← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كما نص المُشرع المصري على أن هذه الجريمة لا تقوم بالنسبة للزوج، إلا إذ وقع منه الزنا في منزل الزوجية. وجعل للزوج الحق في إسقاط العقوبة عن زوجته إذا زنت حتى بعد الحكم النهائي عليها. ثم بعد ذلك كله جعل عقوبة الزوجة إذا زنت الحبس مدة لا تزيد على سنتين، وعقوبة الزوج إذا زنى الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر١. هذه هي نظرة التشريعات الوضعية لجريمة الزنا، والعقوبة عليها. أما الشريعة الإسلامية، فإنها قد وضعت من النظم ما يمكن معه للإنسان السوي أن يعف نفسه، ويحفظ عرضه من الدنس، ولم تبح العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة بأي صورة من الصور إلا في ظل العلاقة الشرعية، التي تكفلت الآيات القرآنية ببيانها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٢، والعادون هؤلاء رصدت لهم الشريعة الإسلامية من العقاب ما يكفل إصلاحهم، وتخليص المجتمع من شرهم، والقضاء على هذه الجريمة، فهي قد أمرت برجمه إن كان محصنًا، وجلده إن كان غير محصن.

стр. 142

الرجم عقوبة الزاني المحصن: يطلق الرجم على الرمي بالحجارة، ويطلق على القتل، أي على النتيجة التي يؤدي إليها الرجم، ويطلق أيضًا على ما يرجم به، كما يطلق على العقوبة التي تجب على الزاني المحصن، ويلزم بها١. وهذا ما جاءت به السنة الشريفة، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه الجماعة إلا البخاري والكسائي٢. كما ورد أن النبي ﷺ قد حكم في قضية العسيف بقوله: "الوليد والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ٣. هذا وغيره كثير مما رواه الصحابة الأجلاء من قول الرسول ﷺ ومن فعله، يدل على أن عقوبة الزاني المحصن هي الرجم. وقد ذكر فقهاء الحنابلة، فيما استدلوا به على وجوب رجم الزاني المحصن، ما روي عن ابن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: كان فيما

стр. 143

أنزل آية الرجم فقرأتها ووعيتها، وقرأ الآية: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم١. وعد الأصوليون ذلك مما نسخ لفظه، وبقي حكمه٢.

стр. 144

وهو قول لا مبرر لوجوده ولا حكمه من ورائه، وقد ذكر ابن كثير أن هذا مما نسخ لفظه وحكمه١. وعلى هذا فعقوبة الرجم المحصن جاءت بها السنة الشريفة، لذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المرأة التي جلدها ورجمها: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، وهذا ما استقر عليه رأي الفقهاء عدا الأزارقة من الخوارج، الذين قالوا: إن ما جاء به القرآن الكريم من عقوبة الزاني هو الجلد بكرًا أم ثيبًا، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢. وهذا فقط هو الثابت عندهم بطريق القطع واليقين، أما الرجم واليقين للأخذ بما جاء عن طريق أخبار الآحاد. ولأن ذلك في رأيهم يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة، وهو غير جائز٣.

стр. 145

وما ذهبت إليه هذه الفرقة من الخوارج، دعوى واهية، فرجم الزاني المحصن قد ثبت وروده عن النبي ﷺ من طرق روايات كثيرة، كما أن القضايا التي تحكم فيها بالرجم من القضايا المشهورة، والتي ألزم فيها الرسول ﷺ من زنى وهو محصن عقوبة الرجم، مسلمًا كان أم كتابيا١. كما أن القول برجم الزاني المحصن، لا يترتب عليه نسخ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وإنما هو من باب التفصيل والبيان تخصيص الجلد بغير المحصن، وتخصيص القرآن بالسنة أمر جائز٢، بل إن هناك من أجاز نسخ القرآن

стр. 146

بالسنة، وإن كان الإمام الشافعي، والإمام أحمد، ومن تابعهما لا يرون ذلك١. وقد قال ابن المنذر عارض بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت على البكر بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله، كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه٢. وتصبح عقوبة الزاني المحصن هي الجلد والرجم، وعلى الأخذ بهذا لا يبقى وجه للقول بالنسخ الذي اعترضه الأزارقة. كما أن عمر بن عبد العزيز -رضي الله وتعالى عنه- الذين يعدهم

стр. 147

للجمهور من الخوارج كذلك -فبينوا أن عقوبة الرجم ثابتة بسنة رسول الله ﷺ ، ثم وصفوا الأزارقة الذين رأوا غير ذلك بالكفر، والخروج من الدين١، ٢. وجمهور الفقهاء، وإن اتفقت كلمتهم على التفرقة بين عقوبة المحصن، وعقوبة غيره إذا زنا، إلا أنهم لم يتفقوا فيما قبل من جلد الزاني المحصن قبل رجمه. فقد ذهب الظاهرية، والشيعة الزيدية كما ورد في رواية عن فقهاء الحنابلة أيضًا، إلا أن المحصن إذا زنى يجب أن يجلد مائة جلدة قبل أن يقام عليه حد الرجم.

стр. 148

واستدلوا لذلك بما روي عن رسول الله ﷺ من أنه قال: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ١. واستدلوا أيضًا بما روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- من أنه حين رجم المرأة التي زنت وهي محصنة، ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢. وقد روي عن عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما- رجمًا ولم يجلدا، وروي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: إذا اجتمع حدان لله تعالي منهما القتل، أحاط القتل بذلك٣.

стр. 149

وقد حاول البعض التوفيق بين ما ذكر من أقوال، فذهب إلى القول بأن الجلد من استحق الرجم غير واجب لا غير جائز١. والذي أميل إليه، وأرجحه هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم الجمع بين الرجم والجلد، وذلك؛ لأن الرجم هو العقوبة الأشد، وأنه محتم أن ينتهي بالموت فما فائدة الجلد حينئذ، إن كان للردع أو الزجر، فإن الرجم أشد ردعًا وزجرًا، وما دامت العقوبة قد فقدت ما وضعت له، وتحقق الهدف الذي يرجى من ورائها بعقوبة أشد منها، وضعها المشرع الحكيم، فلا داعي لها لاشتمال العقوبة الأشد عليها وزيادة. وما روي عن الإمام علي -رضي الله تعالى عنه- من الجمع بين الرجم، والجلد يمكن حمله على أن جلدها يوم الخميس؛ لأنه لم يكن يعلم إحصانها، أو لعدم ثبوت إحصانها، فلما علم ذلك، أو ثبت ندبه أقام عليها عقوبة المحصنة إذا زنت. الجلد والتغريب عقوبة غير المحصن: إذا ارتكب غير المحصن جناية الزنا، فإن عقوبة المتفق عليها عند الفقهاء هي ما جاءت بها الآية القرآنية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢.

стр. 150

فهذه الآية القرآنية الكريمة قد حددت عقوبة الزاني غير المحصن، التي لم يختلف أحد من الفقهاء فيها. وقد ورد في الحديث الشريف: "البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام" ١، كما ورد أيضًا أن رسول الله ﷺ قد حكم في قضية العسيف بالجلد مائة، وتغريب عام٢. من هذا يبين أن الزاني غير المحصن يعاقب بعقوبة التغريب بالإضافة إلى عقوبة الجلد. والفقهاء لم تتفق كلمتهم، فيما قالوه بالنسبة لعقوبة التغريب إذ إن فقهاء المالكية والشافعية، والحنابلة قد قالوا بوجوب عقوبة التغريب بالإضافة إلى عقوبة الجلد بالنسبة للزاني غير المحصن، أخذا بما جاء في الأحاديث النبوية المشرفة، ووافقهم فقهاء الشيعة٣، والمالكية وإن وافق قولهم ما قال به الشافعية والحنابلة، إلا أنهم يفرقون بين الذكر، والأنثى بالنسبة لوجوب عقوبة التغريب، فهم يوجبونها فقط على الزاني غير المحصن إذا كان ذكرًا، أما الأنثى إذا زنت وكانت غير محصنة، فإنهم لا يوجبون عليها التغريب بالإضافة

стр. 151

إلى العقوبة الأصلية، لما يخشى عليها في غربتها من التردي في مثل ما ارتكبت١. أما فقهاء الأحناف، فإنهم قد ذهبوا إلى أن التغريب غير واجب، وأن عقوبة الزاني غير المحصن هي الجلد فقط، ويمكن للإمام أن يحكم بتغريب الزاني غير المحصن إذا رأى في تغريبه مصلحة، بالقدر الذي يراه مناسبًا، على سبيل العقوبة التعزيرية٢. هذا ما ذهب إليه الفقهاء بالنسبة لعقوبة التغريب. وما أميل إليه، وأرجحه هو ما قال به فقهاء الأحناف. غير أنني أرى أن يحبس الجاني بدلًا من التغريب، وعلى الأخص في مثل ما نحن فيه الآن؛ لأن التغريب لن يؤدي إلى الهدف المرجو منه، بل قد يكون باعثًا على الفساد للانحراف؛ لأن المغرب سيجد نفسه في مكان لا يعرفه أحد فيه، وقد يدعوه ذلك للتمادي في مسلكه الذي غرب بسببه، وحينئذ يصبح تغريبه مفسدة له، ووبالًا على المجتمع. كما أرى أن الحبس بدلًا من التغريب لا يقتصر على الذكور فقط، وإنما يطبق أيضًا على النساء غير المحصنات إذا ارتكبن جريمة الزنا. مع ملاحظة أن يكون حبسهن في أماكن خاصة بهن.

стр. 152

ويحبسهن يصبحن غير محتاجات لمحرم، الأمر الذي ذهب المالكية إلى إسقاط عقوبة التغريب عنهم بسببه. عقوبة السرقة: العقوبة الحدية التي تجب على السارق بعد ثبوت جريمة السرقة عليه مع توافر ما وضعه الفقهاء من شروط هي القطع. والأصل في ذلك ما حكم الله حيث قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. هذه عقوبة السرقة التي نص عليها القرآن الكريم. والحديث عن هذه العقوبة يقتضي ذكر بعض ما يتصل بها، خصوصًا من حيث وجوبها على من وقعت منه جريمة السرقة للمرة الأولى، ثم بيان ما يقطع إذا تكررت هذه الجريمة. ١- القطع في السرقة: أورد أبو بكر الرازي، وابن حزم ما رواه البعض مما يقضي بعدم قطع السارق على سرقته الأولي، وإنما القطع على السارق العائد، والقائلون بهذا قد استشفوا مقالتهم مما جاء به القرآن الكريم، حين عبر عمن تجب عليه عقوبة السرقة الحدية، يقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ، يقول الشيخ أبو زهرة ناقلًا ما أورده أبو بكر الرازي: فجاء بعض الذين يبحثون، وقال: إن كلمة السارق وكلمة السارقة وصفان لا فعلان، والوصف لا يتحقق في الشخص إلا بالتكرار.

стр. 153

فلا يقول لمن ظهر منه الجود مرة أنه جواد، ولا من وقع منه الكذب مرة أنه كذاب، ولا للفاسق الذي لا يقول الحق، أو المنافق الذي يخفي لمن يتكرر منه فعلها حتى تكون اسمًا له، وعنوانًا يعرف به. وقد عضد هؤلاء رأيهم بأن الله ، قد ذكر عقب آية السرقة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وذكر التوبة الظلم ممن سرق لا يكون له محل في الظاهر، إلا إذا كان العقاب أن وقع، لذا فإن بعض الباحثين يرى أن التوبة تمنع القطع إذا وقعت قبله. ويعقب الشيخ أبو زهرة على هذا بقوله: وظاهر الآية يقرب من تفكيرهم. والتوبة النصوح لا تكون في الغالب ممن يتكرر منه الفعل، بل إنها تكون لمن يرتكب الفعل بجهالة٢. كما أورد ابن حزم ما استدل بمن يقول بعد القطع في السرقة الأولى من أن رسول الله ﷺ قد أتى بعبد قد سرق، فقيل: يا رسول الله هذا عبد سرق، وأخذت معه سرقته، وقامت البينة عليه. فقال رجل: يا رسول الله هذا عبد بني فلان، أيتام، وليس لهم مال غيره فتركه، قال: ثم أتي به الثانية سارقًا، ثم الثالثة، ثم الرابعة

стр. 154

كل ذلك يقول فيه كما قيل في الأول، ثم أتي به الخامسة، فقطع يده ثم أتي به السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم أتى به السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله. ويعلق راوي الحديث عليه بقوله: أربع بأربع، فأعفاه الله أربعا وعاقبه أربعًا١. كما يذكر الشيخ أبو زهرة مستدلًا لهذا الرأي ما روي من أن عمر -رضي الله تعالى عنه- لما أراد قطع يد شاب سرق، قالت له أم هذا الشاب: اعف عنه يا أمير المؤمنين، فإن هذه أول مرة فقال عمر لها: إن الله أرحم من أن يكشف ستر عبده لأول مرة. ثم يعقل الشيخ أبو زهرة على ذلك بقوله: ويظهر أن الإمام عمر ﵁ يرى أن القبض على السارق متلبسا، أو وجود شهود يشهدون، يدل على التكرار. والشيخ أبو زهرة وإن ذكر الآثار الواردة لم يكن فيها ما يشير إلى وجوب التكرار لإقامة الحد. إلا أنه يظهر اتجاهه إلى وجاهة هذا الرأي القائل القطع في السرقة الأولى بقوله: ونذكر هنا كلمة نهمس بها، وهي أن الحدود

стр. 155

غير مطبقة، فلا يصح أن نخالف الإجماع، ونوهن أقوالل الفقهاء في أمر غير مطبق١. والقضية هنا ليست هي فيما حاول به الشيخ أبو زهرة ستر رأيه، ورآه من أن الحدود غير مطبقة. وإنما القضية هل حل تقطع يد السارق في السرقة الأولى أم لا؟ والذي عليه الجمهور هو القطع في السرقة الأولى، استنادًا لما ورد من نصوص فهم منها جمهور فقهاء المسلمين وجوب القطع بالسرقة الأولى، والذي أميل إليه هو أن الخلاف هنا خلاف اعتمد فيه القول على أدلة معقولة ومقبولة، ومثل هذا يعد ضمن ما أطلق عليه الفقهاء شبهة الجهة، التي يترتب عليها إسقاط الحد. وسأذكر بيان ذلك عند الحديث عن الشبهات في الباب الأول من هذا البحث. ٢- آراء الفقهاء فيما يقطع إذا تكررت السرقة: ثم تتفق كلمة الفقهاء على ما يقطع في السرقة الثانية، وما بعدها، فمنهم من قال: لا يقطع شيء بعد قطع اليد اليمنى. ومنهم من قال: تقطع في السرقة الثانية الرجل اليسرى، ولا قطع بعد ذلك إذا سرق مرة ثالثة، فما فوق، وإنما يحبس حتى يتوب، ومن الفقهاء من قال: إن محل القطع هو اليدان فقط، ولا يقطع بعد ذلك. ومنهم من قال: تقطع يمناه ثم إن سرق تقطع رجله اليسرى، وفي الثالثة تقطع يده اليسرى، وفي الرابعة تقطع رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عذر.

стр. 156

ومن الفقهاء من يرى أن من يسرق بعد قطع يديه، ورجليه يجب قتله، وهذه هي مقالة كل ودليله. المقالة الأولى: ذهب عطاء فيما روى عنه إلى أن من يسرق بعد ذلك لم يقطع منه شيء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، ولو شاء أمر بالرجل، ولم يكن الله تعالى نسيًا١. المقالة الثانية: يرى ابن حزم ومن وافقه أن من قطعت يده في سرقة، ثم سرق ثانيًا قطعت يده الثانية، فالقطع لا يقع إلا على اليدين فقط، ولا تقطع الرجل، وهذا ما جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . كما روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- قولها: "لم تكن الأيدي على عهد رسوله الله ﷺ تقطع في الشيء التافه". كما روي في الأحاديث الشريفة: "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها، لا تقطع اليد إلى في ربع دينار فصاعدًا، لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده".

стр. 157

فالسنة الصحيحة، والآثار الثابتة بالإضافة إلى الآية الكريمة، فقد جاءت كلها بقطع الأيدي، ولم يأت فيها للرجل ذكر، وقد قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١. يقول ابن حزم: قد بينا أنه لم يصح عن رسول الله ﵌ في قطع رجل السارق شيء أصلًا، ولو صح لقنا به وما تعديناه. ورد ابن حزم على ما روي عن أقوال تفيد غير ما ذهب إليه بأن هذه الأقوال ليست بإجماع؛ لأن الإجماع عنده هو ما تيقن أن الصحابة، والفقهاء أولهم وآخرهم قد قال به، وعلموه جميعًا دون سكوت أحد منهم، ولا خلاف من أحد منهم. أما غير ذلك فليس بإجماع عنده، وعلى هذا فهو يرى أن ما جاء به القرآن الكريم، والسنة النبوية هو قطع اليد، ولا تقطع رجل، وهذا ما لا إشكال فيه عنده٢. المقالة الثالثة: ذهب فقهاء الأحناف إلى القول بأن من سرق تقطع يده اليمنى، فإن سرق بعد ذلك تقطع رجله اليسرى، فإن ثالثًا يقطع بل يعزر، ويخلد في السجن حتى يتوب أو يموت. واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة كثيرة منها ما روي عن على بن أبي طاب كرم الله وجهه أنه قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خبرا،

стр. 158

إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها. كما استدلوا أيضًا بما روي من أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- استشار أصحابه في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي. وأصحاب هذا الرأي يرون أن في قطع أكثر من يده، ورجله إهلاكًا للمقطوع، والحدود زواجر لا مهلكات؛ ولأن من يسرق بعد قطع يده، ورجله نادر الوجود، والحد لا يشرع إلا فيما يغلب. خبر لحقه. ولا يتعرض على ذلك بالقصاص؛ لأنه حق العبد فيستوفيه ما أمكن، ويقول الكاساني: إن في قطع يده اليسرى تفويتا لجنس منفعة من منافع النفس أصلًا وهي منفعة البطش؛ لأنها تفوت بقطع اليد اليسرى بعد اليمنى، فتصبر النفس في حق هذه المنفعة هالكه، فكان قطع اليد اليسرى إهلاك النفس من وجه؛ لأن الثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه، وإهلاك النفس من كل وجه، لا يصلح حدًا في السرقة، وهكذا إهلاك النفس من وجه١. المقالة الرابعة: ذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد ومن وافقهم أن السارق الذي قطعت يده اليمنى، ورجله اليسرى لو سرق بعد ذلك تقطع يده اليسرى. فإن سرق للمرة الرابعة تقطع رجله اليمنى.

стр. 159

فقد روى الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- بإسناده، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق، فاقطعوا رجله" ١. كما استبدل أصحاب هذا الرأي بما روي من أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل نزل على أبي بكر، فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقدًا لأسماء بنت عيسى امرأة أبي بكر، فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف الأقطع وشهد عليه، فأمر به أبو بكر، فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: لدعاؤه على نفسه أشد عليه من سرقته٢. وقد قال أصحاب هذا الرأي أن الحكمة في قطع اليد والرجل، أن السارق يعتمد في سرقته على البطش والمشي، والقطع من خلاف يفوت جنس المنفعة على السارق، كما في قطع الطريق، فتضعف حركته. ولأن السرقة مرتين تعدل الحرابة، ولما كان المحارب تقطع أولًا يده اليمنى، ورجله اليسرى، فإن عاد إلى الحرابة تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، فكذا في السرقة إن تعددت. كما أن أصحاب هذا الرأي يرون أن من قطعت أطرافه الأربعة، وسرق بعد قطعها، فإنه يعزر ولا يقتل.

стр. 160

وذلك؛ لأن القطع ثبت بالكتاب والسنة، ولم يثبت بعد ذلك شيء بالنسبة للسرق من قتل، أو غيره من العقوبات المحددة، لذا فإنه يعاقب بعقوبة تعزيرية منسبة لكونه أتى معصية من المعاصي١. المقالة الخامسة: وهي مقالة أبي مصعب الزهري المدني من أصحاب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه-، وروى ابن القدامة أنها مقالة عن عثمان، وعمرو بن العاص، وعمر بن عبد العزيز، وهي تتفق مع ما ذهب إليه الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والقول المشهور عند الإمام مالك من أن السرق إذا سرق بعد قطع يده اليمنى، تقطع رجله اليسرى، فإن سرق بعد ذلك تقطع يده اليسرى، ثم إن سرق للمرة الرابعة تقطع رجله اليمنى، فهي تتفق والمقالة الرابعة، غير أنها تزيد على المقالة الرابعة أن السارق إذا سرق بعد قطع يده ورجليه، وجب قتله وقد استدلوا لذلك بما رواه جابر -رضي الله تعالى عنه- من أنه جيء إلى النبي ﷺ بسارق، فقال: "اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جيء الثانية، فقال: اقتلوه، قالو: يا رسول الله إنما سرق. قال: اقطعوه فقطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: اقتلواه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: اقطعوه. ثم أتي به الرابعة، فقال: اقتلواه فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: اقطعوه ثم أتي به الخامسة، فقال: اقتلواه قال جابر: فانطلقنا، فقتلناه ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة" ٢.

стр. 161

هذا ما ذهب إليه الفقهاء في مقالاتهم عن عقوبة السرقة. وما أميل إليه، وأرجحه هو ما ذهب إليه الإمام علي -رضي الله تعالى عنه- من أنه لا يقطع إلا اليد اليمنى، فإن سرق ثانية قطعنا رجله اليسرى، فإن سرق بعد ذلك لا يقطع، وإنما يعزر ويسجن حتى يتوب، أو يموت وما ذكره الإمام علي من حجة أرى أنها حجة قوية، تتفق وما تهدف إليه الشريعة سواء من حيث العناية بالإنسان، أو من حيث معاقبته إذا سرق. ولا شك أن هذا الرأي يوائم بين الهدفين؛ لأنه يعاقب السارق بالعقوبة الرادعة الزاجرة، كما أنه يحميه من أن يصبح عالة عاجزًا عن العمل والتكسب. كما أن من لم يقلع عن هذه الفعلة القبيحة بعد قطع يده، ورجله لا علاج له إلا العزل عن المجتمع حماية له، وللمجتمع حتى يغير الله من أمره، ويقوم إعوجاجه، وما ذهب إليه من القول بقطع اليد، وعدم قطع شيء بعدها إذا سرق المقطوع مردود بما روى عن علي، وعمر وأصحابه ﵃ أجمعين. أما ما استدل به من رأى قطع الأعضاء الأربعة، فإن سنده مطعون فيه، وعلى هذا لا يصح أن يطون دليل عقوبة حدية، كما أن ما رد به ابن حزم من اشتراط كون الإجماع هو ما صوبه الجميع، وعملوا به دون سكوت من أحد منهم، ولا خلاف، فهو رد غير مقبول؛ لأنه لا يخفى أن كثيرًا من أصحاب الرسول ﷺ كانت لهم أعمال تشغلهم عن حضور مثل هذه الأمور، وما ذلك من ابن حزم إلا سعى للأخذ بما جاء به القرآن، ووافقته السنة، دون إضافة أو تفسير، كما هو اتجاه ابن حزم.

стр. 162

عقوبة الحرابة: بين الله عقوبة الحرابة١ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. وقد ذهب الفقهاء مذهبين، فيما للحاكم من حرية اختيار العقوبة هنا المذهب الأول، وبه قال الإمام أبو حنيفة، والشافعي، وأصحاب الإمام أحمد وغيرهم أن جرائم الحرابة لما كانت متعددة، فإن الله قد وضع لكل جريمة منها عقوبة من العقوبات، وعلى هذا فتكون الآية قد بينت نوعيات العقوبة. فكلمة "أو" التي وردت في الآيات الكريمة مقصود بها البيان، والتنويه المذهب الثاني، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب، ومجاهد والحسن والضحاك وغيرهم: أن كلمة "أو" للتخيير، فالإمام مخير في إنزال ما يراه مناسبًا من العقوبات التي تحدثت عنها الآية بمن ارتكب جناية من جنايات الحرابة، على ما هو ظاهر النص مطلقًا. وإن كان الإمام مالك قد فصل الرأي في ذلك بأن المحارب الذي لم يصدر منه قتل يندب للإمام أن ينظر في حاله، فمن كان له تدبير في الحروب، وفي الخلاص منها تعين له القتل لا القطع من خلاف؛ لأنه لا يدفع ضرورة، وإن كان المحارب من أهل البطش، والشجاعة، فيتعين قطعه من خلاف فإن لم يكن عنده تدبير، ولا بطش بل اتصف بغيرهما، أو وقعت منه الخرابة فلتة مخالفة حاله، وموافقة لغيره تعين له الضرب منه الحرابة، فله مخالفة لظاهر حالة، وموافقة لغيره تعين له الضرب

стр. 163

والنفي أي يضربه وينفيه، ثم إن الإمام هو الذي يعين ما يفعل بالمحارب من العقوبات الأربع المذكورة١. هذه نظرات إجمالية تقتضي البيان بذكر آراء الفقهاء، والعقوبة التي جعلوها قرينة كل من أفعال الحرابة. هذه الأفعال التي لا تخرج في جملتها عما يأتي: ١- إخافة السبيل دون أخذ مال أو قتل. ٢- إخافة السبيل وأخذ المال لا غير. ٣- إخافة السبيل والقتل دون أخذ المال. ٤- إخافة السبيل وأخذ المال والقتل. ولكل مذهب من المذاهب الفقهية رأيه حيال عقوبة كل فعل من هذه الأفعال، وسأحاول فيما يأتي ذكر ما يلقي الضوء على هذه الآراء. أولًا: عقوبة إخافة السبيل دون أخذ مال أو قتل يرى الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد أنه إذا خرج فرد، أو جماعة محاربين فقطعوا الطريق، ثم استطاع الإمام أخذهم قبل أن يحدثوا جناية أخرى من الجنايات التي يحدثها أمثالهم، فإن عقوبتهم حينئذ هي النفي. وقد قرر الإمام الشافعي، وبعض فقهاء الشيعة أن الإمام إذا علم

стр. 164

أن قومًا يخيفون الطريق، ولم يأخذوا مالًا، ولم يقتلوا نفسًا عزرهم بحبس وغيره، ويظل الحسب واقعًا بهم حتى تظهر توبتهم١. ويرى الإمام مالك وابن حزم، ومن وافقهما أن الإمام مخير في هؤلاء بين النفي، أو القطع أو القتل أو الصلب، وذلك طبقًا لما قالوا به من أن العقوبة هنا تخيير به يختار الإمام منها ما يناسب الحالة، ويؤدي إلى العلاج٢. وقد أطلق النفي إطلاقات عدة منها أن المراد بالنفي الطرد من دار الإسلام، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم. وروي عن ابن عباس أن المراد بنفي هؤلاء طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود الله. وقال ابن سريج: نفيهم حبسهم في بلد غير بلدهم، وهذا ما قال به الإمام مالك؛ لأن إخراجهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق، ويؤذون به الناس لا يفي بالغرض الذي تهدف إليه عقوبتهم. وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفية من بلد إلى بلد فيؤذيهم، وهذا هو الرأي] ؛ لأن تركهم بعد نفيهم فيح حث لهم على

стр. 165

مواصلة جرائهم، كما أن نقلهم من بلد إلى أخرى لحبسهم هناك، لا طائل من ورائه، ما دام حبسهم في البلد الذي أخذوا فيه سيحقق الهدف من العقوبة. وقد ذكر ابن القيم أن نفيهم يحتمل أن يكون مدة عام كالنفي في الزنا، أو يكون حتى تظهر توبتهم١. والذي أرجحه هو أن لا يقتصر في النقل على عام، وإنما يظل النفي حتى تظهر توبتهم، ولا مجال لقياس النفي هنا في جريمة الزنا، لاختلاف ما يقصد من وراء النفي في كل. ثانيًا: عقوبة إخافة السبيل، وأخذ المال إذا قطع المحاربون السبيل على المارة، وأخذوا مالًا -على التفصيل الذي أورده الفقهاء، فيما يطقع به من المال- فإن الإمام أبا حنيفة والشافعي، وابن حنبل وبعض الشيعة يرون قطع المحاربين من خلاف، فتقطع يد كل منهم اليمنى، ورجله اليسرى. وقد فصل الفقهاء القول في ذلك، وفي حالة ما إذا كانت إحدى يديه، أو رجله أو كلاهما مقطوعة أو شلاء٢.

стр. 166

أما قطع يد المحارب فللسرقة، وأما قطع رجله للحرابة وإخافة السبيل، وهي الحالة التي صاحبت السرقة، وتمت السرقة في ظلها وتحت وطأتها، تغليظ للعقوبة لتناسب الجناية١. وقد ذهب الإمام مالك وابن حزم، ومن وافقهما إلى القول بأن الإمام مخير ينزل بالمحاربين العقوبة التي يراها مناسبة من بين العقوبات التي تحدث عنها الآية الكريمة٢.

стр. 167

ثالثًا: عقوبة إخاقة السبيل والقتل دون أخذ مال إذا قتل قطاع الطريق ولم يأخذوا مالًا، فإن الإمام أبا حنيفة والشافعي وغيرهما، ورواية عن الإمام أحمد، أن الإمام في هذه الحالة يجب عليه قتلهم حتعى وإن عفا أولياء الدم، فإن عفوهم لا يقبل؛ لأن الحد هنا خالص لله تعالى، ولا يسمع فيه عفو غيره. وقد جاءت رواية عن الإمام أحمد أن المحاربين هنا يصلبون بعد قتلهم، كالذين أخذوا المال. وقد روى ابن قدامة هذه الرواية مستدلًا بالخبر المروي في مثل هؤلاء، والذي جاء فيه: "ومن قتل ولما يأخذ المال قتل ولم يذكر صلبًا". ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده، فيجب أن تكون عقوبتهم أغلظ، ولو شرع الصلب هنا لاستويا، والحكم في تحتم القتل وكونه حدا ههنا، كالحكم فيه إذا قتل وأخذ المال١. والإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- قد ذهب إلى أن الإمام مخير في هذه الحالة بين شيئين فقط. أحدهما قتلهم فقط، وثانيهما صلبهم ثم قتلهم، ولا خيار للإمام في هذه الحالة غير هاتين الحالتين٢.

стр. 168

رابعًا: عقوبة إخافة السبيل، وأخذ المال والقتل معًا أما الظاهرية فهم على رأيهم بأن الإمام مخير في كل الحالات يختار ما يناسب من العقوبة، بشرط ألا يجمع على المحارب عقوبتين من العقوبات التي ذكرتها الآية الكريمة١. إذا أخذ المحاربون المال، وقتلوا فالإمام أبو حنيفة يرى أن ولي الأمر بالخيار في أن يقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف ثم يقتلهم ويسلبهم، أو يقتلهم فقط دون صلب أو قطع، وله أيضًا صلبهم أحياء ثم قتلهم. واشترط أبو يوسف الصلب للنص عليه. ورأي محمد بن الحسن أن للإمام قتلهم وصلبهم، وليس له قطعهم، وقد وافق رأي محمد بن الحسن كل من الإمام الشافعي والإمام أحمد، والشيعة الزيدية٢.

стр. 169

أما فقهاء الشيعة الجعفرية فإنهم يرون، أن على الإمام أن يقطع اليد اليمنى للمحاربين الذين أخذوا المال وقتلوا، ثم يدفعهم إلى أولياء المقتول، فيتبعونهم بالمال، ثم يقتلونهم وإن عفا عنهم أولياء المقتول كان على الإمام قتل المحاربين. ولا يجوز لأولياء المقتول أن يأخذوا من المحاربين الدية، ويتركوهم١. وقد أثار ابن قدامة مسألة التكافؤ بين القاتل والمتقول، وبين أنه قد ورد فيها روايتان: إحداهما: لا يعتبر التكافؤ وعلى هذا يقتل المسلم بالذمي، والأب بالابن وذلك؛ لأن القتل حد لله تعالى، فلا تعتبر فيه المكافأة. الثانية: تعتبر المكافأة لما ورد من أنه لا يقتل مسلم: بكافر والحد فيه انحتامه٢، بدليل أنه لو تاب قبل القدرة عليه سقط انحتامه، ولم يسقط القصاص. فعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذميًا، أو الحر عبد وأخذ ماله، قطعت يده ورجله من خلاف لأخذه المال، وغرم دية الذمي، وقيمة العبد، وإن قتله ولم يأخذ مالًا غرم دينه ونفي، وذكر القاضي: إنه يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال، وإن قتله لغير ذلك من عداوة مثلًا كانت بينهما، فالواجب القصاص٣.

стр. 170

والذي أميل إليه أن المحارب الذي قطع الطريق، وقتل المارة تجب معاقبته بالقتل حدا لا قصاصًا بصرف النظر عما قيل من تكافؤ، سواء صاحب القتل أخذ مال أم لم يصاحبه. لأن اشتراط أخذ المال لإيجاب القتل حدا على المحارب الذي وقع منه القتل اشتراط في غير محله. لجواز أن المحارب قتل بهدف أخذ المال، ثم بعد أن نفذ القتل لم يجد مع المقتول مالًا. فكيف ترتب على عدم وجود المال مع المقتول حينئذ تغاير العقوبة من القتل حدا إلى القتل قصاصًا. وكذا من قتل حال حرابته شخصًا، ثم ادعى أنه قتله لعداوة بينهما، فإن ما ادعاه حتى ولو كان صحيحًا لا يجوز أن يعد مبررًا؛ لأن تغاير بين عقوبته وجعلها القتل قصاصًا بعد أن كانت القتل حدًا. لأنه لا يخفى ما في ذلك من فتح باب الهروب من العقوبة بدفع الدية، الأمر الذي يغري المحاربين بارتكاب عديد من جنايتهم، وقتلهم للأبرياء. والأولى بهم إن كانوا يبحثون عن باب للنجاة الحقة، هو أن يتوبوا ويبادروا بالعودة إلى الله؛ لأن في ذلالك نجاة حقيقية لهم في الدنيا والآخرة. هذا ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه القائل بالترتيب. أما الإمام مالك، وابن حزم، ومن ذهب معهم إلى القول بالتخيير فهم هنا، وفي حالة القتل، ولإخافة السبيل دون أخذ مال، قد حكموا على

стр. 171

المحاربين بعقوبة متوافقة، من صلب وقتل عند الإمام مالك، ومن تطبيق عقوبة واحدة عند ابن حزم. والذي أرجحه في كل ما سبق هو أن الإمام ملزمًا بالترتيب، وليس به اختيار العقوبة حسب ما يرى ويرغب؛ لأن عقوبات الحدود من سماتها، أن الشارع الحكيم قد حددها تحديدًا دقيقًا، ولم يبق لولي الأمر إلا إثبات الجناية فقط، والقول بالتخيير يتعارض مع هذا، كما أنه يفتح باب المجاملة ومراعاة الأشخاص، الأمر الذي كم عانت منه النظم الوضعية، والذي نهى عنه الرسول ﷺ . عقوبة شرب الخمر: اتفق الفقهاء على تحريم شرب الخمر١، ووجوب عقاب شاربها، وأن عقوبته هي الجلد، ولكنهم لم يتفقوا على مقدار هذه العقوبة، فقد حددها فقهاء الأحناف، والمالكية، والغالب عن الحنابلة ثمانين جلدة. أما فقهاء الشافعية، والظاهرية، ومن وافقهم من الشيعة، وما جاء في رواية عن الإمام أحمد، فإنهم ذهبوا إلى أن حد شرب الخمر أربعون جلدة. واستدل كل لرأيه بأدلة. أولًا: ما استدل به القائلون بأنها ثمانون جلدة: ١- لما أتى رسول الله ﷺ بشارب خمر، وكان عنده ﷺ أربعون رجلًا أمرهم أن يضربوه، فضربه كل رجل منهم بنعليه، فكان ذلك في معنى ثمانين جلدة٢.

стр. 172

٢- سأل خالد بن الوليد أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه- حين انهمك من عنده في شرب الخمر وتحاقروا العقوبة، فاستشار عمر -رضي الله تعالى عنه- أصحابه، ومنهم المهاجرون والأنصار، فأجمعوا على أن يضرب الشارب ثمانين، وقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد، وأبي عبيدة بالشام١. ٣- روي أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- قال: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة٢. أما ما استدل به القائلون بأن عقوبة شارب الخمر أربعون، فهو ما يأتي: ١- روى أنس أن رسول الله ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر، فضربه بالنعال نحوا من أربعين٣. ٢- ما روي من أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- جلد الشارب أربعين ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر أربعين، وكل سنة وهذا أحب إلي٤.

стр. 173

هذا جانب من أقوال الفقهاء في عقوبة شارب الخمر. كما روي أيضًا عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ "ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين". وروي عن السائب بن يزيد قوله: كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وأمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا، وأرديتنا حتى كان آخر أمره عمر، فجلد أربعين حتى إذا عفوا أو فسقوا جلد ثمانين١. من هذا كله، وما ماثله يبين أن القرآن لم يات بنص يبين مقدار العقوبة، وأن رسول الله ﷺ لم يحدد مقدار عقوبة شارب الخمر، وأنه كان يأمر بضرب شارب الخمر دون أن يحدد للضاربين عددًا مبينًا. ولهذا فإن الصحابة الأطهار لم يتفقوا على مقدار معين، وإنما؛ لأنهم فهموا أن المقصود ردع الشاربين وزجرهم، اجتهدوا في تقدير ما يحقق ذلك، فقدر أبو بكر العقوبة بأربعين جلدة، وتبعه في ذلك أمير المؤمنين عمر في أول خلافته، فلما تحاقر المجرمون هذه العقوبة ردها أمير المؤمنين بمشورة أصحابه إلى ثمانين. بل إن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لم يقرر أربعين جلدة، إلا بعد أن يسأل أصحابه، وإذا كان أبو بكر، وهو صاحب الرسول

стр. 174

ورفيقه لا يعلم لهذه العقوبة مقدار معينًا قد ورد عن الرسول ﷺ ، وإذا كان عمر -رضي الله تعالى عنه لا يعلم أيضًا مقدارًا معينا قد ورد عن الرسول في ذلك، وإذا كان علي -رضي الله تعالى عنه- قد لجأ إلى القياس لاستخراج مقدار معين للعقوبة، فجعلها تساوي عقوبة الافتراء، إذا كان ذلك كله قد وقع، فلا أدل منه على أن عقوبة شرب الخمر عقوبة تعزيرية يترك تقدير عدد الجلدات فيها لولي الأمر، حسب ظروف الأمة، وأحوال الرعية أما ما استدل به القائلون بأن عقوبة شرب الخمر عقوبة حدية مقدرة من لدن رسول الله ﷺ ؛ لأنه ضرب في شرب الخمر أربعين، وأن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه قد تابع رسول الله ﷺ في ذلك، وكذلك عمر في أول ولايته، وقال هؤلاء: لو كانت عقوبة شرب الخمر تعزيرية من أول أمرها لما كتب خالد إلى عمر -رضي الله تعالى عنهما يستشيره، ويأخذ رأيه في زيادة العقوبة لما شاعت هذه الجريمة، وتحافر الناس عقوبتها١. وما استدل به هؤلاء هو نفسه يرد عليهم، ويدرأ مقالتهم وذلك؛ لأن الرسول ﷺ ، وإن كان قد ضرب بعض شاربي الخمر أربعين، فإنه أيضًا قد ورد عنه لما أتى بشارب وهو بحنين، حثا في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم: "ارفعوا" فرفعوا. فهو ﵊، هنا تركهم يضربون الشرب حتى وجد أن فيما ضرب كفاية لزجره، وردعه هو أو أمثاله. ومن هنا، فإن الصحابة الأجلاء لم يعرفوا لهذه العقوبة حدا معينًا.

стр. 175

ولو عرفوا لما استطاع أحد منهم أن يخالف ذلك الحد، ولما سأل أبو بكر، ولكان هذا الحد قد عرف، واشتهر كباقي الحدود، ولما كان باستطاعة عمر أن يزيد، ولا لعلي أن يقبس؛ لأن عقوبات الحدود لا تثبت بالقياس. أما سؤال خالد لأمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنهما-، فإنه لا يصلح دليلًا على كونها عقوبة محددة. فخالد قد سأل؛ لأن عمر حدد له مقدارًا معينا، فكيف لخالد أن يخالفه، فلا بد له من مشورة عمر ورأيه. كما أن العقوبة التعزيرية إن كانت تقدر بأمر من ولي الأمر، فإن خالد لا بد وأن يسأل عمر ليقدر عمر له، وإن كان أمرها متروكًا للقاضي، فإن سؤال خالد يكون من باب الاستئناس برأي أمير المؤمنين، ولا يؤخذ ذلك على أنها عقوبة حدية لسؤال خالد أمير المؤمنين. ولأنه قد روي عن علي بن أبي طالب "أن رسول الله ﷺ لم يسن في ذلك سنة"١، وليس أصرح من هذا في أن عقوبة شارب الخمر عقوبة تعزيرية، وليست عقوبة حدية. هل يقتل شارب الخمر في المرة الرابعة: ذهب ابن حزم إلى أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة مروية، عن طريق معاوية بن أبي

стр. 176

سفيان، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهما، جاء فيها: أن النبي ﷺ قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم". وقال أيضًا: "إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه" ١. يقول ابن حزم معلقًا على ذلك: فكانت الرواية في ذلك عن معاوية، وأبي هريرة ثابتة تقوم بها الحجة ... وقد صح أمر النبي ﷺ بقتل الشارب في المرة الرابعة ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به -ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ -٢. أما جمهور الفقهاء، فقد ذهبوا إلى أن هذا منسوخ، واستدلوا لذلك بما رواه الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن شرب الخمر فاجلوده، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثالثة فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده، ووضع القتل فكانت رخصة"، ثم يقول الإمام الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته٣.

стр. 177

والواقع يشهد لما قال به الإمام الشافعي من أن ذلك نسخ ما جاء، فيما رواه معاوية؛ لأن الحديث اللاحق ينسخ ما سبق، وقد كان ذلك الذي رواه الإمام الشافعي بعد الفتح متأخرًا عما رواه معاوية الذي أسلم قبل الفتح١. كما أن رسول الله ﷺ لم يقتل شاربًا للمرة الرابعة، ولو كان فعل ذلك لاشتهر عنه، لكنه له يعرف، كما لم يقل به أحد من الصحابة الأجلاء، حتى زمن تفشي هذه الجريمة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه-، الأمر الذي دعاه لاستشارة الصحابة، فأشاروا عليه برفع العقوبة إلى ثمانين جلدة، ولم يشر عليه أحد بقتل الشارب للمرة الرابعة. هذا ما أميل إليه وأرجحه، ويمكن لولي الأمر حبس مدمن الخمر إذا رأى في ذلك علاجًا له خصوصًا، وقد أنهيت إلى أن العقوبة هنا كلها عقوبة تعزيرية. عقوبة القذف: حدد الله عقوبة القذف٢ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.

стр. 178

فهذا النص القرآني الكريم قد اشتمل على عقوبتين للقذف. إحداهما عقوبة أصلية وهي الجلد، والثانية عقوبة تبعية وهي عدم قبول الشهادة. العقوبة الأولى: حدد الله عقوبة القذف بثمانين جلدة١. وللفقهاء آراء في إمكان إسقاط هذه العقوبة بعفو المجني عليه، وهم يربطون بين ذلك، وبين اشتراط مطالبة المقذوف، وقيامه برفع الدعوى أمام القاضي. فقهاء الشافعية، والحنابلة يرون أن عقوبة القذف حق للآدمي، ومن ثم فلا بد من مطالبته بها، وإقامة الدعوى منه على الجاني، كما أنهم جعلوا له حق إسقاط العقوبة بعفوه عن الجاني؛ لأنه لما كانت هذه العقوبة لا تستوفى إلا بعد مطالبته بها، فإنها تسقط بعفوه كالقصاص. كما أنها لا تقام بقذف الوالد ولده، وإن نزل، وقد وافقهم في ذلك أبو يوسف، فأسقطها بعفو المجني عليه٢. أما جمهور فقهاء الأحناف والظاهرية، فإنهم يرون أن عقوبة القذف حق لله تعالى؛ لأن الفائدة تعود من إقامتها إلى المجتمع كله.

стр. 179

ويتحقق بها صيانة سمعة الأفراد، وحفظ أنسابهم، وما كان نفعه عامًا اعتبر الحق فيه لله سبحانه وتعالى١. أما فقهاء المالكية، فإنهم يفرقون بين العقوبة قبل رفع الدعوى للقاضي، وبينهما بعد رفع الدعوى. فالعقوبة عندهم حق للآدمي طالما يرفع الدعوى للقاضي، فإذا قام برفع الدعوى، فإن العقوبة حينئذ تصبح حقًا لله . فلا تسقط بعفوا المجني عليه. كما ذهب فقهاء المالكية إلى أن الحد لا يجب للولد على ابنه، وهذا هو الراجح، وذكر بعضهم أنه إذا طالب الابن حد الأب، وعد الابن فاسقا، هذا رأي عند المالكية، وإن كانت المعتمد عندهم أنه لا حد على الأب لو صرح لولده. كما يرون أن من قذف كافرًا أو عبدًا، فلا حد له عليه ما لم يكن أبوا الرقيق حرين مسلمين٢. من هذا يبين أن من الفقهاء من جعل عقوبة القذف حقا للآدمي، وأسقطها بعفوه عن الجاني. ومنهم من جعلها حقا لله، فلم يسقطها بعفو المجني عليه. ومنهم من فصل القول، وفرق بينهما قبل رفع الدعوى وبعدها. وهذا الخلاف أساسه ما ذهب إليه بعضهم من اشتراط مطالبة المقذوف، وإقامته للدعوى.

стр. 180

والذي أميل إليه وأرجحه، أن الأعتداء هنا قد وقع على حقين حق لله ، وهو ما يمس المجتمع وسمعة الأفراد، وحق للعبد وهو ما تعرض له شرفه ونسبه عن ضرر، وأذى غير أن حق العبد هنا هو الحق الغالب، وعليه فلا بد من مطالبته بحقه، وإقامته للدعوى، مادام قادرًا على ذلك، فإذا لم يطالب بحقه ولم يقم الدعوى، ويثبت الجناية عند القاضي، وأمكن القاضي أن يلزم الجاني بعقوبة تعزيرية مناسبة، ولا يلزمه بالعقوبة الحدية لعدم مطالبة المجني عليه التي تحتمل معها الشبهة. أما إذا أقام المجني عليه الدعوى، وثبتت الجناية، فإن الحق هنا أصبح حقا لله ، ولا يسقط بعفو المجني عليه. كما أن قذف الوالد لولده لم تلزم به العقوبة الحدية، إلا أن للقاضي أن يقيم على الوالد عقوبة تعزيرية مناسبة لتعريضه للضرر. عقوبة الردة: يرى جمهور الفقهاء أن من ارتد من المسلمين يجب قتله أن لم يعد إلى الإسلام بعد عرضه عليه، عملًا يقول الرسول ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ١. والمراد من بدل دين الإسلام الذي اعتنقه، وخرج منه إلى دين الكفر وجب قتله.
следующие страницы →