سفيان، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهما، جاء فيها: أن النبي ﷺ قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم".
وقال أيضًا: "إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه" ١.
يقول ابن حزم معلقًا على ذلك: فكانت الرواية في ذلك عن معاوية، وأبي هريرة ثابتة تقوم بها الحجة ... وقد صح أمر النبي ﷺ بقتل الشارب في المرة الرابعة ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به -ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ -٢.
أما جمهور الفقهاء، فقد ذهبوا إلى أن هذا منسوخ، واستدلوا لذلك بما رواه الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن شرب الخمر فاجلوده، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثالثة فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده، ووضع القتل فكانت رخصة"، ثم يقول الإمام الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته٣.
стр. 177
والواقع يشهد لما قال به الإمام الشافعي من أن ذلك نسخ ما جاء، فيما رواه معاوية؛ لأن الحديث اللاحق ينسخ ما سبق، وقد كان ذلك الذي رواه الإمام الشافعي بعد الفتح متأخرًا عما رواه معاوية الذي أسلم قبل الفتح١.
كما أن رسول الله ﷺ لم يقتل شاربًا للمرة الرابعة، ولو كان فعل ذلك لاشتهر عنه، لكنه له يعرف، كما لم يقل به أحد من الصحابة الأجلاء، حتى زمن تفشي هذه الجريمة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه-، الأمر الذي دعاه لاستشارة الصحابة، فأشاروا عليه برفع العقوبة إلى ثمانين جلدة، ولم يشر عليه أحد بقتل الشارب للمرة الرابعة.
هذا ما أميل إليه وأرجحه، ويمكن لولي الأمر حبس مدمن الخمر إذا رأى في ذلك علاجًا له خصوصًا، وقد أنهيت إلى أن العقوبة هنا كلها عقوبة تعزيرية.
عقوبة القذف:
حدد الله عقوبة القذف٢ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
стр. 178
فهذا النص القرآني الكريم قد اشتمل على عقوبتين للقذف.
إحداهما عقوبة أصلية وهي الجلد، والثانية عقوبة تبعية وهي عدم قبول الشهادة.
العقوبة الأولى:
حدد الله عقوبة القذف بثمانين جلدة١.
وللفقهاء آراء في إمكان إسقاط هذه العقوبة بعفو المجني عليه، وهم يربطون بين ذلك، وبين اشتراط مطالبة المقذوف، وقيامه برفع الدعوى أمام القاضي.
فقهاء الشافعية، والحنابلة يرون أن عقوبة القذف حق للآدمي، ومن ثم فلا بد من مطالبته بها، وإقامة الدعوى منه على الجاني، كما أنهم جعلوا له حق إسقاط العقوبة بعفوه عن الجاني؛ لأنه لما كانت هذه العقوبة لا تستوفى إلا بعد مطالبته بها، فإنها تسقط بعفوه كالقصاص.
كما أنها لا تقام بقذف الوالد ولده، وإن نزل، وقد وافقهم في ذلك أبو يوسف، فأسقطها بعفو المجني عليه٢.
أما جمهور فقهاء الأحناف والظاهرية، فإنهم يرون أن عقوبة القذف حق لله تعالى؛ لأن الفائدة تعود من إقامتها إلى المجتمع كله.
стр. 179
ويتحقق بها صيانة سمعة الأفراد، وحفظ أنسابهم، وما كان نفعه عامًا اعتبر الحق فيه لله سبحانه وتعالى١.
أما فقهاء المالكية، فإنهم يفرقون بين العقوبة قبل رفع الدعوى للقاضي، وبينهما بعد رفع الدعوى.
فالعقوبة عندهم حق للآدمي طالما يرفع الدعوى للقاضي، فإذا قام برفع الدعوى، فإن العقوبة حينئذ تصبح حقًا لله .
فلا تسقط بعفوا المجني عليه.
كما ذهب فقهاء المالكية إلى أن الحد لا يجب للولد على ابنه، وهذا هو الراجح، وذكر بعضهم أنه إذا طالب الابن حد الأب، وعد الابن فاسقا، هذا رأي عند المالكية، وإن كانت المعتمد عندهم أنه لا حد على الأب لو صرح لولده.
كما يرون أن من قذف كافرًا أو عبدًا، فلا حد له عليه ما لم يكن أبوا الرقيق حرين مسلمين٢.
من هذا يبين أن من الفقهاء من جعل عقوبة القذف حقا للآدمي، وأسقطها بعفوه عن الجاني.
ومنهم من جعلها حقا لله، فلم يسقطها بعفو المجني عليه.
ومنهم من فصل القول، وفرق بينهما قبل رفع الدعوى وبعدها.
وهذا الخلاف أساسه ما ذهب إليه بعضهم من اشتراط مطالبة المقذوف، وإقامته للدعوى.
стр. 180
والذي أميل إليه وأرجحه، أن الأعتداء هنا قد وقع على حقين حق لله ، وهو ما يمس المجتمع وسمعة الأفراد، وحق للعبد وهو ما تعرض له شرفه ونسبه عن ضرر، وأذى غير أن حق العبد هنا هو الحق الغالب، وعليه فلا بد من مطالبته بحقه، وإقامته للدعوى، مادام قادرًا على ذلك، فإذا لم يطالب بحقه ولم يقم الدعوى، ويثبت الجناية عند القاضي، وأمكن القاضي أن يلزم الجاني بعقوبة تعزيرية مناسبة، ولا يلزمه بالعقوبة الحدية لعدم مطالبة المجني عليه التي تحتمل معها الشبهة.
أما إذا أقام المجني عليه الدعوى، وثبتت الجناية، فإن الحق هنا أصبح حقا لله ، ولا يسقط بعفو المجني عليه.
كما أن قذف الوالد لولده لم تلزم به العقوبة الحدية، إلا أن للقاضي أن يقيم على الوالد عقوبة تعزيرية مناسبة لتعريضه للضرر.
عقوبة الردة:
يرى جمهور الفقهاء أن من ارتد من المسلمين يجب قتله أن لم يعد إلى الإسلام بعد عرضه عليه، عملًا يقول الرسول ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ١.
والمراد من بدل دين الإسلام الذي اعتنقه، وخرج منه إلى دين الكفر وجب قتله.
стр. 181
ولا يجوز الاعتراض بأن الحديث على عمومه، فيشمل كل دين.
لأن الدين الذي ورد في الحديث هو الإسلام؛ لأن الله بين: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلام﴾ ١.
كما أن الكفر ملة واحدة، فقد بين ذلك الإمام مالك بقوله: لم يعن بذلك فيما نرى والله أعلم، من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ولا من النصراية إلى اليهودية، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها، إلا الإسلام.
فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فذلك الذي عني به، والله أعلم٢، هذا ما ذهب إليه الجمهور من أن من خرج من الإسلام إلى غيره، وجب قتله رجلًا كان أو امرأة.
وإن كان الإمام أبو حنيفة، وبعض فقهاء الشيعة لا يرون قتل المرأة إذا ارتدت: وقالوا بأنها تجبر على الإسلام بأن تحبس، ثم يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت كان بها، وإلا ظلت في حبسها حتى تموت.
واعتمدوا في ذلك على ما روي من أن رسول الله ﷺ قد نهى عن قتل المرأة الكافرة، فإذا كانت المرأة لا تقبل بالكفر الأصلي، فالأولى لا تقتل بالكفر الطارئ.
وقد ورد الفقهاء على ذلك بأن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها النبي ﷺ ، فأمر أن تستتاب
стр. 182
فإن تابت وإلا قتلت؛ ولأنها شخص مكلف بدل دينه، فتقتل كالرجل١.
أما نبي الله ﷺ عن قتل المرأة الكافرة، فالمراد بها الكافرة الأصلية؛ لأن رسول الله ﷺ قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، ولذا فإنه ﷺ قد نهى الذين بعثهم للدفاع عن الإسلام -عن قتل النساء، ولم يكن فيهم مرتدة، كما نهى عن قتل الأطفال والشيوخ.
ويخالف الكفر الأصلي الكفر الطارئ، بدليل أن الرجل يقر على كفره الأصلي، والإسلام قد نهى عن قتل أهل الصوامع، والشيوخ، والمكافيف عند فتحه لبلاد الكفر٢.
وذهب النخعي إلى أن المرتد يستتاب أبدًا رجلًا كان أو امرأة، ووافقه في ذلك غير من تحدث عنهم ابن حزم، وأورد مقالتهم دليلهم رواه الشعبي، عن أنس بن مالك: أنا أبا موسى الأشعري قتل جحينه الكذاب وأصحابه، قال أنس: فقدم على عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، وهل كان سبيل إلا القتل؟. فقال عمر: لو أتيت بهم لعرضت عليهم الإسلام، فإن تابوا وإلا استودعتهم السجن، وقد رد ابن حزم هذا القول؛ لأنه لو صح في رأيه لبطل الجهاد جملة؛ لأن الدعاء يلزم أبدًا مكررًا بلا نهاية، وهو يرى أن مثل هذا القول لا يقول به مسلم٣.
стр. 183
هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في عقوبة الردة، وقد أورد الشيخ شلتوت والدكتور العوا أقوالًا حولا ما استدل به الجمهور من حديث: "من بدل دينه فاقتلوه"، وأنه حديث أحاد، وحديث الأحاد لا يثبت به حد، وعليه فإن عقوبة الردة ليست عقوبة حدية، وإنما هي عقوبة تعزيرية يستطيع الإمام أن يصل بها إلى حد القتل، كما أن له قتل شارب الخمر في المرة الرابعة١.
كما أن الدكتور العوا يرى صرف الأمر في حديث: "من بدل دينه، فاقتلوه" من الوجوب إلى الإباحة، واستدل لذلك بأدلة كثيرة أهمها ما رواه البخاري، ومسلم من أن أعرابيًا بايع رسول الله ﷺ ، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى رسول الله ﷺ ثم جاءه، فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ : "إنما المدينة تنفي خبثها، وينصع طيبها"، وقد ذكر الحافظ ابن حجر، والإمام النووي نقلًا من القاضي أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله ﷺ -٢.
وقد حاول من ساق هذا الحديث الاستدلال به على أن هذه حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله ﷺ الرجل، ولا أمر بعقابه بل ترك يخرج من المدينة دون أن يتعرض له أحد.
стр. 184
وليس لمن أورد هذا الحديث أن يستدل به على ذلك.
لأن من روى الحديث لم يورد أن إشارة تدل على أن الرسول ﷺ ، لم يأمر بعقاب هذا الرجل، أو لم يتعرض له.
فكيف استخلص ذلك، وهو أمر لا يجوز استنتاجه من غير دليل صريح؟.
كما أن من قال: إن الرجل كان يطلب إقالته من الإسلام لم يذكر أن رسول الله ﷺ ناقش الرجل، أو استتابه أو نظر فيما دعاه إلى الرجوع عن الإسلام، وهو أمر لا يجوز من أحد خصوصًا رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، وإلا كنا غير مطالبين باستتابة المرتد، ومناقشته- وهو ما لم يقل به أحد، ثم إن الحديث جاء فيه أن الرجل أصابه وعك بالمدينة، فهو إذا طلب الخروج من المدينة لعدم احتماله جوها، مثلًا بدليل ما أصابه من وعك، وليس طلب الخروج، والإقالة نتجا عن ارتداده عن الدين؛ لأن من يرتد لا يأتي يستأذن الرسول عله يقيله من دينه خصوصًا، وأنه لن يعاقب على حد قول هؤلاء، هذا أمر بعيد الاحتمال، ولا يدل عليه الحديث، وليس في ذلك العقاب على الرده بالقتل إكراه على الدخول في الإسلام؛ لأنه لا يعاقب بها إلا من كان مسلمًا، وأراد أن يهزا بالإسلام، وفرق كبير بين الحالين، هذا ما أرجحه واختاره.
стр. 185
سمات تمتاز بها العقوبة الحدية:
تمتاز العقوبات الحدية عن غيرها من باقي العقوبات التي تقررها الشريعة الإسلامية، سواء أكانت عقوبات قصاص أو تعزير، نص عليها المشرع الحكيم، أو حددها ولي الأمر.
فعقوبات القصاص، وإن كان الشارع هو الذي وضعها، وبين حدودها إلا أنها حق للعباد يمكنهم التنازل عنها في أي مرحلة من مراحل إقامة الدعوى، أو بعد الحكم بها.
كما أن العقوبات التعزيرية التي يقررها الحاكم، وإن وضع لها حدا ما إلا أنه حد مرن إذ يمكن للقاضي أن يختار العقوبة المناسبة للواقعة التي ينظرها، ومن بين ما وضعها ولي الأمر، سواء أكان ذلك هو حد العقوبة التعزيرية الأعلى، أو الأدنى أو ما بينهما.
وقد لا يخلو الأمر عند القانونين أحيانًا من النزول عن الحد الأدنى للعقوبة المحددة قانونًا بتطبيق مواد قانونية تبيح للقاضي ذلك، وتلزمه في حالات معينة النزول عن الحد الأدنى المحدد قانونًا للعقوبة١.
ومن أهم ما تتميز به العقوبات الحدية ما يأتي:
стр. 186
أولًا: المشرع الحكيم هو الذي حددها، وبين نوعها ومقدارها، ولم يدع لغيره -حاكما كان أو محكومًا، قاضيا كان أم مقضيا عليه- أن يمس مقدارها بالزيادة أو النقصان، التغيير أو التبديل، أو الإسقاط عمن وجبت عليه، من غير مبيح
شرعي، وليس له أيضًا أن يلزم بها أحدًا من غير أن يكون قد ارتكب ما يقضي بإلزامها له.
وكل ما لهؤلاء هو أن يتحروا وجوبها على الجاني الذي وقع منه عما يوجبها عليه، وليست هناك شبهة في فعله، أو قصده.
كما أن على من يلزمه بها أن يدقق، ويمحص إدلة إثبات جناية الجاني بالصورة التي
رسمها الشرع الشريف.
ثانيًا: ليس لشخصية الجطاني أي اعتبار من حيث التأثير في كم العقوبة الحدية أوكيفيتها، إذ إن ذلك لا يختلف باختلاف الأشخاص.
ولا يعارض ذلك ما تجب مراعاته في الحكم بعقوبة الزنا من كون الزاني محصنًا، أو غير محصن إذ إن ذلك ليس راجعًا لاعتبار شخص، وإنما؛ لأن الشارع وضع لكل منهما عقوبة خاصة به.
ثالثًا: عقوبات الحدود إذا ثبتت جنايتها، فإن القاضي لا يملك إلا الحكم بعقوبة ما ثبت عنده، ولا يجوز له أن يحجم عن الحكم بالعقوبة الحدية التي ثبتت، ولا أن يقبل شفاعة أحد أيا كان الشافع، أو المشفوع له.
كما أنه ليس من حقه أيضًا أن يعفو عن الجاني إشفاقًا عليه أو رحمة به، وإن كان له أن يؤجل استيفاء الرجم مثلًا بالنسبة للحامل، حتى تضع حملها، وحتى ترضع١.
стр. 187
رابعًا: لا تجب العقوبات الحدية بشبهة، ولا تقام مع وجود الشبهة المعتبرة شرعًا، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، ووافقهم ابن حزم في أنها لا تجب لشبهة.
ومبنى ذلك عند الفقهاء أن هذه العقوبات عقوبات شديدة، وجسيمة فلا بد إذن من تيقن وقوع جريمتها من الجاني، وإثبات ذلك عليه عند القاضي الذي يحكم الواقعة، إثباتًا بالصورة التي حددها الشرع.
والعقوبات الحدية تغاير في ذلك كله العقوبات التعزيرية؛ لأن الأخيرة عقوبات لم يرد نص من الشارع ببيان مقدارها فيه عقوبات تأديبية، يصلح بها الحاكم اعوجاج الأفراد، والمجتمع ولذا، فإن أمر تقديرها متروك لولي الأمر الذي يستطيع أن يقدرها بالصورة المناسبة، والتي قد تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، ومن زمان لآخر كما أنه يمكن لولي الأمر أن يسقط العقوبة التعزيرية عن الجاني مع ضمان حقوق الأفراد، إذا كانت الجناية متعلقة بها١.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن الإمام الشافعي، ومن وافقه يرون أن من حده الإمام، فترتب على حده تلف، فإنه لا ضمان فيه بخلاف ما يحدث من تلف نتيجة العقوبة التعزيرية، وإن كان الإمام أبو حنفية، ومن معه لا يرون فرقًا بينهما٢.
стр. 188
المبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون
المطلب الأول: أهداف التشريع العقابي ورعايته ظروف الجاني
...
المبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: أهداف التشريع العقابي.
المطلب الثاني: موقف التشريعيين من العقاب على الجريمة منذ نشأة كونها.
المطلب الثالث: بين التشريعين في مجال التنظيم العقابي.
المطلب الأول: أهداف التشريع العقابي، ورعايته ظروف الجاني
أولًا: علاج الجاني لإصلاح سلوكه.
ثانيًا: تحقيق العدل والإصلاح.
ثالثًا: الحفاظ على الضروريات الإنسانية.
رابعًا: الردع هدف الإنسانية.
أولًا: من حيث علاج الجاني
مما هو متفق عليه أن العقاب بكل ألوانه، وأشكاله ما هو إلا أذى ونوع من المكروه بنزل بالجاني.
стр. 189
وليس إنزال هذا الأذى بالجاني هو الهدف في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لغاية، وهدف عظيم نبيل.
ذلك أن العقاب يهدف إلى دفع المفسدة، وعلاج المتلفة التي لحقت بنفس الجاني وأصابت فكره، وظهر أثرها في سلوكه، وعليه فإن ما ينزل بالجاني من عقاب بألوانه المتعددة، والمتغايرة ما هو في حقيقته إلا علاج لما أصاب فكر الجاني، وانقاد لنفسه مما لحق بها من فساد، وحماية لمجتمعه، وأمان لمن يعايشهم، وعلاج الجاني بمثل ما وضع من عقاب، وإن كان يلحق به إيلاما وضررًا إلا أنهما ضروريان لتحقيق النفع له، وإنقاذ مجتمعه، فالعقاب لا يؤمر به لكونه عقابًا في حد ذاته فقط، وإنما؛ لأنه يحقق المنافع ويؤدي إلى المصالح، مثله في ذلك مثل قطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد صيانة للمبادئ، والأوطان وإعلاء للحق والفضيلة.
كل ذلك من قبيل ما يقوم به الطبيب حين يدفع أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، فالطبيب في فعله هذا كالشرع الذي وضع العقاب ليحقق السلامة، ويدرأ الأضرار والأسقام١.
ففي ذلك كله الصحوة والشفاء للجاني، والراحة والأمان للأمة، وصون حماية للدين والعرض والنفس، والمال والفضلية والأخلاق.
وقد يتساءل البعض كيف تتحقق الرحمة، والنفع مع العقوبات الحدية من جلد من ملأ من الناس، أو قطع للأيدي والأرجل، أو رجم حتى الموت أو قصاص مع ما فيه من إزهاق للروح، وقضاء على الحياة؟.
стр. 190
والإجابة سهلة ميسورة، فالشريعة الإسلامية لم تفرض عقوباتها، وتنزلها بالأبرياء الآمنين، وإنما فرضتها، وأنزلتها بالأشقياء الخائنين الذين ينتهكون حرمات الناس والمجتمع، ويقوضون أمن الناس وسلامتهم، ويدنسون الأعراض، ويبطشون ويقتلون الآمنين، وهؤلاء الأشرار لهم تباغتهم الشريعة بعقوباتها، وإنما أعلنت الشريعة عقوباتها الصارمة الحازمة لهؤلاء ولغيرهم، فإذا استهان الأشقياء بهذه العقوبات، وانتهكوا الحرمات، وأصبحوا معاول هدم في بناء المجتمع وكيانه، بعد أن ضمن لهم المجتمع حياة آمنة مطمئنة، وأعطاهم من الحقوق ما لغيرهم وساوى بينهم وبين حاكمهم، فهل يكون عقاب هؤلاء الأشرار على ما أجرموا -في حق المجتمع الذي كفل لهم كل هذا- منافيًا للرحمة؟.
إن القضية معكوسة ولا شك؛ لأن الرفق بمثل هؤلاء هو القسوة على المجتمع والإجرام في حقه، فكيف يرحم من لا يرحم، إن ذلك من البديهات التي لا يحتاج عناء في إثباتها، والقطع بها.
كما أن العقاب بالرجم ونحوه مما يزهق الروح يكون العلاج لمجموع الأفراد؛ لأن في هذا من الزجز ما يرجى منه إصلاحهم، ولا يخفى أن الشريعة قد كفلت لهؤلاء الجناة كافة صور الدفاع عن أنفسهم، وإحاطتهم بسياج من الحماية حتى تتأكد إدانتهم بالدليل القاطع الذي لا يعتريه شك.
إن الرحمة الحقة هي التي تقيم العدل، وتهدم الظلم وتفوض أركان الباطل، هذه هي الرحمة التي يرضاها الله ورسوله، وتكفلت بتحقيقها الشريعة الإسلامية السمحة بصورة لا يستطيع مجاراتها في تحقيق هذه الرحمة أي قانون وضعي، مهما كان واضعه، ومشرعه فهي شريعة الله الذي أنزل من القرآن ما هو شفاء، ورحمة للمؤمنين، وأمرنا بالاستجابه إليه؛ لأن في الاستجابة إليه الحياة.
стр. 191
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ١.
ثانيًا: في مجال تحقيق العدل والإصلاح
١ الشريعة الإسلامية قد ساوت بين الناس في الثواب والعقاب، ولا يملك أحد أن يغير من ذلك شيئًا بالزيادة أو النقصان، نظرًا لأي سبب من الأسباب التي لا تخضع للموازين الشرعية؟
والقوانين الوضعية، وإن نصت على العقوبة بصورة موضوعية، إلا أنها جعلت تحديدها للعقوبة تحديدًا مرنا يخضع لكثير من الاعتبارات التي يراها القاضي، سواء أكانت اعتبارات موضوعية، أو أخذت شكل الموضوعية.
بل وأكثر من ذلك تخضع هذه القوانين لسلطان التغيير، والتبديل والإلغاء والإعفاء، ولكم اكتوى الناس بذلك كثيرًا.
ب- الشريعة الإسلامية قد ساوت بين الجريمة، وعقوبتها في جرائم الاعتداء على النفس، ففرضت القصاص وقررته.
وليس بخاف ما يحققه ذلك النظام العقابي من شقاء صدر المجني عليه، وذويه الأمر الذي يحقق القضاء على مصدر من مصادر إشاعة الجريمة، في المجتمع، وصدق الله
العظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢ بيد أن القانون الوضعي في أغفل المساواة بين الجريمة وعقوبتها، وعلى الأخص في مسائل القصاص هذه.
стр. 192
الأمر الذي ينتج عنه ليل نهار ما تعانيه المجتمعات في حياتها من عبث، وفوضى وثأر ودماء.
ج- الشريعة الإسلامية لم تترك جريمة ما من الجرائم دون عقاب، خصوصًا الجرائم التي يقع الاعتداء فيها على الضروريات التي تمس الإنسان في ذاته وعرضه.
ثم هي مع حرصها على الإنسان ذاته وعرضه، لم تترك الباب ليلجه كل من يريد الأضرار، وإنما الضوابط المحكمة دون إسراف أو تضييع، تحقيقًا للعدل وصونا لكرامة الفرد والمجتمع.
بيد أن القوانين الوضعية قد أغفلت كثيرًا الحفاظ على هذه الضروريات ولم تعاقب عل كثير مما يرتكب من جرائم، بدعوى الحضارة والحرية، فالعقاب فيها يكون على فعل أو قول اعتبر جريمة، وعلى هذا فما لم يجرمه القانون فلا عقاب عليه.
د- حقوق الأفراد من وجهة نظر التشريع الإسلامي منح إلاهية، أعطاها الله للأفراد، وفق ما تقضي به مصلحتهم جميعًا، وهذا قيد شرعي لاستعمال الحق، يقضي مراعاة مصلحة الغير، وعدم الإضرار بالجماعة.
والتشريعات الوضعية لم تعرف هذا القيد إلا مؤخرًا، فقد كانت نظرياتها إلى عهد تأخذ بمبدأ أن للفرد مطلق الحرية في استعمال حقه، بمعنى أنه السيد المطلق الذي لا يحد من سلطانه في استعماله في ذلك أي إنسان، حتى ولو تعسف في استعمال هذا الحق، وأضر بالآخرين
стр. 193
ولا يخفى أن الشريعة الإسلامية، وهي تراعي حق الجماعة، ولم تهمل انفرد، وإنما عنيت به، وعملت على إنصافه١.
ج- الشريعة الإسلامية لا تعاقب بالحبس، أو السجن إلا على القليل من الجرائم، وبذا أراحت المجتمع من السهر على هؤلاء المحبوسين والمسجونين، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أراحت هؤلاء من كل ما يلاقونه في حبسهم أو سجنهم، فلم تقطعهم عن الحياة، والناس وعنه مباشرة أعمالهم ومزاولة انتاجيتهم، إلا في القليل النادر.
بينما أغلب عقوبات القوانين الوضعية في الحبس أو السجن، وفي هذا ما فيه من إفساد للفرد، وتعطيل لإنتاجه، بل وقضاء على أسرته، وإلزام المجتمع بحراسته، والسهر عليه وما إلى ذلك، مما فيه من إذكاء لروح الصراع، والكراهية بين الفرد ومجتمعه، الأمر الذي لا يثمر إلا الخسران للفرد، والمجتمع كليهما.
و قد يزعم البعض أن الشريعة فيما وضعته من نظام عقابي لم تراع حالة الجاني، ولم تهتم بنفسيته وإصلاحه، بل قست عليه وأهملته، وعاقبته بعقوبة لا تتناسب وجريمته، إذ هي تقطع يده إذا سرق قدرًا يسيرًا، كما تعاقب الشهود على جريمة الزنا بالجلد إذا لم يبلغ عددهم أربعة، مع أنهم لم يزنوا وإنما أبلغو عما شاهدوه.
ومثل هذا الزعم لا يجوز إيراده.
стр. 194
إذ إن الشريعة الإسلامية في نظامها العقابي قد اهتمت بالجاني، وعنيت به وتلمست له كل طريق التخفيف ودرء العقوبة.
كما أنها لم تبث عيونها وجواسيسها وراء كل فرد تتلمس له الزلل، فكم جاء من يعترف بجرائمه، فإذا بالرسول ﷺ يعرض عنه تاره. ويقول له أخرى: هل صليت معنا..؟ ليس عليك من وزر دون أن يسأله، ويتقصى جريمته وذنبه١.
كما أن ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، وقد جاءه رجل يقول له: إن لي بنتًا أسلمت، وأصابت حدًا من حدود الله، فعمدت إلى الشفرة لتذبح نفسها، فأدركتها، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلي يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها الذي كان؟ فقال عمر: أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه؟ والله لأن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلك نكالًا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح المسلمة العفيفة٢.
فعمر رضي الله تعالى عنه يهدد الرجل بالعقاب إذا كشف ستر ابنته ... صونا للحياء وسترًا على المسلمين، وحفاظًا على الفضيلة فيهم، كما أنه يعاقب الغلمان الذين سرقوا حين ألجأهم الجوع لذلك، بل قال لسيدهم: إنكم تجيعون غلمانكم، لو سرقوا مرة أخرى، فإني لن أقيم الحد إلا عليك أنت.
كما أنه أبطل حد السرقة عام الرمادة، مراعاة لحال الناس....
стр. 195
وقد أفتى أبو عباس -رضي الله تعالى عنهما- بعدم قطع يد من سرق دابة غيره، وذبحها لدفع الجوع١.
من هذا كله يبين مدى للتشريع العقابي في الإسلام من فضل السبق في الدعوة إلى اعتبار ظروف المجرم، وجعل ذلك مبدأ واجب الالتزام، والخروج بهذا المبدأ إلى حيز التطبيق الفعلي على يد الرسول الكريم، والصحابة الأطهار.
هل بقي مع هذا زعم لقائل.
كما أن هناك أمرًا تجب الإشارة إليه، إلا وهو أن الشريعة الإسلامية، وإن كانت فيما وضعته من نظام عقابي قد لاحظت فيه حال المجرم، واهتمت به فهي أيضًا قد اهتمت بالمجني عليه، وأولته من الرعاية والعناية، والاهتمام ما هو أحق به وأولى.
أما من حيث كون العقوبة لا تتناسب والفعل، فإنه ينبغي أن لا ننظر إلى الشيء القليل الذي سرقه الجاني فقط، وإنما لا بد وأن ننظر إلى المسروق منه، ونرعاه -فقد كان آمنا في بيته وأهله على نفسه وماله، فإذ به يفزع بدخول السارق عليه، وما قد يسببه ذلك من هلع وخوف
стр. 196
لكل من في البيت، وقد يكون الأطفال أو النساء، وقد يكون السارق مسلحًا، وقد يلجأ إلى استعمال ما معه من سلاح إلى آخر ذلك.
فالشارع الحكيم حين يعاقب السارق بقطع يده، لم ينظر فقط إلى عشرة الدراهم التي سرقها، وإنما نظر إلى الجريمة بكل أبعادها كما أن السارق الذي سرق عشرة الدراهم، لم يتقصر على هذه العشرة لعفته أو حاجته إليها، ولكنه مغلوب على أمره في اقتصاره عليها؛ لأنه لم يجد غيرها، وإلا لو وحد لما ترك. كما أن السارق قد عرض نفس المجني عليه وأهله، وعرضه للضياع والخطر، فقد يسمرئ السارق إشباع رغبته، ويمعن في إجرامه بما يسول له الشيطان والهوى.
من أجل ذلك كله، وما علمه الشارع الحكيم كان العقاب الذي وضعه هو العلاج الشافي، والحاسم الذي تبرأ به الأمة، ويحفظ عليها أمنها وسلامتها١.
أما بالنسبة لمعاقبة من شهدوا بواقعة زنا، أو أبلغوا عنها ولم يكتمل حساب الشهادة، فإن ذلك مبني على أساس أن الأصل براءة من ينسب إليه فعل ما دام لم يكتمل دليل إثبات هذا الفعل في حقه.
كما أن دعوة الشريعة الإسلامية إلى الستر على النفس، وعلى الآخرين ظاهرة وبينة.
ولا يخفى أن في التبليغ عن حادثة زنا، أو الشهادة بها دون أن يكتمل نصاب الشهادة -وإن كان ذلك لن يترتب عليه عقاب الجاني، أو
стр. 197
المدعي عليه -إلا أن ذلك-، وإن لم يكن فيه تجن ومكر ومكيدة -قد أصاب المبلغ عنه بأضرار في عرضه، وحيائه لا تقف عند حد المساس به هو فقط، بل تتعداه إلى أهله وذويه الذين يعتزون به، والذين قد يصل بهم الأمر إلى قتله والتخلص منه، وقد يعترضون أيضًا لهذا المبلغ، أو الشهود الذين لم يكتمل نصاب شهادتهم، كل ذلك بهدف الانتقام، والثأر لعرضهم وكرامتهم.
إذا كان الأمر سيترتب عليه ذلك كله، وأكثر أفلا يكون الأولى أن يستر المسلم أخاه١، وأن يتحرى الدقة، وأن يتأكد أن الداني الذي رآه في حالة جنايته عدد كبير سيفتح أمره حتى وإن لم تقم العقوبة عليه.
ثم قبل هذا كله وبعده، هذه العقوبة قد نصت عليها الآيات الكريمة، في قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
إن الطبيب الماهر والحاذق هو الذي يضع لرواده النظاز العلاجي الدقيق والدواء الناجح، والذي وأن كان مرًا وقاسيًا في ظاهره إلا أن السلامة والأمن، والراحة في المحصلة النهائية لكل ما وضعه هذا الطبيب، وعالج به وإن كان قد بتر بعض الأعضاء ليسلم الجسد كله.
стр. 198
ثالثًا: الحفاظ على الضروريات الإنسانية
أنزل الله الشرائع السماوية بوجه عام، والشيعة الإسلامية الخاتمة بوجه خاص، للمحافظة على مصالح الناس وسلامتهم، واهتمت بصفة خاصة بالضروريات التي تتضمن بقاء نظام الحياة أمنا مستقرًا، وكفلت الحفاظ على هذه الضروريات، وعاقبت على أدنى مساس بها، "ذلك؛ لأن جلب المنفعة، ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم".
ويقصد المصلحة المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشارع من الخلق رحمة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقابهم.
ونسلهم ومالهم، فكل ما يضمن حفظ هذه الأصول الخمسة، فهو مصلحة.
وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضروريات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشارع بقتل الكافر، المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعة، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفس.
وإيجاب عقوبة الشرب، إذ به حفز العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنى، إذ به حفظ النسف والأنساب، وزجر النصاب والسراق، إذ به حفظ الأموال التي هي معايش الخلق.
وتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة، والزجر عليها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، أو شريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح
стр. 199
الخلق، ولذا لم تخلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل والزنى، والسرقة وشرب المسكر١.
وعلى هذا اعتبر المساس بهذه المصالح الضرورية جريمة من الجرائم التي وضعت لها عقوبات صارمة، بهدف حفظ إنسانية الإنسان، وأكدت الأديان كلها أهمية المحافظة على هذه الأمور الضرورية، بكل الوسائل الفعالة، وما ذلك إلا عناية من الشارع بالخلق وشئونهم.
رابعًا: الردع هدف للعقوبة
خلق الله الإنسان، وجعل له الخلافة في الأرض، وسخر له الكون، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.
ولكن الإنسان مع هذا كله يستولي عليه شيطانه، ويشيع في الكون فسادا، وهذا ما رأته الملائكة بنور من الله، وطرحته عند أخبار الله لهم بأنه جاعل في الأرض خليفة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وبهذا العلم الرباني أنزل الله للإنسان من الشرائع ما تقوم اعوجاجه، وتصلح من شأن نفسه، وما ذلك إلا رحمة بهذا الإنسان
стр. 200
وبرا به وتظهير له، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
والتطهير في الدنيا يتأتى باجتناب ما يلوث، والابتعاد عنه، لذا وضعت الشرائع معالم السلوك محذرة من الغواية، ومنبهة على الرشاد.
فإذا غلب الهوى، ولم يغن تحذير ولا إرشاد، وعلق اللوث بالثيباب.
كان لا بد لهذه الثياب من أن تطهر، وأن تعرض على ما يزل علق بها، ويخلصها من دنسها.
وما ذلك بالنسبة للإنسان إلا بالتزام ما شرعه الله ، وبينه رسوله ﷺ ، وحدد حدوده التي هي ردع، ومنع من ارتكاب المعصية، وزجر وإيلام لمن وقع فيها، وفكرة الردع والزجر هذه، قد ثار حولها جدل ومناقشة.
بل إن مجرد محاولة استجلاء بعض أهداف التشريع العقابي، قد لاقت نفسها كثيرًا من الاعتراضات.
فيقول ابن حزم منكرًا مقالة من ذهب إلى القول بأن الردع، والزجر هدفان من أهداف تشريع العقوبة.
قالوا: إن الحدود إنما جعلت للردع، قلنا لهم: كلا، ما ذلك كما تقولون إنما ردع الله تعالى بالتحريم، وبالوعيد في الآخرة فقط، وأما بالحدود فإنما جعلها الله تعالى كما شاء، ولم يخبرنا الله تعالى أنها للردع ...
ولو كانت للردع كما تدعون لكان ألف سوط أردع من مائة، ومن ثمانين ومن أربعين ومن خمسين، ولكان قطع اليدين والرجلين أردع من
стр. 201
قطع يد واحدة، ولكنا نقول: هي نكال وعقوبة وعذاب وجزاء، وخزي كما قال الله تعالى في المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، إلى أن يقول: وإنما التسمية في الدين إلى الله تعالى، لا إلى الناس فصح أنه جعلها كما شاء حيث يشاء، فلم يجعلها حيث لم يشأ١.
وما قاله ابن حزم ليس بجديد على أحد، إذ هو من هؤلاء الذين يقفون عند ظاهر النص، ويرى أن ما فوق ذلك مرجعه إلى الله .
لكن ماذا يمنع المؤمن من أن يحاول استجلاء النصوص، والرسول ﷺ قد حث على الاجتهاد، ولتحقيق مصحلة البشر جميعًا خصوصًا، وإن عقوبات الحدود ليست هي الغاية، والهدف من تشريعها، وإنما هي وسيلة حاول المشروع بها أن يحول بين الإنسان واقتراف الجريمة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ ٢.
كما أن ذهب إليه ابن حزم، واعتمد عليه في إلغاء القول بالردع من أن الحد لو كان ألفًا لكان أردع، هو قول بعيد في القياس بل لا يصلح؛ لأن الحد لو كان ألفًا كان أردع، ولما كان إلا إهلاكا وقتلًا.
والله لم يرد ذلك بعباده، وإنما أراد أن يباعد بينهم، وبين معاصيه، وأن ينتهوا عما نهى عنه رحمة منه ورأفة٣.
стр. 202
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ١.
فالله قد حذر، فمن الناس من يتبع طريق الله، ومنهم من ينساق وراء الشيطان، وهؤلاء لا بد لهم من رادع قوي، وزاجر شديد عنيف يردهم عما انساقوا فيه، وما ذلك إلا ما وضعه المشرع من حدود وعقوباته.
والردع في حدد منه ما هو موجه للناس جميعًا، ومنه ما هو خاص واقع على من اقترف الجناية، وبتعبير آخر، منه ما هو ردع وقائي، ومنه ما هو ردع علاجي.
الردع الوقائي:
الإنسان مزاج من مادة وروح، والصراع بينهما دائم متصل ...
وتحيط الدوافع المادية بالإنسان من كل جانب، بل وفي أعماقه ذاتها، تتخذ هذه الدوافع في النفس الأمارة بالسوء.
والعصمة لقليل من الخلق الذين اصطفاهم الله رب العالمين.
أما غير هؤلاء فإن الله من رحمته بهم، قد هيأ لهم ما يتسلحون في مواجهة الشهوات والنزوات.
ومن هذا الذي يتسلحون به، وما شرعه الله من عقوبات تردع وتهدد، تشعل خشية العار وخوف الفضيحة، وتركى مخالفة الألم وبأس العقوبة.
стр. 203
وكلما أزداد الدافع إلى الجريمة ناسبه ازدياد بأس العقوبة حتى يصل إلى حد القتل، تناسبًا طرديًا.
وهكذا يقوى الردع كلما كان الدافع قويًا متسما بصفة العمومية، ليحول بين الإنسان، وبين ما تغويه به نفسه.
هذا هو جانب الردع الوقائي، فيما شرعه الله من عقوبات. وهو ما عناه الماوردي بقوله: "والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الله من زواجر الحدود ما يروع به ذا جهالة حذرًا من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضيحة، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعًا، وما أمر به من فروضه متبوعًا، فتكون المصلحة أعم، والتكليف أتم١.
وتمتاز فكرة الردع، وهدف الزجر في التشريع العقابي من وجهة نظر الشريعة عن القانون، فيما يأتي:
أولًا: نوعية العقوبات في الشريعة تحقق الردع الكافي لحماية الحقوق.
ثانيًا: لزوم العقوبة الشرعية للجناية التي حددها الشارع، بحيث لا يمكن تغييرها أو تبدليلها تحت أي ظرف من الظروف التي لا يقرها الشرع الشريف، فإذا أقر الشرع تبديلها أو إلغاءها، فإن ذلك يهدف منفعة عامة، وطبقًا لقواعد العدالة والإنصاف، والناس جميعًا أمام ذلك سواء.
стр. 204
الردع العلاجي:
خاطب الله الناس جميعها بما يصلح حالهم إن أطاعوه، ووضع لهم روادع، وزواجر إذا حدثتهم أنفسهم بالعصيان والتمرد، وقد تؤتى هذه الروادجع، والزواجر ثمارها إذا صادفت معدنا طيبًا، وقد تصادف أرضًا جدباء فلا يثمر فيها نبت، وتضعف هذه الروادع والزواجر عن أن تتغلب على خبث هذه الأرض، وفسادها ومن هنا كان لزامًا على من يريد الإصلاح أن يعالج هذه التوبة، علاجًا ينفي عنها خبثهعا، ويزيل فسادها.
وهذا هو الردع العلاجي، الذي يتتبع موضوع الداء فيأتي عليه، ويجز عفنه ويكسر ما فيه من حدة الفساد والعصيان.
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١.
هكذا الطبيعة البشرية إذا ما أجدب فيها الردع الوقائي، كان لزامًا لشفائها ذلك الردع العلاجي، الذي ينزل بالشقي الذي انتهك حرمات صانها الشارع ورعاها.
فمعاقبة ذلك الشقي تردعه، وتمنعه من أن يعادو جنايته؛ لأن ما حل به من عقاب كفيل بأني يشفي نفسه السقيمة بما طبع، وترك من بصمات الألم والنكال على جسد الشقي وماله.
ذلك الجزاء نفسه كفيل بأن يشفي صدور من وقعت عليهم الجناية كل ذلك متى كانت العقوبة متناسبة مع العمل الجنائي، وظروفه، وحال من
стр. 205
ارتكبه، فلا تكون قاسية مهلكة في موضع العلاج، ولا تكون هينة ضئيلة في موضع تناسبه الشدة والصرامة١.
وصدق الله العيظم إذ يقول: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ ٢ هذا وإن توافقت فكرة الردع الخاص في ظاهرها في كل من الشريعة والقانون، إلا أن هناك فروقًا جوهرية تجدر الإشارة إليها:
أولًا: من جهة القضاء النهائي على القصد الإجرامي لدى المجرم، واقتلاع ما نبت من بذور الشر في نفسه وفكره، فإن النظام العقابي في الشريعة الإسلامية يحقق هدم ما يكون قد تكون لدى الجاني من ذلك كله، وما يعضده من سطوة الجاني، ومنعته واستعلائه على المجني عليه.
إذ إن النظام العقابي للشريعة الإسلامية يقضي في جرائم الاعتداء على النفس والأعضاء بالقصاص، فإذا بالمجني عليه، أو من يقوم مقامه، وقد كان مستضعفًا بالأمس يقف أمام الجاني الذي كان متسلطًا بالأمس أيضًا، وتنعكس الحال، ويصبح الضعيف قويًا والقوي ضعيفًا، يلتمس العفو والصفح، والأمر حينئذ موكول لمن كان مجنيًا عليه بالأمس، فإن شاء اقتص من الجاني، وإن شاء عفا عنه.
وفي كلا الحالين لم يصبح للجاني حول، ولا قوة أمام المجني عليه، وفي ذلك قضاء على الشر في نفسه الجاني، وشفاء لصدر المجني عليه.
стр. 206
ومثل هذا لا يمكن تحقيقه إذا وقعت على الجاني عقوبة من العقوبات الوضعية؛ لأنها لن تحقق زجر الجاني بالصورة السابقة، كما أنها لن تشفي صدر المجني عليه فيظل مشحونًا، ينتظر الفرصة المواتية ليثأر لنفسه، وتتكرر المأساة.
أو يضعف ويفترسه الوهن، والخذلان كلما رأى المعتدي.
ثانيًا: من حيث الردع المدني الذي لا يجدي غيره مع من تبلدت نفسه، وبهذا الردع البدني تحقق الشريعة هدفين:
١- إيلام المجرم إيلامًا جسديًا ليذوق مثل ما نزل بالمجني عليه، والشأن في هذا أن يقوم الاعوجاج، وكل من تحدثه نفسه بارتكاب جناية لكيلا يعرض نفسه مرة أخرة لما لاقاة من الآم أوجعت جسده.
ولا يخفى أن ما ينزل بالجاني من عقاب يكون في ملأ من الناس، وفي ذلك الألم كله للجاني، وأشق عليه من وقع السياط.
٢- إنزال العقوبة بالجاني بالصورة التي رسمها التشريع الإسلامي لا يستغرق وقتًا طويلًا، يترك بعده الجاني ليرعى شئون نفسه ومن يعول، حتى لا يضيع، ويضيعهم معه.
وذلك على العكس من العقوبة في النظام الوضعي التي تقضي بسجنه، فيضيع هو من يعولهم، ويخرج من سجنه، وقد تمرس على الإجرام، ولقن دروسه على أيدي عتاة الأشرار، فلا يلبث أن يعود إليه مرة ومرات.
стр. 207
المطلب الثاني: موقف التشريعيين على الجريمة منذ نشأة فكرتها
...
المطلب الثاني: موقف التشريعيين من العقاب على الجريمة منذ نشأة فكرتها
كل من يقدم على ارتكاب ما من الجرائم، لا بد له قبل القيام بها من عقد النية على ذلك، وإرادة هذا العمل الإجرامي إرادة تصرف الجوارح، وتوظف التفكير في حياكة خيوط ما أرد من الجرائم.
غير أن التنفيذ قد يأتي وفق ما أراد الجاني، أو أقل مما أراد لأمر حال بين الجاني وبين أن يتم قصده.
والتشريع الجنائي الإسلامي لا يعاقب على ما خالج النفس، وانشغل به القلب.
ولقد أرسى هذا المبدأ رسول الله ﷺ ، فيما روي عنه "من أن الله قد تجاوز لأمته عما وسوست، أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم"١.
فلا عقاب إذا على النية التي يبيتها شخص من الأشخاص للقيام بأي عمل إجرامي، ما دام لم يقم بما نواه، ولم يحقق ما عزم عليه.
стр. 208
هذا هو موقف التشريع العقابي من وجهة النظر الإسلامية، أما الشرائع الوضعية، فإنها لم تأخذ بهذا المبدأ إلا منذ فترة وجيزة، وهي وإن أخذت به الآن إلا أنها لم تلزم به التزامًا كاملًا، إذ لا زال التجريم فيها يضع ضمن ما يعاقب عليه، سبق الإصرار والترصيد، فالجريمة تزاد عقوبتها إذا صاحبها سبق إصرار وترصد، وتقل عقوبتها إذا لم تقترن بذلك١.
العقاب على الأعمال التحضيرية:
الأعمال التحضيرية التي تسبق القيام بجريمة ما من الجرائم نوعان:
стр. 209
أ- أعمال تعتبر في حد ذاتهلاا جريمة، وذلك مثل حمل سلاح غير مرخص بقصد استعماله في جريمة ما من الجرائم، والتي بدأ الجاني في أعمال التحضير لها.
وكمن يشتري خمرًا ليستخدمه في جريمة ينوي ارتكابها.
فهذه الأعمال التحضيرية، وما يماثلها هي في حد ذاتها أعمال إجرامية يعاقب عليها في كل من الشريعة والقانون١.
ب- أعمال هي في حد ذاتها مباحة، ولكنها قد تدخل ضمن الأعمال التحضيرية لجريمة ما من الجرائم، وذلك مثل من يعد مفاتيح ليستعملها في فتح أبواب بقصد السرقة.
ومن يشتري سلاحًا بقصد إعداده لاستعماله في جريمة من الجرائم.
ومن يعد أماكن ليجمع فيها الأقوات يقصد تخزينها، واحتكارها ورفع ثمنها والتحكم في الناس إن ذلك، وإن كان لا يعد ارتكابًا لما أعد له من جرائم؛ لأنه عمل مباح في أصله؛ ولأنه لم يتخط بعد مرحة الإعداد، إلا أنه وسيلة لهذه الجرائم وإعداد للقيام بها، ومثل هذه الأعمال يرى فقهاء الحنفية والشافعية، أنه لا عقاب عليها، وقد أخذ برأيهم رجال القانون٢.
стр. 210
ويرى ابن القيم، والقرافي أن مثل هذه الأعمال، وسائل لفعل إجرامي حرمته الشريعة، وعليه فإنها تأخذ حكم الفعل الإجرامي التي هي وسيلة له، من حيث الحرمة ويعاقب عليها بعقوبة أقل من عقوبة الجريمة الأصلية، التي هي الغاية لمن اتخذ هذه الوسائل وصولًا إليها.
وذلك في حالة عدم الوصول إلى الغاية التي ابتغاها الجاني، ووقوفه عند مرحلة الإعداد والتحضير١.
стр. 211
مرحلة ارتكاب الفعل:
وجهة نظر كل من الشريعة والقانون في العقاب عليها.
تبدأ هذه المرحلة بإقدام الجاني على فعل من الأفعال هو الطريق إلى تحقيق الجريمة التي يريد ارتكابها.
وهذا الفعل الذي يبدأ به، وينظر إليه في حد ذاته بصرف النظر عن قربه، أو بعده من الركن المادي للجريمة.
فمن وجهة النظر التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
يحرم هذا الفعل الذي يبدأ به الجاني الإقدام على ارتكاب جريمته.
فمن يحاول فتح باب غير مأذون له في فتحه، قاصدًا من وراء فتح هذا الباب ارتكاب جريمة سرقة لزمتة العقوبة التعزيرية على محاولة فتح الباب هذه.
بل إن من يراقب بيتا لينقض على ما فيه، ويسرقه يعزر أيضًا على مجرد هذه المراقبة.
ومن يوجد في مكان، ومعه آلة من الآلات التي يستخدمها السراق في تسهيل عملياتهم الإجرامية، وكسر أقفال أبواب المتاجر مثلًا، في وقت غير معتاد السير فيه، أو في مكان ليس من حقه التواجد فيه في مثل الوقت الذي ألقي القيض عليه فيه، ومعه هذه الأدوات والوسائل حتى ولو لم يستخدم هذه الأدوات، أو الوسائل في شيء مما أعدت له، لزمته عقوبة تعزيرية مناسبة على هذا كله١، أما فقهاء القانون
стр. 212
الوضعي، فإن الماديين منهم يرون أن لا عقاب إلا على البدء في تنفيذ الركن المادي للجريمة، وما عدا ذلك، فلا عقاب عليه عندهم.
وأما أصحاب المذهب الشخصي، فإنهم متفقون مع وجهة النظر الشرعية، ويرون أنه يكفي لتحقيق الشروع، أن يبدأ الفاعل في تنفيذ فعل ما سابق مباشرة على تنفيذ الركن المادي للجريمة، ومؤد إليه حتمًا، وهنا يأتي دور نية الشخص، ومعرفة أحواله لكي يمكن أن يبين قصده١.
هذه هي وجهة نظر كل من الشريعة والقانون، يبين منها حرص الشريعة على أمان الفرد، وأمن المجتمع صورة لا تخضع لمقاييس غير منضبطة.
стр. 213
المطلب الثالث: بين التشريعين في مجال التنظيم العقابي
أولًا: من حيث حكم البناء التشريعي
النظام العقابي في الشريعة الإسلامية شق من الشريعة ذاتها، التي وضعها الله وأحكم بناءها، إحكامًا لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
فقد نهى كل من حاول أن يحل لنفسه، أو لغيره ما حرم الله، أو أن يحرم على نفسه أو الأخرين ما أحله الله؛ لأن محاولة ذلك افتراء وكذب: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١، فسلطة التحريم أو الإباحة للشارع وحده، كما جاء النهي صريحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٢، والاعتداء مراد به تغيير الأحكام.
ويوضح هذه القضية الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور بقوله: هذا بالنسبة للأحكام القطعية، فليس لكائن من كان تغيير الحكم القطعي الذي جاءت به الشريعة، أو الاتيان بتشريع ليس من تشريع الله
стр. 214
ورسوله، أما الأحكام التي لم يرد فيها نص قطعي ولا إجماع، وهي المعروفة بالأحكام الظنية، فإنه يمكن للحاكم التصرف فيها، وربطها بمصالح
الناس على أساس ما وضعه الشارع من أدلة وأمارات.
وليس هذا الحق قاصرًا على الحاكم فقط، بل إن للمكلف إنشاء الوجوب فيما ليس بواجب، كما في المنذور الذي تنتقل به الطاعة غير الواجبة إلى الوجوب١.
ولقد أنتج هذا الأحكام التشريعي في الحدود، وأصالته وفي العقوبات التعزيرية التي تخضع للقواعد الثابتة استقرارًا قانونيًا، لكل من اتبعه وآمن به، لم يتوفر مثله لأحد من الناس الذين يحتكمون إلى التقنيات الوضعية، مع أن تحقيق الاستقرار القانوني مطلب من أهم مطالب، وأهداف المشرعين الوضعيين، بل هو عندهم أهم من هدف العدالة نفسها٢.
وتتمثل أولى دعائم الاستقرار القانوني التشريعي الإسلامي في كون القواعد الحاكمة للسلوك قواعد موضوعية، تؤثر في السلوك، ولا تتأر به؛ لأنها هي التي توجده بالصورة التي تراها مناسبة، وليس
стр. 215
للسلوك الحق في إيجادها بالصورة التي يجنح إليه، كما أن الشارع قد قضى بتحريم مخالفة السلوك السليم، ولا يمكن تغير هذا الوصف.
وهذا ما تفتقده باقي النظم التشريعية؛ لأن القاعدة المقررة فيها لا تقوم على أساس من الموضوعية التي تخالط فيها العقيدة، كما هو الأمر في التشريع الإسلامي، إذ الموضوعية في النظم الوضعية إن وجدت موضوعية غير ملتزمة؛ لأنها نتاج تناقص المذاهب الفكرية لكل من مدرسة من المرادس التشريعية، الوضعية، التي بنيت على أسس متغايرة ومتناحرة، الأمر الذي أدى إلى عدم استقرار القاعدة القانونية في التشريع الوضعي١.
ثانيًا: أحكام التشريع العقابي أحد أركان البناء العقائدي للمسلم
الإسلام نظام متكامل، مترابط الأحكام، متماسك البنيان، إذا تطرق الوهن إلى أحد أركانه تداعت له سائر الأركان.
لهذا كان حرص الصديق -رضي الله تعالى عنه- على أن تظل أركان الإسلام بعيدة عن أن يمسها أي عدوان أو تقصير، فحارب مانعي الزكاة، وهو في أول أيام ولايته، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه للرسول ﷺ لقاتلتهم عليه".