مرحلة ارتكاب الفعل:
وجهة نظر كل من الشريعة والقانون في العقاب عليها.
تبدأ هذه المرحلة بإقدام الجاني على فعل من الأفعال هو الطريق إلى تحقيق الجريمة التي يريد ارتكابها.
وهذا الفعل الذي يبدأ به، وينظر إليه في حد ذاته بصرف النظر عن قربه، أو بعده من الركن المادي للجريمة.
فمن وجهة النظر التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
يحرم هذا الفعل الذي يبدأ به الجاني الإقدام على ارتكاب جريمته.
فمن يحاول فتح باب غير مأذون له في فتحه، قاصدًا من وراء فتح هذا الباب ارتكاب جريمة سرقة لزمتة العقوبة التعزيرية على محاولة فتح الباب هذه.
بل إن من يراقب بيتا لينقض على ما فيه، ويسرقه يعزر أيضًا على مجرد هذه المراقبة.
ومن يوجد في مكان، ومعه آلة من الآلات التي يستخدمها السراق في تسهيل عملياتهم الإجرامية، وكسر أقفال أبواب المتاجر مثلًا، في وقت غير معتاد السير فيه، أو في مكان ليس من حقه التواجد فيه في مثل الوقت الذي ألقي القيض عليه فيه، ومعه هذه الأدوات والوسائل حتى ولو لم يستخدم هذه الأدوات، أو الوسائل في شيء مما أعدت له، لزمته عقوبة تعزيرية مناسبة على هذا كله١، أما فقهاء القانون
стр. 212
الوضعي، فإن الماديين منهم يرون أن لا عقاب إلا على البدء في تنفيذ الركن المادي للجريمة، وما عدا ذلك، فلا عقاب عليه عندهم.
وأما أصحاب المذهب الشخصي، فإنهم متفقون مع وجهة النظر الشرعية، ويرون أنه يكفي لتحقيق الشروع، أن يبدأ الفاعل في تنفيذ فعل ما سابق مباشرة على تنفيذ الركن المادي للجريمة، ومؤد إليه حتمًا، وهنا يأتي دور نية الشخص، ومعرفة أحواله لكي يمكن أن يبين قصده١.
هذه هي وجهة نظر كل من الشريعة والقانون، يبين منها حرص الشريعة على أمان الفرد، وأمن المجتمع صورة لا تخضع لمقاييس غير منضبطة.
стр. 213
المطلب الثالث: بين التشريعين في مجال التنظيم العقابي
أولًا: من حيث حكم البناء التشريعي
النظام العقابي في الشريعة الإسلامية شق من الشريعة ذاتها، التي وضعها الله وأحكم بناءها، إحكامًا لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
فقد نهى كل من حاول أن يحل لنفسه، أو لغيره ما حرم الله، أو أن يحرم على نفسه أو الأخرين ما أحله الله؛ لأن محاولة ذلك افتراء وكذب: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١، فسلطة التحريم أو الإباحة للشارع وحده، كما جاء النهي صريحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٢، والاعتداء مراد به تغيير الأحكام.
ويوضح هذه القضية الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور بقوله: هذا بالنسبة للأحكام القطعية، فليس لكائن من كان تغيير الحكم القطعي الذي جاءت به الشريعة، أو الاتيان بتشريع ليس من تشريع الله
стр. 214
ورسوله، أما الأحكام التي لم يرد فيها نص قطعي ولا إجماع، وهي المعروفة بالأحكام الظنية، فإنه يمكن للحاكم التصرف فيها، وربطها بمصالح
الناس على أساس ما وضعه الشارع من أدلة وأمارات.
وليس هذا الحق قاصرًا على الحاكم فقط، بل إن للمكلف إنشاء الوجوب فيما ليس بواجب، كما في المنذور الذي تنتقل به الطاعة غير الواجبة إلى الوجوب١.
ولقد أنتج هذا الأحكام التشريعي في الحدود، وأصالته وفي العقوبات التعزيرية التي تخضع للقواعد الثابتة استقرارًا قانونيًا، لكل من اتبعه وآمن به، لم يتوفر مثله لأحد من الناس الذين يحتكمون إلى التقنيات الوضعية، مع أن تحقيق الاستقرار القانوني مطلب من أهم مطالب، وأهداف المشرعين الوضعيين، بل هو عندهم أهم من هدف العدالة نفسها٢.
وتتمثل أولى دعائم الاستقرار القانوني التشريعي الإسلامي في كون القواعد الحاكمة للسلوك قواعد موضوعية، تؤثر في السلوك، ولا تتأر به؛ لأنها هي التي توجده بالصورة التي تراها مناسبة، وليس
стр. 215
للسلوك الحق في إيجادها بالصورة التي يجنح إليه، كما أن الشارع قد قضى بتحريم مخالفة السلوك السليم، ولا يمكن تغير هذا الوصف.
وهذا ما تفتقده باقي النظم التشريعية؛ لأن القاعدة المقررة فيها لا تقوم على أساس من الموضوعية التي تخالط فيها العقيدة، كما هو الأمر في التشريع الإسلامي، إذ الموضوعية في النظم الوضعية إن وجدت موضوعية غير ملتزمة؛ لأنها نتاج تناقص المذاهب الفكرية لكل من مدرسة من المرادس التشريعية، الوضعية، التي بنيت على أسس متغايرة ومتناحرة، الأمر الذي أدى إلى عدم استقرار القاعدة القانونية في التشريع الوضعي١.
ثانيًا: أحكام التشريع العقابي أحد أركان البناء العقائدي للمسلم
الإسلام نظام متكامل، مترابط الأحكام، متماسك البنيان، إذا تطرق الوهن إلى أحد أركانه تداعت له سائر الأركان.
لهذا كان حرص الصديق -رضي الله تعالى عنه- على أن تظل أركان الإسلام بعيدة عن أن يمسها أي عدوان أو تقصير، فحارب مانعي الزكاة، وهو في أول أيام ولايته، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه للرسول ﷺ لقاتلتهم عليه".
стр. 216
والقضية التي كانت تشغل فكر الصديق لم تكن قضية التمرد على أداء الزكاة، وإنما قضية تكامل العقيدة الإسلامية.
وإذا كان جحد الزكاة أمرًا يتصدع به بنيان العقيدة، فما بالها إذا عطلت أحكامها العقابية؟.
والشريعة الإسلامية قد أحاطت أبناءها بكل ما يكفل لهم الوقاية.
فإذا تسرب الشر إلى أحدهم خصته الشريعة بالعلاج من كل ناحية آخذة بيده منقذة له مما تردى فيه، واضعة في اعتبارها تناسب الدواء والداء.
ويوضح ذلك بالنظر إلى ما حرمته الشريعة، وكيف وضعت كل أساليب الحماية للإنسان، لتقيه الوقوع في المهلكات، وتدفع عنه غائلة الشيطان، وما يزين.
فالشريعة مثلًا قد وضعت نظامًا يحكم علاقة الرجل بالمرأة التي تشاركه الحياة بالصورة التي تحفظ علها دينها وحياءها، وتصون عفتها وجمالها، فبينت الشريعة حدود الثياب والسلوك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ١.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ٢.
стр. 217
هذه صورة رسمتها الشريعة، وبينتها بيانًا يحقق الحفظ والصيانة، فستر الجسد يحفظ على المرأة دينها، ولا يعرضها للإيذاء.
وفي غض البصر صيانة ووقاية؛ لأن البصر رائدة الشهوة، ورسولها وحفظه أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده نفسه موارد الهلكات.
فالنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثقم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جارفة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده١ بمثل هذا حاول التشريع الإسلامي الحيلولة بين الإنسان، وبين الوقوع في جريمة الزنا، وصدق الله العظيم الذي قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢، فالنهي عن الاقتراب نهي عما يؤدي إلى الجريمة٣.
ثم وضع من العقاب عليها ما يزجر ويردع، من وقع فيها أو من تسول له نفسه الاقتراب منها.
وحماية للإنسان وصونا لعرضه، أحاد المشرع هذه العقوبة الرادعة الزاجرة بأسوار وحواجز، وأقام على جانبي الطريق الموصل اليها حصونا يمكن أن يحتمي بها الجاني صونا لنفسه، وسترا لعرضه
стр. 218
هذه كلها وسائل، وحصون أحيط بها التشريع العقابي الإسلامي مستهدفًا بها تحقيق الغرض الذي شرع من أجله.
كما أن هذا التشريع العقابي بكل ماله من وسائل، وحصون وزواجر وروادع، يمثل أحد أركان البناء العقائدي للمسلم، هذا البناء الذي يربطه بربه وخالقه.
أما التشريع العقابي الوضعي، فإنه وإن استند على خلفية من النظام الاجتماعي الذي يحاول حمايته، إلا أن تصور وجود "التكامل بين القواعد العقابية، وقواعد النظام الاجتماعي الأخرى أمر صعب.
قليل الوجود، نظرًا؛ لأن النظام الاجتماعي لأي مجتمع ما هو إلا نتاج تطور طويل، كما أن التطور لا يحدث في مختلف الميادين في المجتمع الواحد بمقاييس متاسوية، نظرًا؛ لأن أسسه الفكرية لم تنفرد شخص واحد بوضعها، وإنما هي نتاج ما وضعه آلاف الأشخاص على مدى عصور التاريخ المختلفة، ولكل منهم عقيدته، ومفاهيمه وميوله.
وأصدق دليل على ذلك يتمثل في نظرة النظم العقابية الوضعية لجريمة الزنا مثلًا، وما قرر لها من عقاب إذ لا يكاد نظام عقابي وضعي يتفق مع الآخر في ذلك التكيف القانوني لهذه الجريمة، بل إن النظام العقابي في البلد الواحد مثلًا لا نجده يتفق مع باقي النظم الاجتماعية لهذا البلد في الاتجاه العام زيادة على انعدام الوسائل الوقائية، بل وأكثر من هذه وجود وسائل الترغيب في الجريمة، والعمل على انتشارها، فأي ترابط إذن بين ما يحكم المتجمع من نظام عقابي وضعي، وبين ما يدين به المجتمع من نظم اجتماعية أخرى، تقرر دستور سلوكه في غدوه ورواحه؟؟؟.
стр. 219
ثالثًا: أساس التشريع العقابي في كل من النظامين، وما يترتب عليه من فروق جوهرية بالنسبة للعقوبة.
التشريعي العقابي لحمته وسداه الدين، يقوم به ويعتمد عليه، والدين طبيب يعالج المريض، رضي أم لم يرض، وذهب إليه أو أعرض عنه، يهمس في إشفاق محذرًا، فإذ لم يفد هذا ووقعت الجناية، تعهد الدين الجاني بالعناية، والرعاية فيما يلزمه به من عقوبات.
وهذه العقوبات منها ما ينزل بالجاني في الدنيا، وسيأتي بعضها في هذا البحث، ومنها من ينتظر الجاني في الآخرة، إذا أفلت من الجزاء الدنيوي، وما ينتظر في الآخرة أشد وأنكى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ١.
فالجاني طبقًا للنظام العقابي الإسلامي لا يستطيع الإفلات من العقاب لمن استطاع الإفلات في الدنيا، فلن يمكنه ذلك في الآخرة.
فالتشريع الإسلامي قد أعلم الناس جميعًا: أنه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٢، وأعلمهم أن الشهود في الآخرة حاضرون، ولا يمكن ردهم أو الطعن عليهم: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
стр. 220
وغير خاف أنه ما دام اللأمر بهذه الصورة من الحساب والعقاب، فإنه لا بد منتج أعظم الأثر في إبعاد من تسول له نفسه الاقتراب من الجريمة خصوصًا، وأن التشريع الإسلامي قد مد يده للإنسان من بداية الطريق وحذره، وباعد بينه وبين المعصية: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١.
﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢، نهي حتى عن مجرد الاقتراب. وهذا النهي إن امتثله الإنسان، باعد بينه وبين الجريمة، وما يتبعها من عقوبة، وليس ذلك فقط فهذا قد يشاركه فيه النظام العقابي الوضعي من قريب أو بعيد، لكن التشريع الإسلامي ينفرد بأنه يطي الإنسان على مجرد الامتثال والابتعاد عن الشر، أعظم جائزة تفرح بها نفسه ويجني ثمارها، ألا وهي الجنة الواسعة.
وعلى العكس منه من انساق وراء الشر، ووقع في الجريمة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٣.
وتفسير ذلك أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا جعال الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، ومن لم يقتل نفسًا، فكأنه قد أحيا الناس جميعًا، نظرا؛ لأنه صان حرمتها واستحياها خوفا من الله سبحانه وتعالى٤.
هذه هي طبيعة الجزاء الديني عقابًا على الفعل، ومثوبة على الانقياد، والترك أما العقاب الوضعي، فإنه وإن عاقب على الفعل، إلا أنه لا يثيت
стр. 221
على الترك كما أن العقاب الوضعي لا ينزل إلا بالجاني الذي فشل في إخفاء جنايته، أما المتمرس الماهر فإن النظام الوضعي لا يستيطع النيل منه، بل يحميه ولا يعاقبه، في الوقت الذي يتغامز الجناة على هذا النظام، ويهزءون به.
فكم من المجرمين يقرر النظام الوضعي براءتهم، ليس ذلك راجعًا؛ لأنهم أبرياء حقيقة، ولكن؛ لأن أمر التفتيش والضبط مثلًا لم يصدر لمن قبض عليهم، وهم متلبسون -بالصورة التي لا يراها القانون تسمح بمطاردة المجرمين وضبطهم. وبذا يبرأ المجرمون، ويخرجون وهم يتغامزون على هذا النظام وليس معنى ذلك أن النظام العقابي الإسلامي يبطش بالأبرياء، ولكنه وإن كان يلتزم أيضًا بشكليات معينة حتى ينزل العقاب بالجناة، إلا أن عدم اكتمال هذه الشكليات، لا تغل يده على إنزال عقاب بالمجرمين، إذ إن درء العقوبة الحدية مثلًا لا يترتب عليه إعفاء الجاني من عقوبة تعزيرية يراها القاضي مناسبة لحال الجاني، وما ارتكب من أفعال، وهذا فرق جوهري بين النظامين، لا يسطعي مكابر إنكاره وآثاره.
كما أن النظام الإسلامي يقوم على أساس ديني، ولذا فإنه حتى مع أشد الناس جريمة، يحافظ على إنسانيتهم ولا يمتهنها، حتى ساعة إنزال العقوبة بهم.
стр. 222
هذه ملامح التجريم، والعقاب في كل من التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي، بدا فيها واضحًا مدى ما بين النظامين من بون شاسع، كما هو بين من وضع كل من التشريعين.
لعل الناس يصححون ما هم عليه، ويسلكون سبل ربهم.
وعلى الله قصد السبيل.
стр. 223
الباب الأول: الشبهات
مدخل
...
الباب الأول: الشبهات
تمهيد:
حارب الإسلام الجريمة.. ووضع لها عقوبات رادعة، حرصًا منه على أمن الأفراد، وحمايتهم حتى من أنفسهم، فطالب الجميع بأن يستروا أنفسهم.
وحض الرسول ﷺ الناس على ذلك بقوله:
"أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" ١.
وقد كان النبي ﷺ أستر على الناس من أنفسهم.
فقد روي أنه جاء رجل، فقال: "يا رسول الله أن أصبت حدًا فأقمه علي، فلم يسأله عنه، وحضرت الصلاة، فصلى الرجل مع النبي ﷺ فلما قضى النبي الصلاة قام الرجل إليه، فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم في كتاب الله، قال: "أليس قد صلت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك"، أو قال: "حدك" ٢.
وقد روى أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين كل هذه المعاني، والتوجيهات الرحيمة الحكيمة، وعلموا أن من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة، ومن أقال مسلمًا من عثرته في الدنيا أقاله الله تعالى من عثرات يوم القيامة.
стр. 224
ولهذا، فإن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه، لما جاءه ماعز قبل أن يذهب إلى رسول الله ﷺ ، وقص عليه ما كان من أمره، قال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري؟ قال: لا. قال أبو بكر: تب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده.
ولم تقر نفس ماعز، فذهب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه، وقال له ما قاله لأبي بكر، فقال له عمر: اذهب فاستتر بستر الله تعالى، تب إلى الله، فإن الناس يعبرون ولا يغيرون، والله تعالى يغير، ولا يتغير فتب إلى الله، ولا تخبر أحدًا.
ولم تقر نفس ماعز حتى أتى رسول الله ﷺ ، وقال له ما قاله لأبي بكر وعمر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وأخذ ماعز يكرر مقالته، ورسول الله ﷺ يكرر إعراضه عنه، حتى أكثر ماعز على رسول الله ﷺ ، والرسول يحاول تلقينه الستر على نفسه، وليحمله على الرجوزع عن إقراره تلميحًا وتصريحًا، فيقول له ﷺ : "لعلك قبلت، لعلك لامست، لعلك فاخذت، لعلك. لعلك، فلما لم يجد منه الرسول ﷺ إلا الإصرار أرسل إلى أهله يسألهم عنه، أيشتكي؟ أبه جنة"؟ ١.
كل ذلك في محاولة من الرسول ﷺ للستر على عبد من عباد الله، ثم يضع الرسول ﷺ مبدأ يعلنه أكل من يتبع الإسلام، ادرؤوا عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان
стр. 225
له مخرج، فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خهير من أن يخطئ في العقوبة١.
ثم يقول ﷺ لمن جيء به، واعترف بسرقته، ولم يوجد معه المتاع، "وما أخالك سرقت "مرتين أو ثلاثًا" ٢، أي ستر أبلغ من هذا، أو أستر منه؟: تعلم فقهاء الإسلام هذا وعملوا بمقتضاه، فيقول ابن قدامة: ويستحب للإمام، أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالإقرار.
التعريض للمقر بالرجوع، إذا تم، والوقوف عن إتمامه إذا لم يتم.
ويستدل ابن قدامة لذلك بما كان من أمر ماعز، ويقول الرسول ﷺ لمن أقر بالسرقة: "ما أخالك فعلت".
ثم يقول: ويحكى عن أبي الدرداء أنه أتي بجارية سوداء سرقت، فقال لها: "أسرقت؟ قولي: لا، فقالت: لا، فخلى سبيلها.
كما يروى عن الأحنف أنه كان جالسًا عند معاوية، فأتي بسارق، فقال معاوية: أسرقت؟ فقال له بعض الشرطة: أصدق الأمير. فقال الأحنف: الصدف في كل المواطن معجزة، فعرض له بترك الإقرار٣.
أيبقى بعد هذا مقالة أو ادعاء مدع يزعم قسوة النظام العقابي في التشريع الإسلامي؟ إنه النظام القويم الذي يحفظ على المجتمع أمنه، ويدرأ العقوبة بقيام شبهة ينثلم بها عقد أركان الجريمة، أو دليل إثباتها اللذان لا بد وأن يكونا متكاملين أوثق ما يكون التكامل، وأتمه وإلا تغايرت العقوبة، أو برئ المدعي عليه.
стр. 226
الفصل الأول: تعريف الشبهة وأُثرها في الحدود
المبحث الأول: المراد بالشبهات
أولا: عند علماء اللغة
...
الفصل الأول: تعرف الشبهة وأثرها في الحدود
المبحث الأول: المراد بالشبهات
أولًا: عند علماء اللغة
الشبهات جمع شبهة، والشبهة بضم الشين المعجمة، وسكون التحتية الموحدة، الالتباس. وأمور مشتبة، ومشبهة، مشكلة، يشبه بعضها بعضًا وشبه عليه، خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره.
وشابهه وأشبهه ماثله، وتشابها واشتبها: أشبه كل منهما الآخر، وشبه عليه الأمر: لبس عليه الأمر.
ويسمى الأمر غير المتميز والمتلبس شبهة، لكونه يشبه الحق، وليس حقًا١.
стр. 227
ثانيًا: عند فقهاء الشريعة
اهتم فقهاء الشريعة الإسلامية، وعنوا عناية فائقة بالجرائم الحدية، وتحدثوا عنها حديثًا تناول هذه الجرائم، وعقوباتها من كل نواحيها وأركانها وشروط إثباتها.
ولكنهم لم يعرضوا هذا كله مصنفًا، بجمع كل ما يتصل بالجريمة، وعقوبتها في صورة متتابعة متكاملة.
وإنما جاء حديثهم عن الجرائم وعقوباتها، وما يتصل من شروط وأركان، وما يعتري الأفعال المجرمة من شبهات تخرجها عن دائرة التجريم الحديث، حديثًا متناثرًا.
لهذا سأعرض ما جاء من تعريف للشبهة عند بعض الفقهاء الذين وضعوا تعريف لها مثل فقهاء الأحناف.
أما من لم يضعوا تعريفًا مستقلًا لها، فسأحاول أن أجمع ما جاء من حديث لهم من الشبهات، وأستخرج مه ما يرسم، ويحدد معنى الشبهة عندهم.
وهذا البيان الذي وضعه الجرجاني للشبهة بيان لها بحسب حال الجاني الذي اختلط عليه حل الفعل وتحريمه، ولا يوجد ما يقوي أحد الاحتمالين عند الجاني، أو يغلب أحدهما على الآخر١.
وتردد الفعل بين الحال والحرمة في نظر الجاني، ينتج غالبًا من اختلاف الفقهاء في بيان الحكم مسألة لم يرد في حكمها نص صريح.
ففي مثل هذه المسألة يعمل كل من الفقهاء رأيه في استنباط حكم لها، بقدر ما يتيسر له من علم ومعرفة واجتهاد، حتى يوصله ذلك كله إلى استنباط حكم معين، وقد يكون هذا الحكم مخالفًا لما رآه الآخرون من الفقهاء، كما قد يكون موافقًا لرأيهم، فإذا كان بعض الفقهاء قد رأى رأيا في حكم مسألة ما من المسائل، ورأى البعض الآخر رأيا مخالفًا
стр. 228
لنفس المسألة، فإنه في مثل هذا ومع وجود التعارض، والاختلاف في الرأي ينتج عدم تيقن حكم لمثل هذه المسألة الخلافية.
ويتضح هذا فيما يأتي من أمثلة للمسائل الخلافية بين الفقهاء.
أ- يرى فقهاء الأحناف القول بصحة الزواج الذي لم يتول العقد فيه ولي الزوجة نيابة عنها.
وعلى هذا فمن عقدت لنفسها عقد زواج، فإن هذا العقد صحيح عند الأحناف ما دام قد حضره الشاهدان.
فإذا تم دخول في ظل مثل هذا العقد، فإن الفقهاء الأحناف يرون أنه دخول مباح؛ لأنه تم في ظل عقد صحيح١.
أما باقي فقهاء المذاهب الأربعة، فإنهم يرون أن الزواج الذي يتم من غير حضور ولي الزوجة -التي تحتاج إلى وجوده لكونها بكرا ليس لها مخالطة سابقة، أو ممارسة لمثل هذا- زواج باطل.
وعلى هذا، فإنه إذا حدث دخول في ظل مثل الزواج، فإنه يصبح دخولًا حرامًا تلزم به العقوبة، لكونه تم في ظل عقد غير صحيح٢، وعلى هذا أصبح للفقهاء رأيان في حكم هذه المسألة.
стр. 229
الأول يقول بصحة الزواج، وعليه فالدخول مباح.
والثاني يقول ببطلان مثل هذا الزواج، وعليه فالدخول حرام.
ووجود هذا الخلاف ينتج عنه عدم تيقن الحكم بالحل، أو الحرمة وينتج عن ذلك شبهة تدرأ الحد عمن وقع منه الدخول في ظل مثل هذا الزواج.
ويماثل ما سبق مما اختلف الفقهاء فيه، اشتراط وجود شاهدي عقد الزواج وقت العقد.
فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط وجوج الشاهدين عند قيام العقد وانعقاده، فإذا تأخر وجودهما لم ينعقد العقد وعلى هذا، فإن من يدخل في ظل عقد لم يحضر وقت إجرائه شاهدان، فإنه يكون قد أتى فعلا حرامًا معاقبًا عليه حتى، ولو حضر شاهدان بعد إجراء العقد، وقبل الدخول وأخبرا بما حدث، أما فقهاء المالكية فإن الشهادة، وإن كانت مطلوبة عندهم وقت العقد، إلا أن المشهور عندهم أن وقت وجوبها هو قبل الدخول.
وعلى هذا فإنهم يرون صحة الزواج الذي لم يحضره شاهدان، لكنه لا يجوز الدخول إلا بعد حضور الشاهدين.
فوجود الشاهدين عند المالكية شرط لإباحة الدخول، وليس حضورهما شرطا لصحة العقد.
стр. 230
وعلى هذا، فمن دخل في ظل عقد لم يحضر إجراءه شاهدان، لكنهما حضرا بعد إجراء العقد، فإن دخوله هذا مباح عند فقهاء المالكية.
ويبين من هذا أن للفقهاء رأيين في حكم من دخل في ظل عقد لم يحضره شاهدان وقت إجرائه، وإن كانا قد حضرا قبل الدخول، وأخيرًا بما تم من عقد.
الرأي الأول:
وهو رأي الجمهور، إن مثل هذا الدخول يعد دخولًا في ظل عقد غير صحيح.
الرأي الثاني:
وهو المشهور عند فقهاء المالكية. أن مثل هذا الدخول دخول في ظل عقد صحيح١.
ووجود مثل الخلاف ينتج عنه عدم تيقن الحكم، الأمر الذي يصبح معه الفاعل مترددًا في حكم فعله بين الحال أو الحرمة.
ووجود الفاعل على هذه الحالة ينهض شبهة تدرأ الحد عنه.
وهكذا كل خلاف ينتج تردد الفعل بين الحل، والحرمة بسبب تعارض أقوال الفقهاء، وتفسيراتهم المتباينة.
وقد ذكر ابن قدامة جانبًا من ذلك قوله: "ولا يجب الحد
стр. 231
بالوطء في نكاح مختلف، كنكاح المتعة١ أو الشغار٢، والتحليل٣ والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها من طلاق بائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيها شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات"٤.
وتعريف الجرجاني للشبهة تعريف قاصر، نظرًا؛ لأنه حصر الشبهة
стр. 232
في الركن الشرعي للجريمة، ولم يشمل ما قد يطرأ على دليل إثباتها من شبهات،
وهذا قصور مخل بكون التعريف جامعًا مانعًا.
كما عرف ابن الهمام الشبهة بأنها ما يشبه الثابت، وليس بثابت١ أورد ابن قدامة اثناء حديثه، عمن تزوج ذات محرم ما يفيد الإباحة، والحل إلى حد أن الذي قام بالفعل قد اعتقد حله، وإباحته نتيجة وجود هذه الشكلية التي رتب عليها اعتقاده.
أما من حيث الواقع، فإن الفعل لا يزال كما هو محرم، وغير مباح وهو الجانب الواقعي كان بعيدا كل البعد عن فكرة من قام بالفعل معتقدًا إباحته وقت قيامه به.
فلو لم يكن معتقدًا إباحة فعله نتيجة وجود هذا المبيح من الناحية الصورية، لم تعن عنه هذه الصورة شيء، ولم تنهض بها شبهة تترتب عليها درء العقوبة٢.
ج- أما فقهاء الشافعية، فقد تحدثوا عن الشبهات حديثًا بينوا فيها أنواعها وذكروا أمثلة لها، ولكنهم لم يوردوا في شروحهم الفقهية تعريفًا للشبهة، وإن كان قد جاء في بعض كتب القواعد، والفروع ما يمكن عده عريفًا للشبهة بأنها ما تسقط الحد٣.
стр. 233
كما جاء فيما أورده السيوطي بأنها ما جهل تحليله على الحقيقة، وتحريمه على الحقيقة١.
وهذا التعريف للشبهة يوافق تمامًا ما عرفها به الجرجاني الحنفي من تعريف سبقت الإشارة إليه.
غير أن جهل الحكم، وعدم الاهتداء إلى قوم فصل فيه لا يجوز عده من الشبهات المسقطة للعقوبة الحدية على إطلاقه؛ لأن منه ما يعتبر كذلك، ومنه ما لا يعتد به الفقهاء، ولا يعدونه مما يدرأ الحد، وسيأتي بيان ذلك بما يسمح به المقام من تفصيل.
د- أما فقهاء الماليكة، فإنهم مع اهتمامهم بالحديث عن الشبهات، وبيانهم لأنواعها إلا أنهم لم يوردوا لها تعريفًا، وإن كان فيما قالوه عنها من بيانهم لأنواعها، وحديثهم عن كل نوع، وذكرهم أمثلتها وما يعتد به، وما لا يعتد. قد وافقوا ما قاله الفقهاء الذين سبق ذكر تعريفاتهم للشبهة، بصورة تكاد تكون مطابقة، إلا في القليل النادر، والذي سيأتي ذكره عن الحديث عن الشبهات التي تعتري أركان الجريمة، وعرض وجهات نظر الفقهاء في كل منها٢.
هـ- أما فقهاء الشيعة، فإنهم قد عرفوا الشبهة عند حديثهم عن جريمة الزنا، فقالو أبو القاسم الموسري: المراد بالشبهة الموجهة لسقوط
стр. 234
الحد: هو الجهل عن تصور، أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية حال الوطء١.
ومع أنه واضح أن هذا التعريف قد ورد عند الحديث عن جريمة الزنا، إلا أنه قد ورد ما يفيد أنه هو تعريف الشهبة بصفة عامة، إذا ما قصرناه على قولهم: هو الجهل عن قصور، أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية.
وذلك نظرًا لما جاء في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله حين قال: لو أن رجلًا دخل في الإسلام، وأقر به ثم شرب الخمر، وزنا وأكل الربا، ولم يتبين له شيء من الحلال والحرام، لم أقم عليه الحد إذا كان جاهلًا٢ من هذا يتبين أن الشبهة عندهم تتمثل في الجهل بالحكم مع اعتقاد الحلية.
ومنشأ هذه الاعتقاد الخاطئ يرجع إلى كون الجاهل بالأحكام قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في منأى عن الناس، ولم تتح له معرفة الأحكام الصحيحة.
مع ملاحظة أن يكون جهلة هذا لقصوره لا لتقصيره؛ لأن من كان جهله ناتجًا عن تقصيره، فإنه جهل لا يلتفت إليه، ويلزم من كان جهله لهذا السبب بعقوبة ما يأتيه من أفعال
стр. 235
وقد بينوا ذلك بقولهم: أما من كان جاهلًا بالحكم عن تقصير، وملتفتا إلى جهله حال العمل، حكم عليه بالزنا وثبوت الحد، وذلك؛ لأنه عالم بالحكم الظاهري، وجهله بالواقع لا يكون -في مفروض المسألة- عذرًا له، ومثلوا لذلك بامرأة تزوجت في عدتها حالة كونها تعلم أن عليها عدة، ولكنها لا تدري كم هي، حيث ألزمها بالحد، وعللوا ذلك بقولهم: إذا علمت أن عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم١.
وعرفها صاحب البحر الزخار بأنها: "توهم الفاعل، أو المفعول بأن ذلك الفعل سائغ له".
أو بأنها "ما أوجبت ظن الإباحة"٢.
وهذان التعريفان قد توسعا في الشبهة كثيرًا عن التعريف الأول.
حيث جعلا مجرد توهم الفاعل، أو المفعول أن ما يقوم به من أعمال سائغ له جائز أن يأتيه، شبهة من الشبهات الدارئة للحد.
ومجرد التوهم هذا لا ضابط له، وهذا أمر يفتح باب ادعاء الشبهة على مصراعيه.
وإن كان تقيد ذلك بقيد الجهالة المغتفرة أمر لا بد منه حتى يتسنى قبول هذين التعريفين.
стр. 236
وهذا ما جاء على لسان جمهور فقهاء الشيعة، وإن لم يكن قد جاء بلفظ يدل على تخصيص هذين التعريفين فقط، وإنما جاء في معرض الحديث عن الوطء بشبهة حين عرفه أبو القاسم الحلبي، ومن وافقه بأنه: الوطء الذي ليس بمستحق في نفس الأمر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق، أو صدوره بجهالة مغتفرة في الشرع، أو مع ارتفاع التكليف بسبب غير محرم١.
وبهذا يمكن ضبط ما قد يفهم من عموم التوهم، ورده إلى الحد الذي -يحكم القول بالشبهة، وهو الجهالة المغتفرة شرعًا.
ولا يخفى ما في تعريف فقهاء الشيعة للشبهة من قصور أيضًا، إذ أنهم لم يشيروا إلى ما قد يعتري طرق الإثبات من شبهات.
وقد عرف الشيخ أبو زهرة الشبهة بأنها: الحال التي يكون عليها المرتكب، أو تكون بموضوع الارتكاب، ويكون معها المرتكب معذورًا في ارتكابها، أو يعد معذورًا عذرًا يسقط الحد، ويستبدل به عقاب دونه، على حسب ما يرى الحاكم٢.
وهذا التعريف الشبهة حاول فيه واضعه أن يتتبع الحالات التي تنشأ الشبهة عند وجودها، سواء أكانت لصيقة بالجاني، أو وجدت في محل الجناية، وموضوعها.
стр. 237
كما تضمن هذا التعريف أيضًا شرط قيامها بالنسبة للجاني، وهو أن يكون معذورًا في ارتكابها، أو يعد في ذلك.
كما أن قول الشيخ أبو زهرة: ويستبدل به عقاب دونه، يفهم منه أنه لا بد من إلحاق عقاب بالجاني الذي قامت الشبهة في حقه، ولا يخفى أن من الشبهة ما يترتب على قيامها إسقاط العقوبة كلية، وتبرئة المدعى عليه مما نسب إليه تبرئة لا يمكن معها إلحاق أي عقوبة به على الواقعة المنظورة.
وهذا التعريف للشبهة لم يتضمن أي إشارة إلى ما يمكن أن يشوب أدلة الإثبات من شبهات يترتب على قيامها، ووجودها درء العقوبة الحدية.
وبعد هذا العرض لتعاريف الشبهة عند الفقهاء، يمكن أن أستخلص من كل هذه التعاريف أن الشبهة المسقطة للعقوبة الحدية هي:-
ما يعتري أحد أركان الجريمة، أو دليل إثباتها من خلل يدرأ عقوبتها الحدية، ويؤدي هذا التعريف أن أحد أركان الجريمة -وعلى الأخص ركنها الشرعي، أو المعنوي- لم يخلص من شبهة، سواء أكانت في انطباق النص، أو كانت نتيجة تعارض أدلة التحريم والإباحة.
أو كانت الشبهة لصيقة بالفاعل من حيث ما يعتري أهليته، وقصد مما يخص الركن المعنوي.
كما يشمل التعريف أيضًا، ما يمكن أن يعرض دليل إثبات الجناية من شبهة يصبح بعدها غير كاف لإقامة العقوبة الحدية على
стр. 238
الجاني، سواء أكان دليل الإثبات إقرار الجاني، أم شهادة الشهود، ويتضح هذا كله، فيما يأتي من أمثلة:
أ- شبهة أنتجها اختلاف الفقهاء حول انطباق اللص على المكان الذي وقعت فيه الجريمة.
وذلك في حالة ما إذا ارتكب مسلم جناية حدية في دار الحرب، فالفقهاء قد اختلفوا في إلزامه عقوبة جنايته الحدية، فمنهم من يرى إلزامه العقوبة الحدية على جنايته.
ومنهم من يرى عدم إلزامه ذلك نظرًا لعدم قدرة الإمام على الجاني في المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة.
وأصحاب هذا الرأي يشترطون لإقامة العقوبة الحدية أن يكون الإمام قادرًا على مرتكب الجناية الحدية وقت ارتكابه لها، فإذا كان قد ارتكبها في دار حرب، فإنه حينئذ لا تلزمه العقوبة الحدية لعدم قدرة الإمام عليه، وقت ارتكابه الجناية، ووجود هذا الخلاف ينهض شبهة ينتج عنها درء الحد عن الجاني١.
ب- شبهة نتجت من وجود تعارض بين أدلة الحل والحرمة في ظاهر الأمر، وإن كانت هذه الأدلة غير متعاونة في الحقيقة، ولكن بعضها قد خصص إطلاق البعض الآخر وعمومه.
ويتحقق ذلك في حالة ما إذا سرق الوالد من مال ولده.
إذ أن نصوص تجريم السرقة تشمل في عمومها هذه الواقعة، غير
стр. 239
أنه قد ورد عن رسول الله ﷺ ، ما يفيد حل مال الابن لأبيه بوجه ما من الوجوه التي تثبت له فيه حقًا.
وعلى هذا تكون الواقعة قد خصصت بنص آخر، يعارض في حكمه ومدلوله انطباق النص العام على الواقعة، وما يترتب عليه، ووجود مثل هذا ينتج شبهة يترتب على وجودها عدم إلزام الوالد عقوبة السرقة الحدية إذا سرق مال ولده١.
ج- شبهة نتجت بسبب جهل الجاني جهلًا يعتد به، ومن أمثلتها التي ذكرها الفقهاء، الرجل الذي يدخل بيته، ويأوي إلى فراشه، فيجد فيه امرأة فيعتقد أنها زوجته نظرًا لتقاربهما، وتشابههما فيواقعها على أساس اعتقاده أنها زوجته، ثم يبين أنها امرأة أخرى غير زوجته.
ففي مثل هذه الحالة من جهل الفاعل جهلًا ينتفي معه قصده الجنائي، يرى الفقهاء قيام شبهة الجهل هذه بدرء العقوبة الحدية عن الفاعل.
وهكذا كل ما ينتج انتفاء القصد الجنائي، أو يزيل أهلية الفاعل بحيث يوجد خلل في قيام الركن المعنوي للجريمة٢.
د- أما ما يعتري دليل إثبات الجنايات الحدية من شبهات، فيتوقف على نوع دليل الإثبات.
стр. 240
فإذا كان الإقرار، فإن ما يعتريه من شبهات كثير منها على سبيل المثال: كون الإقرار غير مفصل، كمن يقول: إنه زنى، ولم يزد على ذلك ولا يخفى أن كلمة الزنا كلمة تشمل الجناية الحدية وغيرها، بدليل قول الرسول ﷺ : "العينان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" ١.
فالإقرار بمثل هذه الصورة إقرار غير واضح، ولا تلزم المقر العقوبة الحدية بمثله، ومن ذلك أيضًا من يقر بأنه زنى بامرأة، فتكذبه المرأة، فإن من الفقهاء من يرى أن في تكذيبها له شبهة تدفع عنه العقوبة الحدية٢.
أما إذا كان دليل الإثبات هو شهادة الشهود، وحضر الشهود متفرقين، أو لم تتفق أوصافهم للواقعة، فإن الفقهاء من لا يلزم العقوبة الحدية بمثل ذلك، لقيام شبهة في دليل الإثبات٣.
هذا هو تعريف الشبهة، وبعض الأمثلة الموضحة له، من أنواع
الشبهات الكثيرة التي أوردها الفقهاء، والتي سأعرض لها بالتصنيف والبيان، موضحًا رأيهم في الاعتداد بها من عدمه، مبينًا العلاقة بيم الشبهة، وما يجرى مجراها من الشك أو النسيان والسهو، وما لذلك من أثر في كل من العبادات والمعاملات، وغيرهما من أبواب الفقه -بادئًا به ثم بما يليه.
стр. 241
ما يجرى مجرى الشبهة من الشك والنسيان، أو السهو وآثاره في العبادات والمعاملات، وما يماثلها من أبواب الفقه.
أما الشك فأصله الضيق، وهو يقبض الصدر ويضمه، ويطلق على عدم التأكد. وقد أورد الشك بهذا المعنى كثيرًا في القرآن الكريم، فيقول الله مبينًا حال من اختلفوا في أمر عيسى ﵇، وسعوا في إيذائه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ ١.
ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ٢.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ ٣.
﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٤، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ٥.
وعلى هذا، فالشك قريب من الالتباس الذي هو المعنى اللغوي للشبهة، أو موافق له، فمن شك في وقوع شيء، فقد التبس عليه الأمر ولم يصل فيه إلى يقين، ومن تيقن الطهارة ثم شك في وقوع الحدث منه، فإن الحدث والحالة هذه أشبه الشيء الثابت، وإن كان مشكوكًا فيه، ولذا فهو ليس بثابت من حيث سريان ما يترتب على ثبوته من أحكام، فهو إذا قد وافق الشبهة أيضًا، المعنى الاصطلاحي الذي ذكره فقهاء الأحناف "ما يشبه وليس بثابت".
أما السهو أو النسيان فمعناهما واحد، ولذا قال صاحب لسان العرب "السهو نسيان الشيء والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره
стр. 242
والسهو في الصلاة الغفلة عن الشيء منها، والسهو في الشيء تركه عن غير علم، والسهو عن الشيء تركه من العلم١.
ومن ذلك قول الله : ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ٢، ولما كان الناس حميعًا معرضين للنسيان اعتبره الشارع الحكيم عذرًا رفع بسببه المؤاخذة عمن أتى سلوكًا آثمًا، وجعل كلمة حكمه الخطأ، أو انعدام الإرادة بالإكراه على إتيان فعل من الأفعال المعاقب عليها.
وعلى هذا فمن وقع في محظور نتيجة نسيانه، فلا إثم عليه بوقوعه في هذا المحظور، وإن كان يلزم بما ترتب على سلوكه هذا مما يتعلق بحقوق الآدميين، كما يلزم أيضًا بما فاته من واجبات يمكن أن تقضى، فمن لم يصل الفروض مثلًا لوقوعه في النسيان، لزمه قضاء هذه الفروض عند تذكره لها٣.
وقد بين ذلك القرطبي عند حديثه عن قول الله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٤، فقال: المعني: أعف عن إثم ما يقع هنا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" أي إثم ذلك، وهذا لم
стр. 243
بختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا، وما كان مما يقع خطأ ونسيانًا١.
وعلى هذا، فإنه قد وضح ما بين الشبهة، والشك، والنسيان أو السهو من تشابه وإن كانت الشبهة أعم، سواء من حيث الإثراء أو التكوين؛ لأن منها ما ينتج عن الشك، ومنها ما ينتج عن النسيان، أو السهو ومنها ما ينتج عن غير ذلك.
كما أن الشك أعم من النسيان أو السهو؛ لأن منه ما ينتج عنهما، ومنه ما ينتج عن غيرهما.
كما أن الشبهة في الجنايات قد لا تزيل الأثر كلية، وإنما يقتصر تأثيرها على تغيير نوع العقوبة، أما ما ينشأ عن الشك والنسيان، أو السهو من آثار فإنه يغاير ذلك، ولبيانه أورد فيما يأتي بعض القواعد الفقهية التي تتصل بهذا، ذاكرًا ما ينتج عن تطبيقها من آثار في مسائل الفقه المختلفة، حتى يتضح ما بين الشبهة، وكل من الشك والنسيان، أو السهو من تشابه.
стр. 244
القاعدة الأولى: اليقين لا يزال بالشك
ويراد بهذه القاعدة أن ما تيقن الإنسان وقوعه، فإنه يظل ثابتًا لا يرفعه ما يقع شك حياله؛ لأنه وقع يقينًا وما كان كذلك لا يرفعه إلا يقين مماثل له، ولا أثر للشك فيه.
وقد استدل على ذلك بما روي عن رسول الله ﷺ من أنه قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه فأخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"، رواه مسلم من حديث أبي هريرة١.
وقول رسول الله ﷺ : "إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثًا؟ فليبن على اثنتين ... "
وقوله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن"، رواه مسلم٢، فالشك في كل هذا لم يثبت به حكم، ولم يرتفع به يقين.
وهو في ذلك مثل الشبهة من حيث إنها لا يثبت بها أو معها عقوبة حدية، لكون الأصل براءة الذمة مما تلزم به العقوبة الحدية.
وهذا الأصل هو المتيقن، فلا يعدل عنه إلى غيره إلا بالأدلة اليقينية.
فمن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث، ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فهو متطهر.
ومن شك في الطاهر المغير للماء، هل قليل أو كثير؟ فالأصل بقاء
стр. 245
الطهورية مع أن تغير الماء قرينة تقوي كثرة المغير له، ومع ذلك طرحت ولم يلتفت إليها أخذا بالأصل، وهو بقاء الطهارة.
ومن ذلك ما لو أكل آخر الليل، وشك في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وعلى العكس منه من أكل آخر النهار، وشك في الغروب فالأصل بقاء النهار.
وكما إذا وقع بيقين ثم شك في حدوث ما يفسخه، فالعقد قائم١ من هذا كله تبين أن اليقين لا يزال بالشك.
القاعدة الثانية: الأصل براءة الذمة
لا تختلف هذه القاعدة عن سابقتها كثيرًا؛ لأنها تعني الإبقاء على ما هو الأصل حتى يرفع بدليل يقيني، ولذا فإنه لما كان الأصل براءة الذمة من كل تبعة، فإنه لا يجوز العدول عن هذا الأصل، إلا إذا قام دليل يقيني ينفيه، ويثبت الإدانة والتبعة.
ويمثل ما بين هذه القاعدة، وسابقتها من تقرب قول الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه: "أصل ما انبنى عليه الإقرار أني أعمل اليقين وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة"٢.
ويمثل هذه القاعدة ما هو مطبق في الفقه الإسلامي من إلزام المدعي البينة؛ لأن الأصل براءة ذمه المدعى عليه، وإبقاء الأصل هو القاعدة.
وعلى هذا لو توجهت اليمين للمدعى عليه، فنكل فإنه لا يقضي بمجرد
стр. 246
نكوله؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولذا تعرض اليمين على المدعي حتى ينظر في أمر الحكم لصالحه بما ادعى به١.
ومن ذلك أيضًا ما إذا اختلف في قيمة التلف، حيث تجب قيمته على متلفه، كالمستعير، والغاصب، والمودع المتعدي، فالقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد.
وذكر السيوطي من الأمثلة المطبقة فيها هذه القاعدة أيضًا، أنه لو قال رجل: أن كان هذا الطائر غرابًا فامرأتي طالق، فقال رجل آخر كان موجودًا: إن لم يكن نفس الطائر -الذي أشار إليه الأول- غرابًا فامرأتي طالق، فطار الطائر، ولم يعرف، فإنه يباح لكل واحد من
стр. 247
الرجلين في الظاهر الاستمتاع بزوجته؛ لأن الأصل حل الاستمتاع بالزوجة ولا يعدل إلا بدليل يقيني، ولا يكفى الشك حتى وإن كان شكًا يصل في حق أحدهما حد اليقين، فإنه يبقي الأصل المتيقن في حق كل منهما ابتداء١.
ويوافق هذه القاعدة أيضًا ما جاء من الأصل العدم، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل.
ولهذا فإن عامل القراض لو قال: لم أربح مطلقًا، أو لم أربح إلا كذا، صدق في مقالته هذه ما لم يقم دليل على غير ما قال؛ لأن الأصل عدم الربح أو عدم الزيادة التي يطالب بها، هذه وما ماثلها مسائل فقهية ظهر فيها بوضوح أثر الشبهة، وما قاربها من الشك والسهو.
- وقضى فيها الفقهاء ببقاء ما هو متيقن، وطرح ما هو مشكوك فيه.
إذ إن بقاء المتيقن هو الأصل، وبراءة الذمة هي القاعدة، وما عداها لا بد وأن يثبت بدليل قوي يصل في قوته إلى حد اليقين، حتى يمكن رفعهما، وإحلاله محلهما.
стр. 248
وليس ذلك قاصرًا على باب من أبوبا الفقه دون بقية الأبواب، وإنما ما جاءت به هذه القاعدة يحكم أحكام أبواب الفقه المختلفة، وما تشتمل عليه من مسائل وقضايا، وعلى الأخص ما نحن بصدده من أحكام التشريع الجنائي.
لذا جاء ذكره هنا تتميمًا لما تتناوله هذه الرسالة من موضوع الشبهات لما بين هذا، وبين الشبهات من تقارب في المفهوم، واتفاق في الآثار.
أثر هاتين القاعدتين في التقنينات الحديثة:
يظهر أثر هاتين القاعدتين في التقنينات الجنائية الحديثة، واضحًا فقد نصت دساتير الدول المختلفة على الأخذ بهاتين القاعدتين١، كما طاللب كل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان بمراعاة العمل في المواد الجنائية، والأدلة القانونية طبقًا لهاتين القاعدتين٢، كما ينص فقه الإجراءت الجنائية على تفسير الشك لمصلحة المتهم، والربط بين هذه
стр. 249
القاعدة وأختها التي تفيد أن الأصل افتراض البراءة، كما جرى القضاء في الدولة العربية على مراعاة هذا، والأخذ بالقاعدتين السابقتين، من تفسير الشك لمصلحة المتهم، التي هي وليدة القاعدة الفقهية "اليقين لا يزال بالشك".
ومن أن الأصل في الإنسان البراءة، حتى تثبت إدانته بدليل قطعي، فقضت محكمة النقض المصرية بأن الأحكام في المواد الجنائية، يجب أن تبنى على الجزم، واليقين لا على الظن والاحتمال.؟
وأن الأحكام الصادرة بالإدانة يجب ألا تبنى إلا على حجج قطعية الثبوت تفيد الجزم واليقين.
هذا جانب من تطبيقات هاتين القاعدتين في النظم القانونية الحديثة، والأخذ بهما وإعمالهما لما قبل به، فقهاء الشريعة الإسلامية في مجال التجريم والعقاب.
وإن كانت القاعدتين قد توافق في العمل بهما في هذا المجال كل من الشريعة والقانون، إلا أن التنظيم الشريعي قد أعملهما منذ نزل من أربعة عشر قرنا، والتزمم بهما في كل أحكامه، أما النظم القانونية فلم تعرفهما إلا حديثا منذ عهد قريب، وإن كانت حتى بعد أن عرفتها، ونصت عليهما لم يلتزم بهما قضاتها في كثير من الأحكام التي يقضى بها في ظل الأحكام العرفية، أو العسكرية وما إلى ذلك.
كما أن أعمال الفقه الإسلامي لهاتين القاعدتين أوسع من أعمال التنظيم الوضعي لهما، فقد قصرهما الأخير على المجال الجنائي.
أما الفقه الإسلامي، فقد أعملهما في كافة فروعه الدينية والتكليفية، وفي كل أحكامه وقضاياه١.
стр. 250
المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد
مدخل
...
المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد
هناك قاعدة فقهية أعملها جمهور الفقهاء في المجال العقابي هي: درء الحدود بالشبهات، وتتصل هذه القاعدة بما سبقها من قاعدة تقضي بأن اليقين لا يزال بالشك، وبأن الأصل براءة الذمة.
هاتان القاعدتان اللتان قررتهما الشريعة الإسلامية، وألزمت قضاتها بهما وطبقتهما على كل الأحكام دينية أو تكليفية، وفي ما يتصل بحقوق الغير مدنية كانت هذه الحقوق، أو جنائية وتعني قاعدة درء الحدود بالشبهات أنه متى وجدت شبهة لدى القاضي، ترتب عليها عدم قيام ركن من أركان الجريمة بالصورة التي حددتها الشريعة الإسلامية، أو شابه إثبات الجريمة شي ترتب عليه عدم اكتمال اليقين لدى القاضي بأن الجريمة قد وضعت ممن مثل أمامه للمحاكمة..
فإن وجدت شبهة من ذلك، ومما يعتد به عند الفقهاء، لم يصبح في إمكان القاضي الحكم بالعقوبة الحدية بالنسبة لهذه الجريمة التي خالط أحد أركانها، أو دليل إثباتها شيء من ذلك، فوجود الشبهة إذا قدر درأ الحد