← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

العينية، ومبدأ الشخصية بنوعيها الإيجابي والسلبي، ويعني مبدأ العينية ملاحقة الجاني بصرف النظر عن جنسيته، إذا ارتكب جنايات معينة، وهي عادة تتمثل في الجنايات التي تمس أمن الدولة وسلامتها، سواء ارتكبت داخل الدولة، أو خارجها بصرف النظر عن كون هذه الأفعال معاقبا عليها في مكان ارتكابها أو لا. وهذا المبدأ لا يعني إلا بأمن الدولة فقط، وإن كان غالبًا ما يوجه إلى العناية بأمن الحاكم وسلامته، والحفاظ على حكمه وسلطانه، يصرف النظر عن أي شيء آخر. ومبدأ العينية هذا ما هو إلا بداية سير فقهاء القانون الوضعي نحو الاتجاه الثاني لفقهاء الشريعة الإسلامية، الذي لم يعن بأمن الدولة فقط، أو بالحفاظ على طائفة دون أخرى، أو إقليم دون إقليم، وإنما عني بالحفاظ على الأمة كلها وسلوكياتها وأخلاقياتها؛ لأن ذلك أساس البناء الشامخ للأمم وحضاراتها. أما مبدأ الشخصية، فإنه يعني في أحد مفهوميه تتبع المواطن إذا ارتكب جريمة في الخارج؛ لأن على الدولة أن تضمن حسن سلوك رعاياها خارج حدودها أيضًا، كما أن ذلك يعمل على مكافحة الجريمة، وتهدئة الشعور العام١. غير أن هذا المبدأ يشترط للعقاب على السلوك، أن يكون سلوكًا مجرمًا في المكان الذي وقع فيه، وأن يكون سلوكه هذا مكونًا جريمة في قانون بلده "جناية أو جنحة في القانون المصري". وبذا يظهر شمول الإتجاه الثاني لفقهاء الشريعة الإسلامية، لمبدأ

стр. 107

العينية والشخصية والزيادة عليهما؛ لأنه يعني بالأمن العام للفرد والأمة، ولا يعنيه أن يكون الفعل معاقبًا عليه في المكان الذي وقع فيه أم لا، وإنما المعيار هو ما تقرره الشريعة؛ لأن ما يقرره الأفراد يخضع للأهواء، والرغبات، وهو سهل التغير والتبديل. أما ما تقرره الشريعة الإسلامية، فهو بجانب كونه قانونًا واجب الاتباع -هو أيضًا جزء من عقيدة ثابتة، لا تخضع لشهوة أو هوى. كما أن البلاد الإسلامية كلها من وجهة نظر الشريعة، بلد واحد، فالجاني أينما ذهب فشريعة الإسلام تحكمه، وهذا أقدر على استئصال الإجرام والمجرمين، وإحكام القبضة القانونية، وهو حلم مشرعي القانون. ثالثًا: حدود سريان النصوص الجنائية على الأشخاص ١- القانون الوضعي، وحدود سريان النص الجنائي على الأشخاص: حتى قيام الثورة الفرنسية لم تكن تعرف القوانين الوضعية طريق المساواة في تطبيق النصوص الجنائية على الأشخاص، فقد كان التمييز واضحًا في وضع المحكمة وسيرها، وفيما يحكم به، بل وفي كيفية تنفيذ العقوبة. وبعد قيام الثورة الفرنسية، بدأ وضع قاعدة تحكم سريان النص الجنائي على جميع من يقيم على إقليم الدولة. غير أن هذه القاعدة لم تسلم من الاستثناءات، فخص بعض الأفراد بإعفاءات معينة، وأكثر من ذلك نص عليها في دساتير بعض الدول، ومن هذه الفئات المستثناة على سبيل المثال:

стр. 108

"أ" رئيس الدولة: إذ هو لا يخضع للقانون كما يخضع له باقي الأفراد. بحجة أنه مصدر السلطة العليا والقانون، وإن كانت بعض الدساتير قد نصت على إخضاعه للقانون عند ارتكابه جناية الخيانة العظمى. "ب" رؤساء الدولة الأجنبية: فهؤلاء لا يخضعون لأي قانون جنائي في أي بلد يذهبون إليه، سواء أكانوا في زيارة رسمية أو غيرها، هم ومن معهم من أفراد أسرهم، ومرافقيهم من حاشية، وأتباع. "ج" رجال السلك السياسي، وأعضاء الهيئات التشريعية: وإعفاء هؤلاء ليس مثار جدل -معلن على الأقل-، وإنما الجدل الذي يدور هو حول طبيعة هذه الإعفاءات من تطبيق القانون عليهم، أم إعفاء من المثول أمام القضاء، إلى آخر ما زال يدور همسًا في غالبه١. هذا هو موقف القوانين الوضعية في مسألة حدود سريان النصوص الجنائية على الأشخاص، في نهاية القرن العشرين. وهو يماثل ما كان عليه القوم منذ أربعة عشر قرنًا، يوم جاء يلتمسون من رسول الله ﷺ ، إعفاء إحدى شريفاتهم، وكانت قد سرقت، فأنكر رسول الله ﷺ ذلك منهم، وأنزل بها العقوبة٢.

стр. 109

٢- الشريعة الإسلامية، وحدود سريان النص الجنائي على الأشخاص: سوى الله بين الناس في أصل الخلقة، فالناس جميعًا أبناء لآدم ﵇، وجعل الله أساس المفاضلة بينهم واحدًا، وهو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . وهذا ما التزم به الرسول ﷺ وأكده بقوله: "لا فضل لعربي على أعجمي إلى بالتقوى". وهذه المفاضلة هي مقياس الناس عند ربهم ، أما عند الاحتكام للقانون الشرعي، فالناس سواسية كأسنان المشط، والتسوية بينهم واجبة١. والنبي ﷺ قد أبى هذا الأساس الثابت يوم خرج، وهو مريض يتحامل على كتفي بعض أصحابه، حتى وصل إلى المنبر، ولم يستطع الوقوف، فجلس ثم قال: "أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي، فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس" ٢. ولقد علم الصحابة الأجلاء ذلك جيدًا، وطبقو وجعلوا منه قانونًا نافذًا، وأمرًا ساريًا على جميع الناس. فهذا عمر بن الخطاب خليفة المسلمين، يعلن للناس جميعا في موسم الحج، وقد جمع ولاة أمصاره على مشهد من الحجاج، وقال للجميع: أيها الناس إني لم أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا يأخذوا أموالكم

стр. 110

وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيئًا سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقص منه: وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه١. وهكذا يسوي الإسلام بين الحاكم والمحكوم، ويشترط في الحاكم شروطًا لا بد من أن تتوفر في سلوكه حتى يكون أهلًا لتولي سلطة حكم الدولة الإسلامية. وقد رأى بعض فقهاء الشريعة عزل رئيس الدولة إذا ارتكب منكرًا، أو أقدم على فعل محظور، وتحكمت فيه شهوته، وتسلط عليه هواه؛ لأن من كان هذا حخاله عد من الفساق، ولا تنعقد له إمامة المسلمين، ويعزل منها إن كان قد وليها٢. أما موقف فقهاء الشريعة الإسلامية في سريان النص الجنائي على الأشخاص، فيمكن إجماله في اتجاهين متقاربين. الاتجاه الأول: يرى الإمام الشافعي، والإمام مالك تطبيق النص الجنائي على الجميع، الحاكم والمحكوم، لا يعفي أحد من انطباق النص الجنائي عليه مهما كان وضعه وسلطانه، وعند أصحاب هذا الاتجاه رئيس الدولة، "الإمام" مسئول عن كل ما يأتيه من جرائم، سواء وقع الاعتداء فيها على حق الله، أم على حق العبد، ويقوم بتنفيذ العقوبة على الإمام من ينوب عنه في القضاء، أو في تنفيذ العقوبات٣.

стр. 111

الاتجاه الثاني: ويخالف الإمام أبو حنيفة أصحاب الاتجاه الأول بالنسبة لرئيس الدولة، إذا لم تكن هناك سلطة تعلوه، أو تستطيع تنفيذ العقوبة عليه، فإنه والحالة هذه إذا ارتكب جناية، وقع الاعتداء فيها على ما فيه حق الله، فإن القائلين بهذا الاتجاه يعفو رئيس الدولة "الإمام" من إقامة الحد عليه. لأن إقامة الحد عند أصحاب هذا الاتجاه حق لله تعالى، ورئيس الدولة هو المكلف بذلك، ولا ولاية لأحد عليه، فمن يحاكمه؟ ولا يعقل أن ينكل الإمام، ويعرضها للخزي والهوان، كما أن الإمام إذا وجب عليه حد لارتكابه إحدى الجرائم الموجبة للحد، والتي يلزم بارتكابها الرجم مثلًا، كان مهدر الدم، فإذا قتله أي فرد من الأمة لا يعاقب على قتله بالقصاص نظرًا؛ لأنه قتل شخصًا مباح الدم، وبذا يصبح الحاكم عرضه لتسلط العامة عليه، وهذا ما لم يرتضه القائلون بهذا الاتجاه١. وليس معنى هذا أن يصبح الفعل الذي يقوم به رئيس الدولة غير مجرم، بل هو فعل مجرم، ولكن العقاب عليه غير ممكن، إلا في حالة ما إذا فصل رئيس الدولة بين السلطات، وجعل القضاء سلطة مستقلة، وعين من يقوم بالقضاء في الدولة، وأناط بمن يقوم بالقضاء سلطة تنفيذ ما يقضى به، إذا حدث ذلك فإن ما يقوم به رئيس الدولة من أفعال مجرمة تلزمه عقوبتها، ويقوم القاضي بتنفيذ العقوبة الحدية على رئيس الدولة إذا ارتكب من الأفعال ما يوجبها عليه٢.

стр. 112

المسلمون والذمييون: وقاعدة المساواة في سريان النص على الأشخاص الشريعة الإسلامية شريعة المساواة والعدل، وأساسها القوي الذي تعتمد عليه في تشريعها الأحكام، والإلزام بها هو القيدة الدينية. ومن هذا المنطلق كانت معاملتها للمسلم حسبما تقتضي عقيدة الإسلام، ولغير المسلم تقضي عقيدته الدينية. ومن هنا اختلف تطبيق بعض النصوص، ولم يكن إلزام المسلم، والذمي بها على حد سواء. وليس هذا من باب الاستثناء الذي يرد دائمًا في القوانين الوضعية، وإنما هو من باب تأكيد مبدأ العدالة، إذ كيف أن تسوي بين اثنين بالحكم عليهما في قضية واحدة لارتكابهما فعلًا واحدًا بحكم متماثل، بينما عقيدة أحدهما تبيح بالفعل، وعقيدة الآخرة تجرمه. وعلى سبيل المثال لا يمكن أن تحكم بحكم متماثل، ومتساو على كل من مسلم وذمي شربا خمرا، إذ إن عقيدة المسلم تجرم ذلك تجريمًا حديًا أما غير المسلم، فقد يعتقد طبقًا لما تعلم إباحة شرب الخمر، وعدم تجريمه١. من هنا كانت الجرائم في الشريعة الإسلامية قسمين: القسم الأول: جرائم يعاقب مرتكبها، مسلمًا كان أم غير مسلم. القسم الثاني: جرائم يعاقب مرتكبها إذا كان مسلمًا فقط. وهذا وإن وافق في الظاهر ما في القوانين الوضعية من جعل بعض الجرائم عامًا، يوقع العقاب عليه بالنسبة لكل من يرتكبه من رعايا الدولة، وبعض الجرائم خاصا يعاقب على ارتكابها البعض دون البعض

стр. 113

الآخر، إلا أن ذلك يخلف في حقيقته، وأساسه وجوهره ما في القوانين الوضعية -إذ أن أساس التفرقة في التشريع الإسلامي، هو ما يعتقد من العقائد الدينية بالنسبة لكل شخص، وليست التفرقة ناتجة عن وضع طبقي أو جاه، أو سلطان. ومع كل ما سبق بيانه، فقد تبقى بعض الشبه يمكن لمن ولعوا بها أن يثيروها، ويتمثل فيما جاء من خلاف بين أقوال بعض الفقهاء بالنسبة لبعض القضايا الآتية: ١- يرى الإمام أبو حنيفة أن من شروط الإحسان في جريمة الزنا، الإسلام وعلى هذا فلا يعد الذمي محصنًا عنده، ولا تلزمه عقوبة الرجم إذا زنى، وإنما عقوبة الذمي على ارتكابه جريمة الزنا هي دائمًا الجلد. بينما ذهب جمهور فقهاء المسلمين إلى أن الإسلام ليس شرطًا من شروط الإحصان، وعلى هذا فمن الذمي يلزمه ما يلزم المسلم من عقوبة على جريمة الزنا، سواء أكانت العقوبة جلدا أم رجما١. ٢- يرى الإمام أبو حنيفة القصاص من المسلم إذا قتل ذميًا، تمسكًا منه بعموم النص. بينما يرى غيره عدم جواز القصاص من المسلم إذا قتل ذميًا، وأن يكون سلوكه هذا مكونا جريمة في قانون بلده "جناية، أو جنحه في تمسكا من هؤلاء بما ورد عن النبي ﷺ من أنه لا يقتل مسلم بكافر٢، إذ أنهم قد فسروا الكافر بأنه غير المسلم. بينما فسر الإمام أبو حنيفة الكافر بأنه من لا عهد له. وأخلاف في ذلك، وما ماثله خلاف في تفسير النص وفهمه. وتفسير النص وفهمه أمر من أمور الإجتهاد المشروع الذي لم يختلف أحد على إباحته من فقهاء أهل السنة؛ لأنه يفتح باب شحذ الذهن، وتحري الدقة في استنباط الحكم، وذلك كل مبعث رحمة وهداية٣.

стр. 114

المطلب الثاني: الركن المادي للجريمة هو مظهر الجريمة المجسد الناتج عما دار في فؤاد مرتكب الجريمة قبل وقوعها، وقيامه بسلوك تسبب في وقوع الجريمة، وتحققها. فالركن المادي هو الذي توجد بتحققه الجريمة، وتتخطى مرحلة التفكير، والإعداد إلى حيز الوجود والإعلان، وبذا يمكن إثبات ما كان خفيًا من تفكير وتدبير؛ لأنه لا يمكن إثبات ذلك إلا بقيام الأثر في الخارج. وهذا الأثر هو مزاج بين التفكير والسلوك، ما هو إلا المحصلة النهائية لكل ما قام به الفاعل، متجسدًا في النتيجة المجرمة، ويتكون الركن المادي مما يأتي: أولًا: السلوك غير المشروع الذي يقوم به الجاني. ثانيًا: النتيجة التي تنجم عن هذا السلوك، وتتحصل بسببه سواء قصدها الفاعل أو لم يقصدها.

стр. 115

ثالثًا: الصلة التي تربط بين السلوك، والنتيجة بصورة تجعلها ناتجة عنه واقعة بسببه١. هذه مكونات الركن المادي التي إذا وجدت تحقق وجوده الذي هو تجسيد للجريمة الكاملة. أما إذا لم تكتمل هذه المكونات بسبب قيام مانع خارج عن إرادة الجاني، فإن ما يقع يعد شروعًا في جناية، إلا إذا كان ما وجد يشكل في حد ذاته جناية كاملة من الجنايات، وإن نقصت عن التي كان يريد الجاني تحقيقها. هذا ما ذهب إليه فقهاء القانون؛ لأنهم قد عرفوا الشروع بأنه: البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية، أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها٢. وذلك كمن يصوب مقذوفًا لعدوه، يقصد قتله، فيطيش المقذوف، وتنعدم النتيجة تمامًا. أو تتحقق النتيجة غير أن علاقة السببية بينها، وبين الفعل قد

стр. 116

انعدمت كما إذا أصاب المقذوف من صوب إليه إصابة يسيرة، وفي أثناء ذلك حدثت غارة جوية، فمات من صوب إليه المقذوف بسبب حدوث الغارة الجوية، وليس بسبب الإصابة اليسيرة الناتجة عن المقذوف. ففي كلتا الحالتين توافر الفعل الجاني كل عناصر الجريمة التامة، غير أنه لم يحقق الأثر الذي أراده الجاني، ولا علاقة للمقذوف بما وقع من نتيجة لذا، فإن فعل الجاني هنا يعد شروعًا، ويعاقب عليه بعقوبة الشروع، وليس بعقوبة الجريمة الكاملة، فإذا كان عدم اكتمال الجريمة راجعًا إلى إرادة الفاعل نتيجة عدولة الاختياري عن إتمامها، ومحاولته تجنب النتيجة التي كان يبغي تحقيقها بحيث لم تتم هذه النتيجة، فإن الشروع ينعدم حينئذ، وترغيبًا في العدول الاختياري، والحث عليه يرى فقهاء القانون عدم المعاقبة، حنيئذ عما تم قبل هذا العدول الاختياري، وهذا أسلوب من أساليب السياسة الجنائية، يهدف إلى مكافحة الجريمة. ويعتبر العدول اختياريًا إذا كان نابغا من داخل الجاني نفسه، كأن راجع نفسه، أو أشفق على المجني عليه، أو خاف أن يلحقه عار أو عقاب. هذا ما قاله فقهاء القانون١. أما فقهاء الشريعة، فإنهم لم ينظروا لما سبق على أساس أنه جريمة ناقصة، فلم يسموه شروعًا، وإنما عالجوه على أساس أنه جريمة لها عقابها الخاص بها، سواء أكان عقابًا محددًا من قبل المشرع، أم من قبل ولي الأمر٢. وقد يظن أن فقهاء الشريعة لم يعرفوا الشروع الذي تحدث عنه

стр. 117

القانونيون لكن حقيقة الأمر هي أن فقهاء الشريعة عالجوا ما أسماه رجال القانون شروعا، عالجوه على أساس أنه جرائم لها عقوباتها الخاصة بها. فإذا جاء رجال القانون، وأطلقوا على هذا النوع من الجرائم مسميات خاصة بها، فإن ذلك يكون من باب الجرائم المعروفة مسميات عصرية، ولا يعني ذلك اكتشاف ما لم يعرف. والجريمة في كل مراحلها قد يقوم بها شخص واحد، وقد يشاركه آخرون عمله، أو مرحلة من مراحله، لذا لزم بيان المساهمة الجنائية في كلمة موجزه لما لها من صلة بما نحن فيه. المساهمة الجنائية: وتعني قيام عدد من الأشخاص بأعمال تقضي في مجموعها إلى قيام جريمة، بحيث يسهم عمل كل شخص منهم في احداث هذه الجريمة، مع قيام رابطة معنوية بينهم جميعًا. وعلى هذا يمكن تمييز الجريمة التي تقع نتيجة المساهمة الجنائية عن غيرها من تلك الجرائم التي يرتكبها فاعل واحد بمفرده، مهما تعددت وتغايرت، وأيضًا بين تعدد الجناة، وتعدد جرائمهم، مثلما يحدث عند التجمهر من وقوع حوادث متعددة، من إحراق وتدمير وغير ذلك، دون أن يكون من المتجمهرين اتفاق على إحداث تلك الجرائم. ولذا فإن كل من يرتكب جريمة يسأل عنه فقد دون غيرها، مما ارتكبه الآخرون، وإن كان هناك توافق بين الإدارات المتعددة إلا أن هذا التوافق، وتوارد الخواطر لا يرقيان إلى مرتبة الاتفاق، وبذا يخرج عن حيز المساهمة الجنائية؛ لأن إرادة كل منهم صادرة عن باعث خاص به، إذا تصادف أن كان لغيره باعث يسير في نفس الاتجاه، فإنه لا يمكن

стр. 118

أن يترتب عليه مسئولية تضمانية بينهم مع أن عدوانهم قد يقع على شخص واحد١. وهذا ما ذهب إليه فقهاء الشريعة، إذ فرقوا بين التوافق والتمالؤ، وحاسبوا من توافقت إرادتهم، فقاموا بارتكاب جرائم، حاسبوهم على أساس مسئولية كل فرد عما قام به من أفعال فقط. لأن توافقهم جاء نتجية توارد الخواطر، وليس ناتجًا عن إتفاق سبق أما التمالؤ، فإنه يقضي وجود اتفاق مسبق بين الشركاء، وعزمهم على ارتكاب جريمتهم مجتمعين مستهدفين غرضًا واحد. لذا فإن كلا من المتماثلين يعتبر فاعلًا أصليًا، ويسأل عن الجريمة كاملة، وإن كان الإمام أبو حنيفة لا يفرق بين التوافق والتمالؤ، فحكمها واحد عنده، ويسأل كل فاعل في الحالتين عما جناه فقط٢. أركان المساهمة الجنائية: تقوم المساهمة الجنائية على ركنين أساسيين وضحًا مما سبق وهما: الركن الأول: تعدد الجناة، فلو لم يتعدد الجناة لم تكن هناك مساهمة جنائية، وإنما جناية ارتكبها شخص واحد. الركن الثاني: وحدة الجريمة، ويراد بها أن تؤدي أفعال عدد من

стр. 119

الأشخاص إلى أحداث جريمة واحدة، نشأت بسبب أفعالهم مجتمعة، في وحدتها المادية والمعنوية. ويراد بالوحدة المادية: أن تكون نتيجة أفعالهم جميعًا واحدة مترتبة على ما قاموا به، متصلة بكل فعل من أفعالهم اتصال المسبب بالسبب. وليس معنى ذلك إنه إذا تخلف فعل واحد من هذه الأفعال تخلفت النتيجة تمامًا وإنما اختلفت النتيجة، سواء انعدمت، أو اتخذت شكلًا آخر. ويراد بالوحدة المعنوية أن يكون هناك قصد، وإرادة ترتبط بينهم تستهدف تحقيق النتيجة، ويتجسد بذلك القصد وحده الركن المعنوي للجريمة١. المساهمة الجنائية، والجرائم المحددة العقوبة: تنقسم الجرائم المحددة العقوبة في الفقه الإسلامي، من حيث قبولها للمساهمة الجنائية، وإمكان وقوعها بالمشاركة من عدمه إلى ما يأتي: أولًا: جرائم لا تقع بالمساهمة والاشتراك، ويندر وقوعها من فرد واحد، وهي جرائم الحرابة، إذ إنها عمل يستلزم اشتراك عدد من الأفراد، واتفاقهم على العدوان، وتعاونهم على الإثم. فالاتفاق ركن من أركان هذه الجريمة، ولا يتصور إلا بين عدد من الأفراد.

стр. 120

ثانيًا: جرائم شخصية لا يتصور وقوعها بالاشتراك، أو إمكان وجود المساهمة الجنائية في قيام ركنها المادي، إذ هي جرائم فردية بحته. وذلك مثل جرائم القذف وشرب الخمر، والزنا؛ لأن من يقارف هذه الجرائم، ويدلي بدلوه فيها لا يعد شريكًا، وإنما هو فاعل أصلي. وإذا أمكن تصور قيام جماعة بجريمة من هذه الجرائم، فإن كلا منهم يعاقب على أساس أنه فاعل أصلي، ارتكب جريمة بمفرده. ثالثًا: جرائم يمكن أن تتأنى من فرد أو من جماعة، أي أن إمكان قيام المساهمة الجنائية فيها متوافر، حتى في إيجاد الركن المادي لكل جريمة من هذه الجرائم، وذلك كما في جرائم السرقة، فإنه يمكن أن يساهم في قيامها أكثر من فرد. كما يمكن أن يقوم بها فرد واحد، وإن كان جمهور الفقهاء قد اشترطوا لمعاقبة المساهمين في قيامها أن يكون كل منهم قد سرق نصابًا، أو سيناله ما قيمته ذلك من المسروق١، ومثل ذلك أيضًا جرائم القصاص، فإنه يمكن أن يقوم بها فرد واحد يمكن أن يقوم بها عدة أفراد، وإن كان الإمام أبو حنيفة لم يعتبر الاشتراك في هذه الجريمة موجبًا للعقوبة الأصلية لها، إلا في حالة ما إذا قتل جماعة فردًا واحدًا، وإن كان ذلك عنده على خلاف القياس٢. أنواع المساهمة الجنائية: المساهمة الجنائية باقتضائها قيام عدد من الأشخاص مشتركين بأحداث جناية واحدة، تكون قد شملت نوعين من المساهمة.

стр. 121

لأن المساهمة قد تكون نتيجة لارتكاب بعض الأعمال المكونة للركن المادي للجريمة، وهذه هي السياسة الأصلية. وقد تكون المساهمة نتيجة للقيام بعمل غير رئيسي في تنفيذ الجريمة بعيدًا عن الأعمال المكونة للركن المادي لها، وهذه هن المساهمة التبعية. وأساس هذه التفرقة: أن الأول يباشر تنفيذ الركن المادي للجريمة، فهو إذا شريك في المباشرة. أما الثاني: فإنه يتسبب في الجريمة، باتفاقه أو تحريضه أو بذله العون، ولكنه لا يباشر تنفيذ ركن الجريمة المادي، فهو إذا شريك بالتسبب١. المساهمة الأصلية: وهي الحالة التي يكفي لوجودها أن يقوم الفاعل باتيان عمل هو في حد ذاته كاف لاعتباره بادئًا في تنفيذ الجريمة، حتى ولو كان هذا العمل خارجًا عن الركن المادي لها. وذلك كمن يوقف عربة بها شخص يقصد قتله، ثم يقوم زميل من أوقف العربة بقتل الشخص الذي بداخلها. وكمن يكسر بابا ليمكن آخر من الدخول للسرقة، وتتم السرقة. فموقف العربة، وكاسر الباب في هاتين الحالتين قد ساهما مساهمة أصلية في قيام الجريمة، وإن كان فعل كل منهما قد خرج عن حيز الركن المادي للجريمة نظرًا؛ لأن كلا منهما قد توافرت لديه نية من نوع

стр. 122

خاص -ولذا اعتبر فاعلين أصليين، ولم يعتبرا شريكين١. وما ذهب إليه فقهاء القانون، يوافق ما ذهب إليه الفقه المالكي الذي يسوي بين المباشرة للقتل والإعانة عليه، وحضوره فالمباشرة عند فقهاء الماليكة تصدق على الفاعل، والمعين على الفعل والحاضر وقت وقوع الجريمة، إذا قبل قيامها، واشترط لاعتبار من أعان، أو من حضر مساويين للمباشرة أن يكونوا بحيث لو استعان بهم أعانوه، أو إذا لم يقم المباشر بالقتل قام به الباقون٢. وقد خالف هذا جمهور الفقهاء من الأحناف، والشافعية والحنابلة والظاهرية، وقالوا: إن القصاص على من قام بالقتل فقط، وليس على من شارك بعمل يخرج عن حيز الركن المادي قصاص، حتى وإن توافرت لديه نية القتل٣. جاء في كتاب الأم: ما ذكر عن أبي حنيفة ﵁ في الرجل يمسك للرجل، فيضربه بسلاح فيموت مكانه، إنه لا قود على الممسك والقود على القاتل، ولكن الممسك يوجع عقوبة، ويستودع في السجن. وقال أهل المدينة: إن أمسكه وهو يرى أن يرد قتله قتلا به جميعًا قال الشافعي -رحمه الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ، فكان معروفًا عند من

стр. 123

خوطب بهذه الآية أن السلطان لولي المقتول على القتال نفسه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: من اعتبط مسلمًا بقتل فهو قويده، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . ولم أجد أحدًا من خلق الله تعالى يقتدي به حد أحدًا قط على فعل غير فعل نفسه.. فلو أن رجلًا حبس رجلًا لرجل، فقتله قتل به القاتل وعوقب الحابس، ولا جوز في حكم الله تعالى إذا قتلت القاتبل بالقتل أن أقتل الحابس بالحبس، والحبس غير القتل وروى علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال في رجل قتل رجلًا متعمدًا، وأمسكه آخر. يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت١. وما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع لتوافقه مع ما تقضي به الأدلة، ويراه العقل. المساهمة التبعية: وهي الحالة التي يقوم فيها الجاني بعمل ثانوي بحيث لا يعد نشاطه جزءا رئيسيًا في قيام الركن المادي، وإنما هو من عمل تحضيري لا يكفي أن يعتبر فاعله شارعًا في الجريمة بافتراض عدم تمامها. ولقد حدد القانون ما يمكن أن تتم به المساهمة التبعية، وجعلها التحريض والاتفاق، والمساعدة التي لا ترقى إلى تتميم الجريمة أو تسهيلها، ولا تكون معاصرة لتنفيذ الجريمة، وتسمى الأعمال التحضيرية للجريمة. وهي في الأصل أعمال مشروعية في نظر القانون، أي ليس معاقبًا عليها ابتداء، والذي جعلها تدخل في حيز الأعمال غير المشروعة، علاقتها بالأفعال التنفيذية للجريمة.

стр. 124

والمساهمة التبعية في الجريمة يقرر القانون لها عقوبة الجريمة المساهم فيها، شأنها في ذلك شأن المساهمة الأصلية، إذ يحكمها نص واحد من حيث تطبيق العقوبة عليهما، إلا في بعض حالات مستثناه جعل المشرع فيها للمساهمة التبعية عقوبة أقل من عقوبة الجريمة المساهم فيها١. كما أن هناك حالات يغلظ المشرع فيها العقوبة على المساهمة أكثر من العقوبة على الجريمة نفسها٢. أما عند فقهاء الشريعة الإسلامية، فالأمر مختلف عما ذهب إليه فقهاء القانون. إذ إن الإمام أبا حنيفة لا يسوى بين عقوبة الفاعل الأصلي والشريك، إلا إذا كان الشريك قد أكره الفاعل الأصلي، أو أمره أن يقتل، أمرًا بلغ درجة الإكراه٣. أما الأئمة مالك، والشافعي وأحمد، فإنهم لا يسوون بين الفاعل الأصلي والشريك، إلا إذا كان الفاعل الأصلي غير مميز، وكان كالآلة في يد الشريك يحركها كيفما يشاء. وإن كان الإمام ملك يرى معاقبة الشريك بعقوبة الفاعل الأصلى

стр. 125

إذا كان حاضرًا وقوع الجريمة، وفي وضع من ينفذها ما لم ينفذها الفاعل الأصلي١. ويبين مما سبق أن الفقه الوضعي يعاقب من ساهم في جناية، إما بعقوبة الفاعل الأصلي، أو بعقوبة أشد منها، أو بعقوبة أقل، ومعاقبة الشريك بعقوبة مساوية لعقوبة الفاعل الأصلي، أو أقل منها لا تخرج عما رآه فقهاء الشريعة من حيث مقدار العقوبة مع اختلاف في التفصيل بالنسبة للشريك، أما معاقبة الشريك بعقوبة أشد من عقوبة الفاعل الأصلي، فهي التي تحتاج إلى وقفة، إذ هي حالة غير واردة بالنسبة لجرائم القتل. ومما هو معلوم أن كل عقوبات الفقه الوضعي -غير عقوبة الإعدام- عقوبات تعزيرية، يد المشرع في اختيارها حرة، كما أن للقاضي حرية اختيار أحد حدي العقوبة المقررة للجريمة أو ما بينهما، طبقًا لما يراه مناسبا للحالة التي يحكم فيها. والقاضي حين يحكم على من قام بالمساهمة بعقوبة أشد بما حكم بها على الفاعل الأصلي، فإنه يراعى ما وقع فيه المساهم من خروج عما يمليه عليه واجب العمل المكلف به بالإضافة إلى المُساهمة في الجريمة التي ارتكبها الفاعل الأصلي. أما بالنسبة لما ذهب إليه فقهاء الشريعة الإسلامية من تسوية بين عقوبة من أسهم في قتل إنسان، وبين عقوبة الفاعل الأصلي، أو عدم التسوية بين عقوبة كل منهما، فإن المقياس الذي أراه مناسبًا لاعتبار كل منهما فاعلًا أصليًا يجب معاقبته بعقوبة مساوية لعقوبة من

стр. 126

قام بتنفيذ الجريمة، هو وجود رابطة السببية بين فعل كل من الفاعل الأصلي والمساهم، وبين النتيجة التي تحققت ثمرة لما قاما به. فإذا وجدت رابطة السببية بين الفعل الذي قام به الفاعل الأصلي، والفعل الذي قام به المساهم، وبين النتيجة التي تحققت، فإن كلا من الفاعل الأصلي والمُساهم تلزمه عقوبة الجريمة التي وقعت، أما إذا لم توجد رابطة السببية هذه بين فعل المُساهم وبين النتيجة، فإن عقوبة الجريمة التي وقعت تلزم الفاعل الأصلي فقط. وإن جاز للقاضي أن يُعاقب المُساهم في هذه الحالة بعقوبة تعزيرية مُناسبة لما وقع منه من فعل.

стр. 127

المطلب الثالث: الركن الأدبي للجريمة وهو ما يعنيه فقهاء القانون بالركن المعنوي. إذ إن الجريمة ليست كيانًا ماديًا فقط، ولكن هذا الكيان المادي لا بد وأن يُحاط برباط من الصلة النفسية التي تجمع بينه، وبين من يقوم بذلك الكيان المادي للسلوك الذي أسبغ عليه المشرع صفة التجريم، وعاقب على اقترافه، والقيام به كما أم من يقوم بذلك السلوك لا بد، وأن يكون من الأشخاص ذوي الصفة الأدبية، التي تجعلهم أهلًا للمساءلة، وتحمل التبعة، وانضوائهم تحت لواء من يسألون عما يقترفونه من الأعمال التي يحويها المُشرع. وقديمًا لم يكن ذلك واضحًا أمام واضعي القوانين، إذ كان يحاكم الحيوان، والجماد، والإنسان على السواء١. تغيرت المفاهيم، وأصبحت القواعد القانونية لا تلزم إلا بمساءلة الإنسان عما يأتيه من الأعمال. ذلك؛ لأن الإنسان وحده هو صاحب الإرادة التي يعتد بها لدى المُشرع، وهو الذي يوجه تلك الإرادة حسبما يشاء ورغب، وإن كان هناك من رأي أن بعض العوامل تؤثر على سلوكه إلى حد الوصول إلى حتمية السلوك.

стр. 128

كما أن المسئولية الأدبية تمر بمراحل تحتم أن تكون العقوبة أحيانًا في شكل تدبير احترازي أو تعزيري، حسبما يتفق وحال من خالف أمر المشرع، وما يستلزم البحث بيانه هنا هو ما يقوم به الركن الأدبي لدى الجاني، ويصبح به أهلًا للمساءلة الجنائية، وذلك محدد في عنصرين أساسيين: أولهما: الإدراك: إذ لا بد من أن يكون من يقوم بالسلوك مدركًا إدراكًا يعتد به حتى يمكن معاقبته على سلوكه. فإذا فقد هذا العنصر من قام بالسلوك، انعدمت مساءلته جنائيًا عما قام به استنادًا لما قاله رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ" ١. ثانيهما: الاختيار: أي أن يكون من قام بالسلوك المُعاقب عليه، قد قام بسلوكه مختارًا بناء على رغبة منه واختيار حر. فإذا اختلت إرادة من يقوم بالسلوك: فإن تلك الإرادة تصبح إرادة معينة، وعليه تنعدم مساءلة صاحب هذه الإرادة المعينة٢. لأن الأصل أنه لا يساءل جنائيًا إلا من أتي متعمدًا فعلًا قد حرمه الشارع لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ

стр. 129

مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ١. هذا هو الأصل، وإن كانت الشريعة قد عاقبت على الخطأ في بعض الجرائم استثناء من هذا الأصل، كما هو الحال في عقابها على جرائم القتل الخطأ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ٢. هذه بعض الجوانب المتعلقة بالجريمة فيما يتصل بموضوع البحث، حاولت فيها إلقاء الضوء على ما لفقهاء الشريعة الإسلامية من وجهات نظر في كل ما عرضت من موضوعات، مقارنا ذلك بما ذهب إليه فقهاء القانون الوضعي. وقد ظهر واضحا في كل ذلك مدى سمو نظرة الشريعة الإسلامية، وأصالتها وشمولها، سمو من شرعها على غيره ممن خلق، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .

стр. 130

الفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها المبحث الأول: العقوبة وأقسامها المطلب الأول: معنى العقوبة ... الفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة المبحث الأول: العقوبة معناها وأقسامها ويشتمل على مطلبين. المطلب الأول: معنى العقوبة. المطلب الثاني: أقسام العقوبة. المطلب الأول: معنى العقوبة جاء في كتب اللغة: عاقبته عقابا، ومعاقبة بذنبه وعلى ذنبه: أخذه به واقتص منه والاسم العقوبة. والعرب تقول: أعقبت الرجل: أي جازيته بخير وعاقبته: أي جازيته بشر. فالعاقبة الجزاء بالخير والعقاب الجزاء بالشر١. وعرفها الفقهاء بأنها جزاء وضعه الشارع للردع عن ارتكاب ما نهى عنه، وترك ما أمر به٢. وذكر الفقهاء الأحناف أن الحد هو العقوبة المقدرة شرعا، وقال المرغيناني: الحد هو العقوبة المقدرة لله تعالى، وعلى هذا فلا يسمى القصاص حدا؛ لأنه حق العبد. ولا التعزير لعدم التقدير على ما عليه عامة شيوخ الأحناف، أما على

стр. 131

التعريف الأول الذي يورد القيد المذكور من كونه حقا لله، فيسمى القصاص حدًّا١. وقد بين الشاطبي أن حق الله وحق العبد ثابتان في كل حكم، ورأي أن حق الله هو عبادته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وحق العبد ما فيه مصلحة للعباد إما عاجلا، وإما آجلا٢. كما عرف القانونيون العقوبة بأنها الجزاء الذي يقرره القانون، ويوقعه القاضي، من أجل الجريمة، ويتناسب معها. أو بأنها جزاء يوقع باسم المجتمع تنفيذا لحكم قضائي على من تثبت مسئوليته على الجريمة، فالعقوبة جزاء ينطوي على ألم يحيق بالمجرم نظير مخالفته القانون٣، وتعريفات فقهاء الشريعة تؤدي في مجموعها إلى أن العقوبة هي: الجزاء الذي يستحقه الجاني نظير ما وقع عنه منه من معصية لأمر الشارع، أو نهيه سواء أكان هذا الجزاء مقدار من قبل الله سبحانه

стр. 132

وتعالى، حقًا لله أو للعبد، أو كان مقدرا من قبل ولي الأمر بما خول الله له من سلطة. ولا تختلف تعريفات القانونيين عن ذلك كثيرًا، سوى أن من العقوبة من وجهة نظر الشريعة، ما هو مقدر ومحدد، من قبل الله ، فإذا ثبتت جنايته حكم القاضي بما حدده المشرع، من غير زيادة أو نقصان. ومن العقوبات ما هو متروك لولي الأمر يحدده، ويقدره بقدر الجريمة مع مراعاة الظروف التي أحاطت بها، متوخيًا تحقيق العدالة١، أما العقوبة من وجهة النظر القانونية، فإنها مقدرة كلها من لدن ولي الأمر غير أن لكل عقوبة حدا أعلى وحدا أدنى، وللقاضي سلطة اختيار العقوبة المناسبة من بين ما قدره ولي الأمر للواقعة مراعيًا الإطار الذي حدده القانون. وسيتضح ذلك كله بما له، وما عليه من خلال ما سيأتي من حديث عن أقسام العقوبة، وبيان كل قسم. وكذا فيما سيتبع ذلك من بيان الملامح البارزة، والهامة للنظام العقابي، كما وضعته الشريعة الإسلامية مستهدفة العدل، والإصلاح، والرحمة.

стр. 133

المطلب الثاني: أقسام العقوبة تنقسم العقوبة باعتبارات مختلفة إلى أقسام عدة: فتنقسم أولًا باعتبار ذاتيتها إلى: ١- عقوبة أصلية. ٢- عقوبة بديلة. ٣- عقوبة تبعية. ٤- عقوبة تكميلية. ١- العقوبة الأصلية: هي العقوبة التي حددها المشرع الحكيم، ونص على لزومها لكل من أتى جريمة معينة. ومن ذلك العقوبات الحدية التي نص الشارع على وجوبها على من ارتكب من الجنايات الحدية، كالسرقة أو الزنا أو شرب الخمر، عند من رأى ذلك. ومثل عقوبة القصاص التي تلزم كل من ارتكب جناية من الجنايات التي توجبها، وكذا الدية والكفارة. وكالعقوبات التعزيرية التي نص المشرع عليها، ولم تصل مقدار العقوبة للحدية. ٢- العقوبة البدلية: هي العقوبات التي يلزم بها الجاني لسبب من الأسباب، التي يراها المشرع مانعة من إلزام الجاني العقوبة الأصلية المقررة للجنايات التي ارتكبها. وذلك كما إذا اندرأ الحد عن الجاني لقيام شبهة من الشبهات المانعة من إلزام الجاني العقوبة الحدية لكن الجناية لا تزال قائمة، ففي مثل ذلك يلزم الجاني بعقوبة من العقوبات البدلية على سبيل التعزير كإلزامه

стр. 134

الدية مثلا بدلا من القصاص الذي اندرأ عنه لسبب من الأسباب التي يقرها الشرع. والعقوبات البدلية هذه ما هي في حقيقتها، إلا عقوبات أصلية غير أنها أخف من غيرها. ولذا فإن القاضي لما لم يلزم الجاني بالعقوبة الأشد لسبب شرعي ألزمه بعقوبة أصلية أخرى، ولكنها هنا بدلًا من العقوبة الأشد. ٣- العقوبة التبعية: هي العقوبة التي تلزم الجاني بناء على ما ارتكب من جناية استحق بارتكابها عقوبة من العقوبات الأصلية، التي يترتب على الحكم بها عليه، إلزامه بعقوبة أخرى لم ينص عليها القاضي في حكمه، ولكنها مترتبة على ارتكاب الجريمة، والحكم عليه بعقوبتها، ومثل ذلك: حرمان القاتل من أن يرث المقتول، فإن الحرمان هنا عقوبة تبعية تلزم الجاني بمجرد حكم القاضي عليه بأنه هو الذي -أي الجاني- ارتكب جناية قتل مورثه. ٤- العقوبة التكميلية: هي العقوبة التي تلحق الجاني نتيجة الحكم عليه بعقوبة أصلية بشرط أن ينص القاضي في حكمه على إلزام الجاني العقوبة التكميلية، ومثل ذلك: عقوبات النفي أو التغريب، التي ينص القاضي في حكمه على إلزام الجاني بجانب عقوبته الأصلية، عقوبة التغريب هذه. والعقوبة التكميلية توافق العقوبة التبعية في أن كلًا منهما تأتي مترتبة على الحكم بعقوبة أصلية.

стр. 135

ويختلفان في أن العقوبة التكميلية لا بد وأن يحكم بها القاضي على الجاني، مع حكمه عليه بالعقوبة الأصلية. أما العقوبة التبعية، فإنها لا يشترط فيها ذلك، إذ أنها تلزم الجاني بمجرد إلزامه بعقوبة أصلية من العقوبات التي يتبعها غيرها. هذه هي أقسام العقوبة باعتبار ذاتيتها. ولما كان هذا البحث خاصًا بالشبهات التي تعترى العقوبات الحدية، التي هي أحد أنواع العقوبات الأصلية. لذا فسأقصر التفصيل على بيان هذه العقوبات الحدية التي هي مقررة، ومحددة من لدن المشرع الحكيم. بادئا ببيان الحكمة من تقسيم العقوبات إلى عقوبات حدية، وعقوبات تعزيرية. معرفًا العقوبة الحدية، ذاكرًا العقوبات التي حددها المشرع الحكيم، ونص على بيانها. أولًا: الحكمة من تقسيم العقوبات إلى حدية، وتعزيرية قد يسأل سائل لماذا حدد المشرع بعض العقوبات، ونص على ذلك وبينه، وترك البعض الآخر ولم يحدده؟ أو يقول قائل: لماذا لم يترك المشرع لولي الأمر شأن تحديد العقوبات كلها، وتقديرها حسبما يرى ولي الأمر ويقدر؟ والإجابة عن مثل هذا سهلة ميسورة لمن تدبر حكمة المشرع ورعاها.

стр. 136

أما بالنسبة للسؤال الأول: فإن المتدبر أن المشرع الحكيم العليم الخبير بالنفوس والعقول، في كل أطوارها وأزمانها، يعلم أن الناس سيعتريها، من الأحداث والأحوال، وأمور دينها ومعيشتها ما ينشأ عنه استحداث أمور لم تكن من قبل موجودة؛ لأن الأحداث، والأشياء لا تنتهي عند حد أو زمن. لذا ورعاية من المشرع الحكيم لخلقه، لم ينص على كل العقوبات على سبيل الحصر والتحديد، والتقدير. وإنما ترك لولي الأمر أن يضع من العقوبات، ويستحدث ما يناسب الجرائم المختلفة التي تستحدث، وتنشأ تبعًا لتطور الأحداث، واختلاف الظروف والأحوال. واقتصر على تحديد بعض العقوبات، وتقديرها بالنسبة لجرائم معينة ناط بها هذه العقوبات المقدرة من لدنه، حفظًا للأمور الضرورية للإنسانية جمعاء، والتي لا تختلف بالنسبة لأنفس دون آخرين، ولا لزمن دون زمن. أما بالنسبة للسؤال الثاني: فإن من تبصر يجد أن الشريعة الإسلامية هدفها خلق المجتمع الفاضل، الذي يأمن الناس فيه على أنفسهم، وأعراضهم، ودينهم ودنياهم، وكل ما لا تتحقق إنسانيتهم إلا به من ضروريات لذا رأى المشرع هذه الضروريات، وحدد عقوبة من يعتدي عليها، لا فرق بين رئيس ومرءوس أو غني وفقير، وإنما الجميع سواء. أما عدا ذلك، فلولي الأمر أن يضع من التشريعات ما يحميه، ويحفظه ملتزمًا في ذلك الحق، والعدل بالصورة التي يرضى عنها الله ورسوله.

стр. 137

ثانيًا: العقوبة الحدية الحد في اللغة المنع.. لذا سمي البواب حدادا، لمنعه الناس من الدخول، وسمي السجان حدادا لمنعه من في السجن من الخروج. ويطلق للحد على الفصل بين الشيئين؛ لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وجمعه حدود وحد كل شيء منتهاه؛ لأنه يرده ويمنعه عن التمادي، وحدود الديار نهايتها لمنعها ملك الغير عن الدخول فيها، أو خروج بعضها إليه. ويسمى اللفظ المانع حدا؛ لأنه يجمع معنى الشيء، ويمنع دخول غيره فيه، وسميت العقوبات حدودا؛ لأنها موانع من ارتكاب أسبابها معادوة، وحدود الله محارمه؛ لأنها ممنوع عنها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ ، وهي أيضا أحكامه؛ لأنها تمنع من التخطي إلى ما وراءها ومنه ﴿حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ ١، أما عند الفقهاء فالحد يطلق على العقوبة شرعًا، ومنهم زاد على ذلك قيدًا آخر بقوله "حقًا لله تعالى"٢. فمن رأي أن الحد هو العقوبة المقدرة شرعًا، جعل المعيار عنده للتسمية تقدير الشارع للعقوبة، سواء أكان الحق المعتدى عليه لله ، كما في جنايات الزنا والسرقة مثلًا. أم كان الحق المعتدى عليه حقًا للعبد كما في الجنايات المعاقب عليها قصاصًا، وكون العقوبة الحدية مقدرة من لدن الشارع الحكيم، ويترتب

стр. 138

عليه مغايرتها للعقوبات التعزيرية؛ لأن تقدير هذه العقوبات مرده لولي الأمر، وقد يشاره في ذلك القاضي الذي يحكم الواقعة من هنا، فإن من يرى أن الحدود هي العقوبة المقدرة شرعًا، جعلها تشمل القصاص وحد القذف، وحد الردة، وحد الزنا، وحد السرقة، وحد الشرب على الرأي القائل بأنه من العقوبات الحدية. أما حد قطع الطريق، فمن الفقهاء من عهده حدا متميزا، ومنهم من اكتفى بذكر حد السرقة، وجعل نوعين سرقة صغرى وسرقة كبرى، وأطلق السرقة الكبرى على قطع الطريق، لما فيه من الإرهاب وإخافة السالكين، وما إلى ذلك١. ومن زاد على تعريف الحد السابق "حقا لله"، فإنه قصر العقوبات الحدية على العقوبات التي ليس للعبد حق فيها يخول له إسقاطها، أو إبدالها بغيرها. والعقوبات الحدية عند أصحاب هذا الاتجاه هي: حد الزنا، وحد السرقة، وحد الشرب عند عده عقوبة مقدرة، "وحد القذف"؛ لأنه متى ثبت لم يعد للمجني عليه حق إسقاطه، وحد السكر عند من يشترط للعقوبة على شرب أنواع معينة من الشراب أن تصل بمن شربها إلى السكر. كما أن من أصحاب هذا الاتجاه من ذكر قطع الطريق، ومنهم من لم يذكره باعتبار أنه داخل في حد السرقة الذي يشمل السرقة الصغرى، والسرقة الكبرى. كما أن هؤلاء أيضًا من لم يذكر حد الردة، بناء على أن المرتد

стр. 139

عندما يعامل معاملة الكافر الحربي من حيث إهدار الدم، وكما أنه لا يسمى قتل الكافر الحربي حدًا. كما أن من قيد الحد يذكر قيد "حق الله"، جعل منه حد البغي الذي هو عقوبة مقدرة حقًا لله تلزم كل من خرج على الإمام، بشروطها كما أخرج عقوبة القصاص من الحدود؛ لأنها وإن كانت عقوبة مقدرة شرعًا، إلا أنها حق للعبد يمكنه التنازل عنه وإسقاطه، حتى بعد الحكم بها على الجاني١. وما كان كذلك من العقوبات، فإنه يكون قد خرج عن النطاق الذي رسمه رسول الله ﷺ للعقوبات الحدية، إذ العقوبات الحدية لا يجوز إسقاطها، أو الشفاعة فيها، إذا وجبت وألزم الجاني بها. فالرسول ﷺ قد أنكر شفاعة من جاء يشفع في حد من حدود الله تعالى، وقال: ﷺ : "فما بلغني من حد، فقد وجب" ٢. لهذا كله، فسأقصر حديثي على العقوبات الحدية التي تلزم الجاني، ولا تسقط عنه، طالما ارتكب حدها، وألزمه القاضي بها.

стр. 140

عقوبة جريمة الزنا: تختلف النظم التشريعية الوضعية في نظرتها إلى الزنا، فالتشريع الإنجليزي لا يعقاب على الزنا حتى وإن وقع من زوج أو زوجة، ووجهة النظر عندهم مبنية على أساس أنه لا فائدة من معاقبة من لا تردعه مبادئ الأخلاق، هذا فضلًا على أن إثارة الفضيحة قد ينجم عنها ضرر بالعائلة، أبلغ مما يترتب للمجتمع. الجزاء الطبيعي في نظر المشرع الإنجليزي هو الحكم بالطلاق، أو الفرقة١، أما باقي التشريعات الوضعية الأخرى، فإنها تتفق والتشريع الإنجليزي في عدم العقاب على الزنا إذا ما تم برضاء الرجل والمرأة، إذ أن ما تم بينهما في نظر هذه التشريعات علاقات شخصية بحتة لا يتدخل القانون فيها، طالما ليست هناك علاقة زوجية تربط أحدهما بشخص آخر. أما ما تعاقب عليه من زنا، فهو ما وقع من رجل، أو امرأة أثناء ارتباطهما بزواج صحيح من وجهة النظر القانونية. والعقاب هنا في حقيقته ليس عقابًا على الفعل، وإنما عقاب على الاعتداء على حرمة العلاقة الزوجية. كما أن هذه النظم ضيقت من داترة العقاب على ذلك، فاشترطت لتحريك الدعوى، أن يقوم به المجني عليه وحده.

стр. 141

كما نص المُشرع المصري على أن هذه الجريمة لا تقوم بالنسبة للزوج، إلا إذ وقع منه الزنا في منزل الزوجية. وجعل للزوج الحق في إسقاط العقوبة عن زوجته إذا زنت حتى بعد الحكم النهائي عليها. ثم بعد ذلك كله جعل عقوبة الزوجة إذا زنت الحبس مدة لا تزيد على سنتين، وعقوبة الزوج إذا زنى الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر١. هذه هي نظرة التشريعات الوضعية لجريمة الزنا، والعقوبة عليها. أما الشريعة الإسلامية، فإنها قد وضعت من النظم ما يمكن معه للإنسان السوي أن يعف نفسه، ويحفظ عرضه من الدنس، ولم تبح العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة بأي صورة من الصور إلا في ظل العلاقة الشرعية، التي تكفلت الآيات القرآنية ببيانها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٢، والعادون هؤلاء رصدت لهم الشريعة الإسلامية من العقاب ما يكفل إصلاحهم، وتخليص المجتمع من شرهم، والقضاء على هذه الجريمة، فهي قد أمرت برجمه إن كان محصنًا، وجلده إن كان غير محصن.

стр. 142

الرجم عقوبة الزاني المحصن: يطلق الرجم على الرمي بالحجارة، ويطلق على القتل، أي على النتيجة التي يؤدي إليها الرجم، ويطلق أيضًا على ما يرجم به، كما يطلق على العقوبة التي تجب على الزاني المحصن، ويلزم بها١. وهذا ما جاءت به السنة الشريفة، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه الجماعة إلا البخاري والكسائي٢. كما ورد أن النبي ﷺ قد حكم في قضية العسيف بقوله: "الوليد والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ٣. هذا وغيره كثير مما رواه الصحابة الأجلاء من قول الرسول ﷺ ومن فعله، يدل على أن عقوبة الزاني المحصن هي الرجم. وقد ذكر فقهاء الحنابلة، فيما استدلوا به على وجوب رجم الزاني المحصن، ما روي عن ابن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: كان فيما

стр. 143

أنزل آية الرجم فقرأتها ووعيتها، وقرأ الآية: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم١. وعد الأصوليون ذلك مما نسخ لفظه، وبقي حكمه٢.

стр. 144

وهو قول لا مبرر لوجوده ولا حكمه من ورائه، وقد ذكر ابن كثير أن هذا مما نسخ لفظه وحكمه١. وعلى هذا فعقوبة الرجم المحصن جاءت بها السنة الشريفة، لذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المرأة التي جلدها ورجمها: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، وهذا ما استقر عليه رأي الفقهاء عدا الأزارقة من الخوارج، الذين قالوا: إن ما جاء به القرآن الكريم من عقوبة الزاني هو الجلد بكرًا أم ثيبًا، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢. وهذا فقط هو الثابت عندهم بطريق القطع واليقين، أما الرجم واليقين للأخذ بما جاء عن طريق أخبار الآحاد. ولأن ذلك في رأيهم يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة، وهو غير جائز٣.

стр. 145

وما ذهبت إليه هذه الفرقة من الخوارج، دعوى واهية، فرجم الزاني المحصن قد ثبت وروده عن النبي ﷺ من طرق روايات كثيرة، كما أن القضايا التي تحكم فيها بالرجم من القضايا المشهورة، والتي ألزم فيها الرسول ﷺ من زنى وهو محصن عقوبة الرجم، مسلمًا كان أم كتابيا١. كما أن القول برجم الزاني المحصن، لا يترتب عليه نسخ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وإنما هو من باب التفصيل والبيان تخصيص الجلد بغير المحصن، وتخصيص القرآن بالسنة أمر جائز٢، بل إن هناك من أجاز نسخ القرآن
следующие страницы →