فِي أنعامه وأفضاله ومجده، وأن الافتتاح بِهَا سبب لأن يستمع إلى القرآن من لَمْ يكن يستمع، وأن فِيهَا أعلاماً للعرب أن القرآن الدال عَلَى صحة نبوّة محمد ﷺ هو بهذه الحروف، وأن عجزهم عن الإتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة بينهم دليل عَلَى كذبهم وعنادهم وجحودهم، وأن كلّ عدد منها إذا وقع فِي أول سورة فهو اسم لتلك السورة.
стр. 101
وهذا هو القول الجامع للتأويلات كلّها من غير اطراح لواحد منها، وإنما قلنا هَذَا لأن المعنى فِيهَا لا يمكن استخراجه عقلاً من حَيْثُ يزول بِهِ العذر، لأن المرجع إلى أقاويل العلماء، ولن يجوز لأحد أن يعترض عليهم بالطعن وهم من العلم بالمكان الَّذِي هم بِهِ ولهم مع ذَلِكَ فضيلة التقدم ومزية السبق. والله أعلم بما أراد من ذَلِكَ.
стр. 102
باب الكلام فِي حروف المعاني:
رأيتُ أصحابنا الفقهاء يضمّنون كتبهم فِي أصول الفقه حروفاً من حروف المعاني، وَمَا أدري مَا الوجه فِي اختصاصهم إيّاها دون غيرها. فذكرت عامّة حروف المعاني رسماً واختصاراً، فأوّل ذَلِكَ مَا كَانَ أوله ألف:
باب أم:
"أم" حرف عطف نائب عن تكرير الاسم أو الفعل نحو "أزيد عندك أم عمرو?".
ويقولون: ربمّا جاءت لقطع الكلام الأوّل واستئناف غيره، ولا يكون حينئذ من باب الاستفهام. يقولون: "إنّها الإبِلٌ أم شاء". ويكون ههنا -فِي قول بعضهم- بمعنى "بل" كقوله جل ثناؤه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ ١ وينشدون٢:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرّباب خيالا
وقال أهل العربية: أمررت برجل أم امرأة "أم" تُشرك بينهما كما أشركت بينهما "أو".
وقال آخرون: فِي "أم" معنى العطف، وهي استفهام كالألف إلاّ أنها لا تكون فِي أول الكلام لأن فِيهَا معنى العطف.
وقال قوم: هي "أو" أبدلت الميم من الواو لتحول إلى معنى، يريد إلى معنى "أو" وهو قولك فِي الإستفهام "أزيد قام أم عمرو?" فالسؤال عن أحدهما بعينه. ولو جئت بـ"أو" لسألت عن الفعل. وجواب أو "لا" أو "نعم", وجواب أم "فلان" أم "فلان".
وقال أبو زيد: العرب تزيد "أم". وقال قوله جلّ ثناؤه ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ
стр. 103
هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ١: معناه "أنا خير".
وَكَانَ سيبويهِ يقول: "أفلا تبصرون": أم أنتم بصراء.
وَكَانَ أبو عُبَيْدة يقول: "أم" يأتي المعنى ألف الاستفهام كقوله جلّ ثناؤه ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ ٢ بمعنى "أتريدون"?
وقال أبو زكريا الفرّاء: العرب تجعل "بل" مكان "أم" وأم مكان بل. إذا كَانَ فِي أول الكلمة استفهام. فقال٣:
فوالله مَا أدري أسلمى تغوّلتْ ... أم النومُ أم كلٌّ إليَّ حبيب
معناه: "بل".
فأما قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا﴾ ٤ فقيل: أظننت يَا محمد هَذَا، ومن عجائب ربك جل وعزّ مَا هو أعجب من قصة أصحاب الكهف?
وقال آخرون: "أم" بمعنى ألف الاستفهام كأنه قال: "أحَسِبْت"? و"حسبت" بمعنى "علمت" ويكون الاستفهام فِي "حسبت" بمعنى الأمر كما تقول لمن تخاطبه "أعلمت أن زيداً خرج"? بمعنى أمر, أي اعلم أن زيداً خرج. قال: فعلى هَذَا التدريج يكون تأويل الآية: إعلم يَا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً.
باب أَوْ:
أو: حرف عطف يأتي بعد الاستفهام للشكّ: "أزيد عندك أو بكر?" تريد "أحدهما عندك?" فالجواب "لا" أو "نعم". وإذا جعلت مكانها "أم" فأنت مثبت أحدهما غير أنّك شاكٌ فِيهِ بعينه فتقول: "أزيد عندك أم عمرو؟ " فالجواب "زيد" أم "عمرو".
стр. 104
وتكون "أو" للتخير كقوله جل ثناؤه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١.
وتكون للإباحة تقول: "خذ ثوباً أو فرَساً".
وأما قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٢ فقال قوم: هَذَا يُعارَض ويُقابَلُ بِضدّه فيصح المعنى ويبين المراد، وذلك أنّا نقول: "أطِعْ زيداً أو عمراً" فإنما نريد أطع واحداً منهما، فكذا إذا نَهَيْناه وقلنا: "لا تطع زيداً أو عمراً" فقد قلنا لا تُطع واحداً منهما.
وقوله جلّ ثناؤه: ﴿إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ٣ فقال قوم: هي بمعنى الواو "ويزيدون". وقال آخرون: بمعنى "بل". وقال قوم: هي بمعنى الإباحة كأنه قال: إذا قال قائل: "هم مائة ألف" فقد صدق. وقول القائل: "مررت برجل أو امرأة" فقد أشركَتْ "أو" بينهما فِي الخفض وأثبتت المرور بأحدهما دون الآخر.
وتكون "أو" بمعنى "إلاّ أنْ" تقول "لألومنَّك أو تُعطيني حقي" بمعنى إلاّ أن تعطيني. قال امرؤ القيس٤:
فقلتُ لَهُ لا تبك عينُكَ إنَّما ... نُحاول مُلكاً أو نموتُ فنُعذرا
وزعم قوم أن "أو" تكون بمعنى الواو ويقولون: كل حق لَهَا داخل فِيهَا أو خارج منها، وكل حق سميّناه فِي هَذَا الكتاب أو لَمْ نسمه وإن شئتَ قلت بالواو وأنشدوا٥:
فذلكما شهرين أو نصفَ ثالث ... إلى ذاكما مَا غَيَّبتني غيابيا
وَكَانَ الفرّاء يقولون: فِي "مائة ألف أو يزيدون": بل يزيدون وقال بعض البصريين منكراً لَهَا: لو وقعت "أو فِي هَذَا الموضوع موقع "بل" لجاز أن تقع فِي غير هَذَا الموضع وكنا نقول "ضربت زيداً أو عمراً" عَلَى غير الشك لكن بمعنى
стр. 105
"بل"، وهذا غير جائز قالوا: ووجه آخر أنَّ بل تأتي للإضراب بعد غلط أو نسيان وهذا منفي عن الله جل ثناؤه فإن أتي ثناؤه بها بعد كلام قد سبق من، وهذا غير القائل فالخطأ إنما لحِقَ كلام الأول نحو قَوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ ١ فهم أخطئوا فِي هَذَا وكفروا بِهِ فقال جلّ وعزّ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . وزعم قوم أن معناها "أو يزيدون عَلَى ذَلِكَ".
قلنا: والذي قاله الفراء فقول قَدْ تقدمه فِيهِ ناس. وقول من قال: أن "بل" لا يكون إلاّ إضراباً بعد غلط أو نسيان فخطأ، لأن العرب تُنشد٢:
بل مَا هاج أحزاناً وشجواً قَدْ شجا
وهذا لَيْسَ من المعنيين فِي شيء.
فأما قوله: "أو أشدُّ قَسْوةً" وَمَا أشبهه من قوله : ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ٣ أن المخاطب يعلمه، لكنه أبهمه عَلَى المخاطَب وطواه عنه. وقال آخرون: بعضها كالحجارة وبعضها أشدَّ قسوة. أي هي ضربان: ضرب كذا أو ضرب كذا.
باب إي وأي:
إي: فِي زعم أهل اللغة يكون بمعنى "نعم" تقول "إي وربّي". أي: "نعمْ وربّي" قال الله جل ثناؤه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ ٤.
وأي: معناها "يقول" ومثال ذَلِكَ أن تقول فِي تفسير "لا ريب فِيهِ": "أي لا شك فِيهِ"، المعنى: يقول لا شك فِيهِ.
وسمعتُ أبا بكر أحمد بن عليّ بن إسماعيل الناقد يقول: سمعت أبا إسحاق الحربيّ يقول سمعت عمر بن أبي عمرو الشَّيْبانِيّ يقول: سألت أبي عن قولهم "أي" فقال: كلمةٌ للعرب تُشيِرُ بِهَا إلى المعنى.
стр. 106
باب إنَّ وأنَّ وإنْ وأنْ:
قال "الفَرّاء": "إنَّ" مقدرة لقسم متروك استُغْنيَ بِهَا التقدير: "والله إنّ زيداً عالمٌ". وَكَانَ ثعلب يقول: "إن زيداً لقائم" هو جواب مَا زيد بقائم فـ"إنّ" جواب "مَا" و"اللام" جواب "الباء". وَكَانَ بعض النحويين يقولون: "إنّ" مُضارِعَة للفعل لفظاً ومعنىً: أما اللفظ فللفتحة فِيهَا كما تقول "قامَ". والمعنى فِي "أن زيداً قائم": ثبت عندي هَذَا الحديث. وقال سيبويه: سألت الخليل عن رجل سميناه بـ"إن" كَيْفَ إعرابه? قال: بفتح الألف لأنه يكون كالاسم، وإذا كَانَ بكسر الألف لكان كالفعل والأداة، ولذلك نُصب فِي ذاته لأنه كالفعل ومعناه التثبيت للخبر الَّذِي بعده، ولذلك نصب بِهِ الاسم الَّذِي يليه. ومما يدل على أن "إن" للتثبيت قول القائل١:
إن مَحَلاًّ وإنَّ مُرتَحَلا ... وإنَّ فِي السَّفْرِ مَا مضوا مهلا
وتكون "إن": بمعنى "لَعَلّ" فِي قوله : ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾ ٢ بمعنى "لعلَّها إذا جاءت". وحكى الخليل: "إئتِ السوقَ أنْكَ تشتري لَنَا شيئاً" بمعنى "لعلَّك".
و"أنّ" إذا كَانَتْ اسماً كَانَتْ فِي قولك "ظننت أن زيداً قائم" فيكون "أن" والذي بعدها قصةً وشأناً، نحو "ظننت ذَاكَ" فيكون محلّه نصباً، وإذا قلْت "بلغني أن زيداً عالمٌ" فهذا فِي موضع رفع. وإذا قلنا "عجبت من أنّ زيداً كلّمكَ" فمحله خفض عَلَى مَا رتبناه من أنه اسم.
وأما "إن": فإنها تكون شرطاً، تقول: "إن خرجتَ خرجتُ".
وتكون نفياً كقوله جلّ وعزّ: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ٣.
وكقول الشاعر٤:
وَمَا إنْ طبنا جبنا
стр. 107
وتكون بمعنى "إذْ" قال الله جلّ وعزّ: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ بمعنى "إذ" لأنه جلّ وعزّ لَمْ يخبرهم بعلوّهم إلا بعدما كانوا مؤمنين.
وزعم ناس أنها تكون بمعنى "لقد" فِي قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢ بمعنى "والصوم خير لكم"٣.
وتكون بمعنى "إذ" تقول: "أعجبني أن خرجتَ", وفرحتُ أن دخلتَ الدار".
وَقَدْ تُضْمَر فِي قوله٤:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى
وتكون بمعنى "أي" قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٥ بمعنى: أي امشوا.
باب إلى:
تكون "إلى" بمعنى الانتهاء، تقول: "خرجتُ من بَغْدادَ إلى الكوفة".
وتكون بمعنى "مع". قالوا في قوله جل ثناؤه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ ٦:
بمعنى "مع الله" وقال قوم: معناها مَن يُضيف نُصرتَه إلى نصرة الله جلّ وعزّ لي? فيكون بمعنى الانتهاء، وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٧.
وربما قامت "إلى" مقام "اللام" قال "الشماخ٨:
стр. 108
فالْحق بَبجلَةَ ناسِبْهُم وَكن مَعَهُمْ ... حَتَّى يُعيرُوك مجداً غيرَ مَوْطُودِ
واتركْ تُراثَ خُفافٍ إنهم هَلكوا ... وأنت حَيٌّ إلى رِعْلٍ ومَطرُودِ
يقول: اتركْ تُراث خفاف لرعل ومطرود. وخفافٌ ورعل ومطرود بنو أبٍ واحد. وأخبرنا عليّ ابن ابراهيم القطان عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: ألقى عليَّ أعربيٌ هَذَا البيت فقل لي: مَا معناه? فأجبته بجواب، فقال لي: لَيْسَ هو كذا. وأجابني بهذا الجواب. وَكَانَ الَّذِي أجابهُ بهِ ابنُ الأعرابي أن خفافاً من غير رعِل ومطرود.
باب أَلاَ:
"ألاَ" افتتاح كلام، وَقَدْ قيل: إن "الهمزة" للتنبيه و"لا" نفي لدعوى فِي قوله جلّ ثناؤه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ١ فالهمزة تنبيهٌ لمخاطب و"لا" نفي للإصلاح عنهم.
وَفِي كلام العرب كلمة أخرى تُشبهها لَمْ تجئ فِي القرآن وهي "أما" وهي كلمة تحقيق إذا قلت "أما إنّه قائمٌ" فمعناه "حقاً إنّه قائمٌ".
باب إنما:
سمعت عليَّ بن إبراهيم القطّان يقول: سمعت ثعلباً يقول: سمعت سلمة يقول: سمعت الفرَّاء يقول: إذا قلتَ: "إنما قمت" فقد نفيتَ عن نفسكَ كلَّ فعل إلا القيام، وإذا قلت: "إنما قامَ أنا" فإنك نفيتَ القيامَ عن كلّ أحد وأثبتَّهُ لنفسك.
قال الفرَّاء: يقولون: "مَا أنت إلاَ أخي" فيدخل فِي هَذَا الكلام الأفراد. كأنه ادعى أنه أخٌ ومولىَّ وغير الأخوّة، فنفى بذلك مَا سواها. قال: وكذلك إذا قال: "إنما أنت أخي". قال الفرّاء: لا يكونان أبداً إلا ردّاً، يعني أن قولك "مَا أنت إلاّ أخي" و"إنّما قام أنا" لا يكون هَذَا ابتداء أبداً وإنما يكون ردّاً عَلَى آخر، كأنّه ادّعى أنه أخٌ ومولىَّ وأشياء أخر، فنفاه وأقرّ لَهُ بالأخوة، أو زعم أنه كَانَتْ منكَ أشياء سوى القيام فنفيتها كلها مَا خلال القيام.
وقال قوم: "إنما" معناه التحقير. تقول: "إنما أنا بشر" محقراً لنفسك. وهذا
стр. 109
لَيْسَ بشيء: قال الله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١ فأين التحقير ها هنا؟
والذي قاله الفرّاء صحيح، وحجته قوله ﷺ : "إنّما الولاء لمن أعتق".
باب إلاّ:
أصل الاستثناء أن تَستثني شيئاً من جملة اشتملت عَلَيْهِ فِي أول مَا لفظ به، وهو قولهم: "مَا خرج الناسُ إلا زيداً" فقد كَانَ "زيد" فِي جملة الناس ثُمَّ أُخرج منهم، ولذلك سمي "استثناءً لأنه ثُنِّيَ ذكره مرةً فِي الجملة ومرّة فِي التفصيل. ولذلك قال بعض النحويين: المستثنى خرج مما دخل فيه، وهذا مأخوذ من "الثِّنَا" والثِّنا الأمر يثَّنى مرّتين: قال رسول الله ﷺ : "لا ثِنا فِي الصدقة" ٢ يعني لا تؤخذ فِي السنة مرتين. قال أوس٣:
أفي جَنْب بَكْرٍ قطَّعَتْني ملامةً ... لَعَمري لقد كَانَتْ ملامتها ثِنَا
يقول: لَيْسَ هَذَا بأولّ لومها، فقد فعلَتْه قبل هذا، وهذا ثِنًا بعده.
وقال بعض أهل العلم: "إلا" تكون استثناء لقليل من كثير، نحو "قام الناسُ إلا زيداً". وتكون محققة لفعلٍ مَنفيّ عن اسم قبلها، نحو "مَا قام أحد إلا زيد". وتكون بمعنى "واو العطف" كقوله٤:
وأرى لَهَا داراً بأغدرة السيِّـ ... ـدَانِ لَمْ يَدْرُس لَهَا رسمُ
إلا رَماداً هامداً دفعت ... عنه الرِّياحَ خوالِدٌ سُحْمُ
أراد "ورماداً".
وتكون بمعنى "بل" كقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ ٥ بمعنى "بل تذكرة". ومنه قوله : ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ
стр. 110
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ معناه: والذين آمنوا ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
وتكون "إلا" بمعنى "لكن" وتكون من الَّذِي يسمونها الاستثناء المنقطع كقوله جل ثناؤه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾ ٢ -معناه لكن من تولى- ﴿وَكَفَرَ﴾ .
ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ ٣ كَانَ الفرّاء يقول: استثنى الشيء من الشيء لَيْسَ منه على الاختصار، ومن ذَلِكَ هَذِهِ الآية. ثُمَّ قال: وَفِي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ٤ قال: هو مختصر، معناه "إلا أن يصيب الرجلُ اللمم" واللمم الذنوب. والله جلّ ثناؤه لا يأذن فِي قليل الذنب ولا كثيره. قال: ومما جاء فِي شعر العرب قول أبي خراش٥:
نجا سالم والنفس منه بشدقه ... وَلَمْ ينجُ إلا جفنَ سيفٍ ومِئْزَرا
فاستثنى الجفن والمئزر وليسا من سالم، وإنما هَذَا عَلَى الاختصار. وأنشد٦:
وبلدة لَيْسَ بِهَا أنيسُ ... إلا اليعافير وإلا العيسُ
معناه "لكن فِيهَا" ومثله قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧ وأما قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٨ فقال قوم أراد: "إلا عَلَى الذين ظلموا فإن عليهم الحجة" ويكون حينئذ "الذين" فِي موضع خفض ويكون أيضاً عَلَى "لكن الذين ظلموا فلا تخشوهم" تبتدئه. وقال