← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سواء أنتج وجود ذلك الشك، أو الشبهة إسقاط جنس العقوبة كلية، أو إسقاط نوع العقوبة الحدية، وإلزام من وقع منه هذا الفعل عقوبة تعزيرية مناسبة. ويتضح ذلك فيما يأتي: أولًا: وجود سبب من أسباب الإباحة، وذلك في حالة إذا سرق والد من مال ولده، فإنه بالرغم من وجود نص يخرجد السرقة بصفة عامة، إلا أن وجود صفة الأبوة في السارق هنا يعد سببًا من أسباب الإباحة، وذلك نظرًا لما جاء من قول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، وسيأتي الحديث عن ذلك بشيء من التفصيل. ثانيًا: إذا وجد ما يجعل تحريم الفعل موضع شك أو شبهة، وذلك لمن يدخل بامرأة تزوجها بلا ولي، أو بلا شهود، فقد أسقط الإمام أبو حنيفة الحد في الأولى، وأسقط الإمام مالك الحد في الثانية. كما روي عن ابن عباس ﵄ إباحة نكاح المتعة١. ففي هذه كله، وما أشبهه قد اعترى الركن الشرعي للجريمة ما أنتج درء حدها. وتنحصر الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، فيما يأتي: ١ شبهة الدليل. ٢ شبهة الحق. ٣ شبهة الملك.

стр. 282

المطلب الأول: شبهة الدليل وتنتج من وجود دليلين يقرر كل منهما حكما يغاير الحكم الذي يقرره الآخر، ويتنازعان محلا واحدًا. والدليلان المتغايران اللذان تنتج عن وجودهما شبهة الدليل، قد يقومان لدى مجتهد واحد، ويثبتان عنده. وقد يثبت أحدهما عن مجتهد فيعمله، ويثبت الآخر عند مجتهد آخر، فيعمله. فشبهة الدليل إذا تقوم في موضعين: أ- الموضع الأول: إذا اجتمع لدى مجتهد واحد دليلان يتجاذبان حكم فعل واحد من الأفعال، وقد تفاوتا على الدرجة، بمعنى أن أحدهما راجح والآخر مرجوح، فإنه يترتب على وجود مثل هذين الدليلين أعمال المجتهد لهما -وهو ما يسميه الحنفية الشبهة الحكمية، ويرون أنها أحد قسمي شبهة المحل١. بمعنى أنه يعمل الدليل الراجح أولًا، فإذا كان أعمال هذا للدليل يترتب عليه تجريم الفعل، والعقاب عليه بالعقوبة الحدية، وجب إلزام مقترفة بالعقوبة المقررة. ثم كان على المجتهد، أن يعمل الدليل المرجوح أيضًا بمعنى أنه إذا كان هذا الدليل المرجوح، يفيد حل الفعل، أو إباحته أعمله المجتهد على سبيل أنه ينتج شبهة في الدليل الراجح بالنسبة لهذه

стр. 283

الواقعة، وعليه يترتب على وجود هذا الدليل المرجوح، درء العقوبة الحدية التي قرره الدليل الراجح على كل من ارتكب الفعل. وذكر فقهاء الأحناف مثالًا للمحل الذي اجتمع فيها الدليلان، فأنتجا شبهة الدليل، بالرجل الذي سرق من مال ابنه المقدار الذي تلزم به العقوبة الحدية للسارق لو كان المسروق لأجنبي، وقال فقهاء الأحناف: إن فعل هذا الأب الذي سرق من مال ابنه، قد اجتمع فيه دليلان متغايران يتجاذبان حكمه. أما الأول وهو الدليل الراجح، فإنه يفيد التحريم، ويلزم العقوبة الحدية، ويتمثل هذه الدليل فيما جاء من قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١. فهذا الدليل تنطوي تحته أفعال السارقين، ومنهم هذا الأب الذي سرق. أما الدليل الثاني، وهو الدليل المرجوح، فإنه يفيد إباحة فعل الأب، ولا يعاقب عليه، ويتمثل هذا الدليل المرجوح فيما روي عن قول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك " ٢. وعليه فإن وجود هذا الدليل المرجوح يورث في انطباق دليل التحريم الراجح، على ما ورد في حقه دليل الإباحة المرجوح.

стр. 284

ويترتب على وجود هذه الشبهة درء العقوبة الحدية على الأب الذي سرق من مال ابنه. سواء أظن الأب الحل أو علم الحرمة؛ لأن ثبوت شبهة الدليل في حقه قائم سواء أعلمها، أو لم يعلمها١. ب- الموضع الثاني: الذي تقوم فيه شبهة الدليل هو عند اجتماع دليلين متعارضين لدى مجتهدين مختلفين، وكان هذان الدليلان المتعارضان يتنازعان محلًا واحدًا. بمعنى أن الفعل يعد حلالًا على الحقيقة عند أحد المجتهدين بما ثبت عنده من دليل حل هذا الفعل. ويعد نفس الفعل حراما على الحقيقة عند المجتهد الآخر بما ثبت عنده من دليل تحريم نفس الفعل. وعلى هذا فإن من ثبت عنده دليل حل الفعل، وإباحته لا يلزم من أتى هذا الفعل بعقوبة ما لكونه أتى فعلًا مباحًا، أما من ثبت عنده دليل تحريم هذا الفعل، فإنه يلزم من أتاه بالعقوبة المقررة له؛ لأنه أتى فعلًا محرمًا معاقبا عليه. وهذا النوع من شبهة الدليل هو ما أطلق عليه جمهور فقهاء الشافعية، والحنابلة شبهة الجهة أو الطريق. أما فقهاء الأحناف، فقد أوردوا هذه الشبهات تحت اسم شبهة العقد٢.

стр. 285

وقد ذكر جمهور فقهاء الشافعية أمثلة لما اختلف الفقهاء، في حكمه إذا أباحه بعض الفقهاء، ولم يبحه البعض الآخر، من ذلك ما يأتي: أ- الزواج الذي لم يحضره ولي، أو لم يحضر وقت عقده شهود، فقد أجاز الإمام أبو حنيفة الزواج الذي لم يحضر وقت إجراء عقده ولي، كما أجاز الإمام مالك الزواج الذي لم يحضر إجراء عقده شهود، وعلى هذا فقد ذهب جمهور فقهاء الشافعية، إلى القول بأنه ما دام أحد الفقهاء قد أجاز هذا الزواج، فإن إجازته له تنتج شبهة في حق من دخل بامرأة في ظل زواج مثل هذا. وعليه فلا يعد فعله جريمة من الجرائم المعاقب عليها، لقيام شبهة الدليل في حقه، وهي شبهة تدرء العقوبة الحدية. وقد أورد جمهور فقهاء الشافعية في معرض حديثهم عن شبهة الجهة حكم الوطء في ظل زواج المتعة١.

стр. 286

فذكروا في أحد أقوالهم: أن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهم قال بإباحته، وعليه لا حد بالوطء فيه، وإن اعتقد الواطئ تحريمه: لوجود شبهة الخلاف. أما القول الثاني: فإنه يجب الحد بالوطء في ظل نكاح المتعة؛ لأنه قد ثبت نسخه وقد رجع عنه ابن عباس. وفي قول ثالث: يجب الحد على معتقد التحريم دون غيره١.

стр. 287

وجمهور فقهاء الشافعية، وإن قالوا بشبهة الجهة هذه، فإنهم لم يتركوا باباها مفتوحًا ليدخل فيه كل خلاف بين الفقهاء، وإنما قصروا ذلك على وقائع محدده، هي التي قالوا بانضوائها تحت ما وضعوه من ضابط للقول بهذه الشبهة. من هذه الوقائع النكاح بلا ولي، أو بلا شهود ومثلهما نكاح المتعة، ثم ذكروا وقائع أخرى اختلف فيها فقهاء، لكنهم لم يروا اختلاف الفقهاء فيها اختلافًا منتجا لشبهة الجة، أو الطريق؛ لأنهم يرون أن الضابط في الشبهة قوة المدرك، لا عين الخلاف، كما ذكرها الشيخان. فلو وطئ أمة غيره بإذنه حد على المذهب عند جمهور الشافعية، وإن حكي عن عطاء حل ذلك، وهو ما ذهب إليه الشيعة الجعفرية. كما أن فقهاء الشيعة يشترطون في محل الخلاف المذكور أن لا يقارنه حكم، فإن قارنه حكم بأن حكم شافعي يبطلانه حد قطعًا، أو حنفي أو مالكي بصحته لم يحد قطعًا؛ لأن حكم القاضي يمنع النزاع، ويرفع الخلاف، وعلى هذا فإن جمهور فقهاء الشافعية لم يقل بشبهة الجهة بصفة عامة، وإنما وضع لها من الضوابط ما يخصصها، ويحدد مرادهم بها، وقد وضح الشربيني الخطيب ذلك بقوله: وقد مر أن شرط الشبهة أن تكون قوية المدرك مسقطة للحد ليخرج أيضًا شبهة من استؤجرت للزنا، فلذلك قال: ويحد في وطء مستأجر للزنا بها لانتفاء الملك والعقد، وعقد الإجارة باطل، ولا يورث شبهة، مؤثرة كما لو اشترى خمرًا فشربها، وهذا ما ذهب إليه المالكية والحنابلة أيضًا.

стр. 288

وعن أبي حنيفة أنه لا حد؛ لأن الإجارة شبهة، وعورض بأنها لو كانت شبهة لثبت النسب، ولا يثبت اتفاقًا. فإن قيل: لم لم يراع خلافه هنا كما مر في نكاح بلا ولي؟ أجيب بضعف مدركه هنا. ويحد أيضًا في وطء مبيحة فرجها للوطء؛ لأن البضع لا يباح بالإباحة، وتحد هي أيضًا في المسألتين، وفي وطء محرم بنسب أو رضاع، أو مصاهرة وأن كان تزوجها؛ لأنه وطء صادف محلًا ليس فيه شبهة، وإن كان أبو حنيفة قد قال لا حد عليه؛ لأن صورة العقد شبهة١. من هذا يبين تأكيد جمهور فقهاء الشافعية، والحنابلة على أن تكون الشبهة قوية المدرك حتى يمكن الاعتداد بها في إسقاط الحد، فإن تخلف هذا الشرط، فإنها تصبح شبهة ضعيفة لا يلتفت إليها، ولا يدرأ بها حد. وعلى هذا فإن شبهة الجهة، أو الطريق لا تقوم عندهم إلا إذا كان الخلاف في حل الفعل وتحريمه، بشرط أن يكون هذا الخلاف ناتجًا من اعتداد من يقول بالحل بدليله الذي ثبت عنده، واعتداد من يقول بالحرمة بدليله الذي ثبت عنده. وعلى هذا أيضًا لا يعد من شبهة الجهة، أو الطريق كل خلاف في أن هذه شبهة أم لا، ما دام الفقهاء قد اتفقوا على تحريم الفعل، ولم يوجد عند أحدهم دليل يقول بحله.

стр. 289

أي أن ما اختلف عليه جمهور الفقهاء -مع أبي حنيفة، فيما يرى الإمام أبو حنيفة أنه شبهة عقد، أو اشتباه ويرى جمهور الفقهاء أنه ليس بشبهة، لا يجوز الاعتداد به، ولا يترتب عليه إسقاط العقوبة الحدية، ما دام الجمهور يرون أن الفعل الذي وقع حرام عندهمن ويتمثل ذلك فيما قال به الإمام أبو حنيفة من شبهة العقد، أي عقد، حتى ولو كانت العقوبة عليه محرمة على من عقد عليها لنفسه حرمة ثابتة بإجماع الفقهاء، حتى ولو كان التحريم على التأبيد. وقد بقين الكساني بقوله: "والأصل عند أبي حنيفة عليه الحرمة أن النكاح إذا وجد من أهله مضافًا إلى محل قابل لمقاصد النكاح بمنع وجود الحد، سواء أكان حلالًا أم حرمًا، وسواء أكان مختلفًا فيه أم مجمعًا عليه، وسواء أظن الحل فادعى الاشتباه أم علم الحرمة"١. وعلى هذا فلو عقد رجل على من تحرم عليه من نسب، أو رضاع أو مصاهرة أو لأي سبب غير ذلك، ثم دخل بها، فإن عقده عليها يعد عند أبي حنيفة شبهة تسقط الحد، نظرًا؛ لأن هذا الرجل وهذه المرأة يشملها عموم النص الذي ورد بإباحة نكاح من تطيب من النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢. ويشملها أيضًا العموم الذي جاء في قول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٤.

стр. 290

فالإمام أبو حنيفة، يرى أن الآيات قد جعلت الأنثى من بنات آدم ﵇ محلًا صالحًا لمقاصد النكاح من السكنى، والولد والتحصين وغيرها، فكانت محلًا لحكم النكاح؛ لأن حكم التصرف وسيلة إلى ما هو المقصود من التصرف، فلو لم يجعل محل المقصود محل الوسيلة، لم يثبت معنى التوسل، إلا أن الشرع أخرجها من أن تكون محلًا للنكاح شرعًا مع قيام الحلية حقيقة، فقيام صورة العقد والمحلية يورث شبهة إذ الشبهة اسم لما يشبه الثابت، وليس بثابت. كما أن الإمام أبا حنيفة يرى أن النكاح، والمحلية قد وجدا غير أن شرط الصحة قد فات، فكان نكاحًا فاسدًا، والوطء في النكاح الفاسد لا يكون زنا بالإجماع١. كما ذكر صاحب المبسوط أن الإمام أبا حنيفة لا يرى حدًا على من استأجر امرأ ة ليزني بها؛ لأن عقد الاستئجار مشروع لملك المنفعة، أو باعتبار ذلك ينتج شبهة تدرأ الحد. فقد جاء في المبسوط: رجل استأجر امرأة ليزني به، فزنى بها، فلا حد عليهما في قول أبي حنيفة ... واحتج ﵀ بحادثتين ذكرهما عن عمر -رضي الله تعالى عنه، إحدهما ما روي أن امرأة استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ عمر الحد عنها. والثانية أن امرأة سألت رجلًا مالًا، فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ الحد، وقال: هذا مهر، ولا يجوز أن يقال: إنما درأ الحد؛ لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش؛ لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه، وهو غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالا كما ذكرنا

стр. 291

في الثانية أنه علل، فقال: هذا مهر ومعنى هذا أن المهر والأجر يتقاربان، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ١ سمى المهر أجرًا. ولو قال: أمهرتك كذا لأزني بك لم يجب الحد، وكذلك إذا قال: استأجرتك، توضيحية أن هذا الفعل ليس بزنا، وأهل اللغة لا يسمون الوطء الذي يترتب على العقد زنا، ولا يفصلون بين الزنا وغيره إلا بالعقد، فكذلك لا يفصلون بين الاستئجار والنكاح؛ لأن الفرق بينهما شرعي، وأهل اللغة لا يعرفون ذلك، فعرفنا أن هذا الفعل ليس بزنا لغة، وذلك شبهة في المنع من وجوب الحد حقًا لله تعالى، كما لا يجب الحث على المختلس؛ لأن فعله ليس بسرقة لغة، يوضحه أن المستوفي بالوطء، وإن كان في حكم العتق، فهو في الحقيقة منفعة، الاستئجار عقد مشروع لملك المنفعة، وباعتبار هذه الحقيقة يصير شبهة، بخلاف الاستئجار للطبخ والخبز؛ لأن العقد هناك غير مضاف إلى المستوى بالوطء، ولا إلى ما هو سبب له، فالعقد المضاف إلى محل يوجب الشبهة في ذلك المحل لا في محل آخر"٢. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من إطلاق شبهة العقد قم يرضه جمهور الفقهاء، وقالوا بوجوب الحد على من عقد على امرأة مجمع على تحريمها عليه؛ لأنهم يرون أن صورة المبيح، إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة، والعقد في المسائل التي قال بها الإمام أبو حنيفة باطل محرم وفعله جناية تقتضي عقوبة تنضم إلى عقوبة الزنا، فلم تكن شبهة٣.

стр. 292

واستند نقد الفقهاء لأبي حنيفة، فيما ذكر من إسقاط الحد بالنسبة لمن استأجر امرأة فزنى بها. وقالوا: إن عقد الإجارة باطل ولا يورث شبهة، وقاسوا ذلك بحال من اشترى خمرًا فشربها، وأن عقد الإجارة لو كان يورث شبهة لثبت به النسب، والنسب لا يثبت في مثل ذلك اتفاقًا١. ويزيد ابن القيم على ما سبق من قول الفقهاء منكرًا على أبي حنيفة قوله بشبهة عقد الاستئجار: كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة في المنع منه، ثم يسقط الحد بالتحايل عليه بأن يستأجره لذلك، أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يعجز عن ذلك زان أبدًا؟! وهل يسقط الشارع الحكم الحد، عمن أراد أن ينكح أمه أو ابنته، أو أخته بأن يعقد عليها العقد، ثم يطأها بعد ذلك، وهي ما زادت صورة العقد المحرم، إلا فجوررا وإثماً، واستهزاء بدين الله وشرعه، ولعبًا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك دفع هذه العقوبة عنه، وإسقاطها بالحيلة التي فعلها مضمومة إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته٢، هذه مقالة أبي حنيفة، وبيان رأي الجمهور فيها. أما الصاحبان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فإنهما لم يقولا بشبهة

стр. 293

العقد على إطلاقه كما ذهب أبو حنيفة، وإنما عد العقد شبهة إذا كان النكاح محلًا للخلاف بين الفقهاء، أو كان التحريم مؤقتا فقط. إما إذا كانت المعقود عليها محرمة على من عقد عليها لنفسه تحريمًا تأبيديا بحيث لا يمكن أن تكون حلالًا له قط، كأمه أو أخته، أو ابنته مثلًا، أو كان النكاح مجمعًا على بطلانه، كما إذا عقد على امرأة في عصمة رجل آخر، فإن العقد في هاتين الحالتين لا يمكن أن ينتج علنه شبهة تدرأ الحد، ولذا أوجبوا الحد إذا حدث دخول في هاتين الحالتين، إلا إذا ادعى من دخل أنه ظن أن ذلك حلالًا، وأن الأمر اشتبه عليه، فهنا يدرأ الحد عنه١، والحد وإن سقط حينئذ فسقوطه بسبب قيام شبهة الجهل التي تنفي القصد الجنائي عند الفاعل، وليس لقيام شبهة العقد، وما ذهب إليه الجمهور، ووافقهم عليه الصاحبان هو ما أرى ترجيحه والعمل به، إذ أن الجاني بالدخول في ظل عقد على من حرمت عليه تحريمًا تأبيديا لا خلق له ولا دين، إذ كيف يقدم على الدخول بأمه، أو بأخته أو بابنته، ثم بعد ذلك يطمع في أن يسقط الحد عنه لتمسحه في عقد باطل؟. وكيف يتأتى لأحد أن يعقد هذا العقد، أو يشهد عليه؟ مما لا شك فيه أن ذلك لا يتأتى إلا من فاجر فاسق يجب أن ينزل به من العقاب الموجع ما يزجره، ويردعه هو من تسول له نفسه الإقدام على شيء من ذلك، والاعتداء على حرمات الله اعتداء لا يقع إلا مع شاذ

стр. 294

موغل في الانحراف والغي، ومثل هذا قد يبين الرسول ﷺ عقابه في قوله: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه" ١.

стр. 295

والحديث الشريف عام، يشمل كل من يقع منه هذا الفعل المحرم سواء استحل ذلك، أم لم يستحل. والإمام أبو حنيفة، وإن قال بدرء صورة العقد للعقوبة الحدية، على اعتبار أنه يرى أن مجرد صورة العقد شبهة، إلا أنه لم يقل بإسقاط العقوبة بكل أنواعها، وإنما الذي لا يوافق عليه فقط في مثل هذا هو العقوبة الحدية لما ذكره. أما إقامة العقوبة التعزيرية على من فعل ذلك، فهذا أمر لا محالة منه عنده بل وصل به إلى أنه واجب، فلا محالة من إلزام الفاعل هنا عقوبة تعزيرية موجعة ورادعة، فهو إذا لم يقل بحل الفعل؛ لأن الفرق كبير بين القول بدرء العقوبة الحدية، والقول بحل الفعل. وعلى هذا يمكن حصر الخلاف بين وجهتي نظر الجمهور، والإمام أبي حنيفة في أن الإمام يعتبر صور المبيح شبهة تدرء الحد، ولا تنفي جنس العقوبة. أما الجمهور، فإنه لا يعتر صورة المبيح شبهة ما دام المحل غير صالح لقيامها به نظرًا لما ورد من نهى عن ذلك من لدن الشارع الحكيم، غير أن ما ذكره الإمام أبو حنيفة ما هو إلا محاولة منه لتلمس الشبهة، محاولة وصلت حد الإسراف في تلمسها، والقول مما جعله يفتح باب شبهة العقد على مصراعيه، ويقول بها وجود صورة العقد، كما سبق بيانه. أما فقهاء المالكية، فإنهم وإن كانوا فيما ذكروه من شبهة عندهم شبهة العقد، إلا أنهم قصروها على ما ينتج من انعقاد ليس له صفة العقد

стр. 296

الصحيح النافذ المترتبة عليه الآثار الشرعية، ومثلوا لها بأمثلة كثيرة منها ما يدخل ضمن مفهوم شبهة الجهة، أو الطريق وهي الشبعة الناتجة عن عقد يراه بعض الفقهاء صحيحًا، ويراه الآخرون غير ذلك، كالعقد بلا ولي، فإن الوطء فيه لا يسمى زنا شرعًا عندهم، للاختلاف المنتج شبهة تدرأ الحد١. ومن الأمثلة التي ذكروها أيضًا، وقالوا بشبهة العقد فيها، ما إذا عقدت امرأة عقدها على مملوكها، ثم مكنته من الدخول بها في ظل هذا العقد، وإن كان غير صحيح، إلا أنه يورث شبهة تدرأ الحد عنها. يقول الخرشي: "وكذا تجد المرأة إذا مكنت مملوكها من نفسها حتى وطئها من غير عقد، لا أن كان بعقد للشبهة، وإن كان غير صحيح"٢. وكذا شبهة العقد الباطل، كمن يعقد لنفسه على معتدة غيره ثم يطؤها، وهو عالم بأنها معتدة غيره، فالعقد هنا وإن كان باطلًا غير أنه يورث شبهة عند فقهاء المالكية يترتب عليها درء الحد. يقول الخرشي: وإذا عقد على معتدة من غيره، ووطئها عالمًا، فإنه لا حد عليه هو المشهور، مع أن حد الزنا صادق عليه٣. ومثل ذلك أيضًا من وطئ امرأة على عمتها، أو خالتها نسب أو رضاعة، فلا حد عليه إذا تم هذا الوطء في ظل عقد؛ لأن هذا العقد وإن كان باطلًا، إلا أنه يورث شبهة تدرأ العقوبة الحدية٤.

стр. 297

هذه بعض أمثلة لما قال به فقهاء المالكية من شبهة العقد، وهم قد قصروها على ذلك، ولم يصلوا بها الحد الذي وصله الإمام أبو حنيفة كما تقدم. هذا هو الموضع الثاني الذي فيه شبهة الدليل. وقد ذكر بعض فقهاء المالكية نوعًا من الشبهة هي أقرب إلى شبهة الدليل، وذلك عند حديثهم عمن تزوج امرأة على أختها أي جمع بينهما، ودخل بهما فقال بعض المالكية بعدم وجوب الحد على من جمع بين الأختين من الرضاع ودخل بهما؛ لأن تحريم الجمع بينهما جاء من السنة، ولا حد على من تزوج امرأة على عمتها مثلًا، ودخل بهما؛ لأن التحريم أيضًا بالسنة لا بالكتاب١. والفقهاء والذين قالوا بذلك من المالكية، وإن رأوا إسقاط العقوبة الحدية إلا أنهم يرون أن من فعل ذلك، وجمع بين المحرمات الذين وردا دليل تحريم الجمع بينهم من السنة، يجب إلزامه بعقوبة تعزيرية مناسبة تكفل الردع، والزجر له ولأمثاله، والإمام مفوض في اختيار نوع هذه العقوبة. وشبهة الدليل هذه التي قال بها بعض فقهاء المالكية، تغير شبهة الفعل التي أوردها فقهاء الأحناف، مغيرة كاملة؛ لأن شبهة الفعل تقوم في حق من اشتبه عليه حكم الفعل، أهو حلال أم حرام؟ وليس لديه دليل يفيد الحل صراحة، وإنما ظن غير الديل دليلًا. وذلك مثل من يطأ جارية زوجته ظانًا أنها تحل له، نظرًا؛ لأنه رأى أن وطأها نوع من استخدامها، واستخدامها له مباح٢.

стр. 298

أما شبهة الدليل هذه عند من قال من فقهاء المالكية، فهي تقوم عندما يكون الدليل التحريم من السنة أي دليل تحريم الفعل، لا دليل إيجاب نوع الحد، بدلًا من نوع آخر، أو تقرير عقوبة من العقوبات وعدها عقوبة حدية. أي أن شبهة الدليل التي نحن بصددها لا تقوم عند الحديث عن عقوبة الرجم، أو إيجابها بدلًا من عقوبة الجلد، إذا كان من وجبت عليه عقوبة الزنا محصنًا. وإنما تقوم أساسًا في عد الفعل جريمة حدية، يلزم من قام بهذا الفعل بالعقوبة الحدية أم لا، نظرًا؛ لأن دليل التحريم من السنة، وما ذكره بعض فقهاء المالكية هنا أرى لا يعد شبهة يترتب عليها دراء حد من الحدود؛ لأن التحريم ما دام قد ثبت دليله، وصححه المحدثون والفقهاء، فليس هناك داع للقول بمثل هذا؛ لأن الدليل إما أن يكون مقبولًا معمولًا به، أو يكون مردودًا، ولا يجوز العمل به، فما دام قد عمل به جميع الفقهاء، وقالوا بتحريم الفعل على أساس ورود هذا الدليل، فلا طائل إذا من التفريق بين كون هذا الدليل من الكتاب، أم من السنة ولا داعي لمثل هذه المحاولة من التفريق، لما ينتج عنها من فتح باب لذوي الأهواء والرغبات.

стр. 299

المطلب الثاني: شبهة الحق ويراد بشبهة الحق أن يكون للشخص الذي وقع منه الفعل نوع ما من الحق، الذي يعده جمهور الفقهاء شبهة يترتب عليها درء العقوبة الحدية. وقد عد فقهاء الأحناف هذه الشبهة، ضمن ما أطلقوا عليه شبهة المحل لأنها تشمل عندهم كلا من شبهة الدليل، وشبهة الملك، وشبهة الحق، طبقًا لما وضح من الأمثلة التي ذكروها١. غير أن شبهة الحق تغاير كلا من شبهة الدليل، وشبهة الملك، نظرًا؛ لأن ما وقع عليه الفعل هنا لا ملك للفاعل فيه، كما أنه ليس هناك دليلان عارض كل منهما الآخر في تقرير حكم هذا الفعل، وإنما كل ما هنالك أن لتفاعل نوعا من من الحق في المحل الذي نيط به الفعل، أنتج هذا النوع من الحق شبهة أعملها الجمهور، ورتبوا على وجودها درء العقوبة الحدية عن هذا الفاعل. وتتضح شبهة الحق بذكر ما يأتي من وقائع تقوم في كل منها هذه الشبهة، وتنهض دارئة للعقوبة الحدية عمن وقع منه ذلك. ١ رجل دخل بمن طلقها طلاقًا بائنا على مال، وكان دخوله في زمن عدتها، فإن هذا الرجل تقوم في حقه شبهة الحق عند فقهاء الأحناف نظرًا؛ لأن فراش الزوجية يعتبر قائمًا طوال فترة العدة، وهذا وإن لم يفد الحلية، إلا أنه يورث شبهة يترتب عليها عندهم إسقاط الحد عنه. ومثل هذا عند فقهاء الأحناف من دخل بالمرأة التي طلقها الطلقة

стр. 300

المكملة لثلاث، ظانًّا أنها تحل له أو اشتبه عليه حلها له، وهي في عدتها منه. فإن هذا الرجل تنهض في حقه عند فقهاء الأحناف شبهة الحق؛ لأنه بنى ظنه على نوع دليل، وهو بقاء النكاح في حق الفراش، وحرمة الأزواج، فظن أنه بقى في حق الحل أيضًا، وهذا وإن لم يصلح دليلًا على الحقيقة يفيد حل الدخول، وإباحته إلا أنه يترتب عليه درء العقوبة الحدية عنه نظرًا لقيام شبهة الحق بالنسبة له١. هذ ما ذهب إليه فقهاء الأحناف، وإن كان مثل ذلك أليق بالذكر عند الحديث عن الشبهات التي يعتري القصد الجنائي؛ لأن قيام الشبهة في مثل هذا مرتبط باشتباه الأمر على الفاعل، وظنه الفعل الذي أقدم عليه، وإباحته بالنسبة له. الأمر الذي ينتج عنه انتفاء قصده الجنائي. ٢ رجل عقد على أمة، ثم دخل بها مع أن عنده حرة، فإن العقد وإن كان فاسدًا إلا أنه أثبت لهذا الرجل نوعا من الحق ينتبج عه شبهة تدرأ الحد عنه. كما هو معمول به عند الإمام أبي حنيفة، ومثل ذلك أيضًا من يعقد على مرتدة ويدخل بها، فإن هذا العقد، وإن كان

стр. 301

عقد فاسدًا إلا أنه ينتج نوعًا من الحق تترتب عليه شبهة، وهذه الشبهة وإن لم تثبت حل الفعل، إلا أنها تنتج إسقاط الحدية١. ٣ قامت البينة على رجل، وامرأة غريبين بأنهما وجدا، وهو يطأها فادعيا الزوجية، أو ادعى أحدهما الزوجية وأنكرها الآخر، وقد ذهب الفقهاء في إيجاب الحد عليهما، أو انتفائه إلى ما يأتي: أولًا: في حالة ادعائهما الزوجية أ- يرى الإمام مالك، وأصحابه مطالبتهما بالبينة على زواجهما، فإن أقاما بينة، فلا حد وإن لم يقيما بينة لزمهما الحد. وقد روي مثل هذا عن إبراهيم النخعي٢، إذ أنه يرى أنهما لو صدقا من غير أن يقيما بينة لما أقيم حد على فاجر؛ لأن ادعاء الزوجية أمر سهل إذا ما أحدق الخطر بالزانيين٣. ب- ذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد إلى أنه لا حد عليهما ما داما قد قالا بأنهما تزوجا سواء أكانا معروفين، أم غير معروفين. واستدلو لذلك بما روي من أن رجلًا، وامرأة رفعا إلى علي بن أبي طالب

стр. 302

-رضي الله تعالى عنه- فسألهما، فقال الرجل: هي ابنة عمي تزوجتها، فقال لها علي: ما تقولين؟ فقال لها الناس: قولي: نعم، فقالت: نعم، فدرء عنها الحد. بل ذكر ابن نجيم أنه لو أقر أحد الزانيين، وأنكر الآخر، فإنه لا حد عليهما ما دام أن من أنكر قد قال بأنهما زوجان، وهذا ما ذهب إليه الشيخان، وإن كان الإمام أبو حنيفة يكتفي بمطلق الإنكار، ولم يقيده بالقول بالزوجية، وحاصل دليل أبي حنيفة أن الزنا فعل مشترك بينهما قائم بهما، فانتفاؤه عن أحدهما يورث شبهة في الآخر١. ج- ذهب ابن حزم إلى أن من وجد مع امرأة يطؤها وقامت البينة بالوطء، فقال هو: إنها امرأته وصدقته هي في قوله فإنه ينظر: فإن كانا غريبين أو لا يعرفهما أحد، فلا شيء عليهما؛ لأن الناس كانوا يهاجرون إلى رسول الله ﷺ أفذاذا، ومجتمعين من كل بلاد العرب -بأهلهم ونسائهم وإمائهم وعبيدهم، فما حيل بين أحد وبين من زعم أنها امرأته أو أمته، ولا كلف أحد على ذلك بينة. ومثل هذا أيضًا إذا كان أحدهما معروفًا والآخر غير معروف، وقالا بالزوجية وأمكن ما قالا به، فإنه لا شيء عليهما حينئذ؛ لأن الأصل عصمة دمائهما وأبشارهما، ولا يجوز إباحة ما حرم الله تعالى إلا بيقين لا شك فيه. أما لو تيقن كذبهما؛ لأنه لا دليل معهما وهما معروفان، ولا

стр. 303

احتمال لقيام الزوجية بينهما، فالحد واجب عليهما، وهما إذا ممن ينطبق عليهما ما قيل من أنه فاجر أن يدعي الزوجية١. وهذ القسم الذي قال به ابن حزم تقسيم منطقي، يحفظ على المسلمين دماءهم، ويصون أعراضهم، ويحمي حدود الله من عبث العابثين. ثانيًا: إذا اعترف أحدهما بالزوجية، وأنكر الآخر أ- ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا يجب الحد بإقرار أحد الزانيين إذا أنكره الآخر؛ لأن دعوى النكاح تحتمل الصدق، وهو يقوم بالطرفين فأورث شبهة، وأطلق الإمام هذا فشمل ما إذا قال لم أطأ أصلًا، أو قل: "تزوجت، وشمل ما إذا كان المنكر الرجل أو المرأة؛ لأن الزنا فعل مشترك، وانتفاؤه عن أحدهما يورث شبهة في الآخر، وقد وافق الصاحبان أبا حنيفة في حالة ما إذا قال المنكر: أنهما قد تزوجا. أما إذا قال المنكر: ما زنيت، ولم يدع ما يسقط الحد فلم يقل أنهما تزوجا، وجب على المقر الحد دون المنكر عند الصاحبين خلافًا لأبي حنيفة٢.

стр. 304

وهذا ما ذهب إليه أهل المدينة١. ب- وذهب ابن قدامة إلى أن من أقر بأنه وطئ امرأة، وادعى أنها امرأته، وأنكرت المرأة أن يكون زوجها نظر، فإن لم تقر بوطئه إياها فلا حد عليه؛ لأنه لم يقر بالزنا، وذكر أن الإمام أحمد ﵁ قد سئل عن رجل وطئ امرأة، وزعم أنها زوجته، وأنكرت هي أن يكون زوجها، وأقرت بالوطء قال: فهذا قد أقرت على نفسها بالزنا، ولكن يدرأ عنه الحد بقوله: إنها امرأته ولا مهر عليه، ويدرأ عنها الحد حتى تعترف مرارًا٢. وأرى أنه يطبق عليهما ما مضى من تفصيل من حيث كونهما معروفين، أم لا فإن كانا غير معروفين، فلا حد على من قال بالزوجية، أما إن كانا معروفين أو من ادعى الزوجية معروفًا، ولم يغب عن أهله وذويه وقتًا يمكن له أن يتزوج فيه، فإنه لا بد من إقامة بينة على ما يدعيه. فإن أقام البينة على زواجه فلا حد عليهما، وإلا الزاما بالحد حتى لا تضيع حدود الله بالدعاوى الباطلة. ٤- من سرق من مال أبويه: ذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد إلى أن من سرق من مال أبويه، وإن علوا فإنه لا قطع عليه نظرًا؛ لأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظًا للابن، فلا يجوز إذا اتلافه حفظا لمال والده

стр. 305

كما أن للابن حق الأكل من مال والديه، ووجود هذا الحق للابن ينتج شبهة يترتب عليها درء الحد عنه أن سرقه١، وهذا هو مذهب فقهاء الشيعة٢. أما الإمام مالك، وأبو ثور من الشافعية وابن حزم، فإنهم يرون أن القطع واجب على الابن إذا سرق من مال والديه، لظاهر الكتاب؛ ولأنه يحد بالزنا بجاريته، ويقاد منه بقتله، فإنه يقطع بسرقة ماله

стр. 306

كالأجنبي؛ ولأن الشبهة هنا التي تنتج من كون أن للابن حقًا في مال والديه شبهة ضعيفة لا تقوى على درء الحد عنه١. وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أصحاب الرأي القائل بعدم القطع، أولى نظرًا لما للابن من حق على والديه؛ ولأن والديه لا يرضيان أن تقطع يد ابنهما حتى وإن أخذ كل منهما، وهذا ما لا يختلف عليه والد بالنسبة لولده. أما قياس -الإمام مالك وابن المنذر، ومن ذهب مذهبهم وجوب القطع بسرقة مال أبويه على وجوب الحد على الابن إذا زنا بجارية أحد أبويه، فقياس مردود؛ لأن للابن شبهة في مال والديه، كما قال بذلك الإمام مالك، ومن ذهب مذهبه -ولكنه لا شبهة له في وطنه جارية أحد أبويه، وفرق بين الواقعتين. ٥- سرقة باقي الأقارب بعضهم من بعض: ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا قطع في السرقة من ذي رحم محرم كالأخ والأخت والعم، والخال والعمة والخالة، نظرًا؛ لأن ما بينهما من قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة وعلى هذا، فإنها تشبه قرابة الولادة٢. ووافق الإمام أبا حنيفة فقهاء الشيعة؛ لأنهم لا يرون القطع على من سرق من محل يجوز له الدخول فيه، ويباح له الأكل منه٣ أما

стр. 307

باقي الفقهاء، فإنهم يرون وجوب القطع على من سرق من ذي رحم محرم قدرًا يجب القطع به. لأنهم يرون أن قرابة ذي الرحم المحرم التي لا تمنع شهادة كل منهما لصاحبه لا تمنع وجوب القطع على أحدهما إذا سرق مال صاحبه١، وهذا ما أميل إليه؛ لأن إباحة الدخول توجب زيادة المحافظة على مال من أبيح له الدخول عليه. كما أنه فرق كبير بين قرابة الولادة، وقرابة ذي الرحم المحرم. ٦- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر: أ- يرى الإمام أبو حنيفة أنه إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإنه لا يقطع بذلك، وكذا إذا سرق غلام أحدهما من مال الآخر. نظرًا لوجود الإذن في الدخول بالنسبة لكل منهما على صاحبه، والإذن بالدخول يترتب عليه الإخلال بالحرز. واستدل الإمام أبو حنيفة بما روي من أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال لمن جاءه قائلًا: إن غلامي مرآة امرأتي فرد عليه عمر بقوله: لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم. وعليه فإنه إذا لم يقطع غلام الزوج بسرقته امرأة سيده، فإن سيده أولى بعدم القطع. كما أن كلًا من الزوجين لا تقبل شهادة للآخر لاتصال المنافع، وعليه فإن كلًا منهما لا يقطع بسرقته مال الآخر. وقد وافق الإمام أبا حنيفة في ذلك بعض فقهاء الشيعة، وزاد

стр. 308

الإمام أبو حنيفة على ذلك، وتوسع في مفهوم الزوجية، وجعله يشمل من سرق مال امرأة، ثم تزوجها سواء تزوجها بعد أن قضى بالقطع، أو قبله. وخالفه أبو يوسف في ذلك، وقال: إذا كان قد قضى بالقطع قبل زواجه منها قطع، أما لو تزوجها قبل أن يقضى عليه بالقطع سقط القطع عنه. وقال الإمام أبو حنيفة بإسقاط القطع عن كل منهما إذا سرق أحدهما من مال الآخر في زمن عدة كل منهما من صاحبه، نظرًا؛ لأن وجود نوع من الخلطة بينهما في زمن العدة يورث شبهة حق لكل منهما في مال الآخر يترتب عليها إسقاط العقوبة الحدية١. ب- يرى الإمام مالك، والإمام أحمد، وفي رأي للإمام الشافعي، وبعض فقهاء الشيعة تقسيم مال كل من الزوجين إلى قسمين: القسم الأول: ما ليس بمحرز عن أحدهما سواء أكان مال الزوج، أو مال الزوجة، وهذا المال لو سرقه أحدهما من صاحبه، فلا قطع عليه نظرًا

стр. 309

لقيام شبهة الحق لكل منهما في هذا المال، وحتى لو كان الحق غير مستقر لأحدهما، فيما سرق إلا أن وجود شبهته قائم، ويترتب عليه درء الحد. القسم الثاني: ما أحرزه كل منهما عن صاحبه، ومنعه منه سواء أكان المال المحرز في مكان السكن، أو في مكان آخر. وهذا المال لو قام أحدهما بسرقته من صاحبه، فإنه يقطع به نظرًا؛ لأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه، فهو والأجنبي سواء١، وذهب الإمام الشافعي في قول ثان إلى أنه لا قطع على كل من الزوجة، والزوج؛ لأن الزوجة تستحق النفقة من مال زوجها يملك منعها من التصرف في مالها، والحجر عليها على قول بعض الفقهاء. وفي قول ثالث فرق الإمام الشافعي بين كون السارق من مال صاحبه الزوجة أم الزوج. فإذا كانت الزوجة هي التي سرقت من مال زوجها، فلا قطع عليها نظرًا؛ لأن لها في ماله حق النفقة وغيرها، كما أن الزوجة في قبضة زوجها، فما سرقته منه لن يخرج عن ملكيته.

стр. 310

أما إذا كان الزوج هو الذي سرق من مال زوجته، فإنه يقطع بهذه السرقة؛ لأنه لاحق له في مال زوجته، كما أن زوجته ليس لها عليها يد بحيث يبقى ما سرقه منها في ملكيتها١.

стр. 311

والقول الثالث للإمام الشافعي يحتاج إلى نظر، إذ أن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه، قد ذكر أن من بين الأسباب التي أدت إلى القول بعدم قطع الزوجة إذا سرقت من مال زوجها، أن الزوجة في قبضة زوجها، فما سرقته منه لن يخرج عن ملكيته، وذلك أحرى أن يسقط القطع عن الزوج؛ لأنه إذا كانت الزوجدة في قبضة زوجها، وإذا كان ما في يدها لا يخرج عن ملكية زوجها. فإن ذلك يثبت له على ما في يدها سلطان، ومثل ذلك يورث شبهة تنتج درء الحد عنه. هذا ما أميل إليه، وأرجحه. ج- ذهب ابن حزم إلى وجوب القطع على كل من الزوجين، إذا سرق من صاحبه ما لم يبح له أخذه مثله في ذلك مثل الأجنبي سواء بسواء، سواء أكان المال المأخوذ محرزًا، أو غير محرز. ورد ابن حزم ما ذهب إليه باقي الفقهاء من عدم قطع الزوجة بما سرقته من مال زوجها نظرًا؛ لأن لها في ماله حقوقًا من صداق وكسوة، وغير ذلك، فقال: أما قولهم: إن لها في ماله حقوقًا من صداق ونفقة، وكسوة، وإسكان وخدمة، وأن رسول الله ﷺ أطلق يدها على ماله حيث كان من حرز أو غير حرز، لتأخذ منه ما يكفيها وولدها بالمعروف -إذا لم يوفيها وإياهم حقوقهم- فنعم، كل هذا حق واجب، وهكذا نقول. ولكن لا يشك ذو مسكة ممن حس سليم أن رسول الله ﷺ ، لم يطلق يدها على ما لا يحق لها فيه من مال زوجها، ولا على أكثر من حقها، لا شك في ذلك، فإباحة الله تعالى ورسوله ﷺ لأخذ المباح ليس فيه دليل أصلًا على إسقاط

стр. 312

حدود الله تعالى عن من أخذ الحرام غير المباح١ ... وفي في ذلك كالأجنبي. أي أن للزوجة حقها سواء من مال محرز أو غير محرز، فإن أخذت ما ليس لها بحق، عوقبت بالحد الموضوع لفعلتها. لأن الله لم يخص إذ أمر بقطع يد السارق والسارقة، إلا أن تكون زوجة من مال زوجها، ولا يكون زوجًا من مال زوجته٢. وقياس ابن حزم كل من الزوج والزوجة بالأجنبي قياس بعيد؛ لأن الزوزج والزوجة بينهما من المخالطة، والألفة ما ليس بين الأجنبي وغيره، فعقد الزواج يقيم رابطة قوية بين الزوجين، بل هي من أسمى الروابط التي يعنى بها الإسلام لدرجة أنه جعل الزوجين بمنزلة النفس الواحدة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣. ومما لا شك فيه أن الفرق إذا بين الزوجين، والأجنبيين -في مخالطة كل منهما لصاحبه، وإباحة ماله بالنسبة له- أمر واضح لا يحتاج إلى تكثير إعمال فكر. وعليه فإن سرقة كل منهما من الآخر، وإن أوجبت عقوبة على

стр. 313

السارق ما لا يباح له، إلا أني أرى أنها عقوبة لا تصل حد العقوبة الحدية المقدرة. هذا ما أميل إليه، وأرجحه دون تفريق بين الزوجين، أو الزوجة في شيء من ذلك. ٧- السرقة من المال العام: أ- يرى فقهاء الأحناف والحنابلة، وفقهاء الشيعة الزيدية، ورأي للإمام الشافعي أن من سرق من المال العام لا قطع عليه إذا كان له فيه حق؛ لأن وجود للسارق في المال المسروق ينهض شبهة تدرء الحد عنه. واستدل ابن الهمام، وابن قدامة لذلك بما روي عن عمر وعلي -رضي الله تعالى عنهما، من أنهما أجابا من سأل عن حكم من سرق من بيت المال؟ أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق ما دام مسلمًا. وذكر ابن قدامة أن من سرق ماله حق فيه، أو لمن لا يقطع بسرقة ماله لا يقطع لذلك، فقال: ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق، أو لولده أو لسيده، أو لمن لا يقطع بسرقة ماله لم يقطع لذلك، وإن لم يكن من الغانمين ولا أحد من هؤلاء الذين ذكرنا فسرق منها قبل إخراج الخمس لم يقطع؛ لأن له في الخمس حقًا. وإن أخرج الخمس فسرق من الأربعة الأخماس قطع، وإن سرق من الخمس لم يقطع، وإن قسم الخمس خمسة أقسام، فسرق من خمس الله تعالى ورسوله لم يقطع، وإن سرق من غيره قطع، إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس. وزاد الشربيني هذا القول تفصيلًا، فقال: ومن سرق وهو مسلم

стр. 314

مال بيت المال أن فرز لطائفة كذوي القربى، والمساكين، وكان منهم أو أصله أو فروعه فلا قطع، أو فرز لطائفة ليس هو منهم قطع، إذ لا شبهة له في ذلك، وإلا بأن لم يفرز لطائفة فلا، والأصح أنه إذا كان له حق في المسروق كمال مصالح بالنسبة لمسلم فقير جزمًا، أو غنى على الأصح، وكصدقة وهو فقير أو غارم لذات البين، أو غاز فلا يقطع في المسألتين، أما في الأولى؛ فلأن له حقًا وإن كان غنيًا؛ لأن ذلك قد يصرف في عمار المساجد، والرباطات، والقناطر فينتفع بها الغني والفقير من المسلمين ... إلى أن يقول، وإلا بأن لم يكن فيه حق قطع لانتفاء الشبهة١. ب- ذهب الإمام مالك إلى أن من سرق من بيت المال المقدار الذي يجب به الحد، فإنه يقطع بسرقته، ولا يحوز درء الحد عنه لكونه له حق في بيت المال؛ لأن ذلك وإن أورث شبهة، إلا أنها شبهة ضعيفة لا يعتد بها في درء الحد عنه. وكذا من سرق من الغنيمة بعد حوزها، أما سرقته منها قبل حوزها، فإنه لا يقطع بها؛ لأنها مال غير محرز حينئذ٢. وذهب الإمام الشافعي في أحد آرائه إلى وجوب القطع على من سرق من بيت المال ملطقًا، كوجوب القطع عليه بسرقة مال غيره المحرز عنه٣.

стр. 315

ج- ذهب ابن حزم إلى أن من سرق من شيء له فيه نصيب، كبيت المال أو الخمس أو الغنم، أو غير ذلك، فإنه ينظر فيما سرقه إن كان نصيبه محددًا معروف المقدار كالغنيمة، أو ما اشترك فيه ببيع أو ميراث أو غير ذلك. فإن أخذ ما يزيد عن نصيبه مما يجب في مثله القطع قطع، ولا بد أما أن أخذ أقل من حقه، فلا قطع عليه. ويستثنى من سرقته ما يزيد على حقه، فلا يجب القطع فيها ما إذا منعه حقه، أو احتاج إليه، ولم يستطع الوصول إلى حقه إلا بسرقته، وما يزيد عليه لعدم قدرته على تخليص حقه فقط مما زاد عليه؛ لأنه والحالة هذه مضطر إلى أخذ الزائد. وأن وجب عليه رد المقدار الزائد على حقه الذي أخذه تبعًا له١. والذي أميل إليه:؛ أن من سرق مالًا له فيه حق، وكان باستطاعته الوصولم إلى حقه بغير طريق السرقة، يجب تعزيره على مسلكه هذا إن أخذ حقه فقط. أما إن زاد على حقه، فإنه يعامل في الزائد معاملة السارق، فيلزم الحد بشروط أما إذا لم يمكنه الوصول إلى حقه إلا عن هذا الطريق، فهذه ضرورة تقدر بقدرها، وسيأتي هذا بشيء من التفصيل عند الحديث عن السرقة بالباب الثاني.

стр. 316

المطلب الثالث: شبهة الملك وتتأتى شبهة الملك عندما يكون للفاعل نوع ما من الملك في المحل الذي نيط الفعل به. ويترتب على وجود هذه الشبهة درء العقوبة الحدية عن هذا الفاعل الذي ثبت له نوع من الملك في المحل الذي نيط به الفعل الجنائي. وقد عد فقهاء الأحناف هذه الشبهة ضمن ما أطلقوا عليه شبهة المحل، ووافقهم في ذلك أيضًا فقهاء الشافعية، فشبهة المحل عندهم تشمل كلا من شبهة الدليل، وشبهة الحق وشبهة الملك، كما سبق بيانه عند الحديث عن شبهة الحق، والملك الذي تنشأ عنه هذه الشبهة، إما أن يكون ملكًا خالصًا للمحل الذي قام بالفعل به، ووقع الاعتداء عليه سواء أكان ملكًا حقيقًا، أم ملكًا حكميًا. وإما أن يكون مشتركًا، وإما أن يكون لشخص آخر غير الفاعل، إلا أن مالكه قد أباحه لهذا الذي قد وقع منه الفعل الجنائي، إلى غير ذلك من أنواع الملك التي ستضح فيما يأتي من أمثلة، قامت في كل منها شبهة الملك، وترتب على وجودها دراء العقوبة عن الفاعل. ١- شبهة سببها الملك الخالص: أ- وتقوم هذه الشبهة في حق من يطأط أمته التي بينها، وبينه حرمة نسب لكنها لا تعتق بملكه لها، كعمته أو ابنة أخيه مثلًا فمثل هذا لا تلزمه العقوبة الحدية نظرًا لقيام شبهة الملك في حقه، وهي التي ترتب عليها عدم إلزامه الحد.

стр. 317

والذين أسقطوا العقوبة الحدية هنا ألزموا الجاني عقوبة تعزيرية رادعة، يقول الخرشي عند حديثه عن شبهة الملك المسقطه للعقوبة الحدية: "وكذلك يؤدب من اشترى أمة لا تعتق عليه بنفس الملك كعمته، وابنة أخيه، وما أشبه ذلك ثم وطئها وهو عالم بتحريمها، وإنما لم يحد لعدم انطباق حد الزنا عليه، ويلحق به الولد، وتباع عليه خشية أن يعود لوطئها ثانية١. ويقول ابن قدامة: وإن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما، ووطئها فذكر القاضي عن أصحابنا أن عليه الحد؛ لأنه فرج لا يستباح بحال، فوجب الحد بالوطء كفرج الغلام٢، وقال بعض أصحابنا: لا حد فيه وهو قول أصحاب الرأي والشافعي؛ لأنه وطء في فرج مملوك به يملك المعاوضة عنه، وأخذ صداقه فلم يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة. فأما إن اشترى ذات حرمة من النسب ممن يعتق عليه، ووطئها٣ فعليه الحد لا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة، وقد ذكر الشيرازي أن للشافعي رأين في هذا: إحدهما أنه يجب عليه الحد؛ لأنه ملكه لا يبيح وطأها بحال من الأحوال، فلم يسقط الحد. والثاني: أنه لا يجب عليه الحد، وهو الصحيح؛ لأنه وطء في ملك فلم يجب به الحد٤.

стр. 318

ب- شبهة تقوم بسبب الملك الحكمي، وذلك كما في حق الأب الذي يسرق مال ابنه كما مر، أو يطأ الجارية التي يمكلها ابنه، فإن هذا الأب تقوم في حقه شبهة الملك الحكمي؛ لأنه مالك حكمًا لكل ما يمتلكه ابنه، وعليه فإن هذا الملك الحكمي تنشأ عنه شبهة تسقط العقوبة الحدية. يقول ابن قدامة: الأب إذ وطئ جارية ولده، فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة، والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور وابن المنذر: عليه الحد إلا أن يمنع منه إجماع؛ لأنه وطء في غير ملك، أشبه وطء جارية أبيه. ولنا أنه وطء تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد، كوطء الجارية المشتركة والدليل على تمكن الشبهة قول النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، فأضاف مال ولده إليه وجعله له، فإذا لم يثبت حقيقة الملك، فلا أقل من جعله شبهة دارئه للحد الذي يندرئ بالشبهات؛ ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والأوزاعي، ومن وافقهما قد اشتهر قولهم، ولم يعرف لهم مخالف، فكان ذلك إجماعًا، ولا حد على الجارية؛ لأن الحد انتفى عن الواطئ لشبهة الملك، فينتفي عن الموطوءة كوطء الجارية المشتركة؛ ولأن الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته، ولا يصح القياس على وطء جارية الأب؛ لأنه لا ملك للولد فيها، ولا شبهة ملك بخلاف مسألتنا١. ٢- شبهة الملك المشترك: وتقوم هذه الشبهة في حق المحارب المستحق جزءًا من الغنيمة إذا

стр. 319

قام بسرقة بعض هذه الغنيمة قبل أن تقسم على مستحقيها، فالسرقة هنا قد تحققت صورتها بأخذ المحارب المال خفية، لكنه لما كان مالكا لجزء من المال الذي أخذ منه خفية ملكية صحيحة، غير أنها لم تتأكد بالقسمة أنتجت هذه الملكية غير المستقرة شبهة تدرء الحد عنه١. وتقوم شبهة الملك المشترك أيضًا في حق كل من يقع منه فعل جنائي على محل له فيه شركة. كمن يطأ أمة مشتركة بينه وبين غيره، والعقوبة الحدية وإن سقطت على الجاني بسبب قيام شبهة الملك المشترك، إلا أنه يلزم بعقوبة تعزيرية موجعة ورادعة. يقول الخرشي: يؤدب من وطئ أمة مشتركة من أحد الشريكين، أو الشركاء؛ لأن الشريك له في الأمة المشتركة ملك قوي، والشبهة إذا قويت تدرء الحد أي تسقطه٢. وقد ذكر ابن قدامة أن أب ثور قد خلف جمهور الفقهاء، وقال بوجوب الحد على من وطئ جارية مشتركة بينه، وبين غيره. غير أن ابن قدامة قد رجح رأي الجمهور على أساس أن وجود الملك المشترك يدفع الحد عن الجاني في هذه المسألة٣.

стр. 320

٣- شبهة إباحة الملك: يأتي القول بهذه الشبهة في حالة ما إذا مالك الأمة لغيره وطأها، وقد ذهب الفقهاء في حكم هذا، وما يجب به إلى ما يأتى:- أ- ذكر الشربيني الخطيب إنه حكي عن عطاء جواز إباحة مالك الأمة لغيره وطأها١. كما ذكر الخرشي عند حديثه عن هذا: أن القول بعدم الحد بوطء الأمة المحللة ما هو إلا مراعاة المذهب عطاء القائل بجواز التحليل ابتداء٢، كما جاء في الروضة البهية: وتباح الأمة لغير مالكها بالتحليل، وحل الأمة بذلك هو المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعًا، ولا بد من صيغة دالة عليه مثل أحللت لك وطأها، أو جعلتك في حل من وطئها، وفي صحته بلفظ الإباحة قولان، والأشبه أنه ملك يمين لا عقد نكاح؛ لأن عقد لازم ولا شيء من التحليل بلازم٣، وجاء في الاستبصار تحت عنوان "أبواب تحليل الرجل جاريته لأخيه"، يجوز أن يحل الرجل جاريته لأخيه المؤمن، وروي في ذلك عدة أخبار عن فقهاء الشيعة٤.
следующие страницы →