← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9979

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

منصور الحفناوي

Полный текст (668 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المحاربة في العادة هكذا تكون، فإنهم لو اشتغلوا جميعًا بالقتال، فإذا وقعت الهزيمة عليهم لا تستقر قدمهم، وإذا كان بعضهم ردءا، فإذا وقعت الهزيمة على المباشرين للحرب التجئوا إلى الردء، فلهذا كانت العقوبة عليهم، بخلاف السرقة، فالحد هنا إنما يجب بمباشرة فعل السرقة، وذلك في إخراج المال من الحرز، فإذا كان المخرج بحكم فعله، لم يجب القطع على غيره. وهذا التعليل من القائلين بالقطع على من أخرج المال من الحرز فقط، وإن كانت له وجاهته، إلا أنه يترتب عليه ضياع الحقوق؛ لأن السراق لن يعدموا حيلة يحاولون بها الهروب من القطع، ولا يخفى أن بعض الفقهاء مثل الشيعة والحنابلة، وغيرهم يرون أنه لو هتك شخص الحرز، وأخذ المال شخص آخر فلا قطع عليهما١، وفي هذا حض على اللجوء إلى الحيلة تحاشيًا للحد. ج- إذا شارك في إخراج المسروق من لا يجب عليه الحد: الذي لا يجب عليه الحد بالسرقة، أما أن يكون غير مكلف كالصبي والمجنون، وأما أن يكون مكلفًا كالأب، والأم والجد. وفقهاء الأحناف قد رأوا أنه إذا شارك في السرقة من لا يلزمه الحد بها، فلا قطع على باقي المشاركين له فيها؛ لأن عدم وجوب القطع على أحد الشركاء، تنتج عنه شبهة في حق الباقين، ويترتب على هذه الشبهة درء الحد عنهم.

стр. 562

يقول السرخسي: "وإذا سرق رجلان ثوبًا من رجل، وأحدهم أب للمسروق منه لم يقطع واحد منهما"، أما الأب فلتأول له في مال والده بظاهر قوله ﷺ . "أنت ومالك لأبيك"؛ ولأنه قد يدخل بيته من غير استئذان عادة، فلا يكون بيته حرزًا في حقه، والسرقة فعل من السارق، فإذا امتنع القطع على أحدهما للشبهة، يمتنع وجوبه على الآخر للشركة، وهو نظير ما قلنا في الأب، والأجنبي إذا اشتركا في قتل الولد، لم يجب القصاص على واحد منهما١. هذا إذا كان الشريك أبا للمسروق منه ومن في حكمه، أما إذا كان الشريك صبيًا، فقد ذهب أبو يوسف إلى أنه إذا حمل البالغ المتاع، وخرج به فعليه القطع، ولا معتبر بفعل الصبي، وعلل رأيه بأن درء القطع لهذا يتطرق السراق به إلى إسقاط القطع؛ لأن كل سارق لا يعجز عن أن يستصحب صبيًا، أو معتوهًا مع نفسه. كما ذهب فقهاء الأحناف أيضًا إلى أنه إذا كان واحد من السراق أخرسًا، فلا قطع، لتمكن الشبهة في حق الأخرس؛ لأنه لو كان ناطقًا ربما يدعي شبهة يدرأ عبها الحد عن نفسه، وأما الناطق فلأجل المشاركة٢. وذكر ابن قدامة أنه إذا كان أحد الشريكين في السرقة، من لا قطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين، لو شاركه في قطع يد ابنه. والثاني: لا يقطع وهو أصح؛ لأن سرقتهما جميعًا صارت علة

стр. 563

لقطعهما، وسرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع؛ لأنه أخذ ماله أخذه، بخلاف قطع يد ابنه، فإن الفعل تمخض عدوانًا، وإنما سقط القاص لفضيله الأب لا لغنى في فعله، وههنا فعله قد تمكنت الشبهة منه، فوجب أن لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطئ، وإن أخرج كل واحد من السارقين نصابًا، وجب القطع على شريك الأب؛ لأنه انفرد بما يوجب القطع١. وذهب فقهاء المالكية إلى أن من سرق نصابًا مع شركة صبي له في السرقة أو مجنون، يقطع المكلف فقط حتى، ولو كان النصاب المسروق ملكًا للمجنون المصاحب للسارق، أو كان المجنون أبا للمسروق منه؛ لأن المجنون كالعدم، فيجب القطع على المكلف، أما إذا كان شريك السارق أبا للمسروق منه، أو أما أوجدًا، وكان عاقلًا فلا قطع على الشريك لدخوله مع ذي شبهة قوية٢. وذهب فقهاء الشافعية، والشيعة إلى وجوب القطع على من لا يقوم المانع في حقه، سواء ثشاركه فعله صبيًا، أو مجنونًا أو أبا للمسروق، أو غير ذلك ممن لا يقطع بسرقته، هذه؛ لأن عدم القطع نشأ عن سبب خاص بأحد الشريكين، فلا يتعداه للآخر٣. وما ذهب إليه فقهاء المالكية هو ما أرجحه؛ لأن من كان شريكه في السرقة أبا للمسروق منه، أو أما أو جدا تقوم في حقه شبهة، لجواز أنه ذهب لمساعدة هذا الأب مثلًا؛ ولأن دخول الحرز بمصاحبة من له

стр. 564

دخوله شبهة قوية تدرأ الحد عنه، ويلزم برد المال وبعقوبة تعزيرية مناسبة؛ لأن مثل هذا نادرا بحرص الأب، والأم والجد على مال ابنهما غالبًا أكثر من حرص صاحب المال نفسه. وذهب فقهاء القانون الوضعي إلى عدم اشتراط أن يكون الاستيلاء على الشيء بيد الجاني، بل يكفي أن يكون بفعله، فمن يدرب قردًا على النشل، أو يحرض كلبًا على السرقة، أو يهيئ أسباب انتقال الحيازة إليه، كمن يحول مجرى مياه الغير إلى أرضه يعد سارقًا. وكذا لا ينفي الاختلاس إذا حدث التسليم من صغير، أو مجنون أو سكران ففي ذلك كله تقوم في حق المدبر لذلك، والمخطط والمنفذ جناية السرقة، مع أنه لم يقم بالاستيلاء على الشيء بيده١. ٧- سرقة ما اختلف في ماليته: اشترط الفقهاء لوجوب القطع في السرقة أن يكون المسروق مالًا، أو ما يمكن أن يعتاض عنه بمال. هذا ما اتفق عليه الفقهاء، وإن كانت وجهة نظرهم قد اختلفت في مالية بعض الأشياء، مما نتج عنه اختلاف آرائهم في القول بوجوب القطع على من سرقها، ومن ذلك الاختلاف على ماليته، ما يأتي: أ- الصبي. ب- المصحف وكتب العلم. ج- بعض الحيوانات. د- آلات اللهو. هـ- مال الحربي المستأمن.

стр. 565

"أ" سرقة الصبي: الصبي الذي يتعرض السرقة، إما أن يكون حرًا أو عبدًا، فإن كان حرًا فقد ذهب جمهور فقهاء الأحناف، وفقهاء الشافعية، والحنابلة إلى القول بعدم وجوب القطع على من سرقه؛ لأنه لم يسرق مالًا، فإن كان على الصبي حلي بمقدار -النصاب، فلا قطع عندهم أيضًا بسرقته؛ لأن هذا الحلي تابع لما لا قطع في سرقته؛ ولأن يد الصبي عليه ثابتة، بدليل أن ما يوجد في اللقيط يكون له. وذهب فقهاء الشافعية في أحد رأييهم أنه لو سرق صبيًا عليه حلي بقدر النصاب قطع؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من مال، وذهب أبو يوسف، وفقهاء المالكية والشيعة، وابن حزم إلى القول بوجوب القطع على من سرق صبيًا حرًا كان أم عبدًا، معه حلي أم لا، وإن كان أبو يوسف قد اشترط وجود الحلي معه، وإلا فلا قطع بسرقة الصبي عنده إن كان حرًا. أما من سرق عبدًا، فإن كان يعقل، وينطق فلا قطع بسرقته، إلا إذا سرق وهو نائم أو سكران، أو مغمى عليه، بحيث لا يقدر على الامتناع من السرقة١. وما أرجحه ممن ذلك وهو وجوب القطع على من سرق صبيًا حرًا كان، أو عبدًا معًا لمال، أم لا يعقل وينطق أم لا؛ لأن سرقة الصبي أشد ضررًا من سرقة المال، وهذا مما لا ينكره أحد، فقد تسرق أموال بعض الناس، ولا يشغلهم ذلك كثيرًا، بينما لا يوجد من لا يفزع لسرقة ابنه، خصوصًا إن كان صغيرًا.

стр. 566

ب- سرقة المصحف، وكتب العلم: ذهب فقهاء الأحناف إلى أنه لا يجب القطع بسرقة الكتب المشتملة على علم الشريعة، وتشمل هذه الكتب المصحف، وكتب الحديث والفقه، والتفسير والأدب والشعر؛ لأن الحاجة داعية إلى معرفة ما فيها، وذلك ينتج شبهة يترتب عليها إسقاط الحد عن سارقها، حتى ولو كان عليها حلية؛ لأنها تابعة لما لا قطع فيه. يقول ابن الهمام: ولا يقطع في الدفاتر كلها: للكتب المشتملة على علم الشريعة كالفقه، والحديث والتفسيير، وغيرها من العربية والشعر، وقد اختلف في غيرها فقيل محلقة بدفاتير الحساب، فيقطع فيها، وقيل: بكتب الشعر؛ لأن معرفتها قد تتوقف على اللغة والشعر، والحاجة وإن قلت كفت في إيراد الشبهة. وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بقطع من سرق المصحف، أو كتب العلم إذا توافرت فيه باقي شروط القطع؛ لأنه بسرقته ذلك قد دخل في عموم من تشمله أدلة القطع من القرآن والسنة؛ ولأنها متقومة سواء أكانت هذه الأشياء المسروقة، من المصاحف أو الكتب محلاة أم غير محلاه، ما دام المسروق قد بلغت قيمته نصابًا١. وما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع؛ لأن المصاحف وكتب العلم ينفق على طبعها، ونشرها مال كثير، وهذه أيضًا تباع، وتشترى، وتقدر

стр. 567

قيمتها من حيث أوراقها، وطباعتها بمال بل ومال كثير، والقول بعدم ماليتها يرده الواقع والمشاهد. وقد يضر المرء إذا سرق منه مصحف، أو كتاب من كتب العلم أكثر مما يضر بسرقة ما تبلغ نصاب السرقة، أو يزيد من المال، بل إن القوانين الوضعية ذهبت إلى أكثر من هذا، فعاقبت من سرق حق مؤلف فيما ألف، ومن اشترى نسخة من كتاب، ثم قام بنقل ما فيها، وطبعه دون موافقة مؤلفه الأصلي. بل إن سرقة الاختراع العلمي حتى الذي لم يدخل مرحلة التنفيذ، أمر له اعتباره القانوني. ج- سرقة بعض الحيوانات -المختلف في ماليتها: اختلف الفقهاء في مالية بعض الحيوانات كالكلاب، والسباع، والفهود وما ماثلها، وقد أدى اختلافهم هذا إلى الاختلاف في إيجاب القطع بسرقة هذه الحيوانات. فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بعدم قطع من سرق مثل هذه الحيوانات، نظرًا؛ لأن هذه الحيوانات مباحة الأصل، وغير مرغوب فيها؛ ولأن اختلاف الفقهاء في ماليتها يورث شبهة، يترتب عليها درء الحد عمن سرقها. ولم يفرق القائلون بعدم القطع بين كون هذه الحيوانات معلمة، أو مدربة أم لا؟ ولأن الرسول ﷺ قد نهى عن بيع الكلب، ولم يقيد بكونه معلمًا، أو مدربًا على عمل من الأعمال أم لا، ومثل الكلب أيضًا الخنزير، ولو كان ملكًا لذمي١.

стр. 568

وذهب عطاء إلى القول بالقطع على من سرق خمرًا، أو خنزيرًا من أهل الكتاب؛ لأنه حل لهم في ينهم١. وذهب أشهب من فقهاء المالكية، إلى وجوب القطع على من سرق حيوانًا مأذونًا في اتخاذه، أما ما لم يؤذن في اتخاذه، ولم يكن مملوكًا لأحد، فلا قطع على من سرقه٢. والذي أرجحه من ذلك هو قول الجمهور بعدم قطع من سرق حيوانًا من هذه الحيوانات؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيعها، فيترتب عليه عدم ماليتها، وإن جاءت بعض الناس وقاموا ببيع هذه الحيوانات وشرائها، وهذه المخالفة لا يترتب عليها مالية هذه الحيوانات، كما أن الأصل فيها أن تكون مباحة٣، وذلك كله يترتب عليه شبهة، ينتج عنها درء الحد عمن سرقها.

стр. 569

د: "سرقة آلات اللهو": ذهب الفقهاء إلى أن اتلاف آلات اللهو، التي لا تستعمل إلا فيه جائزًا، أما ما استعمل منها في أغراض مباحة كتدريب الجيوش، وما إلى ذلك، فهي آلات تؤدي عرضًا مشروعًا، فيجوز اقتناء ما يحتاج إليه منها. كما ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بعدم القطع في سرقة آلات اللهو من دف وما أشبهه؛ لأنها ليست بمال متقوم، وإنما هي آلات معصية. يقول السرخسي: "ولا قطع في الدف، وما أشبهه من الملاهي، أما عندهما؛ فلأنه

стр. 570

ليس بمال متقوم حتى لا يضمن متلفه، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإن كان يجب الضمان على المتلف باعتبار معنى آخر فيه سوى اللهو؛ ولأن للآخذ تأويلًا في أخذه؛ لأنه يقصد به النهي عن المنكر، وهو استعماله للتلهي، فيصير ذلك شبهة"، واختلف في طبل الغزاه، فقيل: لا يقطع به أيضًا، وقيل: يقطع؛ لأنه مال متقوم ليس موضوعًا للهو، فليس آلة للهو١. ويقول ابن قدامة: "ولنا أنه آلة للمعصية بالإجماع، فلم يقطع بسرقته كالخمر؛ ولأن له حقًا في أخذها لكسرها، فكان ذلك شبهة، مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده، فإن كانت عليه حلية تبلغ نصابًا، فلا قطع فيه أيضًا؛ لأنه متصل بما لا قطع عليه٢. وهذا ما ذهب إليه أيضًا فقهاء الشافعية، إذا كان لا يصلح إلا للمعصية، أما إن كان يصلح لمنفعة مباحة، فإنهم يقطعون بسرقته؛ لأنه مال متقوم على متلفه٣. وذهب فقهاء المالكية إلى أنه إذا بلغت قيمة متلفة نصابًا قطع بسرقته، وجاء مثل هذا أيضًا في رأي فقهاء الحنابلة٤. ولا يدخل في ذلك ما صنع من أجهزة استقبال كالمزياع المسموع. أو المسموع والمرئي؛ لأنه لا يقصد منه اللهو، وإنما هو وسيلة إعلامية وثقافية، والذي أرجحه أن من سرق شيئًا من آلات اللهو لا قطع عليه

стр. 571

وإن ألزم بضمان قيمتها، وبعقوبة تعزيرية يقدرها القاضي؛ لأنه إن كان يبغي الإصلاح، فليس بهذا الطريق يتم الإصلاح، ولا قطع عليه لما فيها من شبهة. هـ: "سرقة مال الحربي المستأمن" لا خلاف بين الفقهاء على أن من سرق مالًا لذمي، يقطع به كالسرقة من مال المسلم، حتى ولو كان هذا المسروق صلبيا، إذا كانت قيمة الصلب تبلغ نصاب السرقة، وبشروط القطع والإمام أبو حنيفة وإن لم ينص بالقطع فيه إلا أنه أوجب ضمان ما فيه من المالية، أما أبو يوسف، فقد فصل القول في ذلك بأنه إذا كان الصليب في مصلاهم، فإنه لا قطع على من سرقه؛ لأنه أخذه من مكان مأذون في دخوله، أما إن كان في حرز لا شبهة فيه قطع من سرقة؛ لأنه مال محرز على الكمال. أما مال الحربي المستأمن، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب القطع على من سرقه: "أيا كان نوع هذا المال؟ "، فيقول الدسوقي في معرض حديثه، عما يجب القطع بسرقته، "دخل فيه -أي فيما يجب القطع بسرقته- مال حربي دخل عندنا بأمان، فيقطع سارقه المسلم"١. ويقول ابن قدامة: "ويقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي، ويقطع الذمي بسرقة مالهما، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، فأما الحربي إذا دخل إلينا مستأمنا، فسرق فإنه يقطع أيضًا.. ثم يقول:

стр. 572

"وإذا ثبت هذا، فإن المسلم يقطع بسرقة ماله، وعند أبي حنيفة لا يجب، ولنا: أنه سرق مالا معصومًا من حرز مثله، فوجب قطعه كسارق مال الذمي"١. أما فقهاء الأحناف، فقد جاء عنهم: أنه لا يقطع السارق من مال الحربي المستأمن عندنا استحسانًا، وفي القياس، وهو قول زفر ﵀؛ لأن ماله محرز بدارنًا، فإنه معصوم كالذمي، وجه الاستحسان أن العصمة بالإحراز بالدار، وإحراز المستمن لا يتم، ألا ترى أن إحراز المال تبع لإحراز النفس، ولا يتم إحراز نفسه بدار الإسلام حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب، فكذلك لا يتم إحراز ماله؛ ولأنه بقي حربيًا حكمًا، حتى يبقى النكاح بينه، وبين زوجته في دار الحرب، ومال الحربي مباح الأخذ، إلا أنه يتأخر إباحة الأخذ بسبب الأمان إلى أن يرجع إلى دار الحرب، فيصير ذلك شبهة في إسقاط لقطع عن السارق"٢. وما دمنا نقطع الحربي المستأمن إذا سرق من مسلم، فكيف لا نقطع المستأمن هو ما أرجحه، وأميل إليه، نظرًا؛ لأن ما اعتمد عليه الجمهور أقوى مما اعتمد عليه الأمام أبو حنيفة. وما دمنا نقطع الحربي المستأمن، إذا سرق من مسلم، فكيف لا نقطع المسلم إذا سرق من الحربي المستأمن. إن ذلك هو الأولى، بل إن نفس ما ذكره الأحناف يقرر ذلك، فهم قد اعترفوا أن القياس يحتم القطع بسرقة ماله، ولم يقطعوه استحسانًا.

стр. 573

والذي يرجع إليه في تقرير الحدود للفصل في هذه القضية، هو ما جاء من عموم في النصوص التي قررت الحدود، وهي قد شملت بعمومها كل سارق وسارقة، والرجوع إلى ذلك أولى من الرجوع إلى غيره، سواء في تقرير حد، أو الإخراج منه بالنسبة لما تحدث عنه الفقهاء في هذا الموضوع. كما أن الحربي بدخول ديارنا، وإعطائه الأمان قد أحرز نفسه، وماله ما دام ملتزما بهذا الأمان، وما يقتضيه من شروط، وواجبات أما أن نقضه، أو رفع هذا الأمان عنه لسبب ما من الأسباب، فإنه يصبح حربيًا له ما للحربي من معاملات، وأحكام. ٨- الخصومة: آراء الفقهاء في اشتراط قيامها لإيجاب القطع فرق جمهور الفقهاء بين ثبوت المال على السارق للمسروق منه، وبين وجوب القطع على السارق، فذهب الجمهور إلى أن المال يثبت على السارق بإقراره، أو بإقامة البينة على سرقته حسبة. أما وجوب القطع على السارق، فاشترط له حضور المسروق منه، ومطالبته بالسرقة؛ لأن الخصومة شرط لطهورها، وعلى هذا، فإذا أقر السارق عند الحاكم، وذكر أنه سرق مالًا لفلان، نصابًا من حرز لا شبهة له فيه، فإن الحكم لا يقطعه حتى يحضر صاحب المال، ويدعيه ويخاصم السارق ومبنى الشبهة هنا، أن الإباحة من المالك أباح ذلك المال. أو أن المالك أذن في دخول بيته، فاعتبرت المطالبة دفعًا لهذه الشبهة، فالمعول عليه أن ملك المقر قائم ما لم يصدقه لمقر له١.

стр. 574

وزاد الإمام أبو حنيفة، ووافقه محمد القول باشتراط بقاء الخصومة، حتى يتم التنفيذ، ولا يكفي قيامها حتى القضاء فقط، وقد بين السرخسي ذلك بقوله: "وإذا حكم على السارق بالقطع ببينة، أو بإقرار ثم قال المسروق منه: هذا متاعه، أو قال: لم يسرقه مني إنما كنت أودعته. أو قال: شهد شهودي بزور، أو قال: هو باطل بطل القطع عنه، لانقطاع خصومته، وقد بينا أن بقاء الخصومة إلى وقت استيفاء القطع شرط، وأن المعترض بعد القضاء قبل الاستيفاء في الحد، كالمنقرن بأصل السبب، وهذا بخلاف رد المال بعد القضاء"١. وذهب الإمام مالك، وفي رأي سرجوح عند الإمام أحمد، والشيعة الجعفرية إلى أن قيام الخصومة، ليس شرطًا لقبول الشهادة في السرقة، والحكم بمقتضاها بالعقوبة المقدرة، وعلى هذا إذا حضر الشهود، وشهدوا بالواقعة سمعت شهادتهم، وألزم السارق بمقتضاها بعقوبة السرقة، حتى ولو لم يحضر المجني عليه، وسواء أكان المجني عليه حاضرًا بالبلدة، التي أقيمت الدعوة فيها على السارق حسبة، أم كان غائبًا عنها، أو كان المجني عليها مجهولًا٢. بل وأكثر من ذلك لو كذب المسروق منه السارق، أن كان الإثبات بالإقرار، أو الشهود إن كان بالبينة، فإن فقهاء المالكية يرون إلزام السارق الحد، ويرتبون على تكذيب المجني عليه للبينة، أو الإقرار أن يصير المتاع السارق مع إلزامه الحد، فيقول الخرشي مبينًا ذلك في معرض حديثه عن السرقة الموجبة للقطع: "أو نصاب ملك غير، فإنه

стр. 575

يقطع، ولو كذبه ربه، صورة المسألة إن السارق مقر بالسرقة، ورب المتاع يكذبه فعليه القطع، وحينئذ يصير المتاع للسارق، إلا أن يدعيه ربه بعد ذلك"١. وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير عند شرح قوله: ولو كذب ربه "معنى أن السارق إذا أقر بالسرقة من مال شخص، أو قامت عليه بينة بذلك، وكذبه ذلك الشخص، فإنه يقطع ولا يفيده تكذيبه ذلك الشخص للمقر أن للبينة، "ويبقى المسروق بيد السارق"، أي على وجه الحيازة، واستظهر بعضهم أنه يجعل في بيت المال؛ لأن كلا من السارق وربه ينفيه من ملكه، ما لم يدعه ربه أي بعد ذلك"٢. وما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع، لجواز أن صاحب المال قد أباح ماله لطائفة منهم السارق، أو وهبه السارق، ولم يعلم السارق بذلك، أو أذن للسارق دخول الحرر، وذلك كله يترتب عليه شبهة تنتج درء الحد، ولذا فإن القول باشتراط المخاصمة لإيجاب الحد أولى بالاتباع. وما ذكره فقهاء المالكية، ومن وافقهم من إيجاب القطع، حتى ولو كذب رب المال الإقرار، أو البينة قول لم يقم عليه دليل، ولا يتفق مع ما ذهبوا إليه من القول بدرء الحد بالشبهة، والشبهة بالتكذيب ببينة.

стр. 576

المبحث الثاني: جريمة السرقة الكبرى "الحرابة " المطلب الأول: الحرابة ... "المبحث الثاني": جريمة السرقة الكبرى "الحرابة" ويتناول الحديث عنها مطلبين. المطلب الأول: تعريفها: المطلب الثاني: سرقات اختلف في وجوب حد الحرابة بها. المطلب الأول: الحرابة الحرابة بكسر الحاء مصدر حرب، حرب الرجل حربًا مثل طلبه يطلبه طلبًا، أي سلبه ماله وتركه بلا شيء. وحرب ماله بالبناء للمجهول أي سلبه، فهو محروب وحريب١. وعبر عنها فقهاء الأحناف بقطع الطريق، وعرفوه بأنه: "الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالب على وجه يمنع المارة من المرور، وينقطع الطريق"٢.

стр. 577

وعرف فقهاء المالكية الحرابة بأنها:"الخروج لإخافة السبيل لأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه، أو ذهاب عقل أو قتل خفية، أو لمجرد قطع الطريق، لا لامرة ولا نائرة، ولا عداوة"١. وذكروا أن المحارب هو من أخاف الطريق لأجل أن يمنع الناس من سلوكها، أي من أخاف الناس في الطريق؛ لأجل أن يمنعهم من السلوك فيها، والانتفاع بالمرور فيها، وإن لم يقصد أخذ مال من السالكين، بل قصد مجرد منع الانتفاع بالمرور فيها، سواء أكان الممنوع من الانتفاع بالمرور فيها خاصًا كفلان، أم كان كل مصري، أو عامًا كما إذا منع كل أحد يمر فيها إلى الشام مثلًا"٢. وقال فقهاء الشافعية: "قطع الطريق هو البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو إرعاب مكابرة اعتمادًا على الشوكة، مع البعد عن الغوث"٣. قال فقهاء الحنابلة: "المحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء، فيغصبونهم المال مجاهرة".

стр. 578

وضع فقهاء الحنابلة شروطًا ثلاثة في المحاربين، رآها جمهور فقهائهم: الأول: أن يكون ذلك منهم في الصحراء. الثاني: أن يكون معهم سلاح. الثالث: أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهرًا١. وعرف ابن حرم المحارب: بأنه "المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد في سبيل الأرض سواء بسلاح، أو بلا سلاح أصلًا، سواء ليلًا أو نهارًا، في مصر أو في فلاة أو في قصر الخليفة، أو الجامع سواء أقدموا على أنفسهم إمامًا، أو لم يقدموا سوى الخليفة نفسه فعل ذلك بجنده أو غيره، منقطعين في الصحراء، أو أهل قرية سكانًا في دورهم، أو أهل حصن كذلك، أو أهل مدينة عظيمة، أو غير عظيمة كذلك، واحدًا كان أو أكثر، كل من حارب المار، وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك فرج، فهو محارب٢. وذهب فقهاء الشيعة إلى أن كل من شهر السلاح في مصر من الأمصار، سواء ضرب، أو عقل، أو قتل لأخذ مال، أو لإخافه فهو محارب٣. وتعريفات فقهاء الشريعة لقطع الطريق تعريفات متقاربة، بل وتكاد تكون متفقة، ومجمعة على أن كل من أزعج الآمنين وأخافهم، مجاهرًا بذلك معتمدًا على البطش، والقوة، فهو محارب سواء أأخذ مالًا أم لا. غير أن بعض الفقهاء يرى أن قطع الطريق، لا يكون إلا في صحراء

стр. 579

والبعض الآخر لا يشترط ذلك، بل يرى أن قطع الطريق كما يكون في الصحراء، يكون أيضًا في البلاد الآهلة بالسكان. وقد ترتب على هذا، وغيره قيام شبهات لدى بعض الفقهاء، رتبوا عليها درء عقوبة القطع الحدية، ولم يوافقهم الباقون على ذلك، وفي المطلب الثاني بيان لأقوال الفقهاء، ما يترتب عليها فيما سأعرضه من وقائع. هذا هو تحديد الفقه الإسلامي لجريمة الحرابة، ومن يقوم بها، أما الفقه الوضعي، وإن كان قد ذكر بعض الوقائع التي تتم فيها السرقة تحت ظروف معينة، وحدد عقوبات لها تزيد عن عقوبة السرقة العادية، إلا أن نظرة الفقه الإسلامي، عالجت الأمر علاجًا شاملًا، وشافيًا لم تصل إليه بعد التشريعات الوضعية. فالتشريعات الوضعية قد نصت على أنه يعاقب بالإعدام، كل من ألف عصابة هاجمت طائفة من السكان، وهي بذلك لا ترى نفس العقوبة على من ألف عصابة، وهاجم بها فردًا، كما أنها تطبق العقوبة، ولو لم تسفر مهاجم هذه العصابة عن قتل أحد من المهاجمين، أو أخذ ماله. كما فرقت التشريعات الوضعية بين عقوبة من تزعم هذه العصابة، أو تولي فيها قيادة ما، وبين من انضم إلى هذه العصابة، واشترك في تأليفها، ولكنه لم يتقلد فيها قيادة ما، فعاقبت الأول بالإعدام أما الثاني، فبالأشغال الشاقة المؤبدة، أو المؤقتة١. والفقه الإسلامي لا يرى هذه التفرقة في العقوبة بين فرد، وآخر ممن اشتركوا في واقعة حرابة معينة، كما لا يخفى أن الفقه الوضعي

стр. 580

لا يعاقب بهذه العقوبة إذا وقع الإكراه بقصد هتك العرض، ثم ارتكبت السرقة عرضًا؛ لأنه يشترط أن يقع الإأكراه وسيلة لاتمام غرض السرقة. ولا يخفى أن الفقه الإسلامي لا يرى ذلك، بل إن ابن حزم قد نص على أنه كل من حار المار، وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخذ مال ولجراحة، أو لانتهاك فرج، فهو محارب١. هذه الاختلافات الجوهرية، وغيرها بين كل من التشريعيين، وإن برزت واضحة، إلا أنه لا يخفى أن الفقه الوضعي قد فرق بين نوعين من السرقات، وبين عقوبة كل منهما، محاولًا اقتفاء أثر الفقه الإسلامي في تفرقته بين جريمتي السرقة الكبرى، والصغري، وعقوبتيهما، وإن اختلف المنهج من حيث الشكل والموضوع.

стр. 581

المطلب الثاني: "سرقات اختلف في وجوب حد الحرابة بها " ١- إذا قام بالحرابة جماعة، ولم يبلغ نصيب الفرد منهم نصابًا اختلفت الفقهاء في وجوب القطع، فذهب الأحناف، والشافعي وابن المنذر إلى أنه لا يجب القطع على المحاربين، إذا لم يبلغ نصيب كل فرد ممن اشترط في الحرابة نصابًا، إذ أنهم يرون أن إقامة الحد على كل واحد من المحاربين، ناتج عما أصاب من المال، فلا بد أن يكون خطيرًا في نفسه، وما دون النصاب حقير تافه، وإذا كان نصيب كل واحد منهم تافهًا، لا يقام عليهم الحد، كما لو كان المأخوذ في نفسه تافهًا، وأصحاب هذا الرأي، وإن رأوا درء الحد عن المحاربين هنا، إلا أنهم أوجبوا عليهم ضمان المال ورده١.

стр. 582

وذهب فقهاء الحنابلة إلى أنهم إن أخذوا ما يبلغ في جملته نصابًا قطعوا، سواء أبلغ نصيب كل منهم نصابًا أم لا، قياسًا على قولهم في وجوب الحد في السرقة الصغرى١. وذهب فقهاء المالكية، والشيعة إلى عدم اشتراط النصاب مطلقًا لوجوب القطع، لإطلاق الأدلة، فيقول ابن العربي٢ -في رده على الإمام الشافعي، ومن وافقه ومقررًا ما ذهب إليه الإمام: "أنصف من نفسك أبا عبد الله، ووف شيخك حقه لله ... أن ربنا ﵎ قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فاقتضى هذا قطعه في حقه، وقال في المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، فاقتضى بذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حقه، فبين النبي ﷺ في السارق أن قطعه في نصاب، وهو ربع دينار، وبقيت المحاربة على عمومها، فإن أردت أن ترد المحاربة إليها كنت محلقًا الأعلى بالأدنى، وخافضا الأرفع إلى الأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب، وهو يطلب النفس أن رقي المال بهما على السارق، إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه أو صيح عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب"٣.

стр. 583

والذي أميل، وأرجحه هو عدم القطع عليهم، إذا لم يبلغ نصيب كل منهم نصابًا؛ لأن الآية الكريمة قد عددت عقوبات المحاربين، فجعلتها القتل أو التصليب، أو أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، فناسب أن يجعل القتل عقوبة من قتل، والقطع على من أخذ المال المعنبر في السرقة، على من لم يأخذ هذا المال، المذكور. ولا يقدح في اشتراط النصاب كون الجناية هنا مغلظة؛ لأن التغليظ ناسبه تغليظ العقوبة بقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، فبقي اشتراط بلوغ النصاب على ما هو عليه خصوصًا، وإن عدم بلوغ النصاب لكل فرد لن يعفيهم من جنس العقاب، وإنما عليهم عقوبة النفي، وإلا فمتى يعاقبون بالنفي فقط إن أوجبنا عليهم القطع، ولو لم يبلغ نصيب كل فرد منهم، مما أخذوه نصابًا؛ لأنهم والحالة هذه في حكم من لم يأخذ شيئًا، ولا يخفى أن عدم بلوغ نصيب كل منهم نصابًا، إن لم يترتب عليه إسقاط القطع صراحة، فلا أقل من أن يورث شبهة في وجوبه، والحدود تدرأ بالشبهات، ولم يخالف في ذلك فقهاء المالكية أو الشيعة. ٢- أخذ المال على سبيل المغالبة من مكان آهل بالسكان: ذهب فقهاء الأحناف عدا أبي يوسف إلى أن قطع الطريق لا يكون إلا في الصحراء؛ لأن سبب وجوب الحد ما يضاف إليه، فإذا وقع ذلك في مصر من الأمصار، أو بين بلدين من البلاد، فلا يلزم به حد قطع الطريق. وعليه فإنه أخذوا مالًا طولبوا برده، وعزرهم الإمام، فإن قتلوا أو جرحوا، فأمر ذلك مفوض إلى أولياء الدم.

стр. 584

وحجة الأحناف في ذلك: أن سبب وجوب الحد ما يضاف إليه، وهو قطع الطريق، وإنما ينقطع بفعلهم ذلك في المفازة لا في جوف المصر، ولا فيما بين القرى، فالناس لا يمتنعون من التطرق في ذلك الموضع بد فعلهم، وبدون السبب لا يثبت الحكم؛ ولأن السبب محاربة الله ورسوله، وذلك إنما يتحقق في المفازة؛ لأن المسافر في المفازة لا يلحقه الغوث عادة، وإنما يسير في حفظ الله تعالى معتمدًا على ذلك، فمن يتعرض له يكون محاربًا لله تعالى، فأما في المصر وفيما بين للقرى يلحقه الغوث من السلطان والناس عادة، وهو يعتمد ذلك بالتطرق في هذه المواضع، فيتمكن باعتباره معنى النقصان في فعل من يتعرض له من حيث محاربة الله تعالى ورسوله ﷺ فلا يقام عليه الحد، وقاسوا ذلك بالنقصان في السرقة، إذا جاهر بأخذ المال فيها. وقال أبو يوسف: إذا اعتمد فطاع الطريق في محاربتهم في الأمصار، أو بين القرى على السلاح، لزمهم حد قطع الطريق، وإن اعتمدوا في ذلك على الأحجار، والأخشاب فإن كان ذلك بالنهار، فلا يقام عليهم الحد، وإن كان بالليل يقام عليهم ذلك، وعلل ذلك بأن الفتك في استعمال السلاح أسرع منه في استعمال غيره، وإن الغوث يلحقهم بالنهار في المصر، قبل أن يأتوا على المجني عليه، أما في الليل فإن الغوث يبطئ، فلهذا يثبت حكم قطع الطريق. ووافق الخرقي والثوري، وإسحاق أبا حنيفة، فيما ذهب إليه١، أما جمهور الفقهاء فقد رأوا زيادة على ما ذهب إليه أبو يوسف أن الحرابة تقع في المصر، كما تقع في الصحراء ليلًا، أو نهارًا سواء أكان ما معهم سلاحًا، أم كان خشبًا وحجارة، والمعول عليه عدم وصول الغوث لهم. هذا ما ذهب إليه الأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبو ثور وجمهور

стр. 585

الحنابلة، وقد جاء عن الشربيني الخطيب: "حيث يلحق غوث فلبسوا"، بقطاع بن منتبهون لإمكان الاستغاثه، وفقد الغوث يكون للعبد عن العمران، وعساكر السلطان، أو للقريب لكن لضعف في السلطان، واستحسن إطلاق الضعف لشمله ما لو دخل جماعة دارًا ليلًا، وشهروا السلاح، ومنعوا أهل الدار من الاستغاثة، فهم قطاع على الصحيح مع قوة السلطان، وحضوره وذو الشوكة قد يغلبون، والحالة هذه أي ضعف السلطان، أو بعده أو بعد أعوانه، وإن كانوا في بلد لم يخرجوا منها إلى طرفها، ولا إلى الصحراء فهم قطاع لوجود الشرط فيهم؛ ولأنهم إذا وجب عليهم هذا الحد في الصحراء، وهي موضع الخوف، فلأن يجب في البلد، وهي موضع الأمن أولى لعظم جراءتهم١. وزاد المالكية على ذلك عدهم المتسلطين ممن يعينهم الحاكم للجباية، وجمع الضرائب من المحاربين، إذا لم يمكن الاستعانة عليهم أورد ظلمهم، فيقول فقهاء المالكية عند حديثهم عمن يتسملهم لفظ المحاربين، "فيشمل جبابرة أمراء مصر ونحوهم يسلبون أموال المسلمين، ويمنعونهم أرزاقهم، ويعيرون على بلادهم، ولا تتيسر استغاثة منهم بعلماء، ولا بغيرهم، فهم محاربون لا غصاب"، ويقول القرافي: إن من أحد وظيفة أحد لا جنحة فيه بتقرير سلطان، فهو محارب؛ لأنه يتعذر العوث منه ما دام معه تقرير السلطان"٢. أما ابن حزم، فإنه قد وضع ضابطًا للمحارب بأنه كل من كابر لا حافة الطريقة، أو للإفساد في الأرض، سواء أكانت مكابرته هذه بسلاح، أو بلا سلاح ليلًا، أو نهارًا في صحراء، أم في مصر بل أكثر من ذلك قال بأن الحرابة تقع في المسجد، وفي قصر الخليفة نفسه٣، ولا يخفى أن

стр. 586

قصر الخليفة، لا يخلو كل مكان من فيه من الحراس، والجنود بأسلحتهم ودروعهم، ومن استغاث بهم يلحقه الغوث بل من حاول الدخول إلى قصر الخليفة لن يعدم عينا تراقبه، وترصد حركته، ولا يحتاج فيه مع ذلك إلى الاستغاثة، وما ذهب إليه جمهور الفقهاء أولى بالاعتماد والتطبيق. لأن الحرابة في المكان الآهل بالسكان أشد، وأنكى وأعظم جرمًا بما تحدثه من عظم فساد وهلع، إذ أن كل من كان في المكان الآهل بالسكان غالب حاله، عدم أخذ الحذر من مثل هذه الأخطار، أما من كان بصحراء، فإنه لا شك قد أخذ حذره، وأعد سلاحه لاحتمال مواجهة من يتعرض له. وما ذهب إليه جمهور فقهاء الأحناف من إسقاط حد الحرابة، عمن وقع ذلك منه في المكان الآهل بالسكان لشبهة إمكان الغوث، يرده ما يشاهد من أحداث سطو، وحرابة في قلب المدينة الكبيرة الممتلئة بالجنود، والحراس ومع ذلك يقف كل هؤلاء عاجزين عن تخليص من وقعت عليهم الحرابة من أيدي المحاربين. وقد اتجهت التشريعات الوضعية حديثًا إلى وضع نصوص تشدد العقوبة في مثل هذه الحالات، علاجًا لما انتشر في الآونة الأخيرة، ووقفت تشريعاتهم السابقة عاجزة عن وضع حد له، وما ذلك إلا رجوعًا منهم عما قننوه مسبقًا، واتجاهًا إلى الإقرار بفساد ما وضعوه من علاج طلبًا للقضاء على الداء، وتحقيق الأمن. ٣- من تقع منهم، أو عليهم جريمة الحرابة: اتفق الفقهاء على أن جريمة الحرابة، إذا قام بها مسلم أو زمي، ورفعت من أي منهما على مسلم، أو زمي لزم من قام بالحرابة ما حدده الشارع من عقوبة، طبقًا لما يحكم من قواعد.

стр. 587

أما إذا وقعت الحرابة من مستأمن، أو معاهد أو عليهما، فإن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية، والحنابلة والظاهرية، وأبو يوسف من فقهاء الأحناف، يرون عدم التفريق بين أحد من هؤلاء، وبين المسلمين أو الذميين، وعليه فإن عقوبة الحرابة يلزم بها كل من قام بهذه الجريمة، ممن يقيمون بالبلاد الإسلامية، إقامة دائمة، أو مؤقتة ما دامت الجريمة قد وقعت في حدود سلطان الدولة الإسلامية، سواء وقعت هذه الجريمة من مسلم، أو زمي أو معاهد، أو مستأمن أو على أي منهما، أيا كان القائم بها مسلمًا كان، أو ذميًا أو معاهد، أو مستأمنا١، وذهب الشافعي إلى أن المعاهد إذا فعل ما فيه إضرار بالمسلمين، كأن يفتن مسلمًا عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، فإن لم يشترط الكف عن ذلك في العقد لم ينتقض عهده لبقاء ما يتقضى العقد من التزام أحكام المسلمين، ولزمته عقوبة أفعاله؛ لأن عقوبة هذه الأفعال تستوفي عليه من غير شرط. وجاء عن فقهاء الشافعية رأي آخر، يقتضي أن عقد المعاهد ينتهي بإتيان المعاهد فعلًا من هذه الأفعال، واستدل لذلك بما روي من أن نصرانيا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال: ما على هذا صالحناكم، وضرب عنقه٢، هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، إذا وقعت الحرابة من مسلم، أو ذمي أو معاهد، أو مستأمن أو على أي منهم أخذ بعموم الأدلة؛ ولأن المسلم إذا كان ملتزمًا بأحكام الإسلام بمقتضى إسلامه، فإن الذمي ملتزم أيضًا بأحكام الإسلام بمقتضي عقد الذمة، الذي يضمن له الأمان الدائم، والمعاهد والمستأمن

стр. 588

كلاهما ملتزم بمقتضى عقد الأمان، والعهد الذي خوله الإقامة في دار الإسلام، فصار حكمه حكم الذمي. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المعاهد، أو المستأمن لا تلزم العقوبة من قطع عليه الطريق، كما لا تلزم العقوبة المعاهد، أو المستأمن إذا قام أحدهما بقطع الطريق على مسلم، أو ذمي. أما عدم إلزامه عقوبة قطع الطريق، فوجهه عند أبي حنيفة ومحمد، أن المستأمن لما لم يدخل للقرار بل لحاجه يقضيها، ويرجع وعلينا أن نمكنه من الرجوع بشرطه، لم يكن بالاستئمان ملزمًا جميع أحكامنا في المعاملات، بل ما يرجع منها إلى تحصيل مقصده، وهو حقوق العباد، غير أنه لا بد من اعتباره ملتزمًا الأنصاف وكف الأذى قد التزمنا له بأمانة مثل ذلك، والقصاص وحد القذف من حقوقهم فلزماه، أما حد الزنا فخاص له، وكذلك المغلب في السرقة حقه تعالى، فلم يلتزم، وصاحبه تعالى منعنا من استيفائه عند إعطاء أمانة١، وأما عدم إلزام المسلم، أو الذمي عقوبة قطع الطريق، إذا قام أحدهما بقطعها على المستأمن أو المعاهد، فقد بينه السرخسي بقوله: "وإذا قطعوا الطريق على قوم من أهل الحرب مستأمنين في دار الإسلام لم يلزمهم الحد لما بينا أن السبب المبيح في مال المستأمن قائم، وهو كون مالكه حربيًا، وإن تأخر ذلك إلى رجوعه إلى دار الحرب، ولكنهم يضمنون المال ودية القتلى، إبقاء الشبهة في دم المستأمن بكونه متمكنًا من الرجوع إلى دار الحرب، وهذا مسقطا للعقوبة، ولكنه غير مانع من وجوب الضمان، الذي يثبت مع الشبهة لقيام العصمة في الحال، ولكن يوجبون عقوبة لتخويفهم الناس بقطع الطريق، كما إذا لم يصيبوا مالًا ولا نفساء "ومثل ذلك إذا وقعت الحرابة من مسلم، أو ذمي على قافلة فيها

стр. 589

مسلمون ومستأمنون، ووقع القتل، وأخذ المال على المستأمنين فقط، أما إذا وقع القتل، وأخذ المال أو أحدهما على ما بالقافلة من المسلمين والمستأمنين، أقيم الحد على قطع الطريق كما لو لم يكن أهل الحرب من المستأمنين في القافلة١. وما ذهب إليه جمهور الفقهاء أولى بالاتباع؛ لأن التفرقة بين المقيمين في البلاد الإسلامية إقامة دائمة، وبين غيرهم من المعاهدين، أو المستأمنين من حيث إيجاب الحد لهم، أو عليهم تفرقة لا تقوم على أساس قوي، بل قد تجر كثيرًا من الفوضى، وإهدار حقوق المسلمين أنفسهم، وكم عادت البلاد الإسلامية مما كان للأجانب من امتيازات ترتب عليها إطلاق أيديهم لتعبث وتطبش٢. كما أن القول بأن المعاهد، والمستأمن حربيان، وإن تأخر رجوعهما إلى دار الحرب، وهذا ينتج شبهة في مالهما يترتب عليها إسقاط الحد عمن أخذه، قول لا يقوى على مواجهة عموم الآيات الكريمة، وحتى لو سلمنا بأن ذلك ينتج شبهة لا أنها شبهة ضعيفة لا تقوى على درء الحد؛ لأن هؤلاء قد أمنهم الحاكم على نفوسهم، وأموالهم وأعطاهم عهدًا بذلك ألزمهم بمقتضاه بالمحافظة على نفوس المقيمن إقامة دائمة بالبلاد الإسلامية، وعلى أموالهم، وما كانت الدولة الإسلامية بعد أن عاهدت بغادرة، أو متهاونة في حق من الحقوق بها أو عليها. وما ذكر من أن ما وجب حقا للعبد ألزموا به أما ما وجب حقا لله، فإنه لا يجب إلزامهم به قول مردود؛ لأنه غير مبني على دليل، بل إن الدليل على إلزامهم الحد لواجب حقا لله تعالى، قد أورده الجمهور حين استدلوا بما كان من أبي عبيدة بن الجراح، مع النصراني الذي استكره

стр. 590

مسلمة على الزنا، حين ضرب عنقه، ورد على كل ما يمكن أن يثار بقوله: "ما على هذا صالحناكم". ٤- الحرابة التي تقع بمشاركة الصبي أو المجنون: ذهب فقهاء الأحناف عدا أبي يوسف إلى أن الصبي، أو المجنون إذا شارك أحدهما غيره في جريمة قطع الطريق، فإن الحد يتدرئ عن الجميع، حتى ولو قام المكلفون بمباشرة القتل، أو أخذ المال ووفت الصي، أو المجنون ردءا لهم، ووجهة أبي حنيفة، ومن وافقه في القول بذلك، أن قطع الطريق جناية واحدة؛ لأن الموجود من الكل يسمى جناية قطع الطريق غير أنها لا تتحقق في الغالب إلا بجماعة، فكان الصادر من الكثير جناية واحدة، قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبًا للحد لشبهة أو عدم تكليف، لا يوجب في حق الباقين؛ لأن فعل الباقين حينئذ بعض العلة، وبعض العلة لا يثبت الحكم، وصار كالخاطئ مع العامة إذا اجتمعا في قتل معصوم الدم سقط القصاص عن العامة. وذهب أبو يوسف، وابن قدامة إلى أن الصبي، أو المجنون إذا وقعت درءا، ولم يباشر الفعل، وقام المكلفون بمباشرة جريمة الحرابة، وأخذ المال والقتل، أو هما معا ألزم هؤلاء المكلفون المباشرون للحرابة العقوبة المقررة لجريمتهم، ولم يلزم الشركاء الصبية، أو المجانين حد الجريمة، ولا يؤثر وجود الصبية، أو المجانين مع هؤلاء العقلاء الذين باشروا الجريمة: "أما إن قام الصبي أو المجنون بمباشرة الجريمة ووقف، الشركاء من العقلاء، رداءا لم يلزم هؤلاء الشركاء عقوبة الحرابة التي قام بها شركاؤهم من الصبية، أو المجانين؛ لأن المباشر الأصلي للجريمة غير مكلف، ولا يلزم بعقوبة جريمته، وعدم إلزام المباشر الأصلي عقوبة جريمته التي ارتكبها، ينهض شبهة في حق التبع له من

стр. 591

المكلفين، فيندرئ حد الجريمة عنهم، فالإمام أبو حنيفة، ومن وافقه يدرأ الحد عن العقلاء من الشركاء بصرف النظر عمن باشر فعل جريمة الحرابة الصبي، أو المجنون أو يأتي الشركاء، لشبهه عدم إيجاب الحد على بعض من شارك في الجريمة، أما أبو يوسف، فإنه فصل الأمر وفرق بين قيام الصبي، والمجنون بالجريمة والعقلاء ردءا، وبين العكس. فأسقط الحد عن العقلاء إذا كانوا ردءا؛ لأن عدم إيجابه على الفاعل الأصلي ينتج عنه عدم الإيجاب على التابع. أما إن قام العقلاء بالجريمة، وكان الصبي أو المجنون ردءا، فإن الحد إذا اندرأ عن الصبي، أو المجنون لأمر خاص بهما، فإن ذلك لا يؤثر بالنسبة لمن قام بالجريمة، ولم يتوفر فيه هذا الأمر١، وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب الحد على المكلف؛ لأن الحد وإن لم يلزم الصبي أو المجنون، فإن ذلك ناتج عن كونهما غير مكلفين، وتلزمهما عقوبة تعزيرية مع ضمان ما تلقوه من نفوس أو مال، ولا يشاركهما في عدم إلزام الحد غيرها؛ لأن الأمر بالنسبة لعدم التكليف خاص بهما، فلا يشاركهما فيها غيرهما، ولا يلزم عن ذلك شبهة في حق الباقين٢. وذهب فقهاء الشافعية إلى القول بوجوب الحد على من باشر القتل، أو أخذ المال، فأما من حضر ردءا لما أوعينا، فلا يلزمه الحد. واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق"، وقالوا بوجوب التعزير على من لم تجب عليه العقوبة الحدية؛ لأنه أعان على معصية.

стр. 592

وقالوا أيضًا: لا يجب الحد بالمستوى على الشركاء، وإنما يجب القتل على من قتل، والقطع على من أخذ المال؛ لأن واحد منهم انفرد بسبب حد، فاختص به١. وما ذهب إليه الجمهور من القول بوجوب حد الحرابة على العقلاء، ولو شاركهم صبي، أو مجنون فعلهم هو ما أميل إليه وأرجحه؛ لأن القول بدرء الحد عن العقلاء بمشاركة الصبي، أو المجنون أو بدرء الحد عن الردء إذا باشر الصبي، أو المجنون الحرابة أمر بفتح باب الجريمة على مصراعيه، ولن يعدم المحترفون صبيًا يشاركهم جريمتهم، أو يدربونه ويقفون له ردًا عينا، كما أن عموم الأدلة أولى بالاتباع من غيره، ما دام يحقق الإصلاح. ٥- حرابة القرابة المحرمية: ذهب فقهاء الأحناف إلى أن حد الحرابة لا يلزم ذا القرابة المحرمية، إذا قطع الطريق على من تربط به هذه القرابة، فإذا كان له شركاء في جريمة قطع الطريق، نتجت في حقهم شبهة بسبب سقوط حد الحرابة عنه، وترتب على هذه الشبهة إسقاط الحد عنهم أيضًا، يقول السرخسي: "وإن كان في المقطوع عليهم الطريق ذو رحم محرم من القطاع، أو شريك له مفاوض لم يلزمهم حكم القطع؛ لأنه امتنع وجوب القطع على ذي الرحم المحرم للشبهة، فيمتنع وجوبه عن الباقين للشركة.... ولأن مال جميع القافلة في حق قطاع الطريق، كشيء واحد، فإنهم قصدوا أخذ ذلك كله بفعل واحد، فإذا تمكنت الشبهة في بعض ذلك المال في حقهم، فقد تمكنت الشبهة في جميعه"٢.

стр. 593

وذهب فقهاء الشافعية، والحنابلة إلى القول بإسقاط حد الحرابة عن الأصول والفروع فقط، أما من شاركهم حرابتهم، فإنه عليه حدها الواجب بما قام به من أفعال. لأن إسقاط الحد من الأصول والفروع ناتج لما لهم في مال بعضهم من حقوق، ترتبت عليها شبهات أنتجت إسقاط الحد، أما غيرهم ممن شاركهم حرابتهم، فليست لهم هذه الحقوق، ولا شبهة لهم فيما أخذوه١. أما فقهاء المالكية، فقد قصروا إسقاط الحد عن الأب، أو الابن فقط إذا قام أحدهم بقطع الطريق على الآخر، وتوسع بعض فقهاء المالكية، فأسقط الحد عن الجد أيضًا نظرًا؛ لأنه يطلق عليه أب؛ ولأنه ممن تغلظ عليه الدية٢. أما ابن حزم، فإنه لم يسقط الحد بسبب القرابة المحرمية، وألزم كل من قام بالحرابة على قريبه المحرمي بالحد المقرر لذلك، حتى ولو كان أبا قطع الطريق على ابنه٣. وما ذهب إليه فقهاء الشافعية، والحنابلة هو ما أرجحه؛ لأن ما بين الأصول والفرع من قرابة، وعلاقة قد أوجدت لكل منهما حقا في مال صاحبه، كما أن في إلزام كل منهم الحد تسبب حرابته قريبة أصله، أو فرعه ما يورث العداوة والبغضاء بين الأب، وابنه أو الابن، وأبيه الذي أن حنق عليه ساعة بكاه باقي يومه، والعلاقة بينهما حض الشارع على رعايتها وحمايتها، ولا يتحقق ذلك بإلزام من قطع الطريق منهم على

стр. 594

أصله، أو فرعه حد قطع الطريق، ويكفي أن يلزم الأصل، أو الفرع برد المال والعقوبة التعزيرية المناسبة، فإن في ذلك ما يردعه ويزجره، ولا يأتي على ما بينه وبين أصله، وفرعه من علاقات. أما أن يسقط الحد عمن شارك الأصل، أو الفرع أو ذي الرحم المحرم حرابة، فهذا قول بعيد وشبهة لا نقوى على رد عموم الأدلة، كما أن قيام سبب في بعض الشركاء خاص به، لا يترتب عليه أن يتعداه إلى غيره. أما بالنسبة للمرأة إذا شاركت في قطع الطريق، فقد ذهب الكرخي إلى أنه لا حد على النساء بقطع الطريق، ووافقه أبو حنيفة، لكون المرأة ليست محاربة بأصل خلقتها، وزاد أبو حنيفة القول بإسقاط الحد عمن شاركها حرابتها من الرجال، مثلها في ذلك مثل الصبي والمجنون، وأبو يوسف يرى إيجاب الحد على شركائها من الرجال١، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرأة مثلها مثل الرجل في جريمة الحرابة، فيلزمها الحد كما يلزمه٢. أما إذا كانت زوجة المقطوع عليه، ففي ذلك التفضيل الذي مر في سرقتها من مال زوجها. وما ذهب إليه الجمهور أولى بالقبول، خصوصًا وأن جريمة الحرابة قد تقع في الأماكن الآهلة بالسكان، وقد تسهم المرأة وتقوم بدور رئيسي، ولدعوى بأن طبيعتها، أو أنها في أصل خلقها ليست بمحاربة يكذبه الواقع، فقد شاركت المرأة الجيوش المحاربة.

стр. 595

الفصل الثالث: جريمة شرب الخمر مدخل ... الفصل الثالث: جريمة شرب الخمر تقديم: المراد بالخمر: الخمر هي كل ما خمر العقل، والتخمير: التغطية والستر. يقال: خمر وجهة، وخمر إناءه أي غطاهما وسترهما، والمخامرة: المخالطة١، وعرفها الإمام أبو حنيفة بأنها اسم للنيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد، وقذف بالزبد ثم سكن عن الغليان، وصار صافيًا مسكرًا٢، وعرفها الصاحبان بأنها عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد -فقط- قذف بالزبد أو لم يقذف به، سكن عن الغليان أم لا؟ ٣. وعرفها جمهور الفقهاء بأنها كل شراب مسكر، دون النظر إلى

стр. 596

ما أخذ منه هذا الشراب، معتمدين في ذلك على ما روي من قول رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ١. ونتيجة لهذا فرق الإمام أبو حنيفة بين عقوبة الشرب، وعقوبة السكر، فمن شرب خمرًا لزمه الحد سكر أم لا، كثر ما شرب منها أم قل، أما من شرب شيئًا آخر غيرها مما يسكر، فلا حد عليه إلا إذا سكر، أما جمهور الفقهاء فقد قالوا بوجوب الحد على من شرب مسكرًا خمرًا كان، أو غيره كثر ما شربه أم قل، وقد نتج عن هذا كله شبهات تتصل بالركن الشرعي للجريمة، أوردها هي وغيرها مما يتصل بهذه الجريمة من شبهات.

стр. 597

المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي مدخل ... المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي كان اختلاف الفقهاء في تعريف الخمر، وتحديد ما يقصد بها سببًا للقول بتحريم شرب بعض الأنبذة عند جمهور الفقهاء، والقول بعدم تحريم قدر لا يصل بشاربه حد الإسكار عند فقهاء الأحناف. والفقهاء وإن اختلفوا في ذلك، إلا أنهم اتفقوا على أن السكر نتيجة شرب أي نوع، مما يسكر جريمة توجب العقوبة الحدية، إذا توافرت فيمن سكر شروط إلزامه الحد، كما اتفق الفقهاء، سواء أكان هذا القدر المشروب كثيرًا، أم قليلًا أسكر شاربه، أم لم يسكره. ولقد ترتب على ما قال به فقهاء الأحناف، وما ذهب إليه الجمهور قيام شبهة بالنسبة لمن شرب بعض الأنبذة، ولم تصل حد السكر. كما نشأت شبهة أخرى نتيجة اختلاف فقهاء الأحناف، على الحد الذي إذا وصل إليه الشارب يعد قد سكر، ويلزمه بذلك عقوبة شارب الخمر، وذلك نظرًا لعدم اتفاقهم على معيار محدد لسكر من شرب الأنبذة، التي لا يطلقون عليها خمرًا، وشبهة ثالثة لاختلاف الفقهاء في حكم وصول الخمر إلى الجوف من غير طريق الفم.

стр. 598

١- شرب قليل الأنبذة: ذهب فقهاء الأحناف إلى أن الشرب الموجب للحد هو شرب الخمر، وهي المتخذة من ماء العنب، أو نقيع البلح والزبيب بالصورة، التي سبق بيانها عند الامام، وعند صحابه. أما شرب غيرها من عصير العنب إذا طبخ، فذهب ثلثاه، ونقيع البلح والزبيب إذا طبخ ولم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة، والذرة، والشعير وما إلى ذلك من غير ما يسمى خمرًا عندهم، فلا يوجب -شربه- الحد، إلا إذا بلغ من شربه حد السكر، فإن لم يبلغ به حد السكر، فلا حد بشربه. واستدلوا لذلك بأدلة منها: ما جاء من قول الله : ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ١، قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه السكر هو المسكر، ولو كان محرم العين لما سماه الله تعالى رزقًا حسنًا، والسكر ما لا يسكر من الأنبذة، والدليل على ذلك أن الله امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ... وعضدوا هذا بما رواه أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة"، رواه الجماعة إلا البخاري٢. كما قالوا: "إن القرآن قد نص على أن علة التحريم في الخمر، إنما هي الصد عن ذكر الله، ووقوع العداوة والبغضاء، أخذ مما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٣، وهذه العملية توجد في القدر المسكر لا فيما دون ذلك، فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام. إلا ما انعقد الإجماع على تحريمه من كثير الخمر وقليلها٤.

стр. 599

وخلاصة القول أن الإمام أبا حنيفة، وأصحابه يفرقون بين ما يعد خمرًا، وبين ما يسكر مما لا يعد خمرًا عندهم، فما يسكر مما لا يعد خمرًا عندهم لا يعاقب على شربه، وإنما يعاقب على السكر منه؛ لأن المسكر هنا حرامًا في حد ذاته، وإنما الحرام هو الكمية التي أوصلت إلى السكر فيها، فلو شرب شخص مما يسكر غير الخمر قد حين مثلًا، ولم نسكر منهما، أم شرب قدحا ثالثًا، فالمحرم هو هذا القدح الثالث، ويلزمه عندئذ حد السكر. وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بتحريم جميع ما يسكر كثيره من الأنبذة وغيرها، ومساواة ذلك بالخمر المتخذة من عصير العنب، فلا عبرة بما أخذ منه المسكر، إذ يستوي في ذلك التحريم، وإيجاب الحد بشربه ما كان من ماء العنب، أو التمر أو غير ذلك من عسل، أو شعير أو حنطة وما إلى ذلك؛ لأن العبرة في التحريم هو الإسكار، فما دام شرب الكثير منه يؤدي إلى الإسكار، فشرب القليل منه حرام موجب للحد، حتى ولو لم يسكر شارب هذا القليل، فالحد عند جمهور الفقهاء هو حد الشرب لا حد الإسكار. واستدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا إليه بأدلة منها: أ- ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر" ١. ب- روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى- خطب على المنبر، وقال: "ألا إن الخمر قد حرمت، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير".

стр. 600

وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها: "لا أحل مسكرًا، وإن خبزا أو ماء"١. ج- روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن العنب -وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام"، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام"٢. د- روى ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ ، أنه قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ٣. هـ- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام" ٤. كما أن ما جاء به علماء اللغة يؤيد ما ذهب إليه الجمهور، إذ إن الخمر إنما سميت بذلك عندهم؛ لأنها تخامر العقل، وعليه فإن ما يخامر العقل، ويستره يسمى خمرًا: سواء كثر أو قل. ورد القرطبي على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وأصحابه من أن الله قد امتن على عباده، ولا يكون امتنانه إلا بما حل، يقوله: "إنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر"، أما ما ذكره
следующие страницы →