"نحن فعَلْنا" فعلى هذا الابتداء خُوطبوا في الجواب. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ١.
باب آخر:
العرب تذكر جماعة وجماعة، أو جماعة وواحداً، ثم تخبر عنهما بلفظ الاثنين. يقول الأسْوَدُ٢:
إن المنيِّةَ والحُتوفَ كِلاهما ... يوفي المَخارِمَ يَرْقُبانِ سوادي
وقال آخر:
ألم يَحْزُنكَ أنّ حبالَ قَيسْ ... وتَغْلِبَ قد تَبَايَنَتا انقطاعا
وقد جاء مثله في القرآن: قال الله تبارك اسمه: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ٣.
باب مخاطبة الواحد خطاب الجمع إذا أريد بالخطاب هو ومَنْ معه:
قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٤ فخوطب ﷺ بلفظ الجميع لأنه أريد هو وأمّته. وكان ابن مسعود يقرأ: "ارجعوا إليهم" مِدْرَهَهُم.
باب تحويل الخطاب من الشاهد إلى الغائب:
العربُ تخاطِب الشاهدَ، ثم تحول الخِطابَ إلى الغائب. وذلك كقول النَّابغة٥:
يا دارَ مَيَّةَ بالعَلياءِ فالسَّنَدِ ... أقْوت وطالَ عليها سالِفُ الأبد
стр. 177
فخاطب ثم قالَ: "أقوتْ". وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٢. قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ ٣ وقال في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ٤. ومنه قوله٥:
أسِيئي بنا أوْ أحسنِي لا ملومةٌ ... لديْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنّ تقلّتِ
باب تحويل الخطاب من الغائب إلى الشاهد:
وقد يجعلون خطابَ الغائب للشاهد، قال الهُذَلِيّ:
يا ويحَ نفسي كان جدَّهُ خالدٍ ... وبياضُ وجهك للتراب الأعْفَرِ
فخبَّرَ عن خالد ثم واجَهَ فقال: "وبياض وجهك". ومنه٦:
شَطتْ مزَار العاشقِينَ فأصْبَحَتْ ... عسراً عليَّ طِلابُك ابنةَ مخرَمِ
باب مخاطبة المخاطب ثم جعل الخطاب لغيره أو يُخْبر عن شيء ثم يُجعل الخبر المتصِل به لغيره:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ٧ الخطاب للنبي ﷺ ثم قال للكفار: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ ٧ يدلّ على ذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٨. وقال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ ٩. وقال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ١٠ وقريب من هذا الباب أن يبتدأ الشيء ثم يخبر عن غيره كقول
стр. 178
شدَّاد بن مُعاوِية١:
ومَن يَكُ سائلاً عنّي فإني ... وجِرْوَةَ لا تَرودُ ولا تعار
و"جروة" فرسه، فالمسألة عنه والخبر عن غيره. وقال الأعشى٢:
وإن امْرأُ أسرَى إليك ودونَه ... من الأرض موتاة ويَهْماءُ سَمْلقُ
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَستجيبي لصوته ... وأنْ تعلمي أنّ المُعان موَفَّقُ
وقد جاء في كتاب الله جلّ ثناؤه ما يشبه هذا وهو قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ٣ فبدأ بهم ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ بدأ بهم ثم حوَّل الخطاب. ومنه قول القائل٤:
لَعَلّيَ إنْ مالَتْ بي الريحُ مَيلةً ... على ابنِ أبي ذِبّان أن يتَندَّما
فذكر نفسه وترك وأقبل على غيره، كأنه أراد: لعل ابن أبي ذِبّانَ أن يتندم إن مالَتْ بي الريحُ عليه. ومثله في كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ ٥ فخبَّر عن الأزواج وترك الذين. ومثله:
بَني أسَدٍ إنْ ابنَ قيْس وقتلَه ... بغير دَمٍ دارُ المذلَّة حُلَّتِ
فترك ابن قيس وخبَّر عن القتل، كأنه قال: قتلُ ابن قيس ذُلّ.
باب الشيئين ينسب الفعل إليهما وهو لأحدهما:
وينسبون الفعل إلى اثنين وهو لأحدهما. وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ٦ وكان النسيان من أحدهما لأنه قال: ﴿إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ٧. وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ ٨ ثم قال: ﴿يَخْرُجُ
стр. 179
مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ١، وإنما يُخرَجان من المِلحِ لا العذب.
وينسبون الفعل إلى الجماعة وهو لواحد مهم. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ٢ وإنما كان القاتل واحداً.
باب نسبة الفعل إلى أَحد اثنين وهو لهما:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ٣ وإنما انفضوا إليهما. وقال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٤. وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ ٥. ثم قال: الشاعر٦:
إنَّ شَرْخَ الشباب والشَّعرَ الأسـ ... ـودَ ما لم يُعاصَ كان جنونا
وقال آخر٧:
نحنُ بما عندَنا وأنت بما عنـ ... ـدكَ راضٍ والرأيُ مختلِفُ
باب أمر الواحد بلفظ أمر الاثنين:
تقول العربُ: "افعلا ذاك" ويكون المخاطب واحداً. أنشد الفرّاء٨:
فقلتُ لِصاحِبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدزَّ شِيحا
وقال٩:
فإنْ تزجُراني يابن عَفَّانَ أنْزَجرْ ... وإنْ تَدَعاني أحْمِ عِرْضاً ممنعا
стр. 180
وقال الله جلّ ثناؤه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ١ وهو خطاب لخَزَنَة النّار والزَّبانِيَة. قال: ونُرى أن أصل ذلك أنَّ الرُّفْقة أدنى ما يكون ثلاثةُ نفرَ فجرى كلام الواحد على صاحبيْه، ألا ترى أن الشعراء أكثر الناس قولاً "يا صاحبي" و"يا خليليّ".
باب الفعل يأتي بلفظ الماضي وهو راهنٌ أو مستقبل وبلفظ المستقبل وهو ماضٍ:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ٢ أي: أنتم. وقال جلّ ثناؤه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ٣ أي: يأتي ويجيء بلفظ المستقبل وهو في المعنى ماضٍ. قال الشاعر٤:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يَسبُّني ... فَمَضيْتُ عنه وقلتُ لا يعنيني
فقال: "أمُرُّ" ثم قال: "مضيت". وقال٥:
وما أضْحِي ولا أمسَيْتُ إلا ... رأوْني منهمُ في كرفان
وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٦ وقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ ٧ أي ما تَلَتْ. وقال آخر٨:
وندمان يزيد الكأس طيباً ... سقيت إذا تغوَّرت النجوم
ومثله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ ٩ المعنى: فلم عذَّب آباءكم بالمسخ والقتل? لأن النبي ﷺ لم يَؤْمَر بأن يحتجّ عليهم بشيء لم يكن، لأن الجاحد يقول: إني لا أعذَّب, لكن احتج عليهم بما قد كان.
стр. 181
باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل:
تقول: "سِرُّ كاتم" أي مكتوم. وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١ أي لا معصوم و ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ٢ و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ٣ أي مَرْضِيٍ بها. و ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ ٤ أي مأموناً فيه ويقول الشاعر٥:
إنَّ البَغيضَ لَمَنْ يُمَلُ حديثُه ... فانقَعْ فؤادَكَ من حديث الوامِقِ
أي المَوْمُوق. ومنه٦:
أناشر لا زالَتْ يمينُك أشِرَة
أي: مأشورة.
وزعم ناس أنّ الفاعل يأتي بلفظ المفعول به. ويذكرون قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ٧ أي: آتياً. قال ابنُ السِّكيت: ومنه "عيْشٌ مغبون" يريد أنه غابِن غيرَ صاحبه.
باب آخر:
من سُنن العرب وصفُ الشيء بما يقع فيه أو يكون منه، كقولهم: "يومٌ عاصِف" المعنى: عاصفُ الرّيح. قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ٨ فقيل: عاصف لأنَّ عُصُوفَ ريحه يكون فيه. ومثله: "ليلٌ نائم" و"ليل ساهر" لأنه يُنام فيه ويُسَهرْ
стр. 182
قال أوس١:
خُذِلْتُ على ليلةٍ ساهِرَهْ ... بصحْراء شرْجٍ إلى ناظِرَهْ
وقال ابنُ بَرّاق٢:
تقولُ سُلَيْمى لا تَعَرَّضْ لِتَلفَةٍ ... وليلُك مِن ليل الصعالِيك نائِمُ
ومثله٣:
لقد لُمْتِنا يا أمّ غيلان في السُّرى ... ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيّ بنائمِ
ويقولون: "لا يَرْقُد وِسادُه" وإنما يريدون متوسِّد الوِساد.
باب معاني أبنية الأفعال في الأغلب الأكثر:
أول ذلك فعَّلتُ يكون بمعنى التكثير. نحو ﴿غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ ٤. وبمعنى "أقْفَلْتُ" نحو "خبَّرْتُ. وأخبَرْتُ". ويكون مضادّاً لأفْعَلتُ نحو "أفْرَطتُ": جُزْتُ الحَدَّ. و"فرطت": قَصَّرتُ. ويكون بِنيْةً لا لمعنى نحو: "كلَّمت". ويكون فَعلتُ: نَسبْتُ كقولك: "شَجَّعْتَه. وظَلَّمْتُه": نسبتُه إلى الشجاعة والظلم.
وأما أفْعَلَ فيكون بمعنى "فعلْتُ" تقول: "أسْقيْته وسقَّيْته": قلت له "سَقياً لك". ويكون بمعنى: "فعَلْتُ" نحو "مَحْضْتُه الوُدَّ. وأمْحَضْته". وقد يختلفان نحو: "أجْبَرته على الشيء" و"جبرت العَظمَ". وقد يَتَضادّان نحو: "نَشَطْتُ العقْدَة": عقدتها. و"أنشطتها" إذا حَللْتها.
وفاعَلَ يكون من اثنين. نحو "ضاربَ"، ويكون فاعَلَ بمعنى "فَعَل" نحو: "قاتلهم الله" و"سافر"، ويكن بمعنى "فَعَّلَ" نحو "ضاعفَ. وضعَّفَ".
وتَفاعل يكون من اثنين، نحو "تخاصما". ويكون من واحد، نحو "ترآءى له" ويكون إظهاراً لغير ما هو عليه، نحو "تغافَلَ": أظهَرَ غفلةً وليس بغافل.
وتَفَعَّلَ يكون لِتَكلُّف الشيء وليس به، نحو "تَشَجَّع. وتَعَقَّل". ويكون بمعنى
стр. 183
"تفاعلَ" نحو "تعطّى. وتعاطا". ويكون لأخذ الشيء نحو: "تفقّهَ وتعلَّم". ويكون مبنيًا نحو "تَكلَّم". ويكون "تفعَّل" بمعنى "أفْعلْ" نحو تعلَّم بمعنى أعلَمْ. قال١:
تعلَّمْ أنَّ بعد الشرّ خيراً ... وأنّ لهذه الغُمَرِ انقشاعاً
وأما اسْتفعلَ فيكون بمعنى التكلف، نحو "تعظَّمَ. واستعظم" و"تكبر. واستَكْبَر" ويكون استفعل بمعنى الاستدعاء والطلب نحو: "استَوْهبَ" ويكون بمعنى "فَعلَ": "قرَّ. واستَقرَّ".
وأمّا افْتَعلَ فيكون بمعنى فَعلَ، نحو: "شَوَى. واشْتَوى". ويكون بمعنى حدوثِ صفةٍ فيه نحو: "افْتَقَرَ".
وأمّا انْفَعلَ فهو فعل المطاوعة. نحو: "كَسَرْتُه. فانْكَسَرَ" و"شويت اللحمَ. فانْشوَى". قال٢:
قد انْشَوى شِوَاؤُنا المُرَعْبَلُ ... فاقْتَرِبوا من الغَدَاءِ فَكلُوا
باب الفعل اللازم والمتعدي بلفظ واحد:
تقول: "كسبَ زيدٌ المالَ. وكسبه غيره". و"هبط. وهبط غيره". و"جبرت اليد. وجبرتها". ويكون فَعلَ بمعنيين متضادَّين نحو: "بِعْتُ الشيءَ" و"بعته": اشتريته. و"ارتوت الشيءَ" أرخيتُه وشدَدْته. و"شعبت الشيء" جمعته وفرَّقْتُه.
باب البناء الدال على الكثرة:
البناءُ الدالّ على الكثرة "فَعُول, وفَعَّال" نحو: "ضَرْوب. وضَرَّاب" وكذلك "مِفْعال" إذا كان عادةً نحو: "مِعْطار" و"امرأة مِذْكارِ" إذا كانت تلِدُ الذُّكور وكذلك "مِينَاث" في الإناث.
стр. 184
باب الأبنية الدالة في الأغلب الأكثر على معان وقد تختلف:
يقولون: ما كان علي فَعَلان دلّ على الحركة والاضطراب نحو: "النَّزَوان. والغَلَبَان". وفَعْلان يجيء في صفات تقع من جُوع وعَطَش نحو: "عَطْشان. وغَرْثان" أو ما يضادّ ذلك نحو: "رَيّان. وسكران".
وفَعِلَ يكون في الوَجَع نحو "وَجِعَ. وحَبِطَ" أو ما أشبهه من فَزَعٍ. ويجيء من هذا فعِيل نحو: "سَقِيم" ويكون من الباب "بَطرٌ. وفَرِحٌ" وهذا على مُضادّة وَجِع وسَقِم.
قالوا: الصفات بالألوان تأتي على أفْعلَ نحو "أحْمَر. وأسْوَد".
والأفعال منها على "فَعُلَ" مثل "صَهُبَ". وعلى "فَعِلَ" نحو "صدئ". وعلى "أفْعالَّ" مثل "احْمَارٌ". وكذلك العيوب والأدواء تكون على "أفْعَلَ" نحو: "أزْرَق. وأعْوَر". وأفعالها على "فَعِلَ" نحو "عَوِر. وشَتِرَ". ويكون الأدْواء على فُعال نحو: "القُلاب. والخُمار". والأصوات أكثرها على هذا نحو: "الدُّعاء. والصُّراخ". وللأصوات باب آخر على فَعيل نحو "الهَدِير. والضَّجيج". وفُعالَة يأتي أكثره على ما يفضُل عن الشيء ويَسقُط منه نحو "النُّحاتة". وفِعالَة في الصناعات "كالتجارة والنِّجارة". ويكون الفِعالُ في الأشياء كالعيوب: "كالنِّفار والشِّماس". وفي السِّمات: نحو "العِلاط والخِباط"، وفي بلوغ الأشياء نهايتها: نحو "الصّرام والجِزَاز". وتكون الصفات اللازمة للنفوس على فَعيل نحو: "شريف وخفيف"، وعلى أضدادها: نحو "وَضِيع وكبير وصغير". هذا هو الأغلب وقد يختلف في اليسير.
باب الفرق بين ضدّين بحرف أو حركة:
الفرق بين ضدَّين بحرف قولهم: "يُدْوِي" من الداء و"يداوي" من الدواء. و"يخفر" إذا أجار و"يخفر" إذا نقص: من خَفَرَ وأخْفَرَ، وهو كثير.
وما كان فرقه بحركة فقولهم: "لُعَنَه" إذا أكثر اللعن و"لعنة" إذا كان يُلْعَن و"هزأة" و"سُخَرة. وسُخْرة".
стр. 185
باب التوهم والإيهام:
ومن سنن العرب التوهم والإيهام وهو أن يَتوهم أحدهم شيئاً ثم يجعل ذلك كالحق. ومنه قولهم: "وقفتُ بالربْع أسأله" وهو أكمل عقلاً من أن يسأل رسماً يعلم أنه لا يَسمع ولا يَعقل لكنه تفجع لما رأى السِّكْنَ رحلوا وتوهَّم أنه يسأل الربع أن انْتَووْا. وذلك كثير في أشعارهم، قال١:
وقفتُ على رَبع لميَّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبهُ
وأسألُ حتى كادَ مما أبِثُّهُ ... تكلّمني أحجارهُ ومَلاعبُهْ
وتوهُم وأوَهم أنّ ثَمَّ كلاماً ومُكَلِّما. وبيَّن ذلك لّبِيدٌ بقوله٢:
فوقفتُ أسألها وكيف سؤالنا ... صُمّاً خوالِدَ ما يَبِين كلاَمُها
ومن الباب قوله:
لا تُفزِعُ الأرنبَ أهوالُها
إنما أراد: ليس بها أرنب يُفْزَع. وكذلك٣:
على لا حِبٍ لا يُهتدى لِمنَاره
إنما أراد: لا مَار به. وأظهرُ ذلك قول الجَعْدي٤:
سبقتُ صِياحَ فراريجها ... وصَوتُ نواقِيسَ لم تُضْرَبِ
وقال أبو ذؤيب٥:
مُتَفَلّقٌ أنْساؤُها عن قانئ ... كالقرطِ صاوٍ غُبْرْه لا يُرضَعُ
أو همَ أنّ ثَمَّ غَبْراً، وإنما أراد: لا غبر به فيرضع.
стр. 186
باب البسط في الأسماء:
العرب تبسط الاسمَ والفعل فتزيد في عدد حروفهما، ولعل أكثر ذلك لإقامة وزنِ الشعرِ وتسوية قوافيه، وذلك قول القائل١:
وليلةٍ خامدة خمودا ... طَخياءَ تُغْشي الجَدْيَ والفُرْقودا
فزاد في "الفَرْقَد" الواوَ وضم الفاء لأنه ليس في كلامهم "فَعْلولاً" ولذلك ضم الفاء. وقال في الزيادة في الفعل٢:
لو أنّ عَمْراً همَّ أنْ يَرْقودا
ومنه:
أقولُ إذ خرّتْ على الكَلْكَالِ٣
أرادَ "الكلكل" وفي بعض الشعر "فانْظور" أراد: "فانْظُر" وهذا قريبٌ من الذي ذكرناه في الخزم والزيادة التي لا معنى لَهَا.
باب القبض:
ومن سنن العرب القَبْضُ محاذاةً للبسط الذي ذكرناه، وهو النقصان من عدد الحروف كقول القائل٤:
غَرْثَى الوِشاحَيْن صَموتُ الخَلْخَلِ
أراد الخلخالَ. وكذلك قول الآخر: "وسُرُحٌ حُرْجُج" أراد "حُرجوجاً" وهي الضامِر. ويقولون: "دَرَسَ المنا" يريدون "المنازل" و:
كأنما تُذْكى سنابكُها الحبا٥
стр. 187
أراد نار الحباحِب. وقال أبو النجم١: "أمْسِكْ فلانُ عن فلِ". أراد عن فلان.
و:
ليس شيء على المَنونِ بِخالِ
أي: بخالد. ويقولون٢:
أسَعْدَ بنَ مالٍ ألمْ تعجبوا
وإنما أراد مالكاً. وقال آخر٣:
وكادت فَزَارة تشقى بنا ... فأولى فَزَارَةُ أولى فزارا
وقال أوس وهو الذي يسميه النحويون "الترخِيم"٤:
تَنكَّرْتِ منَّا بعد معرفة لَمِي
أراد: لَميسَ. وهذا كثير في أشعارهم، وما أحسب في كتاب الله جل ثناؤه منه، إلا أنه رُوي عن بعض القَرَأَةِ أنه قرأ: "ونادوْا يا مالِ" أراد "يا مالكُ" والله أعلم بصحة ذلك. وربما وقع الحذف في الأول نحو قوله٥:
بسمِ الذي في كل سُورة سمه
أراد "اسمه". و"لاه ابنُ عمك" أراد: لله ابنُ عمّك.
باب المحاذاة:
معنى المحاذاة: أن يُجعل كلامٌ بحذاء كلام، فيؤْتى به على وزنه لفظاً وإن كان مختلفَين فيقولون: "الغدايا والعشايا" فقالوا: "الغدايا" لانضمامها إلى "العشايا". ومثله قولهم: "أعوذ بك من السَّامَّة واللامَّة" فالسّامّة من قولك:
стр. 188
"سَمَّتْ" إذا خَصَّتْ و"اللامة" أصلها "ألمت" لكل لما قُرنت بالسّامّةِ جُعلت في وزنها.
وذكر بعض أهل العلم أن من هذا الباب كتابةَ المصحف، كتبوا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ١ بالياء وهو من ذوات الواو لمّا قُرن بغيره مما يَكتب بالياء.
قال: ومِن هذا الباب في كتاب الله جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ فاللام التي في "لسلّطهم" جواب "لو" ثم قال: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ فهذه حُوِّذيَت بتلك اللام، وإلاّ فالمعنى: لسلّطهم عليكم فقاتلوكم. ومثله: "لأعَذِّبنَّه عذاباً شديداً" أو "لأذبحنّه" فهما لاما قَسَم ثم قال: "أو لَيَأتِينّي" فليس ذا موضعّ قسم, لأنه عُذْر للهُدْهد, فلم يكن ليُقسِم على الهدهد أن يأتي بعُذر، لكنَّه لمّا جاء به على أثر ما يجوز فيه القسم أجراه مجراه، فكذا باب المحاذاة.
قال: ومن الباب "وَزَنْتُه فاتزَن. وكِلْتُه فاكْتال" أي استوفاه كَيْلاً ووزناً. ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ٣ تستوفونها لأنها حق للأزواج على النساء.
ومن هذا الباب الجزاء على الفعل بمثل لفظه، نحو: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٤ أي يجازيهم جزاءَ الاستهزاء. و ﴿مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و ﴿يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٥ و ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ٦ و ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٧. ومثل هذا في شعر العرب قول القائل٨:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهَلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
стр. 189
باب الإضمار:
من سُنن العرب الإضمار. ويكون على ثلاثة أضرُب: إضمارُ الأسماء، وإضمارُ الأفعال، وإضمارُ الحروف.
فمن إضمار الأسماء قولهم: "ألا يَسْلَمِي" يريدون "ألا يا هذه اسلمي". وفي كتاب الله جلّ ثناؤه ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ١ بمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا. فلما لم يذكر "هؤلاء" بل أضمرهم اتصلت "يا" بقوله: "اسجدوا" فصار كأنه فعل مستقبل. ومثله قول ذي الرّمّة٢:
ألا يسْلَمِي يا دار مَيٍّ على البِلَى ... ولا زال مُنهلا بِجَرْعائِك القَطْرُ
وأخبرني علي بن إبراهيم عن محمد بن فرج عن سلمة عن الفرّاء سمع بعض العرب يقول: "ألا يَرْحَمْنا" يعني: ألا يا ربنا ارحمنا. ويقولون:
يا هل أتاها على ما كان من حَدَثٍ
و:
يقولون لي يَحْلِفْ ولست بحالفٍ
بمعنى: يا هذا احلِفْ.
ويُضْمِرُونَ مِن الأسماء "مَنْ" فيقولون: "ما في حَيِّنا إلا له إبلُ" أي: مَنْ له إبل. و"كذبتم بني شابَ قَرْناها" أي: مَن شاب. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ﴾ ٣ أي: من له. ويضمرون "هذا" كقول حُميْد٤:
أنت الهلالي الذي كانت مَرَّةً ... سمِعنا به والأرْحَبِيُّ المُعَلفُ
أي: وهذا الأرحبيّ, يعني بعيره.
стр. 190
باب إضمار الحروف:
ويضمرون الحروفَ فيقول قائلهم١:
ألا أي هذا الزّاجري أشهدَ الوَغى
بمعنى أن أشهد. ويقولون: "والله لَكانَ كذا" بمعنى لقد. ويقول النابغة٢:
لكلفتنِي ذنب امرئ
وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ٣ قالوا: معناها لقد غلبت. إلا أنه لما أضمر "قد" أضمر اللام. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ ٤ فقالوا: إلى سيرتها. و ﴿اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ ٥ أي من قومه. ويقولون: "اشْتَقْتك" أي إليك. و"هل يسمعونَكم" بمعنى لكم. و"أو جاءوكم حًصرت" أي قد حصرت. ويقول قائلهم: "حلفتُ بالله لناموا" أي لقد. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٦ أي فعليكم. وقيل في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٧ معناها عن وقوم يقولون: في أن تنكحوهن. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ ٨ أي أن يريكم. وكقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ﴾ ٩.
باب إضمار الأفعال:
من ذلك: "قيل, ويقال". قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
стр. 191
أَكَفَرْتُمْ﴾ ١ معناه: فيقال لهم، لأن أمّا لا بد لها في الخبر من فاء، فلما أضمر القول أضمر الفاء. ومثله٢:
فلا تدفِنُوني إن دَفْني محرّمٌ ... عليكم ولكن خامِري أمَّ عامر
أي اتركوني للتي يقال لها "خامري". ومنه ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ٣ أي: يعمّركم لتبلغوا أشدّكم. ومن باب الإضمار: "أثَعْلَباً وتَفِرُّ" أي: أترى ثعلباً. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ﴾ ٤ أي يقولون: و"أسر رجلٌ أسيراً ليلاً فلما أصبح رآه أسوَدَ فقال: أعبداً سائرَ الليلة" كأنه قال: أراني أسرت عبداً. ومن الإضمار: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ ٥ فهذا مضمَر كأنه لما سألهم عادوا بالسؤال عليه فقيل له: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ .
ومن الإضمار ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ﴾ ٦ معناه: فضربوه فحَيَّ كذلك "يُحيى اللهُ الموتى" ومثله في كتاب الله كثير.
باب من الإضمار الآخر:
العرب تضمر الفعل فيشتبه المعنى حتى يُعْتَبَر فُيوقَفَ على المراد. وذلك كقول الخنساء٧:
يا صَخْرُ وَرّادَ قد تَنَاذَرَهُ ... أهلُ المواردِ ما في وِرْدِه عارُ
ظاهر هذا أن معناه: ما على ما وردَه عار، وليس في ورد الماء عار فيُبْجَحَ به. ولكن معناه: ما في ترك ورْدِهِ مخافةً عارٌ. وإنما عَنَتْ أنه ورد ماءً مخوفاً يتحاماه الناس فيُنذِرُ بعضهم بعضاً، تقول: فهو يرد هذا الماء لجُرْأته. ومثله قول
стр. 192
النابغة١:
فإني لا أُلامُ على دخول ... ولكن ما وراءَكَ يا عِصَامُ
يقول: لا ألام على ترك الدخول، لأنّ النُّعمان قد كان نذر دمَه متى رآه، فخاطب بهذا الكلام حاجبه. وقال الأعشى٢:
اأزمَعْتَ من آل ليلى ابتِكاراً ... وشَطَّتْ على ذي هوىً أن تُزارا
ظاهِرُ هذا: أازمعتَ أن تبتكر منهم. وإنّما المعنى: أأزمعت من أجل آل ليلى وشوقك إليهم أن تبتكر من أهلك? لأنه عزم الرحلة إليها لا عنها، ألا تراه يقول٣:
وبانَتْ بها غَرَبات النَّوى ... وبُدّلتُ شوقاً بها وادِّكارا
وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ ٤ التأويل: لا يستأْذنك الذي يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يقعدوا عن الجهاد.
باب التعويض:
من سُنن العرب التَّعْوِيض وهو إقامة الكلمة مقامَ الكلمة. فيقيمون الفعلَ الماضي مقامَ الراهن، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٥ المعنى: أم أنت من الكاذبين. ومنه ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ ٦ بمعنى: أنتَ عليها.
ومن ذلك إقامة المصدر مقامَ الأمر، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ٧ والسُّبْحة: الصلاة. يقولون: "سَبّحْ سبحة الضحى".
стр. 193
فتأويلُ الآية: سَبّحُوا للهِ جل ثناؤه، فصار في معنى الأمر والإغراء، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَضَرْبُ الرِّقَابِ﴾ ١.
ومن ذلك إقامةُ الفاعل مقامَ المصدر، يقولون: "قُمْ قائماً" قال٢:
قُمْ قائماً قُم قائما ... لَقِيتَ عبداً نائِماً
وعُشَرَاء رائما ... وأمَةً مُرَاغِما
وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿لَيْسَ لَوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ ٣ أي تكذيب.
ومن ذلك إقامة المفعول مقام المصدر، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ٤ أي الفتنة. تقول العرب: "ما له معقول. وحَلفَ مَحْلوفَه بالله. وجَهَدَ مجهوده". ويقولون: "ما له معقول ولا مجلود" ويريدون العَقْلَ والجَلد ... قال الشمّاخ٥:
من اللواتي إذا لانت عريكتها ... يبقى لها بعدها آل ومجلودُ
ويقول الآخر٦:
إن أخا المجلود من صَبَرا
ومن ذلك إقامة المصدر مقام الفعل، ويقولون: "لقيت زيداً وقِيْلَهُ كذا" أيَ يقول كذا. قال كعب٧:
يسعى الوُشاةُ حوالَيْها وقيلهم ... إنك يابن أبي سُلْمي لمقتولُ
تأويله: يقولون. ولذلك نُصب.
ومن ذلك وضعهم "فَعِيلاً" في موضع "مفعل" نحو "أمرٌ حكيم" بمعنى
стр. 194
مُحكَم. ووضعهم "فَعِيلاً" في موضع "مَفْعِل" نحو: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ بمعنى مؤلم وتقول٢:
أمِنْ رَيحانَةَ الداعي السميعُ
بمعنى: مسْمِع.
ومن ذلك وضعُهم: "مفعولاً" بمعنى "فاعل" كقوله جل ثناؤه: ﴿عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٣ أي ساتراً، وقيل: مستوراً عن العيون كأنّه أُخْذَةٌ لا يُحِسُّ بها أحد.
ومن ذلك إقامة الفعل مقام الحال كقوله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ ٤ أي مبتغياً. وقال٥:
الرِّيحُ تَبكي شَجْوَهُ ... والبرقُ يَلمعُ في غمامهْ
أراد: لامعاً.
باب من النظم الذي جاء في القرآن:
من نظم كتاب الله جلّ ثناؤه الاقتصاص, وهو أن يكون كلام في سورة مقتصاً من كلام في سورة أخرى أو في السورة معها. كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٦ والآخرة دار ثواب لا عمل، وهو مقْتَصُّ عن قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾ ٧. ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ ٨ مأخوذ من قوله
стр. 195
جل ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ١ وقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ ٢. فأما قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ٣ فيقال: إنها مقتصة من أربع آيات لأن "الأشهاد" أربعة: الملائكة في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ٤, والأنبياءُ صلوات الله عليهم: ﴿كَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ٥ وأمّةُ محمد ﷺ لقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٦ والأعضاءُ لقوله جلّ ثناؤه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٧.
ومن الاقتصاص قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ ٨ قرئت مخففةً ومشددة. فمن شدَّدَ فهو "نَدَّ" إذا نفر، وهو مُقتصّ من قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ ٩ إلى آخر القصة، ومن خَفّفَ فهو تَفَاعلَ من النِّداء مقتصّ من قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ ١٠. ﴿ؤوَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ ١١. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ ١٢، وما أشبه هذا من الآي الذي فيها ذكر النداء.
باب الأمر المحتاج إلى بيان وبيانه متصل به:
قال الله جل ثناؤه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ١٣, فبيان هذا السؤال متصل
стр. 196
به وهو قوله جل ثناؤه: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١، ومثله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٢ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ ٣ ومنه ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ ٤ فهذا وما أشبهه هو الابتداء الذي تمامه متصل بِهِ.
باب ما يكون بيانه مضمراً فيه:
وذلك مثل قوله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ٥, فهذا محتاج إلى بيان لأن ﴿حَتَّى إِذَا﴾ لا بد لها من تمام فالبيان ها هنا مُضمرَ، قالوا: تأويله: حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها. ومثله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ ٦ فتمامه مضمر كأنه قال جلّ ثناؤه: "لكان هذا القرآن". وهذا هو الذي يسمّى في سنن العرب "بابَ الكَفّ" وقد ذُكر.
باب ما يكون بيانه منفصلاً منه ويجيء في السورة معها أو في غيرها:
قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ٧ قال أهل العلم: بيانُ هذا العهد قوله جلّ ثناؤه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ ٨ الآية، فهذا عهده جل ثناؤه، وعهدُهم تمام الآية في قوله جلّ ثناؤه: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٩ فإذا وَفوا بالعهد الأول أعطوا ما وعدوه. وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ ١٠, فالردّ على هذا قوله جل ثناؤه: ﴿يس
стр. 197
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١ وهذا هو الذي يسميه أهل القرآن جواباً. ومن الباب قوله جلّ ثناؤه في الإخبار عنهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ٢ فقيل لهم: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ٣.
ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٤ فردّ عليهم حين قيل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ٥. ومن الباب قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ٦ ومنه قوله: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ٧. ومنه قوله: ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ ٨ فقيل هلم: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٩. ومنه ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ١٠ فقيل لهم في الجواب١١: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ ومنه ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ١٢ فقيل لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ ١٣. ومنه قوله جل ثناؤه في قصة من قال: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ١٤ فردَّ عليهم بقوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ١٥.
стр. 198
ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ ١ فردّ عليهم: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ٢. ومنه قوله جل ثناؤه حكاية عنهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ ٣. قيل لهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ ٤. ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ٥ فقيل في سورة أخرى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ ٦. ومنه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٧ فتفسير هذا الاختصام ما قيل في سورة أخرى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٨ إلى آخر القصّة.
وقال في قصّة قوم: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٩ فالبشرى قوله جلّ ثناؤه في موضع آخر: ﴿تَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ ١٠. ومنه حكايةً عن فِرعون أنه قال: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ١١ فردّ الله عليه في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ١٢. ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ ١٣ وذِكْرُ هذا الحَلِف في قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ١٤. ومنه قَوله جلّ وعزّ في قصة نوح عليه
стр. 199
السلام: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ١ فقيل في موضع آخر: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ٢. ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ٣ أي أوْعِيةَ للعلم فقيل لهم: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾ ٤. وهذا في القرآن كثير أفْرَدْنا له كتاباً وهو الذي يسمّى "الجوابات".
باب آخر من نظم القرآن:
وذلك أن تجيءَ الكلمة إلى جنب الكلمة كأنها في الظاهر معها، وهي في الحقيقة غير متصلة بها: قال الله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٥. فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من قولِ الله جلّ اسمه لا قول المرأة ومنه: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٦، انتهى قول المرأة ثم قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ٧. ومنه ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٨، وتمَّ الكلام فقالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٩, فهذه صفة الأتقياء المؤمنين ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ ١٠ فهذا رَجّع على كفّار مكة يُمِدُّهم إخوانُهم من الشياطين في الغّيِّ.
باب إضافة الشيء إلى من ليس له لكن أضِيفَ إليه لاتِّصاله به:
وذلك قوله: "سَرْجُ الفرس" و"ثمرة الشجرة" و"غنم الرّاعي" قال الشاعر:
стр. 200
فروحهن يحدوهن قصرا ... كما يَحْدُو قَلائِصَهُ الأجِيرُ١
باب آخر من الإضافة:
ومن ذلك إضافَةُ الشيء إلى نفسه وإلى نعته.
فالإضافة الأولى قول النَّمِر٢:
سقيَّةُ بين أنهارٍ ودُورٍ ... وزَرْعٍ نابٍ وكرُومِ جَفْنِ
والجَفْن هو الكَرْم.
فأمّا إضافته إلى نعته فقولهم: "بارِحةُ الأولى, ويومُ الخَميس, ويوم الجمعة". وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ ٣ و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ ٤.
باب جمع شيئين في الابتداء بهما وجمع خَبَريهما، ثم يُرَدَّ إلى كل مبْتَدَأ به خبرُهُ:
من ذلك قول القائل: "إني وإيّاكَ على عَدْل أو على جَوْر" فجَمَعَ شيئين في الابتداء وجمع الخَبَرين. ومراده: إني على عدلٍ وإيَّاكَ على جَوْر, وهذا في كلامهم وأشعارهم كثير, قال امرؤ القيس٥:
كانّ قلوبَ الطَّيْر رَطْبَاً ويابساً ... لَدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي
أراد: كأنّ قلوبَ الطير رَطباً العنَّاب ويابساً الحَشفُ. ومن هذا في القرآن:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٦, معناه: وإنَّا على هدى وإيَّاكم في ضلال, ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ
стр. 201
شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ١ إذا رد كل شيء إلى ما يصلح أن يتصل به كان التأويل: "قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن وكفرتم به واستكبرتم". ومثله ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٢ قَالوا: لَمّا لم يَصْلح أن يقول الرسول متى نصر الله كان التأويل: وزُلزلوا حتى قال المؤمنون: متى نصر الله؟ فقال الرسول: ألا إن نصر الله قريب, رُدَّ كلّ كلام إلى من صَلَح أن يكون له. ومن الباب قول ذي الرُّمّة٣:
ما بالُ عينِكَ منها الماءُ يَنٍسكِبُ ... كأنّه من كُلَى مَفرِيَّة سَرَبُ
وَفْرَاءَ غَرْفِيَّه أثْأى خَوَارِزُها ... مُشَلْشِلٌ ضَيعتْه بينها الكُتبُ
فمعنى البيتين: كأنه من كلى مَفرّيَةٍ وَفْراءَ غَرْفِيَّة أثأى خَوَارِزُها سَرَبٌ مُشَلشِلٌ ضَيَّعَتْه بينها الكتب.
وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٤ المعنى: جَعَلَ لكم الليلَ لتَسْكنوا فيه والنهارَ لتَبْتَغوا من فضله.
ومن قوله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥ تأويله والله أعلم: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم. قال ومن هذا الباب قول امرئ القيس٦:
стр. 202
فلا وأبيكِ ابنةَ العامريّ ... لا يدَّعي القومُ أنّي أفِرْ
تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وأشياعُها ... وكِنْدةُ حَوْلي جميعاً صُبُرْ
معناه: لا يدَّعي القوم تميمٌ وأشياعها أنّي أفِرْ وكِندةُ حولي.
باب التقديم والتأخير:
من سُنن العرب تقديمُ الكلام وهو في المعنى مُؤخّر، وتَأخِيرُهُ وهو في المعنى مُقَدَّم. كقول ذي الرُّمّة١:
ما بالُ عينِكَ منها الماءُ يَنْسكبُ
أراد: ما بالك عينك ينسكب منها الماء. وقد جاء مثلُ ذلك في القرآن قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ٢ تأويله والله أعلم: ولو ترى إذ فزعوا وأخِذوا من مكان قريب فلا فوتَ
لأنّ لا فوت يكون بعد الأخذ.
ومن ذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ٤ يعني القيامَة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ٤ وذلك يوم القيامَة ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌُ﴾ ٥ والنَّصَبُ والعملُ يكونان في الدنيا، فكأنه إذاً على التقديم والتأخير معناه: وجوهٌ عاملة ناصبَةٌ في الدنيا، يومئذ -أي يومَ القيامة- خاشِعة. والدليل على هذا قوله جلّ اسمه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ٦.
ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٧ المعنى: لا تُعجبْك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا. وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا
стр. 203
يَرْجِعُونَ﴾ ١ معناه: فأَلقِهِ إليهم فانْظُرْ ماذا يرجعون ثم تَوَلَّ عنهم.
ومن ذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ٢ تأويله: لَمَقْتُ الله إياكم في الدنيا حينَ دُعيتم إلى الإيمان فكفرتم، ومقته إياكم اليوم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم إذا دعيتم إلى الحساب وعند ندمِكم على ما كان منكم.
ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ٣ فأجَلٌ معطوف على كلمةٌ، التأويل: ولولا كلمة سبقت من ربّك وأجَلٌ مسمّىً -أرادَ الأجَل المضروبَ لهم وهي الساعة- لكان العذاب لازماً لهم.
باب الاعتراض:
ومن سُنن العرب أن يعترِضَ بين الكلام وتمامِهِ كلامٌ، ولا يكون هذا المعترِضُ إلا مُفيداً. ومثال ذلك أن يقولَ القائِل: "اعْمَلْ -واللهُ ناصري- ما شيئتَ" إنما أراد: اعمَل ما شيئتَ. واعتَرَضَ بينَ الكلامين ما اعترضَ قال الشّمّاخ٤:
لولا ابنُ عفّانَ والسلطان مُرْتَقبٌ ... أوردتُ فجّاً من اللَّعْباءِ جُلْمُودي
قوله: "والسلطان مرتقب" معتَرِض بين قوله: "لولا ابن عفان" وقوله: "أوردتُ". ومن ذلك في كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ٥ -فعلى الله توكلتُ- ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ٥ إنما أراد: إن كانَ كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فاجمِعوا أمركم. واعترَضَ بينهما قول: فعلى الله توكلت. ومثله قول الأعشى٦:
فإنْ يُمْسِ عندي الهَمُّ والشيب والعَشا ... فقد بِنَّ مِنّي والسِّلام تَفَلَّقُ
стр. 204
بأشجع أخاذ على الدَّهر حُكمَهُ ... فَمِنْ أيّ ما تَجْني الحوادثُ أفْرَقُ
أرادَ: بِنَّ مني بأشجَعَ. والسِّلام تَفَلَّقُ اعتراض. ومثل هذا في كتاب الله جل ثناؤه وإشعارِ العرب كثير، وإنما نذكر من الباب رَسْماً.
باب الإيماء:
العرب تُشيرُ إلى المعنى إشارة وتومئ إيماءً دون التصريح، فيقول القائل: "لو انَّ لي مَن يَقبَل مَشْورتي لأشرْتُ" وإنما يَحثُّ السّامع على قبولِ المَشُورَة. وهو في أشعارهم كثير قال الشاعر١:
إذا غَرَّدَ المُكَّاءُ في غيرِ رَوْضَةٍ ... فوَيْلٌ لأهل الشَّاءِ والحمُراتِ
أومَأ إلى الجدْب، وذلك أن المُكَّاء يَأْلَفُ الريَاضَ، فإذا أجدبت الأرض سقط في غير روضة. ومنه قول الأفْوَهِ٢:
إنّ بني أوْدٍ هُمُ ما هُمُ ... للحَرْب أو للجَدْب عامَ الشُّموسْ
أومأ بقوله: "الشموس" إلى الجدب وقلة المطر والغيم، أي إنّ كلَّ أيّامهم شموس بلا غيم. ويقولون: "هو طويلُ نِجادِ السيّف" إنما يريدون طولَ الرَّجُل. و"غمر الرّداء" يومِئون إلى الجواد. و"فدًا له ثَوْبي" و "هو واسع جَيبِ الكُمّ" إيماءً إلى البَذْل. و"طرب العِنان" يومئون إلى الخِفَّة والرَّشاقة. وفي كتاب الله جل ثناؤه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٣ هذا إيماء إلى "أن يُصيبوني بسوء" وذلك أن العرب تقول: "اللَّبَن محضور" أي: تُصيبه الآفات.
باب إضافة الفعل إلى من وقع به ذلك الفعل:
ومن سُنن العرب إضافةُ الفعل إلى من يقع به ذلك الفعل. يقولون: "ضربُ زيداً وأعطيتُه بعدَ -ضَرْبِهِ- كذا" فينسب الضربَ إلى زيد وهو واقع به. قال الله جل
стр. 205
ثناؤه: ﴿ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ١ -فالغَلَبة واقعة بهم من غيرهم ثم قال- ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ٢ فأضافَ الغَلبَ إليهم، وإنما كان كذا لأن الغَلبَ وإن كان لغيرهم فهو متصل بهم لوقوعه بهم. ومثله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٣. و ﴿يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٤ فالحب في الظاهر مضاف إلى الطعام والمال، وهو في الحقيقة لصاحب الطعام وصاحب المال. ومثله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ٥ و ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ ٦ أي مَقامَه بين يدي. ومثله قول طَرَفَة٧:
وبَرْكٍ هُجودٍ قد أثارَتْ مُخَافتي
فأضاف المخافة إلى نفسه وإنما المخافة للبَرْك.
باب ما يجري من غير ابن آدم مجرى بني آدم في الإخبار عنه:
من سنن العرب أن تُجْري المَواتَ وما لا يَعْقِل في بعض الكلام مجرى بني آدم. فيقولون في جمع أرض "أرضون" وفي جمع كره "كُرون" وفي جمع إرة "إرون" وفي جمع ظُبَةِ السيفِ "ظبُون" وينشدون٨:
يرى الراءون بالشَّفَرات منها ... كنارِ أبي حُباحبَ والظُّبينا
ويقولون: "لِقِيتُ منه الأقْوَرِينَ" و"أصابتني منه الأمرون" و"مضت له سِنون" ويتعدَّون هذا إلى أكثر منه فيقول الجَعْدِي٩:
стр. 206
تَمَزَّزْتُها والدّيكُ يدعو صَباحهُ ... إذا ما بنو نَعْشٍ دَنَوْا فتصوَّبوا
وقال الله جل ذكره: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١ و ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ٢ و ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ٣ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ٤ و ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ ٥ ويقولون في جمع بُرَة "بُرِين". وأكثر من قول النابغة قول القائل٦:
إذا أشرفَ الديكُ يدعو بعضَ أُسْرَتِهِ ... إلى الصَّباح وهم قوم معازيل
وجعل له أسرة وسماهم قوماً.
باب اقتصارهم على ذكر بعض الشيء وهم يريدونه كلُّه:
من سنن العرب الاقتصارُ على ذكر بعض الشيء وهم يريدونه كلُّه, فيقولون: "قعد على صَدْر راحلته ومضى". ويقول قائلهم٧:
الواطِئينَ على صُدورِ نعالهم
وذكر بعضُ أهل اللغة في هذا الباب قولَ لَبِيد٨:
أو يرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حمامُها
وإنه أراد كلاُّ وذكروا في هذا الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا
стр. 207
مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ١، وقال آخرون "مِن" هذه للتبعيض لأنهم أمِروا بالغَضِّ عما يحرُم النَّظرُ إليه. ومن الباب ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٢ إي إيّاه. ومنه ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ٣ ومنه قوله٤:
يوماً بِأجُوَدَ نائلاً منه إذا ... نَفْسُ البخيل تجَهَّمَتْ سُؤالَها
ومنه ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ٥. و"تواضَعَتْ سورُ المدينة" و٦:
رأت مَرّ السنين أخّذْنَ مِنّي
و:
طُولُ الليالي أسرعَتْ في نقضي٧
و:
صَرف المَنايا بالرّجال تقلَّبُ٨
وقال الجَعْدي٩:
جَزِعتَ وقد نالَتْكَ حَدُّ رماحنا ... بِقوهاءَ يُثِني ذِكْرها في المحافِلِ
باب الاثنين يعبر عنهما بهما مرّة وبأحدهما مرة:
قال أبو زكريا الفراء: تقول العرب: "رأيته بعيني, وبعينَيَّ" و"الدار في يدِي, وفي يدَيَّ". وكل اثنين لا يكاد أحدُهما ينفرد فهو على هذا المثال مثل:
стр. 208
"اليدين، والرِّجلين" قال الفرزدقِ١:
فلو بَخِلَتْ يداي بها وضنت ... لكان عليَّ للقدَر الخِيارُ
فقال: "ضَنْت" بعد قوله "يداي". وقال٢:
وكأنّ بالعينَيْن حَبّ قَرنْفُل ... أو سُنْبلاً كُحِلَتْ به فانْهلُّتِ
وقال٣:
إذا ذَكَرَتْ عيني الزمانَ الذي مضى ... بصحراءِ فَلْجٍ ظلَّتا تَكِفانِ
باب الحمل:
هذا باب يترك حكم ظاهر لفظه لأنه محمول على معناه. ويقولون: "ثلاثة أنْفُس" والنفس مؤنّثة لأنّهم حملوه على الإنسان. ويقولون: "ثلاث شخوص" لأنهم يحملون ذلك على أنهنّ نساء و٤:
إن كلاباً هذه عَشْرُ أبْطنٍ
يذهبون إلى القبائل. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ﴾ ٥ حُمِل على السَّقْف. وهذا يتَّسِع جداً. وقد ذُكر في هذا الباب ما تقدم ذكره من قوله جلّ ثناؤه: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٦, وهذا في باب المحاذاة أحسن, ومن الحَمْل قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧, قال أبو عبْيدَة أرادَ الرّسالة, ومن الباب قوله جلّ وعزّ: ﴿سَعِيرًا﴾ ٨ -والسعير مذكّر- ثم قال: ﴿إِذَا
стр. 209
رَأَتْهُمْ﴾ ١ فحمله على النار. وقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ حمله على المكان. ولهذا نظائِرُ كثيرة.
باب من ألفاظ الجمع والواحد والاثنين
من الجمع الذي لا واحدَ له من لفْظه "العالَمُ. والأنامُ. والرّهط. والنّفَر. والمَعْشر. والجنْد. والجْيش. والنّاس. الغَنَم. والنَّعَم. والإبل".
وربّما كان للواحد لفظ ولا يجيء الجمع بذلك اللفظ نحو قولنا: "امُرُؤُ. وامْرَءان. وقوم" و"امرأة. وامْرَأتان. ونسوة".
ومن الاثنين اللذِيْن لا واحد لهما لفظاً قولهم "كِلا وكِلْتا. واثنان. والْمِذْرَوان. وعَقَله بِثَنايَيْن, وجاء يضرب أصْدرَيْه, وازْدَرَيْه, ودَوالَيْه, مِن التَّداول ولَبَّيْكَ, وسَعْدَيْكَ, وحنَانَيْك" وقد قيل: إن واحدِ حنانيك "حَنانٌ" وينشد٢:
فقالت حَنانٌ ما أتى بِكَ ها هنا ... أذو نَسبٍ أمْ أنتَ بالحيِّ عارف
باب ما يجري من كلامهم مجرى التهكم والهزء:
يقولون الرجل يُسْتَجهَل "يا عاقل! " ويقول شاعرهم٣:
فقلتُ لِسَيِّدنا يا حَلِيـ ... ـمُ إنكَ لم تَأْسَ أسْواً رَفِيقا
ومن الباب "أتاني فَقَرَيْته جفَاءً وأعْطَيتُهُ حرماناً" ومنه قوله:
وَلَمْ يكونوا كأقوامٍ علمتهم ... يَقْرونَ ضيفَهمُ الْملويَّةَ الجُدُدا
يعني: السِّياط. ويقول الفرزدق٤:
стр. 210
#قريناهم المأثورة البيضا#
وقال عمرو:
قَرَيْناكمْ فعجَّلْنا قِراكمْ ... قبَيْلَ الصُّبح مِرْداةً طَحونا
ومن الباب حكايةً عنهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ١.
باب الكف:
ومن سنن العرب الكفُّ. وهو أن يكفَّ عن ذِكْر الخَبر اكتفاءً بما يدلّ عليه الكلام. كقول القائل٢:
وَجدِّكَ لو شيءٌ أتانا رسوله ... سِواكَ ولكِن لم نَجِدْ لك مَدْفَعا
المعنى: لو أتانا رسولُ سِواكَ لدفَعناه. وقال آخر٣:
إذا قلتُ سِيري نحوَ ليلى لعلَّها ... جرى دونَ ليلى مائلُ القَرْن أعضبُ
وترك خبر "لعلّها". وقال:
فمَن لَه في الطَّعْنِ والضِّرابِ ... يلمع في كفيَّ كالشِّهاب
أي: مَن له في سيف. ومنه قوله جل وعز في قِصة فرعون: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ﴾ ٤ أراد: أم تبصرون. وما يقرب من هذا الباب قوله٥:
تضِيءُ الظلامَ بالعِشاءِ كأنها ... مَنارَةُ مُمْسَى رَاهبٍ متَبَتِّلِ
أراد: سُرُج منارة.
باب الإعارة:
العرب تُعير الشيء ما ليس له. فيقولون: "مَرَّ بينَ سمعِ الأرض وبَصَرِها"
стр. 211
ويقول قائلهم:
كذلك فعلهُ والناسُ طُرّاً ... بكفِّ الدهر تقتلُهم ضُروباً
فجعل للدهر كفّاً. ويقولون١:
ثأَرتُ المسمعين وقلت بوءا ... بقتلِ أخي فزَارةَ والخِيارِ
قال الأصمعي: لم يكن واحد منهما مِسَمعاً وإنما كانا عامراً وعبدَ الملك ابني مالك بن مِسْمع فأعارهما اسمَ جدّهما. ومثله الشَّعْثمان لم يكن اسم أحدهما شَعْثما وإنما أعير اسم أبيهما "شعثم", ومثله المهَالِبَة و"الأشعرون".
باب أفعل في الأوصاف لا يراد به التفضيل:
يقولون: "جَرَى له طائرٌ أشأم" ويقول شاعرهم٢:
هي الهَمُّ لو أن النون أصْقبَتْ بها ... ولكنّ كَرّاً في رَكوبَةَ أعْسَرُ
وقال الفرزدق٣:
إن الذي سمكَ السماءَ بني لنا ... عِزّاً دعائمهُ أعزُّ وأطولُ
وقال أبو ذُؤَيْبِ٤:
ما لي أحِنّ إذا جِمالُك قرِّبَتْ ... وأصدُّ عنكِ وأنتِ مني أقرب
وقال:
بُثَيْنَةُ من آل النساء وإنما ... يكنّ لأدنى لا وِصالَ لغائب
ويقولون: أن من هذا الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٥.
стр. 212
باب نفي الشيء جملة من أجل عدم كمال صفته:
قال الله جلّ وعزّ في صفة أهل النار: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ ١ فنفى عنه الموتَ لأنه ليس بموت مُرِيح ونفى عنه الحياةَ لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة. وهذا في كلام العرب كثير، قال أبو النَّجْم٢:
يُلْقِينَ بالخَبارِ والأجارعِ ... كلَّ جَهيضٍ لَيِن الأكارع
بلهاء لم تحفظ ولم تضيع ... ليسَ بِمِحْفوظ ولا بضائع
وقال٣:
وقد أجُوبُ البَلد الْبَرَاحا ... الْمَرْمَرِيسَ القَفْرةَ الصَحْصَاحا
بالقوم لا مرْضَى ولا صِحاحا
ومن هذا الباب أو قريبٌ منه قوله جلّ ثناؤه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٤، ومنه ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ٥ -فأثبت علماً- ثم قال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لما كان علماً لم يعملوا به كانوا كأنهم لا يعلمون. ومن الباب قول مسكين٦:
أعُمى إذا ما جارتي خرجَتْ ... حتى يواري جارتي السِّتْرُ
وأصَمّ عما كان بينهما ... سمعي وما بالسمع من وقر
стр. 213
جعل نفسَه أعمى أصَمَّ لمّا لم ينظر ولم يسمع. وقال آخر١:
وكلامٌ بسيِّئ قد وُقِرَتْ ... أذنيَ عنه وما بي من صَمَمِ
وقريب من هذا الباب قوله جلّ وعزّ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ ٢ أي ما هم بسُكارى مشروبٍ ولكن سُكارى فَزَع وَوَلهٍ. ومن الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿لَا يَنْطِقُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ٣ وهم قد نطقوا بقولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ ٤ لكنهم نطقوا بما لم يَنفع فكأنهم لم ينطِقوا.
باب الشرط:
الشرط على ضربين: شرطٌ واجبٌ إعماله كقول القائل: "إن خرج زيدٌ خرجتُ". وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ٥.
والشرط الآخر مذكور إلا أنه غيرُ مَعْزوم عليه ولا محتوم، مثل قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ٦ فقوله: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾ شرط لإطلاق المراجعة. فلو كان محتوماً مفروضاً لما جاز لهما أن يتراجعا إلاّ بعد الظنّ أن يقيما حدود الله. فالشرط ها هنا كالمَجاز غير المعزوم. ومثله قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ٧ لأن الأمر بالتذكير واقع في كلّ وقت. وللتذكير واجب نفع أو لم ينفع، فقد يكون بعض الشروط مَجازاً.
باب الكناية:
الكناية لها بابان: أحدهما أن يُكنى عن الشيء فيذكر بغير اسمه تحسيناً للفظ أو إكراماً للمذكور، وذلك كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ
стр. 214
عَلَيْنَا﴾ ١ قالوا: إن الجلود في هذا الموضع كناية عن آراب الإنسان. وكذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ٢ إنه النكاح. كذلك: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ٣ والغائط: مطمَئِن من الأرض. كل هذا تحسين اللفظ والله جلّ ثناؤه كريم يكُنِي كما قال في قصة عيسى وأمه ﵉: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ٤ كنايةٌ عما لا بدّ لآكل الطعام منه.
والكناية التي للتبجيل قولهم: "أبو فلان" صيانة لاسمه عن الابتذال.
والكُنى مما كان للعرب خصوصاً. ثم تشبَّه غيرهم بهم في ذَلِكَ.
الباب الثاني من الكناية:
الاسم يكون ظاهراً مثل: "زيد. وعمرْو". ويكون مَكْنّياً وبعض النحويين يسميه مضمَراً، وذلك مثل "هو، وهي، وهما، وهنَّ".
وزعم بعضُ أهل العربية أن أول أحوال الاسم الكناية، ثم يكون ظاهراً. قال: وذلك أن أوّل حال المتكلم أن يخبر عن نفسه ومخاطَبِهِ فيقول: "أنا. وأنت" وهذان لا ظاهر لهما. وسائر الأسماء تظهر مرة ويكنْى عنها مرة.
والكناية متصلة منفصلة ومسْتجِنَّة. فالمتصلة التاء في "حملتُ. وقمتُ" والمنفصلة قولنا: "إياهُ أردْتُ". والمستجنَّة قولنا: "قام زيدٌ" فإذا كَنَيْنا عنه قلنا "قام" فَتَسَتَّر الاسم في الفعل.
وربما كني عن الشيء لم يجر له ذكر، في مثل قوله جلّ ثناؤه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ ٥ أي يؤفك عن الدين أو عن النبي ﷺ قال أهل العلم: وإنما جاز هذا لأنه قد جرى الذّكر في القرآن. قال حاتم٦:
стр. 215
أمَاويَّ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى ... إذا حَشرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدْرُ
فكنى عن النفس فقال "حشرجت" ويقولون١:
إذا اغُبرَّ أُفْقٌ وهَبَّتْ شَمالاً
أضمرَ الريح ولم يجرِ لها ذكر.
ويكنى عن الشيئين والثالثة بكناية الواحد. فيقولون: "هو أنْتَنُ الناس وأخْبَثُه" وهذا لا يكون إلا فيما يقال هو أفعل، قال الشاعر٢:
شَرُّ يومَيها وأشقاهُ لها ... رَكِبتْ عَنزٌ بِحمْلٍ جَملا
ولم يقل: "أشقاهما".
وتكون الكناية متصلة باسم وهي لغيره، كقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ٣ -فهذا آدم ﵇ ثم قال: ﴿جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ ٤ فهذا لِوَلده لأن آدم لم يُخلق من نُطفة. ومن هذا الباب قوله جلّ ثناؤه: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ٥ قيل: إنها نزلت في ابن حُذَافَة حين قال للنبي ﷺ : من أبي? فقال: "حُذافة". وكان يَسبُّ به فساءه ذلك، فنزلت: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . وقيل: نزلت في الحج حين قال القائل: أفي كلّ عام مرةً? ثم قال: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ ٦ يريد أن تسألوا عن أشياء أُخرَ من أمر دينكم ودنياكم بكم إلى علمها حاجة تبد لكم ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ ٧ فهذه الهاء من غير الكنايتين لأن معناها: قد طلبها، والسؤال ها هنا طلب، وذلك كقول