الشروط التي اتفقوا عليها:
لقد اتفق الفقهاء على اشتراط ثلاثة شروط لاستيفاء القصاص، بعضها في الجاني، وبعضها في المجني عليه، فإن لم تتوافر هذه الشروط سقط القصاص إما لا إلى بدل، أو إلى بدل عن القصاص؛ كالدية والتعزير، ونذكر هذه الشروط هنا بإيجاز؛ لأننا سنتناول بحثها تفصيلا في المقصد السادس من هذا النوع "الخاص بالظروف المبيحة أو المخففة لعقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي".
الشرط الأول: أن يكون الجاني مكلفا، فإن كان صبيا أو مجنونا فلا يجب القصاص منه؛ لأن القصاص عقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة؛ لأن العقوبة لا تجب إلا بالجناية، وفعلهما لا يوصف بالجناية لعدم القصد الصحيح، ولأن العمد يترتب على العلم، والعلم لا يكون إلا بالعقل، والمجنون عديم العقل، والصبي قاصر العقل، فأنَّى يتحقق منهما القصد فصار في جنايته كالنائم؛ أي: أن جناية كل منهما تكون خطأ عند جمهور الفقهاء "على ما يأتي بيانه" فقد روي عن علي ﵁ أنه جعل دية المجنون على عاقلته، وقال: عمده وخطؤه سواء، ولأن الصبي مظنة الرحمة، وقد استحق العاقل القاتل خطأ التخفيف حتى وجبت الدية على العاقلة، والصبي -وهو أعذر- أولى بهذا التخفيف.
الشرط الثاني: أن يكون الصبي المجني عليه معصوم الدم، وعصمة الدم إما أن تكون بالإسلام؛ لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" رواه مسلم، أو تكون بدار الإسلام، والإقامة بدار الإسلام لغير المسلمين إما أن تكون بعقد ذمة أو عقد أمان، فإن كانت بعقد ذمة، فالأصل فيه قوله جل شأنه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
стр. 180
صَاغِرُونَ﴾ ١ فقد جعلت الآية الكريمة نهاية القتال قبولهم إعطاء الجزية، فإذا قبلوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم، وقوله ﷺ في حديث بريدة: "فإن هم أبوا -أي الإسلام- فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم" رواه مسلم. وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا.
وإن كانت العصمة بعقد أمان، فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ فقد أباحت الآية للمسلمين السماح لغير المسلمين بدخول دار الإسلام لتحقيق غرض مشروع، ثم أمرت بأن يحافظ على المستأمن خلال فترة إقامته؛ حتى يصل إلى وطنه الذي جاء منه آمنا، فلا يباح الاعتداء على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه، وقال ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، هم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم".
فإن كان المجني عليه غير معصوم كما لو حربيا، أو مرتدا، أو زانيا محصنا، أو مستحقا القصاص في حق ولي الدم، فإن دمه هدر؛ لأنه مستحق للقتل، وقدسبق أن بينا الأدلة التي أهدر بها دم هؤلاء٣.
وكذلك إن كان الجاني غير معصوم الدم، فإن قتله لا يكون قصاصا؛ لأن دمه مهدر، إما لكونه محاربا أو مرتدا أو زانيا محصنا.
الشرط الثالث: ألا يكون المجني عليه صائلا على الجاني، فإذا كان الجاني في حالة دفاع عن النفس أو العرض أو المال فإنه لا يكون مسئولا عما
стр. 181
أحدثه بمن أراد الاعتداء عليه ما دام لم يتجاوز الحد، وسيأتي تفصيل ذلك في الظروف المبيحة.
"الشروط المختلف فيها":
لما كان القصاص هو المساواة، فقد اختلف الفقهاء في اشتراط المكافأة بين الجاني والمجني عليه؛ بمعنى أن يكون الجاني مساويا للمقتول أو أقل منه في الإسلام، أو الحرية، أو الذكورة، وكذلك في العدد -كجماعة تقتل واحدا، أو واحد يقتل جماعة- أما إن كان الجاني أفضل فيسقط القصاص، وتجب الدية، ولما كانت دراسة هذه الأمور من الأهمية بمكان، فإننا نتناولها بالبحث -مع الترجيح- فيما يلي:
أولا: اشتراط المكافأة في الدين:
لا خلاف أنه إذا قتل مسلم مسلما أو ذمي ذميا قتل به، وكذلك إذا قتل واحد من هؤلاء مسلما قتل به، أما إذا قتل مسلم ذميا أو مستأمنا، فإن الفقهاء يختلفون في قتله به، فريقا يرى أنه لا يقتل به، وفريقا يرى قتله به، ونوضح ما استند إليه كل فريق.
الرأي الأول: لا يقتل المسلم بالذمي والمستأمن:
قال جمهور الفقهاء "المالكية، الشافعية، الحنابلة، الزيدية، الإمامية، الظاهرية، الإباضية"١ وهو قول عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر: لا يقتص من المسلم إذا قتل ذميا أو مستأمنا، وقد استدلوا بالسنة والقياس.
стр. 182
أما السنة: فقد روي عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر، رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي.
فقد نهى ﵊ عن أن يقتل مسلم بكافر، وهو بعمومه يشمل كل كافر ذميا كان أم مستأمنا.
وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" رواه أحمد والنسائي وأبو داود وأخرجه الحاكم وصححه.
وجه الاستدلال: أن الحديث ينهى عن قتل المؤمن بالكافر كالحديث المتقدم، وأما جملة: "ولا ذو عهد في عهده" فإنها جملة مستأنفة وردت لمجرد النهي عن قتل المعاهد؛ أي: أن الحديث احتوى على عدة أحكام "المكافأة بين دماء المؤمنين، يصح عقد الذمة من أدناهم، عدم قتل المسلم بالكافر، عدم قتل المعاهد خلال مدة عهده".
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله، وغلظ عليه الدية. قال ابن حزم: هذا غاية في الصحة، فلا يصح عن أحد من الصحابة شيء غير هذا إلا ما رويناه عن عمر أنه كتب في مثل ذلك أن يقاد به، ثم ألحقه كتابا فقال: لا تقتلوه، ولكن اعتقلوه١.
стр. 183
وأما القياس: فقد قالوا: إن القصاص يعتمد المساواة بين الجاني والمجني عليه وقت الجناية، ولا مساواة بين المسلم والذمي في هذا؛ لأن الكافر ناقص بكفره، والمسلم كامل بإيمانه، فلا يقتل المسلم به.
وأيضا الذمي كافر، والكفر مبيح لدمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ١ فقد أمر الله تعالى بقتالهم دفعا لفتنة الكفر، وهذا يدل على إباحة دمهم، فكون الذمي كافرا يورث شبهة الإباحة، والشبهة تسقط الحد، وبالأولى تسقط القصاص.
الرأي الثاني: يقتل المسلم بالذمي:
يرى الحنفية والشعبي والنخعي: أنه يقتل المسلم بالذمي، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يوجب قتل المسلم بالذمي.
وأما السنة: فقد استدلوا أيضا بعموم قوله ﷺ : "العمد قود"، وبحديث علي ﵁ -المذكور أنفا- وفيه: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن قوله ﵊: "ولا ذو عهد في عهده"، معطوف على قوله: "مؤمن" فيكون التقدير: ولا ذو عهد في عهده بكافر، كما في المعطوف عليه.
فالمراد بالكافر المذكور في المعطوف هو الحربي فقط، بدليل جعله
стр. 184
مقابلا للمعاهد؛ لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدا مثله من الذميين إجماعا.
فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي كما قيد في المعطوف؛ لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقا، فيكون التقدير: لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي.
قال الطحاوي: ولو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول: "ولا ذي عهد في عهده" وإلا لكان لحنا، والنبي ﷺ لا يلحن، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعني بالقصاص، فصار التقدير: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، قال: ومثله في القرآن الكريم: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فإن التقدير: اللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن١.
وقال الطحاوي أيضا: ولا يصح حمله على الجملة المستأنفة -كما فهم أصحاب الرأي الأول- لأن سياق الحديث فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض؛ لأن في بعض طرقه: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم"، ولأن جعله كلاما تاما في نفسه يؤدي إلى ألا يقتل ذو عهد مدة عهده حتى وإن قتل مسلما، وليس هذا بصحيح بالإجماع، فيقدر: ولا ذو عهد في عهده بكافر، على طريقة قوله تعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .
فالحديث يدل بمنطوقه على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي، وكذلك لا يقتل ذو العهد بالكافر الحربي، ويدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالذمي٢.
стр. 185
فإن قيل: ما كيفية قتل المسلم بالحربي حتى صح نفيه بالحديث وقتلهم واجب؟
فالجواب من جهتين: إحداهما: أنه إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان فقتل كافرا حربيا، فقتله حرام، ولكن لا يقتص منه. والثانية: أن يقتل المسلم من لا يحل قتله من أهل دار الحرب كالنساء والصبيان فقتهلم حرام، ولكن لا يقتص منه أيضا، وبهذا يظهر أن للنص على ذلك في الحديث فائدة ظاهرة.
كما استدلوا بما أخرجه الطبراني أن عليا أُتي برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك، وفرقوك، وقرعوك١، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي، وعرضوا لي، ورضيت، قال: أنت أعلم، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا٢.
وهذا الأثر واضح في دلالته على عصمة دماء أهل الذمة، وأنه إذ قتل مسلم واحدا منهم قتل به.
كما استدلوا بما روى محمد بن الحسن عن إبراهيم -رحمهما الله- أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "أنا أحق من وفى بذمته"، ثم أمر به فقتل.
ورد عليهم بأن مدار هذا الحديث على ابن البيلماني، وهو ضعيف، قال صالح بن محمد الحافظ ﵀: ابن البيلماني حديثه منكر، روى عنه ربيعة أن النبي ﷺ قتل مسلما بمعاهد، وهو مرسل منكر، وقال الدارقطني:
стр. 186
ابن البيلماني لا يقوم به حجة إذا وصل فيكف إذا أرسل١.
وقد أجابوا عن ذلك بأن الطعن بالإرسال والطعن المبهم من أئمة الحديث غير مقبول كما عرف في الأصول٢.
كما استدلوا بالقياس فقالوا: إن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، والنفس أعظم حرمة من المال، فإذا قتله المسلم اقتص منه.
وأيضا فإن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي ثابتة؛ نظرا إلى التكليف؛ لأنه مخاطب عن الشافعية، أو دار الإسلام، عند الحنفية فيثبت القصاص.
стр. 187
وأما قولهم: إن مطلق الكفر مبيح للقتل، فغير مسلم؛ لأن المبيح كافر المحارب، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية١، فقد جعل الله تعالى إقرارهم بالجزية منهيا لقتالهم فإذا أعطوها عصموا دماءهم إلا بحقها، كما وضح هذا قوله ﷺ : "فإن أجابوك -أي قبلوا إعطاء الجزية- فاقبل منهم وكف عنهم" ٢، ولو كان المبيح لقتلهم مجرد الكفر لحل لنا قتل نساء الكفار المحاربين وصبيانهم وكهنتهم غير المشتركين في الحرب، أما وقد حرم الله قتل هؤلاء فإن هذا يكون دليلا على أن المبيح لقتلهم كفر المحارب لا مطلق الكفر.
وأما قولهم: إن الكفر يورث شبهة الإباحة، فإن هذا القول ينفيه القول بقتل الذمي بالذمي إجماعا، فإن في ذلك دليلا على أن كفر الذمي لا يورث الشبهة؛ إذ لو أورثها لما جرى القصاص بينهما، كما لا يجرى بين الحربيين.
الترجيح:
واستنادا إلى ما استدل به القائلون بقتل المسلم بالذمي من عموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وقوله صلى الله عليه سلم: "العمد قود"، وتفسير الحديث: "ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"، والأخبار التي ذكرناها آنفا، ثم القياس، تيضح لنا قوة هذا الرأي، ويضاف إلى ذلك أن عدم قتله به قد يؤدي إلى أن يثأر أهل المقتول من القاتل، باذلين جهدهم في إخفاء جنايتهم حتى لا يقتص منهم، كما أنه قد يؤدي إلى أن بعض الحمقى من المسلمين قد يقدمون على قتل أهل الذمة، ويؤدي هذا إلى تتابع القتلى، وهذا لا يحقق الغرض الذي شرع من أجله القصاص ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، كما أنه ينشر الفساد بين الناس
стр. 188
وأيضا فإن عقد الذمة هو طريق فتحه الإسلام لغير المسلمين؛ لكي يتعرفوا على سماحة الإسلام عن كثب، ويلمسوا عدالته عن قرب، ويعرفوا حقيقة هذا الدين، فإذا تحققوا من ذلك اعتنقوه، فإذا كان عقد الذمة طريقا إلى الإسلام كان القول بإيجاب القصاص على من قتل ذميا -مسلما كان القاتل أو غير مسلم- محققا لهذا الغرض تحقيقا تاما، ومبينا أن الإسلام دين العدالة، ودين الإنسانية الذي كرم الإنسان لذاته؛ لأنه بنيان الله، ولعن من هدمه، وحذر من قتله، ولقد سبق أن روينا تحذير الرسول ﷺ من قتل المعاهد بقوله: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما" رواه البخاري.
قتل المسلم بالمستأمن:
يرى جمهور الفقهاء -ومنهم الحنفية، عدا الإمام أبي يوسف- ألا يقتل المسلم بالمستأمن؛ وذلك لأن عصمة دمه لم تثبت مطلقة كما ثبتت لمن اكتسبها بعقد الذمة؛ لأن عقد الذمة عقد أبدي؛ بل ثبتت مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الإسلام؛ لأن المستأمن من أهل دار الحرب؛ وإنما دخل دار الإسلام لا لقصد الإقامة؛ بل لعارض حاجة يدفعها ثم يعود إلى وطنه الأصلي، فيصبح محاربا كما كان، فكان في عصمته شبهة، والشبهة تسقط الحد، فكذلك القصاص.
ويرى الإمام أبو يوسف أن المسلم يقتل بالمستأمن قصاصا؛ وذلك لأنه بعقد الأمان قد اكتسب العصمة، والعصمة قائمة وموجودة وقت القتل١، فكانا متساويين في العصمة، وإذا تساويا في ذلك كان القصاص
стр. 189
ثانيا: التكافؤ في الحرية:
اتفق الفقهاء على أن العبد يقتل بالحر؛ لأن العبد أنقص من الحر.
أما قتل الحر بالعبد، فإنهم اختلفوا فيه إلى ثلاثة آراء: رأي يرى أنه لا يقتل به مطلقا، وآخر يرى قتله بعبد غيره دون عبده، وثالث يرى قتله به مطلقا، ولكل أدلته.
الرأي الأول: لا يقتل الحر بالعبد:
يرى جمهور الفقهاء "الشافعية والمالكية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية١، وحكي في البحر عن علي وعمر وزيد بن ثابت وابن الزبير والعترة جميعا، وحكاه صاحب الكشاف عن عمر بن عبد العزيز والحسن عطاء وعكرمة" أنه لا يقتل الحر بالعبد، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب: فيما يفيده قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ٢ فإن تعريف المبتدأ بـ"أل" يفيد الحصر؛ أي: أن الحر لا يقتل إلا بالحر، والعبد لا يقتل إلا بالعبد، وهذا يفيد أنه لا يقتل بغير الحر. وأيضا فإن مقابلة الحر بالحر
стр. 190
والعبد بالعبد مقابل الجنس بالجنس، ومن ضرورة المقابلة ألا يقتل الجنس بغير جنسه.
ولأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ والقصاص هو المساواة، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ تفسير للمساواة، ولا مساواة في قتل الحر بالعبد؛ لأن الحر مالك والعبد مملوك، والمالكية أمارة القدرة، والمملوكية أمارة العجز، قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ... ﴾ الآية١، فلا مساواة بينهما، ولأن لحرية حياة والرق موت حكما بدليل أنه إذا أعتقه مولاه نسب إليه بالولاء.
وأما قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢ فمطلق، وهذه الآية مقيدة ومبينة، والمطلق يحمل على المقيد، كما أنه آية البقرة صريحة لأمة محمد ﵊، وآية المائدة سيقت في أهل الكتاب وشريعتهم، وإن كانت شريعة من قبلنا شريعة لنا؛ لكنه وقع في شريعتنا التفسير بالزيادة والنقصان كثيرا، فيقرب أن هذا التقييد من ذلك وفيه مناسبة؛ إذ فيه تخفيف ورحمة، وشريعة هذه الأمة أخف من شرائع من قبلها، فإنه وضع عنهم الآصار التي كانت على من قبلهم٣.
والقول بأن آية المائدة نسخت آية البقرة لتأخرها مردود بأنه لا تنافي بين الآيتين؛ إذ لا تعارض بين عام وخاص، ومطلق ومقيد حتى يصار إلى النسخ، ولأن آية المائدة متقدمة حكما، فإنها حكاية لما حكم الله تعالى به في التوارة، وهي متقدمة نزولا على القرآن.
стр. 191
وأما السنة: فقد استدلوا منها بما يأتي:
روي عن إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا قتل عبده صبرا متعمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة. وإسماعيل بن عياش فيه ضعف إلا أن الإمام أحمد قال: ما روي عن الشاميين صحيح، وما روي عن أهل الحجاز فليس بصحيح "والأوزاعي من الشاميين".
كما أخرج ابن أبي شيبة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد".
وأخرج البيهقي من حديث علي ﵁: "من السنة ألا يقتل حر بعبد"، وفي إسناده جابر الجعفي، ومثله عن ابن عباس، وفيه ضعف.
فهذه الأخبار جميعها تدل على أنه لا يقتل الحر بالعبد.
وأما القياس: فقد قالوا: إنه لا يقطع طرف الحر بطرف العبد عند جمهور الفقهاء١، مع أن الطرف أهون وأقل حرمة لكونه تبعًا للنفس، فلأن لا يجب القصاص في النفس -وهي أعظم حرمة- أولى، بخلاف العكس "قتل العبد بالحر"؛ لأنه تفاوت إلى نقصان فلا يمتنع، كما في المسلم والمستأمن.
стр. 192
وقالوا أيضا: إن الرق أثر للكفر، فيوجب شبهة الإباحة كحقيقته فصار كالمستأمن١.
وإذا سقط القصاص عن الحر القاتل للعبد وجب على من قتله قيمته بالغة ما بلغت ولو تجاوزت دية الحر.
الرأي الثاني: يقتل الحر بعبد غيره لا بعبده:
يرى الحنفية "وحكاه صاحب الكشاف عن سعيد بن المسيب والنخعي وقتادة والثوري" أنه يقتل الحر بالعبد، إلا إذا كان القاتل للعبد سيده، فإنه لايقاد به، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقد استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فإن الآية اضحة الدلالة في إيجاب قتل النفس بالنفس مطلقا، حرا كان القاتل أم عبدا، ذكرا أم أثنى.
وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، يقتضي وجوب القصاص بسبب كل قتل إلا ما قام الدليل على تخصيصه من هذا الحكم.
ولا يعارض قوله تعالى في الآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ، قوله في آية المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ؛ لأن المقابلة في الأولى مقيدة، وفي هذه مطلقة فلا يحمل المطلق على المقيد.
ولا حجة لهم في الآية أيضا؛ لأن فيها أن قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد
стр. 193
قصاص، وهذا لا ينفي أن يكون قتل الحر بالعبد قصاصا؛ لأن التنصيص لا يدل على التخصيص، ونظيره قوله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة". ثم البكر إذ زنى بالثيب وجب الحكم الثابت بالحديث، فدل على أنه ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم به.
فما نصت عليه الآية ليس إلا ذكر بعض ما شمله عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ على موافقه حكمه، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي مما لم تنص عليه، ويدل على ذلك أنه قابل "الأنثى بالأثنى والذكر بالذكر"، ولا يمنع هذا من مقابلة الذكر بالأنثى في القصاص، وكذلك لا يمنع من مقابلة العبد بالحر حتى يقتل العبد بالحر بالإجماع، فكذا العكس إذ لو منع ذلك لمنع العكس أيضا.
أيضا فإن في مقابلة الأنثى بالأنثى دليلا على جريان القصاص بين الحرة والأمة.
وفائدة مقابلة "الحر بالحر والعبد بالعبد" في الآية ما نقل عن ابن عباس ﵁ قال: كانت المقابلة بين بني النضير وبين بني قريظة، وكانت بنو النضير أشرف، وكانوا يعدون بني قريظة على النصف منهم، فتواضعوا على أن العبد من بني النضير بمقابلة الحر من بني قريظة، والأنثى منهم بمقابلة الذكر من بني قريظة، فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم، وبيانا أن الحر بمقابلة الحر، والعبد بمقابلة العبد، والأنثى بمقابلة الأنثى من القبيلتين جميعا، فكانت اللام لتعريف العهد لا لتعريف الجنس.
أما السنة: فقد استدلوا بعموم قوله ﷺ : "العمد قود"، فهو يدل على أن موجب القتل العمد القصاص، سواء كان القاتل حرا أم عبدا، ذكرا أم أنثى، مسلما أم غير مسلم.
стр. 194
وقوله ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ... " الحديث١، ويدل على أن دماء المسلمين متساوية لا فرق بين حر وعبد.
وروي عن عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "يقتل الحر بالعبد".
الرد على أدلة أصحاب الرأي الأول:
أما قولهم: إن الحر والعبد غير متساويين، فإن المساواة المعتبرة هنا هي المساواة في العصمة؛ لأن العصمة إما أن تكون بالدين أو بالدار، وهي متوافرة فيهما، فيجري القصاص بينهما حسما لمادة الفساد، وتحقيقا لمعنى الزجر، ولو اعتبرت المساواة في غير العصمة لما جرى القصاص بين الذكر والأنثى.
والقصاص يجب باعتبار أن العبد آدمي، ولم يدخل في الملك من هذا والوجه؛ بل هو مبقي على أصل الحرية من هذا الوجه؛ ولهذا يقتل العبد بالعبد، وكذا يقتل العبد بالحر، ولو كان مالا لما قتل، وكذا عجز العبد عن التصرف وبقاء أثر كفره -وهو الرق- إنما هو أمر حكمي، فلا يؤثر ذلك في سقوط العصمة ولا يورث شبهة، ولو أورث شبهة لما جرى القصاص بين العبيد بعضهم ببعض.
كما أجابوا عن القياس على عدم جريان القصاص بين طرف الحر والعبد، فقالوا: وجوب القصاص في الأطراف يعتمد المساواة في الجزء المبان بعد المساواة في العصمة؛ ولهذا لا تقطع الصحيحة بالشلاء، وفي النفس لا يشترط ذلك حتى يقتل الصحيح بالزمن وبالمفلوج، ولا مساواة بين
стр. 195
أطراف الحر والعبد إلا في العصمة، فأظهرنا أثر الرق فيها دون النفس؛ لما أن العبد من حيث النفس آدمي مكلف خلق معصوما.
عدم قتل السيد بعبده:
كما استدل أصحاب هذا الرأي على أن السيد لا يقاد بقتل عبده، بما روي عن الرسول ﷺ : "لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده" أخرجه البيهقي، إلا أنه من رواية عمر بن عيسى، يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث، كما أخرج البيهقي أيضا من حديث ابن عمرو في قصة زنباع لماجب عبده، وجدع أنفه أنه ﷺ قال: "من مثل بعبده وحرق بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله"، فأعتقه ﷺ ولم يقتص من سيده، إلا أن فيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف، ورواه عن الحجاج بن أرطاة من طريق آخر لا يحتج به.
الرأي الثالث: يقتل الحر بالعبد مطلقا:
يرى النخعي والثوري وابن أبي ليلى وبعض الإباضية أنه يقتل الحر بالعبد مطلقا، سواء كان المقتول عبدا للقاتل أم عبدا لغيره، ويرى هذا الظاهرية أيضا، كما يرون أنه يقتص من الحر للعبد في كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء والجراحات١، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة "مع مراعاة أن جميع الأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الثاني هي أدلة لهم عدا ما اختلفوا فيه معهم، وهو عدم قتل السيد بعبده".
أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
стр. 196
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ حيث لم تفرق الآية بين حر وعبد، ولا بين عبد لنفسه وعبد لغيره.
وأما السنة: فقد استدلوا أولا بعموم قوله ﷺ : "المؤمنون تتكافا دماؤهم ... "، فإنه يدل على عدم التفرقة في الحكم بين دماء المسلمين، وكذلك عموم قوله ﵊: "العمد قود" يقضي بإيجاب القصاص على من قتل عمدا دون تفرقة بين حر وعبد مملوك للغير أو مملوك للقاتل.
كما استدلوا ثانيا بما روي عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري عن سمرة١. وفي رواية أبي داود والنسائي بزيادة: "ومن خصي عبده خصيناه"، وصحح الحاكم هذه الزيادة.
وقد ضعف ابن العربي هذا الحديث قائلا: "ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه. ورووا حديث سمرة، وهو حديث ضعيف، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والولي هاهنا هو السيد، فكيف يجعل له سلطان على
стр. 197
نفسه، وقد اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال".
وقد رد عليه القرطبي مؤكدا صحة هذا الحديث فقال: "قلت: هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح؛ أخرجه النسائي وأبو داود، وقال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بهذا الحديث، وقال البخاري: وأنا أذهب إليه، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان، وحسبك بهما"١.
الترجيح:
والذي يظهر لنا هو رجحان الرأي الأخير لما يأتي:
أولا: أن الأدلة التي استند إليها أصحاب الرأي الثاني "القائلون بالقصاص بين الحر والعبد في النفس"٢ من الكتاب والسنة تؤيد عدم التفرقة بين الحر والعبد المملوك للقاتل وغير المملوك له. وحديث سمرة واضح الدلالة على إيجاب القصاص بين الحر وعبده في النفس وما دونها، وهذا الحديث يرد على قولهم: إن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال؛ لأن القياس لا يقوى على معارضة النص.
ثانيا: أن قولهم: إن الحر يساوي العبد في العصمة؛ لأنها إما أن تكون بالإسلام أو بالإقامة في دار الإسلام، وعلى كلا الأمرين وجدت العصمة في العبد، وإذا كان معصوما كان مساويا للحر، فيقتص له منه إن قتله عمدا، وهذا المعنى متحقق في العبد المملوك لقاتله، أو المملوك لغيره، فإن الرق
стр. 198
أمر عارض لا يؤثر على آدميته١، وإنما يؤثر على بعض تصرفاته، فمن ناحية آدميته فهو مساو له تماما، أما الأمور العارضة فلا مدخل لها في الجنا على الآدمي؛ لأنها هدم لبنيان الله تعالى الذي لعن من يهدمه، وتوعده بالعذاب الشديد، أيا كان القاتل مسلما أم ذميا، حرا أم عبدا، ذكرا أم أنثى, أيا كان المقتول مسلما أم ذميا، حرا أم عبدا، مملوكا لقاتله أو مملوكا لغيره، ذكرا أم أنثى.
ثالثا: أن القول بعدم القصاص بين الحر والعبد يساعد على تفشي الجرائم وقتل السادة العبيد دون أن تقع عليهم عقوبة رادعة لهم وزاجرة لغيرهم عن مثل هذا العمل المحرم، وهذا يتنافى مع حكمة مشروعية القصاص؛ وهي إحياء النفوس، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، ومع عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢، وقوله ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".
стр. 199
ثالثا: التكافؤ في الذكورة والأنوثة:
اختلف الفقهاء في اعتبار مكافأة الجاني للمجني عليه في الذكورة والأنوثة إلى خمسة أقوال١:
الرأي الأول: قال الليث بن سعد: إذا جنى الرجل على امرأته وجبت عليه ديتها، ولم يتقص منه؛ وذلك لأن النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج.
ويفهم من هذا أن ما عدا جناية الزوج على زوجه يكون فيه القصاص بين الرجل والمرأة عند الليث.
ولعل الشبهة التي يراها الليث هنا مردها أن عقد النكاح قد أجاز للزوج في الحالات التي لا يجدي فيها العظة أو الهجر أن يضرب زوجه، قال تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ... ﴾ ٢.
فالضرب مباح، ولكن النتيجة غير مباحة، ومثل هذه الجناية لا تكون عمدًا.
إلا أنه قد فات الليث بن سعد أن نوع الضرب قد حددته السنة؛ فقد روي على الرسول ﷺ : "اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح".
стр. 200
قال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه١.
وقد وضح الفقهاء -كما سبق بيانه- أن الضرب للتأديب لا بد من أن يكون بآلة وضعت له عرفا وعادة، وهي لا تقتل قطعا ولا غالبا، فإن كان بآلة تقتل قطعا أو غالبا كانت الجناية عمدا موجبا القصاص، سواء أراد التأديب أو لم يرد، عند جمهور الفقهاء.
الرأي الثاني: قال الحسن وعثمان البتي: إذا قتلت امرأة رجلا قتلت به وأخذ من مالها نصف الدية، وكذلك إن أصابته بجراحة، وأما إن كان الرجل هو الذي قتل المرأة أو جرحها فعليه القود، ولا يرد عليه شيء.
وهذا القول أيضا يرده ظاهر الآيات الموجبة للقصاص اكتفاء دون زيادة، والقول به يوجب حكما زائدا على النص، وهذا لا يكون إلا بنص، ولا يوجد نص.
الرأي الثالث: قال الزيدية والإمامية والإباضية٢: إذا قتل الرجل المرأة خير ولي الدم بين أن يقتص ويدفع نصف الدية لورثة الرجل، أو يعفو ويأخذ الدية؛ وذلك لما روي عن عطاء والشعبي والحسن البصري أن عليا ﵁ قال في الرجل يقتل المرأة عمدا:
стр. 201
"إن شاءوا قتلوه وأدوا نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف دية الرجل".
وأما إذا قتلت المرأة رجلا أو رجالا قتلت بهم، ولا مزيد على ذلك؛ لئلا يلزمها غرامة في مالها وبدنها، قاله الزيدية.
الرأي الرابع: قال جمهور الفقهاء: الحنفية "في جناية القتل لا الجراحات" والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول جمهور كبير من الفقهاء١: يقتص من الرجل للمرأة، ومن المرأة للرجل في النفس وما دنها، دون الرجوع بشيء، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة وما يقارب الإجماع والقياس.
أما الكتاب: فالآيات الكريمة الموجبة للقصاص في الأنفس بين الجمع دون تفرقة بين حر وعبد، توجب القصاص أيضا في النفس وما دونهما بين الرجل والمرأة.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ... ﴾ الآية.
стр. 202
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ... ﴾ الآية.
وقد ناقش الفقهاء ما يستفاد من ظاهر الآية الثانية من اعتبار الموافقة بين الجاني والمجني عليه في الحرية والذكورة والأنوثة، وبينوا أنه ليست الآية الثانية ناسخة للأولى، أو مخصصة لعمومها، أو مقيدة لإطلاقها، كما أوضحنا هذا فيما تقدم١، فلا داعي لإعادته.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ... ﴾ الآية.
وأما السنة: فمنها ما روي عن أنس: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين. رواه الجماعة.
فالحديث يدل على أنه يقتل الرجل بالمرأة كما هو رأي جمهور الفقهاء، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء٢.
وأيضا فقد أخبر الرسول ﷺ في حديث أنس بن النضر حينما كسرت الربيع ثنية جارية أن: "كتاب الله القصاص" ٣.
كما روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا، وكان في كتابه: " ... إن الرجل يقتل بالمرأة ... " رواه النسائي، وقد صححه جماعة من أئمة الحديث٤
стр. 203
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "وإن قتلت -أي المرأة- فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها" رواه الخمسة إلا الترمذي.
فالأحاديث تدل على أن الواجب في قتل الرجل المرأة القصاص من الرجل، ولو وجب مع القصاص مال يدفع لورثة الرجل لصرح به.
واختلف عن علي ﵁ في المسألة، فروى ليث عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: "إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود". وروى عطاء والشعبي والحسن البصري أن عليا قال: "إن شاءوا قتلوه وأدا نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف دية الرجل".
وقد ناقش أبو بكر الجصاص ما روي عن علي ﵁ فقال: "ما روي عن علي من القولين في ذلك مرسل؛ لأن أحدا من رواته لا يسمع من علي شيئا، ولو ثبتت الروايتان كان سبيلهما أن تتعارضا وتسقطا، فكأنه لم يرو عنه في ذلك شيء.
وما رواه الحكم عن علي في إيجاب القود دون المال أولى لموافقتها "أي هذه الرواية" لظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، كما أن سائر الآيات الموجبة للقود ليس في شيء منها ذكر الدية، وغير جائز أن يزيد في النص إلا بالنص مثله "لأن الزيادة في النص توجب النسخ ... ".
وأما دعوى الإجماع: فالأصل فيه ما روي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرا من صنعاء بامرأة "واحدة" أقادهم
стр. 204
بها، قالوا: ولم يظهر خلاف من أحد من نظرائه مع استفاضة ذلك، وشهرته عنه، ومثله يكون إجماعا، وأيضا فقد حكى ابن المنذر الإجماع عليه كما ذكرنا آنفا.
وأما القياس: فإن قتل الرجل بالمرأة دون اعتبار لعدم المساواة بينهما -عند جمهور الفقهاء- في الذكورة والأنوثة يقاس على قتل العاقل بالمجنون، والرجل بالصبي١، والصحيح بالأشل، ففي المقيس عليه لم يظهر لعدم المساواة بين الجاني والمجني عليه فيما ذكرنا أثر في إيجاب القصاص من الجاني، فكذلك لا يظهر هذا الأثر في قتل الرجل بالمرأة اكتفاء، دون إيجاب بدل مالي؛ لأن "النفس بالنفس".
الرأي الخامس:
قال الحنفية "وهو قول حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة والشعبي وإبراهيم": يقتص من الرجل للمرأة في النفس دون الرجوع بشيء، وأما فيما دون النفس فلا يقتص منه لها، وأدلتهم على إيجاب القصاص في النف فقد قالوا في تعليله: إن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال؛ لأنها خلقت وقاية للأنفس كالأموال، فالواجب أن يعتبر التفاوت المالي مانعا مطلقا من القصاص فيها؛ وذلك لأنه لا مماثلة بين طرف الذكر وطرف الأنثى للتفاوت بينهما في القيمة "الدية" بتقويم الشارع؛ إذ إن دية الرجل مختلفة عن دية
стр. 205
الأنثى١، والقصاص في الأطراف "عند الحنفية" لا يجري إلا بين مستوى الدية.
الترجيح:
والذي يظهر لنا مما تقدم هو رجحان الرأي الرابع الذي يقضي بإيجاب القصاص من الرجل للمرأة، ومن المرأة للرجل في النفس وما دونها دون الرجوع بشيء؛ وذلك لما يأتي:
أولا: قوة الأدلة التي استندوا إليها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والإجماع والقياس، وعدم تفريق هذ الأدلة في القصاص بين الرجل والمرأة، وبين النفس وما دونها، مما يؤثر على رأي المخالفين لهذا الرأي جميعا.
ثانيا: أن اشتراط المكافأة في الذكورة والأنوثة لاستيفاء القصاص في النفس وما دونها لا يتفق والحكمة من مشروعية القصاص التي هي حقن الدماء وحياة النفوس، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ... ﴾ لأن ترك القصاص بينهما يؤدي إلى إتلاف نفوس الإناث، لأمور أشار إليها الإمام الشوكاني:
منها: مخافة توريثهن.
ومنها: مخافة العار، لا سيما عند ظهور أدنى شيء منهن لما بقي في القلوب من حمية الجاهلية التي نشأ عنها وأد البنات.
ومنها: كونهن مستضعفات لا يخشى من رام قتلهن أن يناله من المدافعة
стр. 206
ما يناله من الرجال؛ لأن المرأة بطبيعتها ضعيفة التكوين، مما يسهل -غالبا- قهر الرجل لها وإيقاعه الضرر بها.
فلا شك أن الترخيص في ذلك من أعظم الذرائع المفضية إلى هلاك النفوس، ولا سيما في مواطن الأعراب المتصفين بغلظ القلوب وشدة الغيرة والأنفة اللاحقة بما عليه أهل الجاهلية١.
رابعا: المساواة في العدد:
ومن المسائل التي تبدو مخالفة لمبدأ المكافأة والمساواة بين القاتل والمقتول قتل الجماعة واحدا، وعكسه قتل الواحد جماعة، وقد اختلف الفقهاء في الحكم إذا وقعت مثل هذه الجناية، ونعرض فيما يلي آراءهم مشفوعة بأدلتها:
أ - قاتل الجماعة بالواحد:
اختلف الفقهاء في قتل الجماعة بالواحد إلى طائفتين: طائفة لا ترى قتل الجماعة بالواحد، وأخرى ترى قتلهم به.
الرأي الأول: عدم قتل الجماعة بالواحد:
يرى فريق من الفقهاء عدم قتل الجماعة بالواحد، إلا أن فريقا منهم يرى إيجاب الدية فقط، وقد حكي هذا عن الإمام أحمد في رواية، وهو قول ابن الزبير والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك وربيعة وداود بن المنذر، وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس.
ويروى عن معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهري أنه يقتل واحد منهم ويؤخذ من الباقين حصصهم من الديات.
стр. 207
قد استدلوا على عدم قتل الجماعة بالواحد بالكتاب والقياس:
أما الكتاب: فإن الله شرط المساواة بين القاتل والمقتول بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ... ﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، والقصاص هو المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد بداهة وعقلا، فإذا قتلت جماعة واحدا لا يقتلون به؛ لما فيه من الظلم على المعتدين؛ لأن الواحد منهم مماثل للمقتول، فكيف يكون جميعهم مساوين له!!
وأيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ فإنه يدل على أن النفس الواحدة تقتل بالنفس الواحدة، ولا تقتل الجماعة بالواحد، وإلا لما كانت نفس بنفس، بل نفوس بنفس، وهذا يخالف النص، فلا يصح.
وأما القياس: فوجهه أن التفاوت بالأوصاف يمنع القصاص، بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد١، فالتفاوت في العدد أولى بأن يمنع القصاص.
وأيضا فإن كل واحد من الجناة مكافئ المقتول، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد.
ولم نعثر على أدلة للقائلين بقتل واحد من الجماعة فقط وأن يؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، ولعلهم يجعلون هذا الحق لولي الدم، فهو الذي يختار من يقتص منه، ثم يأخذ من الباقين حصصهم من الدية، إلا أن هذا تحكم يحتاج إلى دليل، ولا دليل، فإن الكل قد اشتركوا في الجناية، فإما أن نوجب عليهم القصاص جميعا، أو نسقطه عنهم جميعا، والوسيلة إلى إسقاطه هي ما شرعه الله من العفو ببدل أو بغير بدل، ويكون هذا الحق بقسميه ثابتا لولي الدم ابتداء بالنسبة لجميعهم؛ لأنهم متساوون في الفعل الموجب لهذا الحكم.
стр. 208
الرأي الثاني: تقتل الجماعة بالواحد:
يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية والإمامية والإباضية١، وهو المروي عن عمر وعلي والمغيرة بن شعبة وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وأبو سلمة وعطاء وقتادة والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور": أن الجماعة إذا قتلت واحدا قتلت به قصاصا، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما الكتاب: فقد نص القرآن الكريم على أن العقوبة الأخروية لقاتلي نفس واحدة عقوبة متساوية تلحقهم جميعا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ... ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ... ﴾ الآية.
стр. 209
ولا خلاف في أن هذا الوعيد لاحق بمن شارك غيره في القتل، وأن عشرة لو قتلوا رجلا عمدا لكان كل واحد منهم داخلا في الوعيد قاتلا للنفس المؤمنة، وكذلك لو قتل عشرة رجلا خطأ كان كل واحد منهم قاتلا في الحكم للنفس يلزمه من الكفارة ما يلزم المنفرد بالقتل، ولا خلاف أن ما دون النفس١ لا يجب فيه كفارة، فيثبت أن كل واحد في حكم من أتلف جميع النفس، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٢ فدلت الآية على أن النفس كالنفوس، فالجماعة إذا اجتمعت على قتل رجل فكل رجل واحد منهم في حكم القاتل للنفس؛ ولذلك قتلوا به جميعًا٣.
وأيضا مثل هذا جاء في السنة الشريفة:
جاء في الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار" رواه الترمذي وقال فيه: حديث غريب. نص هذا الحديث على أن الجماعة التي تشترك في قتل شخص تشترك في العقاب الأخروي بصفة متساوية، كما لو قتله شخص واحد، وذلك دليل على أن كل واحد منهم كالقاتل لنفس واحدة.
стр. 210
وقد روي عن الصحابة -رضوان الله عليهم- قتل الجماعة بالواحد؛ فقد روى الدارقطني في سننه: أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل سبعة برجل بصنعاء، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعا، كما رَوَى أيضا أن عليا -كرم الله وجهه- قتل الحرورية -جماعة من الخوارج١- بعبد الله بن خباب، فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا، فما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر، نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه "خرج الحديثين الدارقطني في سننه"٢. وعن ابن عباس أنه قتل جماعة بواحد.
وإما الإجماع: فقد قالوا: إنه قد ثبت لنا قتل الجماعة بالواحد عن عمر وعلي ﵄، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان ذلك إجماعا٣.
وأما القياس فمن وجوه:
قال الحنابلة: إن القصاص من الجماعة للواحد يقاس على حد القذف؛ لأن القصاص عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف، ولا يصح قياس ذلك على الدية لوجود الفارق بينهما؛ حيث إن الدية تتبعض والقصاص لا يتبعض.
стр. 211
وقال الحنفية: إن زهوق الروح لا يتجزأ، واشتراك الجماعة فيما لا يتجزأ يوجب التكامل في حق كل واحد منهم، فيضاف إلى كل واحد منهم متكاملا، كأنه ليس معه غيره؛ كولاية الإنكاح في باب النكاح؛ حيث تثبت هذه الولاية لكل واحد من الأولياء المتساوين في الدرجة على سبيل الكمال، فإذا تولى العقد واحد منهم كان العقد صحيحا نافذا ليس لأحد من الباقين حق الاعتراض؛ لأن الولاية حق واحد لا يتجزأ١.
ويضاف إلى ما تقدم أن القصاص لو سقط بالاشتراك لأدى هذا إلى أن يسارع مريد والقتل إلى التعاون على ارتكاب جناياتهم بالاشتراك، فيؤدي هذا إلى إسقاط حكمة مشروعية القصاص، وهي الردع والزجر الذي يمنع تفشي القتل بين الناس؛ لكي تكتب الحياة لنفوس كثيرة، ويمنع اختلال الأمن واضطرابه حتى يتذوق الناس طعم حياتهم، ويشعروا بوجودها ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ .
ومما يؤيد هذا أن الغالب في جرائم القتل أن ترتكب بالاشتراك؛ خوفا من تغلب المجني عليه على الجاني إذا كان منفردا، واحتياطا من وصول غوث قد يعرقل تنفيذ جريمتهم، وإذا كان القتل بهذه الكيفية هو الغالب فالزاجر إنما يشرع فيما يغلب وقوعه لا فيما يندر، فشرعية القصاص في هذه الحالة من باب أولى.
لقد أثار فقهاء الحنفية عدة اعتراضات على ما استدل به جمهور الفقهاء، وما استدلوا به وأجابوا عنها، ومنها:
стр. 212
أنه إذا قتل جماعة واحدا، فإن القياس يقضي بألا يلزمهم القصاص؛ لأن المعتبر في القصاص المساواة؛ لما في الزيادة من الظلم على المعتدي، وفي النقصان من البخس بحق المعتدى عليه، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، هذا شيء يعلم ببداهة العقل، فالواحد من الجماعة يكون مساويا ومماثلا للواحد المقتول، فكيف تكون الجماعة مماثلة للواحد؟!
وأيد هذا القياس قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وذلك ينفي مقابلة النفوس بالنفس.
الجواب: أجاب الحنفية عن ذلك بقولهم: إنهم قد أخذوا بالاستحسان وزكوا العمل بالقياس في هذه المسألة بما روي عن: عمر، وعلي، وابن عباس ﵃ من قتلهم الجماعة بالواحد -كما ذكرنا آنفا- وكان الصحابة ﵃ متوافرين، ولم ينكر عليهم أحد فحل محل الإجماع.
ولقد اعترض على الأخذ بالاستحسان بأن القياس مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وذلك ينفي مقالة النفوس بنفس؛ فعلى ذلك يلزم من ترك هذا القياس ترك العمل بمدلول الآية المذكورة بما روي عن عمر ﵁ وذلك لا يجوز؛ لأن عمر إما أن يكون منفردا في ذلك أو انضم إليه إجماع الصحابة، فإن كان منفردا في قضائه قله المذكورين آنفا، فظاهر عدم جوازه؛ لأن قول صحابي واحد وفعله لا يصلحان للمعارضة لكتاب الله تعالى، فضلا عن الرجحان عليه، وإن انضم إليه إجماع الصحابة؛ حيث كانوا متوافرين، ولم ينكر عليه أحد منهم فحل محل الإجماع -كما صرح به في العناية وغيرها- فكذلك لا يجوز؛ إذ تقرر في علم أصول الفقه أن الإجماع لا يكون ناسخا للكتاب ولا للسنة كما لا يكون القياس ناسخا لشيء منهما.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
стр. 213
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، لا ينافي ما قالوا في هذه المسألة؛ إذ لا دلالة فيه على اعتبار الوحدة في النفس، بل فيه مجرد مقابلة جنس النفس بجنس النفس كما ترى، والمقصود منه الاحتراز عن أن يقتص النفس بغير النفس، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ ونحوهما، وأما أنه هل تتحقق المماثلة المعتبرة في القصاص عند تعدد النفس في جانب القاتل أو المقتول، فإذا يستفاد ذلك من دليل آخر، ألا ترى أن العين اليمنى لا تقتص بالعين اليسرى، وكذا العكس، مع أن قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ لا يدل عليه نظرا إلى ظاهر إطلاقه، بل إنما يستفاد ذلك من دليل آخر، فكذا هنا والدليل موجود وهو ما روي أن عمر قتل الجماعة بالواحد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعا على قتل الجماعة بالواحد، فدل ذلك على عدم اعتبار المماثلة من هذه الناحية١.
كما أجاب الفقهاء أيضا عما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أن الله شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، بأن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة؛ افتخارًا واستظهارا بالجاه والمقدرة، فأمر الله بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل٢.
وبهذا التحليل الدقيق نرى رجحان ما استدل به الجمهور على قتل الجماعة بالواحد قصاصا.
стр. 214
أحكام أخرى تتفرع عن القول بقتل الجماعة بالواحد:
اختلف الفقهاء القائلون بقتل الجماعة بالواحد في أنه هل يجب على ولي الدم شيء إذا استوفى القصاص من الجماعة القاتلة؟ إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
قال جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة": إن لولي الدم أن يقتص من الجماعة القاتلة لواحد دون أن يتبع ذلك شيء آخر؛ لأن القصاص من الجماعة كالقصاص من الواحد، وإذا سقط القصاص لأي سبب، فالواجب دية واحدة عليهم جميعا لولي الدم، مع مراعاة ما سبق أن حررناه من أن الواجب في القتل العمد هل هو القصاص عينا أو أن الواجب أحد أمرين القصاص أو الدية؟ ١ فمن قال: الواجب أحد الأمرين فعنده إذا سقط القصاص بعفو أو غيره وجبت دية واحدة؛ لأن القتل واحد، فلا يجب أكثر من دية، كما لو قتلوه خطأ٢، وإن عفا ولي الدم عن بعضهم، فعلى المعفو قسطه من الدية؛ لأن الدية بدل المحل، وهو واحد، فتكون ديته واحدة، سواء أتلفه واحد أو جماعة ... ولأن الواجب بدل المتلَف، ولا يختلف باختلاف المتلِف ... ٣. أما من قال: إن موجب القتل العمد القصاص عينا، فإنه إن عفا عنهم سقط القصاص ولا شيء له، ويجوز له أن يعفو عن البعض ويصالح البعض ويقتص من البعض٤.
стр. 215
الرأي الثاني:
يرى الزيدية أنه تقتل الجماعة بالواحد إذا اجتمعوا على قتله، وكذلك تقطع أيديهم إذا قطعوا يده١، ويجب على كل واحد من القاتلين للواحد دية كاملة لورثة القتيل إن طلبت الدية، وعفا الوارث عن القصاص، أو سقط القصاص بأي وجه، وكذلك الحكم في قطع اليد يلزم كل واحد من الجانبين دية كاملة إن سقط القصاص بأي وجه، وأما في قتل الخطأ لو اشترك فيه جماعة فلا يلزمهم إلا دية واحدة لورثته؛ لأن القصاص في الخطأ ساقط من الأصل، فهي عوض عن دم المقتول.
الرأي الثالث:
يرى الإمامية قتل الجماعة بالواحد إلا أنه يلزم ولي الدم إذا اختار القصاص من الجماعة أن يرد عليهم ما فضل عن ديته، فيأخذ كل واحد من