عدل إلى السيف كان له ذلك، رضي الجاني أو لم يرض؛ لأنه أسهل وأولى للخروج من الخلاف.
إلا أنهم استثنوا من ذلك أمورا قالوا: إن القتل فيها لا يكون إلا بالسيف، منها: إذا تمت الجريمة بفعل محرم؛ كالخمر واللواط، أو كان الفعل مما يطول في قتله؛ كالضرب بالعصا والحجر، أو كان القتل بقسامة عند المالكية١، ففي هذه الحالات يكون القتل بالسيف لا غير.
الرأي الثاني: ويرى الحنفية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية٢، والشعبي، والنخعي: أن القصاص لا يكون إلا بالسيف في العنق، فإن تعذر فكيفما أمكن بلا تعذيب، وقد استدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" أخرجه الخمسة إلا البخاري، وإحسان القتل لا يحصل بضربه بغير السيف، وإنما يحسن بضرب العنق بالسيف؛ ولهذا كان ﷺ يأمر بضرب عنق من أراد قتله، حتى صار ذلك هو المعروف
стр. 247
في أصحابه، فإذا رأوا رجلا يستحق القتل قال قائلهم: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، حتى قيل: إن القتل بغير ضرب العنق بالسيف مثلة، وقد ثبت النهي عن المثلة١، كما ثبت نهيه عن التعذيب بالنار بقوله: "لا يعذب بالنار إلا رب النار".
كما استدلوا بحديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "لا قود إلا بالسيف"، وقد روي هذا الحديث من طرق مختلفة٢، وإن كانت لا تخلو من ضعف، إلا أن وروده من عدة طرق يقويه، كما يؤيده حديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ... ".
وقد أجابوا عن حديث أنس الخاص باليهودي الذي رض رأس جارية بأنه فعل، فإنه نصه: "فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين"، والفعل لا يعارض ما ثبت من أقوال الرسول ﵇ في الأمر بإحسان القتلة، والنهي عن المثلة، وحصر القود في السيف، كما أجابوا عن قوله: "من حرق حرقناه ... " بأن البيهقي قال: في إسناده بعض من يجهل؛ وإنما قاله زياد في خطبته.
стр. 248
وإذا ثبتت هذه الأحاديث كانت مخصصة لعموم الآيات التي استدلوا بها، وخاصة وأن الاعتداء بالمثل ليس واردا في كل الأمور، ففي بعضها يقع الجزاء بغير جنس الفعل كالقذف فإن جزاءه الجلد، لا القذف مثل ما قذف به، وكذا لو شتمه بما دون القذف كان عليه التعزير، وأيضا فإنه يمكن أن تفسر مثلية الجزاء في الآيات بالمثلية في نوع العقوبة، لا في استيفائها، فإن كان الاعتداء قتلا كان الجزاء قتلا، وإن كان شجا كان الجزاء شجا. وأما كيفية تنفيذ العقوبة فيستفاد من أدلة أخرى.
ومن هذا يتضح لنا رجحان هذا الرأي، وبخاصة أننا إذا نظرنا إلى ما قاله أصحاب الرأي الأول وجدنا أنهم لم يستطيعوا القول بذلك في كل أنواع الجنايات؛ إذ اضطروا إلى إخراج بعضها من عموم ما استدلوا به دون دليل يقضي بهذا التخصيص ... ولكن أدلة الرأي الثاني كانت واضحة، ومتفقة مع ما تحرص عليه الشريعة الإسلامية من الإبقاء على المعاني الإنسانية في تنفيذ أي عقوبة من العقوبات.
وهنا في دائرة القتل علينا أن نتساءل: ما المقصود باستيفاء القصاص؟
المقصود بالقصاص أمران:
أولهما: وهو أهمهما هو إزهاق روح الجاني كما أزهق روح المجني عليه، وإزهاق الروح يتحقق بأي وسيلة من وسائل الإزهاق، وتتساوى في هذا المعنى كل الوسائل، إلا أن الوسيلة السريعة أقرب إلى روح الشريعة، التي تدعو إلى الإحسان حتى مع الحيوان.
وثانيهما: إذاقة الجاني الألم الذي أذاقه للمجني عليه، والشعر بالألم والإحساس به أمر متفاوت، فهو يختلف من شخص إلى شخص، فالاعتداد
стр. 249
به في هذا المجال هو اعتداد بأمر باطني يصعب كشف حقيقته وتقدير مداه حتى تأتي المساواة في هذا المجال.
وإذا صعب ذلك كان المعنى الأول -وهو إزهاق الروح- هو المقصود باستيفاء القصاص، وإذا كان هو المقصود به فما كان من الوسائل مزهقا للروح كان محققا لهذا المعنى.
ووسائل إزهاق الروح كثيرة، وقد ورد الخبر أنه: "لا قود إلا بالسيف"، وقد تميز السيف من بين هذه الوسائل بالسرعة في الإزهاق، فهل غيره من الوسائل التي تتفق معه في هذا المعنى -أو تزيد عليه- تقاس عليه؟
لا مانع من قياس هذه الوسائل على السيف، وحينئذ يصح استيفاؤه بكل وسيلة يتحقق فيها ما يتحقق في السيف من سرعة الإزهاق بأقل ألم١.
رأي القانون:
اختلفت الدول في الوسائل التي تنفذ بها حكم الإعدام، فبعضها تنفذه عن طريق الشنق، مثل: إنجلترا، وفرنسا، والبلاد العربية٢، وبعض الدول
стр. 250
اتخذت وسائل أخرى مثل أمريكا التي تستعمل التيار الكهربائي.
وعلى ضوء ما قررناه في الفقه الإسلام يتضح لنا سمو فقهنا ومرونته، وأنه يمكن تنفيذ القصاص بالأجهزة السريعة الإزهاق، ومع هذا فالباب مفتوح للعمل بالرأي الأول في بعض صور الجنايات ذات الطابع الخاص؛ كمن تعود القتل بنوع خاص من أدوات القتل -كماحدث مع اليهودي الذي رض رأس الجارية بين الججرين- وقد قيل: إنه تعود١ القتل بهذه الوسيلة، فتعوده ذلك يدل على خطورته، وأن جناياته لم تكون في صورتها العادية، فلزم التشديد عليه، وهذا يقتضي عدم استحقاقه الإحسان المطلوب في تنفيذ القصاص فيه؛ ردعا له، وزجرا لغيره.
стр. 251
المقصد السادس: الظروف المبيحة للقتل أو المخففة للعقوبة في الفقه الإسلامي:
قد تحيط بالجناية بعض الظروف التي تبيح القتل أو تخفف من هذه العقوبة، ونوضح فيما يلي آراء الفقهاء في ذلك مقارنة بالقانون، ثم آراءهم في توقيع عقوبة بدنية على من سقط عنه القصاص بعفو أو صلح.
الفرع الأول: الظروف المبيحة للقتل:
قد يعرِّض الإنسان المعصوم نفسه لظروف تبيح قتله، وذلك في حالة صياله على الغير، أو في حالة عدم التزامه بحدود الله تعالى واقترافه محارمه أو ترك ما أمر به. ويطلق الفقهاء على الحالة الأولى "الصيال" وعلى الثانية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونبين آراء الفقهاء في كلتا الحالتين:
دفع الصائل أو الدفاع الشرعي الخاص:
تناول الفقه الإسلامي الظروف التي قد يتعرض لها الإنسان فيخشى على نفسه أو ماله أو عرضه، أو نفس الغير أو ماله أو عرضه، من اعتداء إنسان -عاقلا كان أو مجنونا، صغيرا أو كبيرا- أو اعتداء حيوان مملوك للغير على شيء من ذلك فأجاز أو أوجب "على تفصيل سيأتي" رد الاعتداء ودفعه ولو أدى ذلك إلى قتل الصائل.
الصيال لغة: مأخوذ من: صال عليه بمعنى استطال، أو وثب
стр. 252
والمصاولة: المواثبة، وكذا الصيال وسؤال البعير "بالهمز من باب ظرف" إذا صار يقتل الناس ويغير عليهم.
والأصل في ذلك هو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .
وقوله ﷺ : "من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" رواه أبو داود والترمذي وصححه.
وما روي عن أبي هريرة أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "فقاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: فإن قتلته؟ قال: "هو في النار" رواه البخاري ومسلم.
فهذه النصوص تدل على أن للإنسان أن يدفع من يعتدي عليه، ولو أدى دفعه إلى قتله، وأن هذا الدفاع والقتال هو أمر مشروع، مثل المدافع فيه كمثل من يجاهد في سبيل الله، فإن مات أثناء مدافعته مات شهيدا، وإن مات الصائل أثناء رده ودفعه كان مصيره مصير الظالمين في نار الحجيم.
كذلك له أن يدافع عن نفس الغير وماله عرضه، والأصل فيه أيضا قوله ﷺ : "إن المؤمنين يتعاونون على الفتان" أي: الشيطان، وقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما، ونصرة الظالم رده عن مظلمته".
стр. 253
وجوب الدفاع أو جوازه:
لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الدفاع عن كل ما ذكرنا، ولكن هل يجب على الإنسان هذا الدفاع بحيث يكون آثما إذا تركه؛ لأن هذا الدفاع أمر يمليه الشرع ويفرضه، أم أنه يجوز له ولا يجب عليه، فيكون من حقه المدافعة، إن شاء قام بها وإن شاء تركها؛ لأنه حق من حقوق العبد، ومن خصائص حق العبد حريته في الانتفاع به واختياره، أو بعبارة أخرى: هل مدافعة المعتدين هي من قبيل المواجبات أم قبيل الحقوق، أو من قبيل حق الله أو من قبيل حق العبد؟ وللإجابة عن ذلك يلزمنا أن نفرق بين الحالات التالية:
الحالة الأولى: حالة الدفاع عن العرض: اتفق الفقهاء على أن الدفاع عن العرض واجب يأثم تاركه، فإذا أراد رجل امرأة على نفسها، وكان واجبا عليها الدافع عن نفسها بكل ما يمكنها من ذلك، ولو أدت المدافعة إلى قتله، فإذا قتل كان دمه هدرًا، استنادا إلى ما تقدم من النصوص، وبخاصة أن الرسول ﷺ أمر بقتال من يريد أخذ مال الغير ظلما، والأمر للوجوب، وإذا وجب هذا في المال الذي يجوز بذله وإباحته فدفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى، ولأن التمكين منها محرم، وفي تركها الدفاع عن نفسها نوع تمكين، فيحرم عليها ترك الدفاع.
ولقد روى الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير: أن رجلا أضاف ناسا من هذيل فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال: عمر: "والله لا يودى أبدًا"١.
وكذلك يجب الدفاع عن زوجه، وما أصاب في ذلك من دم فهو هدر، لا قصاص فيه ولا دية، فقد روي أن عمر بن الخطاب بينما هو يتغدى يوما
стр. 254
إذ جاءه رجل يعدو، وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه، ثم دفعه إليه، قال له: إن عادوا فعد، رواه سعيد في سننه١.
والناظر في حقيقة وجوب المدافعة هنا يجد أنها قد قارنت حق الله؛ وهو الحفاظ على الأعراض، الذي شرع من أجله "حد الزنا" وحد الزنا خالص حق الله تعالى، فتكون مدافعة المعتدي هنا هي نوع من حماية حقوق الله تعالى، وحمايتها واجب على الجميع؛ لأن ضررها يمس المجتمع كله، سواء من كان يراد الاعتداء عليه أو غيره، ولأن وسيلة الوصول إلى الاستمتاع مقررة ومحددة شرعا، فالوصول إليها من غير هذا الطريق هو هدم لشرع الله، وانتهاك لحرماته، فكان التصدي لذلك مفروضا، وترك التصدي لذلك حراما يستوجب الإثم والعقوبة٢.
الحالة الثانية: الدفاع عن النفس: اختلف الفقهاء في كون الدفاع عن النفس واجبا أم جائزا إذا كان الصائل معصوم الدم.
فيرى الحنابلة والشافعية -على الأظهر- أن الدافع هنا جائز وليس بواجب؛ وذلك لقول النبي ﷺ في الفتنة: "اجلس في بيتك،
стр. 255
فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك"، وفي لفظ: "فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل"، ولخبر أبي داود: "كن خير ابني آدم" يعني: قابيل وهابيل "وقد تقدمت قصتهما".
وعلى ذلك اعتمد عثمان بن عفان ﵁ على أحد الأقوال في ترك القتال، عندما هوجم في داره مع إمكان قتال المعتدين وردهم؛ حيث منع عبيده، وكانوا أربعمائة يوم الدار، وقال: من ألقى سلاحه فهو حر.
واشتهر ذلك في الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد، ولأنه تعارضت مفسدة أن يقتل الصائل، أو أن يمكن من القتل. والتمكين من المفسدة أخف مفسدة من مباشرة المفسدة نفسها، فإذا تعارضتا سقط اعتبار المفسدة الدنيا بدفع المفسدة العليا، فكان الصبر جائزا١.
ويرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية -في رأي ثان- والحنابلة٢، والزيدية والإمامية" وجوب دفعه ورده، ولو أدى ذلك إلى قتله.
وقد استدلوا على وجوب ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ
стр. 256
طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١، فأمر الله بقتال الفئة الباغية، ولا بغي أشد من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق، فاقتضت الآية قتل من قصد قتل غيره بغير حق.
وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فأخبر أن في إيجابه القصاص حياة لنا؛ لأن القاصد لغيره بالقتل متى علم أنه يقتص منه كف عن قتله، وهذا المعنى موجود في حال قصده لقتل غيره؛ لأن في قتله إحياء لمن لا يستحق القتل.
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٢ فأمر بالقتال لنفي الفتنة، ومن الفتنة قصده قتل الناس بغير حق.
ويدل على الوجوب أيضا قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذاك أضعف الإيمان" فأمر بتغيير المنكر باليد، وإذا لم يمكن تغييره إلا بقتله فعليه أن يقتله بمقتضى ظاهر قوله ﷺ .
ولا نعلم خلافا في أن رجلا لو شهر سيفه على رجل ليقتله بغير حق أن على المسلمين قتله، فكذلك الحكم للمقصود بالقتل.
وأما الاستدلال بقصة ابني آدم الواردة في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ فقد قال ابن عباس: معناه
стр. 257
لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، ولم يرد: أني لا أدفعك عن نفسي إذا قصدت قتلي، فروي أنه قتل غيلة، بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم، فشدخه بها.
ولو ثبت صحة ما روي عن الحسن ومجاهد أنه كتب عليهم -أي على آدم وبنيه- إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه عن نفسه، قال أبو بكر: وجائز في العقل ورود العبادة بمثله١، فإذا ثبت هذا كان منسوخا لا محالة بشريعة نبينا ﷺ بما ورد من الآيات والسنة واتفاق المسلمين على أن على سائر الناس دفعهم عنه، وإن أتى ذلك الدفع على نفس الصائل.
وأما حديث أبي ذر الذي فيه: "وإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف" فإنما عَنَى به ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة، فأما قتل من استحق القتل فمعلوم أن النبي ﷺ لم ينفه بذلك.
وأما قوله ﷺ : "كن كخير ابني آدم" فإنما عنَى به ألا تبدأ بالقتل، وأما دفع القاتل عن نفسه فلم يمنعه.
فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس"، فقد قصر حل القتل على هؤلاء ونفاه عن غيرهم، وحينئذ فلا يجوز قتل الصائل قبل أن يقتل، فإنه يقال لهم: إن القاصد لقتل غيره ظلما داخل في هذا الخبر؛ لأنه أراد قتل غيره، فإنما قتلناه بنفس من قصد قتله لئلا يقتله، فأحيينا نفس المقصود بقتلنا للقاصد، ولو حظر قتل من قصد قتل غيره ظلما لوجب مثله في سائر المحظورات.
стр. 258
فإذا أراد الفاجر الزنا أو أخذ المال أمسكنا عنه حتى يفعلها، فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفجار وغلبة الفساق والظلمة.
ثم إن العقل يقضي، والنفس تلزم الإنسان إذا كان قادرا على الدفاع عن نفسه أو ماله أو عرضه أن يفعل ذلك، وتراخيه في هذا المجال فتح لأبواب الشرور، وتزكية للأشرار، فيجب أن تغلق، وإغلاقها يكون بإيجاب الدفع على المصول عليه وعلى من رأى ذلك من الناس أجمعين.
الحالة الثالثة: الدفاع عن مال نفسه: واضح من أحاديث الرسول ﷺ المتقدمة في صدر هذا المبحث الأمر بالدفاع عن المال، ومما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "فقاتله" وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ومثله ما روي عن قابوس بن أبي المخارق عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل يأتيني يريد مالي؟ قال: "ذكره الله" قال: فإن لم يذكر؟ قال: "استعن عليه من حولك من المسلمين" قال: فإن لم يكن حولي منهم؟ قال: $"فاستعن عليه السلطان" قال: فإن نأى عني السلطان؟ قال: "قاتل دون مالك حتى تمنع مالك أو تكون شهيدا في الآخرة" وهو أسلوب أمر أيضا.
وقد روى محمد عن أبي حنيفة أنه قال في اللص ينقب البيوت: يسعك قتله؛ لقوله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد"، ولا يكون شهيدا إلا وهو مأمور بالقتال إن أمكنه، فقد تضمن كل ذلك إيجاب قتله إذا قدر عليه، كما ذكره الجصاص الحنفي في أحكام القرآن١.
стр. 259
ويرى المالكية والإمامية أنه إذا خاف بتلف المال هلاك نفسه، أو أهله أو شدة أذى، وجب عليه الدفاع عن ماله، ولو أدت المدافعة إلى قتل الصائل، فإن لم تكن هناك ضرورة إلى ذلك جاز الدفع، وأدلتهم هي نفس الأدلة التي سقناها في بداية هذا البحث من الآيات والأحاديث.
وأما الشافعية، فقد فصلوا في الحكم بين الأموال التي فيها روح والتي لا روح فيها، وبين الأموال التي تعلق بها حق الغير، والتي لم يتعلق بها هذا الحق، فأما ما فيه روح من الأموال فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه -ما لم يخش على نفسه أو عرضه- لحرمة الروح، حتى لو رأى أجنبي شخصا يتلف حيوان نفسه إتلافا محرما وجب عليه دفعه على الأصح في أصل الروضة. وكذلك يجب الدفع عن الأموال التي تعلق بها حق الغير، كرهن وإجارة، وقال الغزالي: وإن كان مال محجور عليه أو وقف أو مال مودع وجب على من بيده الدفع عنه، فأما غير ذلك من الأموال فيجوز الدفع عنه ولا يجب؛ لأن هذه الأموال يجوز إباحتها للغير بخلاف الأموال التي سبق ذكرها لمكان الروح منها، أو تعلق حق الغير بها.
وأرى رجحان الرأي القاضي بوجوب الدفاع عن المال مطلقا؛ لأن الأدلة لم تفرق بين مال فيه روح ومال لا روح فيه، ولا بين مال تعلق به حق الغير ومال لم يتعلق به هذا الحق، وقول الرسول ﷺ في ذلك واضح؛ حيث عبر في حديث أبي هريرة بصيغة الأمر بقوله: "فقاتله"، وفي الحديث الذي رواه قابوس بقوله: "قاتل دون مالك ... "، وقوله فيما رواه أبو داود: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
فالأدلة جميعها عامة في كل صور المال، لا فرق بين مال ومال، وأيضا فإن الأموال جميعها فيها حق لمالكها، وفيها حق للغير، وحق للمجتمع؛ إذ الأموال هي ثروة المجتمع ونتاج جهوده بالتعاون والتآزر والعمل، كل
стр. 260
في ميدانه، فهدمها هدم له، وصيانتها صيانة له، ومن هنا كان الدفاع عنها واجبا، كانت للإنسان أم كانت لغيره.
الصائل غير المكلف:
هذا إذا كان الصائل مكلفا، فأما إذا كان غير مكلف بأن كان صبيا أو مجنونا، أو كان حيوانا، فإنه يجب دفعه، ولو أدى إلى قتله، غير أنه يثور خلاف بين الفقهاء حول وجوب ضمانه.
فيرى الحنفية -غير أبي يوسف- أنه لا ضمان في قتل الصائل المكلف، وأما غير المكلف فإنه تجب دية الصبي والمجنون في مال القاتل؛ لأنه قتل نفسا معصومة، وكذلك تجب قيمة الدابة في ماله؛ لأنه أتلف مالا معصوما حقا للمالك؛ لأن الفعل من هذه الأشياء غير متصف بالحرمة، فلم يقع بغيا، فلا تسقط العصمة به لعدم الاختيار الصحيح، وبعبارة أخرى: إن فعل الدابة لا يصلح مسقطا للضمان، وكذا فعلهما لا يصلح مسقطا للدية، وإن كانت عصمة المجنون والصبي حقهما؛ لأن سقوط عصمتهما بفعلهما إنما يكون إذا كان هناك اختيار صحيح منهما بارتكاب الجريمة، وهما معدوما الاختيار الصحيح؛ ولهذا لا يجب القصاص عليهما إذا فعلا ما يوجبه، خلاف العاقل البالغ؛ لأن له اختيارا صحيحا، ولم يجب القصاص في قتل المجنون والصبي لوجود المبيح، وهو دفع الشر، وإذا لم يجب القصاص تجب الدية، أو بعبارة أخرى: إنهم يرون أن الضمان يتبع كون الصيال غير مصحوب بالقصد الصحيح، فإن كان مصحوبا به -كصيال المكلف- لا يكون هناك ضمان، ويقاس الضمان هنا على تضمين المضطر ما أكله من العام مملوك للغير، فإنه يباح له ذلك إنقاذا لحياته، ويضمن المال احتراما من المالك.
стр. 261
ويرى أبو يوسف أنه يجب الضمان في الدابة، ولا يجب في الصبي والمجنون؛ وذلك لأن فعل الصبي أو المجنون معتبر في الجملة؛ ولهذا إذا أتلفا مالا أو نفسا، وجب عليهما الضمان، أما فعل الدابة فإنه غير معتبر أصلا، حتى لا يعتبر في حق وجوب الضمان؛ لأن العجماء جبار، وكذلك فإن عصمة المجنون والصبي لحقهما، وعصمة الدابة لحق مالكها، فكان فعلهما مسقطا لعصمتهما فلا يضمنان، وتضمن الدابة.
ويرى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية، والإمامية، وإسحاق" أنه لا ضمان فيما يترتب على دفع الصائل من قتل أو جرح أو إتلاف سواء كان مسلما أو كافرا، عاقلا أو مجنونا، صغيرا أو كبيرا، قريبا أو أجنبيا، آدميا أو غيره، فلا قصاص ولا دية ولا كفارة ولا قيمة ولا إثم؛ لأنه مأمور بدفعه، والأمر بالدفع يتنافى مع الضمان، أو لأن المصول عليه وجب عليه -أو أجيز له- الدافع عن نفسه فكان فعله مطلوبا شرعا أو مباحا، ولا يترتب على شيء من ذلك ضمان.
وأيضا فإن غير المكلف يقاس على المكلف في عدم الضمان، ولأنه قتله لدفع شره، وإذا قتله لدفع شره كان الصائل هو القاتل لنفسه، فأشبه ما لو نصب حربة في طريقه فقذف نفسه عليها فمات بها.
وأما قولهم: إنه يقاس على المضطر إلى أكل طعام غيره في الضمان، فهو قياس مع الفارق؛ لأن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه، ولم يصدر منه ما يزيل عصمته، كما حدث هنا في الحيوان أو غير المكلف.
ولهذا لو قتل المحرم صيدا لصياله لم يضمنه، ولو قتله لا ضطراره إلى أكله ضمنه، وأما قولهم: إن الصائل غير المكلف يجوز قتله ويضمنه؛ لأنه لا يملك إباحة نفسه، فإن المكلف لا يملك إباحة دمه، ولو قال: أبحت
стр. 262
دمي لم يبح، على أنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله، فيجب أن يسقط ضمانه كالمكلف.
الترجيح:
وأرى رجحان رأي جمهور الفقهاء؛ لأن الصيال أمر غير مشروع أوجب المشرع دفعه، وإذا كان دفع الشر واجبا، كان القائم على دفعه غير ضامن؛ لأنه يؤدي أمرا مشروعا يحفظ على المجتمع عناصره الحية الفعالة، والتفريق بين المكلف وغيره، يتنافى مع مشروعية الدفاع، ومع حقيقة ما قصد إليه المشرع من حماية الناس من الصيال ... فيجب أن يناط الحكم بالصيال، فإذا وجد وجب دفعه ولو أدى إلى القتل أو الإتلاف أيا كان الصائل.
رأي القوانين الوضعية في جناية غير المكلف: يرى شراح هذه القوانين أنه يجوز استعمال حق الدفاع الشرعي ضد المجنون أو الطفل، ولو أن كليهما معفي من العقاب؛ لأن الدفاع الشرعي ليس عقابا يقع على المعتدي، وإنما هو دفع لعدوانه، وهذا يتفق مع ما يراه أكثر الفقهاء، كما سبق إيضاحه.
واختلف شراح القوانين فيما إذا كان هجوم الحيوان يمكن دفعه استنادا إلى حق الدفاع الشرعي، أو استنادا إلى حالة الضرورة، فرأى البعض ما يراه فقهاء الحنفية من أن الحيوان الأعجم لا يمكن اعتباره معتديا أو مرتكبا لجريمة، وأن حالة الضرورة هي التي تبيح قتل الحيوان، وبهذا يأخذ القانون المصري م"٢٤٦"، ورأى البعض الآخر تطبيق نظرية الدفاع الشرعي بالنسبة للحيوان، وهو يتفق مع ما يراه جمهور الفقهاء.
стр. 263
الدفاع عن عرض الغير ونفسه وماله:
لا يختلف الحكم هنا عنه في دفاع الإنسان عن عرضه أو نفسه أو ماله، بل يزداد تأكيدا؛ إذ إن للإنسان الحق في الإيثار بحق نفسه دون حق غيره، وحقوق الغير هي حقوقه؛ لأن المجتمع الإسلامي يمثل خلية واحدة تتعاون في كل ما هو خير، وتدرأ كل ما هو شر عن نفسها أو غيرها، يدل على ذلك الكثير من الآيات والأحاديث، ونعرض فيما يلي موقف الفقه الإسلامي من الدفاع عن الغير:
أما الدفاع عن عرض الغير، فلا خلاف في وجوبه، كما وجب في دفاع الإنسان عن عرضه وأهله؛ لأنه لا سبيل إلى إباحته، وسواء كان الصيال على البضع، أو مقدماته -كما صرح الشافعية والإمامية- وذلك لأن مدلول كلمة: "من قتل دون أهله فهو شهيد" يشمل كل تهجم لنيل ما حرم الله تعالى عليه نيله، وقد حرم عليه البضع ومقدماته، وحسبنا في ذلك إهدار الرسول ﷺ دم من تلصص بالنظر إلى حرمات الغير، فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" رواه مسلم، وعن سهل بن سعد الساعدي "ص" أن رجلا اطلع في حجر باب رسول الله ﷺ ومع رسول الله ﷺ مدري يحك بها رأسه، فلما رأه رسول الله ﷺ قال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به عينك"، وقال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإذن من أجل النظر" رواه مسلم.
وأما الدفاع عن نفس الغير، فحكمه حكم دفاع الإنسان عن نفسه، فجمهور الفقهاء يرونه واجبا، حتى إن الشافعية الذين رأوا أن دفاع الإنسان عن نفسه جائز وليس بواجب أوجبوا -في رأي ثان لهم- الدفاع عن الغير، فجاء في مغني المحتاج: "وقيل: يجب الدفع عن غيره قطعا؛ لأن له الإيثار بحق نفسه دون حق غيره"، وبه جزم البغوي وغيره، وروي في مسند أحمد
стр. 264
"من أذل عنده مسلم فلم ينصره، وهو قادر أن ينصره، أذله الله على رءوس الخلائق يوم القيامة"، كما أن الحنابلة قالوا: إنه يلزم الدفع عن غيره في غير فتنة، أما في الفتنة فقد أجازوا ذلك، ومستندهم في هذا هو نفس الأدلة التي سأقوها في الدفاع عن النفس، وقد رأينا رجحان رأي من رأى وجوب الدفاع عن النفس هناك؛ لما ساقوه من أدلة، وأما الفتنة فإنما قصد بالحديث الوارد بشأنها ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة، فأما من استحق القتل بصياله على نفس الغير أو حريمه أو ماله، فإن رسول الله ﷺ لم ينفه بذلك الحديث.
وأما الدفاع عن مال الغير، فقد اختلف الفقهاء في وجبه، فيرى الحنابلة والشافعية جوازه، غير أن الغزالي أوجبه على القادر على ذلك؛ حيث قال: "مهما قدر على حفظ مال غيره من الضياع من غير أن يناله تعب في بدنه أو خسران في ماله، أو نقصان في جاهه، وجب عليه، وهو أقل درجات حقوق المسلم، وهو أولى بالإيجاب من رد السلام"، وكذلك يرى جمع من الفقهاء وجوبه -ومنهم الحنفية والمالكية- كما هو ظاهر تعميمهم الحكم، فإنهم لم يفرقوا في الحكم بين دفاع الإنسان عن عرضه ونفسه وماله، أو عرض الغير ونفسه وماله، فأوجبه الحنفية والمالكية -وكذا الإمامية- عند الضرورة.
ويرى الزيدية أن دفعه واجب، وقتله جائز إذا لم يندفع بغيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية ١٩٤ من سورة البقرة، وقول الرسول ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، والصائل ظالم فيمنع من ظلمه، وذلك نصره.
وجاء في تبيين الحقائق عن محمد عن أبي حنيفة في رجل شهر على المسلمين سيفا، قال: حق على المسلمين أن يقتلوه، ولا شيء عليهم؛ وذلك لأنه لما شهر عليهم السيف وقصد قتلهم صار حربا عليهم، فكان كالباغي فبطلت عصمة
стр. 265
دمه للمحاربة، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، فجاز للمسلمين الذين شهر عليهم السف أن يقتلوه، وفي قوله: "عليهم أن يقتلوه" إشارة إلى أنه وجب عليهم أن يقتلوه دفعا للشر عن أنفسهم؛ لأن دفع الشر واجب، وجاز لغيرهم أن يعينوهم على ذلك حتى يدفعوا الشر عنهم؛ لقوله ﵊: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" يعني: إذا كان ظالما تمنعه من الظلم، وإذا كان مظلوما تمنع الظلم عنه١.
وأيد هذا ما جاء في رد المحتار من أنه يجب دفع الضرر، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتله.
تكييف القوانين الوضعية للدفاع الشرعي: اختلف تكييف القوانين الوضعية للدفاع الشرعي باختلاف الأزمنة، فقديما كانوا يرون أنه حق مستمد من القانون الطبيعي، لا القانون الوضعي، وفي العصور الوسطى اعتبر الدفاع حالة لا تمنع من العقوبة؛ ولكنها تؤهل للعفو عن العقوبة.
وفي القرن الثامن عشر فسر الدفاع بأنه حالة ضرورة تبيح للمرء أن يدافع عن نفسه بنفسه، وتنشأ الضرورة من عدم وجود حماية حاضرة من الهيئة الاجتماعية.
وفي القرن التاسع عشر كيف الدفاع بأنه حالة من حالات الإكراه؛ لأن الخطر المحدق بالمدافع يجعله عديم الاختيار، ولأن الجاني يندفع بغريزته للمحافظة على حياته، وقد أخذ على هذا التكييف بأنه لا يعلل الدفاع عن الغير ولا عن المال، وأنه يؤدي إلى تبرير الدفاع عند استعمال الحق أو أداء الواجب.
стр. 266
وأحدث الآراء اليوم في القوانين الوضعية أن الدفاع استعمال لحق إباحة القانون الوضعي، بل أداء لواجب؛ لأن من حق كل إنسان -بل ومن واجبه- أن يُعنَى بالمحافظة على حياته، وأن يدافع عن نفسه وأهله وماله، فضلا عن أن الجماعة لا مصلحة لها في العقاب، والناظر في هذا التطور القانوني يجد أنه في نهاية مطافه قد انتهى في القرن العشرين إلى ما بدأت به الشريعة الإسلامية في القرن السابع، فالدفاع يكيف في الشريعة بأنه واجب في جميع الحالات -على رأي الجمهور- وواجب في أكثرها حق في بعضها -على رأي بعض الفقهاء- وهو يكيف اليوم في القوانين الوضعية بأنه حق إن لم يكن واجبا١.
شروط دفع الصائل:
تناول الفقهاء بالبحث ما يلزم من شروط لاعتبار المصول عليه في حالة دفاع شرعي نبينها فيما يلي:
أولا: أن يكون هناك اعتداء واقع فعلا، أو متوقع الحدوث، فإذا كان الفعل مشروعا في ذاته لم يبح دفعه، كالأفعال الصادرة بإذن الإمام أو نائبه، وتنفيذ الأحكام في المجرمين، وكالتأديب والتهذيب أو التعليم، إذا تم بما يصلح لذلك -كما سبق إيضاحه- وسواء حل الاعتداء بالنفس أو بالعرض أو بالمال، وسواء كان من نفس الإنسان على نفسه أو على عرضه أو على ماله، أو على نفس الغير أو عرضه أو ماله، وسواء كان صادرًا من إنسان مكلف أو غير مكلف، أو من حيوان -على نحو ما بيناه آنفا- فيصال أي من هؤلاء يبيح دمه، ويظل المصول عليه معصوم الدم ما دام الاعتداء قائمًا.
стр. 267
ولقد أوضح الفقهاء أن توقع الاعتداء كالاعتداء يعطي للمصول عليه حق الدفاع، والعبرة في ذلك هو تقدير المصول عليه المبني على أسباب معقولة، فلا يصح أن يقدم إلا مع العلم أو الظن بأنه يقصده بالاعتداء لا التوهم، فإذا تحقق ذلك أمكنه أن يبدأ متدرجا في الأساليب، حتى ولو أدى ذلك إلى قتله، أما لو اندفع الاعتداء كأن فر أو وقع في ماء أو نار أو انكسر رجله أو حال بينهما حائل من جدار أو نحوه، فإنه يعود معصوما كما كان قبل العدوان، وكذا إذا لم يكن هناك توقع للاعتداء.
ثانيا: أن يرد المصول عليه الاعتداء بأخف الأضرار، وأول هذه المراحل وأسلمها أنه إذا كان الصائل مكلفا ناشده الله ثلاثا أن يكف عن الاعتداء؛ لما رواه النسائي عن أبي هريرة: "أن يناشد صاحب المال اللص بالله تعالى -ثلاثا- قبل قتاله" تذكيرا وإنذارا؛ لكي يبتعد ويكف عن الاعتداء، فإن لم يرتدع كان للمعتدَى عليه أن يرده عن اعتدائه١، بادئا بأخف ما يمكن دفعه به، فإن أمكن دفعه بكلام أو استغاثة بالناس حرم الدفع بالضرب، وإن أمكن بيد حرم بسوط، وإن بسوط حرم بعصا، وإن أمكن بجرح حرم قطع عضو، وإن بقطع حرم القتل؛ لأن ذلك أبيح للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل، فإذا خالف المصول عليه وعدل إلى رتبة أعلى مع إمكان الاكتفاء بالأدنى كان ضاما لما أتلف من نفس أو دونها، ووجب القصاص إذا كان عمدا٢.
стр. 268
والمقياس في تقدير ما يندفع به الصائل من أعمال يرجع إلى ظن المدافع وتقديره المبني على أسباب معقولة.
فلو أنه لم يجد في يده إلا السلاح، وكان الصائل ممن يمكن رده بضرب السوط أو العصا، كان له استخدام السلاح.
وكذا لو التحم الصائل والمصول عليه في القتال، واشتد الأمر عن الضبط سقط اعتبار الترتيب في رده، أو كان الصائلون جماعة، فإن التحم بأحدهم نفذ الباقون كان له الرد بما يراه دافعا لشرهم، أو كان الصائل يباشر الزنا فعلا، كما حدث مع الشخص الذي قتل رجلا وجده يزني بامرأته ورفع أمره إلى عمر فأهدر دم المقتول.
فالمقياس الصحيح للتدرج في دفع الصائل يرجع إلى تقدير المصول عليه المبني على أسباب معقولة يراعي فيه نوع الجناية التي قصدها أو باشرها الصائل.
كما تناول الفقهاء بالبحث رد العدوان بهرب المصول عليه إلا ما يحميه من الاعتداء، فيرى بعض الفقهاء وجوبه وتحريم القتال، كما وجب عليه الأكل في المخمصة، ولأنه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، والهرب أخف أسهل من غيره، فلا يعدل إلى الأشد، فإذا لجأ إلى الأشد كان ضامنا، فيقتص منه، وقال البغوي: تجب الدية، وسواء كان المقصود نفسه أو ماله أو عرضه ما دام يمكنه إنقاذ المال والعرض معه ومنع العدوان عليهما، وإلا لم يجب ويلزمه أن يثبت ويدافع.
ويرى بعض الفقهاء أنه لا يجب عليه الهرب؛ لأن إقامته في هذا الموضع
стр. 269
حق له، وجائزة، فلا يكلف الانصراف إلى مكان آخر، أو لأنه دفع عن نفسه، والدفع عن النفس عند من يقول بجوازه وعدم وجوبه -على خلاف ما رجحناه- يقتضي ألا يلزم الهرب.
والرأي الذي أرى رجحانه هنا هو أنه إذا كان المصول عليه غير قادر على الدفع، ويخشى على نفسه أو عرضه أو ماله، ويتيقن من نجاة نفسه أو عرضه أو ماله بواسطة الهرب، حينئذ يلزمه الهرب.
أما إذا كان قادرا على الدفع، فإنه يلزمه الدفع، ولا يجوز له أن يهرب درءا للعدوان وتقليصا للإجرام، وكذلك الحكم إذا لم يتيقن نجاته بالهرب أو نجاة عرضه أو ماله، فإنه حينئذ يجب عليه الدفع بكل ما أوتي؛ إذ إن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها أمرت بالمدافعة ورد الاعتداء: "فقاتله" و "قاتل دون مالك"، وقياسه على الجهاد يلزمه الثبات؛ لأن المجاهد يجب عليه ألا يفر إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، أو متيقنا أن ترك القتال أكثر تحقيقا للمصلحة العامة.
ثالثا: أن يتم دفع الصائل حال قيام الاعتداء أو توقعه، أما إذا لم يكن هناك اعتداء أو توقع اعتداء فإنه لا يكون هناك سبب يبيح له الاعتداء عليه؛ إذ هو معصوم الدم لم يوجد ما يؤثر في عصمته.
وكذلك إذا ارتدع الصائل وعدل عن اعتدائه عادت إليه عصمة دمه فور حدوث ذلك، ولا يحل للمصول عليه الاعتداء عليه، فإن فعل كان مسئولا عن فعله مسئولية كاملة، فإن قتله اقتص منه، ولأنه لما اندفع اعتداؤه وشره لم تعد هناك حاجة ولا ضرورة إلى قتله، فعادت عصمته، فإذا قتله قتل نفسا معصومة ظلما فيقتص منه.
стр. 270
ويعتبر اعتداء الصائل قائما إذا استولى على مال أو غيره وولى به هربا؛ حيث يكون للمصول عليه استرداده، ويعتبر في حالة دفاع إلى أن يتم له ذلك؛ لقول ﵊: "قاتل دون مالك" أي: لأجل مالك، فله المقاتلة حتى استرداد المال؛ لأن له أن يمنعه من أجل ماله بالقتل ابتداء، فكذا له أن يسترده بالقتل انتهاء إذا لم يقدر على أخذه منه إلا به.
ولو علم أنه لو صاح به يطرح ماله ويلقيه فلم يفعل ذلك وقتله مع ذلك يجب القصاص عليه؛ لأنه قتله بغير حق، وهو بمنزلة المغصوب منه إذا قتل الغاصب حيث يجب عليه القصاص؛ لأنه يقدر على دفعه بالاستعانة بالمسلمين والقاضي، فلا تسقط عصمته١.
رابعًا: أن يثبت المصول عليه أنه كان في حالة دفاع شرعي عن النفس أو المال أو العرض، كأن يأتي ببينة على أنه قبله أو أصابه دفعا عن نفسه أو عرضه أو أنه دخل منزله يكابره على ماله فلم يقدر على دفعه إلا بذلك، فإن لم يثبت ذلك لزمه القصاص، وسواء وجد في دار القاتل أو في غيرها، أو وجد معه سلاح أو لم يوجد؛ لما روي عن علي ﵁ أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله، فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته، ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى، وإن اعترف ولي الدم بذلك فلا قصاص عليه ولا دية.
ولما روي عن عمر ﵁ أنه كان يوما يتغدى إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ضرب
стр. 271
بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عادوا فعد، رواه سعيد في سننه.
وكذلك إذا قامت القرائن على صدق مدعاه كأن دخل عليه منزله شاهرا سلاحه مقبلا عليه يريد نفسه أو أهله أو ماله.
وكما نحتاج إلى البينة في إثبات الاعتداء نحتاج إليها أيضا في إثبات أنه كان لا يرتدع إلا بهذا النوع الأشد من الدفع.
стр. 272
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الدفاع الشرعي العام:
المعروف هو: ما أمر الله به، أو هو كل قول وفعل وقصد حسَّنه الشرع وأمر به، والمنكر هو: ما نهى الله عنه، أو هو كل قول وفعل وقصد قبحه الشرع ونهى عنه.
مما تميزت به الشريعة الإسلامية أنها جعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا من واجباتها، وفرضا من فروضها؛ تنقية للمجتمع من الأدران، وإبعادا له عن مخالفة ما شرعه الله، وحماية للمجتمع من عبث العابثين، ومن تهجم المتهجمين، وتوجيها لأفراده وجماعاته إلى عمل الخير، وفعل المأمور به، وترك المنهي عنه، والالتزام بحدود الله جل شأنه وبشريعته، وقد أمر بذلك في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ :
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الآية ١٠٤ من سورة آل عمران، وقوله جل شأنه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية ٧١ من سورة التوبة، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية ١١٠ من آل عمران١.
стр. 273
ومن السنة: ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض ثبت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية ١٠٥ من المائدة، فقد روي عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر على المنبر يقول: يأيها الناس، إني إراكم تأولون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا، أوشك أن يعمهم الله بعقابه"، فأخبر أبو بكر أن هذه الآية لا رخصة فيها في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا يضر ضلال من ضل إذا اهتدى هو بالقيام بفرض الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وروي عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؟ فقال: أما والله لقد سألت بها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه كقبض على الجمر، للعامل فيهم مثل
стр. 274
أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله" قال: وزادني غيره: قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم". وهذا يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كانت الحال على ما ذكر؛ لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في هذه الحال إنكاره بالقلب.
صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا خلاف بين الفقهاء في أنه فرض، إلا أن فريقا من الفقهاء يرى أنه فرض عين، على كل أحد في نفسه أن يقوم به على قدر استطاعته، كفريضة الحج، فلا يسقط عنه لقيام غيره به، حكومة، أو جماعة، أو أفرادا، علماء أو جهالا، بل لا بد من أن يباشره كل فرد من أفراد المسلمين إذا كان قادرًا، وحينئذ تكون الآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ... ﴾ قد خرجت مخرج الخصوص مجازًا، كقوله تعالى: ﴿يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ومعناه ذنوبكم؛ أي: أنه يجب أن تدعو الأمة إلى هذا وتقوم به جميعها.
ويرى فريق آخر أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الناس جميعا كفريضة الجهاد؛ لأن "من" في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ حقيقة في التبعيض، وذلك يقتضي قيام البعض به دون البعض، فدل ذلك على أنه من فروض الكفاية، وهذا هو الظاهر.
ولقد أفاض الفقهاء في بيان الشروط التي يلزم توافرها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء من حيث الآمر أو الناهي -كاشتراط التكليف، والإيمان، والقدرة، والعدالة، وإذن الإمام- أو من حيث ما يلزم توافره في المنكر -كاشتراط وجوده في حال النهي وظهوره- أو من حيث منهج دفع مقترفه.
ولما كانت الإفاضة في ذلك تنقلنا إلى مبحث "الحسبة" في الفقه الإسلامي،
стр. 275
وهو مبحث خاص١، وتخرجنا عن موضوعنا؛ لذلك آثرت أن أكتفي بهذا التعريف الموجز، منوها بأن منهج الدفاع هنا يجب أن يتم طبقا لما قررناه بالنسبة للصائل سواء بسواء.
والفرق بين دفع الصائل، ودفع المقترف لمنكر هو أن الأول يصدر عنه اعتداء وهجوم على النفس أو المال أو العرض، أما الثاني فإنه قد لا يكون منه هجوم على نفس الغير أو ماله أو عرضه؛ إذ يكون باقترافه أمرا لا يستدعي ذلك؛ كشرب الخمر، أو زنا بالرضا، أو إقدامه على قتل نفسه أو إهلاك ماله أو مال غيره برضا، وما إلى ذلك من الأفعال التي لا يوجد فيها صيال؛ ولكن يوجد فيها انتهاك لحرمة الشرع وتعد على حدوده.
стр. 276
الفرع الثاني: الظروف المسقطة للقصاص أو المخففة للعقوبة:
قد تقترن الجناية بظروف طبيعية أو عارضة تجعل توافر القصد الجنائي فيها أمرا غير مقطوع به، إما لفرط الصلة وقوة الرابطة بين الجاني والمجني عليه مما يبعد هذا القصد، كما في جناية الأب على ابنه، أو لضعف في العقل أو قصور في الإدراك، طبيعيا كان كما في جناية الصبي والمجنون، أم عارضا كما في جناية السكران، أو كان عدم القصد ناشئا عن أن الجاني كان مسلوب الإرادة وقت ارتكابه الجناية بفعل قاهر كالإكراه، ولقد تأول الفقهاء هذه الظروف جميعها، وبينوا أثرها على العقوبة، ونوضح آراءهم كما نبين موقفهم من رضا المجني عليه بالجناية مع مقارنتها بالقانون.
جناية الأب على ابنه:
يتبين لنا مما ذكرناه في شروط استيفاء القصاص١ أن للفقه الإسلامي في جناية الوالد عن ولده ثلاثة آراء:
الرأي الأول: يرى الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية: أن الأب لا يقتل بابنه؛ لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد للوالد بالولد" ٢.
стр. 277
وأيضا فإن قوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك" يقتضي عدم إيجاب القصاص؛ وذلك لأن مقتضى إضافة الابن إلى الأب تمكينه من ابنه، فإذا لم تثبت حقيقة الملكية ثبتت بالإضافة شبهة الملكية، الشبهة تسقط القصاص، ولأنه لما كان الأب سببا في إحياء الابن، فلا يكون الابن سببا في موته، ولا يخشى من أن القول بذلك يؤدي إلى انتشار قتل الآباء للأبناء؛ لأن ما أودعه الله تعالى في قلوبهم من فرط الشفقة والمحبة لأبنائهم يحول دون ذلك؛ لأن الوالد يحب ولده لمعنى في ذات الولد، وهو كونه ولده، غير مرتبط هذا الحب بشائبة مصلحة ظاهرة؛ إذ الابن يأخذ والأب يعطي غالبا، وكذلك يحبه لأن في حياته امتداد ذكره، وتخليد اسمه، واتصال آماله، وفي كل هذه المعاني ما يقف حائلا دون قصد القتل.
وقالوا: إن هذا الحكم يشمل الأصل وإن علا، أبا أو أما، والابن وإن نزل ابنا أو بنتا، ولم يخالف في هذا غير الإمامية والإباضية في رأي لهم؛ حيث تمسكوا بمنطوق الحديث فجعلوه قاصرا على الوالد وإن علا والابن وإن نزل، فتقتل الأم بابنها والأجداد من قبلها يقتلون مثلها، وكذلك الجدات مطلقا.
الرأي الثاني: يرى المالكية التفريق "في قتل الأب ابنه" بين أمرين؛ أولهما: أن يقصد قتله بآلة قاتلة قطعا كالسيف ونحوه، فإنه يكون قاتلا عمدا ويقتص منه؛ لأن هذا الفعل عمد حقيقة لا يحتمل غيره.
стр. 278
ثانيهما: أن يقتله بغير ذلك، كما لو ضربه بعصا ونحوها، فإنه لا يقتص منه؛ لأن مثل هذه الآلة موضوعة للتأديب، وقد شرع للأب أن يؤدب ابنه.
الرأي الثالث: يرى عثمان البتي أنه يقاد الوالد بالولد مطلقا؛ لعموم آيات القصاص، ومنها قول تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ .
الترجيح: وإذا صح الحديث المروي عن عمر فإنه يكون مخصصا لعموم الآية، وهو بعمومه يدل على ألا يقتل الأب بابنه مطلقا، سواء قتله بسيف ونحوه، أو قتله بعصا ونحوها.
وقد قال ابن عبد البر في هذا الحديث: "حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفا"، وقد قضى عمر بن الخطاب في قصة المدلجي الذي رمى ابنه بالسيف فقتله بألا يقتص منه، وألزم الأب الدية، ولم يعطه منها شيئا، وقال: "ليس لقاتل شيء" فلا يرث من الدية إجماعا، ولا من غيرها عند الجمهور، ومثل الأب الأم؛ لأن المعنى فيهما واحد، بل إن شفقة الأم وحنانها قد تفوق شفقة الأب؛ لذلك أرى رجحان الرأي الأول.
стр. 279
جناية الصبي:
تميز الفقه الإسلامي عن غيره من كل التشريعات والنظم بأنه قد تناول بالتحليل والدراسة حياة الإنسان منذ علوقه في بطن أمه حتى وفاته وبعد فاته، وبين ما يكون للإنسان من حقوق وما عليه من واجبات في كل مرحلة من مراحل حياته، وجعل له أهلية: أهلية وجوب -بها يكون صالحا للإلزام والالتزام، أو تحمل الحقوق وأداء الواجبات- وأهلية أداء -بها يكون صالحا لأن تصدر منه الأقوال والأفعال على وجه يعتد به شرعا- وجعل الأهلية الأولى مقرونة بالحياة أو بالذمة، وجعل الثانية مقرونة بالعقل، فإذا نضج العقل وكمل كلمت هذه الأهلية، وإذا كان ناقصا بسبب صغر أو جنون أو عته نقصت هذه الأهلية، وهذا النوع من الأهلية -وهو أهلية الأداء- هو الذي ترتبط به وتتصل به المسئولية من الأقوال، وكذا الأفعال، وبخاصة ما كان منها ضارا.
ولما كان بحثنا هنا خاصا بالجناية على النفس؛ لذلك نقصر حديثنا عن جنايته على هذا الدائرة من أفعاله، وتيسيرا لمعرفة آراء الفقهاء نقسم مراحل حياة الإنسان إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى:
هي ما دون السابعة، لقد ميز الفقهاء هذه المرحلة من غيرها؛ لأن الغالب فيها عدم التمييز، ونقصد بالتمييز أن يفهم كلام العقلاء ويحسن الإجابة عنه؛ ولذلك سمي بالصبي غير المميز؛ أي: أن الغالب في هذه المرحلة أن يكون على هذه الصفة، وإن شذ بعض أفراده؛ لأن الغالب حكم الكل، والشاذ لا حكم له، كما أن تحديدها بالسابعة قد استأنس الفقهاء فيه بقوله ﷺ : "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم إذا بلغوا عشرا". أما قبل السابعة فليس هناك أمر؛ لأن الأمر والنهي يناطان بوجود العقل،
стр. 280
وهو قبل السابعة يغلب عليه عدم وجود التمييز، الذي هو أول مراحل النمو العقلي، وإذا كان الأمر على هذه الصفة فإذا وقعت منه جناية على إنسان فهل توقع عليه عقوبة أو يلزمه جزاء؟
أجمع الفقهاء على أنه لا عقوبة عليه في هذه السن؛ لأن المعنى الذي شرعت من أجله العقوبة لا يتحقق في الصبي؛ لانعدام عقله أو قصوره قصورا بينا؛ ولكن هل تكون العاقلة مسئولة عن جنايته، فتدفع الدية قياسا لها على الجناية خطأ، وكما سيتضح لنا فيما بعد أن تحمل العاقلة لبعض الديات هو نوع من المواساة لأسرة المقتول، ومعاونة لهم، وتعاونا مع من وقعت منه الجناية، وقد يكون أيضا فيه نوع من المسئولية عن تعويض بعض الأضرار التي تقع ممن لا يعقلون منهم حتى يحتاطوا في تربيتهم ويبعدوهم عن موجبات الضمان، وللفقهاء رأيان في هذا:
الرأي الأول:
أن جنايته هدر، لا شيء فيها من عقوبة أو دية أو غيرهما، وهو رأي الظاهرية وربيعة١؛ وذلك لقوله ﵊: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق"، ولما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لا قود ولا قصاص ولا حد ولا جراح ولا قتل ولا نكال على من لم يبلغ الحلم، حتى يعلم ما له في الإسلام وما عليه".
الرأي الثاني:
أن جنايته كالخطأ، تجب فيها الدية على العاقلة، كما تجب في الخطأ، وهو
стр. 281
رأى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية، وهو قول الزهري وحماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وقتادة" وذلك لما روي عن علي بن أبي طالب: أن ستة صبيان تغاطوا في النهر، فغرق أحدهم، فشهد اثنان على ثلاثة، وشهد الثلاثة على الاثنين، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وجعل على الثلاثة خمس الدية.
وأما قوله ﷺ : "رفع القلم" فإن المرفوع هنا هو الإثم والذنب١ لا الدية.
المرحلة الثانية:
وهي مرحلة الصبي المميز، وهو من بلغ السابعة ولم يصل إلى سن البلوغ، والخلاف الذي ورد في المرحلة السابقة هو بعينه ما ورد هنا، غير أن رأيا ثالثا ظهر معنا هنا، وهو ما ورد عن الشافعية أنهم قالوا: "عمد الصبي عمد إذا كان لو نوع تمييز"، وهو الأظهر في المذهب، والظاهر أنهم لا يوجبون عليه القصاص، وإنما يوجبون الدية مغلظة في ماله٢.
المرحلة الثالثة:
وهي مرحلة ما بعد البلوغ، وبه تكمل المسئولية وتتم
стр. 282
الأهلية، فقد جعل المشرع البلوغ أمارة على تكامل العقل؛ لأن الاطلاع على تكامل العقل متعذر؛ لأنه أمر خفي، فأقيم البلوغ مقامه؛ لأن البلوغ به تتكامل القوى الجسمانية، وتتم التجارب والإدراكات التي هي مراكب للقوى العقلية، ولأن البلوغ أمارة ظاهرة منضبطة يمكن أن تعلق الأحكام بها حتى تصدر على نسق واحد، ولا يضطرب التكليف؛ إذ إن للبلوغ علامات ظاهرة في الذكر والأنثى، فإذا وجدت هذه العلامات حكم ببلوغه.
وإذا لم توجد كان البلوغ بالسن، وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فيرى جمهور الفقهاء "أبو يوسف ومحمد ابن الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، ورأي عند المالكية" تقديره بخمس عشرة سنة؛ وذلك لأنه المعتاد الغالب، ولما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: عرضت على النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعرضت عليه في السنة الثانية فأجازني، ويقصد من عرضه على الرسول ﷺ تقديمه للاشتراك في القتال، وقد أجيز اشتراكه في سن الخامسة عشرة.
ويرى المالكية تقديره بثماني عشرة سنة للفتى والفتاة، ويوافقهم أبو حنيفة في الفتى ويجعله للفتاة سبع عشرة سنة لسرعة بلوغها، وقد استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال: "حتى يبلغ أشده" أي: ثماني عشرة سنة١.
ولما كان البلوغ في بلادنا يغلب في سن الخامسة عشرة؛ بل يندر التأخر عن هذه السن بالنسبة للفتى، أما الفتاة فهي أسبق من ذلك بكثير؛ لذلك
стр. 283
أرجح رأي جمهور الفقهاء، وإذا تم لنا هذا كان بلوغ سن الخامسة عشرة هو الحد الفاصل بين مرحلة انعدام المسئولية الجنائية ومرحلة قيام هذه المسئولية، ومن ثم يعاقب البالغ بالعقوبة المقررة على الجرم الذي يقترفه.
الترجيح: وأرى أن رأي جمهور الفقهاء -الذي يقتضي بإيجاب الدية على عاقلة الصبي، سواء كان مميزا أو غير مميز- هو الراجح؛ لما ذكروه من أدلة، ولما فيه من النظر إلى كل من القاتل وأسرة المقتول، أما بالنسبة للأول فقد روعت حالة قصوره وضعفه العقلي المستدعي التخفيف عقلا وشرعا، وانعدام قصده الصحيح، ومن ثم كانت جنايته كجناية المخطئ في إيجاب الدية.
وأما بالنسبة للثاني فلأن أسرة المقتول في حاجة إلى تعويض عن دم المقتول، فكان إيجاب الدية لهذه الأسرة على عاقلة الجاني جبرا للنقص الذي أصابها، والرزء الذي حل بها، وكذلك فإن في إيجابها على العاقلة تنبيها لها وتوجيها لنظرها إلى رعاية أطفالها وصبيانها وتربيتهم التربية المناسبة حتى لا يقعوا في مثل ذلك مرة أخرى.
وأما إن كان للصبي نوع تمييز -كما قال شافعية- فإن في عقوبة التعزير كفاء، وحسبنا في ذلك ما أشار إليه الرسول ﷺ في الحديث المتقدم: "واضربوهم إذا بلغوا عشرا"، والضرب يكون بيد لا بخشبة.
ولقد نص ابن حزم الظاهري على وجوب تثقيفهم لكف أذاهم فيقول: "إلا أن من فعل هذا من الصبيان أو المجانين أو السكارى في دم أو جرح أو مال ففرض ثقافه في بيت ليكف أذاه حتى يتوب السكران ويفيق المجنون ويبلغ الصبي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وتثقيفهم تعاون على البر والتقوى، وإهمالهم تعاون على الإثم والعدوان".
стр. 284
جناية المجنون:
الجنون هو اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والأمور القبيحة والمدركة للعواقب؛ بحيث يؤدي هذا الاختلال إلى منع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا.
والجنون يزيل أهلية الأداء؛ وذلك لأنها منوطة بالعقل والتمييز، وعقل المجنون وتمييزه مختل، فلا تثبت له هذه الأهلية بنوعيها "الناقصة والكاملة"١.
وينقسم الجنون من حيث استمراره وعدم استمراره إلى قسمين:
جنون مطبق "أي ممتد" وهو الجنون الذي يمتد بصاحبه ولا تصاحبه فترات إفاقة، وجنون غير مطبق "أو منقطع" وهو الجنون الذي لا يمتد بصاحبه، بل تتخلله فترات إفاقة وصحو ثم يعود إلى صاحبه، كما ينقسم من حيث إصابة الإنسان به قبل بلوغه عاقلا أو بعد بلوغه عاقلا إلى قسمين أيضا؛ جنون أصلي: وهو أن يبلغ مجنونا، ومثله لم يتمتع بأهلية الأداء مطلقا، وجنون طارئ: وهو أن يبلغ عاقلا ثم يجن، ومثله يكون قد تمتع بأهلية الأداء إلى أن أصيب بالجنون، وفي كل الحالات تسقط أهلية الأداء عن المجنون أثناء فترة جنونه، سواء كان جنونه مطبقا أو غير مطبق، أصليا أو طارئا، فلا يصح من المجنون حينئذ تصرف أصلا خلالها، أما إذا كان
стр. 285
جنونه غير مطبق فأفاق في بعض الأوقات وعاد عقله إليه فإن أهلية الأداء تعود إليه خلال هذه الفترة وتصح تصرفاته؛ لأن مناط هذه الأهلية هو العقل، وقد عاد إليه فتعود إليه أهلية الأداء، والحكم بعودة عقله إليه ينبي على ما يصدر عن أهل الخبرة من الأطباء الذين يقررون ذلك، ومن ثم يمكن أن يحاسب على تصرفاته.
والمجنون في كل حالاته له أهلية وجوب؛ لأن هذه الأهلية تناط بالذمة، والإنسان بحكم إنسانيته له ذمة، فتثبت له، ومقتضى هذه الأهلية اكتساب الحقوق وتحمل الواجبات، أما تصرفاته من قول أو فعل فهي تدخل في دائرة أهلية الأداء التي بيناها آنفا.
تصرفات المجنون: يعتبر الفقه الإسلامي المجنون كالصبي غير المميز -أي: ما دون السابعة- فلا اعتداد بما يصدر عنه من أقوال، سواء كانت نافعة نفعا محضا كقبول الهبة، أو ضارة ضررا محضا كهبته للغير، أو مترددة بين النفع والضرر كالبيوع وما شاكلها.
وأما أفعاله: فإن كانت نافعة ولم يشترط الشرع فيها توافر الإرادة والاختيار صحت واستتبعت أحكامها، كما لو وضع يده على شيء مباح؛ لقول الرسول ﷺ : "من سبق إلى مباح فهو له"، أما ما لم يكن بهذه الصفة كقبضه الأموال الخاصة به من المدين، فإنها لا تصح، فإن هلكت هلكت على المدين، وأما إن كانت ضارة كالاعتداء على الأشخاص قتلا أو جرحا، وهذا هو موضوعنا هنا، فإن الفقهاء قد اختلفوا في جنايته كما اختلفوا في جناية الصبي غير المميز.
فيرى الظاهرية أن جنايته هدر؛ وذلك للحديث: "رفع القلم"، فلا يتبع هذه الجناية إثم لعدم العقل، ولا ضمان لانعدام التمييز والقصد والاختيار؛ إذ إنه كالعجماء "والعجماء جبار" بنص الحديث، أي جنايتها هدر١.