← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ولأن حرز كل شيء ما يليق به، فحرز الدواب بالاصطبل، والثياب بما أعد لها من حقائب أو ما ماثلها، ولو وضع الشيء في غير حرزه، وسرق لم يجب به قطع لكن الكفن في حرزه، ويتساءل المثبتون للحرز فيقولون: ألا ترى أن الوصي إذا كفن صبيًا من ماله لا يضمن لورثته شيئًا، فلو لم يكن محرزًا، كان تضييعًا موجبًا للضمان، فكان أخذا الكفن من القبر عين السرقة١. أما ما ذكر من شبهة أنه لا مالك للكفن، فهو قول مردود؛ لأن الكفن مملوك للميت؛ لأنه كان مالكًا له في حياته، ولا يزول مالكه إلا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله٢. كما أن ما ذكره الإمام أبو حنيفة من شبهة عدم مالية الكفن، بدليل أنه لا تجري فيه الرغبة والضنة، وأنه ينفر عنه كل من علم أنه كفن ميت، إلا نادرًا من الناس، فهذه الشبهة ترد بأن من يسرق الكفن، يمكن أن يبيعه لمن لا يعلم حقيقته، وبذا يكون قد استعاض عنه بمال، ومن الأكفان ما يتعالى فيه، فيختار من نوع غال من القماش وهكذا، كما أنه إذا رغب فيه بعض الناس مع علمهم بحقيقة، أصبح للكفن قيمة مالية عندهم. وما ذهب إليه من أن الحد شرع للانزجار، وأما ما يندر فلا يشرع فيه، أو وقوعه في غير محل الحاجة؛ لأن الانزجار حاصل طبعًا.

стр. 527

فهذا مردود بما أصبح متفشيا بين الكثير، الذين وصل بهم الحد إلى سرقة جثة الميت ذاتها، والاتجار فيها لطلاب كليات الطب، كما أن الطباع قد ألفت أشياء كثيرة، كانت النفرة عنها غالبة في الماضي. وعلى هذا، فإن وجوب القطع على النباش بشروط القطع الأخرى، أوجب وألزام بل والزيادة على القطع؛ لأنه بجانب كونه سارقًا، فهو قد انتهك حرمات الموتى، وهذا ما أراه مناسبًا لتعليل ما جاء من أقوال بقتل النباش، أو بقطع يده ورجله١. وقد ذهب بعض فقهاء القانون الوضعي إلى القول بشبهة عدم امتلاك أكفان الموتى، وما يوضع في القبور من مصوغات، وغير ذلك، واعتبروا ذلك كله من قبيل الأموال المتروكة، التي لا يلزم من سرقها بعقوبة على فعله. وإن كان الرأي الراجح قد اعتبر ذلك كله من الأموال المتروكة. ونصت محكمة النقض على أن أكفان الموتى، والملابس والحلي، وغيرها من الأشياء التي اعتاد الناس إيداعها القبور مع الموتى، وإنما هي مملوكة لورثة هؤلاء، وقد خصصوها لتبقى مع جثث أهليهم لما وقر في نفوسهم، واستقر في ضمائرهم من وجوب كرمهم في أجداثهم على هذا النحو٢، وما ذهب إليه الفقه الإسلامي من التفريق بين الكفن، وغيره، مما يوضع في القبر أولى، أما ما استقر من عقائد باطلة في نفوس البعض، فالأولى بمحكمة النقض أن تحاول إصلاحه؛ لأن فيه إضاعة أموال بغير داع.

стр. 528

٤- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر: علاقة الزوجية كرمها الإسلام، ورفعها منزلة عالية، وألزم كلا من الزوجين حقوقًا، وفرض عليه واجبات. فهي علاقة تزيل الحجب التي لا تزال، ولا ترفع في ظل هذه العلاقة، فقد جعل القرآن الكريم كلا من الزوجين لباسًا للآخر: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ١. ولما كانت علاقة كل من الزوجين بهذه المنزلة، فإن للفقهاء آراء في إيجاب العقوبة الحدية على كل من الزوجين، إذا سرق من مال الآخر. فقد ذهب فقهاء الأحناف، وفي رأي للإمام الشافعي، أنه لا قطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، سواء أكان هذا المال غير محرز عن السارق، أم كان محرزًا عنه، وجد هذا المال في المكان الذي يسكنان فيه، أو في مكان آخر، ومبنى ذلك أن بين الزوجين بسوطة في الأموال عادة ودلالة، فإنها لما بدلت نفسها، وهي أنفس من المال كانت بالمال أسمح؛ ولأن بينهما سببا يوجب التوارث من غير حجب حرمان كالوالدين. ويكفي لإسقاط الحد عن أحدهما قيام الزوجية بينهما، وقت للسرقة فقط، كما لو سرق منها، ثم أبانها ولو رفعت دعواها عليه بعد انقضاء عدتها. وأيضًا يكفي لإسقاط الحد عن أحدهما قيام الزوجية بينهما، ولو بعد السرقة، سواء أكان التزاوج بعد أن قضى بالقطع، أو لم يقض، وإن

стр. 529

كان أبو يوسف يرى أن التزواج لو حدث بعد أن قضى بالقطع يقطع. ولا يجب القطع أيضًا إذا سرق من امرأته المبتوتة، أو المختلفة في العدة، وكذا إذا سرقت هي من الزوج في العدة١. كما ذهب فقهاء الأحناف إلى أن من سرق من بيت زوجته ابنه، أو أبيه أو زوج ابنته أو زوج أمه، أو بنت زوج أمه، فإنه لا قطع عليه أن كان يجمعهما منزل واحد، أما إذا كان كل منهما في منزل على حده، فإن الإمام أبا حنيفة يرى عدم القطع؛ لأنه لا يرى قطعًا بالسرقة من منزل الأصهار، أو الأختان، وإن كان الصاحبان يريان القطع ما دام لا يجمعهما منزل واحد؛ لأانه لا شبهة في ملكيتهما، واستدل فقهاء الأحناف لما ذهبوا إليه، بالإضافة إلى ما ذكر بأن شهادة كل من الزوجين لا تقبل لصاحبه؛ لاتصال المنافع بينهما، وعليه فلا قطع لأحدهما على الآخر؛ لأنه لو سرق من ماله، فإنه قد سرق من مال له فيه منفعة؛ لأنها لها عليه النفقة، وله عليها الحبس. واستدلوا لذلك أيضًا بما روي من أن عمر -رضي الله تعالى عنه- أتى بغلام سرق مرآة لامرأة سيده، فقال: ليس عليه شيء، خادمكم سرق متاعكم: "فإذا لم يقطع خادم الزوج، فالزوج أولى". وبهذا استدل أيضًا بعض فقهاء الحنابلة للقول بإسقاط القطع عن كل من الزوجين، إذا سرق من مال أحدهما، حتى ولو كان محرزًا عن الآخر٢، وذهب فقهاء المالكية والشيعة، وجمهور فقهاء الحنابلة، ورأي

стр. 530

عند الشافعية إلى أنه لا قطع على كل من الزوجين، إذا سرق من مال الآخر إذا كان غير محرز عنه، أما لو سرق أحدهما من مال الآخر المحرز عنه، فإنه يقطع به. يقول الخرشي: "ويقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، بشرط أن يكون المال المسروق في مكان محجور عن السارق أن يدخله، أما لو سرق من مكان يدخله، فإنه لا قطع عليه؛ لأنه حينئذ خائن لا سارق"١. كما استدلوا لذلك بعموم الآيات والأخبار؛ ولأن النكاح عقد على منفعة فلا يؤثر في درء الحد، كالإجارة لا يسقط بها الحد عن الأجير، أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر؛ لأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه. واشترط فقهاء المالكية أن الحجر إنما يعتبر بغلق لا بمجرد الكلام بالمنع، وذهب الإمام الشافعي في رأي ثالث إلى وجوب القطع على الزوج، فيما سرق من مال الزوجة المحرز عنه بخلافها، فيما لو سرقت من مال زوجها المحرز عنها؛ لأن لها حقًا في ماله بالنفقة، وليس له في مالها مثل ذلك. وقد عرض الشيرازي الآراء الثلاثة في قوله: "وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه، ففيه ثلاثة أقوال أحدها:

стр. 531

أنه يقطع؛ لأن النكاح عقد على المنفعة، فلا يسقط القطع في السرقة كالإجارة، والثاني: أنه لا قطع؛ لأن الزوجة تستحق النفقة على الزوج، والزوج يملك أن يحجر عليها، ويمنعها من التصرف على قول بعض الفقهاء، فصار ذلك شبهة، والثالث: أنه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة، ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن الزوجة حقًا في مال الزوج بالنفقة، وليس الزوج حق في مالها١. وذهب ابن حزم إلى أن القطع واجب على من يسرق، وتوافرت فيه شروط القطع بصرف النظر عن كونه زوجًا، أو زوجة للمسروق منه، فمن سرق ما لم يبح له أخذه وجب حده، ولا يلتفت إلى ما بين السارق والمسروق منه من علاقة زوجية. ورد ابن حزم على من لا يرى القطع في مثل ذلك، فقال: "إن من لا يرى القطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال الأخرى، يحتج بما روي عن النبي ﷺ من قوله: " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولدها، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، "فمن لا يرى القطع يقول: إن كل واحد من الزوجين راع في مال الآخر وأمين عليه، فلا قطع عليه كالمودع، كما جاء به الحديث الشريف، ويقول ابن حزم: إن كل هذا لا حجة لهم فيه أصلًا؛ لأن الحديث الشريف لا دليل فيه على ترك القطع في السرقة، كما أن الحديث الشريق قد بين أن كل من ذكر راع فيما ذكر، وأنهم مسئولون عما استرعوا، والمعلوم يقينًا أن من كان مسئولًا لم تبح له السرقة، أو الخيانة

стр. 532

فيما استودع، وأسلم إليه، وهؤلاء إن لم يكونوا كالأجنبيين، وأقل أمورهم أن يكون عليهم ما على الأجنبيين. كما يضيف ابن حزم: "إن من ذكرهم الحديث لا يختلف أحد في أن عليهم ما على الأجنبيين من إلزام رد ما خانوا وضمانه، فهلا قاسوا -من لم يقولوا بالقطع ما اختلفت فيه من السرقة، والقطع فيها على ما اتفق عليه من حكم الخيانة". أما قياسهم الزوج والزوجة بالمودع، أو المأذون له في الدخول لا حجة لهم في هذا القياس؛ لأنهم لا يختلفون في أن المودع إذا سرق ما لم يودع عنده، أكان من مال آخر للمودع في حرزه، وأن المأذون له في الدخول "لو سرق من مال محرز عنه للمدخول عليه الإذن له في الدخول، لوجب القطع عليهما بلا خلاف، فيلزم من هذا التشبيه أن لا يسقط القطع عن الزوجين، فيما سرق أحدهما من الآخر، إلا فيما ائتمن عليه، ولم يحرز منه"١. ورد ابن حزم قول من رأى القطع على الزوج دون الزوجة، إذا سرق أحدهما ما أحرزه عنه الآخر لما لها في ماله من صداق، ونفقة كسوة وإسكان وخدمة، فهي بذلك كالشريك، وذلك كله يترتب عليه شبهة حق في ماله بالنسبة لها، "وذكر ابن حزم أن دليل من قال بذلك، هو ما جاء من قول الرسول ﷺ لمن شكت إليه بخل زوجها، وعدم إعطائه لها ما يكفيها وولدها"، إذ قال ﷺ : "خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف".

стр. 533

إذ أن الرسول ﷺ قد أطلق يدها على مال زوجها، تأخذ منه ما يكفيها وولدها، فهي مؤتمنه عليه كالمستودع ولا فرق. ويرد ابن حزم على هذا بقوله: "أما قولهم أن لها في ماله الحقوق المذكورة، وأن الرسول ﷺ قد أطلق يدها بالصورة الموضحة، فهذا ما لا ينكره أحد. ولكن الذي لا يشك فيه أن الرسول ﷺ لم يطلق يدها على ما لا حق لها فيه من مال زوجها، ولا على أكثر من حقها، كما أن إباحة أخذها حقها، وما يكفيها ليس فيه دليل على إسقاط حدود الله تعالى على من أخذ الحرام غير المباح، وقاس ابن حزم ذلك بمن شرب عصيرًا حلالًا، ثم تعداه إلى شراب المسكر الحرام منه. وقال، بوجوب الحد في الحالين، ولا فرق بين المسألتين عنده من حيث إلزام الفاعل فيما حد ما قام به من أفعال. وسوى ابن حزم بين الزوجة، إذا أخذت من مال زوجها ما يزيد عن حقها، وبين الأجنبي، إذا كان له حق عند غيره، وتعمد أخذ ما ليس له بحق، حيث لزام الحد. وبنى ذلك كله على ما ذكره من أن الله تعالى لم يخص إذ أمر بقطع السارق والسارقة، إلا أن تكون زوجة من مال زوجها، وإلا أن يكون زوجًا من مال زوجته، وما كان ربك نسيا١. وما ذكره ابن حزم يحتاج إلى نظر، ومناقشة: أولًا: لم يقل أحد أن في الحديث الشريف دليلًا على إباحة السرقة للزوجين من مال أيهما، وكل ما هنالك أنه نتيجة لوجود شبهة

стр. 534

لكل منهما في مال الآخر نظرًا لقيام حق لكل منهما في مال صاحبه، ولوجود البسطة بينهما في المتاع، وقيام علاقة الزوجية، وما يترتب عليها من مخالطة ومودة، كل ذلك يترتب عليه نفي قيام حرز لمال أحدهما بالنسبة للآخر، ونفي قيام حرز لما لهما بالنسبة لكل منهما، أمر يترتب عليه درء العقوبة الحدية، إذا سرق أحدهما من مال صاحبه. ولم يقل أحد أنه يترتب على ذلك كله، أو أن في الحديث الشريف ما يفيد إباحة السرقة لكل منهما من مال الآخر، هذا ما لم يقل به أحد. وكل ما قيل: أن ما ذكر ينتج شبهة لكل منهما في مال صاحبه تدرأ العقوبة الحدية، ولا تسقط العقوبة كلية إذ تبقى العقوبة التعزيرية، التي يختار منها القاضي ما يراه مناسبًا، كما يبقى أيضًا رد المال لصاحبه. ثانيًا: لا يلزم من التسوية بين الزوجين، والأجنبيين في وجوب الرد، والضمان أن يسوي بينهما في إلزام العقوبة الحدية؛ لأن علة كل من الحكمين غير منضبطة. نظرًا؛ لأن التسوية بين الزوجين والأجنبيين، فيما لكل منهما من حق في مال من سرق منه منعدمة. إذ أنه لا حق لأجنبي في مال غيره ممن هو أجنبي بالنسبة له، أما الزوج والزوجة، فإن ما بينهما من الحقوق، وما على كل منهما للآخر من الواجبات، وما تحتمه العلاقة الشرعية بينهما من المخالطة ورفع الحجب، ما يوجب لكل منهما حقا في مال صاحبه، أو على الأقل ما يورث شبهة حق، أو أن ما أخذه من مال الآخر قد أخذه لغرض آخر غير السرقة، وحتى لو ادعى ذلك، فإن له من العلاقات بزوجه ما يقوي ما يدعيه ويرجحه، ويغلب احتمال صدق مقالته.

стр. 535

وعليه، فإنه لا وجهة التسوية بين الزوجين، والأجنبيين في إلزام كل منهما الحد إذا سرق أحد الزوجين من مال صاحبه، وسرق شخص من آخر غريب عنه. ثالثًا: يرى ابن حزم أنه ليس في إباحة أخذ الزوجة حقها، وما يكفيها ما يسقط حدود الله بالنسبة لمن أخذ الحرام غير المباح، وهذا مما لا يختلف عليه أحد. لكنه يفهم من الحديث صراحة، إباحة أخذ الزوجة من مال الزوج ما يكفيها، دون تحديد نوع المال الذي تأخذ منه؛ لأن الحديث أطلق. وابن حزم ممن لا يحمل النصوص أكثر مما يدل عليه ظاهرها. وما دام ظاهر الحدجيث قد أباح الأخذ، وأطلق دون تحديد جهة أو نوع معين من مال الزوج، فلا شك أن ذلك يترتب عليه إسقاط حرز مال الزوج بالنسبة للزوجة. وإسقاط الحرز يترتب عليه عدم إلزام العقوبة الحدية، لوجود شبهة تتصل بالركن الشرعي للجريمة، نظرًا؛ لأن جمهور الفقهاء يرى أن من أخذ مالًا حرامًا غير محرز لا يقطع بأخذه، وإنما يعاقب بعقوبة تعزيرية مناسبة، إذا رأى القاضي ذلك. رابعًا: استدل ابن حزم على وجوب القطع على الزوجة، إذا سرقت من مال زوجها، مع أن لها فيه حقًا، بقياسه ذلك على ما يجب على من شرب عصيرًا حلالًا، ثم تعده إلى شرب المسكر منه. ولا شك أن تسوية ابن حزم بين الحالتين تسوية غير منضبطة، وقياسه هذه بتلك قياس فاسد؛ لأن الزوجة التي أخذت من مال زوجها، قد أخذت مما لها في حق ثابت، أو على الأقل شبهة حق.

стр. 536

أما من تعدى شرب العصير الحلال إلى شرب المسكر الحرام مع علمه ذلك، فلا حق له، ولا شبهة حق قيما أقدم عليه. فالقياس غير قائم، مع أن ابن حزم لا يعتبر القياس حجة مطلقًا١، "وحتى من يعتبر القياس حجة لا يعمله في إيجاب العقوبة الحدية". خامسًا: التسوية بين "الزوجة وبين الأجنبي إذا أخذ كل منهما ما يزيد على حقه، في وجوب الحد على كل منهم بذلك، تسوية غير منضبطة؛ لأن حق الأجنبي معروف له، ومحدد تمامًا أما حق الزوجة، فليس بمحدد ولا معين المقدار؛ لأن تحديد ذلك يرجع فيه إلى مقدار حاجتها، وما يكفي شراء ما يلزمها، وتحديد ذلك يرجع فيه إلى الظروف والأحوال، والعمدة، فيه هو العرف، وذلك كله يختلف باختلاف الظروف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، ومن زمان لآخر. والتسوية بين الزوجة والأجنبي، إذا أخذ كل منهم ما يزيد عن حقه، تسوية غير مقبولة أيضًا؛ لأن ما تأخذه الزوجة، وتنفقه على نفسها وولدها، وإن كان زائدًا على ما يكفيها، وولدها إلا أنه غالبًا ما يسعد زوجها، وخصوصًا حين يرى آثار ذلك على ولده، وزوجته التي هي من نفسه ولباس له. أما الأجنبي إذا أخذ ما يزيد على حقه، وأنفقه على نفسه، أو على ولده، فمما لا شك فيه أن ذلك يوفر صدر المأخوذ منه، ويثير حنقه، فالتسوية إذا غير منضبطة من كل جوانبها، ونواحيها.

стр. 537

سادسًا: ما ذكره ابن حزم من أن الله لم يخص إذا أمر بقطع السارق والسارقة، إلا أن تكون زوجة من مال زوجها، وإلا أن يكون زوجًا من مال زوجته: "قد سبق الرد عليه بأن الآيات الكريمة لم تذكر شروط السرقة، ولا تصابها وما إلى ذلك". وما دامت الآيات قد قبلت التخصيص في ذلك، فماذا يمنع من أن يكون من بين ما تخصص به أيضًا سرقة الزوجين من مال أحدهما، نظرًا لما لكل منهما في مال الآخر ما يورث شبهة، سواء أكانت شبهة حق طبقًا لما بينه الرسول ﷺ ، وذكره ابن حزم: "خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف". أو كانت شبهة انتفاء الحرز نظرًا لطبيعة علاقة الزوجية، ولا يخفى بعد هذا كله أن ابن حزوم لا يرى درء الحد بالشبهة، هذا مذهبه، وقد سبقت مناقشته في الباب الأول، مع أن الشبهة هنا قد وصلت حدا انتقاص شرط من شروط إيجاب الحد على السارق، ألا وهو شرط إحراز المال المسروق بالنسبة للسارق، إذ الإذن بالدخول ينتفي معه الحرز يندرئ الحد، ولا يمنع درء الحد من إلزام السارق عقوبة تعزيرية مناسبة. وقد ذهب فقهاء القانون الوضعي إلى أن الأمر بين الزوجين، لا يخلو من أحد فروض ثلاث، فإما أن يكون المال خاصًا بأحد الزوجين كالملابس، والأوراق وعندئذ يكون اغتياله من الآخر سرقة. وإما أن يكون المال في عهدة أحد الزوجين لحفظه، أو التصرف فيه على وجه معين، وهنا يكون اغتياله تبديدًا. وأخيرًا قد يكون المال في حيازة الزوجين معًا، ولو كان مملوكًا

стр. 538

لأحدهما، وعندئذ يكون اغتيال أحدهما مال الآخر خيانة للأمانة لا سرقة١. ومن هذا يتضح أن القانون قد جعل لأخذ أحد الزوجين مال الآخر غير المحرز عنه، حكمًا غير حكم السرقة، وعاقب عليه بعقوبة مغايرة. أما مال أحدهما المحزر عن الآخر، فقد عد أخذ الآخر له سرقة يلزمه بها عقوبتها، وهذا يتفق وما قال به فقهاء المالكية، والشيعة وجمهور الحنابلة، ورأي للإمام الشافعي، كما سبق بيانه. ٥- سرقة الشخص مما يشاركه فيه غيره: المشاركة في المال أما أن تكون مشاركة فعلية، أو تكون مشاركة اعتبارية. أ- المشاركة الفعلية: ويراد بها أن يكون السارق شريكًا حقيقيًا في المال الذي سرق منه، ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا قطع على الشريك، إذا سرق من المال الذي له فيه شركة، وإن قل نصيبه؛ لأن له في المال المسروق حقًا شائعًا، ويترتب على ذلك تدرأ الحد عنه٢. وذهب فقهاء الشيعة إلى أن من سرق من المال المشترك بينه، وبين غيره بقدر حصته، أو أقل لم يقطع، ولكنه يعزر، أما لو سرق ما يزيد على حصته بقدر ربع دينار من الذهب، قطعت يده٣.

стр. 539

أما فقهاء المالكية، فقد ذهبوا إلى أن من سرق من مال شركة بينه، وبين آخرين يقطع بشرطين: الأول: أن يحجب السارق عن مال الشركة، أي ليس له فيه تصرف. الثاني: أن يسرق فوق حقه نصابًا من جميع مال الشركة ما سرق، وما لم يسرق إن كان مثليًا، كما إذا كان جملة المال اثني عشر درهما، وسرق منه تسعة دراهم، وأما إن كان مقومًا فالمعتبر أن يكون فيما سرق فوق حقه، مما سرق لا من جميع المال نصابًا. وعليه فإن من سرق من مال له فيه شركة، ولم يكن المال محجوبًا عنه، فلا قطع عليه. وكذا لو كان محجوبًا عنه، وسرق ما دون النصاب١، وعلل فقهاء المالكية تفريقهم بين المثلى، والمقوم حيث اعتبروا في المثلى كون النصاب المسروق فوق حقه في جميع المال المشترك، ما سرق وما لم يسرق، واعتبروا في المقوم كون النصاب المسروق فوق حقه، فيما سرق فقط، أن المقوم لما كان ليس له أخذ حظه منه، إلا برضاء صاحبه لاختلاف الأغراض في القوم كان ما سرقه بعضه حظه، وبعضه حظ صاحبه، وما بقي كذلك، وأما المثلى، فلما كان له أخذ حظه منه أبى صاحبه، لعدم اختلاف الأغراض فيه غالبًا، فلم يتعين أن يكون ما أخذه منه مشتركًا بينهما، وما بقي كذلك٢.

стр. 540

أما ابن حزم، فقد ذهب إلى أن من سرق من شيء له فيه نصيب، فإن كان نصيبه هو ما أخذه فقط، فلا قطع عليه. أما إن أخذ نصيبه وزيادة، فإن كانت الزيادة مما يجب القطع في مثلها قطع، ولا بد، إلا أن يكون منع حقه في ذلك، أو احتاج إليه، فلم يصل إلى أخذ حقه إلا بما فعل، ولا قدر على أخذ حقه خالصًا، فلا قطع إذا عرف ذلك، وإنما عليه أن يرد الزائد على حقه فقط؛ لأنه مضطر إلى ما أخذ، إذا لم يقدر على تخليصه١. والذي أرجحه من ذلك ما ذهب إليه الجمهور من القول بعدم قطع من سرق مالًا له فيه شركة، أو حق حتى وإن زاد ما أخذه على ماله في هذه الشركة من حق بمقدار النصاب وزيادة، وسواء أكان مثليًا أم منقولًا؛ لأن وجود حق السارق في المال يبيح له اتصال بهذا المال، فيصبح المال غير محرز بالنسبة له. كما أنه تقوم في حقه شبهة ملكه لبعض المسروق، وهي وحدها تكفي لدرء العقوبة الحدية عنه. والتفريق بين المثلى والمنقول تفرقة لا يقوم عليها دليل، حتى عند من أخذ بها. ويكفي لرد رأي من قال بالقطع، ما روي من أن عاملًا لعمر -رضي الله تعالى عنه، كتب يسأله عمن سرق من مال بيت المال. فقال عمر: لا تقطعا فما من أحد إلا وله فيه حق.

стр. 541

وروى الشعبي١ أن رجلًا سرق من بيت المال، فبلغ عليًا كرم الله وجهه، فقال: إن له فيه سهمًا ولم يقطعه٢. فإذا كان السارق من بيت المال لم يقطع؛ لأن له فيه سهمًا، وهذا السهم غير معلوم المقدار، ولا مخصص بكونه مثليًا بالنسبة لما سرق أو قيميا، ومع ذلك درء الحد عنه لوجود هذا السهم له، فمن باب أولى يدرأ الحد عمن سرق مالًا له فيه شركة، وحق ونصيب. هذا بالإضافة إلى أن مال بيت المال حرزه قائم بالنسبة لمن سرق منه، أما مال شركة السارق، فالحرز حتى وإن كان موجودًا، إلا أنه لا يقوم بالنسبة له، لجواز دخوله على هذا المال في أي وقت، سواء للاطمئنان عليه، أو لرعايته أو لمراجعته، وما إلى ذلك. فإذا كانت سرقته المحرز لا يقطع بها أن كان للسارق فيما سرقه حق، فما بالنا بسرقته غير المحرز عنه، مما له فيه شركة ونصيب. ويرى فقهاء القانون أن السرقة جريمة من جرائم الاعتداء على المال بقصد تملكه، فلا يتصور إذن حصولها من مالك، ونبغي على هذا أن من يختلس ماله لا يكون سارقًا، ولو كان سيئ القصد معتقدًا وقت الاختلاس أن المال يملكه غيره، وتسري هذه القاعدة، حتى ولو كان للغير حقوق على الشيء المختلس نجلعه أولى بالحيازة من مالكه. غير أن القانون الإنجليزي قد توسع، فأخذ بعموم قاعدة أنه يعد سارقًا كل من يختلس من آخر شيئًا، لا يكون المختلس أحق بحيازته ممن اختلسه منه، ولو كان المختلس مالكًا للشيء، ولو بطريق الاشتراك مع

стр. 542

الغير، فيعتبر سارقًا الشريك الذي يفتح مخزن الشركة بمفاتيح مصطنعة، ويستولي خلسة على شيء من البضائع١. فالقاعدة الأساسية تقضي بعدم عده سارقًا، وهذا ما ذهب إليه الجمهور من الشرعيين، وإن كان الاتجاه الإنجليزي قد ضيق الرأي، فاعتبروه سارقًا حتى، ولو كان ما أخذه مقدار نصيبه في الشركة٢. ب- المشاركة الاعتبارية: ويراد بذلك أن يكون للسارق حق ما في المال، الذي سرق منه تقرر -هذا الحق له بدليل شرعي. ولم يقرر هذا الحق عن طريق المشاركة الفعلية الناتجة عن مساهمة كل من المشاركين في رأس المال، محل الشركة، فالمشاركة الاعتبارية بالإضافة إلى ما سبق أن ذكرت بالنسبة لكل من الزوجين، الواجب على شخص آخر، أوجد هذا النوع من الحق رعاية المصالح، والروابط التي يقررها الشرع، ويحميها ويحترمها، ويلزم على أساسها شخصًا الإنفاق على آخر وإعاشته. وهذا النوع من المشاركة ينتج شبهة، تدرأ الحد عمن سرق من المال الذي حدد له الشرع الإعاشة منه، وتتضح صور المشاركة الاعتبارية، بالإضافة إلى ما سبق أن ذكرت بالنسبة لكل من الزوجين مع الآخر، فيما يأتي من صور أيضًا:

стр. 543

أولًا: المشاركة التي بين الأقرباء ذوي الرحم المحرم كل في مال الآخر، وتشمل مشاركة الوالد ولده، والابن لأبيه، وكل من نفي عنه الحرج في أن يأكل من بيت من تربطه بن صلة، مما حددته الآية الكريمة. التي تقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ١. ثانيًا: المشاركة القائمة بين جماعة من الجماعات في مال من الأموال التي تملكوها، أو ثبت لكل منهم حق فيه، ولم تتم قسمة هذه الأموال بينهم، ولم يعين ما يخص كل فرد منهم، أو لم يفصل عن باقي الأموال بوضوح، ولم يوضع في حرز خاص به. هذه هي صورة المشاركة الاعتبارية، وسأذكر قيما يأتي آراء الفقهاء، فيما إذا سرق أحد هؤلاء من المال الذي له فيه شركة اعتبارية. ونظرًا؛ لأنه قد سبق الحديث عن سرقة كل من الزوجين من مال الآخر. فسأخص بالحديث هنا ما بقي من صور. أولًا: سرقة ذوي الرحم المحرم بعضهم من بعض اهتم الإسلام اهتمامًا عظيمًا بصوة علاقة الأبوة، والحفاظ عليها، فأمر الله في كثير من آيات القرآن الكريم، بالإحسان إلى الوالدين، ورعايتهما والقيام بشئونهما.

стр. 544

وبين رسول الله ﷺ أن الابن، وكل ماله لأبيه، ومن هنا ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوالد، إذا أخذ شيئًا من مال ابنه، ولو على سبيل السرقة، فإنه لا يقطع بذلك؛ لأنه أخذ مالًا له فيه ملك، وثبوت هذا الملك للوالد في مال ولده ينتج شبهة في الركن الشرعي لجريمة السرقة، يترتب عليها درء العقوبة الحدية عنه. والأب هنا مراد به الأم أيضًا، فإنه لا قطع عليها إذا سرقت من مال ابنها لما سبق. وذهب فقهاء الأحناف، والشافعية والحنابلة، والشيعة إلى إطلاق الأب، وإن علا وكذا الأم وإن علت، أما فقهاء المالكية فقد اختلفوا في إطلاق الأب على الجد، وإعطاء الجد حكم الأب هنا، فقال ابن الحاجب١: وفي الجد قولان قال في التوضيح: اختلف الأجداد من قبل الأب والأم، فقال ابن القاسم:٢ أحب إلي أن لا يقطع؛ لأنه أب؛ ولأنه ممن تغلظ عليه الدية، ورد ادرءوا الحدود بالشبهات، وقال أشهب٣: يقطعون؛ لأنهم لا شبهة لهم في مال أولاد أولادهم، ولا نفقة لهم عليهم، وتأمل بعضهم قول ابن القاسم: أحب إلي على الوجوب، ولا خلاف في قطع

стр. 545

باقي القرابات، وقد تبين له الخلاف في الجد مطلقًا لا في خصوص الجد لأم١. وذهب جمهور الفقهاء من الأحناف، والشافعية والحنابلة، والشيعة إلى أن الابن، وإن سفل لا يقطع بسرقة مال والده، وإن علا. وظاهر قول الخرقي٢ من فقهاء الحنابلة، وأبي ثور من فقهاء الشافعية، وابن المنذر٣ والإمام مالك أن الابن يقطع بسرقته من مال والده، لظاهر الكتاب؛ ولأنه يحد بالزنا بجاريته، ويقاد بقتله، فيقطع بسرقة ماله كالأجنبي. ورد ذلك جمهور الفقهاء نظرًا لما بين الابن، وأبيه من قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه، فلا يقطع الابن إذا بسرقته من مال والده، كما لا يقطع الوالد بسرقته من مال ابنه. ولأن النفقه تجب للابن من مال أبيه حفظًا له من التلف، وعليه فلا يجوز إتلافه حفظًا للمال. ولا يجوز قياس قطعه بسرقته من مال أبيه على وجوب الحد

стр. 546

عليه إذا زنى بجارته لما بين الحالتين من فروق أهمها أن للابن شبهة في مال أبيه، وليست هذه الشبهة موجودة في جارية الأب. وقد بين هذا الشيرازي في قوله: ومن سرق من ولده، أو ولد ولده، وإن سفل أو من أبيه من جده وإن علا، لم يقطع. وقال: أبو ثور يقطع، لقوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، فعم ولم يخصص، وهذا الخطأ لقوله ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، وللأب شبهة في مال الابن وللابن شبهة في مال الأب؛ لأنه جعل ماله كماله في استحقاق النفقة ورد الشهادة فيه، والآية نخصها بما ذكرناه"١. وزاد فقهاء الأحناف، والشيعة على ما ذكر القول بعدم القطع على من سرق من ذي رحم محرم. أما جمهور الفقهاء، فقد ذهبوا إلى قطع من سرق من ذي رحم محرم، أو من سائر أقاربه، عدا ما ذكر في الآباء والأبناء. واعتمد الجمهور في ذلك على أنه ليس بين باقي ذي الرحم المحرم أبوة، ولا بنوة، وعليه فلا تتمكن الشبهة لأحدها في مال الآخر، بدليل قبول شهادة كل واحد منهم لصاحبه، وجواز إعطائه الزكاة؛ ولأن ما بينهما من قرابة لا يترتب عليها حرمة النكاح أيضًا، ولا استحقاق

стр. 547

النفقة، ولهذا يقطع أحدهما إذا سرق من الآخر، ورد فقهاء الأحناف ومن وافقهم، ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن له قد رفع الجناح، على الدخول في بيت الأخرى، والأعمام، والأكل منه، وظاهر هذا يقتضي الإباحة، والظاهر وإن ترك لقايم الدليل يبقى شبهة. كما أن الآية الكريمة عطفت بيوت الأخوة، والأعمام على بيوت الآباء والأولاد، والمعطوف حكمه حكم المعطوف عليه. ولا يتعرض على ذلك بما جاء من قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ ؛ لأن الصداقة هذه تنتفي مع السرقة، فتنتفي معها الشبهة، والأخوة لا تنتفي مع السرقة كالأبوة والبنوة. كما ذهب الأحناف أيضًا إلى أن هذه القرابة، يتعلق بها استحقاق النفقة، والعتق عند الدخول في الملك، فإذا ثبت استحقاق النفقة، وما إلى ذلك استتبع وجود حق لبعضهم في مال بعض من وجه. وعلى ذلك تنهض في حقهم شبهتان، أولاهما انتفاء الحرز بالإذن بالدخول، والثانية وجود حق في مقال بعضهم لبعض، ووجود هاتين الشبهتين، أو إحداهما يكفي لدرء العقوبة الحدية، كما أن العقوبة الحدية لا تلزم أيضًا إذا سرق من مال الغير، أو متاعه الموجود في بيت ذي الرحم لوجود الإذن بالدخول، بخلاف ما إذا سرق مال ذي الرحم المحرم من بيت غيره، فإنه يلزمه به القطع، لعدم الإذن بالدخول، ووجود الحرز. وقد بين ذلك كله ابن الهمام بقوله: "وأما وجه عدم القطع في قرابة الولادة؛ فلأنها عادة تكون معها البسوطة في المال، والإذن في

стр. 548

الدخول في الحرز حتى يعد كل منهما بمنزلة الآخر، ولذا منعت شهادته له شرعًا. ويخص سرقة الأب من مال الابن قوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك". وأما غير الولادة، فألحقهم الشافعي ﵀ بالقرابة البعيدة، ونحن ألحقناهم بقرابة الولاد، وقد رأينا الشرع ألحقهم بهم في إثبات الحرمة، وافتراض الوصل، فلذا ألحقناهم بهم في عدم القطع بالسرقة، ووجوب النفقة. ولأن الإذن بين هؤلاء ثابت عادة للزيارة، وصلة الرحم، ولذا حل النظر منها إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة، وما ذاك إلا للزوم الحرج لو وجب سترها عنه مع كثرة الدخول عليها، وهي مزاولة الأعمال، وعدم احتشام أحدهما من الآخر. وأيضًا فهذه الرحم المحرمة يفترض وصلها، ويحرم قطعها، وبالقطع يحصل القطع، فوجب صونها بدرئه. ومما يدل على نقصان الحرز فيها قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ . ورجع الجناح عن الأكل من بيوت الأعمام، أو العمات مطلقًا يؤنس طلاق الدخول، ولو سلم فإطلاق الأكل مطلقًا يمنع قطع القريب، ثم هو أن ترك لقيام دليل المنع بقيت شبهة الإباحة على أوزان ما قلنا في: "أنت ومالك لأبيك". فإن قلت: فقد قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ ، كما قال: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ﴾ ، والحال انه يقطع بالسرقة من صديقه، أجيب بأنه لما قصد سرقة ماله فقد عاداه، فلم يقع الأخذ إلا في حال العداوة.

стр. 549

ولو سرق من بيت ذي الرحم المحرم متاع غيره لا يقطع، ولو سرق مال ذي الرحم المحرم من بيت غيره، يقطع اعتبار للحرز وعدمه١. وذهب ابن حزم إلى وجوب القطع على السارق مطلقًا، سواء أسرق من غريب عنه، أم من ذي رحم محرم، أو من والده أو من ولده، أخذا بظاهر آية السرقة التي أوجبت القطع على كل من سرق، إذا اكتملت فيه شروط القطع، سواء أكان بينه وبين المسروق منه صلة قرابة محرمية أم لا. ورد على ما استدل به الجمهور فيما سبق، فقال: فأما الآية فحق، ولا دليل فيها على ما ذكروا، بل هي حجة عليهم، وقد كذبوا فيها أيضًا، أما كونها لا دليل فيها على ما ادعوه، فإنه ليس فيها إسقاط القطع على من سرق من هؤلاء لا بنص ولا بدليل، وإنما فيها إباحة الأكل لا إباحة الأخذ بلا خلاف من أحد من الأمه. فإن قالو: قسنا الأخذ على الأكل قلنا لهم: القياس كله باطل، وأما قولهم: "إن إباحه الله تعالى الأكل من بيوت هؤلاء، يقتضي إباحة دخول منازلهم بغير إذنهم"، فليت شعري أين وجدوا هذا في هذه الآية أو في غيرها، فيدخل الصديق منزل صديقه بغير إذنه، هذا عجب من العجب، أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ ٢.

стр. 550

منكم.. إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ، فنص الله تعالى على أنه لا يدخل بالغ أصلًا على أحد إلا بإذن، ودخل في ذلك الأب والابن وغيرهما، حاشا ما ملكت أيماننا، والأطفال، فإنهم لا يستأذنون إلا في هذه الأوقات الثلاثة فقط. وأما قول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، فقد أوضحنا أن ذلك حبر منسوخ قد صح نسخه بآيات المواريث، فإن قالوا: إن الوالدين حقًا في مال الولد؛ لأنهما إذا احتاجا أجبر على أن ينفق عليهما، فلا يقطع الأب أو الأم فيما سرقا من ابنهما، فهذا تمويه ظاهر، ولم يخالفهم أحد في أن الوالدين إذا احتاجا، فأخذا من مال ولدهما حاجتهما، باختفاء أو بقهر، أو كيف أخذا، فلا شيء عليهما، فإنما أخذ حقهما، وإنما الكلام فيهما إذا أخذا مالًا حاجة بهما إليه، أما سرا وإما جهرًا، فاحتجاجهم بما ليس من مسألتهم تمويه، كما أنهم لا يختلفون فيمن كان له حق عند أحد، فأخذ من ماله مقدار حقه، فإنه لا يقطع ولايقضي عليه برده، فلو كان وجوب الحق للأبوين في مال الولد إذا احتاجا إليه مسقطًا للقطع عنهما، إذا سرقا من ماله مالًا يحتاجان إليه، ولا حق لهما فيه، لوجب ضرورة أن يسقط القطع عن الغريم، الذي له الحق في مال غريمه، إذا سرق منه مالًا حق له فيه، وهذلًا مالًا يقولونه، فبطل ما موهوا به من ذلك١. وما ذكره ابن حزم لا يخلو مما يرد عليه، إذ لم يقل أحد أن الآية أباحت السرقة، لكنها أباحت الأكل، وإباحة الأكل بترتب عليها وجود شبهة حق لمن أبيح له، في المال المباح الأكل منه، وشبهة الحق هذه تدرأ العقوبة الحدية، كما سبق الإشارة إلى ذلك،

стр. 551

ولا يخفى أن ابن حزم لا يعمل الشبهات في درء الحدود، وقد سبق الرد عليه أيضًا, وإباحة الأكل أيضًا لم يقل أحد بأنها تبيح الأخذ، وإنما تدرأ الحد فقط مع بقاء العقوبة التعزيرية، ووجوب رد المال، ولم يقال أحد أيضًا أن إباحة الأكل يترتب عليها إباحة دخول المنازل بغير إذن، وإنما يترتب عليها انتفاء حرز المال بالنسبة لمن أبيح له الأكل منه. كما أن الآية التي تحدثت عن تحديد أوقات الدخول بالنسبة لما ملكت أيماننا وأطفالنا، فالدخول هنا مقصود به دخول مكان النوم، الذي قد يتخفف الإنسان فيه من ملابسه، أو تنكشف فيه عورته، بدليل أن الله قال: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١. وأما قول ابن حزم أن قول رسول الله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، قد نسخ بآيات المواريث، فقول مردود؛ لأنه لا تعارض بين ما يدل عليه الحديث وآيات المواريث؛ لأن هذا الحديث لم يسبق في معرض بيان نصيب الأب في مال ولده، أما محاولة استدلال ابن حزم على وجوب القطع على الوالدين، إذا أخذوا من مال ابنهما خفية ما يجب القطع به، قياسًا لهما بمن كان له حق عند آخر، فأخذ من غريمه أكثر من حقه، فقول مردود؛ لأنه قد جاء في أقوال الفقهاء، فيما مضى التفريق بين حالتين من الحالات التي يأخذ الغريم فيما ما زاد عن حقه، إذ أنهم قد أسقطوا الحد عن الغريم

стр. 552

الذي لم يستطع الوصول إلى حقه، إلا بأخذ ما زاد عنه معه١. ولا يخفى أن التسوية بين الوالدين، ولا بين الغريم تسوية غير مقبولة؛ لأن ما أخذه الوالدان قليل من كثير، إذا ما قيس بما أعطياه لابنهما، كما أن الابن إذا رأى آثار هذا المال على والديه، فلن يوغر صدره مثلمًا يراه على غريم. أما فقهاء القانون الوضعي، فإنهم قد اعتبروا سرقة الفروع من أصولهم، أو الأصول من فروعهم، وكذا الأزواج، سرقة تختلف عن غيرها من السرقات، كل ذلك من باب المحافظة على الأسرة، وعلاقاتها. فتنص المادة ٣١٢ من قانون العقوبات على أنه: لا تجوز محاكمة من يرتكب سرقة إضرارا بزوجه، أو زوجته، أو أصوله أو فروعه الأبناء على طلب المجني عليه، والمجني عليه أن يتناول عن دعواه بذاك في أية حالة كانت عليها الدعوى، كما له أن يوقف تنفيذ الحكم النهائي عن الجاني في أي وقت شاء. وهذه المادة جاءت بدلًا من مادة أخرى، كانت تقضي بأنه لا يحكم بعقوبة ما على من يرتكب سرقة إضرارًا بزوجه، أو زوجته أو أصوله، أو فروعه.

стр. 553

ويعلق الأستاذ الدكتور: محمود مصطفى على المادة السابقة بقوله: وقد رؤي بهذا النص المحافظة على مصلحة الأسرة، فلم يشأ المشرع أن يخول للنيابة السير في الدعوى العمومية، رغم إرادة المجني عليه، الذي قد يرى أن مصلحة العائلة عدم إثارة الجريمة ... وسواء أكان الفاعل يعلم بهذه العلاقة التي تربطه بالمجني عليه، أو أكان يجهلها١. ثانيًا: السرقة من المال الذي تملكه الجماعة والمال الذي تملكه الجماعة ينقسم بحسب ما يصدق عليه لفظ الجماعة إلى قسمين: الأول: المال الذي تملكه جماعة محددة بسبب اغتنامها له، أو وقفه عليها، أو الإيصاء به لها، أو تخصيصه للإنفاق منه عليها. الثاني: المال العام، أو الذي تملكه الدولة، وهو ما يسمى عند الفقهاء مال بيت المال. ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من سرق من مال له فيه حق، فلا قطع عليه سواء أخذ حقه، أو ما زاد عنه اعتمادًا على أن وجود له في المال ينهض شبهة تدرأ الحد عنه. وقد سبق بيان ذلك٢: وقيد أبن حزم، وفقهاء الشيعة الجعفرية عدم القطع بما إذا سرق

стр. 554

مقدار حقه أو نصيبه، فإن زاد عن ذلك مقدار ما يجب القطع به قطع به قطع: "إلا أن يكون قد منع حقه، ولم يستطع الوصول إليه، إلا بما فعل ولم يقدر على أخذ حقه خالصًا، ولزمه في هذه الحالة رد الزائد على حقه". وإسقاط الحد عنه في هذه الحالة ناتج من اضطراره لذلك١، وذهب الفقهاء الملكية، وحماد، وابن المنذر إلى أن من سرق من بيت المال -ومنه الشون التي توضع فيها الأقوات، أو من مال الغنيمة بعد أن تم جمعها، وقبل قسمتها، وإعطاء كل فرد نصيبه وجب قطعه، ولا يجوز النظر إلى أن له في ذلك شبهة، إذا سرق مال الجيش؛ لأنها شبهة ضعيفة لا تقدر على درء الحد، أما بيت المال فإن فقهاء المالكية يرون أنه لا شبهة أصلًا فيه لأحد، فيلزم القطع كل من سرق منه بشروطه، وجاء مثل ذلك في رأي الفقهاء الشافهية٢، وأضاف المالكية إلى ذلك أن من سرق من مال الغنيمة قبل أن يتم جمعها، فلا قطع عليه، ويبدو أنهم بنوا ذلك على أساس أن الغنيمة قبل أن يتم جمعها مال غير محرز. ويقول الخرش مبينًا ذلك: "وكذلك يقطع من سرق من بيت المال لضعف شبهته في بيت مال المسلمين، وسواء كان منظما أم لا، وكذلك يقطع من سرق من الغنيمة، بعد حوزها لضعف شبهته في الغنيمة، ويدخل

стр. 555

في بيت المال الشؤون بخلاف من سرق من الغنيمة، قبل حوزها، فإنه لا يقطع١. وما ذهب إليه فقهاء الملكية، ومن وافقهم هو ما أرجحه؛ لأن بيت المال أو المال العام بصورته الحالية، لا توجد فيه شبهة لأحد من رعايا الدرعة، تبيح له السرقة من هذا المال العام؛ لأن الدولة قد حددت لكل فرد وطائفة راتبًا معينًا، ونصيبًا تستحقه، قل أم كثر، وحددت الجهة التي يصرف منها ذلك الراتب، وبينت الطريق الذي يتبع عند الطب أو التقاضي، وبدا لم تبق شبهة لأحد في المال العام. اللهم إلا من احتاج ما يسد به رمقه ولم يجد، وهذا له حكم خاص به. وقد ذهب فقهاء القانون الوضعي إلى مذهب إليه الإمام مالك، فقرروا أن أموال الدولة سواء وقعت في ملكيتها العامة، أو الخاصة، ليست من الأموال المباحة، ولذا فهي تصلح محلا للسرقة، فمن يستولي على شيء من ذلك يعد سارقًا. وذهبوا إلى أن من الأموال ما تكون ملكية الدولة لها من قبيل الملكية السياسية العليا، فتأخذ حكم الأموال المباحة، وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن أخذ الأحجار من الجبال من غير المناطق المخصصة للمحاجر لا يعتبر سرقة، إلا في صورة ما إذا ثبت أن الحكومة قد وضعت يدها عليها، وضعًا صحيحًا يخرجها من أن تكون

стр. 556

مباحة إلى أن تكون داخلة في ملكها الحر، أو المخصص للمنفعة العامة١. ٦- الاشتراك في السرقة: يتحقق الاشتراك في السرقة بقيام أكثر من شخص بالركن المادي للجريمة. ولا يخلو حال المشتركين في السرقة، عما يأتي: أ- أن يقوموا جميعًا بإخراج المسروق من حرزه. ب- أن يقوم البعض بإخراج المسروق من حرزه، والبعض بمراقبة الطريق، وما يتبع ذلك. ج- أن يشارك في الإخراج من لا يجب عليه الحد. وللفقهاء آراء في إلزام العقوبة الحدية للسراق في كل حالة من هذه الحالات: أ- إذا قام السراق بإخراج المسروق من حرزه، ذهب فقهاء الأحناف والشافعية -عدا أبي ثور- ووافقهما إسحاق٢، وهذا ما اختاره ابن قدامه: أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فلم تبلغ حصة كل منهم نصابًا، فلا قطع عليهم.

стр. 557

وبنوا رأيهم هذا على أساس اشتراط النصاب لوجوب القطع، فما دام لم يبلغ نصيب كل سارق نصابًا، فلم يعد هناك ما يقضي قطعه؛ لأنه لا نص في ذلك ولا هو في معنى المنصوص عليه لاختلاف قيمة ما يجب به الحد. وذلك كله يترتب عليه شبهة في إلزام العقوبة، والحد مما يدرأ بالشبهات، بين هذا ابن قدامة عند حديثه عن السراق، الذين اشتركوا في إحراج المسروق، فقال: "قال الثوري١، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق": لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصه كل واحد منهم نصابًا؛ لأن كل واحد لم يسرق نصابًا، فلم يجب عليه القطع، كما لو انفرد بدون النصاب، "ويعلق ابن قدامة على هذا بقوله": وهذا القول أحب إلي؛ لأن القطع هنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه، فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات٢. وزاد الشيرازي المسألة تفصيلًا، فقال: "وإنة نقب اثنان حرزًا وسرقا نصابين قطعا؛ لأن كل واحد منهما سرق نصابًا، وإن أخرج أحدهما نصابين، ولم يخرج الآخر شيئًا قطع الذي أخرج دون الآخر؛ لأنه هو الذي انفرد بالسرقة، فإن اشتركا في نصاب لم يقطع واحد منهما٣. ولا يخفى أن أبا حنيفة قد قيد قطعهم، إذا كان نصيب كل

стр. 558

منهم نصابًا بحالة ما إذا لم يكن واحد منهم ذا رحم محرم من المسروق منه، ولا صبي١، وسيأتي بيان ذلك. وذهب فقهاء المالكية، والحنابلة عدا ابن قدامة إلى وجوب القطع عليهم إذا بلغ ما أخرجوه نصابًا لكل واحد منهم، سواء أخرجوه أو استقل به واحد منهم، أما إذا لم يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا، وبلغ المسروق في مجموعه نصابًا، فإن جمهور الحنابلة يرون القطع عليهم أيضًا، وقد فصل المالكية القول. فقد أورد ابن قدامة، أن جمهور الحنابلة قد احتجوا بأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كالواحد قياسًا على هتك الحرز؛ ولأن سرقة النصاب فعل بوجوب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص، ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلًا يشترك الجماعة في حمله، وبين أن يخرج كل واحد منه جزءًا، ونص أحمد على هذا، وقال مالك: إن انفرد كل واحد بجزء منه لم يقطع واحد منهم، كما لو انفراد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منه، لم يجب القصاص٢. وزاد المالكية المسألة تفصيلًا، فرأوا أنه إن ناب كل واحد نصابًا قطعوا، استقل كل واحد بإخراجه أم لا، وإن لم ينب كل واحد نصابًا، بل ناب كل واحد أقل من نصاب، فإن استقل كل واحد بإخراجه من الحرز فلا قطع، وإلا فالقطع عليهم، وكذا القطع على جماعة رفعوه على ظهر أحدهم في الحرز، ثم خرج به إذا لم يقدر

стр. 559

على إخراجه إلا برفعه معه، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها، وأما لو حملوه على ظهر أحدهم، وهو قادر على حمله على ظهره دونهم كالثوب قطع وحده، ولو خرج كل واحد منهم من الحرز حاملًا لشيء من الآخر، وهم شركاء فيما أخرجوهم، لم يقطع منهم إلا من أخرج ما قيمته ثلاثة دراهم١. وقال بذالك أيضًا فقهاء الشيعة بدون تفصيل، فقالوا: "لا فرق في ثبوت الحد على السارق أخرج متاعًا واحدًا للمتاع من حرز بين أن يكون مستقلًا، أو مشاركًا لغيره، فلو أخرج شخصان متاعًا واحدًا، ثبت الحد عليهما جميعًا، ولا فرق في ذلك أيضًا بين أن يكون الإخراج بالمباشرة، وأن يكون بالتسبب فيما إذا أسند الإخراج إليه لإطلاق الأدلة"٢. واستدل فقهاء المالكية، وجمهور فقهاء الحنابلة، وأبو ثور لذلك بوجوب القصاص على من اشترك في القتل، فكذلك يجب القطع على من اشتركا في سرقة النصاب. وما ذهب إليه فقهاء الأحناف، والشافعية وابن قدامة ومن وافقهم أولى بالاتباع؛ لأن الاحتياط بالقول بإسقاط الحد أولى من القول بإيجابه. وفرق بين إسقاط الحد في السرقة، وإسقاط عقوبة القصاص بالاشتراك. ففي القصاص لو لم يجب على من اشتركوا في القتل، لغدا الاشتراك في القتال طريقًا لإسقاط القصاص، وإهدار الدماء، بخلافه

стр. 560

ما في الاشتراك في السرقة؛ لأنه لو كان نصيب كل فرد منهم نصابًا وجب القطع عليهم جميعًا، أما إذا لم يبلغ نصابًا غدت الشبهة مسقطة الحد على من لم يخرج بالنصاب، أو لم يحمل مع الآخرين مشتركين ما قيمة نصابًا، ودرء الحد لن يعفي من رد السرقة، وإلزام الفاعلين الذين لم يحدوا عقوبة تعزيرية مناسبة. ب- إذا قام البعض بإخراج المسروق من الحرز، والبعض بمراقبة الطريق، وما يتبع ذلك من معاونة: ذهب فقهاء الأحناف -ما عدا زفر- إلى أن المتعاونين في إخراج المسروق عليهم القطع جميعًا استحسانًا. وجه الاستحسان أنهم اشتركوا في هتك الحرز، وصار المال مخرجًا بمعاونتهم فيلزم القطع، كما لو أخرجوه على ظهر الدابة. وهذا؛ لأن هذه زيادة حيلة معروفة بين السراق، أن يباشر حمل المتاع واحد منهم، وأصحابه يكونون مستعديين لدفع صاحب البيت عنه، وعن أنفسهم، فلا يجوز أن يكون ذلك مسقطًا للحد عنهم. وقد قاس فقهاء الأحناف ذلك بمسألة من يكون ردءا قبل قطع الطريق، إذ يجب عليه ما يجب على المباشر للقطع؛ لاعتباره مشاركًا له في أخذه، واحتماء به والاعتماد عليه١. أما باقي الفقهاء، فلم يروا القطع إلا على من أخرج المسروق فقط من الحرز؛ لأنه هو السارق. ولم يقس هؤلاء المسألة هنا بمسألة الردء في قطع الطريق؛ لأنهم يرون أن حد قطع الطريق بسب المحاربة، والردء مباشر للمحاربة؛ لأن

стр. 561

المحاربة في العادة هكذا تكون، فإنهم لو اشتغلوا جميعًا بالقتال، فإذا وقعت الهزيمة عليهم لا تستقر قدمهم، وإذا كان بعضهم ردءا، فإذا وقعت الهزيمة على المباشرين للحرب التجئوا إلى الردء، فلهذا كانت العقوبة عليهم، بخلاف السرقة، فالحد هنا إنما يجب بمباشرة فعل السرقة، وذلك في إخراج المال من الحرز، فإذا كان المخرج بحكم فعله، لم يجب القطع على غيره. وهذا التعليل من القائلين بالقطع على من أخرج المال من الحرز فقط، وإن كانت له وجاهته، إلا أنه يترتب عليه ضياع الحقوق؛ لأن السراق لن يعدموا حيلة يحاولون بها الهروب من القطع، ولا يخفى أن بعض الفقهاء مثل الشيعة والحنابلة، وغيرهم يرون أنه لو هتك شخص الحرز، وأخذ المال شخص آخر فلا قطع عليهما١، وفي هذا حض على اللجوء إلى الحيلة تحاشيًا للحد. ج- إذا شارك في إخراج المسروق من لا يجب عليه الحد: الذي لا يجب عليه الحد بالسرقة، أما أن يكون غير مكلف كالصبي والمجنون، وأما أن يكون مكلفًا كالأب، والأم والجد. وفقهاء الأحناف قد رأوا أنه إذا شارك في السرقة من لا يلزمه الحد بها، فلا قطع على باقي المشاركين له فيها؛ لأن عدم وجوب القطع على أحد الشركاء، تنتج عنه شبهة في حق الباقين، ويترتب على هذه الشبهة درء الحد عنهم.

стр. 562

يقول السرخسي: "وإذا سرق رجلان ثوبًا من رجل، وأحدهم أب للمسروق منه لم يقطع واحد منهما"، أما الأب فلتأول له في مال والده بظاهر قوله ﷺ . "أنت ومالك لأبيك"؛ ولأنه قد يدخل بيته من غير استئذان عادة، فلا يكون بيته حرزًا في حقه، والسرقة فعل من السارق، فإذا امتنع القطع على أحدهما للشبهة، يمتنع وجوبه على الآخر للشركة، وهو نظير ما قلنا في الأب، والأجنبي إذا اشتركا في قتل الولد، لم يجب القصاص على واحد منهما١. هذا إذا كان الشريك أبا للمسروق منه ومن في حكمه، أما إذا كان الشريك صبيًا، فقد ذهب أبو يوسف إلى أنه إذا حمل البالغ المتاع، وخرج به فعليه القطع، ولا معتبر بفعل الصبي، وعلل رأيه بأن درء القطع لهذا يتطرق السراق به إلى إسقاط القطع؛ لأن كل سارق لا يعجز عن أن يستصحب صبيًا، أو معتوهًا مع نفسه. كما ذهب فقهاء الأحناف أيضًا إلى أنه إذا كان واحد من السراق أخرسًا، فلا قطع، لتمكن الشبهة في حق الأخرس؛ لأنه لو كان ناطقًا ربما يدعي شبهة يدرأ عبها الحد عن نفسه، وأما الناطق فلأجل المشاركة٢. وذكر ابن قدامة أنه إذا كان أحد الشريكين في السرقة، من لا قطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين، لو شاركه في قطع يد ابنه. والثاني: لا يقطع وهو أصح؛ لأن سرقتهما جميعًا صارت علة

стр. 563

لقطعهما، وسرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع؛ لأنه أخذ ماله أخذه، بخلاف قطع يد ابنه، فإن الفعل تمخض عدوانًا، وإنما سقط القاص لفضيله الأب لا لغنى في فعله، وههنا فعله قد تمكنت الشبهة منه، فوجب أن لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطئ، وإن أخرج كل واحد من السارقين نصابًا، وجب القطع على شريك الأب؛ لأنه انفرد بما يوجب القطع١. وذهب فقهاء المالكية إلى أن من سرق نصابًا مع شركة صبي له في السرقة أو مجنون، يقطع المكلف فقط حتى، ولو كان النصاب المسروق ملكًا للمجنون المصاحب للسارق، أو كان المجنون أبا للمسروق منه؛ لأن المجنون كالعدم، فيجب القطع على المكلف، أما إذا كان شريك السارق أبا للمسروق منه، أو أما أوجدًا، وكان عاقلًا فلا قطع على الشريك لدخوله مع ذي شبهة قوية٢. وذهب فقهاء الشافعية، والشيعة إلى وجوب القطع على من لا يقوم المانع في حقه، سواء ثشاركه فعله صبيًا، أو مجنونًا أو أبا للمسروق، أو غير ذلك ممن لا يقطع بسرقته، هذه؛ لأن عدم القطع نشأ عن سبب خاص بأحد الشريكين، فلا يتعداه للآخر٣. وما ذهب إليه فقهاء المالكية هو ما أرجحه؛ لأن من كان شريكه في السرقة أبا للمسروق منه، أو أما أو جدا تقوم في حقه شبهة، لجواز أنه ذهب لمساعدة هذا الأب مثلًا؛ ولأن دخول الحرز بمصاحبة من له

стр. 564

دخوله شبهة قوية تدرأ الحد عنه، ويلزم برد المال وبعقوبة تعزيرية مناسبة؛ لأن مثل هذا نادرا بحرص الأب، والأم والجد على مال ابنهما غالبًا أكثر من حرص صاحب المال نفسه. وذهب فقهاء القانون الوضعي إلى عدم اشتراط أن يكون الاستيلاء على الشيء بيد الجاني، بل يكفي أن يكون بفعله، فمن يدرب قردًا على النشل، أو يحرض كلبًا على السرقة، أو يهيئ أسباب انتقال الحيازة إليه، كمن يحول مجرى مياه الغير إلى أرضه يعد سارقًا. وكذا لا ينفي الاختلاس إذا حدث التسليم من صغير، أو مجنون أو سكران ففي ذلك كله تقوم في حق المدبر لذلك، والمخطط والمنفذ جناية السرقة، مع أنه لم يقم بالاستيلاء على الشيء بيده١. ٧- سرقة ما اختلف في ماليته: اشترط الفقهاء لوجوب القطع في السرقة أن يكون المسروق مالًا، أو ما يمكن أن يعتاض عنه بمال. هذا ما اتفق عليه الفقهاء، وإن كانت وجهة نظرهم قد اختلفت في مالية بعض الأشياء، مما نتج عنه اختلاف آرائهم في القول بوجوب القطع على من سرقها، ومن ذلك الاختلاف على ماليته، ما يأتي: أ- الصبي. ب- المصحف وكتب العلم. ج- بعض الحيوانات. د- آلات اللهو. هـ- مال الحربي المستأمن.

стр. 565

"أ" سرقة الصبي: الصبي الذي يتعرض السرقة، إما أن يكون حرًا أو عبدًا، فإن كان حرًا فقد ذهب جمهور فقهاء الأحناف، وفقهاء الشافعية، والحنابلة إلى القول بعدم وجوب القطع على من سرقه؛ لأنه لم يسرق مالًا، فإن كان على الصبي حلي بمقدار -النصاب، فلا قطع عندهم أيضًا بسرقته؛ لأن هذا الحلي تابع لما لا قطع في سرقته؛ ولأن يد الصبي عليه ثابتة، بدليل أن ما يوجد في اللقيط يكون له. وذهب فقهاء الشافعية في أحد رأييهم أنه لو سرق صبيًا عليه حلي بقدر النصاب قطع؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من مال، وذهب أبو يوسف، وفقهاء المالكية والشيعة، وابن حزم إلى القول بوجوب القطع على من سرق صبيًا حرًا كان أم عبدًا، معه حلي أم لا، وإن كان أبو يوسف قد اشترط وجود الحلي معه، وإلا فلا قطع بسرقة الصبي عنده إن كان حرًا. أما من سرق عبدًا، فإن كان يعقل، وينطق فلا قطع بسرقته، إلا إذا سرق وهو نائم أو سكران، أو مغمى عليه، بحيث لا يقدر على الامتناع من السرقة١. وما أرجحه ممن ذلك وهو وجوب القطع على من سرق صبيًا حرًا كان، أو عبدًا معًا لمال، أم لا يعقل وينطق أم لا؛ لأن سرقة الصبي أشد ضررًا من سرقة المال، وهذا مما لا ينكره أحد، فقد تسرق أموال بعض الناس، ولا يشغلهم ذلك كثيرًا، بينما لا يوجد من لا يفزع لسرقة ابنه، خصوصًا إن كان صغيرًا.
следующие страницы →