← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9980

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

حسن علي الشاذلي

Полный текст (467 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الفرع الثالث: جرائم أدرجها بعض الفقهاء في جريمة المحاربة: حدد الفقهاء جريمة المحاربة على النهج الذي أوضحناه آنفا؛ لكننا نبرز هنا بعض الجرائم ذات الصبغة الخاصة التي قد تميزها عن جرائم المحاربة، والتي رأى بعض الفقهاء أن آية المحاربة تتناولها لشدة خطورتها على المجتمع وخالفه في هذا غيرهم، ومنها القتل غيلة، واقتران جريمة المحاربة بجريمة أخرى، وقتل الإمام، والعود في الجريمة. القتل غيلة: الغيلة -بكسر الغين- لغة: هي الاغتيال، يقال: قتله غيلة -بالكسر- وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه. واصطلاحا: هي أن يخدع الجاني المجني عليه بأي وسيلة من وسائل الخداع ليقتله أو يأخذ ماله أو يهتك عرضه. ولقد ذكر الفقهاء عدة وسائل للخداع بعضها يعتمد على فعل مادي يجعل المجني عليه غير قادر على الاستعانة أو المقاومة، إما لأن الفعل قاتل بطبيعته ولا يمكن للمجني عليه أن يدركه أو يلحظه كما في السم، أو لأنه غير قاتل بطبيعته ولكنه يسهل ارتكاب الجناية، كما لو أسقاه شرابا مسكرًا ثم قتله، أو اعتمد الجاني على مهارته وثقة الغير فيه ثم اتخذ من هذا الستار منفذا لاستدراج الضحايا إلى حيث يريد من الأماكن المهيأة لجريمة القتل١. وللفقهاء فيما يوجبه القتل غيلة رأيان:

стр. 317

الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية والإمامية" أن القتل غيلة وغيره سواء في إيجاب القصاص وصحة عفو الولي أو صلحه؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وقول النبي ﷺ : "فأهله بين خيرتين"، لأنه قتيل في غير محاربة، فكان أمره إلى وليه كسائر القتلى. الرأي الثاني: يرى المالكية وابن تيمية من الحنابلة أن القتل غيلة يوجب الحد لا القصاص، فلا يشترط فيه ما يشترط عندهم في القصاص، فيقتل المؤمن بالكافر، والحر بالعبد؛ لأن القاتل غيلة بمنزلة المحارب؛ لأنه خدعه وغشه ليرتكب جنايته على وجه لا يمكن معه الغوث، كما لو أسقاه سما، أو أسكره، أو استدرجه إلى مكان ملائم لتنفيذ جنايته، ففي كل هذه الحالات

стр. 318

وما شابهها لا يتمكن المجني عليه من الاستغاثة، فيكون الجاني محاربا أو كالمحارب..، أيضا احتجوا بقول عمر بن الخطاب ﵁ في الذي قتل غيلة: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به"، فقد نسب تنفيذ العقوبة إلى نفسه، لا إلى ولي الدم، وهذا يدل على أنه جعل عقوبتهم الحد لا القصاص. وبهذا يتبين لنا أن المذهب المالكي ومن وافقه من الفقهاء يفرق في جريمة القتل العمد بين حالتين: حالة القتل التي تتم إثر ضغينة أو ثورة، فيجعل عقوبتها القصاص، وبين حالة القتل أو أخذ المال أو هتك العرض إذا ارتكبت هذه الجناية بحيث لا يمكن معها الغوث؛ بسبب منعة الجاني، أو بسب غش وخداع يجعل المجني عليه لا يتمكن من الغوث، ففي هذه الحالة تكون عقوبة الجريمة الحد لا القصاص، أي أن المذهب جعل هذا الظرف من الظروف المشددة للعقوبة. ويتضح لنا من الصور التي ذكرها الفقهاء للقتل غيلة أنه قد توافر فيها قصد الجاني قتل النفس، أو هتك العرض، أو أخذ المال، وفي سبيل الوصول إلى جنايته بسهولة ويسر دبر كيفية التنفيذ؛ بحيث لا يتنبه إليه أحد، سواء كان المجني عليه أو غيره، فقدم إليه السم، أو المسكر، أو استدرجه إلى مكان ملائم لتنفيذ الجريمة، كل هذا يدل على أن الجاني مجرم عريق في إجرامه، وأنه قد فكر ودبر قبل الإقدام على جنايته، وأنه يرتكب جنايته وهو هادئ النفس، لم تثره ثائرة، ولم تدفعه إليها أحقاد أو ضغائن يمكن إدراك المجني عليه لها، بدليل أن المجني عليه تناول ما قدمه له من طعام أو شراب مسموم، أو مادة مسكرة، أو سار معه إلى حيث يريد من الأماكن وهو مطمئن إليه تمام الاطمئنان، ولو أن المجني عليه راوده شك في أن هذا الشخص كان يبغي به شرا لما طاوعه في كل ذلك. فالجاني في هذه الصور يعتبر محاربا مفسدا في الأرض يستحق أن تطبق

стр. 319

عليه عقوبة المحاربين حتى يرتدع غيره ويزدجر، ويأمن الناس في غدوهم ورواحهم على أنفسهم وأموالهم١. ب- العود في القتل: ينظر الفقهاء إلى من يعود في جريمته نظرة أشد؛ إدراكا منهم إلى أن الجريمة أمر يتنافى والسلوك السوي للفرد؛ إذ هي بطبيعتها أمر غير مرغوب فيه، ينفر منه الفرد كما ينفر منه المجتمع، فإذا أقدم إنسان على جريمة كان ذلك دليلا على ما يعانيه من صراع نفسي وفكري وعقلي نتيجة عدم وصوله إلى ما كان يهدف إليه من أغراض مشروعة أو غير مشروعة، فتحول بسبب ذلك من دائرة السلوك السوي إلى دائرة السلوك الإجرامي، عساه يطفئ بالإجرام جذوة هذا الصراع المتقدة أو يخفف من اشتعالها، إلا أن إطفاؤها بالجريمة يلتهم ويهدد حقوق الآخرين ويقضي على حياتهم الآمنة المستقرة. ومن ثم كان لزاما أن ينال الجاني العقاب الملائم لجريمته؛ حتى يتوب إلى رشده، ويعود إلى صوابه، ويعرف هو ومن شاكله أن له حقوقا محددة، وعليه واجبات محددة، لا يتعداها، وإلا اختل هذا الجهاز الكبير الذي نعيش في رحابه.. فإذا عاد في الإجرام مرة أخرى دل ذلك على أن الإجرام قد تأصل في نفسه، وأنه أصبح عادة وهواية، وبذلك يصبح عضوا فاسدا في المجتمع لا بد من ردعه؛ زجرا للآخرين وحماية للأمة.

стр. 320

ولقد أدرك الفقهاء هذه الحقيقة فشددوا العقوبة في حالة العود إلى الجناية.. فإذا ارتكب شخص جناية قتل عمدا، وموجبها القصاص، ثم عفا عنه ولي الدم.. أو لم يكن ممن استوفوا شروط القصاص، فنجا من هذه العقوبة ثم عاد إلى القتل مرة أخرى.. فإن الفقهاء يرون في هذه الحالة أنه يكون للإمام الحق في نقل العقوبة من دائرة القصاص إلى دائرة الحد؛ أي: أنه يقتل حدا لا قصاصا؛ لأنه بالعود في الجريمة صار من الساعين في الأرض فسادا، وتلك عقوبة أمثالهم كما بينتها آية المحاربة. فقد ذكر الحنفية في الحديث الذي ورد بشأن اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين أن النبي ﷺ قتله حدا لا قصاصا؛ لأنه كان عادته قتل الصبيان، فهو من الساعين في الأرض بالفساد، وكذلك قال أبو حنيفة: إن من خنق رجلاحتى قتله كانت الدية على عاقلته، فإن خنق في المصر غير مرة قتل به؛ لأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد، فيدفع شره بالقتل ... وكذلك قال أبو حنيفة فيمن اعتاد اللواط -ورأيه أن عقوبته التعزير أول الأمر- يقتله الإمام محصنا كان أو غير محصن سياسة١. وكذلك قال الإمامية: إذا اعتاد الحر قتل الأرقاء، كانوا ملكا له أم لا، أو اعتاد مسلم قتل غير المسلمين "والمذهب عندهم عدم قتل الحر بالعبد والمسلم بغير المسلم، على خلاف ما رجحنا" أنهما يقتلان، وقد اعتمدوا في هذا القول على ما ورد عن الصادق "ع" عند سؤاله عمن يتعود قتل غير المسلمين قال: "يقتل وهو صاغر، وأنه مفسد في الأرض بارتكاب قتل من حرم الله قتله"٢.

стр. 321

العود في الجرائم: كما جاء في الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٥٩ ومثلها للماوردي: أنه يجوز للأمير فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجر عنها بالحدود أن يستديم حبسه إذا استضر الناس بجرائمه حتى يموت، بعد أن يقوم بقوته وكسوته من بيت المال؛ ليدفع ضرره عن الناس وإن لم يكن ذلك للقضاة. ج- قتل الإمام: لما كان للإمام صفتان: صفة شخصية باعتباره فردا من أفراد الدولة، وصفة اجتماعية باعتباره إمام المسلمين؛ فقد اختلف الفقهاء فيما يوجبه قتله عمدا؛ كقتلة علي وقتلة عثمان ﵄ فيرى الإمام أحمد في رواية عنه وبعض الفقهاء أن عقوبة قاتل الإمام القصاص، بناء على هذا يكون حق المطالبة باستيفاء القصاص لولي الدم ... وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد وهو قول بعض الفقهاء: أن قاتل الإمام يعتبر محاربًا؛ لأن في قتله فسادا، فتطبق عليه عقوبة المحاربين١، هذا ما نؤيده.

стр. 322

د- اقتران جريمة المحاربة بجريمة أخرى: اعتبر الفقه الإسلامي أن ترويع المواطنين، وإزعاجهم، وبث الرعب في نفوسهم بإظهار الشوكة والمنعة والقوة للنيل من أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، أو بخداع وغش كما قال المالكية -محاربة لله ولرسوله، فهو في حد ذاته جريمة، يستحق فاعلها العقاب، وهو النفي من الأرض، ولكن إذا اقترن بها جريمة أخرى؛ كقتل نفس بغير حق، أو أخذ مال محترم معصوم، أو هتك عرض.. ففي هذه الحالة تشدد العقوبة، وتشديدها يظهر في الاختلاف بين عقوبة القتل عمدا وعقوبة القتل حرابة، ففي الأولى القصاص، وفي الثانية القتل حدا، وبين عقوبة السارق وعقوبة المحارب الآخذ للمال، ففي الأول قطع اليد اليمنى وفي الثانية قطع اليد والرجل من خلاف، وبين عقوبة الزاني وعقوبة الزاني المحارب، ففي الأولى الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وفي الثانية يقتل محصنا كان أو غير محصن، وسيأتي إيضاح آراء العلماء في عقوبة المحاربين١.

стр. 323

الفرع الرابع: عقوبة جريمة المحاربة: حددت آية المحاربة عقوبة جريمة المحاربة١ والإفساد في الأرض، ونوضح فيما يلي آراء الفقهاء في عقوبة المحارب، فمعنى النفي من الأرض، ثم أثر توبة المحارب على الجنايات التي ارتكبها، وعلى العقوبة: أولا: آراء الفقهاء في عقوبة المحارب: للفقهاء رأيان في العقوبة التي توقع على المحاربين والمفسدين في الأرض، وسبب الخلاف أن "أو" الواردة في الآية بين كل عقوبة والتي بعدها: هل هي للتخيير أم للترتيب؟ الرأي الأول: يرى بعض الفقهاء "الحنفية والشافعية والحنابلة، والزيدية، وعطاء الخراساني" أن عقوبة المحارب توقع عليه بقدر فعله؛ أي: أن العقوبات مرتبة حسب الجناية؛ إذ المحارب إما أن يروع الآمنين فقط، أو يأخذ مالا فقط، أو يقتل ويأخذ المال. فإن روع الآمنين فقط نُفي من الأرض "وسيأتي بيان معنى نفيه". وإن قتل فقط قتل حدا لا قصاصا، سواء كان المقتول مسلما أم ذميا. وإن أخذ المال فقط قطعت يده ورجله من خلاف، يده اليمنى جزاء أخذ المال، ورجله اليسرى جزاء حرابته، سواء كان المال لمسلم أم ذمي، وقد اشترط للقطع أن يخص كل واحد منهم مقدار النصاب، وقيل: لا يشترط.

стр. 324

وإن قتل وأخذ المال اختلف الفقهاء في عقوبته؛ فيرى الشافعية والحنابلة والزيدية قتله ثم صلبه، ويرى الحنفية أن الإمام مخير بين أن يقطع يده ورجله من خلاف، ثم يقتل ويصلب، وبين أن يقتل فقط، وبين أن يصلب، ويرى محمد -صاحب أبي حنيفة- أن الإمام مخير بين أن يقتل أو يصلب ولا يقطع، كما روي عن أبي يوسف والأوزاعي: أنه يصلب أولا ثم يقتل، ولا يقطع؛ لأن القتل يأتي على كل شيء، وحكي عن الشافعي قوله: "أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله ﷺ عن المثلة". الرأي الثاني: يرى المالكية والإمامية والظاهرية، وروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والحسن وعطاء بن أبي رباح، والضحاك والنخعي: أن الإمام مخير في الحكم على المحاربين بأي حكم من الأحكام التي أوجبها الله تعالى في آية المحاربة، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا؛ وذلك لأن "أو" في الآية للتخيير، قال ابن عباس: ما كان في القرآن "أو" فصاحبه بالخيار، وقال النحاس: "إن هذا القول أشعر بظاهر الآية، فإن أهل القول الأول الذين قالوا: إن "أو" للترتيب -وإن اختلفوا- فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون على المحارب حدين، فيقولون: يقتل ويصلب، ويقول بعضهم: يصلب ويقتل، ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله وينفى ... وليس كذلك الآية، ولا معنى "أو" في اللغة. وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يدل على أن الفساد في الأرض بمنزلة قتل النفس من حيث وجوب قتله، والمحاربون مفسدون في الأرض بخروجهم وامتناعهم وإخافتهم السبيل وإن لم يأخذوا مالا ولم يقتلوا.

стр. 325

وقد ذكر أصحاب الرأي الأول أن قتل المحارب الذي لم يقتل منفي بقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس". وقد أجيب عن هذا بأنه قد روي عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، ورجل قتل رجلا فقتل به، ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض". محل الخيار للإمام: بين أصحاب هذا الرأي محل الخيار للإمام إذا لم يصدر من المحارب قتل، أما أن صدر منه قتل فإنه يقتل وجوبا، ولو كان الشخص المقتول كافرا، أو عبدا، أو كان للمحارب، عفا الولي أم لم يعفُ. الخيار أساسه تحقيق المصلحة: الخيار الذي أعطي للإمام في توقيع أي عقوبة من هذه العقوبات على المحارب ليس حقا مطلقا للإمام يرى فيه ما يرى؛ وإنما هذا الخيار مرده إلى تحقيق المصلحة العامة، فإذا كانت المصلحة تحتم توقيع إحدى العقوبات لم يكن للإمام مخالفتها، ولا توقيع غيرها، فهو خيار في أول الأمر؛ ولكنه إيجاب لإحدى العقوبات التي توجبها المصلحة في نهاية الأمر. الترجيح: ونرجح الأخذ بالرأي الثاني لرجحان أدلته، ولأنه يحقق المصلحة العامة؛ إذ إنه يمكن للدولة من تحديد العقوبة التي تلائم هذه الطائفة من

стр. 326

المفسدين طبقا للظروف المحيطة بهم في كل عصر وفي كل مكان، قتلا كانت أم صلبا، أم قطعا، أم حبسا، فقد تكون عقوبة ما تناسب مجرما في وقت معين أو مكان محدد، ولا تناسب مجرما آخر في وقت آخر أو مكان آخر؛ إذ إن الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية لها أثر بالغ في تكييف العقوبة وتحديدها؛ بحيث تحدث الأثر المقصود من شرعية العقوبة، وهو ردع المجرمين وزجر الآخرين عن ارتكاب مثل هذا العمل؛ لكي يسود الأمن، وتطمئن النفوس، كما أن عقوبة ما قد تناسب جرما ما في زمان معين أو مكان معين، ولا تناسب نفس الجرم في زمان آخر أو مكان آخر، فجعل ذلك في يد الإمام مقيدا بالمصلحة يفتح الباب لتكييف الجرم وعقوبته في كل زمان ومكان في حدود ما نصت عليه الآية الكريمة بما يحقق الحكمة من شرعية العقوبة. ثانيا: معنى النفي من الأرض: بينت آية المحاربة أن إحدى العقوبات التي توقع على المحاربين هي النفي من الأرض، ولقد اختلف الفقهاء في تفسيره، فيروى عن ابن عباس والحسن والزهري: أن النفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلدا١، ويروى عن ابن عباس أيضا: أنه ينفى من بلده إلى بلد آخر كنفي الزاني، وقال مالك: ينفى من البلد الذي ارتكب في جنايته إلى بلد آخر، يحبس فيه كالزاني، وقال الحنفية٢ وهو رواية عن إبراهيم

стр. 327

النخعي: النفي هو السجن في المكان الذي يراه الإمام؛ لأن النفي من جميع الأرض محال، وكذلك نفيه إلى دار الحرب يؤدي إلى ردته وصيرورته حربا على دار الإسلام، فيكون المراد بالنفي حبسه في البلد الذي يراه الإمام، وهو نفي أيضا؛ لأنه نفي من سَعَة الدنيا إلى ضيقها، نفي من الأرض إلا من موضع سجنه، ولقد قال بعض أهل السجون في هذا المعنى: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا قلنا جاء هذا من الدنيا وقد حكى مكحول أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أول من حبس في السجون، وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم، وهذا ما نرجحه. ثالثا: أثر التوبة على العقوبة: أعطت الشريعة الإسلامية للمحاربين والمفسدين في الأرض فرصة يتمكنون بها من الخلاص من عقوبة جريمة المحاربة، وتتمثل هذه الفرصة في توبتهم قبل القدرة عليهم، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فقد بينت الآية أن العقوبة تسقط عن المحارب إذا تاب، وكانت توبته قبل القدرة عليه؛ أي: قبل التمكن من القبض عليه، والمقصود بالتوبة رجوعه عما فعل وإقراره بخطيئته وندمه عليها وعزمه على ألا يفعل مثلها في المستقبل ورد الحقوق إلى أصحابها، فإذا كانت التوبة على هذا النحو كانت دليلا على عدول المجرم عن سلوكه الإجرامي، وتفاعله مع المجتمع الذي يعيش فيه واندماجه معه في البحث عن الرزق بالوسائل المشروعة، والوصول إلى الغايات بالطرق المباحة، خاصة وأن هذه التوبة قد تمت قبل القبض عليه،

стр. 328

أي: قبل أن تكون التوبة مشوبة برغبة في الخلاص من عقوبة وشيكة الوقوع والإفلات من تنفيذها؛ أي: بعد القدرة عليه، فإن تنفيذ العقوبة المقررة أصبح واجبا على الجميع، لاحقا لله تعالى لا يملك أحد إسقاطه أو العفو عنه، فإذا تاب حينئذ كانت توبته نابعة من الخوف من العقوبة، وليست نابعة من تحول في السلوك أو تعديل في مجراه؛ أي: أن الدوافع إليها ليست دوافع منبثقة عن اقتناع ذاتي بخطأ هذا المسلك الإجرامي الذي سلكه، وتعديل له بالاتجاه في الطريق الصحيح؛ ولذلك لم يجعل المشرع لهذه التوبة الحادثة بعد القبض عليه أثرا في إسقاط العقوبة؛ لأن المستثنى من العقوبة هو التائب قبل القدرة عليه، أما في غير هذه الحالة فإن الحكم باقٍ في حق الكل، والمشرع الحكيم بفتح هذا الباب يتيح للجناة فرصة العودة إلى الحياة الطبيعية بكل نعيمها واطمئنانها دون أي شائبة، والابتعاد عن التمادي في الإجرام وموالاته، وبذلك تقل الجرائم ويتوب المجرمون إلى رشدهم، إلا أن أثر هذه التوبة يظهر بالنسبة لبعض الحقوق دون بعضها الآخر. أثر هذه التوبة على الحقوق: عرفنا أن الحقوق باعتبار كون نفعها عاما أو خاصا قسمان رئيسيان: حق الله تعالى: وهو ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد، فينسب إلى الله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه، ويندرج تحت هذا القسم من العقوبات الحدود، ومنها حد الحرابة. وحق العبد: وهو الذي تتعلق به مصلحة خاصة للعبد، ويندرج تحت هذا القسم القصاص وضمان الأموال، فإذا تاب المحارب قبل القدرة عليه فقد أفتى الفقهاء على إسقاط عقوبة المحاربة عنه قتلا أم صلبا أم قطعا أم حبسا؛ لأنها حق لله تعالى، وقد بين في الآية أن التائبين قبل القدرة عليهم مستثنون من هذه العقوبة كما قال جمهور

стр. 329

للفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية"١ أن حقوق العباد لا تؤثر التوبة في إسقاطها؛ بل يؤخذون بها، فيكون لولي الدم حق استيفاء القصاص -أو العفو- إن قتلوا أو جرحوا، وغرموا المال والدية فيما ليس فيه قصاص، ولصاحب المال أخذ عين ماله إن كان قائما، وتضمينه إن كان هالكا، وله أن يتنازل عنه، ويلاحظ في كل حالة القواعد الأساسية لاستيفاء هذا الحق، فيلاحظ مثلا في القتل كونه عمدا أو شبه عمد أو خطأ، وكون

стр. 330

الآلة المستعملة في الجناية قاتلة قطعا أو غالبا أو نادرا، وكون الجاني مكلفا أو غير مكلف، أبا للمجني عليه أو غير أب، إلى ما فصلناه فيما تقدم في أركان الجريمة العمد، وشروط استيفاء القصاص. وكذلك الأمر بالنسبة للجراح لا بد من التحقق من كونه عمدا أم خطأ، وكون الجرح من الجراح التي يقتص منها أو لا يقتص منها؛ أي: أن حقوق العباد يرجع في أحكامها إلى قواعدها الأساسية، كما لو لم تكن جريمة المحاربة موجودة إطلاقا، ومعنى هذا أن المشرع الحكيم قد رفع عن الجاني التائب قبل القدرة عليه الآثار المترتبة على الظروف المشددة التي أحاطت بالجريمة فنقلتها من دائرة حقوق العباد إلى دائرة حقوق الله تعالى، وبذلك عادت الجريمة إلى دائرة الجريمة العادية؛ أي: إلى مجموعة الجرائم التي منح المشرع الحكيم للعبد فيها سلطانا، وإذا عادت الجريمة إلى حالتها الأولى عدنا إلى تكييف الجناية حسب القواعد المقررة لها، فإذا تم تكييفها ترتب على ذلك منح صاحب الحق كل الحقوق التي قررها المشرع لكل من يعتدي على حقه بهذه الكيفية. وبهذا يتبين لنا أن هذه التوبة ليست عفوا شاملا لكل آثار الجريمة؛ ولكنها عفو عن بعض آثارها، وهو الجانب الذي يتعلق به حق العامة، وليس معنى هذا أن القصاص لا يتعلق به حق العامة، بل يتعلق به، ولكن

стр. 331

غلب المشرع فيه حق العبد في الأحوال العادية؛ حيث جعل له حق العفو عنه أو الصلح، أما إذا كان الجاني خطرا على المجتمع، فإنه يتغلب حينئذ حق الله، فإن قتل قتل، حتى وإن عفا عنه ولي الدم. النوع الثاني: الدية: عرفنا مما تقدم أن القتل العمد قد يكون موجبه القصاص أو الدية، فالدية أحد موجبي هذا النوع من القتل، وهي إحدى العقوبات الدنيوية المالية التي شرعت بدلا عن استيفاء القصاص في النفس أو ما دونها، فإذا تم القصاص فلا دية، وإذا لم يتم لسبب من الأسباب المسقطة للقصاص، كما في الظروف المخففة للعقوبة، أو عفو ولي الدم عن القصاص إلى الدية١ -كان الواجب الدية، وما كان بحث الدية يمثل قسما مستقلا في كل جناية عمدا كانت أم شبه عمد أم خطأ، وقعت الجناية على النفس أو على ما دونها، فإننا نتناول هنا بعض الجوانب التي تناسب المقام بإيجاز، فنبين حقيقة الدية فآراء العلماء فيمن يتحملها وأصنافها ومقدارها. أولا: تعريف الدية: الدية لغة: مصدر ودى يدي، كما في "وعد، يعد، عدة" يقال: ودى القاتل المقتول، إذا أعطى ولي الدم المال الذي هو بدل النفس، ويقال

стр. 332

للمال المدفوع: "دية" تسمية للمفعول بالمصدر، كالخلق بمعنى المخلوق، والدية اصطلاحا: اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الآدمي أو على طرف منه، وقد سمي هذا الضمان بالدية؛ لأنها تؤدي عادة إلى المجني عليه أو وليه، وقلما يرجى فيها العفو لعظم حرمة الآدمي. ثانيا: من تجب الدية في ماله وكيفية أدائها: لقد اتفق الفقهاء على أن دية القتل العمد تجب في مال القاتل دون سواه؛ وذلك لما روي عن ابن عباس مرفوعا قال: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا"، ولم يعرف له في الصحابة مخالف فيكون كالإجماع، وكذلك روي عن عمر قال: مضت السُّنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن تشاء، رواه مالك، ولأن الدية بدل متلف، وبدل المتلف يجب على المتلف كقيمة المتاع، وأرش الجناية يجب على الجاني، قال النبي ﷺ : "لا يجني جان إلا على نفسه"، وقال لبعض أصحابه حين رأى معه ابنه: "ولدك هذا؟ " قال: نعم، قال:"أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"، ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني فيجب أن يختص الجاني بضررها كا يختص بنفعها، فإنه لو كسب شيئا كان كسبه له دون غيره، وقد ثبت حكم ذلك في الجنايات والأكساب، وإنما خولف هذا الأصل في قتل الخطأ؛ لأنه معذور، وهو من قبيل المواساة والتعاون بسبب العذر الذي صاحب الجناية -وهو الخطأ- أما القاتل عمدا فإنه غير معذور، فيلزم ألا يواسَى ولا يساعد حتى لا يؤدي هذا إلا تكرار القتل منه، وبذلك يتفشى الفساد. كيفية أدائها: أداء الدية إما أن يكون حالا أو مؤجلا منجما أو غير منجم، وللفقهاء ثلاثة آراء: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية -إذا كانت عن صلح- والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية" أنها تجب في مال القاتل حالة، غير مؤجلة ولا منجمة؛ وذلك لأن ما وجب بالقتل

стр. 333

العمد كان حالا كالقصاص فإنه يجب حالا. الرأي الثاني: يفرق الحنفية بين الدية التي تجب بالصلح فيجعلونها حالة في مال القاتل، وبين التي تجب بسقوط القصاص بشبهة، كما إذا قتل الأب ابنه عمدا، فإنها تجب في مال القاتل في ثلاث سنين، وذلك قياسا على القتل الخطأ وشبه العمد من حيث إن الدية في كل وجبت بنفس القتل، والقتل خطأ أو شبه عمد فيه الدية مؤجلة فكذلك القتل عمدا. الرأي الثالث: يرى الإمامية أن دية العمد يجب أداؤها في سنة واحدة، ولا يجوز تأخيرها عنها بغير رضى المستحق، ولا يجب عليه المبادرة إلى أدائها قبل تمام السنة. ونرى رجحان الرأي الأول -وهو رأي جمهور الفقهاء- لرجحان أدلته، ولأن في تنجيم الدية أو تأجيلها تخفيفها على القاتل عمدا، وهو لا يستحق مثل هذا التخفيف الذي استحقه القاتل خطأ؛ لأن القاتل خطأ واضح العذر، والقاتل شبه عمد أيضا معذور؛ لأن قصد القتل غير متكامل في شبه العمد؛ إذ إنه ضربه بما لا يقتل غالبا، فأفضى هذا الضرب إلى قتله من غير اختيار منه فأشبه الخطأ. ثالثا: أجناس الدية ومقاديرها: لقد وردت الآثار بأجناس من الأموال التي تدفع دية -وهي: الإبل، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والملابس- ولقد اختلف الفقهاء في كون الإبل أصلا في الدية والباقي بدلا عنها، أم أن الكل أصل فيها. أما الإبل: فقد أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية، وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دل على هذا الأحاديث الواردة ومنها حديث عمرو بن حزم الذي فيه: "وإن في النفس الدية مائة من الإبل ... " ١.

стр. 334

أما الذهب والفضة والبقر والغنم والحلل: فقد اختلف الفقهاء في كونها أصلا أو بدلا عن الأصل إلى رأيين: الأول: قال أبو حنيفة: إن الدية من ثلاثة أجناس: الإبل والذهب والفضة، وقال الشافعي في قول له: إن الدية من الإبل بنص الحديث، ومن النقدين "الذهب والفضة" تقويما للإبل؛ إذ إن المتلفات تقوم بالنقدين وما سوى النقدين من البقر والغنم صلحا. الرأي الثاني: يرى جمع من أهل العلم "عمر بن الخطاب، وعطاء، وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة، والثوري وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، والزيدية" أن أصول الدية خمسة: الإبل والذهب والورق "الفضة" والبقر والغنم، وقد استدلوا بما ورد في كتاب عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قال: "وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار"، وما روي عن ابن عباس: أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي -صلى

стр. 335

الله عليه وسلم- ديته اثني عشر ألفا١؛ أي: من الدراهم، وهي من الفضة، وبما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله "ديته" في البقر، على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاء "الغنم" ألفي شاه، رواه الخمسة إلا الترمذي٢، وأضاف بعض الفقهاء أن الدية في الحلل مائتا حلة؛ لما ورد في حديث عطاء بن أبي رباح بأن رسول الله ﷺ فرض على أهل الحلل مائتي حلة، رواه أبو داود. الترجيح: والرأي الثاني أرجح؛ لأن الأحاديث صريحة في جعل الدية من عدة أجناس، طبقا لما اشتهر به أهل كل منطقة، فمن كثرت عندهم الإبل حددت الدية عليهم من جنسها، ومن كثرت عندهم البقر حددت الدية، وكذلك أهل الذهب والفضة، وهذا الرأي يساير جميع البلدان والأزمان، فكل دولة لا يمكن أن تخلو من صنف من هذه الأصناف، وعلى ضوء ذلك يمكن تحديد الدية في كل دولة بسهولة ويسر.

стр. 336

تغليظ دية العمد: لما كان مقدار الدية واحدا، سواء كان القتل عمدا أم شبه عمد أم خطأ، غير أنها في العمد تجب في مال القاتل حالة أو منجمة -على الخلاف الذي ذكرنا- إلا أن الفقهاء قد اختلفوا في تغليظ الدية في القتل العمد وشبه العمد، بالنسبة لجنس واحد من أجناس الدية وهو الإبل إلى رأيين: الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية ورواية عن الإمام أحمد والزهري وربيعة وسليمان بن يسار: أنها أرباع؛ لما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعا: خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض، وهذا ما قاله ابن مسعود أيضا. والرأي الثاني: يرى عطاء ومحمد بن الحسن والشافعية وأحمد -في رواية عنه- وهو مروي عن عمر وزيد وأبي موسى والمغيرة: أنها أثلاث؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم" "رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب"١.

стр. 337

النوع الثالث: الكفارة: من حقوق الله تعالى الكفارة، وهي عقوبة فيها معنى العبادة، وشرعت تكفيرا للمذنب، ومحوا للجرم، وتقربا إلى الله تعالى، وهذا النوع من العقوبة بالنسبة لجريمة القتل جعله الله ماليا أولا، وهو إعتاق رقبة مؤمنة، وعتق هذه الرقبة ملائم للجريمة، ومناسب لتكفير الذنب؛ لأنه لما كان الرق موتا والحرية حياة كان إعتاق الرقبة إحياء لنفس أخرى عوضا عن النفس المقتولة، فإن لم يجد هذه الرقبة لضيق ذات اليد أو لعدم وجودها كان عليه أن يصوم شهرين متتابعين، كما نص على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ١ إلا أنه لما كان النص قد أوجب هذه الكفارة في القتل الخطأ ولم يوجبها في القتل العمد، اختلف الفقهاء في إيجابها في القتل العمد إلا ثلاثة آراء: الرأي الأول: يرى الشافعية والإمامية إيجاب الكفارة في القتل العمد وشبه العمد والخطأ، سواء كان القاتل مكلفا، أو صبيا، أو مجنونا، حرا أو عبدا، مسلما أو ذميا، واحدا أو جماعة، وسواء كان المقتول مسلما أو ذميا، حرا أو عبدا لنفسه أو لغيره، أو جنينا، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والقياس. أما الكتاب: فبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ . وأما السنة: فبخبر واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال: "اعتقوا عنه رقبة يعتق الله

стр. 338

بكل عضو منها عضوا منه من النار" "رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره"١، فالرسول ﵊ قد أمرهم بأن يعتقوا رقبة عن هذا للقاتل الذي استحق النار بالقتل، واستحقاقه للنار لا يكون إلا بالقتل العمد، فدل هذا على إيجاب الكفارة في القتل العمد. وأما القياس: فقالوا: إنها تجب في القتل العمد قياسا على القتل الخطأ؛ لأن الحاجة إلى التكفير في العمد أمس منها إليه في القتل الخطأ؛ لأن الكفارة لستر الذنب، والذنب في العمد أعظم، ومثل العمد القتل شبه العمد. الرأي الثاني: يرى المالكية أن الكفارة تندب للحر المسلم إذا قتل جنينا أو قتل شخصا عمدا ولم يقتل به لعفو أو لعدم مكافأة. الرأي الثالث: يرى الحنفية والحنابلة والزيدية والثوري وأبو ثور: أنه لا تجب الكفارة في القتل العمد، سواء كان موجبا للقصاص أو غير موجب له "خلافا للزيدية في القتل غير الموجب للقصاص"، واستدلوا بالكتاب والقياس. أما الكتاب: فقد بين الله تعالى عقوبة القتل الخطأ بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، كما بين عقوبة القتل العمد بقوله جل شأنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقد خصص الإجماع عقوبة القصاص بالقتل عمدا، فلما كان كل واحد من القتيلين -في العمد والخطأ- مذكورا بعينه ومنصوصا علي حكمه لم يجز لنا أن نتعدى ما نص الله تعالى عليه فيهما؛ إذ إنه لا يجوز قياس المنصوصات بعضها على بعض، فلا يصح أن نوجب في القتل العمد كفارة قياسا على القتل الخطأ.

стр. 339

وأما القياس: فوجهه أن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة، فلا بد من أن يكون سببها أيضا دائرًا بين الحظر والإباحة؛ لتعلق العبادة بالمباح والعقوبة بالمحظور، وقتل العمد كبيرة محضة، وما كان كبيرة محضة لا يكون سببا لشيء فيه معنى العبادة، فلا تناط به، والكفارة كسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة والربا واليمين الغموس. الرد على أدلة الرأي الأول: كما ردوا على أدلة الرأي الأول فقالوا: إن حديث واثلة يرد عليه بثلاثة ردود؛ أولها: أن قوله: "استجوب النار بالقتل" تأويل من الراوي؛ لأن في بعض رواياته لم يذكر أنه أوجب النار بالقتل، وثانيها: أنه لو أراد كفارة القتل لذكر رقبة مؤمنة، فلما لم يشرط لهم الإيمان في الرقبة دل على أنها ليست من كفارة القتل، وثالثها: أن النبي ﷺ أمرهم بأن يعتقوا عنه رقبة، ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه، وإنما الذي يعتقها هو القاتل بنفسه، وأيضا فإن عتق الغير عن القاتل لا يجزيه عن الكفارة. وأما قولهم: إن الكفارة في العمد أوجب؛ لأنه أغلظ، فقد أجابوا عنه بأن الكفارة في الخطأ ليست مستحقة بالمأثم حتى يعتبر عظم المأثم فيها؛ لأن المخطئ غير آثم، فاعتبار المأثم في هذه الكفارة ساقط، وأيضا فإن تعين الكفارة في الشرع لدفع الذنب الأدنى -وهو الخطأ- لا يدل على تعينها لدفع الذنب الأعلى -وهو العمد- فإن سجود السهو يلزم الساهي ولا يلزم المتعمد، فلا يمكن قياس القتل العمد على القتل الخطأ.

стр. 340

النوع الرابع: الحرمان من الميراث: من العقوبات التي قررتها الشريعة الإسلامية على القاتل عمدا عدوانا الحرمان من الميراث، فمن قتل شخصا حرم من ميراثه؛ لأنه بيده الآثمة قطع ما أمر الله به أن يوصل، فباعتدائه عليه قطع رابطة القرابة التي بها يستحق الميراث، إلا أنه لما كان القتل تارة يكون عمدا، وتارة يكون خطأ.. فقد اختلف الفقهاء في كون هذه الأنواع من القتل مانعة من الميراث كلها أو بعضها خلافا كبيرا، ونرى إرجاء تفصيل آرائهم إلى أن ننتهي من بيان أنواع القتل وعقوباتها، ونفرد للحرمان من الميراث مبحثا مستقلا في نهاية الفصل الثالث الخاص بالقتل خطأ، إلا أننا نشير هنا إلى أن للفقهاء رأيين في حرمان القاتل عمدا عدوانا من الميراث: الرأي الأول: حكي عن سعيد بن المسيب وابن جبير أنهما ورثاه من تركة المجني عليه، هو رأي الخوارج، وقد استدلوا على ذلك بأن آيات المواريث بعمومها تتناول هذا القاتل فيجب العمل بها. الرأي الثاني: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، الزيدية، الإمامية" أنه يحرم من ميراث المجني عليه، وقد استدلوا على ذلك بما روي عن عمر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس للقاتل شيء"، رواه مالك في موطئه وأحمد في مسنده. وقال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلا فإنه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده، فليس للقاتل ميراث" رواه أحمد في مسنده. وقد روي أن عمر أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه القاتل

стр. 341

وكان قد حذفه بسيفه فقتله، واشتهرت القصة بين الصحابة ﵃ ولم تنكر فكان إجماعا. ولأن الوارث ربما استعجل موت مورثه بالقتل المحظور ليأخذ أمواله، وإذا استعجل الإنسان شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، معاملة له بنقيض مقصوده، ولأنا إذا قلنا بالتوريث مع القتل أدى هذا إلى تفشي قتل الورثة مورثيهم، وهو فساد يجب إغلاق بابه؛ لأن الله لا يحب الفساد. وهذا الرأي هو الصحيح لصحة أدلته، قد أخذ به قانون المواريث بجمهورية مصر العربية رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣، وقد نص على ذلك في المادة الخامسة منه.

стр. 342

المبحث الخامس: عقوبة القتل العمد في القانون: جعل القانون عقوبة القتل العمد هي الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة "م ٢٣٤/ ١ع". وإذا اقترن القتل العمد بظروف مشددة كانت عقوبته الإعدام، والظروف المشددة التي أخذ بها المشرع المصري ستة: سبق الإصرار والترصد، والقتل بالسم، واقتران القتل بجناية، وارتباطه بجنحة١، ووقوع القتل أثناء الحرب على الجرحى حتى من الأعداء. ونظرا إلى أننا قد بينا آنفا رأي الفقه الإسلامي في عقوبة القتل العمد، وفي أثر الظروف المخففة للعقوبة والمشددة لها، وذكرنا بعض الجرائم التي قال الفقهاء: إن عقوبتها الحد لا القصاص، وأشرنا آنذاك إلى ما يقابلها في القانون، فلا داعي للإعادة هنا مرة أخرى، إلا أن ما نود الإشارة إليه هنا هو أن الفقه الإسلامي يرى أن موجب القتل العمد القصاص عينا، أو أحد أمرين القصاص أو الدية، كما سبق أن بينا بجانب العقوبات الأخرى كالكفارة -عند من يقول بها- والحرمان من الميراث. أي: أن القتل العمد المحض المجرد عن أية ظروف أخرى إذا كان عدوانا يوجب القصاص في الفقه الإسلامي، إلا أن القصاص يمكن أن يسقط بعفو ولي الدم.. فإن عفا سقط القصاص إلى الدية إن أراد، بل له أيضا أن يعفو عن الدية.. ولكن العقوبات الأخرى تظل قائمة، ومن هنا يفترق الفقه الإسلامي عن القانون، فالقانون يرى في هذه الحالة أن العقوبة هي الأشغال

стр. 343

الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، بينما يرى الفقه الإسلامي أن عقوبته هي القصاص الذي يكون لصاحبه الحق في العفو عنه، على التفصيل الذي بيناه. ولا شك أن رأي الفقه الإسلامي أنجع في علاج الجرائم من علاج القانون؛ وذلك لأن السجن عقوبة لا تلائم نوع الجناية التي ارتكبت، فإن الجناية أفظع وأشد، إنها قتل نفس بغير حق، فإذا أوجبنا فيها هذه العقوبة ما كان ذلك محققا لعدالة العقاب؛ وبالتالي لا يشفى غليل أهل المجني عليه، ومن هنا يتكاثر ارتكاب الجرائم ويتفشى. وهذا ما عالجته الشريعة الإسلامية، فمن حيث عدالة العقاب أوجبت القصاص حتى يذوق الجاني نفس الكأس الذي أذاقه لغيره، ويتجرع المرارة التي جرعها لغيره، ولا شك أن هذا المسلك في العقوبة أكثر ردعا وزجرا؛ إذ به تتحقق الحياة لنفوس كثيرة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ . ومن حيث شفاء غليل أهل المجني عليه جعل المشرع الحكيم لهم الحق في استيفاء القصاص أو العفو عنه إلى الدية أو مجانا، أما العقوبات الأخرى فإنها لا تتعلق على رضاهم، وهذا المسلك هو خير طريق لإزالة الأحقاد من النفوس، وجعل الجروح تندمل على خلايا صحيحة، فإنهم إن عفو عنه إلى الدية كان منة وفضلا يطوق عنق الجاني وأهله طيلة حياتهم، وإن عفوا عن الدية أيضا كانت المنة أكثر والفضل مضاعفا ... وكأن الجاني في حقيقة الأمر قد ولد من جديد، وكأن أهله هم أهل المجني عليه.. إذن فالعقوبة في الشريعة الإسلامية قد روعي فيها جانب العدالة مع جانب الرحمة والرأفة، مع جانب تنمية العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية بين الناس جميعا في آن واحد.. فمن استوفى حقه كان غير ملام؛ لأن هذا المنطق هو منطق العدل، ومن عفا كان متفضلا مشكورا، والمتفضل له أجره في الدنيا والآخرة، وبهذا المسلك الخالد في وضع العقوبة تزول الرواسب التي تفسد العلاقة بين الجاني وأهله والمجني وأهله، وبذلك يتم أفضل لقاء وأعدل علاج.. إلا أنه مع هذا فإن الشريعة الإسلامية جعلت للدولة -ممثلة في الإمام- حقا آخر تباشره قِبَل القاتل الذي

стр. 344

عفا عنه ولي الدم.. وهذا الحق يجعله الفقه في صورتين؛ الأولى: صورة من كانوا خطرا على المجتمع، وهؤلاء للدولة أن توقع عليهم عقوبة القتل، عفا عنهم أولياء الدم أو لم يعفوا، والصورة الثانية: صورة القتل في الأحوال العادية، وقد بينا فيما سبق أن بعض الفقهاء يرى إيجاب عقوبة أخرى على القاتل، وهي التعزير -وسيأتي بحثه بمشيئة الله تعالى في نهاية هذا الباب- أو جلد مائة وحبس سنة كما قال المالكية. وبهذا يتبين لنا أن الفقه الإسلامي قد عالج ما يترتب على العفو من آثار؛ إذ قد يكون مصدر العفو خوف ولي الدم من الجاني، أو أي اعتبار آخر يؤثر على إرادته، فإذا صدر العفو كان للدولة الحق في إيقاع العقوبة التي تراها ملائمة لكل قاتل حسب ظروفه.

стр. 345

الفصل الثاني: القتل شبه العمد وعقوبته المبحث الأول: آراء الفقهاء في القول بشبه العمد ... الفصل الثاني: القتل شبه العمد وعقوبته: نتناول في هذا الفصل النوع الثاني من الجريمة، وهو "شبه العمد"، ونجعل هذا الفصل في ثلاثة مباحث، نوضح في الأول آراء الفقهاء في إثبات هذا النوع من الجريمة، وفي الثاني أركانها عند القائلين بها، وفي الثالث عقوبتها مع مقارنة ذلك بالقانون. المبحث الأول: آراء الفقهاء في القول بشبه العمد: اختلف الفقهاء في إثبات وصف ثالث لجريمة القتل بجانب وصفها بالعمد والخطأ، وهو الجريمة التي يختلط فيها العمد والخطأ، فلا هي عمد محض، ولا هي خطأ محض، وإنما هي مزيج من العمد والخطأ، كأن يقصد الضرب بآلة لا قتتل عادة -مثل الحجر الصغير والعصا الصغيرة- فإن الضرب مقصود، والقتل غير مقصود؛ لأن مثل هذه الآلة لا تستعمل في القتل ولا تؤدي إليه عادة، ومن هنا وجد الخطأ؛ أي: عدم قصد القتل، فسماها بعض الفقهاء "شبه العمد أو عمد الخطأ أو خطأ العمد" للدلالة على اختلاط الأمرين فيها، ولم يقل بها آخرون، ونبين كلا الرأيين فيما يلي: الرأي الأول: يرى المالكية والزيدية والظاهرية وهو رأي الليث بن سعد والهادي والناصر والمؤيد بالله وأبي طالب: أن الجريمة إما عمد أو خطأ، ولا ثالث لهما، وقد استدلوا على ذلك بأن كتاب الله تعالى لم يرد فيه إلا الخطأ والعمد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ

стр. 346

إِلَى أَهْلِهِ ... ﴾ الآية، وقال جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية١، وإذا كان كتاب الله تعالى لم يرد فيه سوى هذين النوعين، فلا يكون هناك نوع ثالث. الرأي الثاني: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية ورواية عن الإمام مالك والشافعية والحنابلة والإمامية، وهو المروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وإليه ذهب زيد بن علي والأوزاعي والثوري والشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثوري وإسحاق وأبو ثور"٢ أن الجناية ثلاثة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وقد استدلوا على إثبات جريمة شبه العمد بالسنة والإجماع. أما السنة: ١-فبما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة، ولا حمل سلاح" رواه أحمد وأبو داود٣. ٢- وما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" رواه الخمسة إلا الترمذي٤، ولهم من حديث ابن عمر مثله.

стр. 347

فقد دل الحديثان على أن هناك نوعا من جرائم القتل يسمى شبه عمد، وهو ما كان ناتجا عن آلة لا تقتل غالبا كالسوط أو العصا، وأن عقوبته هي الدية لا القصاص، وأن هذه الدية مغلظة مثل دية القتل العمد، وليست كدية القتل خطأ، وبذلك تكون السنة قد جاءت ببيان حكم القتل شبه العمد، بجانب ما أثبته كتاب الله تعالى من بيان حكم القتل عمدا والقتل خطأ. وأما الإجماع: فقد نقل السرخسي في مبسوطه اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على القول بشبه العمد؛ حيث أوجبوا فيه الدية مغلظة مع اختلافهم في صفة التغليظ، وسيأتي بيان ذلك في عقوبة شبه العمد. الترجيح: وبهذا يتبين لنا صحة هذا الرأي ورجحانه؛ لأنه من المنطقي عقلا وشرعا أن يكون هناك تفاوت في العقوبة بين جريمة من يتعمد القتل بأسبابه التي تؤدي إليه قطعا أو غالبا، وبين جريمة من يقصد الضرب لا القتل بأسباب لا تؤدي إلى القتل قطعا أو غالبا؛ إذ الأول أخطر فيجب أن يردع، وردعه يكون من جنس فعله الذي قصده، أما الثاني فإن خطره محدود جدا؛ لأنه ما كان يقصد القتل، وإنما حدث القتل خروجا عن المعتاد والمألوف، فكان من الواجب أن تكون عقوبته متكافئة مع قصده، وخير مقياس لهذه المكافأة بين جريمته وعقوبته هو ما وضعه الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- من إسقاط القصاص منه وتغليظ الدية عليه، وما يتبع ذلك من عقوبات أخرى -سيأتي إيضاحها- لأنه قصد الضرب عدوانا.. وقد صحح الإمام القرطبي هذا الرأي قائلا: "هو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أهلها، فلا تسبتاح إلا بأمر بين لا إشكال فيه، وهذا -أي شبه العمد- فيه إشكال؛ لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير قصد فيسقط القود وتغلظ الدية، وبمثل هذا جاءت السنة".

стр. 348

المبحث الثاني: أركان جريمة شبه العمد: إن ما سبق أن قررناه في أركان جريمة القتل العمد يغنينا١ عن العودة إلى بيان هذه الأركان؛ إذ إن الجريمتين يشتركان في أنه لا بد أن يكون الاعتداء واقعا على إنسان حي، معصوم الدم، معين "عند الجمهور"، وأن يكون الفعل الذي أدى إلى القتل مقصودا، مباشرة كان أم تسبيبا "عند الجمهور". أما كون الفعل قد قصد به الاعتداء أو قصد به التأديب والتهذيب، فقد بينا بالتفصيل آراء الفقهاء فيما يكون منه عمدا وما يكون شبه عمد -فلا داعي لإعادته٢- والذي نحب أن نبرزه هنا هو أن مصدر اختلاف الفقهاء في اعتبار بعض الأفعال التي تؤدي إلى القتل عمدا، وبعضها شبه عمد، فهم في بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب، وشدة احتياط، خوفًا من إيجاب القصاص في قتل لا يتوافر فيه قصد القتل، وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لذلك كان للفقهاء رأيان نعرضهما فيما يلي: الرأي الأول: يرى الإمام أبو حنيفة والحسن البصري والشعبي والنخعي

стр. 349

أن شبه العمد هو أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجرى مجرى السلاح، سواء كان الهلاك به غالبا كالعصا الكبيرة، أم لم يكن كالعصا الصغيرة، وقد احتجوا على ذلك بالسنة: ١- منها قوله ﷺ : "ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا" "تقدم نصه آنفا" فقد جعل الحديث قتيل السوط والعصا مطلقا شبه عمد، فلم يفرق بين العصا الصغيرة والكبيرة، فتخصيص شبه العمد بالعصا الصغيرة إبطال للإطلاق، وهو لا يجوز، ولأن العصا الكبيرة والصغيرة تساويا في كونهما غير موضوعتين للقتل ولا مستعملتين له؛ إذ لا يمكن الاستعمال على غرة من المقصود قتله، وبالاستعمال على غرة يحصل القتل غالبا، وإذا تساويا والقتل بالعصا الصغيرة شبه عمد، فكذا القتل بالكبيرة يكون شبه عمد. ٢- ومنها ما روي عن أبي هريرة قال: اقتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر قتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى "أن دية جنينها غرة -عبد أو وليدة- وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه" "متفق عليه"، فقد دل الحديث على أن القتل بالمثقل -كالحجر ونحوه- يكون شبه عمد فيه الدية، وليس فيه قصاص. ٣- ومنها ما أخرجه البيهقي من حديث النعمان بن بشير مرفوعا: "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش"، وفي لفظ: "كل شيء سوى الحديدة خطأ، وكل خطأ أرش". الرأي الثاني: يرى جمهور الفقهاء "أبو يوسف ومحمد، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، الإمامية" التفريق بين ما يقتل غالبا -كالعصا والحجر الكبيرين- وبين ما لا يقتل إلا نادرًا -كالعصا والحجر الصغيرين-

стр. 350

فالأول يكون القتل به عمدا، والثاني يكون شبه عمد، وقد استدلوا بالكتاب والسنة والقياس: أما الكتاب: فإن الأدلة الكلية القاضية بوجوب القصاص من الكتاب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وردت مطلقة غير مقيدة بمحدد أو غيره، فتكون كل آلة تؤدي إلى القتل غالبا محددة أو غير محددة موجبة للقصاص ما دام القتل عمدا. أما السنة: فبما روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: إن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فأقر، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين، رواه الجماعة، واللفظ لمسلم، وفي رواية لمسلم: "وأن يهوديا قتل جارية على أوضاح١ لها فقتلها بحجر". وجه الاستدلال: أن هذا اليهودي قد قتل الجارية بحجر، والحجر ليس بمحدد كالسيف ونحوه مما يفرق الأجزاء، بل هو مما يقتل بثقله، فقضى رسول الله ﷺ بقتل اليهودي قصاصا؛ لأنه قتل عمد، ولم يعتبره شبه عمد، فيكون هذا الحديث دليلا على أن القتل بالمثقل يوجب القصاص. وأيضا بما روي عن حمل بن مالك قال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي ﷺ في جنينها

стр. 351

بغرة، وأن تقتل بها،١ رواه الخمسة إلا الترمذي. كما وردت أحاديث تفيد أن القتل بما لا يقتل غالبا يكون شبه عمد فيه الدية، ومنها ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة "الحديث الثاني الذي استدل به أصحاب الرأي الأول"، وما جاء فيه أيضا عن المغيرة بن شعبة قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط، وهي حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية "من بني لحيان، وهو ضرب من هذيل"، قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها. فتبين بذلك أن القتل بحجر صغير أو خشبة صغيرة مثل عمود الفسطاط٢ يكون شبه عمد فيه الدية على العاقلة وليس فيه قصاص؛ لأنه لا يقصد به القتل بحسب الأغلب.

стр. 352

وقد ردوا على أدلة الرأي الأول بما يأتي: ١- أما قولهم بأن الحديث "الأول" لم يفرق بين العصا الصغيرة والكبيرة، فقد رد عليه ابن المعتز قائلا: "إن الحديث حجة عليهم لا لهم؛ وذلك لأن العصا لا يطلق إلا على ما لا يقتل غالبا، ولا تسمى الخشبة الكبيرة عصا، بل جذعا وأسطوانة ونحوهما، وعملها يفوق عمل العصا، فلا يلحق به"، وأيضا يمكننا أن نضيف إلى ذلك أن اقتران السوط بالعصا ينبئ عن المماثلة في الاستعمال، والسوط ليس موضوعا للقتل ولا مما يقتل غالبا. ٢- وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة "الثاني" فقد قالوا: إن الحجر إذا كان صغيرا لا يقصد به القتل غالبا. ٣- وأما الحديث: "كل شيء خطأ إلا السيف" فقد ضعفه أهل الحديث، فقال الشوكاني: "هذا الحديث يدور على جابر الجعفي، وقيس بن الربيع، ولا يحتج بهما، وأيضا هذا الدليل أخص من الدعوى، فإن أبا حنيفة يوجب القصاص بالمحدد، ولو كان حجرا أو خشبا، ويوجبه أيضا بالمنجنيق لكونه معروفا بقتل الناس، وبالإلقاء في النار". الترجيح: والذي نرى رجحانه هو الرأي الثاني؛ وذلك لما استدلوا به، وأما ما ورد في الأحاديث فإنه متفق مع وجهة نظر هذا الرأي، فإن ما جاء في حديث أنس أن يهوديا رض رأس جارية.. يدل على أنه قتلها بمثقل؛ لأن كلمة "رض" تدل على القتل بالمثقل ... ولذلك اقتص منه، والأحاديث الأخرى لا تعارض هذا؛ لأن حديث المرأة التي رمت الأخرى بحجر فقتلتها، يدل على أنها ضربتها بما لا يقتل غالبا، وذلك

стр. 353

لأن الذي يفهم من كونها "رمتها" أي: قذفتها بحجر، وأن الحجر كان صغيرا وإلا لما استطاعت وهي امرأة رميه. وأما حديث المغيرة، وفيه أنها ضربتها بعمود فسطاط، فإنهم قد فسروا هذا العمود بأنه عمود فيه خفة ورشاقة؛ أي: أنه من الميسور حمله ونقله بسهولة، فهو يشبه العصا، والعصا لا تعتبر من المثقل، فالضرب بها لا يكون عمدا، بل شبه عمد فيه الدية لا القصاص بنص الحديث. وأما حديث حمل بن مالك الذي ورد فيه: "وأن تقتل بها" فإن المنذري قال بشأنها: إن هذه الزيادة لم تذكر في غير هذه الرواية، وجميع روايات الحديث في الصحيحين أنه قضى فيها بالدية ... كما بينا آنفا. فهذه لا تقوى على معارضة الروايات الأخرى المتعددة الطرق. فالذي نرجحه هو التفريق بين ما يقتل غالبا وبين ما يقتل نادرا، فالأول يكون القتل به عمدا، والثاني يكون القتل به شبه عمد، أما إذا كان الضرب الذي أدى إلى القتل قد وقع بشيء تافه لا ينسب القتل إليه عادة، فإنه يكون موافقة قدر، كما لو ضربه بحصاة وما أشبهها، لا يوجب قصاصا ولا دية.

стр. 354

المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد المطلب الأول: الجزاء الآخروي ... المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد: للقتل شبه العمد في الفقه الإسلامي عقوبتان: إحداهما أخروية، والثانية دنيوية، ونوضح كلا منهما فيما يأتي، كما نوضح عقوبته في القانون، ثم نقارن بين العقوبتين. المطلب الأول: الجزاء الأخروي: إن الجزاء الأخروي جزاء عادل، يتناسب دائما مع نية الجاني وقصده؛ لأن العمد الصادر من الإنسان قد تصحبه نية -خيرة كانت أم شريرة- وقد لا تصاحبه هذه النية كالعمل الصادر من مخطئ أو نائم، ففي الحالة الثانية لا يكون الإنسان أمام الله -جل وعلا- مسئولا عما صار منه إلا بقدر تفريطه أو عدم احترازه في توقي ما يصدر عنه. أما الحالة الأولى: وهي حالة مصاحبة النية للعمل، فقد قرر الحديث الشريف قاعدة الثواب والعقاب، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... " متفق عليه. فالعمل عند الله مقوم بالنية، وجزاؤه مقدر بها إن خيرا وإن شرا١، فإن كان القاتل قاصدا القتل بآلة لا تقتل إلا نادرًا، وهو القتل شبه العمد، كانت عقوبته الأخروية هي عقوبة القتل العمد، وقد أوضحتها آية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ﴾ كما سبق إيضاحه، وإن لم يكن قاصدا القتل، حتى وإن استعمل آلة قاتلة قطعا وغالبا، فإنه لا يعاقب بعقوبة القتل العمد في الآخرة، وإنما يعاقب بقدر همه إلى الإيذاء، واندفاعه إلى الاعتداء، وإيقاعه ما قصد إيقاعه بنفسه أو بالمجني عليه؛ ولذلك فإننا نقول: إن القتل شبه العمد يوجب عقوبة أخروية بقدر ما صاحب الفعل الجنائي من نية، وتقدير هذا الجزاء موكول إلى المطلع على النوايا والمقاصد، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الذي يضع الموازين القسط ليوم القيامة، جل شأنه وعلا. ولقد صرح فقهاء الحنفية بأن القتل شبه العمد يأثم صاحبه؛ لأنه قد ارتكب أمرا محرما في دينه قاصدا له.

стр. 355

المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي للقتل شبه العمد: للقتل شبه العمل جزاء دنيوي أيضا، وهو جزاء مالي، يتمثل في الدية، والكفارة، والحرمان من الميراث، وقد يكون بدنيا كالتعزير، وللفقهاء آراء في هذه العقوبات نوردها فيما يأتي: النوع الأول: الدية في القتل شبه العمد: عرفنا فيما تقدم الدية، وبينا جنس المال الذي تدفع منه، ومقاديرها، وتغليظها، ونبين هنا آراء الفقهاء فيمن يتحمل دية القتل شبه العمد، وكيفية أدائها.
следующие страницы →