← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولا وجهة لهؤلاء فيما استدلوا به، إذ إن الانتشار قد يكون طبعًا لا طواعية بدليل ما قد يحدث للنائم من غير قصد ولا رغبة، وقد بين ذلك ابن حزم عند حديثه عن الإكراه على الزنى، بقوله: "لو أمسكن امرأة حتى زنى بها، أو أمسك رجل، فأدخل إحليله في فرج امرأة، فلا شيء عليه، ولا عليها، سواء انتشر أو لم ينتشر أمنى أو لم يمن، أنزلت هي أو لم تنزل؛ لأنهما لم يفعلا شيئًا أصلًا. والانتشار والإمناء فعل الطبيعة، الذي خلقه الله تعالى في المرء، أحب أم أكره، لا اختيار له في ذلك١. والذي أرجحه أن من أكره على الزنا إكراها يخشى منه التلف، ولم يجد بدا من الزنا، فلا حد عليه لانتفاء قصده، الجنائي سواء أكرهه السلطان، أو غيره ممن يستطيع تنفيذ ما أكرهه به، وما استدل به من أن الانتشار دليل الطواعية التي ينتفي معها الإكراه، قد وضح خلافه، وثبت أن الانشار قد يكون طبعًا من غير قصد. هذه هي الحالات التي ينتفي القصد الجنائي لدى الفاعل فيها، وآراء فقهاء الشريعة في درء الحد عن الفاعل. وما ذكر من آراء تفضي بعدم إيجاب العقوبة الجنائية على الفاعل هنا، قد شملت ما ذهب إليه فقهاء القانون، الذين سبق عرض آرائهم عند الحديث عن الشبهت التي تعتري القصد الجنائي. وقد ذكر جانبًا من ذلك الأستاذ الدكتور، محمود مصطفى عند حديثه عن القصد الجنائي في جريمة الزنا، فقال:

стр. 492

"يتوافر القصد الجنائي لدى الزوجة، التي ارتكبت الفعل عن إرادة، وعن علم بأنها متزوجة، وأنها تواصل شخصًا غير زوجها، فلا تقوم الجريمة لانعدام القصد إذا ثبت أن الوطء قد حصل على غير رضاء الزوجة، نتيجة لقوة أو تهديد، أو أي سبب من الأسباب المعدمة للرضاء، فإذا تسلل رجل إلى مخدع امرأة، فسلمت له ظنا منها أنه زوجها، فإن المواقعة تكون قد حصلت مباغتة على غير رضاها، فلا ترتكب الزنا، ويرتكب الفاعل جناية الاغتصاب، كذلك ينتفي القصد إذا كانت الزوجة وقت الفعل تجهل أنها مقيدة بعقد زواج، كما لو اعتقدت أنها مطلقة، أو أن زوجها الغائب قد مات"١. هذا ما ذهب إليه فقهاء القانون، وهم وإن ذكروه بالنسبة للمرأة، فذلك؛ لأنهم يرون أن جريمة الزنا لا تقوم بالنسبة للرجل، إلا إذا كان مترزجًا، ووقعت الجريمة في منزل الزوجية، أما هي فلم يشترطوا بالنسبة لها أن تكون الجريمة قد وقعت في منزل الزوجية، وإنما تقوم الجريمة بالنسبة لها لذا وقعت منها في أي مكان ما دامت متزوجة. وما ينطبق عليها بالنسبة لانتفاء القصد الجنائي ينطبق على الرجل أيضًا.

стр. 493

المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في إثباته أولا: إذا كان إثباتها عن طريق الإقرار ... المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في إثباته سبق عند الحديث عن الإثبات أن الشريعة الإسلامية، قد حددت طرقًا معينة لإثبات الجنايات الحدية. وتقدم ذكر ما يشترط في أدلة الإثبات بصفة تشمل إثبات جميع الجرائم الحدية. وبالإضافة إلى ما سبق، فإنه يشترط لإثبات جريمة الزنا، وإلزام الحد ما يأتي: أولًا: إذا كان إثباتها عن طريق الإقرار أذهب بعض الفقهاء إلى اشتراط أن يتعدد الإقرار بعدد ما يثبت به جريمة الزنا من شهود، وأن يكون كل إقرار في مجلس غير ما سبقه من إقرارات، أي أن يتعدد المجلس بتعدد الإقرار. وذهب البعض إلى اشتراط تعدد الإقرارات، ولو في مجلس واحد، وقال فريق من الفقهاء: تثبت جريمة الزنا بإقرار واحد، ولكل حجة ودليل. فقد ذهب فقهاء الحنابلة، والأحناف، وجمهور فقهاء الشيعة إلى اشتراط أن يكون الإقرار الذي تثبت به جريمة الزنا، أربع مرات، فلا يكفي الإقرار مرة واحدة لإثباتها، ووجوب الحد، واستدلوا لذلك بأدلة، منها ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه: "من أن رجلًا من المسلمين أتى رسول الله ﷺ ، وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت،

стр. 494

فأعرض عنه حتى في ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: "أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال: رسول الله ﷺ : ارجموه" ١. وقال أصحاب هذا الاتجاه: فلو كان الحد يلزم بالإقرار مرة واحدة لم يعرض عنه رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى٢. كما ثبت من روايات أخرى أن رسول الله ﷺ قد قال: "إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة"، وهذا تعليل منه يدل على أن الإقرارات الأربع هي الموجبة. كما أن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه، قال لمن جاء مقرًا بالزنا عند النبي ﷺ : إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله ﷺ . وهذا يدل من وجهين: أحدهما، أن النبي ﷺ أقره عن هذا ولم ينكره، فكان بمنزلة قوله: "لأنه لا يقر على الخطأ". الثاني: أنه قد علم هذا من حكم النبي ﷺ ، لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه٣.

стр. 495

وزاد الإمام أبو حنيفة على ذلك اشتراط أن تكون أربعة إقرارات في أربعة مجالس متفرقة، بالنسبة للمقر نفسه، ويجوز أن كون القاضي الذي يحكم الواقعة في مكان واحد، ويحتسب مجيء المقر، وذهابه مرة. ورأى أن ما يدل على ذلك هو ما سبق أن ذكره ابن قدامة، وأظهر منه في إفادة أن الإقرارات في مجالس ما في الصحيح، مما رواه الإمام مسلم، أن ماعزًا أتى النبي ﷺ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد، فرده ثم أرسل إلى قومه، فسألهم: "هل تعلمون بعقله بأسًا"؟ فقالوا: ما نعلمه، إلا وفي العقل من صالحينا، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا فسألهم: "فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، فرجمه" ١. وذهب الشافعية والمالكية، وبعض فقهاء الشيعة إلى أن الزنا يثبت بالإقرار الواحد، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ : "أغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فالرسول ﷺ لم يطلب من أنيس إلا الذهاب إلى المرأة وسؤالها، فإن أقرت رجمها، ولم يقيد الرسول ﷺ الإقرار بأن يكون أربع مرات. وما ذكر من أن النبي ﷺ قد راجع ماعزًا، حتى كرر إقراره أربع مرات، فإن ذلك راجع إلى أن النبي ﷺ قد شك في عقله، وإذا فقد سأله: "أبك جنون"؟، وسأل أهله، وذويه من عقله أيضًا.

стр. 496

واستدلوا أيضًا بما أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت: "أنه ﷺ رجم امرأة من جهينة، ولم تقر إلا مرة واحدة". ومثل هذا كثير: "مما ذكره الشوكاني من المأثور عن الرسول ﷺ ، وأصحابه الأجلاء". وأما استدلال القائلين بأن يكون الإقرار أربع مرات قياسًا على شهادة الزنا؛ لأنها لا يعتبر فيها إلا أربعة شهود، استدلال لا تقوم به حجة؛ لأنه يلزم منه أن يعتر في الإقرار بالأموال، والحقوق أن يكون مرتين؛ لأن الشهادة في ذلك لا بد وأن تكون من رجلين، ولا يكفي فيها الرجل الواحد، واللازم باطل بإجماع المسلمين، فالملزوم مثله"١. كما أن الشهادة إذا ثبتت بها الجريمة لم يعد في مقدور المشهود عليه دفع العقوبة عن نفسه بفعل، أو قول لا يرجع فيه إلى الشهود، أما في الإقرار، فإنه باستطاعة المقر أن يدفع الحد عن نفسه بالرجوع عن إقراره، ولو كان في أثناء تنفيذ الحد عليه. وما ذهب إليه الأحناف والحنابلة، ومن وافقهم ما هو إلا من باب الاحتياط في الإثبات، أو قياسًا منهم للإقرار على الشهادة، وإعمالًا منهم لمبدأ الحد بالشبهة، أن من جاء طالبًا تطهير نفسه لن يثنيه عن ذلك مراجعة، وتعدد إقرار، ومن حاول تبرئة نفسه لن يعجزه ادعاء.

стр. 497

ب- أن يبدأ القاضي برجم الزاني المحصن: إذا أقر من يعتد بإقراره عند القاضي بارتكابه جريمة الزنا الحدية، وكان محصنًا لزمه بإقراره هذا حد الرجم بما سبق من شروط، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى اشتراط أن يبدأ القاضي برجم المقر، واعتبر الإمام أبو حنيفة بدء القاضي بالرجم أمرًا واجبًا ولازمًا، فإن امتنع القاضي من أن يبدأ برجم المقر ترتب على امتناعه شبهة يندرئ الحد عن المقر بسببها؛ لأن امتناع القاضي قد يستشف منه رجوعه، عما قضى به على الجاني، لجواز أنه قصر في أمر القضاء، أو تساهل في بعض شروط القضاء بحد الرجم هذا. وأورد ابن الهمام ما روي في ذلك، عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: "فإذا كان وجوب الحد -بإقرار- بدأ هو -أي الحاكم، أو القاضي، فرجم ثم رجم الناس بعده". كما روي قول الإمام علي -رضي الله تعالى عنه: "أيها اناس إن الزنا زناءان، زنا السر، وزنا العلانية، فزنا السر أن شهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، ثم الإمام، ثم الناس، وزنا العلانية، أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي". ثم يذكر ابن الهمام ما روي من أن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، كان أول من رمى سراحة بحجر، ورماها الناس. ثم يقول ابن الهمام: "وإن يبتدئ هو -أي القاضي بالرجم- في الإقرار لينكشف للناس أنه لم يقصر في أمر القضاء، وبأنه لم يتساهل في بعض شروط القضاء بالحد، فإذا امتنع حينئذ ظهرت أمارة الرجوع، فامتنع الحد، لظهور شبهة تقصيره في القضاء، وهي

стр. 498

دارئه"١، وأجاب فقهاء الأحناف على ما وجه إليهم، من أن الرسول ﷺ لم يبدأ برجم ماعز -أجابوا" بأن التقصير من الرسول ﷺ في أمر القضاء ومسائله، أمر غير وارد ومنتف تمامًا، وعليه فإن عدم بدئه ﷺ برجم ماعز، لم يقم به شبهة، ولم يترتب عليه درء الحد٢. وذهب فقهاء الشافعية، والحنابلة إلى أن بدء القاضي بالرجم في الحد الذي ثبت بإقرار الجاني سنة، وليس بشرط. وعليه، فإذا لم يبدأ القاضي بالرجم فيه، فلا يورث ذلك شبهة، ويجب استيفاء الحد، ويقوم به غير القاضي من الناس، فيقول الشربيني الخطيب عند حديثه عن الحد الواجب بالإقرار: "والسنة أن يبدأ الإمام بالرجم، ثم الناس، إذا ثبت بالإقرار"٣، ويقول ابن قدامة: "والسنة أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان الزنا ثبت ببينة، فالسنة أن يبدأ بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار، بدأ به الإمام أو الحاكم، إن كان ثبت عنده، ثم يرجم أناس بعده"٤. أما فقهاء المالكية، فإنهم لم يشترطوا قيام الإمام، أو القاضي بالبدء برجم المقر المقر بالزنا، لا على سبيل الوجوب، ولا من قبيل السنة، فقد أورد فقهاء المالكية أنه لم يعرف الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- بدء البينة

стр. 499

بالرجم، ثم من بعدهم الإمام أي الحاكم -ثم الناس عقبيه، والحديث الدال على ذلك، وقد تمسك أبو حنيفة لم يصح عند الإمام"١. وما ذهب إليه فقهاء المالكية هو ما أرجحه؛ لأن احتمال تقصير الإمام في القضاء الذي تعلق به فقهاء الأحناف، أمر مشكوك فيه، ولا يترتب عليه إلزام المقر بشيء إذا رجع المقر عن إقراره، أما إذا لم يرجع المقر، فلن يغير من إلزامه الحد شيء قصر القاضي، أو لم يقصر. كما أن ذلك لو كان واجبًا لما تخلف عنه الرسول ﷺ ، إذ لم يرد أن الرسول ﷺ حرص على ذلك في كل ما قضى به. وأما رجمه لبعض من أقر فمن باب التعليم، ولبيان أن الرحمة الحقيقية في التزام ما شرع الله، وتنفيذه حتى ولو كان الرجم، وما روي عن الإمام علي ﵁، فقد يكون من باب الاجتهاد، ولتحري الحق وزجر الجناة، وإعلاء حدود الله.

стр. 500

ثانيًا: إذا كان إثبات جريمة الزنا عن طريق شهادة الشهود إذا كان إثبات جريمة الزنا عن طريق شهادة الشهود، فإن الفقهاء يرون أنه لا بد من توافر الشروط الآتية: أ- أن يكون الشهود الذي يعتد بشهادتهم أربعة، وهذا مستفاد مما جاء به قوله الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ١. فإن نقص الشهود عن أربعة لم يجب الحد بشهادتهم، ووجب عليهم هم حد القذف طبقًا لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢، وإن كان ابن حزم لا يرى أن شهادة الثلاثة تعد قذفًا؛ لأن حد القذف على الرامي لا على الشاهد٣، وعند الجمهور تعد قذفًا؛ لأنه أولًا ذلك لانفتح باب اتهام الناس بهذه الجناية بالباطل من باب الكيد لهم، والتنكيل بهم٤.

стр. 501

ولهذا، فلو لم يشهد بواقعة الزنا أربعة شهود، أو جاءت شهادتهم غير متفقة في شيء، مما لزم بيانه لندرأ الحد عن المدعى عليه، لقيام شبهة في إثبات الجريمة.

стр. 502

وسقوط الحد لا يعني إسقاط جنس العقوبة، بل قد يسقط الحد، ويلزم الجاني بعقوبة من العقوبات التعزيرية. والأمر في ذلك متروك للقاضي الذي يحكم الواقعة، ويقتضي فيها بما يحقق العدل والإصلاح. ب- تأدية الشهادة في مجلس واحد: ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط أن يجيء الشهود الأربعة، الذين يشهدون بجريمة الزنا، في مجلس واحد يؤدون فيه شهادتهم، فإن لم يأت الأربعة في مجلس قضائي واحد، لم يعتد بشهادتهم في إثبات جريمة الزنا. واعتبر عدم اكتمال: صاب الشهادة في مجلس واحدة شبهة يندرئ بها الحد عن المدعى عليه. وقد بين ذلك ابن قدامة بعد أن ذكر آراء الفقهاء١، واستدل بما كان من ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مع من شهدوا على المغيرة بن شيعة٢، فلو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحد الثلاثة لجواز

стр. 503

أن يكتملوا برابع في مجلس آخر؛ ولأنه لو شهد ثلاثة، فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم، وبهذا فارق سائر الشهادات١. واشتراط الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك زيادة على ما ذهب إليه الجمهور أن يجيء الشهود الأربعة مجتمعين، فلو جاء كل واحد منهم بمفرده أو أكثر ولم يكتمل الأربعة مجتمعين، لا تقبل شهادتهم في إثبات الحد في المشهود عليه٢. ورجح ابن قدامة قبول شهادتهم، لو جاءوا متفرقين ما داموا قد أدوا الشهادة في مجلس واحد، مستدلًا بما كان من قصة المغيرة، فقال: "ولنا قصة المغيرة، فإن الشهود جاءوا واحد بعد واحد، وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا لعدم كمالها؛ ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه"٣. وذهب الإمام الشافعي، والبتي٤ وابن المنذر٥ وابن حزم،

стр. 504

إلى أنه لا يشترط اتحاد المجلس الذي تؤدي فيه الشهادة للأربعة شهود؛ لأن الله لم يذكر ما يدل على ذلك، وعلى هذا فلا حاجة لاشتراطه١. وما استدل به هؤلاء من أن الله ، لم يذكر ما يدل على اشتراط ذلك، فيما جاءت به الآيتان الكريمتان مردود بأن الآيتين الكريمتين لم يتعرضا للشروط، ولذا لم يذكرا العدالة ولا صفة الزنا؛ ولأن مجيء الشهود لا يخلو من أن يكون مطلقًا في الزمان كله، أو مقيدًا، لا يجوز أن يكون مطلقًا؛ لأنه يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء، أو بكمالهم، إن كان قد شهد بعضهم، فيمتنع حدهم المأمور به، فيكون تناقضًا، وإذا ثبت أنه مقيد، فأولى ما يفيد بالمجلس؛ لأن لمجلس كله بمنزلة الحال الواحد٢. ولذا قال ابن حزم بعدم جواز جلدهم إذا لم يرد ذلك، وعليه فلا مانع من الانتظار عنده، فإنه لا يجوز أن يحتاج بأن الآيتين الكريمتين لم تشترطا ذلك الذي ذهب إليه الجمهور من حضور الشهود مجتمعين؛ لأن الآيتين لم تشترطا غيره، وإنما جاء ذلك وغيره مما اشترط في الشهادة من شروط، أوردها الصحابة الأجلاء، واستدل الفقهاء على اشتراطهم، ومنهم ابن حزم٣.

стр. 505

ج- أن يعين الشهود شريك المشهود عليه بالزنا: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من شهدوا على إنسان بارتكابه جريمة الزنا، يلزم أن يذكروا من شاركه جريمته هذه، فإن كان المشهود عليه رجلًا، فلا بد من أن يحددوا المرأة التي شاركته جنايته تحديدًا لا يحتمل أدنى لبس، ولا يبقى أي احتمال لقيام علاقة بينهما تبيح له أن يأتي منها ما يأتيه الرجل من زوجته، وأن كانت المشهود عليها امرأة، لزم أن يحدد الشهود من شاركها جريمتها، تحديدًا دقيقًا لا تبقى معه أدنى شبهة، لجواز أن يكون الشهود قد رأوا رجلًا يأتي زوجته، وهم لا يعرفون ما بينهما من علاقة الزوجية مثلًا. وعلى هذا، فلو لم يعين الشهود شريك المشهود عليه في جريمة الزنا، نتج عن ذلك شبهة تدرأ العقوبة الحدية عن المشهود عليه. يقول الشيرازي مبينًا ذلك، ومن شهد بالزنا ذكر الزاني، ومن زنى به؛ لأنه قد يراه على بهيمة، فيعتقد أن ذلك زنا، والحاكم لا يعتقد أن ذلك زنا، أو يراه على زوجته، أو جاريته ابنه فيظن أنه زنى١، ويقول ابن قدامة: وأما تعيينهم المزني بها، أو الزاني إن كانت الشهادة على امرأة، ومكان الزنا، فذكر القاضي أنه يشترط لئلا تكون المرأة ممن اختلف في إباحتها.. ولهذا سأل ﷺ ماعزا فقال: "إنك أقررت أربعًا فبمن"؟. وذهب ابن الهمام إلى أكثر من هذا حين قال: "وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها، لم يحد؛ لأن الظاهر أنها امرأته أو أمته".

стр. 506

فلو قال المشهود عليه: المرأة التي رأيتموها معي ليست زوجتي، ولا أمتي لم يحد أيضًا؛ لأن الشهادة وقعت غير موجبة للحد، وهذا اللفظ منه ليس إقرارًا موجبًا للحد، فلا يحد"١. هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الأحناف، والماليكة، والشافعية والحنابلة والظاهرية٢، وذكر أبو القاسم الموسوي من فقهاء الشيعة أنه لا يشترط ذلك، فلو أختلف الشهود في تعيين الشريك في جريمة الزنا، فإنه لا أثر لذلك في إيجاب الحد على المشهود عليه؛ لأن الشريك غير داخل في شهادتهم أصلًا. وقد بين ذلك، فقال: "أما لو كان اختلافهم -أي الشهود- غير موجب لتعدد الفعل واختلافه، كما إذا شهد بعضهم على أن المرأة المعينة المزني بها من بني تميم مثلًا، وشهد البعض الآخر على أنها من بني أسد مثلًا، أو نحو ذلك من الاختلاف في الخصوصيات، لم يضر بثبوت الزنا بلا إشكال، ثم أورد توضيحًا لذلك بقوله: "لأن أختلافهم في هذه الخصوصيات لا يضر بثبوت أصل المشهود به، لعدم دخلها فيه أصلًا"٣، وما ذهب إليه جمهور الفقهاء أولى بالاتباع، وأقوى حجة، لجواز أن يكون الشهود قد توهموا أن من يواقعها الرجل المعروف لهم امرأة أجنبية عنه، بينما هي امرأة تزوجها، وهم لا يعلمون ذلك. وما استدل به من قالوا بعدم اشتراط تعين الشريك في إثبات الزنا بالشهادة، قياسًا على عدم اشترطا ذلك في الإثبات بالإقرار، مردود

стр. 507

بما جاء من الروايات أن الرسول ﷺ ، سأل ماعزًا عمن شاركته فعله حتى وقف عليها١. كما أن الإنسان لا يقر على نفسه كاذبًا، وحال المقر على نفسه تخالف تماما حال المشهود عليه، الذي يحاول جاهدًا دفع التهمة عن نفسه. وعلى هذا، فإن ذكر الشهود، وتعينهم شريك المشهود عليه أمر ضروري تنهض بتركه شبهة، تدرأ الحد عن المشهود عليه. وهذا الشبهة إن درأت الحد، فإنها لا تمنع من التعزير إذا رأى القاضي ذلك. د- أن يبدأ الشهود برجم الزاني المحصن: إذا تم إثبات جريمة الزنا بشهادة الشهود، وكان الزاني محصنًا لزمه الرجم، وقد اشترط فقهاء الأحناف لتنفيذ عقوبة الرجم على الجاني أن يبدأ الشهود برجم الجاني، ثم بعد ذلك يرجمه الحاضرون. فإن امتنع الشهود عن البدء برجم الجاني، فإن امتناعهم هذا، وإن لم يكن رجوعًا صريحًا، عن شهادتهم، إلا أنه يورث شبهة تلحق شهادتهم، وينتج عن ذلك درء العقوبة الحدية عن الجاني. كما أنه لا يلزم عن ذلك اعتبار الشهود قذفه؛ لأن امتناعهم عن البدء بالرجم ليس رجوعًا صريحًا، عما شهدوا به، وإن كان دليلًا عليه، والحدود لا تلزم بمثل ذلك. هذا إذا كان بدء الشهود برجم الجاني أمرً مقدورًا عليه من جهتم، فإن تعذر بدؤهم برجم الجاني، فإما أن يكون سبب ذلك طارئًا.

стр. 508

بعد أن أدوا شهادتهم، كسفرهم مثلًا، أو أن أحدهم قطعت يده، أو مات بعضهم. وإما أن يكون سبب ذلك كان موجودًا عند آدائهم شهادتهم على الجاني، كان أحدهم مقطوع اليدين مثلًا، أو مريضًا مرضًا لا يستطيع معه البدء بالرجم. فإن كان تعذر بدئهم برجم الجاني لسبب طارئ بعد آدائهم الشهادة، أوقف تنفيذ الحد على الجاني في رأي أبي حنيفة، حتى وإن أدى ذلك إلى إسقاط الحد، كما لو مات أحد الشهود قبل تنفيذ العقوبة. وذهب أبو يوسف إلى أنه إذا تعذر بدء الشهود برجم الجاني لسب، لا تلحقهم به تهمه، كأن غابوا مثلًا، أو مات بعضهم، لزم الجاني الحد، ونفذ فيه، أما إن كان لسبب تلزمه به تهمة درئ الحد عن الجاني، أمال إذا كان سبب تعذر بدئهم برجم الجاني موجودًا عند آدائهم الشهادة، فلا خلاف على إلزام الجاني العقوبة، ويقوم بتنفيذها عليها من يستطيع ذلك، هذا ما ذهب إليه فقهاء الأحناف١. وذهب فقهاء الشافعية، والحنابلة إلى أن بدء الشهود برجم الجاني من باب السنة، فإن امتنعوا عن ذلك مع قدرتهم عليه، لم يترتب على امتناعهم شيء بالنسبة لإلزام الجاني، ويقوم القادرون على التنفيذ برجم الجاني٢.

стр. 509

وذهب فقهاء المالكية إلى أن بدء الشهود برجم الجاني أمر غير لازم، فليس بواجب أو سنة، ولا يترتب على امتناع الشهود عن ذلك شيء، ما داموا لم يرجعوا عن شهادتهم، ويلزم الجاني الحد، وينفذ عليه١. والذي أرجحه من ذلك هو ما ذهب إليه أبو يوسف، من القول باشتراط بدء الشهود برجم الجاني -ما داموا قادرين على ذلك- مع بعض الزيادة على ما ذهب إليه أبو يوسف، وتنحصر في أنهم أن امتنعوا عن رجم الجاني مع قدرتهم عليه، فإن التنفيذ يوقف، ويسألون عن سبب امتناعهم، فإن أبدوا سببًا مقبولًا لا يتطرق معه الشك في شهادتهم، ثم تنفيذ العقوبة على الجاني لجواز أن امتناعهم لرقة في قلوبهم، فإن لم يبدوا سببًا، أو أبدوا سببًا غير مقبول، فإن امتناعهم حينئذ تنهض به شبهة في شهادتهم، يترتب عليه درء الحد عن المشهود عليه. أما ما ذهب إليه الإمام مالك عن عدم اشتراط ذلك، فقد يرجع سببه إلى أنه كان من فقهاء المدينة، وعاشر أهلها، وهم -وقت ذلك- ممن لا يشك في ذمتهم، ولا تلحقهم تهم، واختلاف الأزمنة، والأمكنة أمر تختلف معه الطباع.

стр. 510

الفصل الثاني: جريمة السرقة المبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى المطلب الأول: تعريف السرقة ... الفصل الثاني: جريمة السرقة المبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى ويتناول الحديث عنها مطلبين. المطلب الأول: تعريف السرقة. المطلب الثاني: سرقات أختلف في وجوب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة. المطلب الأول: تعريف السرقة السرقة في اللغة: أخذ الشيء خفية، ومن ذلك استراق السمع في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ١، وسرق منه الشيء أخذه خفية من حرزه، والسارق اسم فاعل، وهو من جاء مستترًا إلى الحرز، فأخذ منه ما ليس له٢. وعرفها فقهاء الأحناف: بأنها أخذ مال الغير على سبيل الخفية نصابًا محرزًا للتمول غير متسارع إليه الفساد، ومن غير تأول ولا شبهة٣، وعرفها فقهاء المالكية: بأنها أخذ مال الغير مستترًا من غير أن يؤتمن عليه، أو بأنها: أخذ مكلف، حرًا لا يعقل لصغره، أو مالًا محترمًا لغيره نصابًا أخرجه من حرزه بقصد واحد، خفية لا شبهة له فيه٤.

стр. 511

وعرفها فقهاء الشافعية: بأنها -أخذ مال خفية من حرز مثله بشرائط١، وعرفها فقهاء الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء٢. ويلاحظ أن تعاريف الفقهاء للسرقة متفقة في تحديد معناها، وشروطها التي أن تخلفت، أو تخلف واحد منها لم تعد الواقعة سرقة معاقبًا عليها بالعقوبة الحدية. كما يتضح من تعريف فقهاء الأحناف، أنهم أشدط الناس تضييقًا لدائرة السرقة الحدية. وإن فقهاء لمالكية قد اعتبروا أخذ الحر الصغير الذي لا يعرف أين يذهب به، سرقة موجبة للحد. ومما هو واضح في تعاريف الفقهاء للسرقة الحدية، أنهم نصوا على انعدام للشبهة في المال المأخوذ، حتى يمكن اعتبار الفعل جريمة من الجرائم الحدية. كما أن اشتراط أن يكون الأخذ خفية، يفرق بين السرقة الصغرى التي هي محل البحث الآن، وبين السرقة الكبرى التي يؤخذ فيها المال على سبيل آخر غير الاستخفاء، وسيأتي الحديث عنها في المبحث التالي. كما أن اشتراط أن يكون الأخذ خفية، يفرق أيضًا بين جريمة السرقة عند فقهاء الشريعة، وما يراد بها عند القانونيين.

стр. 512

إذ إن القانونيين يطلقون السرقة على اختلاس المنقول المملوك للغير، ويدخل ضمن ذلك كله استيلاء على مال الغير من غير رضاه؛ لأن فعل الاختلاس يتوافر إذا قام الجاني بحركة مادية، ينقل بها الشيء إلى حيازته، أيا كانت طريقته في ذلك: بالنزع أو السلب، أو الخطف، أو النقل، وما إليها. وكل ما يشترطه القانونيين هو أن يكون الاستيلاء على الشيء، قد تم بفعل الجاني، وليس من الضروري عندهم أن يكون الاستيلاء بيد الفاعل، فيعد سارقًا كل من قرب حيوانًا، واستخدمه في الاستيلاء على شيء، ونقله إلى مدربه ويكفي لكي يعد الشخص سارقًا أن يهيئ أسباب انتقال الحيازة إليه، كمن يحول مجرى مياه الغير إلى أرضه، حتى تنحدر إليها عند وردها١، وكل ما عده القانونيون لا يخرج عن مفهوم السرقة المعاقب عليها، عند فقهاء الشريعة بالمعنى العام للعقوبة، وإن كان بعضه فقط، هو الذي ينطوي تحت مفهوم السرقة الحدية المعاقب عليها بالعقوبة المقدرة من لدن الشارع الحكيم. ولا غرو في هذا إذ أن العقوبات كلها التي وضعها فقهاء القانون، ما هي إلا من باب العقوبات التعزيرية عند فقهاء الشريعة، وإن اختلفتا من بعض الوجوه. والحديث عن جريمة السرقة الصغرى، والشبهات التي تعتريها يتناول أنواعًا من السرقة التي لا يجب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة. وهذا ما سيتضمنه المطلب الثاني من هذا المبحث.

стр. 513

المطلب الثاني: سرقات اختلف في وجوب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي مما سبق من تعاريف الفقهاء لسرقة يبين ما وضعه الفقهاء من شروط لاعتبار الفعل سرقة، وتتمثل هذه الشروط بصفة عامة في الأخذ خفية، وأن يكون الشيء المأخوذ محرزًا، متمولًا، مملوكا للغير، تصل قيمته حد النصاب أو تزيد، وأن يكون المسروق، مما لا يتسارع إليه التلف، وأن لا يكون للسارق تأويل ولا شبهة. فمن قام بالفعل المادي للسرقة، واستوفى فعله هذه الشروط، واكتملت أركانه عوقب على فعله هذا بالعقوبة الحدية. أما من وقع منه هذا الفعل المادي مع وجود شبهة من الشبهات، التي تلحق الركن الشرعي بجريمة السرقة، فإن عقوبتها الحدية تندرئ عنه، ولا يلزم بها، سواء تترتب على ذلك إعفاؤه من جنس العقوبة، أو إعفاؤه من العقوبة الحدية فقط، وإلزامه بعقوبة تعزيرية تناسب ما وقع منه من سلوك. وسأذكر فيما يلي بعض الوقائع، التي اكتمل فيها الركن المادي لجريمة السرقة غير أن العقوبة الحدية المترتبة على ذلك، قد لا تلحق الجاني نظرًا قيام شبهة من الشبهات التي تحلق الركن الشرعي للجريمة. سواء أكانت هذه الشبهة من الشبهات التي يعتد بها من يعمل قاعدة درء الحدود بالشبهات، أم كانت هذه الشبهة من الشبهات التي يعتد بها البعض، ويعملها دون بقية الفقهاء.

стр. 514

مع بيان وجهة نظر كل منهم، ودليله على ما ذهب إليه: ١- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن السرقة الحدية لا يكتمل وصفها، إلا إذا انتهك السارق الحرز، وأخرج منه المسروق، واستولى عليه وأدخله في حيازته. وعلى هذا لو دخل شخص منزلًا، وجمع من هذا المنزل متاعًا بلغ حد النصاب أو يزيد، ووضع هذا المتاع في حقيبة مثلًا، ثم حملها وهم بالخروج من المكان الذي سرق منه المتاع، وقبل أن يخرج أمسك به صاحب المتاع أو غيره، فإن جمهور الفقهاء يرون أن مثل هذا الفعل لا يعد سرقة موجبة للعقوبة الحدية؛ لأن وصف الجريمة الحدية لم يكتمل بعد في حق السارق؛ لأنه لم يخرج بما أخذه من متاع خارج حرزه الذي وضع فيه، ولم يصبح المال المأخوذ في حيازة آخذه، وعليه فإن قيام شبهة عدم دخول المال المأخوذ في حيازة آخذه من حرزه، تدرأ العقوبة الحدية عن هذا الآخذ، وإن ألزم عقوبة تعزيرية مناسبة١. وروي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- والحسن البصري، وإبراهيم النخعي أن من دخل الحرر، وجمع المتاع ثم تهيأ للخروج، ولم يخرج، فإنه يجب قطعه٢. وهذا أيضًا هو ما ذهب إليه ابن حزم، وذلك كله مبني على أساس عدم اشتراط الحرز، أو جوب القطع بالسرقة، واستدل ابن حزم على

стр. 515

ما ذهب إليه بأدلة منها ما أورده في قوله: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، فوجب بنص القرآن أن كل من سرق فالقطع عليه، وبالضرورة الحسية، وباللغة يدري كل آخذ أن من سرق من حرز، أو من غير حرز، فإنه سارق -فقطع يده واجب بنص القرآن، ولا يحل أن يخص القرآن بالظن الكاذب، فإن من قال: إن الله تعالى أراد في هذه الآية من سرق من حرز، فإنه مخبر عن الله تعالى، بما لم يخبر به عن نفسه، ولا أخبر به عن نبيه ﷺ ". كما استدل ابن حزم أيضًا بما جاءت به السنة النبوية، مما يفيد العموم من قول الرسول ﷺ : "يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد". ومن قوله ﷺ : "لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده"، ثم علق بن حزم على هذين الحديثين بقوله: "قضى رسول الله ﷺ بقطع يد السارق جملة، ولم يخص ﵇ حرزًا من غير حرزه إلى أن يقول: واو "أن الله أراد أن لا يقطع يد السارق حتى يسرق من حرزه، ويخرجه من الدار، لما أغفل ذلك". ولا أهمله، ولا أعنتنا بأن يكلفنا علم شريعة لم يطلعنا عليه، وليبينه على لسان رسوله ﷺ "١. واستدل أصحاب هذا الاتجاه أيضًا بما روي من أن رسول الله ﷺ قد قطع يد السارق الذي سرق ثوبًا من المسجد٢، إذ المسجد لا يعتبر

стр. 516

حرزًا، وعليه فإن من سرق سواء أكان من حرز، ولم يخرج بالمسروق، أم كان من غير حرز وجب قطعه، إذا اكتملت فيه باقي شروط السرقة. وما ذهب إليه فقهاء الجمهور هو ما أرجحه، وأميل إليه لوجود شبهة عدم دخول المال المأخوذ في حرزه من أخذه من حرز، وعدم الاستيلاء الكامل عليه. أما ما ذهب إليه ابن حزم، ومن وافقه من عدم اعتبار الحرز في إيجاب العقوبة الحدية، فقول مردود بما ذهب إليه أئمة اللغة، الذين عرفوا السرقة، والاستراق بالمجيء مستترًا لأخذ مال غيره من حرز١. فالحرز شرط لا يجانب العقوبة الحدية، وعدم مفارقة الحرز تنهض شبهة في حق الآخذ؛ لجواز أن يستيقظ ضميره قبل مفارقته المكان، فيترك الشيء المأخوذ. أما ما استدل به ابن حزم من أن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية جاءت عامة شاملة كل من سرق من حرز، أو غيره -ولا يجوز أن يخص القرآن بالظن، فقول يحتاج إلى مناقشة.

стр. 517

لأن ما جاء من أدلة تفيد العموم قد خصصت بدليل أنه لا قطع على الصبي، أو المجنون، ولا على من سرق شيئًا غير متمول١. وعلى هذا فإن الدليل العام قد دخله التخصيص، وما جاز تحصيصه خصص بالدليل الظني٢، ومع هذا فإن تخصيص العموم

стр. 518

هنا تخصيص بما هو مجمع عليه، وبما ورد من الأخبار من رواته موثوق بهم١. وثمرة لهذا الخلاف تنتج الشبهة تحلق الركن الشرعي للجريمة، يترتب عليها درء العقوبة الحدية عن الفاعل.

стр. 519

٢- النشال: أو الطرار، وهو من يأخذ ما مع الشخص المتيقظ في غفلة منه١. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب القطع على النشال، إذا أخذ نصاب السرقة، وأثبت عليه ذلك. سواء شق الجيب، وأخذ منه المال، أو أدخل يده في الكم، أو في الجيب مأخذ من غير شق، وكذا ما أخذ من حقيبة، شقها أو لم يشقها؛ لأن كل هذه الأشياء التي أخذ منها هي عند جمهور الفقهاء حرز لما وضع فيها عرفًا، فإذا أخذه في غفله من صاحبه، فهو إذا سارق، ولا ينظر إلى شق أو غيره؛ ولأن مال الشخص محرز بوجوده معه. وذهب الإمام أبو حنيفة، ومن وافقه إلى أن النشال لا قطع عليه، إلا إذا شق الجيب أو الكم؛ لأن هتك الحرز قد تحقق، وقد بين ذلك كله ابن الهمام بقول: هـ.. "وعن أبي يوسف أنه أي الطرار يقطع على كل حال، وهو قول الأئمة الثلاثة؛ لأن صورة أخذه من خارج الكم إن لم يكن محرزًا بالكم، فهو محرز بصاحبه، وإذا كان محرزًا بصاحبه، وهو نائم إلى جنبه٢، أفلأن يكون محرزًا، وهو يقظان والمال يلاصق بدنه أولى، قلنا: بل الحرز هنا ليس إلا الكم؛ لأن صاحب المال يعتمد الكم، أو الجيب لا قيام نفسه، فصار الكم كالصندوق، وهذا؛ لأن المطرور كمه أما في حالة المشي أو في غيره، فمقصوده في الأولى ليس إلا قطع المسافة لا حفظ المال، وإن كان الثاني فمقصوده الاستراحة عن حفظ

стр. 520

المال وهو شغل قلبه بمراقبته، فإنه متعب للنفس فيربطه ليريح نفسه من ذلك، فإنما اعتمد الربط، والمقصود هو المعتبر في هذا الباب١، والذي أرجحه هو وجوب القطع على النشال، سواء أشق جيبًا أو قميصًا، أم لم يشق، وسواء أخذ المال من الجيب، أم أخذه من حقيبة يحملها المسروق منه في يده، ما دام قد غافله النشال، وأخذ منه ما أخذه من مال، أو غيره مما يتقوم بالمال على سبيل الخفية والمغافلة؛ لأنه إن أخذه بغير ذلك فله حكم آخر، يأتي في الحديث عن جريمة السرقة الكبرى، كما أن ما وقع لصفوان بن أمية٢، وحكم فيه رسول الله ﷺ بوجوب القطع، يدل صراحة على وجوب قطع النشال، سواء كان المسروق منه نائمًا، أم متيقظًا فسارق خميصة صفوان قد سرقها، وصفوان نائم، ومع ذلك اعتبرها الرسول ﷺ قد سرقت من حرر لنومه عليه، فمن باب أولى من ينشل من المتيقظ المشغول بما حوله اعتمادًا على أن حاله في جيبه، أو حقيبته، وما إلى ذلك ما دام السارق قد أخذ ماله في الخفاء بعد أن غافله، والشبهة هنا قد نتجت من عدم وضوح دلالة كلمة السرقة على ما وقع من النشال من فعل، ولاختصاص النشال باسم غير اسم السارق، عند اللغوين٣، هذا بالإضافة إلى ما أورده الفقهاء، من مسألة اعتبار ما أخذ منه النشال حرزًا أم لا.

стр. 521

وعليه، فالشبهة هنا من الشبهات التي تلحق الركن الشرعي للجريمة. ٣- النباش: هو الذي ينبش القبور لأخذ أكفان الموتى١، ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب القطع على النباش؛ لأن عمله يصدق عليه أنه سرقة، وأن النباش يصدق عليه أنه سارق، يقول ابن حزم مبينًا ذلك: "ووجدنا" السارق "في اللغة التي نزل بها القرآن، وبها خاطبنا الله تعالى: هو الأخذ شيئًا لم يبح الله له، فيأخذه متملكًا له مستخفيا به، فوجدنا النباش هذه صفته، فصح أنه سارق ... فقطع يده واجب -وبه نقول٢، واستدل ابن قدامة لذلك أيضًا بما روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: "سارق أمواتنا سارق أحياءنا"،٣ واستدل فقهاء الشيعة لذلك أيضًا، بما روي من أن عليا -رضي الله تعالى عنه- نباش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: "إنا نقطع لأمواتنا، كما نقطع لأحيائنا"٤.

стр. 522

وذكر الخرش وجوب القطع على النباش، إذا أخذ الكفن، سواء كان القبر قريبًا من العمران أم لا "حتى ولو ألقى الميت في البحر؛ لأن البحر حينئذ صار حرزًا له"١. أما فقهاء الشافعية، فقد فصلوا القول في ذلك بأن من نبش قبرًا، وسرق منه الكفن، فإن كان في برية لم يقطع؛ لأنه ليس بحرز للكفن، وإنما يدفن في البرية الضرورة، وإن كان في مقبره تلي العمران قطع لما روى البراء بن عازب٢ -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ ، قال: "من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه" ٣. وذهب فقهاء المالكية، والشافعية والحنابلة، ومن وافقهم إلى أن النباش إن سرق ما زاد على الكفن المشروع، فلا قطع عليه؛ لأنه قد أخذ من غير حرز، وكذا لو سرق ما وضع مع الميت من طيب، أو ذهب أو فضة، أو جوهر وما شابه ذلك، فلا قطع عليه؛ لأن ذلك ليس بكفن، وليس القبر بحرر له فتركه في القبر سفه وتضييع٤.

стр. 523

وذهب الإمام أبو حنيفة، ومن وافقهما إلى أنه لا قطع على النباش، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ : "لا قطع على المختفي" ١، والمختفي هو النباش في عرف أهل المدينة. وروي عن الزهري٢ قال: أخذ نباش في زمن معاوية، وكان مروان على المدينة، "فسأل من بحضرته من الصحابة والفقهاء، فأجمع رأيهم على أن يضرب ويطاف به"٣. ومبني ذلك عند أبي حنيفة ومن وافقه، أن القبر ليس بحرز؛ لأنه حفره في الصحراء مأذون للعموم من المرور به ليلًا ونهارًا، ولا غلق عليه ولا حارس منصد لحفظه، فلم يبق إلا مجرد دعوى أنه حرز تسمية ادعائية بلا معنى، ولا يترك ذلك عن أن يكون في حرزيته شبهة، وبه ينتفي القطع، وهذه هي الشبهة الأولى عند أبي حنيفة ومن وافقه، وهي من الشبهات التي تتصل بالركن الشرعي للجريمة. أما الشبهة الثانية عند أبي حنيفة، فهي في كون الكفن مملوكًا لأحد، فالإمام أبو حنيفة يرى أن الكفن مملوك لأحد، لا للميت؛ لأنه ليس أهلًا للملك، ولا للوارث؛ لأنه لا يملك من التركة لا ما يفضل عن حاجة الميت، فإن صح أنه لا ملك فيه لأحد فلا قطع بسرقته، وإلا فتحققت شبهة في مملوكيته بما ذهب إليه الإمام، ويتحققها لا قطع به أيضًا.

стр. 524

وأضاف ابن الهمام ما تلزم به شبهة أخرى، وهو أن في مالية الكفن قصورًا؛ لأن المال ما يجرى فيه الرغبة، والضنة١، والكفن ينفر عنه كل من علم أنه كفن ميت، إلا نادرًا من الناس، وهاتان الشبهتان أيضًا مما يعتري الركن الشرعي للجريمة من شبهات. كما أورد ابن الهمام شبهة أخرى بقوله: "شرع الحد للانزجار"، والحاجة إليه لما يكثر وجوده، فأما ما يندر فلا يشرع فيه لوقوعه في غير محل الحاجة؛ لأن الانزجار حاصل طبعًا"٢. كما أورد فقهاء الأصول شبهة في وجوب القطع على النباش؛ لأنه وضع له اسم غير السارق، وعليه فلا ينطبق اسم السارق عليه، وقد أورث ذلك شبهة في حقه. كما ذكروا أن السارق تقطع يده، إذا خاصمه مالك المسروق، والكفن لا مالك له كما قال بذلك الإمام أبو حنيفة٣. وقد أورد أبو القاسم الموسوي بعض أقوال عن بعض فقهاء الشيعة، يرون فيها أنه لا قطع على النباش، إلا إذا عرف بذلك واعتاده، وقد حاول الطعن في صحة ذلك بأن من أوردهما لم يرد فيه توثيق، ولا مدح٤.

стр. 525

روي من قول الرسول ﷺ : "لا قطع على المختفي"، فقد قال عنه الزيلعي١ أنه غريب: "كما أن المختفي يمكن حمله على المظهر للأخذ نظرًا؛ لأن فعله أخفى: من أسماء الأضداد"٢، وصرف اللفظ على ظاهر، أو ما استعمل فيه فيما اشتهر من لغة العرب أولى من صرف إلى اسعمال فئة من الناس من غير أن تقوم على ذلك قرينة، "أما ما يراه الإمام من شبهة عدم الحرز، فمردود بما ذكره الجمهور من أن القبر حرز للميت، وثيابه تبعه له، فيكون حرزًا لهما أيضًا". وذكر ابن قدامة في ذلك: أن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غير، ويكتفي به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير ذلك القبر من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه٣.

стр. 526

ولأن حرز كل شيء ما يليق به، فحرز الدواب بالاصطبل، والثياب بما أعد لها من حقائب أو ما ماثلها، ولو وضع الشيء في غير حرزه، وسرق لم يجب به قطع لكن الكفن في حرزه، ويتساءل المثبتون للحرز فيقولون: ألا ترى أن الوصي إذا كفن صبيًا من ماله لا يضمن لورثته شيئًا، فلو لم يكن محرزًا، كان تضييعًا موجبًا للضمان، فكان أخذا الكفن من القبر عين السرقة١. أما ما ذكر من شبهة أنه لا مالك للكفن، فهو قول مردود؛ لأن الكفن مملوك للميت؛ لأنه كان مالكًا له في حياته، ولا يزول مالكه إلا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله٢. كما أن ما ذكره الإمام أبو حنيفة من شبهة عدم مالية الكفن، بدليل أنه لا تجري فيه الرغبة والضنة، وأنه ينفر عنه كل من علم أنه كفن ميت، إلا نادرًا من الناس، فهذه الشبهة ترد بأن من يسرق الكفن، يمكن أن يبيعه لمن لا يعلم حقيقته، وبذا يكون قد استعاض عنه بمال، ومن الأكفان ما يتعالى فيه، فيختار من نوع غال من القماش وهكذا، كما أنه إذا رغب فيه بعض الناس مع علمهم بحقيقة، أصبح للكفن قيمة مالية عندهم. وما ذهب إليه من أن الحد شرع للانزجار، وأما ما يندر فلا يشرع فيه، أو وقوعه في غير محل الحاجة؛ لأن الانزجار حاصل طبعًا.

стр. 527

فهذا مردود بما أصبح متفشيا بين الكثير، الذين وصل بهم الحد إلى سرقة جثة الميت ذاتها، والاتجار فيها لطلاب كليات الطب، كما أن الطباع قد ألفت أشياء كثيرة، كانت النفرة عنها غالبة في الماضي. وعلى هذا، فإن وجوب القطع على النباش بشروط القطع الأخرى، أوجب وألزام بل والزيادة على القطع؛ لأنه بجانب كونه سارقًا، فهو قد انتهك حرمات الموتى، وهذا ما أراه مناسبًا لتعليل ما جاء من أقوال بقتل النباش، أو بقطع يده ورجله١. وقد ذهب بعض فقهاء القانون الوضعي إلى القول بشبهة عدم امتلاك أكفان الموتى، وما يوضع في القبور من مصوغات، وغير ذلك، واعتبروا ذلك كله من قبيل الأموال المتروكة، التي لا يلزم من سرقها بعقوبة على فعله. وإن كان الرأي الراجح قد اعتبر ذلك كله من الأموال المتروكة. ونصت محكمة النقض على أن أكفان الموتى، والملابس والحلي، وغيرها من الأشياء التي اعتاد الناس إيداعها القبور مع الموتى، وإنما هي مملوكة لورثة هؤلاء، وقد خصصوها لتبقى مع جثث أهليهم لما وقر في نفوسهم، واستقر في ضمائرهم من وجوب كرمهم في أجداثهم على هذا النحو٢، وما ذهب إليه الفقه الإسلامي من التفريق بين الكفن، وغيره، مما يوضع في القبر أولى، أما ما استقر من عقائد باطلة في نفوس البعض، فالأولى بمحكمة النقض أن تحاول إصلاحه؛ لأن فيه إضاعة أموال بغير داع.

стр. 528

٤- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر: علاقة الزوجية كرمها الإسلام، ورفعها منزلة عالية، وألزم كلا من الزوجين حقوقًا، وفرض عليه واجبات. فهي علاقة تزيل الحجب التي لا تزال، ولا ترفع في ظل هذه العلاقة، فقد جعل القرآن الكريم كلا من الزوجين لباسًا للآخر: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ١. ولما كانت علاقة كل من الزوجين بهذه المنزلة، فإن للفقهاء آراء في إيجاب العقوبة الحدية على كل من الزوجين، إذا سرق من مال الآخر. فقد ذهب فقهاء الأحناف، وفي رأي للإمام الشافعي، أنه لا قطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، سواء أكان هذا المال غير محرز عن السارق، أم كان محرزًا عنه، وجد هذا المال في المكان الذي يسكنان فيه، أو في مكان آخر، ومبنى ذلك أن بين الزوجين بسوطة في الأموال عادة ودلالة، فإنها لما بدلت نفسها، وهي أنفس من المال كانت بالمال أسمح؛ ولأن بينهما سببا يوجب التوارث من غير حجب حرمان كالوالدين. ويكفي لإسقاط الحد عن أحدهما قيام الزوجية بينهما، وقت للسرقة فقط، كما لو سرق منها، ثم أبانها ولو رفعت دعواها عليه بعد انقضاء عدتها. وأيضًا يكفي لإسقاط الحد عن أحدهما قيام الزوجية بينهما، ولو بعد السرقة، سواء أكان التزاوج بعد أن قضى بالقطع، أو لم يقض، وإن

стр. 529

كان أبو يوسف يرى أن التزواج لو حدث بعد أن قضى بالقطع يقطع. ولا يجب القطع أيضًا إذا سرق من امرأته المبتوتة، أو المختلفة في العدة، وكذا إذا سرقت هي من الزوج في العدة١. كما ذهب فقهاء الأحناف إلى أن من سرق من بيت زوجته ابنه، أو أبيه أو زوج ابنته أو زوج أمه، أو بنت زوج أمه، فإنه لا قطع عليه أن كان يجمعهما منزل واحد، أما إذا كان كل منهما في منزل على حده، فإن الإمام أبا حنيفة يرى عدم القطع؛ لأنه لا يرى قطعًا بالسرقة من منزل الأصهار، أو الأختان، وإن كان الصاحبان يريان القطع ما دام لا يجمعهما منزل واحد؛ لأانه لا شبهة في ملكيتهما، واستدل فقهاء الأحناف لما ذهبوا إليه، بالإضافة إلى ما ذكر بأن شهادة كل من الزوجين لا تقبل لصاحبه؛ لاتصال المنافع بينهما، وعليه فلا قطع لأحدهما على الآخر؛ لأنه لو سرق من ماله، فإنه قد سرق من مال له فيه منفعة؛ لأنها لها عليه النفقة، وله عليها الحبس. واستدلوا لذلك أيضًا بما روي من أن عمر -رضي الله تعالى عنه- أتى بغلام سرق مرآة لامرأة سيده، فقال: ليس عليه شيء، خادمكم سرق متاعكم: "فإذا لم يقطع خادم الزوج، فالزوج أولى". وبهذا استدل أيضًا بعض فقهاء الحنابلة للقول بإسقاط القطع عن كل من الزوجين، إذا سرق من مال أحدهما، حتى ولو كان محرزًا عن الآخر٢، وذهب فقهاء المالكية والشيعة، وجمهور فقهاء الحنابلة، ورأي

стр. 530

عند الشافعية إلى أنه لا قطع على كل من الزوجين، إذا سرق من مال الآخر إذا كان غير محرز عنه، أما لو سرق أحدهما من مال الآخر المحرز عنه، فإنه يقطع به. يقول الخرشي: "ويقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، بشرط أن يكون المال المسروق في مكان محجور عن السارق أن يدخله، أما لو سرق من مكان يدخله، فإنه لا قطع عليه؛ لأنه حينئذ خائن لا سارق"١. كما استدلوا لذلك بعموم الآيات والأخبار؛ ولأن النكاح عقد على منفعة فلا يؤثر في درء الحد، كالإجارة لا يسقط بها الحد عن الأجير، أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر؛ لأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه. واشترط فقهاء المالكية أن الحجر إنما يعتبر بغلق لا بمجرد الكلام بالمنع، وذهب الإمام الشافعي في رأي ثالث إلى وجوب القطع على الزوج، فيما سرق من مال الزوجة المحرز عنه بخلافها، فيما لو سرقت من مال زوجها المحرز عنها؛ لأن لها حقًا في ماله بالنفقة، وليس له في مالها مثل ذلك. وقد عرض الشيرازي الآراء الثلاثة في قوله: "وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه، ففيه ثلاثة أقوال أحدها:
следующие страницы →