← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9980

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

حسن علي الشاذلي

Полный текст (467 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أو الامتناع عن تقديمها أو أحدهما إليه، ولم يكن للمجني عليه سبيل يستطيع الحصول منه عليهما غير هذا السبيل؛ وهو طلبهما من هذا الشخص "الجاني" ... فإذا مات الطالب جوعا أو عطشا كان المانع لهما قاتلا عمدًا١.

стр. 72

..............................................................................................

стр. 73

...............................................................................................

стр. 74

..............................................................................................

стр. 75

المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي أولاً: أن يكوت الأعتداء واقعًا على آدمي حي ... المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي: يمكننا بعد هذا العرض المفصل لآراء الفقهاء في الجريمة العمدية الموجبة للقصاص أن نستخلص أركان هذه الجريمة في الفقه الإسلامي ونحددها فيما يلي: أولا: أن يكون الاعتداء واقعا على آدمي حي: فإذا كان الاعتداء واقعا على غير آدمي؛ كالجناية على الحيوانات وما شابهها، فإن له بحثا آخر١؛ إذ نخص بالبحث في هذا الباب الجناية على الأشخاص. ولا بد أن يكون الآدمي المعتدَى عليه حيا؛ لأنه لو لم يكن حيا، لما سميت الجريمة قتلا، لا لغة ولا اصطلاحا؛ لأن القتل -كما سبق أن عرفناه- هو إزهاق روح المجني عليه، فإذا لم يتحقق هذا الإزهاق بأن كان الاعتداء واقعا على إنسان ميت لا تسمى الجناية قتلا، ولكنها تصبح هتكا لحرمة الميت، وتعرضا لجسد لا روح فيه بما لا يرضى عنه الشرع ولا العقل، وبما تأباه النفس البشرية والطبيعية المستقيمة، ومثل هذه الجناية وضع الفقهاء لها ضوابط تبين ما يحل منها وما يحرم، ووضعوا لمن يقترف ما حرم عقوبة وهي التعزير.

стр. 76

ولما كان هناك مرحلة تسبق الموت، وقد تطول وقد تقصر، فقد تعرض الفقهاء لما يكون منها له حكم الموت، فيكون الاعتداء عليه كالاعتداء على الميت، ومنها ما يكون له حكم الحياة، فيكون الاعتداء عليه كالاعتداء على الحي، وللفقهاء في ذلك تفصيل نرده فيما يلي: جاء في مغني المحتاج ج٤، ص١٣: "أنه إن جنى شخص على آخر، ثم جنى شخص آخر على الشخص المجني عليه بعد الانتهاء لحركة المذبوح -أي: بعد وصوله إلى الدرجة التي يفقد فيها قدرته على التصرف والتفكير ولا يصبح بينه بين الموت إلا لحظات النزع الأخير- فالأول منهما قاتل؛ لأنه صيره إلى حالة الموت، ويعزر الثاني منهما لهتكه حرمة الميت، كما لو قطع عضوا من ميت". وقد حدد ابن حزم في المحلى "ج١٠، ص٥١٨، المسألة رقم ٢٠٩٤" الدرجة التي يكون الاعتداء فيها على الإنسان قتلا والتي لا يكون فقال: "فيمن قتل إنسانا يجود بنفسه للموت، قال علي: روينا من طريق أبي بكر بن شيبة، حدثنا يحيى بن أزهر، حدثنا زهير عن جابر عن الشعبي في رجل قتل رجلا قد ذهبت الروح من نصف جسده قال: يضمنه. قال علي: لا يختلف اثنان من الأئمة كلها في أن من قربت نفسه من الزهوق بعلة أو بحراحة أو بجناية بعمد أو خطأ، فمات له ميت فإنه يرثه. وأنه إن قدر على الكلام فأسلم وكان كافرًا وهو يميز بعد، فإنه مسلم يرثه أهله من المسلمين، وأنه إن عاين وشخص ولم يكن بينه وبين الموت إلا نفس واحد، فمات من أوصى له بوصية، فإنه قد استحق الوصية ويرثها عنه ورثته، فصح أنه حي بعد بلا شك؛ إذ لا يختلف اثنان من أهل الشريعة وغيرهم في أنه ليس إلا حي أو ميت، ولا سبيل إلى قسم ثالث؛ فإذ هو كذلك، وكنا على يقين من أن الله تعالى قد حرم إعجال موته، وغمه، ومنعه النفس، فبيقين وضرورة ندري أن قاتله قاتل نفس بلا شك، فمن قتله في تلك الحال

стр. 77

عمدا، فهو قاتل نفس عمدا، ومن قتله خطأ فهو قاتل خطأ، وعلى العامد القود أو الدية أو المفاداة، وعلى المخطئ الكفارة والدية على عاقلته، وكذلك في أعضائه القود في العمد، وبالله تعالى التوفيق". وفصَّل ابن قدامة في المغني بين أربع حالات من حالات الجناية على إنسان قارب الموت: الحالة الأولى: أن تتم الجناية من اثنين تكون جناية أحدهما لا تبقى معها الحياة، كما لو قطع مريئه أو قطع أحشاءه وأبانها منه، أو ذبحه، ثم جاء الثاني فضرب عنقه. ففي هذه الحالة يكون القاتل هو الأول؛ لأنه لا يبقى مع جنايته حياة للمجني عليه، فالقود عليه خاصة، وعلى الثاني التعزير، كما لو جنى على ميت، وإن عفا الولي إلى الدية، فهي على الأول وحده. الحالة الثانية: أن تكون جناية الأول يجوز معها بقاء الحياة، كما لو شق بطنه من غير إبانة أحشائه، أو قطع طرفه، ثم جاء الثاني فضرب عنقه، فالثاني هو القاتل؛ لأن الأول لم يخرج المجني عليه من حكم الحياة، فيكون الثاني هو المفوت لها، فعليه القصاص في النفس، والدية كاملة إن عفا الولي عنه، ثم ننظر في جناية الأول، فإن كانت موجبة للقصاص -كقطع طرف- فالولي مخير بين قطع طرفه، والعفو على ديته أو العفو مطلقا، وإن كان لا يوجب فعله القصاص -كالجانفة ونحوها- فعليه الأرش، وإنما كان عليه القصاص؛ لأن فعل الثاني قطع سراية جراحه، فصار كالمندمل الذي لا يسري، ويقول قدامة: هذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا.

стр. 78

الحالة الثالثة: أن تكون جناية الأول تفضي إلى الموت لا محالة، إلا أنه لا يخرج بها من حكم الحياة، وتبقى معه الحياة المستقرة بعض الوقت مثل: خرق المعي، أو أم الدماغ، ثم جاء الثاني فضرب عنقه، فالقاتل هو الثاني؛ لأنه فوت حياة مستقرة وقتل من هو في حكم الحياة، بدليل أن عمر ﵁ لما جرح دخل عليه الطبيب فسقاه لبنا فخرج يصلد، فعلم الطبيب أنه ميت، فقال: اعهد إلى الناس، فعهد إليهم، وأوصى، وجعل الخلافة إلى أهل الشورى، فقبل الصحابة عهده، وأجمعوا على قبول وصاياه وعهده، فلما كان حكم الحياة باقيا بعد الجناية الأولى، كان الثاني مفوتا لها، فكان الثاني هو القاتل، كما لو قتل عليلا لا يرجى برء علته. الحالة الرابعة: ألا يصل المجني عليه إلى حال اليأس من حياته بعد الجناية الأولى، ثم يدخل سبب ينهي حياته؛ أي: أنه قد اجتمع سببان للقتل؛ أولهما: لم يفض إلى النتيجة بسبب تدخل الثاني، وذلك كما إذا ألقى رجلا من شاهق، فتلقاه آخر بسيف فقتله، فالقصاص على من قتله؛ لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال ييئس فيها من حياته، فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به، أو ألقى عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه، ثم يذكر ابن قدامة أن هذا قول الشافعي: إن رماه من مكان يجوز أن يسلم منه، وإن رماه من شاهق لا يسلم منه الواقع ففيه وجهان: أحدهما -كقول الحنابلة المتقدم- أي: أن القصاص على من قتله.

стр. 79

والثاني: الضمان عليهما بالقصاص والدية عند سقوطه؛ لأن كل واحد منهما سبب للإتلاف. وأيد الحنابلة وجهة نظرهم بأن الرمي سبب والقتل مباشرة، فانقطع حكم السبب؛ كالدافع مع الحافر، والجارح مع الذابح. "وهذا التفصيل الدقيق هو ما نرى رجحانه والأخذ به في مثل هذه الجناية؛ لأن القول بما قرره الظاهرية على إطلاقه يؤدي إلى عدم الاعتداد بجناية الجاني الأول إذا اعتدى جانٍ ثانٍ على المجني عليه هو يجود بنفسه.. مع خطورة هذه الجناية عن جناية الثاني من حيث الإقدام عليها وقدرة المجني عليه على المقاومة، وبالتالي خطورة الجاني". ولا بد أن تكون حياته ظاهرة ومؤكدة، فلو جنى شخص على جنين١ في بطن أمه لم تكن الجناية عمدا موجبا للقصاص عند جمهور الفقهاء -على تفصيل منا فيما بعد- فمن ضرب امرأة حاملا، فسقط جنينها ميتا كانت فيه الدية، فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ... الحديث٢. وقد جاء في الفتح: "شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية، فلو انفصل حيا ثم مات وجب فيه القود أو الدية كاملة"٣. اهـ.

стр. 80

ثانيا: أن يكون المجني عليه معصوم الدم: ومعنى كونه معصوم الدم ألا يكون دمه مباحا، فإن كان دمه مباحا -كما لو كان حربيا- لم يجب القصاص على قاتله عمدا؛ وذلك لأنه وإن كان اعتداء على آدمي حي عمدا، إلا أن ما صاحب هذا الآدمي من صفة المحاربة أهدرت دمه لشدة خطره على المسلمين وتوقع الشر من قبله. ولقد سبق أن أوضحنا أن الشريعة الإسلامية جعلت القتل الموجب للعقوبة القتل بغير حق، أما القتل بحق؛ كقتل الحربي والمرتد عن دينه، والبغاة، والزاني المحصن، وقاتل النفس عمدا، فإنه قتل لا يترتب عليه الإثم؛ لأنه قتل بحق؛ ولكن يعزر مقترف هذه الجريمة لافتياته على الإمام. فقد صرح الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية بأنه يجب أن يكون المقتول معصوم الدم، أما إن كان الشرع قد أباح دمه لكونه حربيا أو مرتدا، أو زانيا محصنا، أو قاطع طريق تحتم قتله، فإن قاتله لا يقتل به وإن كان بغير إذن من الحاكم، ولا يجب عليه دية ولا كفارة؛ لأنه مباح الدم في الجملة، وإن توقفت المباشرة على إذن الحاكم فيأثم بدونه خاصة، ويعزر قاتل هؤلاء لافتياته على الإمام. ولو قتل غير الولي شخصا وجب عليه قصاص قتل به "كما صرح الشافعية والحنابلة والإمامية"١؛ لأنه محقون الدم بالنسبة إلى غيره، أو بعبارة أخرى: لا يوجد سبب فيه يباح به دمه لغير ولي مقتوله، فإذا قتله اقتص منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فخص وليه بقتله، فدل على أن غير وليه لا سلطان له عليه. وسيأتي إيضاح شرط العصمة تفصيلا عند بيان شروط استيفاء القصاص من القاتل في كل مذهب من المذاهب الفقهية. وهذا الإنسان المعصوم الدم على التأبيد يتساوى فيه الكبير والصغير والصحيح والمريض، وكامل الجسم والحواس وناقص شيء منها، والعاقل والمجنون.

стр. 81

ثالثا: أن يكون هذا الآدمي معينا: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية -في القتل بسبب- والشافعية والحنابلة -كما هو ظاهر كلامهم في تعريف العمد- والزيدية والإمامية": أنه لا بد أن يكون المعتدَى عليه إنسانا معينا؛ لكي تكون الجريمة عمدية، أما لو قصد إنسانا معينا "عمرًا" فأصاب آخر "خالدًا"، فإن الجناية عندهم تكون خطأ؛ لأنه لم يقصد قتل خالد هذا، وإنما قصد عمرًا فأصاب خالدًا خطأ، فتكون الجناية خطأ. وهم في هذا ينظرون إلى من وقعت عليه الجناية فعلا، هل كان قتله مقصودا أم غير مقصود؟ فإذا كان غير مقصود فإنه يكون خطأ وإن كان مقصودا كان عمدًا. ويرى المالكية "في القتل مباشرة" ورأي مرجح عند الحنابلة١ مروي عن الإمام أحمد أنه إن قصد عمرًا فأصاب خالدًا تكون الجناية عمدا؛ لأنه قصد قتل آدمي معصوم الدم، وما دام قد قصد قتل آدمي فلا يغير من وصف الجريمة بالعمدية كون المقتول إنسانا آخر غير الشخص الذي قصد قتله. وأرى رجحان رأي المالكية ومن وافقهم في عدم اشتراط قصد إنسان معين إذا كان القتل بالمباشرة؛ وذلك لأن النتيجة "القتل" قد حدثت فعلا، وكونه لم يردها لمن وقعت عليه أورادها للآخر، لا يغير من خطورته على المجتمع، والمجتمع كله وحدة واحدة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . وأما القتل بسبب فنظرا لاشتراك المجني عليه في وقوع الجناية؛ بسبب عدم تحرزه وقلة حيطته حتى سقط في البئر مثلا، أو اصطدم بما وضع له في طريقه؛ لذلك كان التشديد هنا باشتراط قصد إنسان معين ضروريا في جعل الجناية عمدية موجبة للقصاص.

стр. 82

رابعًا: أن يكون قصد الجاني ضرب المجني عليه ... رابعا: أن يقصد الجاني ضرب المجني عليه: يرى جمهور الفقهاء أنه يكفي في اعتبار القتل عمدا موجبا للقصاص أن يقصد الجاني ضرب المجني عليه بما يقتل عادة، ولا يشترط قصد القتل، ويرى فريق من الفقهاء اشتراط قصد القتل؛ لكي تكون الجريمة عمدية موجبة للقصاص، وتوضح آراءهم فيما يلي: الرأي الأول: يرى بعض الفقهاء أنه لا بد في اعتبار الجريمة عمدية من أن يقصد الجاني قتل المجني عليه وهو رأي بعض الحنفية والشافعية والحنابلة؛ فقد صرح الكاساني من علماء الحنفية أنه يشترط أن يقصد الجاني قتل المجني عليه حتى تكون الجناية عمدا ... "فقال في البدائع عند ذكره لشروط إيجاب القصاص في القاتل بعد العقل والبلوغ: الثالث: أن يكون متعمدا في القتل قاصدًا إياه ... الرابع: أن يكون القتل منه عمدا محضا ليس فيه شبهة العدم؛ لأنه ﵊ شرط العمد مطلقا بقوله: "العمد قود"، والعمد المطلق هو العمد من كل وجه، ولا كمال مع شبهة العدم، ولأن الشبهة في هذا

стр. 83

الباب ملحقة بالحقيقة، وعلى هذا يخرج القتل بضربة أو ضربتين على قصد القتل أنه لا يوجب القود؛ لأن الضربة أو الضربتين مما لا يقصد به القتل عادة؛ بل التأديب والتهذيب، فتمكنت في القصد شبهة العدم، وعلى هذا يخرج قول أصحابنا ﵃ في الموالاة في الضربات أنها لا توجب القصاص خلافا للشافعي: "وجه" قوله: أن الموالاة في الضربات دليل قصد القتل؛ لأنها لا يقصد بها التأديب والتهذيب عادة، وأصل القصد من موجود فيتمخض القتل عمدا فيوجب القصاص. "ولنا" -أي للحنفية- أن شبهة عدم القصد ثابتة؛ لأنه يحتمل حصول القتل بالضربة والضربتين على سبيل الاستقلال من غير الحاجة إلى الضربات الأخر، والقتل بضربة أو ضربتين لا يكون عمدا، فتبين بذلك أنه لا يوجب القصاص، وإذا جاء الاحتمال جاءت الشبهة وزيادة"١. ومن كلامه يضتح لنا أنه يشترط أن يكون القاتل قاصدا القتل، كما يشترط أن يكون القتل منه عمدا محضا ليس فيه شبهة العدم، ويفسر الشرط الأخير بألا تكون الآلة أو الفعل مما يحتمل أن يكون غير قاتل بطبيعته، فإن كان غير محتمل لشبهة العدم كان عمدا موجبا للقصاص. ولا يفهم من كلامه "اشتراط قصد القتل" عند عامة فقهاء الحنفية، فقد سبق أن نقلنا عنهم ما ينفي بصورة قاطعة اشتراط ذلك، وجاء في الذخيرة إن "قصد أن يضرب يد رجل فأصاب عنقه، فهو عمد، وفيه القود، ولو أصاب عنق غيره فهو خطأ"٢. قال في المجتبى: "وبهذا يتبين أن قصد القتل ليس بشرط لكونه عمدا".

стр. 84

كما صرح الماوردي -الشافعي- وأبويعلى -الحنبلي- في تعريفهما للقتل العمد الموجب للقصاص بـ"أن يتعمد قتل النفس بما يقطع بحده -كالحديد- أو بما يمور في اللحم مور الحديد، أو بما يقتل بنقله -كالحجارة والخشب"١. الرأي الثاني: رأي المالكية: يرى المالكية عدم اشتراط قصد القتل إلا من جنايتين: أ- في جناية الأصل على فرعه. ب- وفي الجريمة التي تتم بمنع الطعام والشراب عن آخر حتى مات جوعا أو عطشا، فإنه يكون قتلا عمدا موجبا للقصاص إذا قصد قتله، إما إذا قصد بذلك مجرد التعذيب فالواجب الدية، إلا أن يعلم الجاني أنه يموت بذلك، فإنه يكون عمدا موجبا للقصاص؛ لأن العلم ملحق بقصده، وقيل: لا يشترط قصد القتل، بل إن فعل ذلك بقصد التعذيب -لا القتل- فمات وجب القصاص. فالمذهب لم يصرح باشتراط قصد القتل لإيجاب القصاص من القاتل عمدا إلا في هاتين المسألتين، ومع هذا ففي المذهب رأيان في اشتراط قصد القتل في المسألة الأخيرة. الرأي الثالث: لا يرى اشتراط قصد القتل في اعتبار الجريمة عمدية ما دام قد قصد الجاني ضرب المجني عليه بما يقتل غالبا، وهو رأي جمهور الفقهاء "الحنفية٢

стр. 85

-غير الكسائي- والشافعية -غير الماوردي- والحنابلة -غير أبي علي- والزيدية والإمامية والإباضية" وأما إذا قصد ضربه بما لا يقتل عادة فلا بد من توافر قصد القتل عند عامتهم١. أما الحنابلة، فإنهم وإن قالوا في تعريفهم للقتل العمد: إن يقتل قصدا بما يغلب على الظن موت المقتول به.... إلا أنهم في تحليل صور القتل العمد صرحوا بأنه لا يشترط قصد المثل، فقد جاء في كشاف القناع ج٣، ص٣٢٣: ومن صور القتل العمد أن "يلكزه بيده في مقتل، أو في حال ضعف قوة من مرض أو صغر أو كبر أو حر مفرط أو برد شديد أو نحوه، فمات فعليه القود؛ لأن ذلك الفعل مما يقتل غالبا، وإن ادعى جهل المرض في ذلك كله لم يقبل، وكذا إن قال: لم أقصد قتله لم يصدق؛ لأن الظاهر خلافه". فقد أقام المذهب من الفعل القاتل دليلا طاهرًا على قصد القتل، لا يقبل معه إنكاره عدم قصد القتل، أو جهله بحالة المجني عليه المرضية التي تجعل هذا الفعل قاتلا له، وإن لم يكن قاتلا لغيره، وبهذا يتضح لنا أن المذهب لا يشترط قصد القتل مع وجود الفعل الذي يؤدي إلى القتل غالبا. أما الزيدية والإمامية، فإنهم لا يشترطون أيضا قصد القتل إذا كانت

стр. 86

الجناية قد تمت بما يقتل غالبا، أما إن تمت بما لا يقتل إلا نادرًا، فإنه لا بد من توافر قصد القتل في هذه الحالة. وهم في هذا يجعلون من الآلة أو الفعل الذي يقتل غالبا دليلا ظاهرا على قصد القتل لا حاجة معه إلى البحث عن قصد القتل، إما إذا كانت الجناية قد تمت بما يقتل نادرا، فإن الدليل الظاهر وهو هذه الآلة لا تثبت ولا تنبئ ولا تدل على قصد القتل؛ لأن مثلها لا يقتل إلا نادرًا، فهي تستعمل عادة في التأديب والتهذيب واللعب، فالقرينة الظاهرة تدل على عدم قصد القتل، فلا يعدل عن هذا الظاهر إلى الباطن إلا إذا ثبت أنه قد قصد القتل بهذه الآلة، فإن ثبت ذلك كان القتل عمدا موجبا للقصاص، وإلا كانت الجريمة شبه عمد عند الإمامية خطأ عند الزيدية. وبهذا يتبين لنا أن جمهور الفقهاء لا يشترطون قصد القتل مع وجود الفعل أو الآلة الدالة على أنه قصد القتل بها، وفي تعليل ذلك يقول الحنفية: "إن القصد أمر باطني؛ لأنه من عمل القلب، وإذا كان أمرًا باطنا فيعسر التعرف عليه والوصول إلى حقيقته؛ ولذا أقيم الفعل الذي يقتل غالبا مقام قصد القتل تيسيرًا، كما أقيم السفر مقام المشقة في إباحة الفطر في رمضان، وكما أقيم البلوغ مقام اعتدال العقل في مخاطبة الصبي بفروع الشريعة تيسيرا"، فكذلك يقام الفعل الذي يقتل غالبا مقام قصد القتل. وبذلك يكون استعمال ما يقتل غالبا دليلا ظاهرًا على توافر نية القتل وقصده لا حاجة معه إلى التعرف على الإرادة الباطنة والقصد الخفي.. وإلا لأدى هذا إلى إسقاط هذه العقوبة، وتفشي القتل بين الناس بمثل هذه الأفعال مع ادعاء عدم قصد القتل ومحاولة إثباته.

стр. 87

خامسا: أن يكون الضرب بقصد العدوان: وكذلك لكي تكون الجريمة عمدا لا بد أن يكون الجاني قد قصد الضرب بسب عداوة أو غضب "أي عدوانا"، وهو ما يعبر عنه بأنه قتل بغير حق؛ لأن القتل بحق لا يكون عدوانا، وإنما استيفاء لحقه، وقد نص كتاب الله تعالى على ذلك في قوله جل شأنه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ١. فالقتل الذي يكون عمدا هو ما يكون فيه المقتول مظلوما، والقاتل ظالما، وإنما يكون ظالما له باعتدائه عليه دون وجه حق، وذلك بسبب عداوة أو غضب أو شهوة قتل أو حب للدماء أو استهتار بأرواح الناس، كل ذلك يعتبر قتلا عدوانا. أما إن قصد التأديب والتهذيب، فإن الأمر يحتاج إلى تفصيل؛ نظرًا لأن هذا الضرب باعتبار مقصده مشروع. الضرب بقصد التأديب أو اللعب: إذا ضرب إنسان شخصا بقصد التأديب أو اللعب، فأدى فعله إلى القتل، فإن الحكم يختلف باختلاف الآلة المستعملة: هل هي موضوعة للقتل غالبا وعرفا، أو موضوعة للعب والتأديب؟ ٢

стр. 88

............................................................................................

стр. 89

.......................................................................

стр. 90

........................................................................

стр. 91

......................................................................

стр. 92

١- أما إن كانت الآلة المستخدمة في التأديب والتهذيب أو اللعب تقتل قطعًا أو غالبًا، فإن الجناية تكون عمدا عند جمهور الفقهاء "الحنفية١ والمالكية وكذا الشافعية والحنابلة -على الرأي الراجح- وكذا الزيدية والإمامية والظاهرية والإباضية". "أما من اشترط من الفقهاء ضرورة توافر قصد القتل، فإنه يرى أن هذه الجريمة شبه عمد"، وهو رأي لبعض فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، وقد سبق إيضاحه. ٢- أما إن كانت الآلة المستخدمة في التأديب والتهذيب لا تقتل إلا نادرًا فإن فقهاء "الحنفية والشافعية والحنابلة والإمامية" يجعلونها "شبه عمد" تجب فيه الدية ولا يجب فيه القصاص. أما المالكية والزيدية، فقد جعلوا هذه الجناية خطأ فيها الدية على العاقلة؛ وذلك لأن هذين المذهبين يجعلان الجريمة إما عمدا أو خطأ ولا ثالث لهما -كما سبق أن نوهنا- وسيأتي مناقشة ذلك تفصيلا في جناية شبه العمد. وأما الظاهرية -وهم من المنكرين لجريمة شبه العمد أيضا- فإنهم يجعلون هذه الجناية عمدا. والظاهر هو الرأي الأول الذي يجعل هذه الجريمة "شبه عمد"؛ لأنه قد اقترن قصد الفعل بعدم قصد القتل بقرينة استعمال الآلة التي لا تقتل إلا نادرا، أي اقترن العمد بالخطأ، وهذا ينفي كونها عمدا خالصا، كما ينفي كونها خطأ محضا، فكانت في مرتبة وسطى، وهي شبه العمد؛ حفظا لأرواح الناس من الإهدار، ورعاية لأسرة المقتول وورثته، وتأديبا للجاني.

стр. 93

وللحنفية تفصيل فيما يؤدي إليه ضرب التأديب، فقد نصوا على أنه لو ضرب امرأته للنشوز فماتت منه، يضمن؛ لأن المأذون فيه هو التأديب لا القتل، ولما اتصل به الموت تبين أنه وقع قتلا. ولو ضرب الأب أو الوصي الصبي للتأديب، فمات، ضمن، عند أبي حنيفة ﵁ لأن التأديب اسم لفعل يبقى المؤدب حيا بعده، فإذا سرى تبين أنه قتل، وليس بتأديب، وهما غير مأذونين في القتل. ويرى الصاحبان "أبو يوسف ومحمد" عدم الضمان؛ لأن الأب والوصي مأذونان في تأديب الصبي وتهذيبه، والمتولد من الفعل المأذون فيه لا يكون مضمونا كما لو عزر الإمام إنسانا فمات. ولو ضربه المعلم أو الأستاذ فمات، فإن كان الضرب بغير أمر الأب أو الوصي يضمن؛ لأنه متعدٍّ في الضرب، والمتولد منه يكون مضمونا عليه، وإن كان بإذنه لا يضمن للضرورة؛ لأن المعلم إذا علم أنه يلزمه الضمان بالسراية، وليس في وسعه التحرز عنها يمتنع عن التعليم، فكان في التضمين سد باب التعليم، وبالناس حاجة إلى ذلك، فسقط اعتبار السراية في حقه لهذه الضرورة، ولم توجد في الأب؛ لأن لزوم الضمان لا يمنعه عن التأديب لفرط شفقته على ولده، فلا يسقط اعتبار السراية من غير ضرورة. والذي أرجحه هو الضمان في جميع الحالات؛ وذلك لأن قول الرسول ﷺ : " ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" عام في كل من قتل بمثل ذلك من الأدوات التي لا تؤدي إلى القتل قطعا أو غالبا. كما أن إيجاب الضمان هنا "أي في التأديب والتهذيب" يجعل المنوط به هذه الولاية في حذر بالغ من أن يؤدي فعله إلى عكس المطلوب، وهو ما لا يقصده المشرع من إباحة ذلك، وأما القول بأن الضمان سيغلق باب التأديب والتهذيب، فإنه يرده أن هذا النوع من الرعاية يجب ألا يصل إلى درجة الضرب، وإذا وصل مع أن حديث الرسول ﷺ يقول: "وخيركم لا يضرب"، فيجب أن يكون المقصود به التنبيه لا الإضرار، وحسبنا أن الرسول ﷺ بيَّن لنا نوع ضرب الزوج الناشز إن لم ينفع الوعظ والهجر بقوله: "فاضربوهن ضربا غير مبرح"، قال ابن عباس: أي بعود السواك ونحوه؛ لذلك أرى وجوب الضمان في كل هذه الحالات.

стр. 94

سادسًا: أن يكون الجاني قد أوقع على المجني عليه فعلا قاتلا: يتبين لنا مما تقدم أن الفعل الذي يؤدي إلى قتل المجني عليه إما أن يكون فعلا مباشرًا؛ أي: فعلا يؤثر في هلاكه ويحدثه دون واسطة؛ كأن يقتله بسلاح وما جرى مجراه مما يقتل غالبًا، أو يكون فعلا أدى إلى القتل تسببا؛ أي: أن الجاني قصد المجني عليه بفعل أدى إلى إهلاكه بواسطة؛ كأن يحفر الجاني بئرا في طريق يسلكه المجني عليه بقصد إهلاكه، أو يغري كلبا عقورا به، فيموت المجني عليه بسبب وقوعه في البئر، أو بسبب عقر الكلب له، فإن الأمر الذي يضاف القتل إليه مباشرة هو الوقوع في البئر، أو عقر الكلب، ولكن هذا السبب وإن كان مباشرا إلا أنه غير عامل في ذاته، ولكنه أصبح عاملا بفعل الجاني -وهو الحفر أو الإغراء بقصد إهلاكه- ففعل الجاني هنا تسبب في إحداث النتيجة وهي الموت، فأضيف الموت إلى المتسبب؛ لأنه لم يتخلل بين السبب والنتيجة ما يصلح أن يضاف القتل إليه، فظل السبب عاملا ومؤثرا في إحداث هذه النتيجة، ونوضح فيما يلي آراء الفقهاء في موجب القتل مباشرة وتسببا: القتل مباشرة: لقد أوضح الفقهاء -كما سبق تفصيله- أن القتل مباشرة قد يقع بسلاح وما جرى مجراه في تفريق الأجزاء، قد يقع بالمثقل ونحوه مما يقتل غالبا، وقد يقع بما لا يقتل غالبا.

стр. 95

ولقد أجمع الفقهاء على أن القتل الذي يتم بالنوع الأول يعتبر قتلا عمدا موجبا للقصاص؛ لأن استعمال السلاح وما جرى مجراه في تفريق الأجزاء أمارة ظاهرة ودليل واضح على قصد القتل وقرينة قاطعة على إرادة هذه النتيجة لا تحتمل الشك، وتكون العقوبة في هذه الحالة موافقة للجناية صورة ومعنى. كما أن جمهور الفقهاء "غير الإمام أبي حنيفة" اعتبروا القتل بما يقتل غالبا مما ليس بسلاح ولا ما جرى مجراه؛ كالحجر الكبير والعصا الكبيرة والتغريق والخنق.. وأمثال ذلك قتلا عمدا موجبا للقصاص. أما الإمام أبو حنيفة، فإنه يرى أن القتل بمثل ذلك يكون شبه عمد، وقد ذكرنا آنفا وجه قوله١. أما القتل بما لا يقتل غالبا كالعصا الصغيرة والحجر الصغير مما لا يقتل إلا نادرا، فإن جمهور الفقهاء جعلوا القتل بمثل ذلك "شبه عمد" وليس قتلا عمدا؛ لأن معنى العمد يتقاصر باستعمال ما يقتل غالبا؛ لأنه يقصد باستعمالها أمر آخر غير القتل كالتأديب ونحوه؛ لذلك كانت الجناية شبه عمد، إلا أنه إذا اقترن باستعمال ذلك ما يدل دلالة واضحة على قصد القتل؛ كتكرار الضرب بعصا صغيرة، أو وضعها في مقتل كأذن أو عين، أو كان الشخص لا يحتمل مثله الضرب بمثل ذلك لضعف بسبب صغر أو مرض أو حر شديد أو برد مفرط، إلى غير ذلك من الأسباب، فإنه يكون حينئذ قتلا عمدا موجبا للقصاص، كما صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية. أما المالكية والظاهرية، فإنهم يرون أن القتل بمثل ذلك يعتبر قتلا عمدا موجبا للقصاص إذا توافرت الشروط الأخرى للقتل العمد عندهم.

стр. 96

ونرجئ مناقشة هذه الآراء جميعها والأدلة التي استند إليها كل فريق إلى الفصل الثالث من هذا الباب، الخاص بتقحيق جريمة شبه عمد وبيان أركانها وعقوبتها، فيرجع إليه. القتل بسبب: والقتل بسبب قد يكون بفعل؛ كالأمثلة التي ذكرناها، وقد يكون بترك فعل كمنع طعام أو شراب عن شخص، ونوضح آراء الفقهاء في كلا النوعين. أما النوع الأول، فقد اختلف الفقهاء في اعتبار القتل بسبب جريمة عمدية موجبة للقصاص، ولهم في ذلك رأيان: أحدهما: أنها لا تكون جريمة عمدية. يرى الحنفية أن القتل بسبب لا يكون عمدا موجبا للقصاص؛ وذلك لأن القتل به لا يساوي القتل مباشرة؛ لأن القتل بسبب قتل معنى لا صورة -حيث لم يؤثر فعل الجاني في إحداث القتل إلا بواسطة- والقتل مباشرة قتل معنى وصورة -حيث إن فعل الجاني أثر في إهلاك المجني عليه دون واسطة- والجزاء الموضوع لهذه الجريمة هو قتل مباشرة، فكانت الجناية -بهذه الكيفية- والعقوبة غير متساويتين؛ لذلك قالوا: إن القتل بسبب لا يكون قتلا عمدا موجبا للقصاص؛ إذ القصاص هو المساواة، ولا مساواة في هذه الحالة. الثاني: أن ها تكون جريمة عمدية: يرى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية" أن القتل مباشرة والقتل بسبب متساويان، فكلا الجنايتين عقوبتها القصاص إذا كان القتل عمدا.

стр. 97

وأرى رجحان رأي الجمهور؛ لأن كلا من المباشر والمتسبب أدى فعله إلى إزهاق روح المجني عليه، فهما متساويان في النتيجة، وكون القتل بسبب حدث بفعل من الجاني أدى إلى ذلك بواسطة، لا يؤثر في أن الفعل هو الذي نسب إليه القتل؛ لأن الواسطة إذا كانت لا تصلح لإضافة الحكم إليها كانت لغوا -كما سنوضح ذلك بعد قليل- وأيضا فإننا لو قلنا بالفرق بين المباشرة والتسبب؛ لأدى هذا إلى انتشار الجرائم بهذه الكيفية التي تعفي الجاني من القصاص؛ وحيئنذ ينتشر التفاني بين الناس، وهذا يتنافى مع الحكمة التي شرع من أجلها القصاص التي نصت عليها الآية الكريمة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . ارتباط السبب بالنتيجة: ولقد قرر هؤلاء الفقهاء أنه يشترط لكي يكون القتل بسبب عمدا موجبا للقصاص ألا يفصل بين الفعل الذي أدى إلى النتيجة -وهي القتل- سبب آخر يصح إضافة النتيجة إليه، فإذا وجد مثل هذا السبب كان الثاني مباشرا للقتل، وانقطعت بذلك الرابطة بين السبب والنتيجة، حتى لو كان القاطع لهذه الرابطة المجني عليه نفسه، كما لو تراخى في إنقاذ نفسه، أو أهمل، وكان يمكنه ذلك، ولقد أوضحنا فيما تقدم بالتفصيل المسائل التي طبق فيها الفقهاء هذه القاعدة، ونبرز منها ما يلي: اشتراط المالكية لكي يكون القتل بسبب عمدا شروطا ثلاثة، كان ثالثها١: "وأن يهلك ذلك الشخص المعين بسبب ذلك" أي: أن يهلك الشخص المعين بسبب ذلك الفعل لا بسبب آخر؛ أي: ألا يكون هناك سبب آخر تترتب عليه النتيجة، وهو الموت، فلو أغرى به كلبا، فعقره، فإن

стр. 98

مات بسبب ذلك كان قتلا عمدا، أما إن تخلل بين العقر والموت سبب آخر؛ كأن تدخل شخص آخر فقتله، أو وقع في حفرة، أو هوى من فوق منزل فمات بسبب ذلك، كان هذا الفعل قاطعا لرابطة السببية بين الفعل الأول والنتيجة، ويضاف الحكم إلى الثاني لا الأول. وكذلك صرح الشافعية١ أنه لو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرا فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقده، فالقصاص على القاتل والمردي والقادر فقط. ثم وضحوا القاعدة فقالوا فيما لو أمسك شخص آخر فجاء ثالث فقتله: إنه يشترط أن يكون القاتل مكلفا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون أو سبع ضار فقتله، فالقصاص عل الممسك قطعا؛ لأنه يعد قاتلا عرفا٢؛ أي: أنه لا ينسب القتل عرفا للمجنون والسبع، وإنما ينسب إلى الممسك؛ لأنه هو المتسبب في القتل ولم يتخلل بين الإمساك والقتل فعل آخر يصح أن ينسب القتل إليه منفردا، أو بعبارة أخرى: لم يتخلل بينهما إرادة صحيحة؛ إذ هما يعتبران كالآلة في يد الممسك، كما يعتبر الممسك بإمساكه منفذا للقتل بواسطتهما، فكان هو القاتل لا هما. وقد قرر هذا الظاهرية أيضا كما وضحنا فيما سبق٣. كما قرر الحنمابلة هذه القاعدة فقالوا: إن ألقاه في ماء يغرقه، أو نار لا يمكنه التخلص منها، إما لكثرتهما أو لعجزه عن التخليص لمرض أو ضعف أو صغر أو كان مربوطا أو منعه الخروج كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها، ونحو هذا فمات، فعمد؛ لأن الموت حصل بعد فعل يغلب على الظن إسناد القتل إليه, فوجب كونه عمدا.

стр. 99

أما إذا ألقاه في ماء يسيير أو في نار ويمكنه التخلص منهما، فلبث فيه اختيارا، ولم يخرج حتى مات فهدر؛ لأنه مهلك نفسه. ومن هذا يتضح لنا أنه لما تخلل بين الفعل والنتيجة سبب آخر؛ وهو إهمال المجني عليه وتراخيه عن إنقاذ نفسه من الهلاك الذي أوقعه فيه الجاني انقطعت العلاقة بين السبب الأول والنتيجة؛ لأنه قد وجد سبب آخر أضيفت النتيجة إليه؛ وهو إرادة الشخص إهلاك نفسه، وإذا انقطعت هذه العلاقة لا يضاف القتل إلى السبب؛ ولكن يضاف إلى المباشر. ومثل ذلك ما قاله الزيدية١: "يجب القود على من فعل سبب القتل" ولم يوجد من يتعلق به إلا المسبب، وهو المعري لغيره مما يقيه الحر أو البرد من الثياب ونحوها، والحابس له ولم يمكنه التخلص حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا أو حرا فإنه يقاد به؛ لأنه قاتل عمدا عدوانا، وإن لم يكن القتل بفعله. ومثله من سرق طعام غيره أو ماءه أو مركوبه "دابته" في مفازة وليس معه سواه حتى مات قتل به؛ لأنه قاتل عمدا، فإن قولهم: "يجب القود على من فعل سبب القتل ولم يوجد من يتعلق به إلا المسبب" واضح تمام الوضوح في أنه لا بد من استمرار اتصال سبب القتل بالنتيجة وهي القتل؛ أي: ألا يتخلل بين السبب والمسبب ما يقطع هذه العلاقة بحيث يضاف القتل إليه، فإن وجد ما يقطع هذه العلاقة -أي وجد سبب جديد يضاف إليه القتل- لا يكون فاعل السبب الأول قاتلا عمدا. ويشترط أن يكون السبب الجديد مما يصح إضافة القتل إليه، فلو لم

стр. 100

يصح إضافة القتل إليه، كان فاعل السبب الأول هو القاتل عمدا، كما لو قتل بسبب الحر الشديد أو البرد الشديد، وكان السبب في تأثير ذلك فيه هو تعرية الشخص مما يقيه الحر والبرد كان القاتل هو المعري؛ لأن السبب الجديد وهو الحر والبرد لا يصح أن يضاف إليه القتل هنا مباشرة دون السبب الأول الذي أدى إلى تأثير السبب الثاني فيه. كما أنهم أشاروا إلى أن الشخص إذا كان يمكنه إنقاذ نفسه ولم يفعل كان مهلكا لنفسه، ولم يكن هلاكه بسبب ما أحدثه الجاني من فعل، كما أوضحنا ذلك عند الحنابلة. وقرر الإمامية هذه القاعدة أيضا فقالوا١: "لو أغرى به كلبا عقورا فقتله، ولا يمكنه التخلص منه، فلو أمكن بالهرب، أو قتله، أو الصياح به نحوه، فلا قود؛ لأنه أعان على نفسه بالتفريط، ولو ألقاه إلى أسد بحيث لا يمكنه الفرار منه فقتله ... " كان عمدا موجبا للقصاص، أما لو أمكنه الفرار ولم يفر، فإنه يكون قاتلا لنفسه بتراخيه. ومن هذا العرض والتحليل لما أورده جمهور الفقهاء يتضح لنا ما يأتي: أولا: أن القتل بسبب كالقتل مباشرة. ثانيا: أن القتل بسبب يشترط فيه لكي يكون كالقتل مباشرة أمران: أولهما: توافر رابطة السببية بين الفعل والنتيجة "وهي القتل". وثانيهما: استمرار هذه الرابطة حتى تتحقق النتيجة دون أن يتخلل

стр. 101

بين السبب والنتيجة سبب آخر يصح أن يضاف القتل إليه، فإن وجد هذا السبب انقطع تأثير السبب الأول في النتيجة، وأصبح القتل مضافا إلى السبب الثاني الذي اتصلت به النتيجة. القتل بالترك: الخلاف الذي جرى في القتل مباشرة والقتل بسبب يجري أيضا في هذا النوع من الجريمة وهو "القتل بالترك؛ أي: الجريمة التي يكون سببها امتناع الجاني عن القيام بعمل من الأعمال يكون من شأنه لو عمله أن ينقذ حياة المجني عليه، فهي جريمة لا ترتكب بعمل إيجابي، وإنما بمظهر سلبي، وهو الامتناع عن تقديم ما ينقذ حياة الإنسان. وفي الفقه الإسلامي ثلاثة آراء في حكم الجريمة بالترك: الرأي الأول: وهو رأي الإمام أبي حنيفة -والذي أشرنا إليه فيما سبق١- أنه إذا حبس شخص آخر في منزل فمات المحبوس من الجوع والعطش ولا يعتبر الحابس قاتلا عمدا عند أبي حنيفة، بل ولا ضامنا لما تلف بسبب هذا الفعل؛ لأن الهلاك حصل بسبب الجوع والعطش لا بسبب إغلاق المنزل عليه، والجوع والعطش أمران لا صنع لأحد فيهما، فلا يكون الحابس قاتلا له، وإنما القاتل له هو الجوع والعطش. أي أن الإمام يرى أن رابطة السببية بين الحبس والموت غير موجودة؛ لأن الموت لم يحدث بسبب الحبس، وإنما حدث بسبب آخر وهو الجوع والعطش، فقد تخلل بين السبب الأول والنتيجة -وهي الموت- سبب جديد أضيف الحكم إليه، وانقطعت به الرابطة بين السبب الأول والنتيجة

стр. 102

فلا يكون صاحب السبب الأول معاقبا بعقوبة القتل المنصوص عليها في كتاب الله تعالى وسنة رسول ﷺ وليس معنى هذا أنه غير معاقب أصلا، لا، بل إنه آثم؛ لما ترتب على فعله من الإضرار بالغير، وأيضا معاقب بعقوبة دنيوية غير مقدرة بنص، وهي عقوبة التعزير؛ أي: أن عقوبته الدنيوية تنتقل من عقوبة مقدرة بنص إلى عقوبة يقدرها الإمام بما يناسب الجرم الذي ارتكبه. الرأي الثاني: "وهو رأي أبي يوسف ومحمد ابن الحنفية" أنه يعتبر القتل بسبب الترك قتلا بسبب؛ لأن الترك هو الذي تسبب في إهلاك الشخص المحبوس؛ لأنه لا بقاء للآدمي إلا بالأكل والشرب، فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش عليه يكون إهلاكا له، فأشبه حفر البئر على قارعة الطريق إذا وقع فيها إنسان فإن قتله يكون قتلا بسبب، وليس قتلا مباشرة، والقتل بسبب -عند الحنفية- يضمن فيه المتسبب دية المقتول، وإنما لم يعتبر عندهم القتل بسبب كالقتل مباشرة حتى يجب القصاص؛ لأن القتل بسببب قتل معنى فقط، والقصاص قتل معنى وصورة، فيكونان غير متساويين، والقصاص هو المساواة. الرأي الثالث: يرى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية والإباضية"١ أن القتل بالترك كالقتل مباشرة، لا فرق بينهما

стр. 103

في العقوبة ما دام القصد الجنائي متوافرا، وسواء كانت هذه الجريمة ناتجة عن عمل مادي باشره الجاني قبل المجني عليه بغير حق أدى إلى وقوع القتل بالترك كما إذا حبسه في منزل ونحوه، وتركه فمات جوعا أو عطشا، أو كانت ناتجة عن الامتناع عن أداء واجب أوجبه المشرع أو أوجبه الشخص على نفسه، كما إذا منع فضل مائه مسافرا، عالما بأنه لا يحل له١ منعه، وأنه يموت إن لم يسقه، ثم مات هذا الشخص، فإنه يقتل به، وكما إذا منعت الأم عن طفلها اللبن حتى مات، فإن المالكية يرون أنها إن قصدت قتله بذلك قتلت به، وإن لم تقصد قتله فالدية على عاقلتها. وكما إذا امتنعت المرضعة عن إرضاع الطفل الذي التزمت بإرضاعه٢، فإنها تقتل به إذا مات بسبب هذا المنع؛ وذلك لأن المنع

стр. 104

في كل هذه الصور هو السبب في حدوث الموت، ولم يفصل بين السبب والنتيجة -وهي الموت- سبب آخر يصح إضافة الحكم إليه، ولأن الله تعالى قد أجرى الموت عند حدوث ذلك، فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل، وقد سبق أن نقلنا النصوص الفقهية الدالة على ذلك١، ومنها ما قاله المالكية آنفا٢ وما قاله الحنابلة أنه إن "حبسه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما أو منعه الدفء في الشتاء ولياليه الباردة حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا في مدة يموت في مثلها غالبا، بشرط أن يتعذر الطلب، فعمد؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عند ذلك، فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل". وما قاله الزيدية أنه "يجب القود على من فعل سبب القتل ولم يوجد من يتعلق به إلا المسبب، وهو المعري لغيره مما يقيه الحر أو البرد من الثياب ونحوها، والحابس له، ولم يمكنه التخلص حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا أو حرا فإنه يقاد به؛ لأنه قاتل عمدا عدوانا، وإن لم يكن القتل بفعله ومثله من سرق طعام غيره أو ماءه أو دابته في مفازة وليس معه سواه، حتى مات قتل به؛ لأنه قتل عمدا، وكذا لو تركت المرضعة الصبي حتى مات، فتقاد به إن لم تكن من أصوله"٣. وما قاله الظاهرية من أن من استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات، أنهم إن كانوا يعملون أنه لا ماء البتة إلا عندهم، ولا يمكنه إدراك الماء أصلا حتى يموت، فهم قتلوه عمدا، وعليهم القود.. ولا يدخل في ذلك من لم يعلم بأمره ولا من لم يمكنه أن يسقيه، فإن كانوا يعلمون ذلك، ويقدرون أنه سيدرك الماء فهم قتلة خطأ، وعليهم الكفارة، وعلى عواقلهم الدية ولا بد، برهان ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

стр. 105

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ ، قال أبو محمد: وهكذا القول في الجائع والعاري ولا فرق١. ومن هذا يتبين لنا أن جمهور الفقهاء يعتبرون أن جريمة القتل بالترك جريمة عمدية موجبة للقصاص؛ ولكنهم وضعوا قيودا لتوقيع عقوبة القتل العمد: أولها: أنه لا بد من ثبوت عدم تمكن المجني عليه من الخلاص مما أوقعه فيه الجاني، فإن ثبت عدم تمكنه من الخلاص مما أوقعه فيه، بأن كان في استطاعته طلب الطعام أو الشراب، ولم يطلبه فإنه يكون قاتلا لنفسه فيكون هدرًا. ثانيها: أن يكون الجاني متعديا في امتناعه عن تقديم ما كان المجني عليه محتاجا إليه مما أدى إلى موته بسبب هذا الامتناع، بشرط ألا يتخلل بين الامتناع والنتيجة سبب جديد يصح إضافة النتيجة إليه، فإن لم يكن متعديا فإنه لا يكون قاتلا عمدا، وقد بينا فيما سبق الجزاء الذي يلحق الجاني في كل من الحالتين. ثالثها: أن تكون مدة المنع كافية لقتل الشخص غالبا، وهذا القيد هو أحد أركان الجريمة العمدية كما سبق أن أوضحنا؛ إذ لا بد وأن تكون الجناية قد ارتكبت بما يقتل غالبا أو عادة حتى تكون عمدا. ومن هذا يتبين لنا رأي الفقه الإسلامي في الجريمة بالترك أو الجريمة السلبية، من ناحية العقوبة الدنيوية. وأما العقوبة الأخروية، فإنها تشمل هذه الصور كما تشمل الصور الأخرى التي لا تتوافر فيها أركان الجريمة عمدا، فالشريعة الإسلامية قائمة على جلب المصلحة ودفع الضرر، فكل ما يجلب

стр. 106

المصلحة مطلوب شرعا، وكل ما يؤدي إلى المضرة منهي عنه شرعا، وعكس ذلك ترك المصلحة منهي عنه شرعا؛ لأنه يصبح كإيقاع الضرر، فلو أن إنسانا رأى آخر يوشك على الغرق وكانت ظروفه تمكنه من إنقاذه -كما لو كان متعلما السباحة- دون خوف على حياته، فإن لم ينقذه كان آثما، والإثم له عقوبة أخروية يحاسبه الله تعالى عليها على قدر الدوافع والظروف التي ثبطت همته عن القيام بمثل هذا العمل لينقذ إنسانا من الموت أو من الوقوع في ضرر محقق أو غالب.

стр. 107

المبحث الثالث: آراء فقهاء القوانين في تحليل القتل العمد ورأي الفقه الإسلامي في هذه الآراء: نعرض بإيجاز تعريف القتل عمدا عند فقهاء القانون، وأركان هذا النوع من القتل١، ونبين أثناء هذا العرض رأي الفقه الإسلامي على ضوء التحليل التفصيلي الذي أوردناه في المبحثين الأول والثاني من هذا الفصل. تعريف القتل العمد عند فقهاء القانون: لقد أغفل المشرع المصري تعريف القتل العمد؛ ولكنه نص على عقوبته فقال في المادة "٢٣٠" ع: "كل من قتل نفسا عمدا مع سبق الإصرار والترصد يعاقب بالإعدام"، وفعل مثل هذا المشرع العراقي مادة ٢١٢ ع: "كل من قتل نفسا قصدا مع سبق الإصرار على ذلك يعاقب بالإعدام ... "، والمشرعي الليبي مادة ٣٨٦ع: "كل من قتل نفسا عمدا مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقب بالإعدام"، والمشرع السوري في المادة ٣٥٣ع. ولكن فقهاء القانون عرفوا القتل عمدا بأنه: "القتل المقترن بنية إعدام المجني عليه"، ثم بينوا أركان هذه الجريمة.

стр. 108

أركان القتل العمد: جعل فقهاء القانون أركان جريمة العمد ثلاثة: الأول: أن يكون المجني عليه إنسانا على قيد الحياة. الثاني: أن يقع القتل بفعل من الجاني من شأنه إحداث الموت. الثالث: أن يكون الجاني قد قصد إحداث الموت. الركن الأول: أن يكون المجني عليه إنسانا على قيد الحياة. وهذا أمر بدهي؛ لأنه لا يتصور القتل إلا إذا كان المجني عليه حيا عند ارتكاب جريمة القتل، فمن أطلق عيارًا ناريًّا على ميت بنية قتله لا يعد قاتلا ولا شارعا في قتله لاستحالة الجريمة. وقد سبق أن أوضحنا رأي الفقه الإسلامي في ذلك١، وبهذا لا يخرج ما قرره فقهاء القانون عما قرره فقهاء الفقه الإسلامي. الجناية على الجنين في بطن أمه: إذا أعدم شخص جنينا في بطن أمه فإنه لا يعد قاتلا بالمعنى المقصود هنا؛ لأن قتله يكون جريمة قائمة بذاتها، وهي جريمة إسقاط الحمل، ويعاقب عليها القانون بعقاب آخر غير عقاب القتل العمد "م٢٦٠-٢٦٤ع". وقد سبق أن بينا٢ أيضا أن الجناية على الجنين في الفقه الإسلامي لها عقوبة خاصة غير عقوبة القتل عمدا عند جمهور الفقهاء، وهذا يدل على أن الجناية عليه تختلف عن الجناية على إنسان مولود موجود على ظهر الأرض حيا.

стр. 109

كما نص شراح القانون على أنه "يعد الاعتداء على الحياة قتلا معاقبا عليه بالمادة ٢٣٠ع. م مهما كانت جنسية المجني عليه، أو نوعه أو سنه أو حالته الصحية، فلا يقبل من الجاني الاعتذار بأن المجني عليه كان مصابا بمرض قاتل في ذاته، ولا بأنه كان محكوما عليه بالإعدام، ويعد الطبيب قاتلا إذا أعطى مريضه جرعة من السم ليعجل بموته، ويخلصه من أسقام وأوجاع كانت ستؤدي به إلى الوفاة حتما"١. والفقه الإسلامي يوافق على ذلك في جملته، غير أنه بالنسبة لبعض الأشخاص ذوي الجرائم الخطرة على المجتمع الإسلامي لا يعتبر الفقهاء الجناية عليهم موجبة للقصاص؛ لأن دمهم مستحق، وحياتهم مهدرة، وهؤلاء هم: الحربيون، وهم الكفار المحاربون لدار الإسلام، والبغاة، وهم الخارجون على طاعة الإمام، والزاني المحصن، والمرتد عن دينه. وقد سبق أن أوضحنا أن دماء هؤلاء غير معصومة، وبينا النصوص التي أباحت دمهم؛ حماية للدولة من عبث العابثين وإفساد المفسدين، إلا أن الذي له حق الاستيفاء هو الإمام، فإن قتل شخص واحدا من هؤلاء عزر لافتياته على الإمام، وتجاوزه الحد، كما بينا. أما من استحق القصاص فإن دمه مباح في حق ولي الدم فقط، أما في حق غيره فهو معصوم الدم، فإن قتله شخص غير ولي الدم اقتص منه، وقد بينا هذا آنفا٢. وإن قتله ولي الدم عزر لافتياته على حق الإمام في الاستيفاء.

стр. 110

الركن الثاني: فعل القتل: الجريمة تستدعي وجود فعل من الجاني من شأنه إحداث الموت، ولا يهم بعد هذا نوع الوسيلة التي استخدمها الجاني لإحداث الموت، كما لا يشترط أن يكون القتل حاصلا بيد الجاني مباشرة، كما لو ضربه بسلاح أو بجسم ثقيل، أو بضربة في مقتل، أو بالخنق، بل يكفي أن يكون الجاني قد أعد وسائل الموت وهيأ أسبابه، حتى ولو بقي الموت بعد ذلك معلقا على حكم الظروف، فيعد قاتلا من يضع للمجني عليه في طعامه مواد قاتلة، ومن يسلط على المجني عليه تيارا من غاز الكربون، ومن يحفر لآخر حفرة في طريقه، ومن يقطع جسرا يعلم أن المجني عليه سيعبره، ومن يرمي غيره في البحر، قاصدا بكل ذلك قتله إذا وقع الموت فعلا١. وإنما يشترط فقط أن يكون الفعل في ذاته من شأنه إحداث الموت، وأن يكون بين الفعل والموت الحادث رابطة السببية، فإذا لم يكن من شأن الفعل إحداث الموت كان فعل الجاني من قبيل الجرائم المستحيلة ولا عقاب عليه، بل ولا محل لاعتباره شروعا في قتل؛ لأن الشروع لا يعاقب عليه "على الأقل عند أصحاب نظرية الجريمة المستحيلة" إلا إذا كان الفعل من شأنه إحداث الجريمة المقصودة إذا تم التنفيذ، فالذي يصوب سلاحا ناريا فارغا لا يمكن أن يرتكب جريمة القتل، ولا يعاقب على فعله باعتباره شروعا، كذلك لا يعد قاتلا من يستخدم السحر والتعازيم بنية إحداث القتل؛ لأن هذه الوسائل ليس من شأنها في نظر العلم أن تؤدي إلى الموت، ولو مات المجني عليه عقب ذلك مصادفة واتفاقا، بل ولا يعد الجاني في هذه الحالة شارعا في قتل؛ وذلك لأن الجريمة تكون تصورية أو وهمية (Put Atif) لا وجود لها إلا في مخيلة مرتكبها دون أن يحس من عداه بعنصرها المادي المكون لها، والذي لا خطر منه على المجني عليه ولا ضرر.
следующие страницы →