← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9980

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

حسن علي الشاذلي

Полный текст (467 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رأى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية، وهو قول الزهري وحماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وقتادة" وذلك لما روي عن علي بن أبي طالب: أن ستة صبيان تغاطوا في النهر، فغرق أحدهم، فشهد اثنان على ثلاثة، وشهد الثلاثة على الاثنين، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وجعل على الثلاثة خمس الدية. وأما قوله ﷺ : "رفع القلم" فإن المرفوع هنا هو الإثم والذنب١ لا الدية. المرحلة الثانية: وهي مرحلة الصبي المميز، وهو من بلغ السابعة ولم يصل إلى سن البلوغ، والخلاف الذي ورد في المرحلة السابقة هو بعينه ما ورد هنا، غير أن رأيا ثالثا ظهر معنا هنا، وهو ما ورد عن الشافعية أنهم قالوا: "عمد الصبي عمد إذا كان لو نوع تمييز"، وهو الأظهر في المذهب، والظاهر أنهم لا يوجبون عليه القصاص، وإنما يوجبون الدية مغلظة في ماله٢. المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ما بعد البلوغ، وبه تكمل المسئولية وتتم

стр. 282

الأهلية، فقد جعل المشرع البلوغ أمارة على تكامل العقل؛ لأن الاطلاع على تكامل العقل متعذر؛ لأنه أمر خفي، فأقيم البلوغ مقامه؛ لأن البلوغ به تتكامل القوى الجسمانية، وتتم التجارب والإدراكات التي هي مراكب للقوى العقلية، ولأن البلوغ أمارة ظاهرة منضبطة يمكن أن تعلق الأحكام بها حتى تصدر على نسق واحد، ولا يضطرب التكليف؛ إذ إن للبلوغ علامات ظاهرة في الذكر والأنثى، فإذا وجدت هذه العلامات حكم ببلوغه. وإذا لم توجد كان البلوغ بالسن، وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فيرى جمهور الفقهاء "أبو يوسف ومحمد ابن الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، ورأي عند المالكية" تقديره بخمس عشرة سنة؛ وذلك لأنه المعتاد الغالب، ولما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: عرضت على النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعرضت عليه في السنة الثانية فأجازني، ويقصد من عرضه على الرسول ﷺ تقديمه للاشتراك في القتال، وقد أجيز اشتراكه في سن الخامسة عشرة. ويرى المالكية تقديره بثماني عشرة سنة للفتى والفتاة، ويوافقهم أبو حنيفة في الفتى ويجعله للفتاة سبع عشرة سنة لسرعة بلوغها، وقد استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال: "حتى يبلغ أشده" أي: ثماني عشرة سنة١. ولما كان البلوغ في بلادنا يغلب في سن الخامسة عشرة؛ بل يندر التأخر عن هذه السن بالنسبة للفتى، أما الفتاة فهي أسبق من ذلك بكثير؛ لذلك

стр. 283

أرجح رأي جمهور الفقهاء، وإذا تم لنا هذا كان بلوغ سن الخامسة عشرة هو الحد الفاصل بين مرحلة انعدام المسئولية الجنائية ومرحلة قيام هذه المسئولية، ومن ثم يعاقب البالغ بالعقوبة المقررة على الجرم الذي يقترفه. الترجيح: وأرى أن رأي جمهور الفقهاء -الذي يقتضي بإيجاب الدية على عاقلة الصبي، سواء كان مميزا أو غير مميز- هو الراجح؛ لما ذكروه من أدلة، ولما فيه من النظر إلى كل من القاتل وأسرة المقتول، أما بالنسبة للأول فقد روعت حالة قصوره وضعفه العقلي المستدعي التخفيف عقلا وشرعا، وانعدام قصده الصحيح، ومن ثم كانت جنايته كجناية المخطئ في إيجاب الدية. وأما بالنسبة للثاني فلأن أسرة المقتول في حاجة إلى تعويض عن دم المقتول، فكان إيجاب الدية لهذه الأسرة على عاقلة الجاني جبرا للنقص الذي أصابها، والرزء الذي حل بها، وكذلك فإن في إيجابها على العاقلة تنبيها لها وتوجيها لنظرها إلى رعاية أطفالها وصبيانها وتربيتهم التربية المناسبة حتى لا يقعوا في مثل ذلك مرة أخرى. وأما إن كان للصبي نوع تمييز -كما قال شافعية- فإن في عقوبة التعزير كفاء، وحسبنا في ذلك ما أشار إليه الرسول ﷺ في الحديث المتقدم: "واضربوهم إذا بلغوا عشرا"، والضرب يكون بيد لا بخشبة. ولقد نص ابن حزم الظاهري على وجوب تثقيفهم لكف أذاهم فيقول: "إلا أن من فعل هذا من الصبيان أو المجانين أو السكارى في دم أو جرح أو مال ففرض ثقافه في بيت ليكف أذاه حتى يتوب السكران ويفيق المجنون ويبلغ الصبي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وتثقيفهم تعاون على البر والتقوى، وإهمالهم تعاون على الإثم والعدوان".

стр. 284

جناية المجنون: الجنون هو اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والأمور القبيحة والمدركة للعواقب؛ بحيث يؤدي هذا الاختلال إلى منع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا. والجنون يزيل أهلية الأداء؛ وذلك لأنها منوطة بالعقل والتمييز، وعقل المجنون وتمييزه مختل، فلا تثبت له هذه الأهلية بنوعيها "الناقصة والكاملة"١. وينقسم الجنون من حيث استمراره وعدم استمراره إلى قسمين: جنون مطبق "أي ممتد" وهو الجنون الذي يمتد بصاحبه ولا تصاحبه فترات إفاقة، وجنون غير مطبق "أو منقطع" وهو الجنون الذي لا يمتد بصاحبه، بل تتخلله فترات إفاقة وصحو ثم يعود إلى صاحبه، كما ينقسم من حيث إصابة الإنسان به قبل بلوغه عاقلا أو بعد بلوغه عاقلا إلى قسمين أيضا؛ جنون أصلي: وهو أن يبلغ مجنونا، ومثله لم يتمتع بأهلية الأداء مطلقا، وجنون طارئ: وهو أن يبلغ عاقلا ثم يجن، ومثله يكون قد تمتع بأهلية الأداء إلى أن أصيب بالجنون، وفي كل الحالات تسقط أهلية الأداء عن المجنون أثناء فترة جنونه، سواء كان جنونه مطبقا أو غير مطبق، أصليا أو طارئا، فلا يصح من المجنون حينئذ تصرف أصلا خلالها، أما إذا كان

стр. 285

جنونه غير مطبق فأفاق في بعض الأوقات وعاد عقله إليه فإن أهلية الأداء تعود إليه خلال هذه الفترة وتصح تصرفاته؛ لأن مناط هذه الأهلية هو العقل، وقد عاد إليه فتعود إليه أهلية الأداء، والحكم بعودة عقله إليه ينبي على ما يصدر عن أهل الخبرة من الأطباء الذين يقررون ذلك، ومن ثم يمكن أن يحاسب على تصرفاته. والمجنون في كل حالاته له أهلية وجوب؛ لأن هذه الأهلية تناط بالذمة، والإنسان بحكم إنسانيته له ذمة، فتثبت له، ومقتضى هذه الأهلية اكتساب الحقوق وتحمل الواجبات، أما تصرفاته من قول أو فعل فهي تدخل في دائرة أهلية الأداء التي بيناها آنفا. تصرفات المجنون: يعتبر الفقه الإسلامي المجنون كالصبي غير المميز -أي: ما دون السابعة- فلا اعتداد بما يصدر عنه من أقوال، سواء كانت نافعة نفعا محضا كقبول الهبة، أو ضارة ضررا محضا كهبته للغير، أو مترددة بين النفع والضرر كالبيوع وما شاكلها. وأما أفعاله: فإن كانت نافعة ولم يشترط الشرع فيها توافر الإرادة والاختيار صحت واستتبعت أحكامها، كما لو وضع يده على شيء مباح؛ لقول الرسول ﷺ : "من سبق إلى مباح فهو له"، أما ما لم يكن بهذه الصفة كقبضه الأموال الخاصة به من المدين، فإنها لا تصح، فإن هلكت هلكت على المدين، وأما إن كانت ضارة كالاعتداء على الأشخاص قتلا أو جرحا، وهذا هو موضوعنا هنا، فإن الفقهاء قد اختلفوا في جنايته كما اختلفوا في جناية الصبي غير المميز. فيرى الظاهرية أن جنايته هدر؛ وذلك للحديث: "رفع القلم"، فلا يتبع هذه الجناية إثم لعدم العقل، ولا ضمان لانعدام التمييز والقصد والاختيار؛ إذ إنه كالعجماء "والعجماء جبار" بنص الحديث، أي جنايتها هدر١.

стр. 286

ويرى جمهورالفقهاء١ "وهم من ذكرناهم آنفا في جناية الصبي غير المميز" أن جنايته كالخطأ، ولا يقصد بقولهم: "حكمها حكم الخطأ" أنها خطأ، كما فهم بعض الكتاب المحدثين، بدليل أنهم لم يوجبوا على هؤلاء كفارة، مع أن نص القرآن يوجبها في الخطأ، وإنما هم يعطونها حكم الخطأ في إيجاب الدية على العاقلة فقط، والوجه في اعتبارها كالخطأ. إن الجناية من حيث وقوعها على المجني عليه لم تكن مقصودة ولا مرادة، ففي الخطأ لم يكن هناك قصد ولا إرادة وقوع الجناية على هذا الإنسان المعصوم مع صلاحية الجاني لأن يريد ذلك، وهنا جناية الصبي والمجنون لم يصاحبها قصد ولا إرادة وقوع الجناية على هذا الإنسان، لا لأنه لم يوجه الفعل الضار إليه؛ بل لأن إرادته وقصده غير صحيح شرعا، فهو كلا إرادة ... ، وفي الخطأ نوع من عدم التحرز وعدم الحيطة الكافية، وفي جناية هذين لا يتأتى هذا، ومن ثم فليست جنايتهما خطأ تماما، وإنما حكمها حكم الخطأ في إيجاب الدية على العاقلة٢. وإيجاب الدية هنا على العاقلة استند فيه إلى آثار عن بعض الصحابة منها

стр. 287

ما روي عن علي ﵁ أنه جعل عقل المجنون على عاقلته، وقال: عمده وخطؤه سواء، وما روي أن مروان كتب إلى معاوية في مجنون قتل رجلا، فكتب إلى معاوية: اعقله ولا تقد منه "أي: لا تقتص منه" وما روي عن محمد بن جعفر بن الزبير من أن "جناية المجنون على عاقلته". ويرى بعض التابعين أن جناية المجنون في ماله، فقد روي عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار "على المجنون العقل"، ويرى أن مجنونا على عهد ابن الزبير دخل البيت بخنجر فطعن ابن عمه فقتله، فقضى ابن البير بأن يخلع من ماله ويدفع إلى أهل المقتول، وروي عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أن عبد الله بن الزبير قال: جناية المجنون من ماله، والظاهر لي أن هؤلاء الفقهاء قد اعتبروا هذه الجناية كالجناية على الأموال، فإن جمهور الفقهاء يعتبرون جناية المجنون أو الصبي ولو غير مميز على الأموال موجبة للضمان في مقاله، فيدفع من مالهما كل تعويضات الأضرارا الناشئة من فعلهما؛ وذلك لأنهم يعتبرون أن سبب الضمان هو الإتلاف، فإذا وجد السبب وجد المسبب "وهو الضمان" أيا كان محدث هذا السبب، صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا١.

стр. 288

إلا أنه يرد على هذا الرأي أن الجناية على النفس غير الجناية على الأموال بدليل أن الشرع خصها بأحكام معينة مغايرة في جملتها وتفصيلها ما أوجبه في الجناية على الأموال، ففي الثانية يجب مثلها، فإن لم يوجد فقيمتها، عمدا كانت الجناية أو خطأ أو شبه عمد "إذا صح هذا التقسيم في الأموال". أما في النفس، فقد اختلف الحكم في العمد عنه في شبه العمد عنه في الخطأ، وفي الأخير أوجب كفارة، وأوجب دية محددة لا تتفاوت، بل أوجب حرمانا من الميراث كما يرى بعض الفقهاء؛ لذلك كان قياس جناية المجنون أو الصبي غير المميز على الجناية على الأموال قياس مع الفارق، فضلا عن أن هذا سيؤدي إلى استئصال كل أمواله نظرا لجسامة مقدار الدية، ويصبح عالة على الغير، وهو في حالة تحتاج إلى الإنفاق عليه؛ لذلك كان إيجاب الدية على العاقلة رعاية له، ورعاية لأسرة المجني عليه، وتحقيقا للتكافل الاجتماعي والترابط والتعاون على البر والتقوى. جناية المعتوه: العته هو "آفة توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذا سائر أموره". ولما كان المعتوه بهذه المثابة من التردد بين العقل والجنون في أقواله وأفعاله جعل الفقهاء حكمه كحكم الصبي المميز -وهي المرحلة التي تبدأ من السابعة وتنتهي بالبلوغ عاقلا- وقد سبق أن بينا حكمه فيها١.

стр. 289

هذا هو الرأي السائد في حكم المعتوه في الفقه الإسلامي١، وإن كان بعض الكتاب المحدثين قد ذكر أن بعض الفقهاء جعل المعتوه على درجتين: مميز غير مميز، وأن الثاني كالمجنون في الأحكام، والأول كالصبي المميز، إلا أنني أرى أن الأولى أن يميز في الاصطلاح بين الدرجتين، فغير المميز يكون مجنونا؛ لاختلال قوة التمييز عنده -وهي العقل كما سبق أن بينا- ويكون حينئذ حكمه حكم الصبي غير المميز، والمميز يكون معتوها، وحكمه يكون كحكم الصبي المميز فيما ذكرنا من الأحكام.

стр. 290

جناية السكران: السُّكْر هو حالة تعرض لعقل الإنسان بسبب تناوله بعض الأسباب المؤثرة في تعطيل عقله واختلال تمييزه بين الأمور الحسنة والأمور القبيحة. والطريق المفضي إلى السكر قد يكون مباحا: كسكر المضطر إلى شرب الخمر، والسكر من الأدوية -كالبنج نحوه- وقد يكون حراما: كسكر من شرب الخمر اختيارا عالما بحرمتها. وحكم السكران بمباح حكم المغمَى عليه والنائم في أقواله وأفعاله، وحكم جناية هذين حكم الجناية خطأ، أو ما يعبر عنه الحنفية عند تقسيمهم للجنايات بأنه "ما جرى مجرى الخطأ". وأما السكران بمحرم فإن السكر لا ينافي الأهلية، أما أهلية الوجوب فظاهر حكمها؛ لأنها ترتبط بوجود الإنسان وذمته، وهو موجود وله ذمة، فلا أثر للسكر عليها، وأما أهلية الأداء فلأن السكر لا ينافي أهلية الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فهو خطاب لهم حال صحوهم بألا يقربوا الصلاة حالة السكر، فيلزم من ذلك كونهم مخاطبين بذلك حال السكر، فلا يكون السكر منافيا لتعلق الخطاب، ووجوب الانتهاء عما نهى عنه، وإذا كان السكر غير مناف لأهلية الخطاب لزمت السكران الأحكام الشرعية كلها من صلاة وصيام وغيرهما. وبعد تقرير هذه القاعدة وجدنا أن الفقهاء يختلفون في الاعتداد بأقواله وبأفعاله الصادرة عنه أثناء سكره بمحرم، فأما أقواله فيكفي أن نشير إلى أن المالكية والشافعي في قول له وأبو الحسن الكرخي والطحاوي من

стр. 291

الحنفية، والزيدية، والمنقول عن عثمان ﵁ يرون أن تصرفات السكران بمحرم غير صحيحة؛ لأن غفلته فوق غفلة النائم، فإن النائم يتنبه إذا نبه، والسكران لا يتنبه، فالأخير أولى بتطبيق الحكم عليه من الأول وهو النائم، وخالفهم في هذا المسلك الحنفية والشافعي في قول له والحنابلة، استنادا إلى أنه مخاطب. وقد رجحت في كتابي "نظرية الحق" الرأي الأول، ولا أرى الإفاضة في أقوال السكران؛ لأن الذي نعنيه هنا هو أفعاله، وبخاصة جناياته. جنايات السكران بمحرم: إذا جنى السكران جناية تستوجب القصاص أو حدا من الحدود، فيرى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية، وهو قول الزهري وربيعة" أن موجب فعله يلزمه، فيقتص منه إذا قتل، ويلزمه الحد إذا فعل ما يوجبه؛ لأن مثله لا يستحق التخفيف، وقد روي أن معاوية أقاد من السكران. قال ابن أبي الزناد: وكان القاتل محمد بن النعمان الأنصاري، والمقتول عمارة بن زيد بن ثابت. كما روي عن علي بن أبي طالب أن سكارى تضاربوا بالسكاكين، وهم أربعة فجرح اثنان ومات اثنان، فجعل على دية الاثنين المقتولين على قبائلهما وعلى قبائل اللذين لم يموتا، وقاص الحيين من ذلك بدية جراحهما. وأن الحسن بن علي رأى أن يقيد الحيين للميتين؛ ولم ير على ذلك، وقال: لعل الميتين قتل كل واحد منهما الآخر، وبهذا يتضح أن رأي علي في جناية السكران القصاص، وأنه إنما نفاه عن الحيين لعدم ثبوت قتلهما لهما، واحتمال أن يكون كل منهما قتل الآخر، فمبدأ القصاص منهما مقرر في هذه الجناية عن علي وعن الحسن ﵄، ولأنه لو درأ الحد أو القصاص عن السكران لأدى هذا إلى أن كل من أراد جناية سكر ثم اقترفها، وبذلك تنتشر الجرائم، فضلا عن أن مثله لا يستحق التخفيف.

стр. 292

ويرى الظاهرية والشافعي في قول له: أن جناية السكران هدر، ولا يلزمه موجب أفعاله؛ لعدم قصده، ولأنه يشبه المجنون في انعدام عقله، والمجنون رفع عنه القلم بنص الحديث، وقد صح عن عثمان بن عفان أن السكران لا يلزمه طلاق فصح أنه عنده بمنزلة المجنون، ثم ضعف ابن حزم ما استند إليه جمهور الفقهاء من آثار. والذي أرجح الأخذ به هو رأي جمهور الفقهاء؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى شرور كثيرة، فضلا عن أنه يزكي السكر ويفشيه؛ لأنه قد اعتد به وسيلة لإسقاط العقوبة، ولأن الصحابة أوجبوا حد القذف على السكران وحق الله فيه غالب -أو حق العبد فيه غالب على الخلاف- فيقاس عليه القصاص وغيره من الحقوق ما كان حقا لله أو حقا للعبد، وأيضا فإن القول بأنه ستجتمع عليه عقوبتان -عقوبة الشرب وعقوبة القصاص- غير وارد؛ لأن الممنوع أن تكون عقوبتان لجرم واحد، أما ارتكاب جرمين مختلفين فإنه يستوجب عقوبتين عقلا وشرعا. الإكراه: الإكراه هو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو خلي ونفسه. وحادثة الإكراه يعتبر فيها: معنى في المكره "الدافع"، ومعنى في المكره "الفاعل"، ومعنى في المكره عليه، ومعنى فيما أكره به. ١- فالمعتبر في المكره "الدافع" تمكنه من إيقاع ما هدده به، فإذا لم يكن متمكنا من ذلك فإكراهه هذيان. ٢- والمعتبر في المكره "الفاعل" أن يصير خائفا على نفسه من جهة

стр. 293

المكره في إيقاع ما هدده به عاجلا؛ لأنه لا يصير ملجأ محمولا ومدفوعا على الفعل إلا بذلك. ٣- والمعتبر في المكره به أن يكون متلفا نفسا، أو مزمنا، أو متلفا عضوا، أو موجبا غما ينعدم الرضا باعتباره. ٤- والمعتبر فيما أكره عليه هو أن يكون المكره "الفاعل" ممتنعا عن القيام به قبل الإكراه، وذلك إما لحقه، أو لحق إنسان آخر، أو لحق الشرع، وبحسب اختلاف هذه الأحكام يختلف الحكم. وهذا النوع يعدم الرضا، ويفسد الاختيار؛ لأنه يلجئ الإنسان ويضطره طبعا إلى فعل ما أكره عليه١. الثاني: إكراه غير ملجئ أو ناقص، وهو أن يهدده بالحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه. وهذا النوع يعدم الرضا فقط، ولا يفسد الاختيار؛ لأنه لا يجلئ الإنسان

стр. 294

ولا يضطره إلى مباشرة ما أكره عليه؛ لأن الفاعل يتمكن معه من الصبر من غير خشية على نفسه ولا على عضو من أعضائه١. أما جمهور الفقهاء فإنهم جعلوا الإكراه كله نوعا واحدا٢. حكم الإكراه: الإكراه بنوعيه لا يؤثر على الأهلية بنوعيها؛ لأن ذمته قائمة، وعقله كامل؛ ولكنه يؤثر على إرادة الإنسان؛ حيث يدفعه إلى القيام بتصرف لم يكن يرضي عن مباشرته ولا يختاره لو خلي ونفسه كما ذكرنا. ولقد اختلف الفقهاء في موجب أقوال المكره وأفعاله؛ حيث انفرد الحنفية بتحليل لأثر الإكراه بنوعيه على الإرادة "الاختيار والرضا". ونكتفي هنا بذكر أثره على الأفعال، ونحيل من أراد أثره على الأقوال إلى نظرية الحق للمؤلف. إذا أكره شخص إنسانا على قتل غيره أو جرحه، فللفقهاء أربعة آراء:

стр. 295

الرأي الأول: يرى أبو حنيفة ومحمد أن الفعل لا ينسب إلى الفاعل، ولكن ينسب إلى الدافع، فيلزمه موجب الجناية، فيكون القصاص في القتل العمد عليه وليس على الفاعل. وليس معنى هذا أن ينجو الفاعل من العقاب، فإن على الحاكم أن يوقع عليه عقوبة التعزير "كالجلد أو الحبس ... " لأنه ارتكب أمرا لا يحل له ارتكابه، وكلاهما "الدافع والفاعل" آثم؛ لأن قتل النفس محرم، وهذه الحرمة لا تسقط بالإكراه ولا تدخلها الرخصة؛ لأن دليل الرخصة خوف الهلاك، والقاتل والمقتول سواء في الهلاك، وإذا كانا سواء لا يحل للفاعل قتل غيره ليخلص نفسه. وقد استدل الإمام وصاحبه بعدة أدلة منها: ١- ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، والعفو عن الشيء عفو عن موجبه، فكان موجب المستكره عليه معفوا بظاهر الحديث. ٢- ولأن القاتل هو الدافع من حيث المعنى؛ لأنه هو الذي أراد القتل واتخذ أسبابه، وإنما الموجود من المباشر صورة القتل فقط، فأشبه المباشر الآلة في يد الدافع؛ لأنه لم يكن يختار القتل ولا يريده لو خلي وشأنه، والقتل مما يمكن اكتسابه بآلة الغير كإتلاف المال ... ثم يتابع تأييد رأيه فيقول: ألا ترى أنه إذا أكره الإنسان شخصا على أن يقطع يد نفسه فقطعها، فإنه يكون له أن يقتص من الذي أكرهه "الدافع" ولو كان المباشر هو القاطع حقيقة لما اقتص ممن أكرهه. الرأي الثاني: يرى زفر من عماء الحنفية، والزيدية، والإمامية،

стр. 296

والظاهرية: وجوب القصاص على الفاعل دون الدافع؛ وذلك لأن القتل وجد منه حقيقة وحسا ومشاهدة، وإنكار المحسوس مكابرة، فوجب اعتبار القتل منه، دون الدافع؛ إذ الأصل اعتبار الحقيقة، ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل، وأيضا فإنه قد ابتلي فليصبر، ولا يدفع الظلم عن نفسه بظلم غيره. الرأي الثالث: يرى أبو يوسف أنه لا قصاص على واحد منهما؛ لأن القصاص يندرئ بالشبهات، وقد تحققت الشبهة في حق كل واحد منهما، أما الفاعل فهو محمول على القتل، وأما الدافع فلأنه لم يباشر القتل ولكنه كان سببا في قتله، وجاء القاتل تسبيبا، في مذهب الحنيفة الدية، فتجب عليه. الرأي الرابع: يرى المالكية والشافعية والحنابلة: أنه يجب القصاص عليهما على الدافع والفاعل؛ وذلك لأن القتل اسم لفعل يفضي إلى زهوق الحياة عادة، وقد وجد في كل واحد منهما، إلا أنه حصل من الفاعل بطريق المباشرة وحصل من الدافع بطريق التسبيب١.

стр. 297

الترجيح: والذي أراه راجحا هو رأي أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، وجه الترجيح أنه إذا نظرنا إلى هذه الآراء وجدنا أن الرأيين الأول والثالث يعتدان بأثر الإكراه على إرادة المباشر، فيسقطان القصاص عنه، غير أن الثالث يسقطها أيضا عن الدافع؛ لأنه قتل تسبيبا وليس قتلا مباشرة، وهذا مبني على اشتراط الحنفية أن الجناية العمد الموجبة للقصاص لا بد وأن تكون بفعل مباشر، أما الرأي الأول فإنه يوجب القصاص على المكره -بكسر الراء- وأرى رجحان هذا الرأي، للحديث الذي استدلوا به، ولأن القصد الجنائي الكامل غير موجود من المباشر؛ لأنه أصبح بالإكراه كالآلة في يد الجاني الحقيقي -وهو من أكرهه على ارتكابها- إذ الإنسان إذا انعدم رضاه وفسد اختياره بالإكراه أصبح طوع من أكرهه، فينسب الفعل في الحقيقة إلى المكره لا المباشر، وفي الصورة إلى المباشر، إلا أن مثله كمثل السكين المستعملة في القتل، وحسبنا للدلالة على أن قصده الجنائي غير متوافر أننا لو رفعنا عنه هذا المؤثر الخارجي القاهر له -وهو الإكراه- لما ارتكب هذه الجريمة، بل ولما فكر فيها ولا أرادها.. لذلك كان أهم أركان الجناية -وهو قصد إيقاع الفعل عدوانا- غير موجود، وإذا انعدم هذا القصد سقط عنه القصاص. وينتج عن هذا التحليل أن القصاص يجب على المكره -بكسر الراء- لأن قصده القتل عمدا عدوانا موجود ومتوافر، والفعل القاتل موجود، وهو فعل من أكرهه وسلب إرادته حتى أصبح طوع أمره كالآلة في يده، وأما القول بأنه يقتص منهما فإن فيه تشددا واضحا في جانب المباشر، وإزهاقا لروح إنسان في جريمة لم يردها، ولئن قيل: إنه إنسان قد ابتلي وعليه أن يصبر حتى لو أدى صبره إلى قتله.. فإن للقهر سلطانا يهز الإرادة وينهى مراحل الصبر، ويعدم الرضا ويفسد الاختيار، فإن لم يكن

стр. 298

ذلك واضحا في إسقاط أهم أركان الجريمة، فلا أقل من أنه يورث شبهة، والشبهة تسقط القصاص، وكذلك فإن في القول بعدم إيجاب القصاص عليهما تخفيفا في جانب المكره -بكسر الراء- قد يؤدي إلى أن يحترف المجرمون هذه الطريقة للإفلات من القصاص، فيتفشى القتل بين الناس، وهذا ما يجب علاجه إحياء للنفوس، وكذلك فإن القول بإيجاب القصاص على المباشر لا الدافع فيه تشديد على من سلبت إرادته -وقد أوضحنا آنفا وجهه- وفيه تخفيف عن المجرم الحقيقي، وهذا المنهج تأباه العدالة. رضا المجني عليه بالجناية: آثار الفقهاء صورة من صور الجنايات يرتكب فيها لجاني جنايته بأمر المجني عليه، أو برضاه، كما لو كان المجني عليه يعاني من مرض خطير، أو أزمة من الأزمات دفعته إلى أن يفضل الموت على الحياة، فيطلب من إنسان أن يقتله، فإذا قتله، فهل يعتبر رضاه بالقتل ظرفا من الظروف المخففة يسقط القصاص عن الجاني، أم أن الجاني يظل مسئولا عن القتل حتى لو رضي المجني عليه بهذه الجناية؟ للفقهاء رأيان: الرأي الأول: قال الحنفية "غير زفر والشافعية": لا قصاص على الجاني في هذه الحالة؛ لأنه لما أذن له في قتله تمكنت في عصمة دمه شبهة الإباحة، والشبهة في باب القصاص لها حكم الحقيقة. وإذا قيل بسقوط القصاص فهل تجب الدية على القاتل عندهم؟ الأظهر عند الشافعية أنه لا تجب، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول أبي يوسف ومحمد؛ لوجود الإذن بقتله؛ أي: أن دمه بناء على ذلك يكون هدرًا، ويرى

стр. 299

أبوحنيفة -في رواية صححها فقهاء المذهب- أنه تجب الدية في القتل لا القطع "وفي رأي عند الشافعية تجب الدية فيهما"؛ وذلك لأن القصاص قد سقط لوجود الشبهة والشبهة تمنعه؛ ولكنها لا تمنع وجوب المال، فتجب الدية. الرأي الثاني: يرى المالكية وزفر والزيدية والظاهرية: وجوب القصاص على الجاني، ولا عبرة برضا المجني عليه؛ لأن الحق بعد الموت انتقل إلى ورثة المجني عليه، ولأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "عل المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة"، وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الطاعة في المعروف"، فإذا أمره بقتله أو قطع عضو منه لا يحل له أن يفعل، وإن فعل اقتص منه في النفس عندهم جميعا، وإن كانت الجناية على ما دون النفس اقتص منه عند الزيدية والظاهرية. وإيجاب القصاص في الجميع هو الذي نراه راجحا؛ لأن أمره لا يحل ما حرم الله للحديث: "المؤمن حرام دمه وماله وعرضه"، وإذا كان الله تعالى قد شدد عقوبة قاتل نفسه، وهو حين يقتل إنما يقتل نفسه، فكيف نعتد بأمره للغير بالاعتداء عليه، وهو لا يملك من نفسه شيئا؛ ولذلك عوقب بحنايته عليها. رأي القانون المصري في هذه الظروف المخففة: اعتبر القانون أن الصبي والمجنون والسكر قهرًا أو جهلًا من الظروف المخففة للعقوبة، فقد نصت المادة ٦٢ من قانون العقوبات المصري على أنه "لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وفي ارتكاب الفعل

стр. 300

إما لجنون أو عاهة في العقل، وإما لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة، أيا كان نوعها إذا أخذها قهرا عنه، أو على غير علم منه بها". فبينت المادة أنه لا عقاب على المجنون ولا على صاحب عاهة عقلية، وأما السكران فتفرق فيه بين حالتين: حالة تناول الجاني عقاقير مخدرة قهرا عنه، أو على غير علم منه بحقيقة أمرها، وحينئذ فلا عقاب ولا مسئولية جنائية بنص المادة إذا ارتكب الجناية وقت سكره، والحالة الثانية: حالة من يتناول مادة مخدرة أو مسكرة مختارا، وعالما بحقيقة أمرها، فإنه يفهم من المادة أنه يكون مسئولا عن الجرائم التي تقع منه وهو تحت تأثيرها. فالقانون في هذه الحالة يجري عليه حكم المدرك التام الإدراك ما ينبني عليه توفر القصد الجنائي لديه، وهذا ما استقر عليه قضاء محكمة النقض في تفسيرها لهذه المادة. ورأي القانون في رفع العقوبة البدنية عن المجنون موافق لرأي جميع الفقهاء غير أن جمهورالفقهاء جعلوا جنايته خطأ تجب فيها لدية على العاقلة خلافا للظاهرية، ولا شك أن رأي جمهور الفقهاء فيه مراعاة للطرفين الجاني وأسرة المجني عليه، للأسباب التي أوضحناها آنفا، وكذلك رأي القانون بالنسبة للسكران موافق لرأي جمهور الفقهاء؛ إذ فرقوا في الحكم بين الحالتين -كما سبق أن أوضحنا- غير أن القانون يجعل المسئولية المدنية عن الأضرار الناشئة عن عمل المجنون الإجرامي قائمة في مواجهة الشخص المسئول عن المتهم، أي المكلف برعايته، فإن لم يوجد المسئول عنه أو تعذر الحصول منه على التعويض ألزم المجنون بتعويض عادل. وأما الصبي، فقد فرق قانون العقوبات بين أربع مراحل من حياته، وجعل لكل مرحلة حكما.

стр. 301

المرحلة الأولى: وهي التي تقل سنه فيها عن سبع سنوات، وفيها لا يكون مسئولا جنائيا، ولا تقام الدعوى الجنائية عليه"المادة ٦٤". المرحلة الثانية: التي يزيد عمره فيها عن سبع سنوات ويقل عن اثنتي عشرة سنة، وفيها إذا ارتكب جناية أو جنحة يأمر القاضي باتخاذ وسيلة من وسائل الملاحظة والتربية، كدفعه لوالده أو ولي أمره على أن يكون مسئولا عن حسن سيره في المستقبل، أو إرساله إلى مدرسة إصلاحية "المادة ٦٥". المرحلة الثالثة: التي يزيد سنه فيها عن اثنتي عشرة سنة ويقل عن خمس عشرة سنة، وفيها إذا راتكب جناية عقوبتها السجن أو الأشغال الشاقة المؤقتة تبدل هذه العقوبة بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلث الحد الأقصى المقرر لتلك الجريمة قانونا، وإذا ارتكب جناية عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة تبدل هذه العقوبة بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على عشر سنين "مادة ١٦" كما قضت المادة "٦٧" بأنه يجوز للقاضي بدل الحكم عليه بالعقوبة التي نصت عليها المادة السابقة "٦٦" أن يأمر القاضي باتخاذ وسيلة من وسائل الملاحظة والتربية كما أوضحته المادة "٦٥". المرحلة الرابعة: وهي التي يزيد عمر الجاني فيها على خمس عشرة سنة، ولم يبلغ سبع عشرة سنة كاملة، فإنه في هذه الحالة لا يحكم القاضي عليه بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، وإنما يجب عليه أن يبين أولا العقوبة الواجب تطبيقها بقطع النظر عن هذا النص مع ملاحظة موجبات الرأفة إن وجدت، فإن كانت تلك العقوبة هي الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة يحكم بالسجن مدة لا تنقص عن عشر سنين، وإن كانت الأشغال الشاقة المؤقتة يحكم بالسجن "المادة ٧٢". وبهذا يتبين لنا أن القانون جعل الصبي من الأعذار المخففة للعقوبة، بل إنه رفع المسئولية الجنائية عن الصبي حتى السابعة، إلا أن هذا لا يمنع

стр. 302

من أن تقام الدعوى المدنية بطلب التعويضات عن الأضرار الناشئة عن عمله في مواجهة الشخص المسئول عنه، فإن لم يوجد أو تعذر ذلك أمكن إلزام الصغير ذاته بتعويض عادل "م١٦٤ /٢مدني". وفي المبدأ العام يلتقي القانون مع رأي جمهور الفقهاء الذين يعتبرون جنايته كالخطأ، غير أن الفقهاء يوجبون الدية على عاقلة الصبي القاتل للأسباب والاعتبارات التي ذكرناها آنفا. أما وجوه الملاحظة والتربية، فإن الفقه الإسلامي لا يأباها، بل إن وجوب الدية على العاقلة فيه نوع من إلزام العاقلة هذه الرعاية، وأما الحبس في المرحلة الثالثة، فهو نوع من التعزير، لا يرفضه الفقه الإسلامي إذا حقق مصلحة، وأما تخفيف عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة بنوعيها على المتهم الذي زاد عمره على خمس عشرة سنة، ولم يبلغ سبع عشرة سنة "م٧٢" أو ثمان عشرة سنة حسب التعديل الأخير الذي يبحث الآن الرجوع عنه، فإن الفقه الإسلامي يجعل الحد المسقط للقصاص هو ما دون البلوغ، وسن البلوغ يمكن لكل دولة تحديدها حسب ظروفها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية؛ لأن سن البلوغ في المناطق الباردة غيره في المناطق الحارة، في البدو غيره في الحضر، وفي الدول المنتعشة اقتصاديا وثقافيا غيره في الدول المتخلفة، وأنسب سن للبلوغ عندنا هو الخامسة عشرة، وهو رأي جمهور الفقهاء. وأما بالنسبة للإكراه، فقد نصت المادة "٦١ -ع-م" على أنه "لا عقاب على من ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره، من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به، أو بغيره، ولم يكن لإرادته دخل في حلوله، ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى"، وقد بين شراح القانون أن الإكراه المعنوي يدخل في حالة الضرورة

стр. 303

المنصوص عليها، كما بينوا أن الإكراه المعنوي يشمل عند المكره حالة الإرادة، ويذهب بقيمتها من حيث القدرة على الاختيار؛ حيث يجعله لا يختار في هذا الموقف إلا اتجاها واحدا دائما هو الإفلات من الخطر المحدق عن طريق ارتكاب الجناية؛ ولذلك كان سببا مانعا من المساءلة الجنائية للمباشر، وقد ضربوا لذلك أمثلة لم يكن من بينها حالة القتل الواقع تحت إكراه، إلا أننا نرى أنه ما دام تأثير الإكراه قد وصل إلى هذه المرحلة من التأثير على الإرادة فيجب أن يكون ظرفا مخففا للعقوبة عن المكره؛ لأنه كان كالآلة في يد المكره -كما قال أبو حنيفة ومحمد- وأن توقع عقوبة القتل العمد على المكره. كما بين شراح القانون أن رضا المجني عليه لا يمحو الجريمة، ولا يرفع العقاب؛ لأن العقاب في المسائل الجنائية من حق المجتمع لا من حق الفرد، فمن يقتل آخر أو يجرحه يعاقب على قتله، وهذا هو حكم القانون المصري، إلا أن بعض الشرائع كالقانون الألماني تخفف العقاب في هذه الحالة. وبهذا تبين لنا أن آراءهم لا تخرج عما قرره الفقه الإسلامي كما بينا آنفا. الفرع الثالث: عقوبة عامة لمن سقط عنه القصاص: تبين لنا مما تقدم أنه قد يسقط القصاص بسبب عفو المجني عليه، أو الصلح، أو كون المقتول جزء القاتل، وغير ذلك من الأسباب، فإذا سقط القصاص فهل لولي الأمر أن يوقع على الجاني عقوبة أخرى تكون حقا لله تعالى لا يجوز فيها صلح أو إبراء ... للفقهاء ثلاثة آراء:

стр. 304

الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وإسحاق بن راهويه، وسائر أصحاب الحديث" أنه ليست عليه عقوبة أخرى، وقد احتجوا بأن آية القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ جعلت الموجب هو القصاص أو الدية -على الخلاف المتقدم- ولم توجب عقوبة أخرى، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "لا جلد ولا نفي على القاتل المعفو عنه"، وكذلك فإن حديث وائل بن حجر فيه أنه قد عفا عن القاتل وتركه، ولم ينقل أن الرسول ﷺ جلده أو نفاه. الرأي الثاني: يرى الشافعية وجوب تعزيره؛ لأنه لما سقط القصاص أصبح القتل العمد خاليا عن الزجر والردع، فأوجبوا فيه التعزير، ومقداره متروك للإمام. الرأي الثالث: يرى المالكية "وهو قول الأوزاعي والليث" جلده مائة سوط، وحبسه سنة من غير تغريب، وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ فقد جمع الله تعالى بين القتل والزنا، وجعل الإثم ومضاعفة العذاب على كل منهما، والزنا عقوبته القتل رجما على المحصن، والجلد مائة والنفي سنة على غير المحصن١، فالواجب على من قتل عمدا القصاص، فإن سقط عنه

стр. 305

القصاص بعفو أو صلح كان عليه جلد مائة ونفي سنة، مثل عقوبة الزنا. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل عبده متعمدا، فجلده مائة ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به. وأرى أن القياس في العقوبات غير مسلم على إطلاقه، وهذا يضعف رأي المالكية، وأن القول بعدم توقيع عقوبة على من سقط عنه القصاص مطلقا لا يتمشى مع حقيقة كون الاعتداء قد وقع على حق من حقوق الله؛ وهو صيانة الأنفس من الإهدار، والزجر والردع عن ارتكاب مثل هذه الأفعال، وهذا يضعف الرأي الأول، ويقوى عندي الأخذ برأي الشافعية؛ وهو وجوب توقيع عقوبة تعزيرية عليه، وهذه العقوبة أرى أن تضعها السلطة الشورية على الوجه الذي يدرأ الجريمة والمجرمين عن المجتمع، كما أرى ألا تصل إلى القتل.

стр. 306

المقصد السابع: الظروف المشددة للعقوبة في الفقه الإسلامي: أوضحنا فيما تقدم عقوبة القصاص، وبينا بأي شيء تجب، وبأي شيء تسقط، وقد تبين لنا أن لولي الدم الحق في العفو أو الصلح أو الإبراء، وتلك هي مميزات حقوق العباد؛ ولكننا نبحث هنا الظروف التي تنقل عقوبة الاعتداء عمدا من دائرة حقوق العباد إلى دائرة حقوق الله تعالى؛ أي: أن يكون موجب الجناية الحد لا القصاص، والحدود لا يجرى فيها عفو ولا صلح ولا إبراء، ويكون أمر استيفائها للإمام، ولا يجوز له العفو عنها، وهذا يستدعي أن نبحث هنا -بإيجاز كبير- آية المحاربة، مبينين آراء الفقهاء في تفسيرها، وفي أركان جريمة المحاربة، وبعض الجرائم التي أدرجت فيها ثم عقوبتها، وما يسقط هذه العقوبة، وذلك لنوضح أن بعض الجرائم التي صاحبتها ظروف معينة تكون عقوبتها الحد لا القصاص، ونقارن ذلك بجرائم القتل التي جعل القانون عقوبتها الإعدام. الفرع الأول: آية المحاربة وآراء الفقهاء في فهمها: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.

стр. 307

اختلف في سبب نزول هذه الآية١، غير أنه لا خلاف بين أهل العلم أن الآية بينت حكم المحاربين ومن يسعون في الأرض فسادا من أهل دار الإسلام، إلا أنه لما كانت محاربة الله تعالى لا يمكن أن تكون حقيقة؛ لأن

стр. 308

الله تعالى يستحيل محاربته؛ إذ الله تعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد؛ لذلك كان في قوله جل شأنه: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ استعارة ومجاز، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد بالمحاربين الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق؛ وذلك لأنهم بمنزلة من حاربوا غيرهم من الناس، فسميت هذه الطائفة بالمحاربين لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السلاح. ثانيهما: أن يراد بالذين يحاربون الله الذين يحاربون عباد الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ والمعنى: يؤذون أولياء الله، أو عبيد الله، فعبر بنفسه العزيزة عن عباده إكبارًا واستعظامًا لأذيتهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ حثا على العطف، ويصح إطلاق المحاربة لله وللرسول على من عظمت جريرته، فقد روي أن عمر بن

стр. 309

الخطاب رأى معاذا يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اليسير من الرياء شرك، من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة"، فمن حارب مسلما ليأخذ ماله أو يعتدي على عرضه أو نفسه فهو معادٍ لعباد الله تعالى، محارب لله تعالى بهذا الفعل. وروى زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: "أنا حرب لمن حاربتم، سلم لمن سالمتم"، فاستحق من حاربهم اسم المحارب لرسول الله، مسلما كان أم غير مسلم. وبهذا يتضح لنا أن المحاربة لله ورسوله، يمكن أن تطلق على المجاهرين بإظهار السلاح للإرهاب أو قطع الطرق؛ كما يمكن أن تطلق على من عظمت جريرته، وإن كان مسلما، ولا مانع من إرادة المعينين؛ لأن الأصل هو الأخذ بعموم ما يدل عليه النص ما لم يرد ما يخصصه، فإذا خصت بعض الجرائم بأحكام معينة كانت خارجة من حكم هذه الآية، كما في جناية السرقة، والزنا، والقتل العمد، ويبقى ما عداها داخلا تحت حكمها. الفرع الثاني: أركان جريمة المحاربة: لقد أثار الفقهاء عدة أمور، اتفقوا على اعتبار بعضها ركنا في جريمة المحاربة، واختلفوا في بعضها الآخر، ونتناول بالإيضاح من هذه الأمور: قصد المحاربة، تحقق الإرهاب، مكان ارتكاب جريمة المحاربة، الباعث عليها، المجاهرة بها، وكون المحارب فردا أو جماعة، ثم نحدد من هو المحارب، متوخين في ذلك الإيجاب وعدم الدخول في التحليلات الفقيهة قصدا إلى ترك هذا إلى محله من مباحث الجنايات:

стр. 310

أ- قصد ارتكاب جريمة المحاربة: نص الفقهاء على أنه لا بد من أن يقصد المحارب المحاربة والإفساد في الأرض، فقد اشترط الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية أن يكون المرتكب لهذه الجريمة مكلفا -بالغا عاقلا- إذ التكليف أمارة القصد الصحيح الذي هو ركن أساسي في إيجاب العقوبة، فإذا لم يتوافر القصد الصحيح، كما لو كان الجاني صبيا أو مجنونا، لم تكن الجريمة جريمة محاربة، وإنما يكون حكمها حكم الجريمة خطأ، التي لم يقترن بها ظرف مشدد، وقد تقدم بيانه. ب- تحقق الإرهاب: كما اشترط الفقهاء في المحارب أن يكون ممتنعا ومتحصنا بما يحدث الإرهاب والفزع في نفوس من يريد الإيقاع بهم والانقضاض عليهم، سواء كان معه آلة قاتلة قطعا؛ كالسلاح ونحوه، أو كان معه آلة قاتلة غالبا؛ كحجر أو خشب أو ما شبههما١، أو كان هذا الأثر يحدث بقوته الشخصية؛ كما لو كان قوي الجسم بدرجة تمكنه من التغلب على أكثر من واحد، ولو باللكز والضرب بجميع الكف٢ وما ماثل ذلك؛ وذلك لأن المشترط في هذا الباب هو إحداث الرعب في نفس الغير، بالمتعة والقدرة على التغلب

стр. 311

فكل ما يحقق هذا الغرض يؤدي إلى اعتبار الجريمة جريمة محاربة يستحق صاحبها الحد لا القصاص، أما إذا لم يكن لديه شيء من ذلك كله فإنه لا يكون محاربا بالاتفاق. ولا يختلف في جريمة المحاربة أن يكون المحدث للإرهاب مباشرًا أم متسببا، ولقد سبق أن بينا أن جمهور الفقهاء يرون أن القتل عمدا -دون محاربة- يوجب القصاص على القاتل، سواء كان القتل بالمباشرة أو التسبيب، ولم يخالف في هذا سوى الحنفية؛ حيث فرقوا بين جريمة القتل عمدا التي تتم بالمباشرة، فيجعلونها موجبة للقصاص، وبين التي تتم بالتسبيب فيجعلونها موجبة للدية؛ ولكنهم في جريمة المحاربة لا يفرقون بين المباشر والمتسبب، كما لا يفرقون بين آلة وآلة، فسواء تمت الجناية بمباشرة الكل، أو بالتسبيب من البعض بالإعانة والأخذ، فالكل محاربون؛ لأن الجريمة تتم بالكل كما في السرقة، ولأن من عادة قطاع الطرق أن يقوم البعض بالمباشرة والبعض بالإعانة والتربص والدفع عنهم، فلو لم يلحق التسبيب بالمباشرة في سبب وجوب الحد لأدى هذا إلى انفتاح باب قطع الطريق واسنداد حكمه، وهذا قبيح؛ ولهذا ألحقوا التسبيب بالمباشرة. وقد خالف في هذا الشافعية والإمامية؛ حيث فرقوا بين المحارب المباشر، وبين ما يعاونه بمراقبة الطريق، أو الإتيان له بما يحتاج إليه من غير أن يباشر واحد منهما المحاربة، فإنهما لا يعتبران محاربين، ويعزران، فإن باشارا كانا محاربين. والذي نرى رجحانه هو ما قاله جمهور الفقهاء، فإن الكل متواطئ متكاتف متعاون في ارتكاب الجريمة؛ لأن هؤلاء الأعوان قد مهدوا للجاني طريق الجناية وأمنوه خلال ارتكابها، فهم شركاء.

стр. 312

ج- المكان الذي تتحقق فيه المحاربة: يجب أن نفرق أولا بين جريمة تقع في دار الإسلام، وأخرى تقع في دار الحرب، أما الثانية فلا يجب فيها الحد عند بعض الفقهاء؛ لانعدام الولاية على المكان الذي ارتكبت فيه الجناية؛ لأن الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، وولايته لا تتجاوز حدود ما ولي عليه، والذي ولي عليه هو دار السلام، أما دار الحرب فلا ولاية له عليها؛ لأن سبب وجوب الحد هو ارتكاب جناية على أرض للإمام ولاية عليها، فإذا انعدمت هذه الولاية لم ينعقد سبب وجوب الحد، وإذا لم ينعقد سبب وجوبه لا يستوفي الحد في دار الإسلام لجناية ارتكبت خارجه١. أما إذا ارتكبت جريمة المحاربة في دارالإسلام، فإنه يلزمنا أن نفرق بين ارتكابها خارج المصر، وبين ارتكابها داخل المصر، فإنه ارتكبها خارج المصر، فقد اتفق الفقهاء على اعتبار مرتكب هذه الجريمة محاربا، ويقصد بخارج المصر كون المكان نائيا لا يصل إليه الغوث بسرعة، ويكون بعيدا عن حفظة الأمن للتابعين للدولة، كما لو كان مسرح الجريمة الصحراء. أما إن ارتكبها داخل المصر فللفقهاء رأيان في تكييف هذه الجريمة: أحدهما: يرى أبو حنيفة ومحمد، والخرقي من الحنابلة، والثوري، وإسحاق، والزيدية: أن من يقصد قطع الطريق في المصر لا يكون محاربا؛ ذلك لأن من في المصر إذا تعرض له أحد يمكنه الاستغاثة، ويلحق به

стр. 313

الغوث غالبا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون بهذا العمل مختلسين أو منتهبين، والمختلس والمنتهب ليس بقاطع طريق، فلا يجب عليه حد المحاربين. والثاني: يرى جمهور الفقهاء "أبو يوسف، والمالكية، والشافعية، والكثير من الحنابلة والإمامية والظاهرية، والليث وأبو ثور والأوزاعي والناصر والإمام يحيى" أنه يكون محاربا، فكل من ارتكب هذه الجريمة في المصر أو في غيره، في المنازل أو في الطريق؛ فهو محارب توقع عليه عقوبة المحاربين، وقد استدلوا على ذلك بأن آية المحاربة عامة، فعمومها يتناول كل محارب، سواء كان المحارب قد باشر جريمته في المصر أو في غيره، ولأن هذه الجريمة إذا تمت في المصر كانت أعظم خطرا وأشد ضررا فكانت بذلك أولى. ونرى رجحان هذا الرأي؛ لأن من يعتدي داخل المصر لا بد وأن يكون له من المنعة، سواء كانت بالسلاح أو الأعوان أو القوة الذاتية، مايفوق من يعتدي خارج المصر، وأن يكون له من السطوة والتأثير والتدبير ما يفوق من يبغي ذلك خارج المصر، ولأن أقدامهم على هذه الجريمة في البنيان الذي هو محل الأمن والطمأنينة، ومحل تناصر الناس وتعاونهم، يدل على شدة محاربتهم ومغالبتهم. ويؤيد هذا أنه قد روي أن أبا حنيفة أجاب عن رأيه الذي يقضي بأن المحاربة تكون خارج المصر: بأن أهل زمانه كانوا يحملون السلاح في الأمصار، فلم تكن المحاربة ميسورة ولا ممكنة في الأمصار؛ لأن الناس جميعا جنود للمستغيث والمظلوم؛ ولكن لما ترك الناس حمل السلاح أمكن أن تقع المحاربة في داخل المصر، ومن هذا يتبين لنا أن الاختلاف إنما هو اختلاف عصر وأوان لا اختلاف حجة وبرهان.

стр. 314

د- الباعث على ارتكاب جريمة المحاربة: لا يقصر الفقهاء الباعث على جناية المحاربة على غرض دون غرض من الأغراض التي تدفع الإنسان إلى اقتراف هذه الجريمة، فمن كانت بغيته أخذ المال بهذه الكيفية فهو محارب، وكذلك إذا كانت بغيته قتل نفس أو هتك عرض، أو إرهاب المواطنين وإزعاجهم١، والكل محاربون ومفسدون في الأرض يستحقون العقوبة المقررة في آية المحاربة. هـ- المجاهرة بالمحاربة: اختلف الفقهاء في اعتبار المجاهرة شرطا من شروط جريمة المحاربة، فقد صرح جمهور الفقهاء "الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية" بأنه لا بد من أن يكون المحارب مجاهرًا بمحاربته، ولعل مرد هذا الشرط هو كون المحاربة، وهي مفاعلة من الجانبين لا تتم إلا بالمجاهرة، غير أن المالكية وبعض الحنابلة لم يشترطوا هذا الشرط، فجعلوا الجرائم

стр. 315

التي تنم بالخدعة والغش، والتي تتم سرا داخلة في المحاربة؛ وذلك لأن المحاربة فيها أشد؛ حيث يؤخذ الآمنون على غرة، وأبرز هذه الجرائم القتل غيلة، وسنذكر فيما بعد بعض الجرائم التي يدرجها بعض الفقهاء في جريمة المحاربة لخطورتها على المجتمع. و المحارب قد يكون واحدا أو جماعة: لم يشترط الفقهاء لتطبيق عقوبة المحاربة كون الجاني فردا أو جماعة، فما دام ترويع المواطنين وإزعاجهم قد وجد وقعت العقوبة على فاعلها، سواء كان الفاعل لذلك فردا أو جماعة. الترجيح: ومن هذا العرض لبعض ما أثاره الفقهاء من اشتراطات في هذه الجناية نرى رجحان أن المستحق لعقوبة المحاربة هو المكابر، المخيف للناس، المفسد في الأرض، سواء بسلاح أو بلا سلاح، ليلا أو نهارًا، في مصر أو في الصحراء، في المدن أو في القرى، في المنازل أو في غيرها، واحدا كان أو أكثر. فكل من حارب وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخذ مال، أو بجراحة، أو انتهاك فرج، فهو محارب عليه أو عليهم -كثروا أو قلوا- حكم المحاربين المنصوص عليه في الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى لم يخص من هذه الوجوه شيئا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ .

стр. 316

الفرع الثالث: جرائم أدرجها بعض الفقهاء في جريمة المحاربة: حدد الفقهاء جريمة المحاربة على النهج الذي أوضحناه آنفا؛ لكننا نبرز هنا بعض الجرائم ذات الصبغة الخاصة التي قد تميزها عن جرائم المحاربة، والتي رأى بعض الفقهاء أن آية المحاربة تتناولها لشدة خطورتها على المجتمع وخالفه في هذا غيرهم، ومنها القتل غيلة، واقتران جريمة المحاربة بجريمة أخرى، وقتل الإمام، والعود في الجريمة. القتل غيلة: الغيلة -بكسر الغين- لغة: هي الاغتيال، يقال: قتله غيلة -بالكسر- وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه. واصطلاحا: هي أن يخدع الجاني المجني عليه بأي وسيلة من وسائل الخداع ليقتله أو يأخذ ماله أو يهتك عرضه. ولقد ذكر الفقهاء عدة وسائل للخداع بعضها يعتمد على فعل مادي يجعل المجني عليه غير قادر على الاستعانة أو المقاومة، إما لأن الفعل قاتل بطبيعته ولا يمكن للمجني عليه أن يدركه أو يلحظه كما في السم، أو لأنه غير قاتل بطبيعته ولكنه يسهل ارتكاب الجناية، كما لو أسقاه شرابا مسكرًا ثم قتله، أو اعتمد الجاني على مهارته وثقة الغير فيه ثم اتخذ من هذا الستار منفذا لاستدراج الضحايا إلى حيث يريد من الأماكن المهيأة لجريمة القتل١. وللفقهاء فيما يوجبه القتل غيلة رأيان:

стр. 317

الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية والإمامية" أن القتل غيلة وغيره سواء في إيجاب القصاص وصحة عفو الولي أو صلحه؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وقول النبي ﷺ : "فأهله بين خيرتين"، لأنه قتيل في غير محاربة، فكان أمره إلى وليه كسائر القتلى. الرأي الثاني: يرى المالكية وابن تيمية من الحنابلة أن القتل غيلة يوجب الحد لا القصاص، فلا يشترط فيه ما يشترط عندهم في القصاص، فيقتل المؤمن بالكافر، والحر بالعبد؛ لأن القاتل غيلة بمنزلة المحارب؛ لأنه خدعه وغشه ليرتكب جنايته على وجه لا يمكن معه الغوث، كما لو أسقاه سما، أو أسكره، أو استدرجه إلى مكان ملائم لتنفيذ جنايته، ففي كل هذه الحالات

стр. 318

وما شابهها لا يتمكن المجني عليه من الاستغاثة، فيكون الجاني محاربا أو كالمحارب..، أيضا احتجوا بقول عمر بن الخطاب ﵁ في الذي قتل غيلة: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به"، فقد نسب تنفيذ العقوبة إلى نفسه، لا إلى ولي الدم، وهذا يدل على أنه جعل عقوبتهم الحد لا القصاص. وبهذا يتبين لنا أن المذهب المالكي ومن وافقه من الفقهاء يفرق في جريمة القتل العمد بين حالتين: حالة القتل التي تتم إثر ضغينة أو ثورة، فيجعل عقوبتها القصاص، وبين حالة القتل أو أخذ المال أو هتك العرض إذا ارتكبت هذه الجناية بحيث لا يمكن معها الغوث؛ بسبب منعة الجاني، أو بسب غش وخداع يجعل المجني عليه لا يتمكن من الغوث، ففي هذه الحالة تكون عقوبة الجريمة الحد لا القصاص، أي أن المذهب جعل هذا الظرف من الظروف المشددة للعقوبة. ويتضح لنا من الصور التي ذكرها الفقهاء للقتل غيلة أنه قد توافر فيها قصد الجاني قتل النفس، أو هتك العرض، أو أخذ المال، وفي سبيل الوصول إلى جنايته بسهولة ويسر دبر كيفية التنفيذ؛ بحيث لا يتنبه إليه أحد، سواء كان المجني عليه أو غيره، فقدم إليه السم، أو المسكر، أو استدرجه إلى مكان ملائم لتنفيذ الجريمة، كل هذا يدل على أن الجاني مجرم عريق في إجرامه، وأنه قد فكر ودبر قبل الإقدام على جنايته، وأنه يرتكب جنايته وهو هادئ النفس، لم تثره ثائرة، ولم تدفعه إليها أحقاد أو ضغائن يمكن إدراك المجني عليه لها، بدليل أن المجني عليه تناول ما قدمه له من طعام أو شراب مسموم، أو مادة مسكرة، أو سار معه إلى حيث يريد من الأماكن وهو مطمئن إليه تمام الاطمئنان، ولو أن المجني عليه راوده شك في أن هذا الشخص كان يبغي به شرا لما طاوعه في كل ذلك. فالجاني في هذه الصور يعتبر محاربا مفسدا في الأرض يستحق أن تطبق

стр. 319

عليه عقوبة المحاربين حتى يرتدع غيره ويزدجر، ويأمن الناس في غدوهم ورواحهم على أنفسهم وأموالهم١. ب- العود في القتل: ينظر الفقهاء إلى من يعود في جريمته نظرة أشد؛ إدراكا منهم إلى أن الجريمة أمر يتنافى والسلوك السوي للفرد؛ إذ هي بطبيعتها أمر غير مرغوب فيه، ينفر منه الفرد كما ينفر منه المجتمع، فإذا أقدم إنسان على جريمة كان ذلك دليلا على ما يعانيه من صراع نفسي وفكري وعقلي نتيجة عدم وصوله إلى ما كان يهدف إليه من أغراض مشروعة أو غير مشروعة، فتحول بسبب ذلك من دائرة السلوك السوي إلى دائرة السلوك الإجرامي، عساه يطفئ بالإجرام جذوة هذا الصراع المتقدة أو يخفف من اشتعالها، إلا أن إطفاؤها بالجريمة يلتهم ويهدد حقوق الآخرين ويقضي على حياتهم الآمنة المستقرة. ومن ثم كان لزاما أن ينال الجاني العقاب الملائم لجريمته؛ حتى يتوب إلى رشده، ويعود إلى صوابه، ويعرف هو ومن شاكله أن له حقوقا محددة، وعليه واجبات محددة، لا يتعداها، وإلا اختل هذا الجهاز الكبير الذي نعيش في رحابه.. فإذا عاد في الإجرام مرة أخرى دل ذلك على أن الإجرام قد تأصل في نفسه، وأنه أصبح عادة وهواية، وبذلك يصبح عضوا فاسدا في المجتمع لا بد من ردعه؛ زجرا للآخرين وحماية للأمة.

стр. 320

ولقد أدرك الفقهاء هذه الحقيقة فشددوا العقوبة في حالة العود إلى الجناية.. فإذا ارتكب شخص جناية قتل عمدا، وموجبها القصاص، ثم عفا عنه ولي الدم.. أو لم يكن ممن استوفوا شروط القصاص، فنجا من هذه العقوبة ثم عاد إلى القتل مرة أخرى.. فإن الفقهاء يرون في هذه الحالة أنه يكون للإمام الحق في نقل العقوبة من دائرة القصاص إلى دائرة الحد؛ أي: أنه يقتل حدا لا قصاصا؛ لأنه بالعود في الجريمة صار من الساعين في الأرض فسادا، وتلك عقوبة أمثالهم كما بينتها آية المحاربة. فقد ذكر الحنفية في الحديث الذي ورد بشأن اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين أن النبي ﷺ قتله حدا لا قصاصا؛ لأنه كان عادته قتل الصبيان، فهو من الساعين في الأرض بالفساد، وكذلك قال أبو حنيفة: إن من خنق رجلاحتى قتله كانت الدية على عاقلته، فإن خنق في المصر غير مرة قتل به؛ لأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد، فيدفع شره بالقتل ... وكذلك قال أبو حنيفة فيمن اعتاد اللواط -ورأيه أن عقوبته التعزير أول الأمر- يقتله الإمام محصنا كان أو غير محصن سياسة١. وكذلك قال الإمامية: إذا اعتاد الحر قتل الأرقاء، كانوا ملكا له أم لا، أو اعتاد مسلم قتل غير المسلمين "والمذهب عندهم عدم قتل الحر بالعبد والمسلم بغير المسلم، على خلاف ما رجحنا" أنهما يقتلان، وقد اعتمدوا في هذا القول على ما ورد عن الصادق "ع" عند سؤاله عمن يتعود قتل غير المسلمين قال: "يقتل وهو صاغر، وأنه مفسد في الأرض بارتكاب قتل من حرم الله قتله"٢.
следующие страницы →