وقال الحنفية: إن زهوق الروح لا يتجزأ، واشتراك الجماعة فيما لا يتجزأ يوجب التكامل في حق كل واحد منهم، فيضاف إلى كل واحد منهم متكاملا، كأنه ليس معه غيره؛ كولاية الإنكاح في باب النكاح؛ حيث تثبت هذه الولاية لكل واحد من الأولياء المتساوين في الدرجة على سبيل الكمال، فإذا تولى العقد واحد منهم كان العقد صحيحا نافذا ليس لأحد من الباقين حق الاعتراض؛ لأن الولاية حق واحد لا يتجزأ١.
ويضاف إلى ما تقدم أن القصاص لو سقط بالاشتراك لأدى هذا إلى أن يسارع مريد والقتل إلى التعاون على ارتكاب جناياتهم بالاشتراك، فيؤدي هذا إلى إسقاط حكمة مشروعية القصاص، وهي الردع والزجر الذي يمنع تفشي القتل بين الناس؛ لكي تكتب الحياة لنفوس كثيرة، ويمنع اختلال الأمن واضطرابه حتى يتذوق الناس طعم حياتهم، ويشعروا بوجودها ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ .
ومما يؤيد هذا أن الغالب في جرائم القتل أن ترتكب بالاشتراك؛ خوفا من تغلب المجني عليه على الجاني إذا كان منفردا، واحتياطا من وصول غوث قد يعرقل تنفيذ جريمتهم، وإذا كان القتل بهذه الكيفية هو الغالب فالزاجر إنما يشرع فيما يغلب وقوعه لا فيما يندر، فشرعية القصاص في هذه الحالة من باب أولى.
لقد أثار فقهاء الحنفية عدة اعتراضات على ما استدل به جمهور الفقهاء، وما استدلوا به وأجابوا عنها، ومنها:
стр. 212
أنه إذا قتل جماعة واحدا، فإن القياس يقضي بألا يلزمهم القصاص؛ لأن المعتبر في القصاص المساواة؛ لما في الزيادة من الظلم على المعتدي، وفي النقصان من البخس بحق المعتدى عليه، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، هذا شيء يعلم ببداهة العقل، فالواحد من الجماعة يكون مساويا ومماثلا للواحد المقتول، فكيف تكون الجماعة مماثلة للواحد؟!
وأيد هذا القياس قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وذلك ينفي مقابلة النفوس بالنفس.
الجواب: أجاب الحنفية عن ذلك بقولهم: إنهم قد أخذوا بالاستحسان وزكوا العمل بالقياس في هذه المسألة بما روي عن: عمر، وعلي، وابن عباس ﵃ من قتلهم الجماعة بالواحد -كما ذكرنا آنفا- وكان الصحابة ﵃ متوافرين، ولم ينكر عليهم أحد فحل محل الإجماع.
ولقد اعترض على الأخذ بالاستحسان بأن القياس مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وذلك ينفي مقالة النفوس بنفس؛ فعلى ذلك يلزم من ترك هذا القياس ترك العمل بمدلول الآية المذكورة بما روي عن عمر ﵁ وذلك لا يجوز؛ لأن عمر إما أن يكون منفردا في ذلك أو انضم إليه إجماع الصحابة، فإن كان منفردا في قضائه قله المذكورين آنفا، فظاهر عدم جوازه؛ لأن قول صحابي واحد وفعله لا يصلحان للمعارضة لكتاب الله تعالى، فضلا عن الرجحان عليه، وإن انضم إليه إجماع الصحابة؛ حيث كانوا متوافرين، ولم ينكر عليه أحد منهم فحل محل الإجماع -كما صرح به في العناية وغيرها- فكذلك لا يجوز؛ إذ تقرر في علم أصول الفقه أن الإجماع لا يكون ناسخا للكتاب ولا للسنة كما لا يكون القياس ناسخا لشيء منهما.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
стр. 213
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، لا ينافي ما قالوا في هذه المسألة؛ إذ لا دلالة فيه على اعتبار الوحدة في النفس، بل فيه مجرد مقابلة جنس النفس بجنس النفس كما ترى، والمقصود منه الاحتراز عن أن يقتص النفس بغير النفس، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ ونحوهما، وأما أنه هل تتحقق المماثلة المعتبرة في القصاص عند تعدد النفس في جانب القاتل أو المقتول، فإذا يستفاد ذلك من دليل آخر، ألا ترى أن العين اليمنى لا تقتص بالعين اليسرى، وكذا العكس، مع أن قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ لا يدل عليه نظرا إلى ظاهر إطلاقه، بل إنما يستفاد ذلك من دليل آخر، فكذا هنا والدليل موجود وهو ما روي أن عمر قتل الجماعة بالواحد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعا على قتل الجماعة بالواحد، فدل ذلك على عدم اعتبار المماثلة من هذه الناحية١.
كما أجاب الفقهاء أيضا عما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أن الله شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، بأن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة؛ افتخارًا واستظهارا بالجاه والمقدرة، فأمر الله بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل٢.
وبهذا التحليل الدقيق نرى رجحان ما استدل به الجمهور على قتل الجماعة بالواحد قصاصا.
стр. 214
أحكام أخرى تتفرع عن القول بقتل الجماعة بالواحد:
اختلف الفقهاء القائلون بقتل الجماعة بالواحد في أنه هل يجب على ولي الدم شيء إذا استوفى القصاص من الجماعة القاتلة؟ إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
قال جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة": إن لولي الدم أن يقتص من الجماعة القاتلة لواحد دون أن يتبع ذلك شيء آخر؛ لأن القصاص من الجماعة كالقصاص من الواحد، وإذا سقط القصاص لأي سبب، فالواجب دية واحدة عليهم جميعا لولي الدم، مع مراعاة ما سبق أن حررناه من أن الواجب في القتل العمد هل هو القصاص عينا أو أن الواجب أحد أمرين القصاص أو الدية؟ ١ فمن قال: الواجب أحد الأمرين فعنده إذا سقط القصاص بعفو أو غيره وجبت دية واحدة؛ لأن القتل واحد، فلا يجب أكثر من دية، كما لو قتلوه خطأ٢، وإن عفا ولي الدم عن بعضهم، فعلى المعفو قسطه من الدية؛ لأن الدية بدل المحل، وهو واحد، فتكون ديته واحدة، سواء أتلفه واحد أو جماعة ... ولأن الواجب بدل المتلَف، ولا يختلف باختلاف المتلِف ... ٣. أما من قال: إن موجب القتل العمد القصاص عينا، فإنه إن عفا عنهم سقط القصاص ولا شيء له، ويجوز له أن يعفو عن البعض ويصالح البعض ويقتص من البعض٤.
стр. 215
الرأي الثاني:
يرى الزيدية أنه تقتل الجماعة بالواحد إذا اجتمعوا على قتله، وكذلك تقطع أيديهم إذا قطعوا يده١، ويجب على كل واحد من القاتلين للواحد دية كاملة لورثة القتيل إن طلبت الدية، وعفا الوارث عن القصاص، أو سقط القصاص بأي وجه، وكذلك الحكم في قطع اليد يلزم كل واحد من الجانبين دية كاملة إن سقط القصاص بأي وجه، وأما في قتل الخطأ لو اشترك فيه جماعة فلا يلزمهم إلا دية واحدة لورثته؛ لأن القصاص في الخطأ ساقط من الأصل، فهي عوض عن دم المقتول.
الرأي الثالث:
يرى الإمامية قتل الجماعة بالواحد إلا أنه يلزم ولي الدم إذا اختار القصاص من الجماعة أن يرد عليهم ما فضل عن ديته، فيأخذ كل واحد من
стр. 216
القتلة ما فضل من ديته عن جنايته، وله قتل البعض فيرد الباقون من الدية بحسب جنايتهم، فإن فضل للمقتولين فضل عما رده شركاؤهم قام به الولي، فلو اشترك ثلاثة في قتل واحد واختار وليه قتلهم أدى إليهم ديتين يقتسمونهما بينهم بالسوية، فيصيب كل واحد منها ثلثا الدية ويسقط ما يخصه من الجناية وهو الثلث الباقي، ولو قتل اثنين أدى الثالث ثلث الدية عوض ما يخصه من الجناية، ويضيف الولي إليه دية كاملة ليصير كل واحد من المقتولين ثلثا دية وهو فاضل ديته عن جنايته، ولأن الولي استوفى نفسين بنفس فيرد دية نفس، ولو قتل واحدا أدى الباقيان إلى ورثته ثلثي الدية، ولا شيء على الولي، ولو طلب الدية كانت عليهم بالسوية إن اتفقوا على أدائها، وإلا فالواجب تسليم نفس القاتل، هذا مع اتحاد ولي المقتول، أو اتفاق المتعدد على الفعل الواحد، ولو اختلفوا فطلب بعضهم القصاص وبعض الدية قدم مختار القصاص بعد رد نصيب طالب الدية منها، وكذا لو عفا البعض إلا أن الرد هنا على القاتل١.
ب- قتل الواحد بالجماعة:
اتفق الفقهاء على أن الواحد إذا قتل جماعة عمدا كان لأولياء القتلى الحق في أن يقتصوا منه؛ ولكنهم اختلفوا في كون القصاص منه هو كل العقوبة؛ أي: أنه ليس لأولياء القتلى شيء آخر بعد القصاص، أم أن القصاص يقع عن إحدى جرائمه، وللآخرين الديات في تركته إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
ليس لأولياء القتلى شيء سوى القصاص إذا طلبوه.
يرى الحنفية "والمالكية"٢ أنه إذا قتل واحد جماعة فحضر أولياء
стр. 217
المقتولين وطلبوا القصاص قتل لجماعتهم، ولا شيء لهم غير ذلك، فإن حضر واحد منهم قتل له وسقط حق الباقين، وقد استدلوا بالقياس، وذلك من وجهين:
١- قالوا: إنه إذا اقتص من الواحد للجماعة كان كل واحد من أولياء القتلى مقتصا بوصف الكمال، فحصل التماثل والتساوي كما حصل التماثل والتساوي في قتل الجماعة بالواحد؛ إذ إنه لو لم يوجد ذلك لما وجب القصاص من الجماعة للواحد؛ لأن المثل اسم مشترك، فمن ضرورة كون أحد الشيئين مثلا للآخر أن يكون الآخر مثلا، كاسم الأخ والزوج، فوجوب القصاص من الجماعة للواحد دليل على أنها مثل له؛ إذ القصاص لا يجب في كل موضع يتعذر فيه اعتبار المماثلة -ككسر العظم- أو يتوهم فيه عدم المماثلة -كالجائفة- فإذا كانت الجماعة مماثلة للواحد، كان الواحد مماثلا للجماعة، فإذا اقتصوا منه، أو اقتص منه أحدهم، لم يكن لهم، أو للباقين شيء آخر.
٢- ولأن القصاص شرع مع المنافي، وهو قوله ﷺ : "الآدمي بنيان الرب، معلون من هدم بنيان الرب"؛ لتحقيق الإحياء، وتحقيق الإحياء قد حصل بقتل القاتل، فاكتفى به، ولا شيء لهم غير ذلك١.
стр. 218
الرأي الثاني:
القصاص يقع عن واحد وللباقين الديات:
قال الشافعية: إذا قتل واحد جماعة فإنه قتلهم مرتبا قتل بأولهم، وإن قتلهم دفعة قتل بواحد منهم بالقرعة، وللباقين الديات في تركته لتعذر القصاص لهم عليه، وإنما تجب القرعة في المعية عند التنازع، فإن رضوا بتقديم واحد منهم من غير قرعة جاز، ولهم الرجوع إلى القرعة قبل القصاص، ولو قتلوه كلهم دفعة واحدة أساءوا ووقع القتل موزعا عليهم، ولكل منهم ما بقي من دية مورثه، فلو كانوا ثلاثة حصل لكل منهم ثلث حقه، ويرجع بثلثي الدية والعبرة بدية المقتول لا القاتل١.
وجه قول الشافعي: أن المماثلة مشروطة في باب القصاص، ولا مماثلة بين الواحد الجماعة، فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة على طريق الاكتفاء به، فيقتل الواحد بالواحد وتجب الديات للباقين، كما لو قطع واحد يميني رجلين، فإنه لا يقطع بهما اكتفاء، بل يقطع بإحداهما وعليه أرش الآخر لمماثلتها، كذا هذا.
وأما قتل الجماعة بالواحد فقد كان ينبغي ألا تقتل الجماعة بالواحد قصاصا لعدم المساواة، إلا أنا عرفنا ذلك بإجماع الصحابة ﵃ غير معقول، أو معقولا بحكمة الزجر والردع لما يغلب من وجود القتل بصفة الاجتماع ... فيجعل كل واحد منهم قاتلا على الكمال كأن ليس معه غيره تحقيقا للزجر، وقتل الواحد الجماعة لا يغلب وجوده بل يندر، فلم يكن
стр. 219
في معنى ما ورد الشرع به فلا يلحق به١.
ولأنه لما كان لكل واحد منهم الحق في استيفاء القصاص، فاشتراكهم في المطالبة لا يوجب تداخل حقوقهم كسائر الحقوق، فكما أن الحقوق لا تتداخل فكذلك هذا.
ويقاس أيضا على القتل خطأ، فكما وجب عليه في القتل خطأ دية كل، فكذلك يجب عليه في القتل العمد دية كل.
الرأي الثالث:
القصاص كاف عند اتفاقهم عليه، وإلا فللباقين الديات.
ويرى الحنابلة والزيدية: أنه إذا قتل واحد جماعة قتل بها اكتفاء إن اجتمع أولياء القتلى على قتله، وإن لم يجتمعوا قتل بواحد منهم والباقين دياتهم في مال القاتل، ونظرا لأن لكل مذهب تفصيلاته، فإننا نعرض الرأيين بقدر، ثم نتبع ذلك بالأدلة.
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة٢ أنه إذا قتل واحد اثنين -مثلا- فاتفق أولياؤهما على قتله بهما قتل بهما، وإن أراد أحدهما القود والآخر الدية، قتل لمن أراد القود، وأعطى أولياء الثاني الدية على ماله، سواء كان المختار للقود الثاني أو الأول، وسواء قتلهما دفعة واحد أو دفعتين، فإن بادر أحدهما فقتله وجب للآخر الدية في ماله أيهما كان، وإن طلب كل ولي قتله بوليه مستقلا من غير مشاركة قدم الأول؛ لأن حقه أسبق، ولأن المحل صار
стр. 220
مستحقا له بالقتل الأول، فإن عفا ولي الأول فلولي الثاني قتله، وإن طالب ولي الثاني قبل طلب الأول بعث الحاكم إلى ولي الأول فأعلمه، وإن بادر الثاني فقتله أساء وسقط حق الأول إلى الدية، وإن كان ولي الأول غائبا أو صغيرا أو مجنونا انتظر، وإن عفا أولياء الجميع إلى الديات فلهم ذلك وإن قتلهم دفعة واحدة وتشاحوا في المستوفى أقرع بينهم، فقدم من تقع له القرعة لتساوي حقوقهم، وإن بادر غيره فقتله استوفى حقه، ويسقط حق الباقين إلى الدية، وإن قتلهم متفرقا وأشكل الأول، وادعى كل ولي أنه الأول، ولا بينة لهم، فأقر القاتل لأحدهم قدم بإقراره، وإن لم يقر أقرعنا بينهم لاستواء حقوقهم.
مذهب الزيدية:
أما الزيدية فيرون أن قتل الجماعة إن كان واحدا فليس لهم عليه سوى القتل، ولا شيء عليه من الديات لتعدد القتلى، وسواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى أو خنثى أو عبدا، وسواء كان قتله للجماعة في حالة واحدة أم حالات، وليس لأولياء أحد القتلى أن يقتله قصاصا عن مقتوله قبل حضور أولياء الآخرين، فإن فعل أثم ولا شيء عليه ويلزم ديات الباقين في مال القاتل؛ ولهذا يجب على القاتل أن يحفظ نفسه حتى يجتمع أولياء دم القتلى جميعا فيقتصوا أو يوكلوا مع حضورهم؛ لأنه قد تعلق بذمته حق لورثة كل واحد ممن قتله، فلا يجوز له أن يمكن من قتل نفسه ورثة أحد القتلاء دون الآخرين، وله المدافعة ولو بالقتل إذا أراه أحد الأولياء قتله؛ لأن فعله محظور قبل حضور جميع أولياء القتلاء، فإن حضروا وطلب بعضهم القود وبعضهم الدية وجب الكل.
أما من قلع أعين جماعة فليس كالقتل لهم، فالقصاص لازم لهم في عينه يجتمعون على قلعها أو يوكلون واحدا يقتلعها، ويستحقون عليه ديات
стр. 221
الأعين الباقيات التي لم تستوف القصاص، تقسم بينهم على السواء، فلو اقتص أحدهم بالعين دون الآخرين استحق الآخرون الديات دون المقتص، والفرق بين النفس والأطراف أن النفس لا يمكن تبعيضها، وسائر الأطراف يمكن تبعيضها١.
الأدلة:
لقد استدل الحنابلة بالسنة والقياس، كما ناقضوا الأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الأول والثاني.
أما السنة: فقد استدلوا بقول النبي ﷺ : " ... فمن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وأحبوا أخذوا العقل"، فظاهر هذا الحديث أن أهل كل قتيل يستحقون ما اختاروه من القتل أو الدية، فإذا اتفقوا على القتل وجب لهم، وإن اختار بعضهم الدية وجب له بظاهر الخبر؛ فيكون هذا الحديث حجة على الحنفية والمالكية.
وأما القياس: فقد قالوا: إن الجنايتين إذا كانتا خطأ لا تتداخلان، وكذلك إذا كانت إحداهما خطأ والأخرى عمدا، فلم يتداخلا في العمد قياسا على ذلك كالجنايات على الأطراف، وقد سلم الحنفية بذلك.
وقالوا على قول الشافعية: "إن حقوقهم لا تتداخل كسائر الحقوق"، إن محل الجناية محل تعلق به حقان لا يتسع لهما معا، فإن رضي المستحقان
стр. 222
به عنهما فيكتفى به، كما لو قتل عبد عبدين خطأ فرضي بأخذه عنهما، ولأنهما رضيا بدون حقهما فجاز، كما لو رضي صاحب اليد الصحيحة بالشلاء، أو ولي الحر بالعبد.
وفارق القتل العمد ما إذا كان القتل خطأ، فإن الجناية الخطأ تجب في الذمة، والذمة تتسع لحقوق كثيرة.
كما ردوا على قول الحنفية والمالكية "بالتماثل بين قتل الجماعة بالواحد والواحد بالجماعة" بأن التماثل غير صحيح، فإن الجماعة قتلوا بالواحد؛ لئلا يؤدي الاشتراك إلى إسقاط القصاص؛ تغليظًا للقصاص، ومبالغة في الزجر، وفي مسألتنا ينعكس هذا، فإنه إذا علم أن القصاص واجب عليه بقتل واحد، وأن قتل الثاني والثالث لا يزاد به عليه حق، بادر إلى قتل من يريد قتله وفعل ما يشتهي فعله، ويصير هذا كإسقاط القصاص عنه ابتداء مع الدية.
والترجيح:
ويتضح لنا مما تقدم رجحان الرأي الثالث للأدلة التي ذكرها وهي قوية وواضحة، وأيضا فإن هذا الرأي محقق للمصلحة العامة؛ حيث يسد باب التفاني، ويحقق حكمة الإحياء، ويحقق المصلحة الخاصة؛ حيث يجبر دم القتلى الآخرين بالديات التي تدفع لأولياء القتلى إن أراد أحد منهم أخذها، أما إن اكتفوا بالقصاص فهذا حقهم، ولهم إسقاطه فرادى، فكذا إذا كانوا جماعة.
стр. 223
خلاصة المقصد الرابع:
بعد دراستنا لشروط استيفاء القصاص، هذه الدراسة التحليلية تبين أننا نرجح أن المكافأة المعتبرة هي المكافأة في العصمة، والعصمة تكون بالإسلام أو بدار الإسلام، فكل من اكتسب هذه العصمة مسلما كان أم ذميا، حرا أم عبدا، ذكرا أم أنثى، صغيرا أم كبيرا، عاقلا أم مجنونا، كان قتله عمدا موجبا القصاص، إلا إذا أسقط الشارع هذه العقوبة عنه بسبب صغر أو جنون -كما سيأتي إيضاحه في الظروف المبيحة أو المخففة للعقوبة في المقصد السادس من النوع الأول من العقوبة الدنيوية- وقد كان عمادنا في الترجيح رجحان الأدلة التي استند إليها القائلون بذلك.
استيفاء القصاص في الحرم:
إذا أردنا أن نعرف حكم استيفاء القصاص في الحرم، فعلينا أن نفرق بين حالتين: حالة ارتكاب الجناية داخل الحرم، وحالة ارتكابها خارجه.
الحالة الأولى: إذا اقترف الجاني جنايته في الحرم -سواء كانت على النفس أو على ما دونها- أخذ بجنايته، وأقيم عليه ما يستحقه من قتل أو غيره باتفاق أهل العلم١، فإن الله -جل شأنه- فرق بين الجاني في الحرم، والجاني في غيره إذا لجأ إليه؛ حيث أباح قتل من قاتل
стр. 224
في الحرم، ولم يبح قتل من لم يقاتل، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ١.
ويؤيد هذه التفرقة أن الجاني في الحرم هاتك لحرمته، بخلاف من جنى ثم التجأ إلى الحرم، فإنه لا يوجد منه هتك لحرمته، ولا اعتداء على قدسيته، وأيضا لو قلنا بترك الحد والقصاص على كل شخص يفعل ما يوجب ذلك في الحرم لعظم الفساد في الحرم وانتشر، وهذا يتنافى مع مكانته.
الحالة الثانية: أما إذا ارتكب الجاني جنياته خارج الحرم ثم لاذ بالحرم، فإن للفقهاء رأيين في إقامة العقوبة عليه:
الرأي الأول: قال مالك والشافعي٢: يقتص منه في الحرم في النفس وما دونها٣، استنادا إلى عمومات الأدلة القاضية بالقصاص؛ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... ﴾ .
стр. 225
وقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ حيث إن هذه الأدلة بعمومها تفيد استيفاء القصاص في النفس وما دونها في كل زمان ومكان، وخصوصا ما روي عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر١، فلما نزعه جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة٢، قال: "اقتلوه" متفق عليه٣.
فالرسول ﵊ قد أمر بقتله وهو في داخل الحرم، فدل ذلك على جواز إقامة الحد والقصاص فيه، سواء كان الجاني قد ارتكب جنايته داخل الحرم أم خارجه ثم لجأ إليه.
الرأي الثاني:
قال جمع من الفقهاء الحنفية والحنابلة، وروي عن ابن عباس وابن عمر، وعبيد الله بن عمير، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والعترة: لا يقتص ممن جنى خارج الحرم، ثم لاذ بالحرم؛ ولكن لا يبايع ولا يؤاكل، ولا يجالس، ولا يؤوى، حتى يضطر إلى الخروج عن الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد والقصاص، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة.
стр. 226
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ ١ يقتضي أن من دخل الحرم كان آمنا على نفسه، سواء جنى قبل دخوله الحرم، أو جنى بعد دخوله، فالآية تأمرنا -وإن كانت في صورة الخبر- بتأمين من دخل الحرم، وحظر دمه، والنهي عن قتله، وذلك إذا كان دمه مستحقا بفعل فعله استوجب قتله، وإلا لما كان لتخصيصه بالحرم فائدة؛ لأننا مأمورون بتأمين جميع من يحمل رعوية الدولة الإسلامية في الحرم وغيره من ظلم أو قتل غير مستحق.
إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل، استنادا إلى ما ذكرنا آنفا من الأدلة٢.
وأما السنة: فقد وردت عدة أحاديث: منها ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة" متفق عليه.
ومنها ما روي عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال:
стр. 227
"إن أعدى١ الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول٢ الجاهلية" رواه أحمد٣.
وظاهر الأحاديث يقتضي حظر قتل اللاجئ إلى الحرم مطلقا، إلا أن الجاني في الحرم خارج باتفاق العلماء.
وأما أنه لا يبايع ولا يشارى ولا يجالس، فلما روي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسكن مكة سافك دم، ولا آكل ربا، ولا مشاء بنميمة"، وهذا يدل على أن القاتل إذا دخل الحرم لم يؤو، ولم يجالس، ولم يبايع، ولم يشار، ولم يطعم، ولم يسق، حتى يخرج، وروى طاوس عن ابن عباس قال: "إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس ولم يبايع، ولم يؤو، واتبعه طالبه يقول له: اتق الله في دم فلان واخرج من الحرم".
وأما جنايته على ما دون النفس، فإنه يؤخذ بها مطلقا، سواء كانت الجناية في الحرم أو خارجه ثم لجأ إليه، وهذا باتفاق العلماء٤؛ لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم حبس به؛ لقوله ﷺ : "لي
стр. 228
الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"، والحبس في الدين عقوبة، وهي عقوبة فيما دون النفس، فكل حق وجب فيما دون النفس يؤخذ به وإن لجأ إلى الحرم، قياسا على الحبس في الدين.
الترجيح:
والرأي الثاني أرجح؛ لقوة الأدلة التي استندوا إليها، ووضوحها في إفادة الحكم، أما ما استند إليه أصحاب الرأي الأول من "أن عمومات الآيات قاضية بالقصاص في كل مكان وزمان"، فقد أجيب عنه بجوابين:
أولهما: أن الآيات ليس فيها ما يدل على عمومها لكل مكان وكل زمان؛ لعدم التصريح بهما.
وثانيهما: أننا لو سلمنا بعمومها لذلك فهي مخصصة بالأحاديث التي ذكرناها؛ لأنها قاضية بمنع ذلك في مكان خاص، وهذه الأحاديث متأخرة، فإنها في حجة الوداع بعد شرعية الحدود.
كما أجابوا عن حديث أنس بأنه لا يصلح للاستدلال؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل في الساعة التي أحل الله له فيها القتال بمكة، وقد أخبرنا بأنها لا تحل لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وأخبرنا بأن حرمتها قد عادت بعد تلك الساعة كما كانت.
وأيضا فإن هذا الرأي فيه تكريم لهذا المكان المقدس، وتنزيه عن أن يكون مكانا لتنفيذ العقوبات على الجرائم التي ارتكبت خارجه، وميزة أخرى له يمتاز بها عن غيره من الأماكن، وهذا الرأي
стр. 229
لا يؤدي إلى إسقاط عقوبة عن جان؛ لأن عدم تقديم مقومات الحياة إليه من مأكل ومشرب ومأوى، وعدم التعامل معه وعدم مخالطته، كل هذا يدفعه ويضطره إلى أن يخرج من الحرم، وإلا فإن الموت في هذه الحالة يكون نهاية له، إلا أنه موت مضاف سببه إليه، فيكون قاتلا لنفسه، وعقوبته الأخروية التخليد في النار -كما سبق أن بينا- أما إذا خرج فقد يعفو عنه ولي الدم، وإن قتله قصاصا يرجى أن يكون ذلك جبرا لذنبه.
стр. 230
المقصد الخامس: استيفاء القصاص:
ونتناول في هذا المقصد ثلاثة موضوعات: من له حق استيفاء القصاص، فإذن الإمام بالاستيفاء، ثم كيفية القصاص.
الفرع الأول: مَن له حق استيفاء القصاص:
اتفق الفقهاء على أنه إذا كانت الجناية على ما دون النفس، فإن المستحق القصاص يكون هو المجني عليه؛ لأنه هو صاحب الحق، ولا يتصور أن يكون الحق لغير صاحب الحق.
وأما إن كانت الجناية على النفس، فإننا إذا تتبعنا آراء الفقهاء وجدنا أن الولي الذي يكون له حق استفياء القصاص أولا هو القريب -على اختلاف في حقيقته- فمولى العتاقة فمولى الموالاة -على اختلاف بينهم في القول بإعطائهما هذا الحق- ثم الإمام أن لم يوجد أحد ممن يستحق هذه الولاية ممن ذكرنا، ونبين هنا آراءهم في سبب الاستحقاق الأول "القرابة" لأهميته وأصالته، وندع هذه المقارنة بالنسبة لباقي الأسباب؛ نظرا لأن مولى العتاقة ومولى الموالاة مما لا يكاد يوجد الآن، ولاتفاقهم على أنه إن لم يوجد مستحق كان هذا الحق للإمام أو نائبه.
стр. 231
آراء الفقهاء في إثبات هذه الولاية للأقارب:
للفقهاء خمسة آراء في نوع القرابة التي تثبت بها هذه الولاية:
الرأي الأول: يرى الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية١: أن ولاية
استيفاء القصاص في النفس حق لمن ورث مال المقتول، ذكورا كانوا أو إناثا، ذوي قرابة نسبية أو سببية، وعللوا ذلك: بأن القصاص حق ثابت، وإذا كان حقا ثابتا فإنه يورث كما يورث المال، والوارث أقرب الناس إلى الميت، فيكون هذا الحق له.
الرأي الثاني: يرى المالكية أن استيفاء القصاص في النفس يكون للعاصب الذكر، يقدم الأقرب، فالأقرب؛ كترتيب الولاء، فيقدم الابن، فابنه، فأب، فأخ، فابن أخ، فجد، فعم، فابنه ... ، إلا الجد الأدنى، والإخوة فإنهما متساويان في القتل والعفو.
ولا يكون الاستيفاء للنساء إلا بثلاثة شروط:
١- أن يكن وارثات فليس للعمة والخالة ونحوهما حق الاستيفاء.
٢- ولم يساوهن عاصب في الدرجة كأن لم يوجد عاصب أنزل منهن؛ كعم مع بنت أو أخت.
٣- وأن يكن عصبة لو كن ذكورًا، فلا حق للجدة من الأم، والأخت لأم والزوجة، فإن كن وارثات مع عاصب غير مساو فلهن وله القود، فمن طلبه من الفريقين أجيب له، ولا يعتبر عفوا إلا باجتماع الفريقين، أو بواحد من كل فريق، كالبنات مع الإخوة، فإن لم يكن أحد من هؤلاء كان استيفاء القصاص للمولى الأعلى ثم السلطان.
الرأي الثالث: يرى الإمامية أن حق استيفاء القصاص يكون لوارث المال مطلقا إلا الزوجين، وقد استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ١، وقد خرج الزوجان منها بالإجماع، فيبقى الباقي، ولأن الزوجية ترتفع بالموت.
стр. 234
وقد نقل عن ابن أبي ليلى قوله: "لكل وارث عفو إلا الزوج والزوجة، فلا عفو لهما".
الرأي الرابع: يرى ابن شبرمة والليث والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، ورأي في مذهب الإمامية: أن حق استيفاء القصاص لا يكون للنساء مطلقا، وربما استدلوا بأن النساء لا يرثن الولاء، ولا الولاية في عقد النكاح، فكذلك لا يرثن القصاص.
الرأي الخامس: يرى الظاهرية أن هذه الولاية هي لأهل المقتول، وهم الذين يعرف المقتول بالانتماء إليهم، سواء كان ذكرا أم أنثى، ذا قرابة نسبية أو سببية؛ كالابن والابنة، والأخت والأخ، والأم، والزوج، والزوجة، وابن العم وبنت العم، والعمة، فمن أراد من هؤلاء القود فالقود واجب، ولا يلتفت إلى عفو من عفا ممن هو أقرب أو أبعد أو أكثر في العدد، فإن اتفق الورثة كلهم على العفو فلهم الدية حينئذ ويحرم الدم١.
الترجيح:
والذي نرى رجحانه هو الرأي الأول الذي يقضي بأن حق استيفاء القصاص يكون لوارث المال مطلقا -ذكرا أو أنثى- وذلك لما ذكروا من أدلة، ولما يأتي:
١- روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله
стр. 235
صلى الله عليه وسلم قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثوا منها إلا ما فضل عن ورثتها. وإن قتلت١ فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها، رواه الخمسة إلا الترمذي، ووجه الاستدلال به أن رسول الله ﷺ جعل لورثة المرأة أن يقتلوا قاتلها، فجعل القصاص حقا للورثة جميعا من الرجال والنساء.
٢- كما روي عن عائشة أن الرسول ﷺ قال: "وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" رواه أبو داود والنسائي، وأراد بالمقتتلين أولياء المقتول الطالبين القود، وينحجزوا: أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كان امرأة، وقوله: الأول فالأول: أي الأقرب فالأقرب، ذكر الشوكاني أن أبا داود قد فسره بما ذكر٢.
٣- وقد وردت آثار عن الصحابة -رضوان الله عليهم- تؤيد أن القصاص حق لجميع ورثة المال، منها ما روي عن زيد بن وهب أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلا، فجاء أولياء المقتول فأرادوا قتله، فقالت أخت المقتول -وهي امرأة القاتل: قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: عتق الرجل من القتل، ولم يظهر مخالف لرأيه والصحابة متوافرون.
كما روي عن إبراهيم أنه قال: عفو كل ذي سهم جائز٣.
стр. 236
وبهذا يتضح لنا رجحان القول بأن ورثة المال هم الذين لهم حق استيفاء القصاص. وأما القول بأن الزوجين يخرجان من الولاية؛ لأن الزوجية ترتفع بالموت، فقد يرد على هذا بأن القصاص شرح لحفظ الدماء والزوج أقرب الناس إلى زوجته، وهو المتأثر بالقتل -غالبا- أكثر من غيره فاندفاعه إلى استيفاء القصاص وحرصه عليه لا يقل عن غيره من الورثة، ويرد عليه أيضا بما روي عن عمر آنفا.
وإذا ثبت هذا للزوجة، فثبوته للنساء الوارثات بسبب القرابة أولى، وقد كان ما قاله إبراهيم النخعي نصا في الموضوع، فكل ذي سهم في التركة يكون له حق استيفاء القصاص، وأيضا فإن جعل هذا الحق لجميع الأهل -أي من ينتمي إليهم المقتول- فيه إحالة إلى مجهول؛ إذ الأهل دائرتهم متسعة فقد يكونون مائة، وقد يكونون ألفا، وقد يكونون أكثر، وقد يكونون أقل، حسب ظروف كل أسرة، ومثل هذا العدد ارتباطهم بالمقتول متفاوت وشعورهم نحوه لا يتجه في طريق واحد، ومن هنا قد تضيع دماء كثيرة؛ لذلك فإن جعل هذا الحق في يد ورثة المال فيه حصر للدائرة التي تتعاطف مع المقتول، وتتصل به اتصالا وثيقا، وحسبنا أن الشارع قد أعطاها نصيبا حقوقه وأمواله بعد موته، وهذا حق من الحقوق كما أن فيه رعاية وصونا لدم المقتول عن الإهدار.
стр. 237
ما يشترط فيمن لهم ولاية الاستيفاء:
أثار الفقهاء عدة أمور، قال البعض باشتراطها، وآخرون بعدم اشتراطها، ومنها:
١- اشتراط التكليف:
لما كان حق استيفاء القصاص حقا ثابتا للإنسان، حقا يورث كالحقوق المالية، فإنه ينبغي أن يثبت للورثة، الصغير منها والكبير، كما يثبت الميراث إلا أنه حق يحتاج إلى توافر أهلية الأداء الكاملة التي بها يتمكن صاحب الحق من التعبير عن إرادته في استيفاء حقه، وهو هنا القصاص أو تركه في مقابل الدية أو ما يصالح عليه، أو العفو مجانا، وأيضا فإن لمصلحة تقتضي أن يعرف القاتل مصيره، ومن هنا وجدنا خلافا فقهيا يجري في ثبوت هذا الحق للصغير والمجنون.
حكم ما إذا كان احد الورثة صغيرا أو مجنونا:
قال أبو حنيفة والمالكية والظاهرية١: إنه إذا كان أحد الورثة صغيرا أو مجنونا، فإنه لا ينتظر بلوغه أو إفاقته، وقد استدل أبو حنيفة لرأيه بأمرين؛ أولهما: أن هذا الحق يثبت لكل واحد من الورثة على سبيل الكمال؛ لأنه حق لا يتجزأ، والشركة فيما لا يتجزأ محال، كولاية النكاح. وثانيهما: ما روي أنه لما جرح ابن ملجم -لعنه الله- عليا -كرم الله وجهه- قال للحسن ﵁: إن شئت فاقتله، وإن شئت فاعف عنه، وإن
стр. 238
تعفو خير لك، فقتله الحسن، وكان في ورثة علي ﵁ صغار، فالإمام على خير الحسن بين القتل والعفو من غير تقييد ببلوغ الصغار، كما أن الحسن قتل ابن مجلم ولم ينتظر بلوغ الصغار، وكل ذلك كان بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينقل إنكار أحد منهم عليهما، فكان إجماعا١.
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: يجب أن ينتظر حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون، ثم يبدي رأيه في القصاص.
وقد استدلوا على ذلك بأن هذه الولاية تثبت لهم على سبيل الشركة كالمال الموروث عن المقتول، وتجري في القصاص سهام الورثة كما تجري في المال، ومن قضية الشركة أن ينتظر حتى يبلغ فيبدي رأيه، إلا أن الإمامية أضافوا إلى ذلك أنه إذا اقتضت المصلحة تعجيل القصاص يعجل لأن مصالح الطفل والمجنون منوطة بنظر الولي، ولأن التأخير ربما استلزم تفويت القصاص.
كما قال الشافعية والحنابلة: إنه إذا كان المجنون فقيرا فإنه يجوز لوليه أن يعفو على الدية، بخلاف الصبي؛ لأن للصبي غاية تنتظر وهي البلوغ، أما المجنون فإنه لا يعرف متى يفيق.
حبس الجاني أثناء انتظار بلوغ الصبي وإفاقة المجنون:
ولما كان الانتظار قد يؤدي إلى فرار الجاني، فإنهم قالوا بحبسه حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، وذلك لأن في حبسه مصلحة للقاتل بتأخير
стр. 239
قتله، ومصلحة للمستحق بإيصاله إلى حقه، ولأن القاتل يستحق إتلاف نفسه وإتلاف منفعته، فإذا تعذر استيفاء للنفس لأمر عارض بقي إتلاف المنفعة سالما عن المعارض، وقد حبس معاوية هدية بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، فلم ينكر ذلك عليه، وكان في عصر الصحابة.
٢- اشتراط اتفاق المستحقين جميعا على استيفاء القصاص:
يشترط لاستيفاء القصاص اتفاق جميع المستحقين على استيفائه عند جمهور الفقهاء، استنادا إلى ما روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء للذين لم يعفوا نصيبهم من الدية، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ أجمعين- ولم ينقل إنكار أحد منهم فكان إجماعا.
وقد قيل إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ نزلت في دم بين شركاء يعفو أحدهم عن القاتل، فللآخرين أن يتبعوه بالمعروف في نصيبهم، وقد سبق إيضاح ذلك.
وأيضا فإن حرص المشروع على إحياء الأنفس يجعلنا نرجح جانب العفو عن بعض النفس التي أراد مستحقها لها الحياة بعفوه، على جانب إرادة الولي المشارك في استيفاء القصاص، ضرورة أن القصاص لا يتجزأ؛ إذ القصاص قصاص واحد، فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الآخر مالا تغليبا لجانب الحياة.
وقد خالف في هذا الظاهرية -كما سبق بيانه١- والإمامية في رأي مشهور
стр. 240
عندهم يقضي بأنه لو صالح بعض الأولياء على الدية لم يسقط القصاص عنه للباقين، وقد استدلوا على ذلك بما روي عن أبي عبد الله ﵇ في رجل قتل، وله أب وأم وابن، فقال الابن: أنا أريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب: أنا أعفو، وقالت الأم: أنا آخذ الدية، قال: فليعط الابن لأم المقتول السدس من الدية، ويعطي ورثة القاتل السدس الآخر حق الأب الذي عفا وليقتله، إلا أنه روي في مذهب الإمامية روايات بسقوط القصاص في هذه الحالة وثبوت الدية، لرواية زرارة عن الباقر "ع" وهذه الروايات تتفق مع رأي جمهور الفقهاء.
حكم غيبة أحد الأولياء:
إذا كان أحد الأولياء غائبا فإن الفقهاء يختلفون في القول بانتظاره إلى فريقين:
الرأي الأول: يوجب انتظاره حتى يعود؛ إذ إنه ربما اختار العفو عن القاتل، فلا يكون قتله حيئذ مستحقا للورثة الباقين، قال بهذا جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، وهو قول الليث بن سعد، وحماد بن أبي سليمان" إلا أن رأيا لبعض المالكية يفرق بين الغيبة القريبة والغيبة البعيدة؛ حيث يوجب انتظاره في الأولى دون الثانية.
الرأي الثاني: قال الظاهرية: لا ينتظر قدوم الغائب؛ لأن القول عندهم قول من دعي إلى القصاص، فللكبير وللحاضر العاقل أن يقتل ولا ينتظر بلوغ الصغير، ولا إفاقة المجنون، ولا قدوم الغائب، فإن عفا الحاضرون البالغون لم يجر ذلك على الصغير، ولا على الغائب، ولا على
стр. 241
المجنون، بل هم على حقهم في القود، حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، فإذا كان ذلك فإن طلب أحدهم القود قضي له به، وإن اتفقوا كلهم على العفو جاز ذلك حينئذ١.
الترجيح:
وأرى أن رأي الظاهرية هنا فيه تشدد واضح على القاتل ففي حالة القصاص يأخذ برأي الحاضرين فقط، وفي حالة العفو لا يأخذ به، إلا أن المسألة يجب أن تبحث على أساس ثبوت الحق لهؤلاء، أو عدم ثبوته، فإن ثبت لهم جميعا كان من الواجب انتظارهم، وإلا لا ينتظرون؛ ولذلك ترى رجحان رأي جمهور الفقهاء، كما نرى رجحان التفريق بين الغيبة البعيدة والغيبة القريبة، فإن كانت الغيبة قريبة ينتظر الغائب وإلا فلا داعي إلى الانتظار؛ لأن ذلك قد يفوت على الحاضرين حقهم كما لو مات الجاني، وأيضا فإن الانتظار مدة طويلة يفوت الفائدة من الردع والزجر التي شرع القصاص من أجلها إحياء للنفوس، ويترك تحديد بعد الغيب وقربها إلى اجتهاد ولي الأمر؛ لأن ذلك مما يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
وإذا قلنا بانتظار حضور الغائب، فإن الجاني يحبس حتى يحضر، كما يحبس أن يبلغ الصبي ويفيق المجنون، كما أوضحنا آنفا.
٣- اشتراط كون القصاص مأمون التعدي:
اشتراط الفقهاء لتنفيذ القصاص أو الحد أن يكون التنفيذ مأمون
стр. 242
التعدي، فإذا كان الجاني امرأة حاملا، فإن تنفيذ القصاص فيها قبل الوضع يؤدي إلى قتل جنينها؛ لذلك أجمع على أنه لا بد من إرجاء تنفيذ العقوبة حتى تضع، ويستغنى عنها ولدها، وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ وإذا أدى القصاص إلى قتل الجنين كان تعديا وإسرافا.
وبما روي عن بريدة قال: جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى، قال: "إما لا، فاذهبي حتى تلدي"، قال: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه"، فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا رسول الله، قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، رواه مسلم وأحمد وأبو داود واللفظ لمسلم.
وبما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا قتلت المرأة عمدا فلا تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها".
стр. 243
الفرع الثاني: إذن الإمام بالاستيفاء:
اشترط جمهور الفقهاء إذن الإمام باستيفاء القصاص؛ وذلك لعظم وخطر هذه العقوبة، ولأن إيجاب القصاص يفتقر إلى اجتهاد؛ نظرا لاختلاف الفقهاء في شرائط وجوب القصاص واستيفائه، إلا أنهم جعلوا عقوبة من يخالف ذلك ويقتص بنفسه التعزير؛ لافتياته وتعديه على سلطة الإمام، والتعزير عقوبة يقدرها الإمام حسب اجتهاده١.
وخالف في هذا الزيدية والإمامية، فجعلوا لولي الدم أن يقتص وإن لم يحكم الحاكم فيما كان مجمعا عليه، أو ثبت بالتواتر، أو بالإقرار؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ، ولأنه حقه٢.
إلا أن جعل هذا الحق بيد ولي الدم مباشرة يؤدي إلى انتشار القتل بين الناس؛ لأن أهل المقتول لا يفرقون بين أمر مجمع عليه أو غير مجمع عليه؛ بل إنهم سيسارعون إلى قتله دون تحقيق ومعرفة تامة بظروف الحادث.
ولقد رأينا صحابة رسول الله ﷺ يأخذون القاتل إليه، وبعد أن يوضح لهم ﵇ الحكم، يباشرون التنفيذ، وحسبك في ذلك ما نقلناه فيما تقدم عن الربيع عمة أنس بن النضر، وما روي عن وائل بن حجر، قال: إني لقاعد مع النبي ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر
стр. 244
بنسعة١، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ "أقتلته؟ " فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلته، قال: "كيف قتلته؟ " قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته، فقال له النبي ﷺ : "هل لك من شيء تؤديه عن نفسه؟ " قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي، قال: "فترى قومك يشترونك"، قال: أنا أهون على قومي من ذاك، فرمى إليه بنسعته، وقال: دونك صاحبك ... الحديث٢.
والذي نأخذه من هذا أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يتوجهون إلى الرسول ﷺ بالجناة لمعرفة الحكم، وبعد التحقيق كان الرسول ﵇ يصدر حكمه ثم ينفذ الحكم، وهذا ما نأخذ به صيانة للأرواح وحفظا للأمن.
стр. 245
الفرع الثالث: كيفية استيفاء القصاص:
للفقهاء في الفعل الذي يستوفى به القصاص رأيان:
أحدهما: يرى المالكية والشافعية والظاهرية: أن القصاص لا يكون إلا بفعل مماثل للفعل الذي تم به القتل؛ لأن المماثلة معتبرة في استبقاء القصاص؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٣.
ولما روي في الصحيحين أن النبي ﷺ رض رأس يهودي بين حجرين، وكان قد قتل جارية بذلك.
وروى البيهقي مرفوعا: "من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه"، ولأن المقصود من القصاص التشفي، وإنما يكمل التشفي إذا قتل القاتل بمثل ما قتل به، كما ردوا على حديث "النهي عن المثلة" بأنه محمول على من وجب قتله لا على وجه المكافأة؛ كمن وجب قتله حدا، أو في الحرب.
فمن قتل شخصا أو جرحه بمحدد -كسيف ونحوه- أو بمثقل -كحجر نحوه- أو ختق، أو تجويع، أو إلقاء في ماء أو نار، أو إلقاء من شاهق ... كان لولي الدم أن يقتص بمثل هذه الطريقة إذا أراد، فإن
стр. 246
عدل إلى السيف كان له ذلك، رضي الجاني أو لم يرض؛ لأنه أسهل وأولى للخروج من الخلاف.
إلا أنهم استثنوا من ذلك أمورا قالوا: إن القتل فيها لا يكون إلا بالسيف، منها: إذا تمت الجريمة بفعل محرم؛ كالخمر واللواط، أو كان الفعل مما يطول في قتله؛ كالضرب بالعصا والحجر، أو كان القتل بقسامة عند المالكية١، ففي هذه الحالات يكون القتل بالسيف لا غير.
الرأي الثاني: ويرى الحنفية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية٢، والشعبي، والنخعي: أن القصاص لا يكون إلا بالسيف في العنق، فإن تعذر فكيفما أمكن بلا تعذيب، وقد استدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" أخرجه الخمسة إلا البخاري، وإحسان القتل لا يحصل بضربه بغير السيف، وإنما يحسن بضرب العنق بالسيف؛ ولهذا كان ﷺ يأمر بضرب عنق من أراد قتله، حتى صار ذلك هو المعروف
стр. 247
في أصحابه، فإذا رأوا رجلا يستحق القتل قال قائلهم: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، حتى قيل: إن القتل بغير ضرب العنق بالسيف مثلة، وقد ثبت النهي عن المثلة١، كما ثبت نهيه عن التعذيب بالنار بقوله: "لا يعذب بالنار إلا رب النار".
كما استدلوا بحديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "لا قود إلا بالسيف"، وقد روي هذا الحديث من طرق مختلفة٢، وإن كانت لا تخلو من ضعف، إلا أن وروده من عدة طرق يقويه، كما يؤيده حديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ... ".
وقد أجابوا عن حديث أنس الخاص باليهودي الذي رض رأس جارية بأنه فعل، فإنه نصه: "فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين"، والفعل لا يعارض ما ثبت من أقوال الرسول ﵇ في الأمر بإحسان القتلة، والنهي عن المثلة، وحصر القود في السيف، كما أجابوا عن قوله: "من حرق حرقناه ... " بأن البيهقي قال: في إسناده بعض من يجهل؛ وإنما قاله زياد في خطبته.
стр. 248
وإذا ثبتت هذه الأحاديث كانت مخصصة لعموم الآيات التي استدلوا بها، وخاصة وأن الاعتداء بالمثل ليس واردا في كل الأمور، ففي بعضها يقع الجزاء بغير جنس الفعل كالقذف فإن جزاءه الجلد، لا القذف مثل ما قذف به، وكذا لو شتمه بما دون القذف كان عليه التعزير، وأيضا فإنه يمكن أن تفسر مثلية الجزاء في الآيات بالمثلية في نوع العقوبة، لا في استيفائها، فإن كان الاعتداء قتلا كان الجزاء قتلا، وإن كان شجا كان الجزاء شجا. وأما كيفية تنفيذ العقوبة فيستفاد من أدلة أخرى.
ومن هذا يتضح لنا رجحان هذا الرأي، وبخاصة أننا إذا نظرنا إلى ما قاله أصحاب الرأي الأول وجدنا أنهم لم يستطيعوا القول بذلك في كل أنواع الجنايات؛ إذ اضطروا إلى إخراج بعضها من عموم ما استدلوا به دون دليل يقضي بهذا التخصيص ... ولكن أدلة الرأي الثاني كانت واضحة، ومتفقة مع ما تحرص عليه الشريعة الإسلامية من الإبقاء على المعاني الإنسانية في تنفيذ أي عقوبة من العقوبات.
وهنا في دائرة القتل علينا أن نتساءل: ما المقصود باستيفاء القصاص؟
المقصود بالقصاص أمران:
أولهما: وهو أهمهما هو إزهاق روح الجاني كما أزهق روح المجني عليه، وإزهاق الروح يتحقق بأي وسيلة من وسائل الإزهاق، وتتساوى في هذا المعنى كل الوسائل، إلا أن الوسيلة السريعة أقرب إلى روح الشريعة، التي تدعو إلى الإحسان حتى مع الحيوان.
وثانيهما: إذاقة الجاني الألم الذي أذاقه للمجني عليه، والشعر بالألم والإحساس به أمر متفاوت، فهو يختلف من شخص إلى شخص، فالاعتداد
стр. 249
به في هذا المجال هو اعتداد بأمر باطني يصعب كشف حقيقته وتقدير مداه حتى تأتي المساواة في هذا المجال.
وإذا صعب ذلك كان المعنى الأول -وهو إزهاق الروح- هو المقصود باستيفاء القصاص، وإذا كان هو المقصود به فما كان من الوسائل مزهقا للروح كان محققا لهذا المعنى.
ووسائل إزهاق الروح كثيرة، وقد ورد الخبر أنه: "لا قود إلا بالسيف"، وقد تميز السيف من بين هذه الوسائل بالسرعة في الإزهاق، فهل غيره من الوسائل التي تتفق معه في هذا المعنى -أو تزيد عليه- تقاس عليه؟
لا مانع من قياس هذه الوسائل على السيف، وحينئذ يصح استيفاؤه بكل وسيلة يتحقق فيها ما يتحقق في السيف من سرعة الإزهاق بأقل ألم١.
رأي القانون:
اختلفت الدول في الوسائل التي تنفذ بها حكم الإعدام، فبعضها تنفذه عن طريق الشنق، مثل: إنجلترا، وفرنسا، والبلاد العربية٢، وبعض الدول
стр. 250
اتخذت وسائل أخرى مثل أمريكا التي تستعمل التيار الكهربائي.
وعلى ضوء ما قررناه في الفقه الإسلام يتضح لنا سمو فقهنا ومرونته، وأنه يمكن تنفيذ القصاص بالأجهزة السريعة الإزهاق، ومع هذا فالباب مفتوح للعمل بالرأي الأول في بعض صور الجنايات ذات الطابع الخاص؛ كمن تعود القتل بنوع خاص من أدوات القتل -كماحدث مع اليهودي الذي رض رأس الجارية بين الججرين- وقد قيل: إنه تعود١ القتل بهذه الوسيلة، فتعوده ذلك يدل على خطورته، وأن جناياته لم تكون في صورتها العادية، فلزم التشديد عليه، وهذا يقتضي عدم استحقاقه الإحسان المطلوب في تنفيذ القصاص فيه؛ ردعا له، وزجرا لغيره.