← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نكوله؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولذا تعرض اليمين على المدعي حتى ينظر في أمر الحكم لصالحه بما ادعى به١. ومن ذلك أيضًا ما إذا اختلف في قيمة التلف، حيث تجب قيمته على متلفه، كالمستعير، والغاصب، والمودع المتعدي، فالقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد. وذكر السيوطي من الأمثلة المطبقة فيها هذه القاعدة أيضًا، أنه لو قال رجل: أن كان هذا الطائر غرابًا فامرأتي طالق، فقال رجل آخر كان موجودًا: إن لم يكن نفس الطائر -الذي أشار إليه الأول- غرابًا فامرأتي طالق، فطار الطائر، ولم يعرف، فإنه يباح لكل واحد من

стр. 247

الرجلين في الظاهر الاستمتاع بزوجته؛ لأن الأصل حل الاستمتاع بالزوجة ولا يعدل إلا بدليل يقيني، ولا يكفى الشك حتى وإن كان شكًا يصل في حق أحدهما حد اليقين، فإنه يبقي الأصل المتيقن في حق كل منهما ابتداء١. ويوافق هذه القاعدة أيضًا ما جاء من الأصل العدم، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل. ولهذا فإن عامل القراض لو قال: لم أربح مطلقًا، أو لم أربح إلا كذا، صدق في مقالته هذه ما لم يقم دليل على غير ما قال؛ لأن الأصل عدم الربح أو عدم الزيادة التي يطالب بها، هذه وما ماثلها مسائل فقهية ظهر فيها بوضوح أثر الشبهة، وما قاربها من الشك والسهو. - وقضى فيها الفقهاء ببقاء ما هو متيقن، وطرح ما هو مشكوك فيه. إذ إن بقاء المتيقن هو الأصل، وبراءة الذمة هي القاعدة، وما عداها لا بد وأن يثبت بدليل قوي يصل في قوته إلى حد اليقين، حتى يمكن رفعهما، وإحلاله محلهما.

стр. 248

وليس ذلك قاصرًا على باب من أبوبا الفقه دون بقية الأبواب، وإنما ما جاءت به هذه القاعدة يحكم أحكام أبواب الفقه المختلفة، وما تشتمل عليه من مسائل وقضايا، وعلى الأخص ما نحن بصدده من أحكام التشريع الجنائي. لذا جاء ذكره هنا تتميمًا لما تتناوله هذه الرسالة من موضوع الشبهات لما بين هذا، وبين الشبهات من تقارب في المفهوم، واتفاق في الآثار. أثر هاتين القاعدتين في التقنينات الحديثة: يظهر أثر هاتين القاعدتين في التقنينات الجنائية الحديثة، واضحًا فقد نصت دساتير الدول المختلفة على الأخذ بهاتين القاعدتين١، كما طاللب كل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان بمراعاة العمل في المواد الجنائية، والأدلة القانونية طبقًا لهاتين القاعدتين٢، كما ينص فقه الإجراءت الجنائية على تفسير الشك لمصلحة المتهم، والربط بين هذه

стр. 249

القاعدة وأختها التي تفيد أن الأصل افتراض البراءة، كما جرى القضاء في الدولة العربية على مراعاة هذا، والأخذ بالقاعدتين السابقتين، من تفسير الشك لمصلحة المتهم، التي هي وليدة القاعدة الفقهية "اليقين لا يزال بالشك". ومن أن الأصل في الإنسان البراءة، حتى تثبت إدانته بدليل قطعي، فقضت محكمة النقض المصرية بأن الأحكام في المواد الجنائية، يجب أن تبنى على الجزم، واليقين لا على الظن والاحتمال.؟ وأن الأحكام الصادرة بالإدانة يجب ألا تبنى إلا على حجج قطعية الثبوت تفيد الجزم واليقين. هذا جانب من تطبيقات هاتين القاعدتين في النظم القانونية الحديثة، والأخذ بهما وإعمالهما لما قبل به، فقهاء الشريعة الإسلامية في مجال التجريم والعقاب. وإن كانت القاعدتين قد توافق في العمل بهما في هذا المجال كل من الشريعة والقانون، إلا أن التنظيم الشريعي قد أعملهما منذ نزل من أربعة عشر قرنا، والتزمم بهما في كل أحكامه، أما النظم القانونية فلم تعرفهما إلا حديثا منذ عهد قريب، وإن كانت حتى بعد أن عرفتها، ونصت عليهما لم يلتزم بهما قضاتها في كثير من الأحكام التي يقضى بها في ظل الأحكام العرفية، أو العسكرية وما إلى ذلك. كما أن أعمال الفقه الإسلامي لهاتين القاعدتين أوسع من أعمال التنظيم الوضعي لهما، فقد قصرهما الأخير على المجال الجنائي. أما الفقه الإسلامي، فقد أعملهما في كافة فروعه الدينية والتكليفية، وفي كل أحكامه وقضاياه١.

стр. 250

المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد مدخل ... المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد هناك قاعدة فقهية أعملها جمهور الفقهاء في المجال العقابي هي: درء الحدود بالشبهات، وتتصل هذه القاعدة بما سبقها من قاعدة تقضي بأن اليقين لا يزال بالشك، وبأن الأصل براءة الذمة. هاتان القاعدتان اللتان قررتهما الشريعة الإسلامية، وألزمت قضاتها بهما وطبقتهما على كل الأحكام دينية أو تكليفية، وفي ما يتصل بحقوق الغير مدنية كانت هذه الحقوق، أو جنائية وتعني قاعدة درء الحدود بالشبهات أنه متى وجدت شبهة لدى القاضي، ترتب عليها عدم قيام ركن من أركان الجريمة بالصورة التي حددتها الشريعة الإسلامية، أو شابه إثبات الجريمة شي ترتب عليه عدم اكتمال اليقين لدى القاضي بأن الجريمة قد وضعت ممن مثل أمامه للمحاكمة.. فإن وجدت شبهة من ذلك، ومما يعتد به عند الفقهاء، لم يصبح في إمكان القاضي الحكم بالعقوبة الحدية بالنسبة لهذه الجريمة التي خالط أحد أركانها، أو دليل إثباتها شيء من ذلك، فوجود الشبهة إذا قدر درأ الحد

стр. 251

عن الجاني، سواء ترتب على درء الحد هذا تبرئه المدعى عليه، ونجاته من العقوبة مطلقًا، أو إلزامه بعقوبة تعزيرية أخرى، تتناسب مع ما وقع منه من أفعال لم تصل إلى حد الجريمة الحدية بالصورة التي حددها الفقه الإسلامي، فمن لم تقم البينة على ارتكابه الجريمة الحدية بالصورة التي يقتنع معها القاضي، ويصل اقتناعه حد اليقين بأن الشخص الماثل أمامه، قد ارتكب الجناية الحدية التي أقيمت بينتها عليه، لم تلزم هذا المدعى عليه عقوبة الجناية الحدية المدعى عليه بها، ووجبت تبرئته من هذه الجناية؛ لأن الأصل فيه البراءة. أما من وقعت منه كجريمة قذف مثلًا، وتخلف شرط الإحصان في المقذوف. أو من وقعت منه جريمة سرقة، وتخلف شرط الحرز بالصورة التي اشترطت لإقامة الحد، فإن الجاني في هاتين الجريمتين لا يلزم بالعقوبة الحدية لتخلف شرط قيسام الجريمة الحدية، أو ألزم بغيرها من العقوبات التعزيرية التي يراها القاضي مناسبة لما وقع من جريمة، لم تتوفر فيها شروط الجريمة الحدية. وقاعدة درء الحدود بالشبهات هذه من القواعد التشريعية التي أوردها المحدثون عن رسول الله ﷺ ، بروايات متعددة في مسائل كثيرة وقعت في أوقات مختلفة، كما سيأتي أقر الصحابة الأجلاء هذه القاعدة، وأعملوها في ما عرض عليهم من قضايا سيأتي الحديث عنها. وقد أجمع جمهور الفقهاء على أعمال هذه الفقهاء عدا بن حزم، ومن وافقه من الذين عارضوا الأخذ بهذا المبدأ، وإن كانوا قد عادوا إلى الأخذ بما يحقق ما يهدف إليه الفقهاء من أعمالهم، قاعدة درء الحدود بالشبهات.

стр. 252

فقد رأى ابن حزم أن الحدود لا يجوز أن تقام بشبهة، ولا أن تدرء بشبهة. وهو في الشق الأول من قوله هذا، قد وافق عليه ما عليه الفقهاء جميعًا موافقة صريحة لا يختلف عليها أحد. وفي الشق الثاني من مقالته هذه، وإن لم يوافق ما عليه جمهور الفقهاء موافقة صريحة، إلا أن الشق الأول من مقالته ما يفيد أن الحدود تدرء بالشبهات؛ لأنها ما دامت لا تقام بشبهة، فإنها لا بد من أن تقام على أساس من اليقين الذي لا يشوبه شك، فإذا تطرق الشك لم يبق هذا اليقين، وحلت الشبهة محله، وبذا تنتفي العقوبة الحدية، ويتحقق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من انتفاء الحد بوجود الشبهة. وفيما يأتي عرض لأدلة من يعمل هذه القاعدة، ولأدلة من ينفيها ولا يأخذ بها، يبين منه الرأي الذي انتهى إليه البحث وأقره.

стр. 253

أولًا: أدلة من يدرأ الحد بالشبهة يعمل جمهور الفقهاء قاعدة درء الحد بالشبهة أخذًا منهم بما ورد في ذلك من آثار، وجريا منهم من قاعدة عدم إزالة اليقين إلا بيقين مماثل له؛ لأن الأصل البراءة. وقد استدل الجمهور بأدلة نقلية، وردت عن الرسول ﷺ ، وأعملها صحابته الأطهار رضوان الله عليهم أجمعين، قد رأوا العقوبة الحدية بمقتضاها لوجود الشبهة. كما استدل الجمهور أيضًا لأعمال الشبهة بأدلة عقلية مستقاة من مبادئ الشريعة الحكمية.

стр. 254

أ- الأدلة النقلية: اروي عن الصديقة بنت الصديق -رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فأخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة"، رواه الترمذي وذكر أنه قد روي موقوفًا، وأن الوقف أصح١. ٢ روي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه: "ادراءوا الحدود ما استطتعتم، فإنكم إن تخطئوا في العفو، خير من أن تخطئوا في العقوبة، وإذا وجدتم لمسلم مخرجًا، فادرءوا عنه الحد" ٢. ٣ ما رواه ابن مسعود موقوفًا بإسناد حسن، قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات، وأقيلا ذوي الكرام عثراتهم، إلا في حد من حدود الله تعالى" ٣.

стр. 255

٤ روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ، قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات" ١. ٥ روى البيهقي، عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ادرءوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود" ٢. ٦ روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ ، قال: "ادفعوا الحدود عن عباد الله، ما وجدتم لها مدفعًا" ٣.

стр. 256

٧ روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "لأن أعطل الحدود بالشبهات، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات"١، كما روي عنه أنه قال: "إذا حضرتمونا، فاسألوا في العفو جهدكم، فإني إن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة"٢. ٨ روي عن معاذ، ٣ وعبد الله بن مسعود، وعقبة بن عامر

стр. 257

رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا١: "إذا اشتبه عليك الحد، فادرأ ما استطعت"٢. ٩ روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "ادرءوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم"٣. ١٠ كما روي عن سعيد بن المسيب٤ أنه قال: "ذكرنا الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت البارحة، فقالوا: ما تقول؟ قال: ما علمت أن الله حرمه، فكتبوا بذلك لعمر بن الخطاب، فكتب إليهم: إن كان عالمًا فحدوه، وإن لم يكن قد علم فعلموه، فإن عاد فحدوه"٥. ١١ روي عن علي -رضي الله تعالى عنه أنه أتى بامرأة مع رجل

стр. 258

فجر بها، فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد١. ١٢ كما روي أن عليًا -رضي الله تعالى عنه قال في امرأة أقرت على نفسها: أنه استكرهها رجل على نفسه، قال: هي السائبة، لا تملك نفسها فلو شاء لقتلها، فليس عليها جلد ولا نفي ولا رجم٢. ١٣ روي أن جارية سوداء رفعت إلى عمر -رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنها زنت، فخفقها بالدرة خفقات، وقال: أي لكاع زنيت، فقالت: من غواش بدرهمين، تخبر بصاحبها الذي زنى به، ومهرها الذي أعطاها، فقال عمر -رضي الله تعالى عنه: ما ترون؟ وعنده علي وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف٣. فقال ﵁: أرى أن ترجمها، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى أخوك. فقال: ما تقول؟ قال: أراها تستهل بالذي صنعت لا ترى بأسا، وإنما حد الله على من علم أمر الله ، فقال: صدقت٤. من كل ما ذكر من الأحاديث النبوية الشريفة، وما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم يتضح ما استدل به جمهور فقهاء الشريعة، على أن الحدود تدرأ بالشبهات، والأحاديث السابقة، وإن كان في بعض

стр. 259

رواتها مقال، إلا أنها أحاديث كثيرة قد وردت من طريق عدة يعضد بعضها بعضا ويقويه١، كما أنها تتوافق وما تهدف إليه شريعة الله العادلة الرحيمة، إذ المتبصر فيها يجد أنها بقدر ما تشددت في العقوبة، التي وضعتها للجرائم الحدية، فهي بالقدر نفسه قد حرصت، وتوخت دفع هذه العقوبة عن المسلم، ويتضح هذا فيما وضعته من شروط لإقامة هذه العقوبة، وتلمس درئها عمن وجبت عليه. هذا ما عليه إجماع جمهور الفقهاء٢؛ لأنهم يرون أن الحد إذا ثبت، فإن إقامته تصبح واجبة، فإذا ما روي النبي ﷺ والصحابة، والتابعين إسقاط هذا الواجب بشبهة، فإن مثل هذه الرواية تصبح في قوة الرواية المرفوعة؛ لأنها أسقطت ما وجب حدًا٣

стр. 260

ب- الأدلة العقلية: ١- لم يكتف رسول الله ﷺ بمجيء ماعز مقرًا بما ارتكبه، ولكنه استفهمه وراجعه، إلى الحد الذي وصل استفهامه إياه إلى نطق ﷺ بكلمة ما كان لينطق بها، لولا ما في الموقف من ضرورة التأكد، وإزالة الشك باليقين، ولم تسمع منه ﷺ تلك الكلمة، إلا في هذا الموطن الذي لم يكتف فيه، إلا بما يصور الواقعة تصويرًا حسيًا١. ٢ جيء إلى رسول الله ﷺ بلص، وقد اعترف بجريمته لكنه لم يوجد معه المتاع الذي سرق، فقال الرسول ﷺ للص المعترف: "ما أخالك سرقت، فقال: بلى يا رسول الله، فأعادها ﵊ مرتنين أو ثلاثًا" ٢. فما فائدة سؤال اللص والاستفسار منه، وإعادة ذلك عليه مرتين أو ثلاثًا؟ إن لم يكن في ذلك فائدة، فهو لغو "والرسول ﷺ حاشاه أن يقول لغوا". ٣ يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣ هذه هي علة الخلق وسببه، فالإبقاء على حياة الإنسان إذا مصلحة عظمى تتحقق بها علة الخلق، وإقامة الحدود قد تكون مهلكة يترتب عليها فناء بعض من تقام عليه، كما إذا كانت رجمًا لمحصن، لذا

стр. 261

وجب التثبت والتيقن من وجوبها، ولا يتحقق مع وجود الشبهة لذا فهى تدرء الحد. يقول صاحب قواعد الأحكام: "وإنما غلب درء الحد مع تحقق الشبهه؛ لأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان، والحدود محظرة فلا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحضها١. ويقول أبو القاسم الموسوي: والأولى التمسك بعصمة الدم إلا في موضوع اليقين عملًا بالنص المتواتر بدفع الحد بالشبهات٢. ٤ الشريعة الإسلامية -وهي العدل والرحمة- تقرر أن العقوبة إن لم تكن مساوية بالجناية من حيث اكتمالها، فلا يجوز أن تزيد عنها بحال من الأحوال. فإذا ما شابت الجناية شبهة، فالعقاب عليها بالعقوبة المقررة للجناية الكاملة حيث وجور، يأباهما عدل الإسلام وإنصافه، يقول الكاساني: "إن الحد عقوبة متكاملة، فتستدعى جناية متكاملة.. والنكاح لا تتكامل جنايته إلا عند انقضاء الشبهة، فإذا كانت هناك شبهة كانت الجناية غير متكاملة٣. ٥ الشريعة الإسلامية تهدف إزالة الضرر، وتبغي اليسر ودفع المفاسد الذي هو مقدم على جلب المصالح، وإقامة الحدود وإن كان فيها مصلحة، إلا أن الضرر الذي يقع بسببها على من تقام عليه ضرر فادح

стр. 262

فلا يجوز إلا بحقه؛ لأن الضرر بدون تأكد موجبه ظلم، والله لا يحب الظالمين. يقول الشوكاني: "إن أقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، والإضرار قبح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود بعد حصول اليقين، ولا يقين مع قيام الشبهة"١. وبعد عرض هذه الأدلة العقلية التي استدل بها جمهور الفقهاء لأعمال قاعدة ردء الحدود بالشبهات، يبين ما يهدفون إليه من حرصهم على إحقاق الحق وتوخي العدل، وإبقاء ما هو متيقن حتى يثبت يقينًا عكسه، عندئذ يقام الحد. فإن لم يتيقن وجوب الحد على من قدم للمحاكمة، أو جاء بنفسه مقرًا درئ الحد إعمالًا لقاعدة درء الحدود بالشبهات، استنادًا لما ذكره.

стр. 263

ثانيًا: أدلة من لم يقل بدرء الحد بالشبهة ذهب فقهاء الظاهرية إلى إنكار مشروعية درء الحدود بالشبهات، وردوا ما جاء في ذلك ما آثار، وطعنوا في كل ما ما روي عن الرسول ﷺ في تقرير ذلك، وعابوا على جمهور الفقهاء أعمالهم لهذه القاعدة. يقول ابن حزم: وأما درء الحدود بالشبهات، فما جاء عن النبي ﷺ قط من طريق فيها خير، ولا نعلمه أيضًا جاء عنه ﵇ لا مسندًا، ولا مرسلًا، وإنما هو قول روي عن ابن مسعود وعمر١. ويقول: ذهب قوم إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأشدهم قولا بها واستعمالًا لها، أبو حنيفة وأصحابه ثم المالكيون، ثم الشافعيون، وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة، وإنما هو الحق لله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة لقول الرسول ﷺ ": "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام"، وإذا ثبت الحد لم يحل أن تدرأ بشبهة لقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ ٢. ثم قال: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في اللفظ الذي يتعلق به من تعلق أيصح أم لا؟ فنظرنا فيه، فوجدناه قد جاء من طريق ليس فيها عن النبي ﷺ نص، ولا كلمة، وإنما هي عن بعض أصحابه من طرق كلها لا خير فيها٣. هذا طرف من مقالة ابن حزم في رده لقاعدة درء الحدود بالشبهات

стр. 264

وتتمثل الطعون التي وجهها لهذه القاعدة فيما يلي: ١- رد ابن حزم كل ما روي عن رسول الله ﷺ في هذا الخصوص، والذي يتمثل في: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، وعلل ابن حزم رده لذلك بأن الروايات التي أتى ذلك كله عن طريقها روايات مرسلة١. ٢- لم يعمل ابن حزم قاعدة درء الحدود بالشبهات، وذلك؛ لأن أعمالها في رأيه يؤدي إلى إبطال الحدود جملة على كل حال. وحجته في ذلك أن كل واحد مستطيع أن يدرأ كل حد يأتيه، وعنده

стр. 265

أن ذلك خلاف إجماع أهل الإسلام، وخلاف الدين والقرآن والسنن، ولهذا فهو يسقط هذه القاعدة، وينفي أن يكون فيما جاء حجة لاستعمالها، أو للقول بها. ٣- يرى ابن حزم أن لفظ الشبهات الذي جاء في: "ادرءوا الحدود بالشبهات" لا سبيل إلى استعماله؛ لأنه ليس فيه بيان لتلك الشبهات، فليس لأحد عنده -أن يقول في شيء يريد أن يسقط به حدًا: هذا شبهة- إلا كان لغير أن يقول: ليس بشبهة، ولا كان لأحد أن يقول في شيء لا يريد أن يسقط به حدًا، ليس هذا شبهة، إلا كان لغيره أن يقول: بل هو شبهة، ويعقب على هذا بقوله: ومثل هذا لا يحل استعماله في دين الله تعالى، أنه لم يأت به قرآن ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا قول صاحب ولا قياس، ولا معقول مع الاختلاط الذي فيه كما ذكرنا١. هذا ما وجهه ابن حزم من طعون للقائلين بقاعدة درء الحدود بالشبهات، مستهدفًا بذلك عدم الاعتداد بها في شيء. لكن ابن حزم وهو المجادل البارع قد جانبه الصواب هنا فيما وجهه من طعون. أما عن طعنه الأول ورده لما روي عن رسول الله ﷺ ، من قوله: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، بحجة أنه حديث مرسل، فالإرسال لا ينفي صحة الحديث في مثل هذا؛ لأن الموقوف في هذ له حكم المرفوع٢؛ لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف

стр. 266

مقتضى العقل، بل مقتضاه أن بعد تحقق الثبوت لا يرتفع بشبهة، فحيث ذكره صحابي حمل على الرفع. كما أن الرواية المرسلة إذا وردت رواية أخرى تتضمن معنى ما في الرواية المرسلة: فإنها تعضدها وتقويها. كما أن تتبع المروي عن النبي ﷺ ، والصحابة الأطهار ما يقطع في المسألة، فقد راجع النبي ﷺ ماعزا عند مجيئه مقرًا، وكأنه ﷺ كان يلقنه الرجوع عن الإقرار، كما أن مراجعه للنبي ﷺ لماعز يفهم منها حثه ماعزا على الرجوع؛ لأن المراجعة وإن كان من بين أهدافها التأكد والاستيثاق، إلا أن الوصول بها إلى هذا الحد مع إعراض النبي ﷺ عن ماعز يدل على ترجيح إرادة الرجوع على التأكد والاستيثاق؛ لأنه ﷺ لو كان مريدً التأكد، والاستيثاق بصفة خاصة لأقيل على ماعز إقبال من يريد التأكد، أما وقد أعرض وأشاح بوجهه الشريف، فإن ذلك يدل على إرادته الرجوع من ماعز، مرجحًا الرجوع على ما عداه، ومثل ما كان مع ماعز من مراجعة، بل وزيادة عليه قال الرسول ﷺ لمن جيء به سارقًا، إذ قال ﷺ له: "أسرقت ما أخاله سرق". ومثل ذلك أيضًا قاله النبي ﷺ للغامدية١. وقد حاول ابن حزم التشكيك في أن مقالة النبي ﷺ لماعز لم تكن محاولة إرجاعه عن إقراره أيضًا، ورأى أن مراجعته

стр. 267

- ﷺ لماعز كانت لتهمته إياه في عقله، وفي جهله ما هو الزنا فقط١. ومقالة ابن حزم هذه تستوجب وقفة لمناقشته في قوله: "إنما كان لتهمته في عقله، وفي جهله ما هو الزنا". فتهمة ماعز في عقله، أو جهله تورث الشك والشبهة في دليل الإثبات، أو في القصد الجنائي، أو فيهما معا لهذا أراد النبي ﷺ بالمراجعة على حد قول ابن حزم -الاستيثاق، وما ذلك إلا إزالة الشبهة، ثم ما مراد "ابن حزم من الجهل بالزنا؟ أن كان جهلًا لتحريمه، فهو شبهة في الركن الشرعي لقيام الجريمة. وإن كان جهلًا ماديًا، فهو شبهة في قيام الركن المادي للجريمة الثابت أن الرسول ﷺ ، قد راجع ماعزا بقوله: "لعلك" حتى وصل إلى حد النطق بما يكره، وهذا ثابت عند ابن حزم، إذا فما هدف الرسول ﷺ من ذلك كله؟ إن كان التأكد من سلامة الإقرار الحد بحيث لا يقيمه بشبهة، فهذا نتفق فيه مع ابن حزم وأصحابه. وإن كان للتأكد من عدم وجود شبهة تتصل بالجاني، أو بدليل الجناية أو بمادياتها، وهذا ما لا يستطيع ابن حزم إنكاره، فهذا هو الدليل القاطع على إعمال مبدأ درء الحدود بالشبهات، يقدمه ابن حزم نفسه رادًا به على نفسه. ويقول ابن حزم: وإنما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا

стр. 268

نتحدث أن ماعزا والغامدية لو رجعا بعد اعترافهما، أو لم يرجعا "بعد اعترافهما" لم يطلبهما. ويعلق ابن حزم على هذا بقوله: وهذا ظن والظن لا يجوز القطع به، وقول القائل لو فعل فلان كذا لفعل رسول الله ﷺ أمرًا كذا، ليس بشيء إذ لم يفعل ذلك لفلان١. والأمر ليس بظن كما قال ابن حزم، وإنما هو تقرير لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه. وإطلاق ابن حزم على هذه الحالة بأنها من باب الظن، إطلاق خطأ إذ إن الظن يتحقق فيما لو أن ماعزًا، والغامدية رجعا عن إقرارهما، أو لم يرجعا إلى الرسول ﷺ بعد الإقرار الأول، فتوهم الصحابة أن الحد قد سقط عنهما، وقالوا مقالتهم هذه، وإذ بالرسول يقيم الحد عليهما بإقرارهما مرة واحدة، أو يرسل يطلبهما، ويستنطقهما الإقرار. هذه هي الحالة التي يمكن أن يطلق ما على قبله الصحابة ما ذكره ابن حزم من أنه ظن، والظن لا يجوز القطع به. ولكن الحالة مختلفة، والأمر متغاير، فما قاله الصحابة ليس بظن، وإنما هو تقرير لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه الأبرار. كما أن ابن حزم قد قال فيما ذكره عن جابر٢، وأقر بصحته

стр. 269

ووروده عن الرسول ﷺ ، وقد قال جابر: "أنا أعلم الناس بأمر ماعز، إنما قال رسول الله ﷺ : "هلا تركتموه وجئتموني به"؟ ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لترك حد فلا. هذا نص كلام جابر فهو أعلم بذلك، ولم يرجع ماعز قط عن إقراره، وإنما قال: ردوني إلى الرسول ﷺ ، فإن قومي قتلوني، وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي١. والوقفة هنا لمناقشة ابن حزم، فيما أورده في مسألتين: الأولى: قول جابر -رضي الله تعالى عنه: ليستثبت رسول الله ﷺ . ماذا يريد جابر "بيستثبت" هذه مع أن الرسول قد راجع ماعزا، وسأله واستفسر منه، وسأل قومه عنه ... ثم إن الاستثبات هنا لا يمكن أن يكون معناه إثبات الجناية على ماعز؛ لأن الجناية قد تثبت عليه، وبدأ تنفيذ العقاب. إن ما يبقى من معنى تستثبت ها هنا هو التأكد من عدم وجود

стр. 270

ما يدرء الحد عن ماعز كرجوعه عن إقراره مثلًا، أو غير ذلك من الشبهات الدارئة: التي قد يثيرها ماعز. الثانية: عند قول ماعز: إن قومي قتلوني وغرروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي. هذا القول يدل صراحة على أن ماعزا قد توهم أن الرسول ﷺ ، سيعفو عنه كما أخبره قومه، وهذا ما دفع ماعزا إلى الإصرار على إقراره بالرغم من مراجعة الرسول ﷺ له. والنتيجة أن ماعزا لو لم يكن متوهمًا ذلك لما استمر في إقراره، ولرجع عنه قبل أن يصل به إقراره إلى حالته التي كان فيها، ويتبين من ذلك في وضوح أن رجوع ماعز عن إقراره كان كافيًا لدفع العقاب عنه، وإسقاط ما لزمه من حد نتيجة إقراره. أما الظن الثاني الذي قدمه ابن حزم، وهو أنه لم يصح عنده ما ورد عن: "ادرءوا الحدود ما استطعتم"، وما في معناه، نظرًا؛ لأن أعمال ذلك يؤدي في رأيه إلى إبطال الحدود، إذ أن في استطاعة كل فرد أن يدرأ كل حد يأتيه، فلا يقيمه. فهذا التعليل الذي ذكره ابن حزم، وبنى عليه رده لقاعدة درء الحدود بالشبهات، تعليل مردود ودليل ذلك ما يأتي: ١ يناقض ما ذهب إليه ابن حزم من الحرص على الإبقاء على الإدانة بالحد، وعدم نفيها أو إسقاطها، ما ورد عن النبي ﷺ من نصوص تأمر المسلم أن يحاول ستر نفسه بستر الله ، بقدر ما يستطيع، يقول الصادق المصدوق ﷺ : "أيها الناس: قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه

стр. 271

القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" ١. فهذا الحديث الشريف قد حض المسلمين على التستر على أنفسهم بصورة، جعلت المستر على النفس من بين الواجبات على كل المسلمين. كما أن الرسول ﷺ ، قد قال لمن جاء يشهد على آخر: "لو سترته بردائك كان خيرًا لك" ٢. وقال ﷺ : "من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة" ٣. وقال ﷺ : "لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" ٤. فإذا كان جزاء الستر على الآخرين بهذه الصورة المبينة في الحديث الشريف، والتي تصل بالمسلم إلى منزلة استحقاق ستر الله له في الآخرة، وتصور الأحاديث لزوم الستر على المسلم بصورة تقارب الواجب الذي إذا خولف أثم من خاله، مما لا شك فيه أن ستر الإنسان على نفسه

стр. 272

ومحاولته دفع الحد عنها أمر حث عليه الأحاديث الشريفة، فماذ يغضب ابن حزم إذا من محاولة المسلم أن ينفي الحد عن نفسه، أو أن يدرء كل حد يأتيه، فلا يقام الحد عليه، كما أن درء الحدود بالشبهات لا يقصد به إبطال الحدود، وإلغاؤها وإضاعة حقوق الناس، وإشاعة الفوضى. وإنما المراد به التثبت من وجوب الحدود، وإكمال مقتضاها بصورة تصل إلى اليقين، فإذا لم يكتمل ما يوجب الحد، اكتمال يصل حد اليقين، فكيف يمكن إقامة هذا الحد الذي أحاطت به الشبهات، وخالطه الشك. إن عدم إقامة الحد لا يجوز أن يوصف بأنه تضييع للحدود أو تعطيل لها، وإنما هو التثبت من وجوبها بالصورة التي حددها الإسلام، وعرفها عنه أتباعه ومن يطبقون أحكامه، والتزم بها كل من يشهد على جناية من الجنايات إذ لا بد أن يكون الأمر الذي يشهد بها واضحًا له وضوح الشمس، وإلا فليدع الشهادة به، وليس عليه من إثم، بهذا يحتقق العدل ولا تضيع حدود الله، على أن الشبهة الدارئة للحد لم يقل أحد أنها دائمًا تسقط العقوبة كلية، فإن كثيرًا ما ينقل العقاب من الحد إلى التعزير، أما الطعن الثالث الذي يقول فيها ابن حزم: إن لفظ الشبهات الذي جاء في: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، لا سبيل إلى استعماله؛ لأنه ليس فيه بيان لتلك الشبهات. فما ذلك القول من ابن حزم إصرارا منه، وتأكيدًا لتمسكه بظاهر النصوص، كما هو مبدأ الظاهرية جميعهم. أما محاولة تفسير المسائل، وشرح المبهم وبيانه بما يتفق، ويتحقق غرض الشريعة. فذلك أمر يبتعدون عنه في ظاهر مذهبهم، وإن كانوا قد استخدموه، وعملوا به كما هو واضح مما جاء في كتبهم، وعلى الأخص كتاب المحلى لابن حزم نفسه.

стр. 273

كما أن السابقين قد يبنوا المراد بالشبهات، وإن كان قد جاء اختلاف في تفسيراتهم للشبهات، فليس ذلك عيبًا يسقط الأخذ بها، أو ينفي أعمالها، وإنما هو رحمة من الله ، وإقرار لمبدأ الاجتهاد، وإعمال له. ويكفي في الرد على ابن حزم في كل ما أثاره من طعون ما ذكره هو نفسه، فيما رواه عن أبي موسى الأشعري١ -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: "أتيت وأنا باليمن بامرأة فسألتها؟ فقالت: ما تسأل عن امرأة حبلى، ثيب من غير بعل، أما والله ما خاللت خليلًا، ولا خادنت خدنا، منذ أسلمت، ولكني بينما أنا نائمة بفناء بيتي، فوالله ما أيقظني إلا الرجل حين ركبني، وألقى في بطني مثل الشبهات، فقال: فكتبت فيها إلى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إلي: أن وافني بها وبناس من قومها، فوافيته بها في الموسم، فسأل عنها قومها؟ قالوا: خيرًا، وسألها، فأخبرته كما أخبرتني، فقال عمر: شابة تهامية تنومت قد كان ذلك يفعل، فمارها عمر وكساها، وأوصى بها قومها خيرًا". ثم يقول ابن حزم معقبًا على هذا كله: "هذا خبر في غاية الصحة"٢، وهنا سؤال يوجه إلى ابن حزم فيما رواه بصحته، لماذا لم يقم أبو موسى الأشعري الحد على هذه المرأة؟. وما الذي حدا به لسؤال عمر في أمرها؟.

стр. 274

إن الإجابة واضحة، فأبو موسى لم يكن يسأل عمر في كل ما يعرض عليه من قضايا، وإنما؛ لأن الأمر اشتبه عليه، وحفت قضية هذه المرأة بالشبهات التي حالت بين أبي موسى، وبين إقامة الحد على هذه المرأة، ولم يجد إلا سؤال عمر ﵄، وتجيء المرأة وثمرة جريمتها واضحة لا لبس فيها ولا خفاء. فهل حدها عمر، وترك مقالتها؟ ولم يلتفت إلى ما أثارته من شبهة؟ لقد دفع عمر الحد عنها؛ لأن مقالتها أورثت شبهة في حقها، فليس أمام عمر إلا أن يدرء عنها الحد أعمالًا للشبهة واعتدادًا بها، وليس ذلك فقط بل أطعمها وكساها، وأوصى بها خيرًا. من هذا يتبين أن ابن حزم قد صحح خبرًا ورد عن الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁، أعمل فيه الشبهة، ودرء بها الحد. كما أن الخبر تضمن أيضًا توقف الصحابي الجليل، أبي موسى الأشعري، عن القضاء، فيما تلزم به هذه المرأة، لما اشتبه عليه أمرها. ونهضت في حقها شبهة جهلها الحكم، نظرًا؛ لأنها لم تعلم، أو؛ لأنها أكرهت على الفعل أو أتاها وهي نائمة، آلى غير ذلك مما عده الفقهاء شبهة تدرء الحد. وقد أوضح ابن الخطاب حالتها بأنها "تنومت وقت أن كان ذلك يفعل". ومما لا شك فيه أن ذلك يحتمل أنها لم تكن نائمة، وإنما تنومت، ومع ذلك درء عمر عنها الحد. فإذا انضم هذا إلى ما روي عن الرسول ﷺ ، وعده

стр. 275

ابن حزم مرسلًا، تقوي به ما روي مرسلًا١ خصوصًا، وأن ابن حزم قد صححه. كما أن ورود ذلك عن صحابي جليل، وقد حكم أمام صحابة أجلاء يفصل في القضية، ويصحح ما حاول ابن حزم التشكيك فيه توطئه لعدم الأخذ به، وطريقًا لرده، وعدم إعماله. كما يبين مما سبق أن ابن حزم، وإن كان قد أنكر قاعدة درء الحدود بالشبهات، إلا أنه لا يخالف الفقهاء القائلين بها، فيما تؤدي إليه من أنه لا يجوز أن يقام حد بشبهة، بل هو قد صرح بذلك حين بين أن الحدود لا يجوز أن يقام حد بشبهة، بل هو قد صرح بذلك حين بين أن الحدود لا يجوز أن تقام بشبهة، ولا أن تدرء بشبهة، فمتى لم يتم إثبات الجريمة على الجاني بصورة يقينية، فإنه لا يجوز إقامة الحد عليه.

стр. 276

ومتى تم ذلك وجب إنفاذ الحد على الجاني، ولم يخالف أحد من الفقهاء في ذلك. وعليه فإن الفريق بين ابن حزم، وجمهور الفقهاء فيما قال به كل منهم، وإن بدا بعيدًا من الناحية النظرية، إلا أنه يكاد يتطابق من الناحية الجوهرية. لأن ما يسقطه جمهور الفقهاء من الحدود لقيام الشبهة، يعتبره ابن حزم لم يجب أصلًا؛ لأن شروطه لم تكتمل في رأيه بمقاييسه، فما يسقطه جمهور الفقهاء من الحدود لوجود شبهة في الفاعل، كأن كان جاهلًا الحكم جهلًا يعتد به، لا يوجبه ابن حزم أصلًا حتى يمكن أن يسقطه، ومثل هذا كثير. ويبقى بعد ذلك مسائل قليلة هي التي يتحقق فيها اختلاف وجهتي النظر، وذلك مثل ما اكتملت فيه شروط الحد مع وقائع، وتم إثباتها وألزم الجاني فيها بعقوبة السرقة الحدية، ثم تملك السارق الشيء المسروق قبل إقامة الحد لسبب أو لآخر. أو غاب أحد الشهود قبل تنفيذ الحكم سواء أكان غيابًا حقيقيًا، أم كان اعتباريًا كأن يفقد أهليته عند من يشترط بقاء الشهود على حالتهم التي أدوا الشهادة بها حتى ينفذ الحكم، وهذه وما ماثلها من المسائل هي التي ينحصر الخلاف فيها.

стр. 277

الفصل الثاني: الشبهات التي تعتري أركان الجريمة مدخل ... الفصل الثاني: الشبهات التي تعتري أركان الجريمة تقديم: اهتم الفقهاء القدامى بالحديث عن الشبهات المسقطة للحدود، وبيان أنواعها واختلافها بحسب ما تتعلق به، وذكروا أن منها ما يتعلق بالفاعل، ومنها ما يتعلق بالفعل أو بالمحل، ومنها ما يتعلق بالإثبات إلى غير ذلك مما ذكروه عنها، مع تفاوت بيان ذلك من مذهب إلى آخر، كل حسب عنايته واهتمامه، ولكنهم مع هذا الجهد المشكور لم يعنوا بتصنيف ما ذكروه من الشبهات، بالقدر الذي عنوا به ببيان أفراد هذه الشبهات، وإن كان فقهاء الأحناف قد اهتموا بتصنيف الشبهات تصنيفًا محددًا، وتبعهم في ذلك أيضًا فقهاء الشافعية، أما فقهاء المالكية، والحنابلة، فقد اكتفوا ببيان أنواع الشبهات في مواضع متفرقة عند حديثهم عن الحدود تارة، وعند بيان كل جناية من الجنايات الحدية تارة أخرى، وثالثة عند بيانهم طرق الإثبات. الأمر الذي ترتب عليه محاولة جمع ما كتبوه في هذه المواضع المتناثرة، وتصنيفه وعرضه، والتأليف بينه بقدر المستطاع، واستخلاص تصورهم للشبهات بصفة عامة. وعلى أيه حال، فهذا هو المنهج الغالب على ما كتبه الفقهاء جميعًا في بداية نشأة المذاهب، وقيام المدراس الفقهية. إذ أنهم قد أولوا اهتمامهم كله ببيان الأحكام الشرعية لما عرض من مسائل فقهية، تتطلب بيان رأي المشرع فيها، وتحديد أحكامها. الأمر الذي شغل به الأقدمون أكثر من اشتغالهم بتأصيل المسائل، والتأليف بين المتناظر منها.

стр. 278

وقد ذكر البعض أن ذلك يرجع إلى أن فكرة الشبهة فكرة نسبية، وأن المرجع فيها في أغلب الأحيان إلى اجتهاد الحاكم، فهي تختلف باختلاف الحدود والزمان والأحوال، وبذلك انصرف الفقهاء عن تقسيمها، وبيان أنواعها واكتفوا بالتصدي لها واحدة بعد الأخرى، كلما اقتضى الأمر١. وقد رد على هذا العليل، بأن المتأمل في الشبهات التي عددها الفقهاء، لا يتردد في رفض دعوى نسبيتها، فهي ليست أمور قلقة متغيرة، ولا هي أحاد شاردة تفتقر إلى ما يربط بينها، بل إنها -أيا ما كان الرأي في بعضها قابلة للتصنيف والتقسيم٢، كما أنه قد خفي على من ادعى نسبية الشبهات، أن أحكام الشريعة في مسائل الحدود أحكام ثابتة لا تقبل هذه الدعوى بالنسبية، ومثلها في ثباتها هذا كل ما اتصل بها، وإذا كان المدعي للنسبية بنى دعواه هذه في إرجاعه والشبهة إلى اجتهاد الحاكم، على ما وقع من مسائل، وقضايا في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كما حدث في عام المجاعة، وما ماثل ذلك. فإن الفرق واضح بين كل ما كان من عمر ﵁، وبين ما تحتمله هذه النسبية التي يتحدث عنها، وما قد تنطوي عليه، فعمر -رضي الله تعالى عنه، وضع مبدأ وطبقه على الجميع، وتوخى فيه إرضاء الله، والعمل بروح الشريعة، ولم تستهدف من ذلك إرضاء أحد، أو مجاملة فرد، أو إسقاط الحد عن قريب، أو شريف أو صاحب جاه، أو سلطان

стр. 279

تمسكا بما أرساه الرسول ﷺ في قضايا الحدود وعموميتها، ورفض النسبية فيها، ورده للشفاعة فيما حكم فيه، كما أن الفقهاء القدامى قد ضبطوا ما تحدثوا عنه من أنواع الشبهات بضوابط ثابتة، بما ذكروه من أمثلة لها بصفة عامة عند جميع الفقهاء، وبما حاول بعضهم تصنيفه، وجمع مسائله تحت مسميات محدودة. وقد قسم فقهاسء الأحناف الشبهة، وتبعهم في ذلك فقهاء الشافعية مع اختلاف في التسمية والتبويب، وسيتضح ذلك من خلال ما سأبينه في المبحثين الآتيين:

стр. 280

المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي مدخل ... المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي ويشتمل على المطالب الآتية: المطلب الأول: شبهة الدليل. المطلب الثاني: شبهة الحق. المطلب الثالث: شبة الملك. تقديم: بينت الشريعة الإسلامية للإنسان الحلال والحرام، فهي قد نصت على ما يجب على الإنسان أن يتجنبه، وبينت مراتب النهي، ودرجات الحظر، ووضحت عقوبة مخالفة أوامرها ونواهيها. وهذا ما يسمى بالركن الشرعي، وهو يعني ورود نص يحرم فعلًا ما من الأفعال، ويعاقب على اتيانه. واختصت أفعالًا معينة في النظام العقابي الإسلامي -بعقوبات محددة، ما لم يكن هناك سب من الأسباب التي تقتضي إباحة فعل ما من هذه الأفعال المحددة العقوبة، فإذا أوجد سبب من هذه الأسباب، فقد يترتب عليه انتفاء العقوبة كلية، وقد يترتب عليه تغير العقوبة، واختلاف درجاتها. وتندرئ العقوبة الحدية أيضًا عمن وقع منه الفعل، إذا كان تحريم هذا الفعل، وإلزام عقوبة حدية عليه موضع شك أو شبهة.

стр. 281

سواء أنتج وجود ذلك الشك، أو الشبهة إسقاط جنس العقوبة كلية، أو إسقاط نوع العقوبة الحدية، وإلزام من وقع منه هذا الفعل عقوبة تعزيرية مناسبة. ويتضح ذلك فيما يأتي: أولًا: وجود سبب من أسباب الإباحة، وذلك في حالة إذا سرق والد من مال ولده، فإنه بالرغم من وجود نص يخرجد السرقة بصفة عامة، إلا أن وجود صفة الأبوة في السارق هنا يعد سببًا من أسباب الإباحة، وذلك نظرًا لما جاء من قول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، وسيأتي الحديث عن ذلك بشيء من التفصيل. ثانيًا: إذا وجد ما يجعل تحريم الفعل موضع شك أو شبهة، وذلك لمن يدخل بامرأة تزوجها بلا ولي، أو بلا شهود، فقد أسقط الإمام أبو حنيفة الحد في الأولى، وأسقط الإمام مالك الحد في الثانية. كما روي عن ابن عباس ﵄ إباحة نكاح المتعة١. ففي هذه كله، وما أشبهه قد اعترى الركن الشرعي للجريمة ما أنتج درء حدها. وتنحصر الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، فيما يأتي: ١ شبهة الدليل. ٢ شبهة الحق. ٣ شبهة الملك.

стр. 282

المطلب الأول: شبهة الدليل وتنتج من وجود دليلين يقرر كل منهما حكما يغاير الحكم الذي يقرره الآخر، ويتنازعان محلا واحدًا. والدليلان المتغايران اللذان تنتج عن وجودهما شبهة الدليل، قد يقومان لدى مجتهد واحد، ويثبتان عنده. وقد يثبت أحدهما عن مجتهد فيعمله، ويثبت الآخر عند مجتهد آخر، فيعمله. فشبهة الدليل إذا تقوم في موضعين: أ- الموضع الأول: إذا اجتمع لدى مجتهد واحد دليلان يتجاذبان حكم فعل واحد من الأفعال، وقد تفاوتا على الدرجة، بمعنى أن أحدهما راجح والآخر مرجوح، فإنه يترتب على وجود مثل هذين الدليلين أعمال المجتهد لهما -وهو ما يسميه الحنفية الشبهة الحكمية، ويرون أنها أحد قسمي شبهة المحل١. بمعنى أنه يعمل الدليل الراجح أولًا، فإذا كان أعمال هذا للدليل يترتب عليه تجريم الفعل، والعقاب عليه بالعقوبة الحدية، وجب إلزام مقترفة بالعقوبة المقررة. ثم كان على المجتهد، أن يعمل الدليل المرجوح أيضًا بمعنى أنه إذا كان هذا الدليل المرجوح، يفيد حل الفعل، أو إباحته أعمله المجتهد على سبيل أنه ينتج شبهة في الدليل الراجح بالنسبة لهذه

стр. 283

الواقعة، وعليه يترتب على وجود هذا الدليل المرجوح، درء العقوبة الحدية التي قرره الدليل الراجح على كل من ارتكب الفعل. وذكر فقهاء الأحناف مثالًا للمحل الذي اجتمع فيها الدليلان، فأنتجا شبهة الدليل، بالرجل الذي سرق من مال ابنه المقدار الذي تلزم به العقوبة الحدية للسارق لو كان المسروق لأجنبي، وقال فقهاء الأحناف: إن فعل هذا الأب الذي سرق من مال ابنه، قد اجتمع فيه دليلان متغايران يتجاذبان حكمه. أما الأول وهو الدليل الراجح، فإنه يفيد التحريم، ويلزم العقوبة الحدية، ويتمثل هذه الدليل فيما جاء من قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١. فهذا الدليل تنطوي تحته أفعال السارقين، ومنهم هذا الأب الذي سرق. أما الدليل الثاني، وهو الدليل المرجوح، فإنه يفيد إباحة فعل الأب، ولا يعاقب عليه، ويتمثل هذا الدليل المرجوح فيما روي عن قول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك " ٢. وعليه فإن وجود هذا الدليل المرجوح يورث في انطباق دليل التحريم الراجح، على ما ورد في حقه دليل الإباحة المرجوح.

стр. 284

ويترتب على وجود هذه الشبهة درء العقوبة الحدية على الأب الذي سرق من مال ابنه. سواء أظن الأب الحل أو علم الحرمة؛ لأن ثبوت شبهة الدليل في حقه قائم سواء أعلمها، أو لم يعلمها١. ب- الموضع الثاني: الذي تقوم فيه شبهة الدليل هو عند اجتماع دليلين متعارضين لدى مجتهدين مختلفين، وكان هذان الدليلان المتعارضان يتنازعان محلًا واحدًا. بمعنى أن الفعل يعد حلالًا على الحقيقة عند أحد المجتهدين بما ثبت عنده من دليل حل هذا الفعل. ويعد نفس الفعل حراما على الحقيقة عند المجتهد الآخر بما ثبت عنده من دليل تحريم نفس الفعل. وعلى هذا فإن من ثبت عنده دليل حل الفعل، وإباحته لا يلزم من أتى هذا الفعل بعقوبة ما لكونه أتى فعلًا مباحًا، أما من ثبت عنده دليل تحريم هذا الفعل، فإنه يلزم من أتاه بالعقوبة المقررة له؛ لأنه أتى فعلًا محرمًا معاقبا عليه. وهذا النوع من شبهة الدليل هو ما أطلق عليه جمهور فقهاء الشافعية، والحنابلة شبهة الجهة أو الطريق. أما فقهاء الأحناف، فقد أوردوا هذه الشبهات تحت اسم شبهة العقد٢.

стр. 285

وقد ذكر جمهور فقهاء الشافعية أمثلة لما اختلف الفقهاء، في حكمه إذا أباحه بعض الفقهاء، ولم يبحه البعض الآخر، من ذلك ما يأتي: أ- الزواج الذي لم يحضره ولي، أو لم يحضر وقت عقده شهود، فقد أجاز الإمام أبو حنيفة الزواج الذي لم يحضر وقت إجراء عقده ولي، كما أجاز الإمام مالك الزواج الذي لم يحضر إجراء عقده شهود، وعلى هذا فقد ذهب جمهور فقهاء الشافعية، إلى القول بأنه ما دام أحد الفقهاء قد أجاز هذا الزواج، فإن إجازته له تنتج شبهة في حق من دخل بامرأة في ظل زواج مثل هذا. وعليه فلا يعد فعله جريمة من الجرائم المعاقب عليها، لقيام شبهة الدليل في حقه، وهي شبهة تدرء العقوبة الحدية. وقد أورد جمهور فقهاء الشافعية في معرض حديثهم عن شبهة الجهة حكم الوطء في ظل زواج المتعة١.
следующие страницы →