← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9980

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

حسن علي الشاذلي

Полный текст (467 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي: لقد وضعت الشريعة الإسلامية عقوبة دنيوية توقع على القاتل عمدا، منها ما هو بدني، وهو القصاص أو التعزير، ومنها ما هو مالي، وهو الدية في حالة سقوط القصاص والكفارة عند بعض الفقهاء والحرمان من الميراث، ونتناول كل نوع منها في مبحث مستقل، سواء كانت الجناية من الإنسان على نفسه أو على غيره، إلا أن مبحث القصاص لا يكون إلا في قاتل غيره. النوع الأول: القصاص: تعريف القصاص: القصاص لغة: مأخوذ من قص أثره: أي تتبعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ ١، وهذا المعنى يتحقق في القصاص؛ لأن المجني عليه -أو ولي الدم- يتبع الجاني حتى يقتص منه، وقيل: مأخوذ من القص بمعنى القطع، يقال: قص شعره: أي قطعه، وهذا المعنى يلائم القصاص أيضا؛ لأن المجني عليه -أو ولي الدم- يتبع الجاني حتى يقتله أو يجرحه -كما فعل- وفي كل قطع، كما أن القصاص ينبئ عن المساواة؛ لأن في كلا المعنيين اللغويين توجد المساواة.

стр. 142

والقصاص اصطلاحا: هو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، فإن قتل قتل، وإن جرح جرح١، إذا توافرت الشروط التي وضعها الفقه الإسلامي لذلك. مباحث القصاص: نضع مباحث هذا النوع من العقوبة في سبعة مقاصد: المقصد الأول: الأدلة التي ثبت بها القصاص في القتل العمد. المقصد الثاني: عقوبة القتل العمد، هل هي القصاص عينا، أم القصاص أو الدية، ويكون ولي الدم بالخيار بينهما. المقصد الثالث: العفو وأثره. المقصد الرابع: شروط استيفاء القصاص. المقصد الخامس: استيفاء القصاص "من له حق المطالبة به، طريقة الاستيفاء". المقصد السادس: الظروف المبيحة أو المخففة للعقوبة في الفقه الإسلامي. المقصد السابع: الظروف المشددة للعقوبة في الفقه الإسلامي. المقصد الأول: الأدلة التي ثبت بها القصاص في القتل العمد: لقد ثبتت عقوبة القصاص بأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والقياس:

стр. 143

أما الكتاب فقد قال جل شأنه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢. ووجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ -مع أن ظاهر الآية يوجب القصاص أينما وجد القتل، سواء كان عمدا أم خطأ- أن الله تعالى ذكر في آية أخرى أن موجب القتل الخطأ الكفارة والدية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٣ الآية، فتعين أن يكون القصاص المذكور في الآية فيما هو ضد الخطأ، وهو العمد. ٢- السنة: ويضاف إلى هذا أن السنة قيدت إطلاق الآية، قال رسول الله ﷺ : "العمد قود" أي: موجبة القود، وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، ووجه الاستدلال به "كما بينه الحنفية بناء على رأيهم في موجب القتل العمد" أن الألف وللام في قوله: "العمد" للجنس؛ إذ

стр. 144

لا معهود ينصرف إليه، ففي الحديث تنصيص على أن حكم جنس العمد القود، قال صاحب الكفاية: لا يقال إن قوله ﷺ : "العمد قود" لايوجب التقييد؛ لأنه تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه؛ لأنا نقول: لو لم يوجب هذا الخبر تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط، فلا يكون لذكر لفظ العمد في الحديث فائدة. القياس: الجناية تتكامل بالعمد، وكلما تكاملت الجناية كانت حكمة الزجر عليها أكمل، وحكمة الزجر تكون أكمل بالعقوبة المتناهية، والعقوبة المتناهية هي القصاص، فكان القصاص موجب القتل العمد، وأيضا لأن العقوبة المتناهية لا تشرع إلا عند تكامل الجناية، وتكاملها هنا لا يكون إلا بالعمد. المقصد الثاني: عقوبة القتل العمد: للفقهاء في موجب القتل العمد رأيان: أحدهما: يرى أن موجبه القصاص عينا، ويترتب على ذلك أن لا يكون لولي الدم أن يلزم الجاني الدية جبرا عنه، وإنما له أن يقتص، أو يعفو مجانا. ثانيهما: يرى أن موجب القتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية، فيكون للولي أن يقتص -إن شاء- أو يأخذ الدية ولو لم يرض الجاني، ونوضح أدلة كل فيما يأتي:

стр. 145

أدلة الرأي الأول: استدل القائلون بأن موجب القتل العمد القصاص عينا "وهم الحنيفية والمالكية، وأحد قولي الشافعي١، والإمامية، وهو قول إبراهيم النخعي وابن شبرمة، وأبي الزناد، وسفيان الثوري، والحسن بن حي" بالكتاب الكريم والسنة الشريفة والقياس: أما الكتاب: فإن الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ نصت على أن الواجب بالقتل القصاص، ولم تذكر الدية، وإذا تعين هذا موجبا للقتل العمد لا يمكن العدول عنه إلى غيره؛ لئلا تلزم الزيادة على النص بالرأي. وأما قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فقد فسروه بما يأتي: قال أبو حنيفة: إن معنى "عفي" بذل، والعفو في اللغة البذل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما سهل٢، فكأنه قال: من بذل له من القاتل شيء من الدية فليقبل ما بذل له، وليتبع بالمعروف، وليؤد إليه القاتل بإحسان، والأمر هنا للندب لا للوجوب، فندب الله تعالى لولي الدم أن يأخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ ٣ فندب جل شأنه فيها إلى رحمة العفو والصدقة، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية

стр. 146

إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية، ثم أمر الولي بالاتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان. ويدل أيضا على أن الأمر هنا للندب أن المعروف والإحسان يدلان على التفضيل لا الوجوب كما تقتضيه عبارة النص؛ لأن الوجوب يقتضي العقاب على الترك، والمعروف والإحسان لا يقتضيان العقاب على الترك، بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ . وقد فسره بذلك الإمام مالك فقال: معنى "عفي" يسر -بالبناء للمفعول فيهما- لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل والشيء هو الدية، أي: أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية، فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه، فمرة تيسر، ومرة لا تيسر١. أي أن الجاني مخير في أن يقبل دفع الدية لولي الدم مقابل إسقاط القصاص عنه، أو لا يقبل، ولا يكون لولي الدم حينئذ إلا القصاص أو العفو مجانا. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٣، فقالوا: ليس مثل القتل إلا القتل، فلا مدخل للدية هاهنا إلا برضاهما معا. كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٤، قالوا: فلم يذكر الله إلا القتل فقط.

стр. 147

وأما السنة فقوله ﷺ : "العمد قود". أي: أن جنس القتل العمد موجبه القود عينا؛ وذلك لأن الألف واللام في "العمد" للجنس؛ إذ لا معهود ينصرف إليه حتى يمكن أن تكون للعهد. ففي الحديث تنصيص على أن حكم الجنس العمد القصاص، وليس فيه ذكر للدية، فمن عدل عنه إلى غيره زاد عن النص بالرأي، وذلك لا يجوز. وقد أورد هذا الحديث صاحب مغني المحتاج على متن المنهاج ج٤، ص٤٨ بلفظ: "من قتل عمدا فهو قود" رواه أبو داود والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح، وهو يدل أيضا على أن موجب القتل العمد القصاص عينا؛ لأن ما بعد الفاء يدل على أنه كل الموجب، وإلا لذكر الرسول ﷺ معه الدية. كما احتجوا بما روي عن أنس أن الربيع١ عمته كثرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش، فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فأبوا إلا القصاص، فامر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس، كتاب الله القصاص" فرضي القوم، فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره"، رواه البخاري والخمسة إلا الترمذي٢. ووجه الاستدلال: أنه لما حكم رسول الله ﷺ بالقصاص قال: "كتاب الله القصاص"، ولم يخير المجني عليه بين القصاص

стр. 148

والدية، فثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد القصاص عينا١. وعن عمر بن الخطاب قال: لا يمنع السلطان ولي الدم أن يعفو إن شاء، أو يأخذ العقل إن اصطلحوا عليه، ولا يمنعه أن يقتل إن أبَى إلا القتل بعد أن يحق له القتل في العمد. كما استدل الإمامية بما روي عن الصادق "ع" قال: "من قتل مؤمنا متعمدا قيد به إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية" ٢. القياس: إنا القود بدل شيء متلف، فتعين أن يكون بدله من جنسه كسائر المتلفات، وجنس المتلف هنا هو القياس، والدية أو الأرش بدل عند سقوط القصاص بعفو أو غيره، كموت الجاني٣. أدلة الرأي الثاني: قال الحنابلة، وبعض الشافعية، والظاهرية والزيدية والإباضية "وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور": إن ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل، أي: أن

стр. 149

موجب العمد أحد شيئين القصاص أو الدية، والخيار في ذلك لولي الدم، وليس عفو ولي الدم عن القصاص وسكوته عن ذكر الدية مسقطا للدية، بل هي واجبة للولي وإن لم يذكرها، إلا أن يعفو عن الدية أيضا، ويجوز لولي الدم والقاتل أن يصطلحا على ما يرضيهما في مقابل إسقاط القود، فهذا فقط الذي يشترط فيه رضاهما، وقد استدلوا بما يأتي١: ١- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، فقد روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف: يتبع الطالب بمعروف، ويؤدى إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فيما كتب على من كان قبلكم. رواه البخاري والنسائي والدارقطني. فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ "من" يراد بها القاتل، و"عفي" تتضمن شخصا يعفو عن القصاص، وهو ولي الدم، و"أخيه" هالشخص المقتلو، و"شيء" هو الدم الذي يعفي عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، وهذا قول قتادة أيضا، وجماعة من العلماء، والعفو في هذا القول على بابه الذي هو "الترك". والمعنى أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتوله، وأسقط القصاص، فإنه يأخذ الدية، ويتبع بالمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان.

стр. 150

وأما عدم ذكر الدية في الآية فإن هذا لا يستلزم عدم الذكر مطلقا، فإن الدية قد ذكرت في الأحاديث. وأيضا فإن تقدير الآية: "فمن اقتص فالحر بالحر ... ومن عفي لهمن أخيه شيء فالدية"، ويدل على هذا تفسير ابن عباس المذكور آنفا. وظاهر الحديث أيضا أن الولي إذا عفا عن القصاص لم تسقط الدية، بل يجب على القاتل تسليمها. ٢- ومن السنة: ما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي وإما أن يقتل" رواه الجماعة، ولكن لفظ الترمذي: "إما أن يعفو وإما أن يقتل". وما روي عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أصيب بدم أو خبل -والخبل الجراح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا١ على يديه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وعن وائل بن حجر قال: كنت عند رسول الله ﷺ إذ جيء بقاتل في عنقه النسعة، فقال ﷺ لولي المقتول: "أتعفو؟ " قال: لا، قال: "أتأخذ الدية؟ " قال: لا، قال: "أفتقتل؟ " قال: نعم. فقد جعل رسول الله ﷺ في هذا الحديث الخيار لولي المقتول في العفو أو الدية أو القود دون أن يستشير القاتل أو يلتفت إلى رضاه.

стр. 151

٣- ويؤيد هذا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في امرأة قتلت رجلا: "إن أحب الأولياء أن يعفوا عفوا، وإن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، وإن أحبوا أن يأخذوا الدية أخذوها وأعطوا امرأته ميراثها من الدية". وعن معمر عن قتادة قال: كان يجبر القاتل على إعطاء الدية، فإن اتفقوا على ثلاث ديات فهو جائز، إنما اشتروا به صاحبهم، وهو قول سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي سليمان، وأصحابهم، وجمهور أصحاب الحديث١. الرد على أصحاب الرأي الأول: قد أخذ أصحاب الرأي الأول بما قلنا به فيما إذا عفا واحد من الأولياء فأكثر دون الآخرين، فقالوا: إن الدية واجبة للباقين، أحب القاتل أم كره. وكذلك عندهم إذا بطل القود بأي وجه من الوجوه؛ كالأب إذا قتل ابنه٢ أو نحو ذلك، وجبت الدية، فأي فرق بين امتناع القود بهذا الوجه وبين امتناعه بعفو الولي؟ وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، فإن هذا الاحتجاج حق، وأيضا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ، وقول رسول الله ﷺ :

стр. 152

"إما أن يقاد وإما أن يودي" أي: يدفع الدية -حكم زائد على تلك الآيات، وأحكام الله وأحكام رسول الله ﷺ كلها حق، يضم بعضها إلى بعض، فيجب القصاص بتلك، وتجب الدية بهذه، ولا تنافي. وأما قوله : ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ فحق، وبه نقول: إذا اختار ولي الدم القصاص، فليقتل قاتل وليه، ولا يحل له أن يسرف فيقتل غير قاتله، وليس هاهنا ذكر للدية التي قد ورد حكمها في نص آخر. الترجيح: والذي يظهر لنا أن الرأي الثاني هو الرأي الراجح، وذلك لما يأتي: ١- أن الآية بناء على تفسير العفو بمعنى الترك تؤيد هذا الرأي، ويكون استعمال اللفظ هنا على بابه، فإن معنى "عفي" لغة ترك، ووقد فسرها بذلك ابن عباس وجمهور من الفقهاء، فلا داعي إلى ترك المعنى الحقيقي للفظ ما دامت الأحاديث تقرر هذا المعنى. ٢- أن الأحاديث أثبتت أن الواجب بالعمد أحد الأمرين القصاص أو الدية، وقد ذكرنا طائفة منها، وإذا ثبت ذلك كان لزاما علينا الأخذ به. وقد روى الربيع عن الشافعي، قال: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال: حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري١ عن أبي شريح الكعبي: أن رسول الله ﷺ قال عام الفتح: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إن أحب أخذ للعقل، وإن أحب فله القود".

стр. 153

فقال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري، وصاح علي صياحا كثيرًا، ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: أتأخذ به! نعم آخذ به، وذلك الفرض علي، وعلى من سمعه، إن الله ثناؤه اختار محمدًا ﷺ من الناس فهداهم به، وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك، قال: وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت١. ٣- وأيضا فإنه من طريق النظر والمصلحة: أن الدية إنما لزمت القاتل بغير رضاه؛ لأنه من المفروض عليه أن يحيي نفسه ويحرم عليه أن يهلكها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، وقد أتيحت له فرصة النجاة بنفسه، فيجب عليه أن يقبلها، وهذا الوجوب يمليه الشرع والعقل.

стр. 154

المقصد الثالث: العفو عن القصاص أو المصالحة عليه: لما كان العفو عن القصاص فيه حقن للدماء، وإحياء للنفوس، وتطبيق لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١، فتحت الشريعة الإسلامية باب العفو، وجعلته في يد صاحب الحق في استيفاء القصاص من الجاني، وهو ولي الدم. وقد أجمع العلماء على إجازته، وأنه أفضل من القصاص، غير أنهم اختلفوا في الآثار التي تترتب عليه في بعض الصور، ونوضح فيما يلي: ركنه وشرائطه، وأدلة مشروعيته، وحكم العفو مجانا، أو مع السكوت، وحكم المصالحة على إسقاط القصاص بمقابل. أ- أما ركن العفو، فهو أن يقول العافي: عفوت أو أسقطت أو أبرأت وما يجري هذا المجرى. وأما شرائط الركن، فمنها أن يكون العفو من صاحب الحق؛ لأنه إسقاط للحق، وإسقاط الحق ولا حق محال، فلايصح العفو من الأجنبي لعدم الحق، ومنها أن يكون العافي بالغا عاقلا، فلا يصح العفو من الصبي والمجنون، وإن كان الحق ثابتا لهما؛ لأن العفو من التصرفات المضرة المحضة فلا يملكانه كالطلاق والعتاق والهبة ... ب- أدلة مشروعية العفو عن القصاص وأفضليته: استدل الفقهاء على إجازة العفو عن القصاص، وعلى أنه أفضل من القصاص بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى في سياق آية القصاص٢: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ

стр. 155

رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ، فقد أجازت الآية العفو وجعلته تخفيفا ورحمة من الله للناس. وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ ١ أي: من تصدق بالقصاص، أو عفا عنه، فإن العفو يكون كفارة للجاني بعفو صاحب الحق عنه، وكفارة للعافي؛ لأنه قد تصدق به عليه. وأما السنة: فمنها ما روي عن أنس بن مالك قال: "ما رفع إلى رسول الله ﷺ أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو" رواه الخمسة إلا الترمذي، وعن أبي الدراداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة" رواه ابن ماجه والترمذي٢، ومنها حديث أنس بن النضر في قصة "الربيع بنت النضر" حين كسرت ثنية جارية، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعفا القوم، وقد تقدم نصه٣. وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز العفو ولم يختلفوا في مشروعيته. ج- العفو مجانا: أجمع العلماء على جواز العفو مجانا، ولم يختلفوا في ذلك، وإنما وقع

стр. 156

الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم: هل الأولى العفو عن ظالمه أو الترك؟ فريق من العلماء رجح الأول، وفريق رجح الثاني. ووجه ترجيح الأول: أن الله تعالى لا يندب عباده إلى العفو إلا ولهم فيه مصلحة راجحة على مصلحة الانتصاف من الظالم، فالعافي له من الأجر بعفو عن ظالمه فوق ما يستحقه من العوض عن تلك المظلمة من أخذ أجر ووضع وزر لو لم يعف عن ظالمه. ومن رجح الثاني قال: إنا لا نعلم هل عوض المظلمة أنفع للمظلوم، أم أجر العفو؟ ومع التردد في ذلك لا يكون هناك طريق إلى القطع بأولية العفو، فيكون الترك هو الراجح. والراجح عندي هو الرأي الأول؛ لأن عدم الجزم بأولية العفو يقابله أنه لا جزم بأولية الترك أيضا، ثم الدليل قائم على أولوية العفو؛ لأن الترغيب من الشارع الحكيم في شيء يستلزم رجحانه١، ويؤيد هذا الأحاديث -المذكورة آنفا- التي جعلت موجب العفو رفع درجات العافي وحط خطيئته. وما ورد من أن الله يزيده به عزا، فقد روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا" رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه٢.

стр. 157

٥- العفو المقترن بسكوت ولي الدم عن المطالبة بعوض: إذا صدر العفو من ولي الدم عن الجاني دون أن يقترن عفوه بمقابل من مال أو غيره، فإن الفقهاء قد اختلفوا فيما يجب في هذه الحالة، واختلافهم هنا هو فرع اختلافهم الذي قررناه آنفا، وهو هل موجب القتل العمد القصاص عينا، أم أن ولي الدم مخير بين القصاص والدية؟ فمن قال بالثاني قال بوجوب الدية إذا صدر العفو دون أن يقترن بمقابل؛ لأن الواجب أحد الشيئين، فإذا أسقط أحدهما وجب الآخر دون الحاجة إلى بيان، ومن قال بالأول أسقط القصاص عن الجاني في هذه الحالة، وليس لولي الدم شيء آخر؛ لأن موجب العمد القصاص عينا، وقد أسقطه، فلا شيء له بعد ذلك؛ إلا أن هناك حالات يترتب عليها الدية بعد العفو عن القصاص، ونورد هذا التفصيل فيما يأتي من مذهب الحنفية الآخذين بهذا الرأي. آثار العفو المطلق عند القائلين بوجوب القصاص عينا: فصل الكاساني الحنفي في بدائعه هذه الآثار تفصيلا دقيقا فقال: وأما حكم العفو، فالعفو في الأصل لا يخلو إما أن يكون من الولي، ,إما أن يكون من المجروح، فإن كان من الولي لا يخلو أن يكون منه بعد الموت، أو قبل الموت بعد الجرح، فإن كان بعد الموت فإما أن يكون الولي واحدا وإما أن يكون أكثر. فإن كان الوالي واحدا بأن كان القاتل والمقتول واحدا فعفا عن القاتل، وكان هذا العفو بعد الموت سقط القصاص.. ولا ينقلب إلى مال عند من قال بأن الواجب القصاص عينا. وأما إذا كان ولي الدم اثنين أو أكثر فعفا أحدهما سقط القصاص عن

стр. 158

القاتل؛ لأنه سقط نصيب العافي بالعفو، فيسقط نصيب الآخر ضرورة أنه لا يتجزأ؛ إذ القصاص قصاص واحد، فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الآخر مالا بإجماع الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم؛ فإنه روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃ أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينقل أنه أنكر أحد منهم فيكون إجماعا١. وقيل: إن قوله ﵎: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ نزلت في دم بين شركاء يعفو أحدهم عن القاتل، فللآخرين أن يتبعوه بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه قال : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ، وهذا العفو عن بعض الحق، ويكون نصيب الآخر، وهو نصف الدية في مال القاتل؛ لأن القتل عمد، إلا أنه تعذر استيفاء القصاص لما ذكرنا، والعاقلة لا تعقل العمد. أما إذا كان لكل واحد منهما قصاص كامل قبل القاتل، بأن قتل واحد رجلين فعفا أحدهما عن القاتل لا يسقط قصاص الآخر؛ لأن كل واحد منها استحق عليه قصاصا كاملا، ولا استحالة له في ذلك؛ لأن القتل ليس تفويت الحياة ليقال: إن الحياة الواحدة لا يتصور تفويتها من اثنين، بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة، وهذا يتصور من كل واحد منهما في محل واحد على الكمال، فعفو أحدهما عن حقه وهو القصاص لا يؤثر في حق

стр. 159

صاحبه، بخلاف القصاص الواحد المشترك١. وأما إذا عفا الولي عن القاتل بعد الجرح وقبل الموت، فالقياس ألا يصح عفوه؛ لأن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل، والفعل لا يصير قتلا إلا بفوات الحياة عن المحل، ولم تفت الحياة عن المحل حتى الآن، فالعفو لم يصادف محله، وإذا لم يصادف العفو محله لا يصح. وفي الاستحسان يصح عفوه، وللاستحسان وجهان؛ أحدهما: أن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا من حين وجوده، فكان عفوا عن حق ثابت، والعفو عن الحق الثابت يصح، فكذا هذا؛ ولهذا لو كان الجرح خطأ فكفر بعد الجرح قبل الموت، ثم مات، جاز التكفير، والثاني: أن القتل إن لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده، وهو الجرح المفضي إلى فوات الحياة، والسبب المفضي إلى الشيء يقام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع؛ كالنوم مع الحدث، والنكاح مع الوطء، وغير ذلك؛ لأنه إذا وجد سبب وجود القتل كان العفو تعجيل الحكم بعد وجود سببه، وأنه جائز كالتفكير بعد الجرح قبل الموت في قتل الخطأ. عفو المجروح قبل موته: وأما إن عفا المجني عليه عن الجاني بعد الجرح وقبل الموت ثم مات، فللفقهاء في حكم ذلك رأيان: أحدهما: قال الحنفية والمالكية والحنابلة والأوزاعي وطاوس والحسن وقتادة وهو أحد قولي الشافعي٢: يسقط القصاص ولا شيء لأولياء

стр. 160

الدم بعد ذلك، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والاستحسان: أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١. وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٢. وكل هذه الآيات تفيد أن للمجني عليه أن يعفو عن الجاني، وإذا ثبت ذلك له وجب أن يكون للعفو أثره، وأثره هو سقوط القصاص، ولا شيء لولي الدم بعد ذلك. وأما السنة فقد روي عن قتادة أن عروة بن مسعود الثقفي دعا قومه إلى الله ورسوله، فرماه رجل منهم بسهم، فمات، فعفا عنه، فدفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فأجاز عفوه، وقال: "هو كصاحب ياسين" ٣. وعن عمران بن ظبيان عن عدي بن ثابت قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : سمعت النبي ﷺ يقول: "من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق به"، فقد دل الحديثان على جواز عفو المجني عليه دلالة ظاهرة. وقالوا أيضا: إنه قد أجاز ذلك ابن عمر والصحابة متوافرون، ولم يعرف له مخالف.

стр. 161

كما قالوا: إن الذي عفا هو المجني عليه، فهو أولى بنفسه، ولأن من بعده يكون نائبا عنه في المطالبة بدمه أو ديته، فكيف يقبل من نائبه ولا يقبل منه؟!! كما قال الحنفية: إن القياس يقضي بألا يصح عفو المجني عليه، ولكن الاستحسان يقضي بصحته، ووجه القياس والاستحسان ما بيناه آنفا. الرأي الثاني: قال أبو ثور وداود وهو قول الشافعي بالعراق: لا يلزم عفوه وللأولياء القصاص أو العفو، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والقياس: أما الكتاب فقد قال تعالى في القتل خطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ١، وقال جل شأنه في القتل العمد: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ٢. ويبين ابن حزم وجه الاستدلال فيقول: فصح أن الدية في الخطأ فرض أن تسلم إلى أهله، فإذ ذلك كذلك فحرام على المقتول أن يبطل تسليمها إلى من أمر الله تعالى بتسليمها إليهم، وحرام على كل أحد أن ينفذ حكم المقتول في إبطال تسليم الدية إلى أهله، فهذا بيان لا إشكال فيه٣. وصح بنص كلام الله تعالى -في الآية الثانية- وحكمه الذي لا يرد أن الله تعالى جعل لولي المقتول سلطانا، وجعل إليه القود، وحرم عليه أن يسرف

стр. 162

في القتل فمن الباطل المتيقن أن يجوز للمقتول حكم في إبطال السلطان الذي جعله الله تعالى لوليه، ومن الباطل البحت إنفاذ حكم المقتول فيما يخالف حكم الله تعالى. وأما السنة فقد سبق أن بينا أن الرسول ﷺ جعل الخيار لأهل المقتول في القود أو الدية أو العفو١، وهذا يثبت أيضا أنه لا يصلح للمقتول أن يبطل الخيار الذي جعله الله ورسوله لأهله بعد موته. ثم قال ابن حزم: ولم يأتِ قط نص من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ على أن للمقتول سلطانا في القود في نفسه، ولا أن له خيارا في دية أو قود، وبهذا يكون قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ إنما هو فيما جنى عليه فيما دون النفس، وفيما عفا عنه من جعل الله تعالى ورسوله ﷺ العفو إليه، وهم الأهل بعد موت المقتول. وبرهان آخر: أن الدية عوض عن القود بلا شك في العمد، وعوض عن النفس في الخطأ بيقين، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن المقتول ما دام حيا فليس له الحق في القود، فإذ لا حق له في ذلك فلا عفو له ولا أمر فيما لا حق له فيه، وكذلك من لم تذهب نفسه بعد؛ لأن الدية في الخطأ عوض عنها، فلم يجب له بعد شيء، فلا حق له فيما لم يجب بعد. أما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فإنه جاء بعد قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ، وهذا كله كلام مبتدأ بعد تمام قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ

стр. 163

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، فإنما جاء النص على الصدقة بالجروح لا النفس١. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فذلك إنما هو فيما دون النفس، لا في النفس؛ لأن المخاطب فيها بأن يعاقب بمثل ما عوقب به هو الشخص الذي عوقب نفسه، وليس في الآية جواز العفو عن النفس أصلا، وإنما فيها جواز العفو عن أن يعاقب بمثل ما عوقب به فقط. وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فهي عامة يدخل فيها العفو عن النفس وما دونها وعفو المجني عليه وعفو الولي أيضا. وأما حديث عروة بن مسعود "ض" فإنما قام يدعو قومه إلى الإسلام وهم كفار حربيون، فرموه فقتلوه، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أنه لا قود على قاتله إذا أسلم ولا دية. وأما حديث عدي بن ثابت فضعيف، وكذا ما روي عن ابن عمر٢. القياس: ويستدل لهذا الرأي أيضا بالقياس وقد بينا آنفا وجهه٣. ويضاف إلى ما تقدم أنه من ناحية النظر إلى أولياء الدم وتحقيق المصلحة لهم، فإن القول بأن عفو المجني عليه لا يسقط حقهم في القصاص أو الدية يهدئ من ثائرتهم ويطفئ ثأر العداوة التي تتأجج بعد موت المجني عليه بين أسرة الجاني وبينهم، فضلا عن أن ولي الدم قد يتأثر بموت المجني عليه الذي

стр. 164

أن يرعاه وينفق عليه وحينئذ فصيرورة الأمر إليه في اختيار القصاص أو الدية أو العفو يعطيه فرصة يتمكن خلالها من موازنة أموره واختيار ما يناسبه. هـ- المصالحة على الدم: أجاز الفقهاء أن يصطلح القاتل وأولياء المقتول عن القصاص على مال أخذه في مقابل دم وليه، فإذا اصطلحا سقط القصاص ووجب المال المسمى مالا، قليلا أو كثيرا زائدا على مقدار الدية١؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ . قال ابن عباس والحسن والضحاك ومجاهد: نزلت الآية في الصلح، وهو موافق للام، فإن عفا إذا استعمل باللام كان معناه البدل، أي: فمن أعطى من جهة أخيه المقتول شيئا من المال بطريق الصلح فاتباع بالمعروف، أي: فمن أعطى -وهو ولي القتل- مطالبة ببدل الصلح عن مجاملة وحسن معاملة؟؟؟ ١، ولقوله ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن شاءوا قادوا وإن شاءوا أخذوا الدية"، وقد فسروه بأن أخذ المال إنما يكون برضا القاتل، ولأنه حق ثابت للورثة يجري فيه الإسقاط عفوا، وكذا تعويضا لاشتماله على إحسان الأولياء وإحياء القاتل، فيجوز بالتراضي القليل والكثير فيه سواء؛ لأنه ليس فيه نص مقدر فيفوض إلى اصطلاحهما الخلع وغيره.

стр. 165

المقصد الرابع: شرط استفياء القصاص: بعد أن تبينا حقيقة القتل العمد الموجب للقصاص في الفقه الإسلامي نوضح فيما يلي آراء الفقهاء١ في الشروط التي يلزم توافراها في الجاني والمجني عليه لاستفياء القصاص من الجاني، مقدمين الشروط التي اتفقوا عليها على الشروط المختلف فيها، ومرجحين ما تقضي الأدلة برجحانه:

стр. 166

.......................................................................

стр. 167

.....................................................................

стр. 168

........................................................................

стр. 169

........................................................................

стр. 170

...................................................................

стр. 171

.....................................................................

стр. 172

.....................................................................

стр. 173

.......................................................................

стр. 174

........................................................................

стр. 175

...................................................................

стр. 176

.....................................................................

стр. 177

......................................................................

стр. 178

..................................................................

стр. 179

الشروط التي اتفقوا عليها: لقد اتفق الفقهاء على اشتراط ثلاثة شروط لاستيفاء القصاص، بعضها في الجاني، وبعضها في المجني عليه، فإن لم تتوافر هذه الشروط سقط القصاص إما لا إلى بدل، أو إلى بدل عن القصاص؛ كالدية والتعزير، ونذكر هذه الشروط هنا بإيجاز؛ لأننا سنتناول بحثها تفصيلا في المقصد السادس من هذا النوع "الخاص بالظروف المبيحة أو المخففة لعقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي". الشرط الأول: أن يكون الجاني مكلفا، فإن كان صبيا أو مجنونا فلا يجب القصاص منه؛ لأن القصاص عقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة؛ لأن العقوبة لا تجب إلا بالجناية، وفعلهما لا يوصف بالجناية لعدم القصد الصحيح، ولأن العمد يترتب على العلم، والعلم لا يكون إلا بالعقل، والمجنون عديم العقل، والصبي قاصر العقل، فأنَّى يتحقق منهما القصد فصار في جنايته كالنائم؛ أي: أن جناية كل منهما تكون خطأ عند جمهور الفقهاء "على ما يأتي بيانه" فقد روي عن علي ﵁ أنه جعل دية المجنون على عاقلته، وقال: عمده وخطؤه سواء، ولأن الصبي مظنة الرحمة، وقد استحق العاقل القاتل خطأ التخفيف حتى وجبت الدية على العاقلة، والصبي -وهو أعذر- أولى بهذا التخفيف. الشرط الثاني: أن يكون الصبي المجني عليه معصوم الدم، وعصمة الدم إما أن تكون بالإسلام؛ لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" رواه مسلم، أو تكون بدار الإسلام، والإقامة بدار الإسلام لغير المسلمين إما أن تكون بعقد ذمة أو عقد أمان، فإن كانت بعقد ذمة، فالأصل فيه قوله جل شأنه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 180

صَاغِرُونَ﴾ ١ فقد جعلت الآية الكريمة نهاية القتال قبولهم إعطاء الجزية، فإذا قبلوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم، وقوله ﷺ في حديث بريدة: "فإن هم أبوا -أي الإسلام- فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم" رواه مسلم. وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا. وإن كانت العصمة بعقد أمان، فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ فقد أباحت الآية للمسلمين السماح لغير المسلمين بدخول دار الإسلام لتحقيق غرض مشروع، ثم أمرت بأن يحافظ على المستأمن خلال فترة إقامته؛ حتى يصل إلى وطنه الذي جاء منه آمنا، فلا يباح الاعتداء على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه، وقال ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، هم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". فإن كان المجني عليه غير معصوم كما لو حربيا، أو مرتدا، أو زانيا محصنا، أو مستحقا القصاص في حق ولي الدم، فإن دمه هدر؛ لأنه مستحق للقتل، وقدسبق أن بينا الأدلة التي أهدر بها دم هؤلاء٣. وكذلك إن كان الجاني غير معصوم الدم، فإن قتله لا يكون قصاصا؛ لأن دمه مهدر، إما لكونه محاربا أو مرتدا أو زانيا محصنا. الشرط الثالث: ألا يكون المجني عليه صائلا على الجاني، فإذا كان الجاني في حالة دفاع عن النفس أو العرض أو المال فإنه لا يكون مسئولا عما
следующие страницы →