المصلحة مطلوب شرعا، وكل ما يؤدي إلى المضرة منهي عنه شرعا، وعكس ذلك ترك المصلحة منهي عنه شرعا؛ لأنه يصبح كإيقاع الضرر، فلو أن إنسانا رأى آخر يوشك على الغرق وكانت ظروفه تمكنه من إنقاذه -كما لو كان متعلما السباحة- دون خوف على حياته، فإن لم ينقذه كان آثما، والإثم له عقوبة أخروية يحاسبه الله تعالى عليها على قدر الدوافع والظروف التي ثبطت همته عن القيام بمثل هذا العمل لينقذ إنسانا من الموت أو من الوقوع في ضرر محقق أو غالب.
стр. 107
المبحث الثالث: آراء فقهاء القوانين في تحليل القتل العمد ورأي الفقه الإسلامي في هذه الآراء:
نعرض بإيجاز تعريف القتل عمدا عند فقهاء القانون، وأركان هذا النوع من القتل١، ونبين أثناء هذا العرض رأي الفقه الإسلامي على ضوء التحليل التفصيلي الذي أوردناه في المبحثين الأول والثاني من هذا الفصل.
تعريف القتل العمد عند فقهاء القانون:
لقد أغفل المشرع المصري تعريف القتل العمد؛ ولكنه نص على عقوبته فقال في المادة "٢٣٠" ع: "كل من قتل نفسا عمدا مع سبق الإصرار والترصد يعاقب بالإعدام"، وفعل مثل هذا المشرع العراقي مادة ٢١٢ ع: "كل من قتل نفسا قصدا مع سبق الإصرار على ذلك يعاقب بالإعدام ... "، والمشرعي الليبي مادة ٣٨٦ع: "كل من قتل نفسا عمدا مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقب بالإعدام"، والمشرع السوري في المادة ٣٥٣ع.
ولكن فقهاء القانون عرفوا القتل عمدا بأنه: "القتل المقترن بنية إعدام المجني عليه"، ثم بينوا أركان هذه الجريمة.
стр. 108
أركان القتل العمد:
جعل فقهاء القانون أركان جريمة العمد ثلاثة:
الأول: أن يكون المجني عليه إنسانا على قيد الحياة.
الثاني: أن يقع القتل بفعل من الجاني من شأنه إحداث الموت.
الثالث: أن يكون الجاني قد قصد إحداث الموت.
الركن الأول: أن يكون المجني عليه إنسانا على قيد الحياة.
وهذا أمر بدهي؛ لأنه لا يتصور القتل إلا إذا كان المجني عليه حيا عند ارتكاب جريمة القتل، فمن أطلق عيارًا ناريًّا على ميت بنية قتله لا يعد قاتلا ولا شارعا في قتله لاستحالة الجريمة.
وقد سبق أن أوضحنا رأي الفقه الإسلامي في ذلك١، وبهذا لا يخرج ما قرره فقهاء القانون عما قرره فقهاء الفقه الإسلامي.
الجناية على الجنين في بطن أمه:
إذا أعدم شخص جنينا في بطن أمه فإنه لا يعد قاتلا بالمعنى المقصود هنا؛ لأن قتله يكون جريمة قائمة بذاتها، وهي جريمة إسقاط الحمل، ويعاقب عليها القانون بعقاب آخر غير عقاب القتل العمد "م٢٦٠-٢٦٤ع".
وقد سبق أن بينا٢ أيضا أن الجناية على الجنين في الفقه الإسلامي لها عقوبة خاصة غير عقوبة القتل عمدا عند جمهور الفقهاء، وهذا يدل على أن الجناية عليه تختلف عن الجناية على إنسان مولود موجود على ظهر الأرض حيا.
стр. 109
كما نص شراح القانون على أنه "يعد الاعتداء على الحياة قتلا معاقبا عليه بالمادة ٢٣٠ع. م مهما كانت جنسية المجني عليه، أو نوعه أو سنه أو حالته الصحية، فلا يقبل من الجاني الاعتذار بأن المجني عليه كان مصابا بمرض قاتل في ذاته، ولا بأنه كان محكوما عليه بالإعدام، ويعد الطبيب قاتلا إذا أعطى مريضه جرعة من السم ليعجل بموته، ويخلصه من أسقام وأوجاع كانت ستؤدي به إلى الوفاة حتما"١.
والفقه الإسلامي يوافق على ذلك في جملته، غير أنه بالنسبة لبعض الأشخاص ذوي الجرائم الخطرة على المجتمع الإسلامي لا يعتبر الفقهاء الجناية عليهم موجبة للقصاص؛ لأن دمهم مستحق، وحياتهم مهدرة، وهؤلاء هم:
الحربيون، وهم الكفار المحاربون لدار الإسلام، والبغاة، وهم الخارجون على طاعة الإمام، والزاني المحصن، والمرتد عن دينه.
وقد سبق أن أوضحنا أن دماء هؤلاء غير معصومة، وبينا النصوص التي أباحت دمهم؛ حماية للدولة من عبث العابثين وإفساد المفسدين، إلا أن الذي له حق الاستيفاء هو الإمام، فإن قتل شخص واحدا من هؤلاء عزر لافتياته على الإمام، وتجاوزه الحد، كما بينا.
أما من استحق القصاص فإن دمه مباح في حق ولي الدم فقط، أما في حق غيره فهو معصوم الدم، فإن قتله شخص غير ولي الدم اقتص منه، وقد بينا هذا آنفا٢.
وإن قتله ولي الدم عزر لافتياته على حق الإمام في الاستيفاء.
стр. 110
الركن الثاني: فعل القتل:
الجريمة تستدعي وجود فعل من الجاني من شأنه إحداث الموت، ولا يهم بعد هذا نوع الوسيلة التي استخدمها الجاني لإحداث الموت، كما لا يشترط أن يكون القتل حاصلا بيد الجاني مباشرة، كما لو ضربه بسلاح أو بجسم ثقيل، أو بضربة في مقتل، أو بالخنق، بل يكفي أن يكون الجاني قد أعد وسائل الموت وهيأ أسبابه، حتى ولو بقي الموت بعد ذلك معلقا على حكم الظروف، فيعد قاتلا من يضع للمجني عليه في طعامه مواد قاتلة، ومن يسلط على المجني عليه تيارا من غاز الكربون، ومن يحفر لآخر حفرة في طريقه، ومن يقطع جسرا يعلم أن المجني عليه سيعبره، ومن يرمي غيره في البحر، قاصدا بكل ذلك قتله إذا وقع الموت فعلا١.
وإنما يشترط فقط أن يكون الفعل في ذاته من شأنه إحداث الموت، وأن يكون بين الفعل والموت الحادث رابطة السببية، فإذا لم يكن من شأن الفعل إحداث الموت كان فعل الجاني من قبيل الجرائم المستحيلة ولا عقاب عليه، بل ولا محل لاعتباره شروعا في قتل؛ لأن الشروع لا يعاقب عليه "على الأقل عند أصحاب نظرية الجريمة المستحيلة" إلا إذا كان الفعل من شأنه إحداث الجريمة المقصودة إذا تم التنفيذ، فالذي يصوب سلاحا ناريا فارغا لا يمكن أن يرتكب جريمة القتل، ولا يعاقب على فعله باعتباره شروعا، كذلك لا يعد قاتلا من يستخدم السحر والتعازيم بنية إحداث القتل؛ لأن هذه الوسائل ليس من شأنها في نظر العلم أن تؤدي إلى الموت، ولو مات المجني عليه عقب ذلك مصادفة واتفاقا، بل ولا يعد الجاني في هذه الحالة شارعا في قتل؛ وذلك لأن الجريمة تكون تصورية أو وهمية (Put Atif) لا وجود لها إلا في مخيلة مرتكبها دون أن يحس من عداه بعنصرها المادي المكون لها، والذي لا خطر منه على المجني عليه ولا ضرر.
стр. 111
وتحديد رابطة السببية التي يشترط وجودها بين فعل الجاني وحادث القتل اختلف فيه شراح القانون في فرنسا وإنجلترا وألمانيا ومصر ... ، والرأي السائد في مصر وفي فرنسا يميل إلى مساءلة الجاني على نتائج فعله ولو كانت غير مباشرة، وما دامت تلتئم والسير العادي للأمور، وبعبارة أخرى: أنه إذا تداخلت عوامل أجنبية عن فعل الجاني في تحقيق النتيجة التي يعاقب عليها القانون؛ فإنها لا تنقطع علاقة السببية بين فعله والنتيجة إلا إذا كانت شاذة غير متوقعة، ولا تلتئم مع السير العادي لها.
ومن أمثلة العوامل المألوفة التي لا تقطع علاقة السببية مرض المجني عليه أو شيخوخته إو إهماله في العلاج إهمالا عاديا، أو خطأ الجراح خطأ عاديا فيه، ومن أمثلة العوامل الشاذة التي تقطع -على العكس مما تقدم- رابطة السببية بين فعل الجاني ووفاة المجني عليه: إهمال المجني عليه إهمالا فاحشا في حق نفسه، أو امتناعه عن العلاج دون عذر مقبول، أو عدم امتثاله لأمر الطبيب بملازمة الفراش، أو خطأ الجراح خطأ جسيما في معالجته أو وفاته من اصطدام عربة الإسعاف أثناء نقلها إياه، أو من شبوب حريق بالمستشفى الذي نقل إليه، أو من إصابته بمرض معد، أو من اعتداء لاحق عليه غير الاعتداء الأول١.
موقف الفقه الإسلامي مما قرره شراح القانون:
لقد أوضحنا فيما تقدم٢ أن الفقهاء يقسمون فعل القتل باعتبار تأثيره تأثيرا مباشرا في إحداث النتيجة أو تأثيره بواسطة إلى قسمين: القتل مباشرة والقتل بسبب، وبينا آراءهم في كل قسم منهما وفي الوسائل المستخدمة، ورجحنا أن كلا منهما مساوٍ للآخرة في الحكم كما هو رأي جمهور الفقهاء.
стр. 112
ويمكننا بالمقارنة بين الفقهين أن نقول: إن شراح القانون لم يخرجوا عما نص عليه فقهاء الفقه الإسلامي، فقد قرروا:
١- أن القتل مباشرة كالقتل بسبب، كل منهما يعتبر قتلا عمدا إذا توافرت في الجريمة الأركان الأخرى، ذلك ما قرره شراح القانون.
٢- أن الوسائل المستخدمة في القتل كلها متساوية ما دامت تقتل عادة، وهذا ما قاله شراح القانون.
٣- أنه لا بد من قيام رابطة السببية بين الفعل والنتيجة، فأما إن كان القتل مباشرة، فقد صرح الفقهاء جميعا بأنه لا بد من اتصال الفعل بالنتيجة -وهي الموت- ولا عبرة في هذه الحالة بطول المدة أو قصرها ما دام تأثير الفعل مستمرا لم ينقطع ببرء أو بفعل آخر يجعل بالنتيجة، فإذا جرحه جرحا فاستمر زمانا ومتألما منه مدة -طالت أم قصرت- حتى مات، كان قاتلا عمدا إذ لم تحدث له علة أخرى غير الجرح؛ لأن العمد لا يختلف مع اتحاد الآلة والفعل بسرعة الإفضاء إلى النتيجة أو إبطائه، ولأن في البدن مقاتل خفية، وهذا له سراية فأشبه الجرح الكبير١، وكذلك لا عبرة بجسامة الفعل أو ضآلته ما دام مثله يقتل هذا الشخص الذي وقع عليه الفعل عادة، فلو ضرب إنسان ضعيفا بيده فقتله، وكانت هذه الضربة لا تقتل الصحيح كان قتلا عمدا، كما نقلنا آنفا عن الشافعية والحنابلة والإمامية٢، بل إن الحنابلة صرحوا بعدم سماع دعوى الجاني أنه كان لا يعلم أن هنا الشخص مريض.
стр. 113
أما إن كان القتل بسبب فقد بينا أن الفقهاء قد اشترطوا ألا يفصل بين الفعل والنتيجة سبب آخر يصح إضافة الحكم إليه؛ كي يكون القتل عمدا موجبا للقصاص، وقد وضحنا بالأمثلة الأفعال التي يمكن أن تقطع الرابطة بين الفعل والنتيجة، والتي لا تقطع١.
وهذا ما نص عليه شراح القانون.
٤- أن يكون الفعل من الأفعال التي تقتل عادة، وقد وضح الفقهاء أنه إذا لم يكن الفعل مما يقتل غالبا وعادة فإنه لا يكون عمدا، وإنما يكون شبه عمد إن كان مما يقتل نادرًا، ومصادفة قدر إن كان لا يعقل كونه قاتلا لا غالبا ولا نادرًا، كما لو ضربه بشيء صغير جدا كالضرب بالقلم أو الإصبع في غير مقتل ونحوه، أو مسه بشيء كبير -مما يقتل غالبا- مسا، ولم يضربه به٢.
وما قرره الفقهاء في هذا الشأن لم يخرج عنه شراح القانون إلا في اعتبار السحر عند بعض الفقهاء من الأفعال التي تؤثر في إحداث القتل كما صرح الشافعي والحنابلة فيما تقدم٣، ومسألة السحر للعلماء فيها رأيان٤:
стр. 114
رأي يرى أن له تأثيرا ماديا، ورأي آخر لا يرى السحر إلا خداعا وتمويها وليست له حقيقة، وعلى الرأي الأول إذا تعمد الساحر قتل شخص بسحره، فقد قيل: يقتل حدا؛ لأنه مفسد في الأرض، وقيل: يقتل قصاصا١.
ولكن علينا أن نتساءل بعد ذلك: لو أن شخصا ممن يدعون السحر أثر في إنسان ضعيف الإرادة وهيأ له من الأمور، وجسم له من الخيالات ما يفزعه ويقلقه ويجعله في حالة ذعر دائم حتى قضى عليه، ألا يكون مثل هذا العمل مسئولا عنه صاحبه مسئولية تستوجب معاقبته؟ لا شك أنه مسئول، وما الفرق بين هذا وبين ما نص عليه شراح القانون -أثناء عرضهم لبعض وسائل القتل- أنه يعتبر قاتلا عمدا إذا ألقى نبأ مؤلما بغتة على شيخ مريض بقصد قتله٢، أو وضع طفلا صغيرا في حالة ذعر للقضاء عليه؟ لافرق بينهما؛ لأن حالة المجني عليه في كل هذه الصور تسمح بتأثير هذا العمل فيه تأثيرا يحدث هلاكه، إلا أنه يلزمنا أن نثبت العمل المادي الذي قام به الجاني إزاء المجني عليه، وما إذا كان هذا العمل مما يقتل مثل هذا الشخص غالبا، كما إذا كان مريضا بمرض لا يحتمل معه القلق والاضطراب النفسي الذي أحاطه به هذا الساحر! فإذا ثبت هذا كان مسئولا عن عمله مسئولية تستوجب عقابه.
стр. 115
القتل بالترك:
يختلف شراح القانون في الجريمة التي ترتكب بالترك أو بالامتناع عن القيام بعمل، كما لو امتنعت الأم عمدا عن إرضاع طفلها قاصدة قتله:
الرأي الأول: يذهب فريق من شراح القانون إلى عدم إمكان ارتكاب الجرائم بالترك؛ وذلك لأن الترك عدم، والعدم لا ينشئ إلا العدم، فلا يكن أن يبنى موجود على معدوم، أي أنه لا يمكن أن يكون العدم سببا لنتيجة إيجابية، فالمسئولية والعقاب لا محل لهما في هذه الحالة لانعدام رابطة السببية بين الترك والجريمة الواقعية.
مقارنة هذا الرأي بالفقه الإسلامي:
هذا الرأي يكاد يقترب من رأي الإمام أبي حنيفة في الجريمة بالترك -كما سبق أن أوضحنا١- من حيث إسقاط عقوبة القتل العمد، وهي القصاص فقط؛ لأن القتل تم بسبب آخر غير الترك، فلا يكون الترك قتلا عمدا، ولكن الإمام يجعل العقوبة في مثل ذلك هي التعزير -وهي عقوبة يقدرها القاضي المجتهد بما يناسب الجرم والمرتكب- فضلا عن أنه آثم وله عقابه الأخروي، ومن هنا يفترق هذا الرأي عن رأي الإمام.
والرأي الثاني: يرى شراح القوانين في إنجلترا وألمانيا والكثيرون في فرنسا وبلجيكا أن القتل بالامتناع يعاقب عليه كالقتل بفعل إيجابي سواء بسواء؛ وذلك لأن الترك نفسه يصلح سببا للجريمة؛ لأن الفعل والترك كلاهما من صور الإرادة الإنسانية العاملة، غير أنهم يشترطون لمساءلة الجاني
стр. 116
في هذه الحالة أن يكون على الممتنع التزام قانوني أو تعاقدي بالتدخل لإنقاذ المجني عليه، أي أنه يجب أن يكون مكلفا بالعمل بادئ ذي بدء، وأن يكون ما يقع منه من الامتناع أو الترك مخالفا لواجب يقضي به القانون أو اتفاق خاص، فالذي يحبس شخصا بغير حق ويمنع عنه الطعام والشراب قاصدا قتله يعاقب على القتل إذا مات السجين جوعا، وكذلك الأم التي تمتنع عمدا عن تغذية ابنها إلى أن يموت جوعا تعد قاتلة وتعاقب بعقوبة القتل عمدا، والممرضة التي تمتنع عمدا عن العناية بمريضها إلى أن يموت تعتبر قاتلة عمدا، وهكذا.
فالقاتل بالامتناع يعد قاتلا عمدا طالما توافر لديه تصد القتل، ويعد قاتلا بإهمال إذا انتفى ذلك القصد.
أما إذا كان التارك أو الممتنع غير مكلف بالعمل قانونا أو بمقتضى اتفاق، ولا سيما إذا كان العمل يقتضي تضحية أو بذلا من جانب الممتنع، فإنه لا يكون في مثل هذه الحالة محلا للمسئولية والعقاب؛ كالشخص الذي يرى غريقا مشرفا على الهلاك، أو إنسانا تحيط به النار، أو إنسانا مشرفا على الموت جوعا، ولم يتقدم لمعونته، لا يصح اعتباره قاتلا ولو أراد حدوث ذلك؛ لأن القانون لا يمكن أن يفرض على الناس الشجاعة أو الإحسان.
كذلك يكون يكون الحكم ولو لم يقتض العمل تضحية ولا بذلا، كمن يرى منزل جاره يحترق ولا يناوله سلما ليهبط عليه إلى الأرض، ولا يعد قاتلا، ولا يعاقب ولو كان راغبا في احتراق جاره لعداوة بينهما.
وقد رجح الأستاذ أحمد أمين -ومعه كثير من شراح القانون في مصر- هذا الاتجاه غير أنه قيده بشرط أن يكون الشخص الذي وقع منه الامتناع أو الترك هو المحدث الأول لأسباب القتل، أي أن يكون الأمر الذي تسبب
стр. 117
عنه الموت منسوبا إليه وصادرا عن إرادته، أما إذا كان غير صادر عن إرادته، وكل ما ينسب إليه هو امتناعه عن تدارك أمر أو حالة لم يكن له دخل في حلولها فلا محل للمساءلة والعقاب، فالخفير الذي يمتنع عن مساعدة شخص يقتله لصوص على مرأى منه لا يعاقب ولو كان مريدا للنتيجة؛ لكن الواجب معاقبة عامل الإشارات "المحولجي" الذي يمتنع عمدا عن تحويل خط السكة الحديدية قاصدا بذلك إحداث الموت، فينشأ عن امتناعه تصادم يؤدي بحياة المسافرين١.
مقارنة هذا الرأي بالفقه الإسلامي:
لقد سبق أن أوضحنا تفصيلا رأي جمهور الفقهاء في الجريمة بالترك، وبينا مساواتها للجريمة بعمل إيجابي في العقوبة، وبينا الحكم إذا كان الترك يمثل امتناعا عن الوفاء بحق أوجبه الشرع أو أوجبه العقد، أو تقضي به المروءة، كما بينا الفرق بين نظرة الشريعة ونظرة القوانين، فيرجع إليه٢.
الركن الثالث: القصد الجنائي؛ وهو وجود نية القتل عند الجاني:
يجعل شراح القانون في مصر من أركان الجريمة عمدا نية القتل عند الجاني؛ إذ إنه بدون هذه النية يختلط القتل العمد مع الضرب المفضي إلى الموت، أو الشروع فيه مع الضرب المفضي إلى عاهة مستديمة، ويكون القصد الجنائي متوافرا ما دام للفاعل قد ارتكب الفعل بنية إحداث الموت لغيره عالما بأن هذا الفعل مميت.
ويستوي في هذا كون القصد محددا، كما لو نوى إزهاق روح شخص
стр. 118
معين بالذات، أو غير محدد؛ كإرهابي يلقي قنبلة على قطار قاصدًا قتل من يقتل من راكبيه، أو كون الفعل قد حدث بينة الإضرار به، أو يقصد إراحة القتيل من آلامه، ففي الحالتين يكون القتل عمدا، ولو وقع برضا المجني عليه.
ولا عبرة بالباعث على الجناية، وهو المصلحة التي يبغي الجاني تحقيقها من وراء جنايته، أو الشعور الذي يدفعه إليه؛ إذ يستوي في هذا أن يكون الباعث راقيًا كقتل المجني عليه إنقاذا له من داء قتال، أو كان خبيثا كالطمع في ماله أو الثأر منه، ففي الحالتين يكون القتل عمدا غير أن أثر الباعث إنما يظهر في كونه داعيا من دواعي تخفيف العقوبة أو تشديدها حسب حقيقة هذا الباعث.
إثبات قصد القتل عند شراح القانون:
يقول شراح القانون: إن قصد القتل حالة ذهنية لا تثبت عادة بشهادة الشهود، وإنما تستنتج من القرائن، وبخاصة من الوسيلة المستعملة وكيفية استعمالها ومكان إصابة المجني عليه، وظروف الاعتداء ونفسية الجاني وعلاقته بالمجني عليه ونوع الباعث، إلى غير ذلك من الاعتبارات التي يخضع تقديرها لسلطة قاضي الموضوع، وله فيها القول الفصل دون رفض من محكمة النقض إلا في الحدود العامة التي تراقب فيها المسائل الموضوعية، ومن أحكام القضاء في صدد استنتاج قصد القتل: أن استعمال أداة قاتلة ليس بشرط، فقد يثبت قصد القتل رغم استعمال أداة غير قاتلة بطبيعتها كعصا مثلا، إذا استعملت بطريقة تقطع بوجوده كما إذا كرر الجاني الضربات على الرأس حتى تهشمت.
وقد يستفاد قصد القتل لدى الجاني، ولو لم يستعمل سلاحا ما، إذا
стр. 119
ارتكب القتل بطريق الخنق أو الضغط باليد أو الرجل على جسم المجني عليه، ولا يشترط أن تكون الإصابة في مقتل ما دام من الثابت أن الوفاة ترجع إلى الإصابات التي أحدثها الجاني متعمدا١.
مقارنة هذا الرأي بما يراه الفقه الإسلامي:
إذا تتبعنا آراء فقهاء الفقه الإسلامي في كون القصد الجنائي "وهو وجود نية القتل عند الجاني" ركنا من أركان القتل عمدا، نجد أنهم يفرقون بين أمرين رئيسين: أن يقصد وقوع الضرر بالمجني عليه ظلما وعدوانا، أو يقصد التأديب أو اللعب، وفي كل إما أن يستعمل آلة تؤدي إلى القتل غالبا، أو نادرا، ونوضح آراء الفقهاء في كل حالة:
قصد الضرر بآلة تقتل غالبا:
إذا قصد الجاني إيقاع الضرر بالمجني عليه بآلة تقتل غالبا، فإن للفقهاء رأيين في اشتراط قصد القتل:
الرأي الأول: هو رأي جمهور الفقهاء٢ أنه لا يشترط عند استعمال آلة تقتل قطعا أو غالبا وجود نية القتل لكي يكون القتل عمدا، بل يكفي فقط مع هذا وجود قصد الضرب عدوانا، سواء قصد القتل أم لم يقصده.
стр. 120
ولا يحتاج إثبات الجريمة عمدا في هذه الحالة إلى البحث عن نية القاتل، هل قصد القتل أم لم يقصده؟ لأن قصد الضرب بآلة كهذه يكون دليلا واضحا وظاهرا على قصد القتل، ومثل هذا الدليل يغنينا عن البحث عن نيته؛ لأنها أمر باطني يصعب الوصول إليه، وإذا كان كذلك كانت القرينة الظاهرة والواضحة -وهي استعمال آلة تقتل قطعا أو غالبا- كافية في إثبات القتل عمدا.
وهذا يقربنا من القول بأن الفقه الإسلامي يرى أنه ما دامت النتيجة "وهي القتل" غالبة الوقوع بقرينة استعمال الآلة التي تقتل غالبا، فحينئذ يكون الجاني قاتلا عمدا، ولا يقبل منه الاعتذار بأنه لم يكن يريد القتل أولم يكن يتوقعه؛ لأنه يكون من واجبه حينئذ أن يتوقع هذه النتيجة، فإذا قصر في ذلك، فلا يمنع تقصيره من تحمله النتيجة التي وقعت كما لو كان قد أرادها فعلا.
وهذا ما فسر به شراح القانون نظرية القصد الاحتمالي.
وهذا الرأي وإن كان لا يشترط مع وجود الآلة القاتلة عادة التعرف على وجود قصد القتل، وإنما يكتفى بوجود قصد الضرر بالمجني عليه، فإنه بذلك يضع حدا للجرائم التي ترتكب بمثل هذه الآلات؛ لأنها لا يقصد بها عادة غير إيقاع الموت بالشخص، ومن هنا اكتفى الفقهاء بالنظر إلى حقيقة الآلة المستعملة في القتل دون التصريح باشتراط القتل؛ إذ إن نوع الآلة المستخدمة كشف عن قصده وإرادته.
والقول بهذا ليس تسرعا في سفك دم آخر، ولكنه حماية لأرواح كثيرة قد تزهق بمثل هذه الآلات مع ادعاء عدم قصد القتل، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فإن الحياة ستكتب لكثيرين
стр. 121
من أفراد المجتمع بنبذ مثل هذه الجرائم التي تتم بآلات قاتلة غالبا، والبعد عنها خوفا من عقوبة القصاص، ويقرب من هذا الرأي القانون الإنجليزي؛ لأن هذا القانون يأخذ بنظرية القصد الاحتمالي ولا يشترط في القتل العمد "MuRpeR" توفر إرادة القتل عند القاتل؛ بل يعتبر محدث القتل قاتلا عمدا متى كان يعلم، أو كان في استطاعته أن يعلم أن فعله يمكن أن يترتب عليه الموت، بغض النظر عما إذا كان قد أراد هذه النتيجة أو لم يردها في الواقع.
وبهذا الرأي أخذ قانون العقوبات السوداني إذا جاء بالمادة "٢٢٧" منه ما يأتي: "القتل الجنائي يكون قتلا عمدا إذا حصل الفعل الذي تسبب عنه الموت بقصد تسبب الموت، أو إذا علم فاعل الفعل، أو كان له داع أن يعلم أن الموت ربما يكون النتيجة المحتملة للفعل، أو لأي ضرر جسدي كان القصد أن يسببه الفعل"١.
الرأي الثاني:
"وهو رأي الكاساني من الحنفية، والماوردي من الشافعية، وأبي يعلى من الحنابلة" يرى أنه لا بد أن يكون الجاني قد قصد القتل بما يقتل غالبا حتى يكون القتل عمدا، فإن لم يقصد القتل لا تكون الجريمة عمدا.
وهذا الرأي أخذ به شراح القانون في مصر؛ حيث قالوا بضرورة وجود نية القتل عند الجاني، فإذا لم توجد هذه النية، لا يكون القتل عمدا، وإنما يكون القتل شبه عمد، أو ضربا أفضى إلى
стр. 122
الموت عند شراح القانون، وإن كان القانون يأخذ في بعض الجرائم بالنظرية الأولى؛ ولكن هذا على سبيل الاستثناء وبنص صريح.
قصد الضرر بآلة تؤدي إلى القتل نادرًا:
أما إذا استعمل الجاني آلة لا تؤدي إلى القتل عادة كعصا صغيرة أو حجر صغير، فإن القرينة الظاهرة والواضحة وضوحا تاما أنه لم يكن يريد القتل؛ لأن مثل هذه الآلة لا تستعمل عادة لإحداث القتل، فالقرينة الظاهرة التي تثبت وجود نية القتل غير متوفرة.
ولذلك اختلف الفقهاء في تكييف الجناية التي تتم بمثل هذه الآلة هل هي عمد أو شبه عمد؟ وإذا كانت عمدا فهل يشترط فيها وجود قصد القتل أم لا؟ إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: "هو رأي المالكية والظاهرية والإباضية" أن القتل بمثل هذه الآلة يكون عمدا إذا قصد ضربه عدوانا، سواء قصد القتل أو لم يقصده، فلا يشترطون قصد القتل لكي تكون الجريمة عمدا، سواء كانت الآلة مما يقتل غالبا أو نادرًا.
ولعل هذا الرأي مبني على سد الذارئع؛ حتى لا ينتشر بين الناس الاعتداء والقتل بمثل هذه الأفعال التي لا تؤدي إلى القتل إلا نادرًا، ما دام الجاني سيفلت من القصاص إذا قتل بمثل ذلك.
الرأي الثاني: "وهو رأي الزيدية والإمامية" أنه إذا قتل الجاني المجني عليه بآلة تقتل مثله نادرًا، فإنه لا يكون القتل عمدا إلا إذا اقترن ذلك بقصد القتل.
стр. 123
وذلك لأن هذه الآلة نادرا ما تقتل المجني عليه، فإذا ترتب عليها القتل كان لا بد من توافر دليل آخر يفيد أنه قصد القتل بها؛ لأن مثلها يتقاصر عن إثبات القتل عمدا.
الرأي الثالث: "وهو الحنفية والشافعية والحنابلة" يرى هؤلاء الفقهاء أن الجاني إذا ارتكب بمثل هذه الآلة جنايته تكون شبه عمد، ولا عبرة بقصد القتل أو عدمه؛ لأن هذه الآلة نادرا ما تؤدي إلى القتل، وبمثلها يتقاصر معنى العمدية ولا يتكامل، ومن ثم تكون الجناية شبه عمد، وأيضا فإن استعمال مثل هذه الآلة يورث شبهة في إثبات قصد القتل والحدود تدرأ بالشبهات، والقصاص كذلك.
غير أنه إذا اقترن استعمال هذه الآلة ظروف آخرى جعلتها تكشف عن قصد الجاني قتل المجني عليه، فإن الجناية تكون في هذه الحالة عمدا.
ومن هذه الظروف ما لو كرر الضرب بالعصا الصغيرة، أو وضعها في مقتل كعين أو أذن أو فرج، وبشرط ألا يشتد الألم منها ويبقى إلى الموت، وألا يجرحه بها ثم يسري الجرح حتى الموت.
وكذا يعتبر عمدا إذا كان المجني عليه مريضا أو صغيرا لا يحتمل مثل هذه الآلة، أو كان الجو حارا أو باردا مما يعين على الهلاك بمثلها -كما سبق أن أوضحنا هذا تفصيلا١- وبهذا يتقارب الرأي الثاني والثالث؛ لأن توافر قصد القتل غالبا ما يكون بمثل هذه القرائن التي ذكرت.
стр. 124
قصد التأديب بآلة تقتل غالبا أو نادرا:
سبق أن بينا آراء الفقهاء تفصيلا في التأديب الذي يؤدي إلى القتل١، وقلنا: إنه إن تم بآلة تستخدم عادة في التأديب كان القتل شبه عمد عند جمهور الفقهاء، بشرط ألا يتجاوز حدود المألوف في التأديب، أما إذا تجاوز ذلك كما لو كرر الضربات، أو وضع هذه الآلة في مقتل، فإن القتل حينئذ يكون عمدا، وإن تم التأديب بآلة تقتل قطعا أو غالبا كان قتلا عمدا؛ لأن استعمال هذه الآلة قرينة ظاهرة على إرادته القتل تنفي الادعاء بأنه لم يرد القتل. وسبق أن ذكرنا أن رأيا في الفقه الإسلامي يشترط مع استعمال الآلة القاتلة قطعا أو غالبا توافر قصد القتل٢.
الحيدة في الهدف والخطأ في الشخصية:
والحيدة في الهدف يفسرها شراح القانون بأن يعمد الجاني إلى قتل زيد من الناس، فيخطئه ويصيب بكرا الذي يقف إلى جواره.
وأما الخطأ في شخصية المجني عليه، فهو أن يعمد الجاني إلى قتل زيد فيخطئ في شخصيته ويصيب بكرا باعتبار أنه هو المقصود بالقتل؛ نظرا إلى حالة الظلام أو للتشابه بينهما.
والصورة الأولى تفترض وجود شخصين أمام الجاني، وأما الثانية فتفترض وجود شخص واحد فقط.
وإجماع الفقه والقضاء٣ على أن الحيدة عن الهدف والخطأ في
стр. 125
الشخصية أمران لا تأثير لهما على مسئولية الجاني بوصفه قاتلا للشخص الذي أصابه الفعل إذا مات، أو شارعا في قتله إذا نجا من الموت؛ وذلك لأن هذا الخطأ في صورتيه لا ينفي توافر جميع أركان القتل العمد: من فعل ومحل وقصد جنائي، ولا أهمية بعد ذلك في نظر القانون لأن يكون القتيل يدعى بكرا من الناس أو زيدا، ودون حاجة إلا الاستعانة بنظرية القصد الاحتمالي.
مقارنة هذا الرأي بما يراه الفقه الإسلامي:
وقد بينا في البند "ثالثا"١ من أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي أن من أركان هذه الجريمة أن يقصد إنسانا معينا، وهو رأي جمهور الفقهاء، خلافا للمالكية في القتل مباشرة، وبعض الشافعية وبعض الحنابلة، الذين يرون أنها تكون عمدا؛ لأن الشخص الجاني قد قصد قتل آدمي معصوم الدم، ولا يهم بعد هذا أن يكون المراد بالحنابلة عمرا؛ ولكنه أخطأ وأصاب خالدا، سواء كان هذه لظلام لم يتبين منه المراد قتله أو لخطأ في التوجيه.
ويجب أن يكون في اعتبارنا أن الفقه الإسلامي حين يقضي بأن هذه الجريمة يست عمدا، فإن معنى هذا سقوط القصاص؛ ولكن تجب الدية في القتل شبه العمد والخطأ، وكذلك الكفارة كما سيأتي إيضاحه تفصيلا فيما بعد، فضلا عن العقاب الأخروي والتعزير.
стр. 126
الباعث على الجناية:
أما الباعث على الجناية هو المصلحة التي يبغي الجاني تحقيقها من وراء جنايته، أو الشعور الذي يدفعه إليها، فإنا نبين هنا مرتبة الباعث في العملية الإرادية التي تبدأ بالعلم وتنتهي بالعمل، ثم أثر هذا الباعث على الأعمال جميعها من طاعات، أو مباحات، أو معاص، وأخيرًا نبين أثر الباعث على العقوبات.
أ- مرتبة الباعث في العملية الإرادية:
وأقصد بالعملية الإرادية الحالة العقلية أو القلبية السابقة والمصاحبة للتعبير عن إرادة الإنسان بأي مظهر من مظاهر هذا التعبير: قول أو فعل، حركة أو سكون، فالعملية الإرادية عملية باطنية لا تنكشف حقيقتها إلا إذا تجسمت في صورة محسوسة ملموسة، ولا تناط الأحكام الشرعية إلا بالأمور الظاهرة المنضبطة، ومن ثم لم يعاقب من هم بسيئة ولم يفعلها، بل كتبت له حسنة؛ جزاء نزوعه عن الشر وعدم إقدامه عليه.
والنية والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحد، وهو حالة وصفة للقلب، يكتنفها أمران: علم وعمل، العلم يقدمه؛ لأنه أصله وشرطه، والعمل يتبعه؛ لأنه ثمرته وفرعه؛ وذلك لأن كل عمل -أعني كل حركة وسكون- اختياري، فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة؛ لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد وأن يعلم، ولا يعمل ما لم يرد، فلا بد من إرادة، ومعنى الإرادة: انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في المآل، فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور، ويلائم غرضه، ويخالفه بعض الأمور، فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه، ودفع الضار المنافي عن نفسه، فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك
стр. 127
الشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا ويهرب هذا ... فخلق الله الهداية والمعرفة وجعل لها أسبابا، وهي الحواس الظاهرة والباطنة.
فلو أبصر الإنسان الغذاء، وعرف أنه موافق له، فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل ورغبة فيه، وشهوة له، باعثة عليه؛ إذ المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق، ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل، ولفقد المداعية المحركة إليه فخلق الله تعالى الميل والرغبة والإرادة -وأعني به نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه- ثم ذلك لا يكفيه، فكم من مشاهد طعاما راغب فيه مريد تناوله عاجز عنه لكونه زمنا عاجزا، فخلقت له القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول، لا يتحرك إلا بالقدرة، والقدرة تنتظر الداعية الباعثة، والداعية تنتظر العلم والمعرفة، أو الظن والاعتقاد، وهو أن يقوي في نفسه كون الشيء موافقا له، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد وأن يفعل، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت الإرادة وتحقق الميل، فإذا انبعثت الإرادة وانتهضت القدرة لتحريك الأعضاء، فالقدرة خادمة الإرادة، والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة.
فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة، وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض، إما في الحال وإما في المال.
فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب، وهو الباعث، والغرض الباعث هو المقصد المنوي، والانبعاث هو القصد والنية، وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل، أو بعبارة أخرى: الباعث هو الغرض المطلوب تحقيقه أو المقصد المنوي، والانبعاث هو القصد والنية بعد جزم المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد وأن يفعل، والعمل وهو انتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء، والعمل يقترن به الحساب.
стр. 128
ب- أقسام الأعمال وأثر النية فيها:
إن الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر، وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه، فهي ثلاثة أقسام: طاعات ومعاص ومباحات؛ أما القسم الأول وهو المعاصي: وهي لا تتغير عن موضعها بالنية، فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات"، فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره، أو يطعم فقيرا من مال غيره، أو يبني مدرسة أو مسجدا أو رباطا بمال حرام وقصده الخير فهذا كله جهل، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية؛ بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص بجهله؛ إذ "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع، فيكف يمكن أن يكون الشر خيرا!! هيهات!!
القسم الثاني: الطاعات، وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها، وفي تضاعف فضلها، أما الأصل فهي أن ينوي بها طاعة الله لا غير، فإن نوى الرياء صارت معصية، وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثواب.
القسم الثالث: المباحات وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات.. هذا في مباح محض لا يشوبه كراهة؛ ولذلك قال ﷺ : "حلالها حساب وحرامها عقاب"١
стр. 129
ج- أثر الباعث على الجناية:
لا أثر للباعث في إسقاط القصاص الواجب في التمثل العمد أو تحفيفه في الفقه الإسلامي، فإذا وقع القتل عدوانا وظلما على الوجه الذي بيناه كان الباعث عليه راقيا، كالطبيب الذي يشفق على مريض يعرف أنه ميت حتما ويريد ألا يطيل فترة آلامه فيقتله، أو كان الباعث خبيثا "كالذي يقتل غيره" حقدا وكرها أو عداوة وغضبا.. كلا الاثنين يعتبر قاتلا عمدا ما دامت شروط هذا القتل قد توافرت فيه.
وكذلك لا أثر له في الحدود؛ لأنها عقوبة مقدرة شرعا، ويجب تطبيقها كما وجبت عند استيفاء شروطها، ولا يملك قاض أو غيره أن يخففها أو يسقطها إلا بما فتحه المشرع من أبواب يتحقق فيها ذلك، وليس من بينها الباعث على ارتكابها.
ويمكن أن يعتد بالباعث والغاية في عقوبة التعزير؛ لأنها عقوبة ترك تقديرها للإمام على ضوء حالة الجاني، وظروف الجناية، والباعث على ارتكابها، وما تحققه العقوبة من ردع وزجر، سواء وجب التعزير في جناية لها حد مقرر لم يستوف شروطه، أو في جناية على النفس عمدا في حالة سقوط القصاص بسب عفو أو غيره.
فتقدير هذه العقوبة يمكن أن يؤثر فيه الباعث على الجناية كما وكيفا، بخلاف العقوبات المحددة من قبل الشرع.
ومسلك الفقه الإسلامي في هذا الاتجاه هو مسلك فريد؛ حيث إنه
стр. 130
جعل بعض الجرائم الخطرة على المجتمع غير خاضعة للتغيير أو التبديل، أوالزيادة أو النقصان لرقي باعث أو خبثه؛ حفظا لمقومات حياتهم، وتحقيقا لمصالحهم، ومن حفظ دين أو نفس أو مال أو عرض أو عقل، كما جعل بعض الجرائم غير الخطرة على المجتمع قابلة للتأثر بالباعث على ارتكاب الجريمة، زيادة أو نقصانا؛ لأن آثارها على المجتمع أخف وطأة وأقل تأثيرا.
أما القوانين الوضعية فبعضها يجعل البواعث من الظروف القضائية، فيجيز للقاضي أن يقدر العقوبة الملائمة من بين الحدين الأعلى والأدنى المنصوص عليهما للعقوبة، وله في كثير من الأحوال أن يختار إحدى العقوبتين، فيقدر كمها طبقا لما يرى أن الجاني يستحقه، مراعيا في تقديره ظروف الجريمة والمجرم والبواعث التي دفعت لارتكابها، فيخفف العقوبة إذا رأى الجاني يستحق التخفيف، ويغلظها إذا رآه يستحق التغليظ، وبهذا يكون للباعث أثره العملي على العقوبة، وهذه هي طريقة القانون الفرنسي والقانون المصري.
وهناك بعض القوانين التي تجعل البواعث من الأعذار القانونية كالقانون الإيطالي واليوناني والإسباني، فتجعل من الباعث ظرفا مخففا أو مشددا للعقوبة، ويلزم القاضي مراعاة هذا الباعث عند تقدير العقوبة، وهذه القوانين وإن كانت تعترف بأن للباعث أثرا قانونيا على العقوبة إلا أنها من الوجهة العملية لا تصل إلى أكثر من النتائج التي تصل إليها القوانين التي لا تعترف بالباعث من الوجهة النظرية؛ لأن القاضي لا يستطيع عملا أن يتخلى دائما عن تقدير العقوبة، سواء اعتبر الشارع البواعث أو لم يعتبرها.
وكل ما يعيب هذه الاتجاهات القانونية أنها سوت بين جميع الجرائم،
стр. 131
فكلها خاضعة لاعتبار الباعث إما من الناحية العملية أو الناحية القانونية، أو من ناحية تكييف الجريمة.. ويترتب على هذه الاتجاهات ضياع المصلحة العامة وإهدار الأمن.. أما الفقه الإسلامي فقد أغلق هذا الباب في الجرائم الخطرة، وفتحه في الجرائم غير الخطرة، وجعل تطبيقه منوطا بالمصلحة، فما تقتضيه المصلحة العامة يجب على القاضي أن يقرره كما وكيفا، فالقاضي له حرية الاختيار في ذلك، إلا أنه ملزم بما يحقق مصالح الناس، ويدفع الشرور عنهم.
стр. 132
المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي
المطلب الأول: الجزاء الآخروي
...
المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي:
بينت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عقوبة القتل عمدا، وجعلت للقاتل عمدا جزاءين رئيسيين؛ أحداهما: أخروي، والثاني: دنيوي، ونبحث كلا منهما فيما يأتي:
المطلب الأول: الجزاء الأخروي:
القاتل عمدا إما أن يقتل نفسه، أو يقتل غيره، ولكل منهما جزاؤه الأخروي، ونبين هنا عقوبة كل منهما، مقدمين عقوبة قاتل غيره على عقوبة قاتل نفسه؛ تيسيرا للمقارنة، ولندرة وقوعها.
"الجزاء الأخروي لقاتل غيره عمدا":
الأصل في الجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١.
فقد حدد الله -جل شأنه- في هذه الآية العقوبة الأخروية لمن يقتل مؤمنا متعمدا، وهي خلوده في النار، وحلول غضب الله عليه ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له.
стр. 133
ولقد استدل الفقهاء بهذه الآية على أن هذه العقوبة جزاء لكل من يقتل إنسانا معصوم الدم، سواء كان المقتول مسلما أو ذميا، أو كان القاتل مؤمنا أو غير مؤمن، ولقد أثار الفقهاء بعض الاعتراضات على الاستدلال بهذه الآية على المدعى، نوضحها والرد عليها فيما يلي:
أ- قد اعترض بأن هذا الدليل خاص بقتل المؤمن، والمدعى عام وهو أن كل قاتل تكون هذه العقوبة جزاء له مسلما كان أم ذميا؛ لأن موجب القتل العمد "المأثم والقصاص" وهو يعم المسلم والذمي لما سيجيء من أن المسلم يقاد بالذمي عند الحنفية، ولا شك أن وجوب القود لا ينفك عن لزوم الإثم، والآية المذكورة مخصوصة بقتل المؤمن.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن الآية وإن أفادت المأثم في قتل المؤمن عمدا بعبارتها، إلا أنها تفيد المأثم في قتل الذمي عمدا أيضا بدلالتها، بناء على ثبوت المساواة في العصمة بين المسلم والذمي؛ نظرا إلى التكليف -حيث إنه مخاطب، بدليل دعوته إلى الإيمان- أو إلى إقامته في دار الإسلام بمقتضى عقد الذمة، ويؤيد هذا الأحاديث الشريفة، ومنها ما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما" رواه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه، وما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ألا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله، وذمة رسوله ﷺ ، فقد أخفر ذمة الله، ولا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا" رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
ب- الآية تدل على أن القاتل مطلقا -مؤمنا كان أم غير مؤمن- مخلد في النار، مع أن المذهب عند أهل السنة والجماعة أن المؤمن لا يخلد في النار وإن ارتكب كبيرة ولم يتب.
стр. 134
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بعدة أجوبة:
١- قد أجمع على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار، فأخبر بذلك النبي ﷺ فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: والله لا نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهري، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا، وجعل ينشد:
قتلت به فهرًا، وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
فقال رسول الله ﷺ : "لا أؤمنه في حل ولا حرم"، وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة".
فإذا ثبت هذا فلا ينبغي أن تحمل على المسلمين، ويكون التخليد حينئذ للقاتل غير المسلم.
٢- وإذا قلنا: إن سبب النزول لا يخصص عموم الأية فيمكن أن يجاب بأن المراد بـ"من يقتل" في الآية "المستحل للقتل" بدلالة قوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ ؛ فقد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ أي: "متعمدا مستحلا لقتله"، واستحلال القتل يؤدي إلى الكفر إجماعًا١، وبذلك التفسير يكون القتل بدون الاستحلال خارجا عن مدلول الآية، فلا يخلد المؤمن القاتل في النار؛ لأنه غير مستحل للقتل.
стр. 135
٣- ويمكن أن يجاب بأنا لا نسلم ظهور كون المراد بـ"من يقتل" "المتسحل"؛ لجواز أن يكون المراد بالخلود المذكور في الآية المكث الطويل، وقد بين هذا المفسرون.
جاء في القرطبي ج١، ص٢٤١: الخلود البقاء، ومنه جنة الخلد، وقد تستعمل مجازا فيما يطول، كما جاء فيه أيضا ج٥، ص٣٣٥: والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ .
وقال زهير:
الا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا
وهذا كله يدل على أن الخلود يطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: "لأخلدن فلانا في السجن"، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون، ومثله قولهم في الدعاء: "خلد الله ملكه وأبد أيامه" أي: طوله.
ولئن سلم كون المراد بمن يقتل المستحل -كما ذكر في الكتب الكلامية وفي التفاسير أيضا- فالآية دالة على عظم تلك الجناية، كما تدل على تحقيق الإثم في قتل المؤمن عمدا بدون الاستحلال أيضا، وإلا لما لزم من استحلاله الخلود في النار.
ومما يدعم القول بعظم جناية القتل العمد من المؤمن أو غيره ما جاء في الأحاديث:
قال النبي ﷺ : "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم".
стр. 136
وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس الدماء ".
وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأله سائل فقال: يا أبا العباس، هل للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثا، ثم قال ابن عباس: ويحك وأنَّى له توبة!! سمعت نبيكم ﷺ يقول: "يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه، متلببا قاتله بيده الأخرى، تشجب أوداجه دما حتى يوقفا، فيقول المقتول لله : رب هذا قتلني، فيقول الله تعالى للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار".
وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني" ١.
ومن هنا يتبين لنا عظم جناية القتل عمدا.
ج- قبول توبة القاتل:
يرى المعتزلة أن آية النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ﴾ نسخت آية الفرقان: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الآيات: ٦٨-٧١] كما خصصوا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
стр. 137
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ بالقتل عمدا، فقالوا: التقدير "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا القتل عمدًا".
والصحيح -وهو مذهب أهل السنة- أن الله تعالى يقبل توبة القاتل إذا تاب للأدلة الآتية:
لقوله تعالى: ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٢، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤، فجعله داخلا في المشيئة، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥.
وأما آية النساء فهي مطلقة، وآية الفرقان مقيدة بالتوبة، والمطلق يحمل على المقيد، فيكون المعنى: "فجزاؤه جنهم خالدا فيها.. إلا من تاب"، لا سيما وقد اتحد الموجِب للعقاب، وهو القتل، والموجَب وهو التواعد بالعذاب في الآيتين.
والأخبار تؤيد هذا؛ منها حديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه: "تابعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئا من ذلك فهو كفارة، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه" أخرجه الصحيحان.
стр. 138
وروي عن النبي ﷺ : "أن رجلا قتل مائة رجل ظلما، ثم سأل: هل له من توبة؟ فدل على عالم، فسأله، فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن اخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد الله فيها، فخرج تائبا فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله إليهم ملَكا، فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها" ١ أخرجه مسلم، ولأن التوبة تصح من الكفر فمن القتل أولى.
الجزاء الأخروي لقاتل نفسه عمدا:
الأصل في هذا الجزاء ما ورد في السنة النبوية، ومنها:
ما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدًا" الحديث.
وما روي في حديث جندب البجلي من قوله الله تعالى على لسان نبيه ﷺ في رجل قتل نفسه: "قال الله تعالى: بادرني عبدي، حرمت عليه الجنة" وقد تقدم نص الحديثين.
فقد نصت السنة على أن عقوبة قاتل نفسه عمدا هي الخلود الأبدي في النار وتحريم الجنة عليه، وإذا قارنا هذه العقوبة بعقوبة قاتل غيره عمدا، تبين لنا الفارق الكبير بين العقوبتين؛ إذ عقوبة قاتل غيره هي الخلود في النار، دون أن ينص على تأبيد خلوده فيها، مما فتح بابا للرجاء في أن يبقى بها المدة التي يشاؤها الله تعالى ثم يدخل الجنة، عند جمهور العلماء -كما بينا
стр. 139
آنفا- أما قاتل نفسه فقد أوصد أمامه هذا الباب؛ لأنه يئس من رحمة الله تعالى وقنط، ودل على جهله وغفلته عن الله الذي يفرج الكروب، ويفك العسر، وينقذ الملهوف، واليائس، والقانط، يقول الله جل شأنه بشأنهما: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
ويقول: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
وهذا يفسر لنا ما روي عن الرسول ﷺ من عدم صلاته عليه، فقد روي عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلا كانت به جراحة فأتى قرنا له٤ فأخذ مشقصا٥ فذبح به نفسه، فلم يصل عليه النبي ﷺ ، رواه ابن حبان في صحيحه.
كما أنه قد لوحظ أن عقوبته في الآخرة -بعد خلوده في النار أبدا- هي أن يفعل بنفسه في النار مثلما فعل بها في الدنيا -وهو تعريف القصاص كما سيأتي- فمن قتل نفسه ترديا أو بسكين أو بسم، أو خنق، أو ضرب نفسه برصاص -وهكذا من الأفعال التي يأباها الدين ويقبحها العقل- فقد جعل
стр. 140
الله نوع عقابه من جنس فعلته الشنعاء، فيخلق الله له نفس الآلة المستخدمة في الدنيا يستخدمها في نار جهنم، ويحس بعذابها آنًا بعد آنٍ خالدا مخلدا فيها أبدًا١.
стр. 141
المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي:
لقد وضعت الشريعة الإسلامية عقوبة دنيوية توقع على القاتل عمدا، منها ما هو بدني، وهو القصاص أو التعزير، ومنها ما هو مالي، وهو الدية في حالة سقوط القصاص والكفارة عند بعض الفقهاء والحرمان من الميراث، ونتناول كل نوع منها في مبحث مستقل، سواء كانت الجناية من الإنسان على نفسه أو على غيره، إلا أن مبحث القصاص لا يكون إلا في قاتل غيره.
النوع الأول: القصاص:
تعريف القصاص:
القصاص لغة: مأخوذ من قص أثره: أي تتبعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ ١، وهذا المعنى يتحقق في القصاص؛ لأن المجني عليه -أو ولي الدم- يتبع الجاني حتى يقتص منه، وقيل: مأخوذ من القص بمعنى القطع، يقال: قص شعره: أي قطعه، وهذا المعنى يلائم القصاص أيضا؛ لأن المجني عليه -أو ولي الدم- يتبع الجاني حتى يقتله أو يجرحه -كما فعل- وفي كل قطع، كما أن القصاص ينبئ عن المساواة؛ لأن في كلا المعنيين اللغويين توجد المساواة.
стр. 142
والقصاص اصطلاحا: هو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، فإن قتل قتل، وإن جرح جرح١، إذا توافرت الشروط التي وضعها الفقه الإسلامي لذلك.
مباحث القصاص:
نضع مباحث هذا النوع من العقوبة في سبعة مقاصد:
المقصد الأول: الأدلة التي ثبت بها القصاص في القتل العمد.
المقصد الثاني: عقوبة القتل العمد، هل هي القصاص عينا، أم القصاص أو الدية، ويكون ولي الدم بالخيار بينهما.
المقصد الثالث: العفو وأثره.
المقصد الرابع: شروط استيفاء القصاص.
المقصد الخامس: استيفاء القصاص "من له حق المطالبة به، طريقة الاستيفاء".
المقصد السادس: الظروف المبيحة أو المخففة للعقوبة في الفقه الإسلامي.
المقصد السابع: الظروف المشددة للعقوبة في الفقه الإسلامي.
المقصد الأول: الأدلة التي ثبت بها القصاص في القتل العمد:
لقد ثبتت عقوبة القصاص بأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والقياس:
стр. 143
أما الكتاب فقد قال جل شأنه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
ووجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ -مع أن ظاهر الآية يوجب القصاص أينما وجد القتل، سواء كان عمدا أم خطأ- أن الله تعالى ذكر في آية أخرى أن موجب القتل الخطأ الكفارة والدية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٣ الآية، فتعين أن يكون القصاص المذكور في الآية فيما هو ضد الخطأ، وهو العمد.
٢- السنة:
ويضاف إلى هذا أن السنة قيدت إطلاق الآية، قال رسول الله ﷺ : "العمد قود" أي: موجبة القود، وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، ووجه الاستدلال به "كما بينه الحنفية بناء على رأيهم في موجب القتل العمد" أن الألف وللام في قوله: "العمد" للجنس؛ إذ
стр. 144
لا معهود ينصرف إليه، ففي الحديث تنصيص على أن حكم جنس العمد القود، قال صاحب الكفاية: لا يقال إن قوله ﷺ : "العمد قود" لايوجب التقييد؛ لأنه تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه؛ لأنا نقول: لو لم يوجب هذا الخبر تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط، فلا يكون لذكر لفظ العمد في الحديث فائدة.
القياس:
الجناية تتكامل بالعمد، وكلما تكاملت الجناية كانت حكمة الزجر عليها أكمل، وحكمة الزجر تكون أكمل بالعقوبة المتناهية، والعقوبة المتناهية هي القصاص، فكان القصاص موجب القتل العمد، وأيضا لأن العقوبة المتناهية لا تشرع إلا عند تكامل الجناية، وتكاملها هنا لا يكون إلا بالعمد.
المقصد الثاني: عقوبة القتل العمد:
للفقهاء في موجب القتل العمد رأيان:
أحدهما: يرى أن موجبه القصاص عينا، ويترتب على ذلك أن لا يكون لولي الدم أن يلزم الجاني الدية جبرا عنه، وإنما له أن يقتص، أو يعفو مجانا.
ثانيهما: يرى أن موجب القتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية، فيكون للولي أن يقتص -إن شاء- أو يأخذ الدية ولو لم يرض الجاني، ونوضح أدلة كل فيما يأتي:
стр. 145
أدلة الرأي الأول:
استدل القائلون بأن موجب القتل العمد القصاص عينا "وهم الحنيفية والمالكية، وأحد قولي الشافعي١، والإمامية، وهو قول إبراهيم النخعي وابن شبرمة، وأبي الزناد، وسفيان الثوري، والحسن بن حي" بالكتاب الكريم والسنة الشريفة والقياس:
أما الكتاب: فإن الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ نصت على أن الواجب بالقتل القصاص، ولم تذكر الدية، وإذا تعين هذا موجبا للقتل العمد لا يمكن العدول عنه إلى غيره؛ لئلا تلزم الزيادة على النص بالرأي.
وأما قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فقد فسروه بما يأتي:
قال أبو حنيفة: إن معنى "عفي" بذل، والعفو في اللغة البذل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما سهل٢، فكأنه قال: من بذل له من القاتل شيء من الدية فليقبل ما بذل له، وليتبع بالمعروف، وليؤد إليه القاتل بإحسان، والأمر هنا للندب لا للوجوب، فندب الله تعالى لولي الدم أن يأخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ ٣ فندب جل شأنه فيها إلى رحمة العفو والصدقة، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية