بغرة، وأن تقتل بها،١ رواه الخمسة إلا الترمذي.
كما وردت أحاديث تفيد أن القتل بما لا يقتل غالبا يكون شبه عمد فيه الدية، ومنها ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة "الحديث الثاني الذي استدل به أصحاب الرأي الأول"، وما جاء فيه أيضا عن المغيرة بن شعبة قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط، وهي حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية "من بني لحيان، وهو ضرب من هذيل"، قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها.
فتبين بذلك أن القتل بحجر صغير أو خشبة صغيرة مثل عمود الفسطاط٢ يكون شبه عمد فيه الدية على العاقلة وليس فيه قصاص؛ لأنه لا يقصد به القتل بحسب الأغلب.
стр. 352
وقد ردوا على أدلة الرأي الأول بما يأتي:
١- أما قولهم بأن الحديث "الأول" لم يفرق بين العصا الصغيرة والكبيرة، فقد رد عليه ابن المعتز قائلا: "إن الحديث حجة عليهم لا لهم؛ وذلك لأن العصا لا يطلق إلا على ما لا يقتل غالبا، ولا تسمى الخشبة الكبيرة عصا، بل جذعا وأسطوانة ونحوهما، وعملها يفوق عمل العصا، فلا يلحق به"، وأيضا يمكننا أن نضيف إلى ذلك أن اقتران السوط بالعصا ينبئ عن المماثلة في الاستعمال، والسوط ليس موضوعا للقتل ولا مما يقتل غالبا.
٢- وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة "الثاني" فقد قالوا: إن الحجر إذا كان صغيرا لا يقصد به القتل غالبا.
٣- وأما الحديث: "كل شيء خطأ إلا السيف" فقد ضعفه أهل الحديث، فقال الشوكاني: "هذا الحديث يدور على جابر الجعفي، وقيس بن الربيع، ولا يحتج بهما، وأيضا هذا الدليل أخص من الدعوى، فإن أبا حنيفة يوجب القصاص بالمحدد، ولو كان حجرا أو خشبا، ويوجبه أيضا بالمنجنيق لكونه معروفا بقتل الناس، وبالإلقاء في النار".
الترجيح:
والذي نرى رجحانه هو الرأي الثاني؛ وذلك لما استدلوا به، وأما ما ورد في الأحاديث فإنه متفق مع وجهة نظر هذا الرأي، فإن ما جاء في حديث أنس أن يهوديا رض رأس جارية.. يدل على أنه قتلها بمثقل؛ لأن كلمة "رض" تدل على القتل بالمثقل ... ولذلك اقتص منه، والأحاديث الأخرى لا تعارض هذا؛ لأن حديث المرأة التي رمت الأخرى بحجر فقتلتها، يدل على أنها ضربتها بما لا يقتل غالبا، وذلك
стр. 353
لأن الذي يفهم من كونها "رمتها" أي: قذفتها بحجر، وأن الحجر كان صغيرا وإلا لما استطاعت وهي امرأة رميه.
وأما حديث المغيرة، وفيه أنها ضربتها بعمود فسطاط، فإنهم قد فسروا هذا العمود بأنه عمود فيه خفة ورشاقة؛ أي: أنه من الميسور حمله ونقله بسهولة، فهو يشبه العصا، والعصا لا تعتبر من المثقل، فالضرب بها لا يكون عمدا، بل شبه عمد فيه الدية لا القصاص بنص الحديث.
وأما حديث حمل بن مالك الذي ورد فيه: "وأن تقتل بها" فإن المنذري قال بشأنها: إن هذه الزيادة لم تذكر في غير هذه الرواية، وجميع روايات الحديث في الصحيحين أنه قضى فيها بالدية ... كما بينا آنفا. فهذه لا تقوى على معارضة الروايات الأخرى المتعددة الطرق.
فالذي نرجحه هو التفريق بين ما يقتل غالبا وبين ما يقتل نادرا، فالأول يكون القتل به عمدا، والثاني يكون القتل به شبه عمد، أما إذا كان الضرب الذي أدى إلى القتل قد وقع بشيء تافه لا ينسب القتل إليه عادة، فإنه يكون موافقة قدر، كما لو ضربه بحصاة وما أشبهها، لا يوجب قصاصا ولا دية.
стр. 354
المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد
المطلب الأول: الجزاء الآخروي
...
المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد:
للقتل شبه العمد في الفقه الإسلامي عقوبتان: إحداهما أخروية، والثانية دنيوية، ونوضح كلا منهما فيما يأتي، كما نوضح عقوبته في القانون، ثم نقارن بين العقوبتين.
المطلب الأول: الجزاء الأخروي:
إن الجزاء الأخروي جزاء عادل، يتناسب دائما مع نية الجاني وقصده؛ لأن العمد الصادر من الإنسان قد تصحبه نية -خيرة كانت أم شريرة- وقد لا تصاحبه هذه النية كالعمل الصادر من مخطئ أو نائم، ففي الحالة الثانية لا يكون الإنسان أمام الله -جل وعلا- مسئولا عما صار منه إلا بقدر تفريطه أو عدم احترازه في توقي ما يصدر عنه.
أما الحالة الأولى: وهي حالة مصاحبة النية للعمل، فقد قرر الحديث الشريف قاعدة الثواب والعقاب، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... " متفق عليه.
فالعمل عند الله مقوم بالنية، وجزاؤه مقدر بها إن خيرا وإن شرا١، فإن كان القاتل قاصدا القتل بآلة لا تقتل إلا نادرًا، وهو القتل شبه العمد، كانت عقوبته الأخروية هي عقوبة القتل العمد، وقد أوضحتها آية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ﴾ كما سبق إيضاحه، وإن لم يكن قاصدا القتل، حتى وإن استعمل آلة قاتلة قطعا وغالبا، فإنه لا يعاقب بعقوبة القتل العمد في الآخرة، وإنما يعاقب بقدر همه إلى الإيذاء، واندفاعه إلى الاعتداء، وإيقاعه ما قصد إيقاعه بنفسه أو بالمجني عليه؛ ولذلك فإننا نقول: إن القتل شبه العمد يوجب عقوبة أخروية بقدر ما صاحب الفعل الجنائي من نية، وتقدير هذا الجزاء موكول إلى المطلع على النوايا والمقاصد، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الذي يضع الموازين القسط ليوم القيامة، جل شأنه وعلا.
ولقد صرح فقهاء الحنفية بأن القتل شبه العمد يأثم صاحبه؛ لأنه قد ارتكب أمرا محرما في دينه قاصدا له.
стр. 355
المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي للقتل شبه العمد:
للقتل شبه العمل جزاء دنيوي أيضا، وهو جزاء مالي، يتمثل في الدية، والكفارة، والحرمان من الميراث، وقد يكون بدنيا كالتعزير، وللفقهاء آراء في هذه العقوبات نوردها فيما يأتي:
النوع الأول: الدية في القتل شبه العمد:
عرفنا فيما تقدم الدية، وبينا جنس المال الذي تدفع منه، ومقاديرها، وتغليظها، ونبين هنا آراء الفقهاء فيمن يتحمل دية القتل شبه العمد، وكيفية أدائها.
стр. 356
المقصد الأول: المتحمل للدية في شبه العمد:
للفقهاء القائلين بهذا النوع من الجناية رأيان فيمن يتحمل الدية في شبه العمد:
أحدهما: يرى ابن سيرين والزهري والحارث العكلي وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور، واختاره أبو بكر من الحنابلة، ورأي للإمامية: أن الدية في شبه العمد تجب في مال القاتل قياسا على القتل عمدا؛ وذلك لأن الدية موجب فعل قصده الجاني، ولا شك أنه قصد الفعل الجنائي كما في القتل عمدا، وإذا كان كذلك لا تتحمل العاقلة الدية هنا كما لا تتحمله في القتل عمدا، وأيضا فإنه الدية الواجبة في شبه العمد هي دية مغلظة فأشبهت دية العمد، ودية العمد لا تتحملها العاقلة، فكذا هذه.
الثاني: يرى الحنفية والشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة، والشعبي والنخعي والحكم والثوري وإسحاق وابن المنذر: وجوب الدية في شبه العمد على العاقلة، وقد استدلوا على ذلك بالسنة والقياس:
أما السنة: فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" متفق عليه، وفي الباب أحاديث أخر تقدمت نصوصها١، وكلها
стр. 357
تنص على أن الرسل -صلوات الله وسلامه عليه- قضى بالدية على العاقلة في هذه الجناية -وهي جناية شبه عمد، وليست خطأ- فدل ذلك على وجوبها على العاقلة في شبه العمد بنص الأحاديث.
وأما القياس: فقد قاسوا القتل شبه العمد على القتل خطأ، ووجه ذلك أن القتل شبه العمد قتل لا يوجب القصاص، فكان كالقتل خطأ من هذا الوجه، ولما وجب في القتل خطأ الدية على العاقلة يجب كذلك في شبه العمد على العاقلة قياسا عليه.
وأيضا فإن القتل شبه العمد يخالف العمد المحض؛ لأن العمد يغلظ من كل وجه، لقصد الجاني الفعل وإرادته القتل، وأما شبه العمد فإنه يغلظ من وجه، وهو قصد الجاني الفعل، ويخفف من وجه، وهو كونه لم يرد القتل، فاقتضى تغليظها من وجه تغليظ الدية، واقتضى تخفيفها من وجه تحمل العاقلة للدية وتأجيلها، على ما سنذكره في الفقرة التالية.
الترجيح:
ونرى رجحان هذا الرأي "الثاني"؛ وذلك لصحة الأحاديث التي أثبتت أن العاقلة هي التي تتحمل الدية في هذا النوع من الجناية، ولأن القاتل منا معذور؛ لأنه لم يكن يقصد القتل، فكان ذلك مدعاة للتخفيف عنه، ومظهر هذا التخفيف هو أن تتحمل العاقلة هذه الدية أو لأن النتيجة وهي القتل في شبه العمد قد وقعت دون قصد، فهي شبيهة بالنتيجة التي حدثت في القتل خطأ. فالقتل في كلا الجنايتين غير مقصود، وإذا تساويا في هذا تساويا في أن تتحمل العاقلة دية هذه النفس في شبه العمد كما تتحملها في الخطأ.
стр. 358
المقصد الثاني: كيفية أداء دية شبه العمد:
قد اختلف أيضا هؤلاء الفقهاء في كيفية أداء دية شبه العمد إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: قال ابن قدامة١: قد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: الدية تجب في شبه العمد حالة "فورا"؛ لأنها بدل متلف -بفتح اللام- وبدل المتلف يجب حالا، كقيمة المتاع، فكذا هذا.
الرأي الثاني: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو المروي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وأبو هاشم، وعبد الله بن عمر، وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر" أن دية شبه العمد تجب على العاقلة في ثلاث سنين، وقد استدلوا بما روي أن عمر وعليا ﵄ قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعا، ولأن المروي عنهما كالمروي عن النبي ﷺ لأنه مما لا يعرف بالرأي.
الرأي الثالث: اتفق الإمامية مع الرأي الثاني في التأجيل غير أنهم خالفوهم في مقداره؛ حيث أوجبوا أداءها في سنتين، في آخر كل حول منهما يجب أداء النصف.
стр. 359
الترجيح:
والذي نرى رجحانه هو الرأي الثاني؛ لورود آثار عن الصحابة -رضوان الله عليهم- تقضي بذلك، ولأن هذا الرأي فيه تخفيف نسبي عن العاقلة التي لم ترتكب هذه الجناية، وهذا التخفيف يتلاءم مع وضع العاقلة التي تتحمل هذا المال مساعدة ومعاونة ومواساة، ولم تكن مسئولة مسئولية جنائية عما حدث، وهذا ما يدعونا إلى ترجيح جانب التخفيف عن العاقلة في الأداء، والتخفيف عنها يكون أبرز وأظهر إذا قلنا بإيجاب هذه الدية في ثلاث سنين على أن تؤدي في كل سنة ثلثها.
النوع الثاني: الكفارة:
بينا فيما تقدم المقصد من مشروعية الكفارة١، وما تؤدَّى به، ونوضح هنا آراء الفقهاء في إيجاب هذا النوع من العقوبة في القتل شبه العمد، وللفقهاء القائلين بهذا النوع من الجريمة ثلاثة آراء:
أحدها: أنه لا تجب كفارة في القتل شبه العمد، وهو رأي لأبي حنيفة في غير ظاهر الرواية، ويوافق هذا الرأي رأي الزيدية والظاهرية؛ لأنهم لا يقولون بالكفارة في القتل العمد، والعمد عندهم يعم العمد وشبه العمد، وقد بينت كتب الحنفية وجه هذا الرأي، فقالوا: إن الإثم في جريمة شبه العمد كامل متناه فهي جناية مغلظة، بدليل أن المؤاخذة فيها ثابتة، وتناهي الإثم يمنع شرعية الكفارة؛ لأن شرعيتها من باب التخفيف
стр. 360
وهو لا يستحق التخفيف، فلا يجب بالقتل شبه العمد كفارة كما لا يجب في القتل العمد، ولا يصح قياسه على الخطأ؛ لأنه لا إثم فيه.
الرأي الثاني: يندب أداء الكفارة، وهذا الرأي للمالكية؛ ذلك لأنهم لا يفرقون بين القتل عمدا أو شبه عمد، فالكل عمد، وفي العمد يندب أداء الكفارة عندهم كما سبق أن بينا١.
الرأي الثالث: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية -في ظاهر الرواية- والشافعية، والحنابلة، والإمامية" إيجاب الكفارة في القتل شبه العمد، وقد استدلوا على ذلك بالكتاب والقياس:
أما الكتاب: فبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ﴾ وذلك لأن القتل شبه العمد هو قتل خطأ بالنظر إلى الآلة المستخدمة؛ حيث إنه لم يقصد القتل وإن قصد الضرب، وإنما حدث القتل خطأ، وإذا كان كذلك وجبت الكفارة في القتل شبه العمد بالآية؛ إذ إنها قد جعلت الكفارة واجبة في القتل خطأ.
وأما القياس: فقد قالوا بقياس شبه العمد على الخطأ في إيجاب الكفارة؛ وذلك لأن كلا منهما وجد فيه خطأ في القتل.
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن تعين الكفارة لدفع الذنب الأدنى في الشرع لا يعينها لدفع الذنب الأعلى؛ إذ لا شك أن شبه العمد أعلى ذنبا من الخطأ المحض، فإن الجاني في شبه العمد قاصد الضرب، بخلاف الخطأ؛ ولهذا أثم في الأول دون الثاني.
وقد أجيب عن هذا بأن الكفارة ثبتت بالآية في القتل خطأ، والقتل
стр. 361
في جريمة شبه العمد وقع خطأ، كما بينا آنفا، فانتظمت الآية وجوبها فيهما، فلا حاجة إلى الاستدلال بالقياس.
أما قول أصحاب الرأي الأول: "إن الإثم في جريمة شبه العمد متناه ... "، فقد أجيب عنه بأن الإثم في شبه العمد هو إثم الضرب؛ لأن الجاني قد قصد الضرب، لا أنه إثم القتل؛ لأنه لم يقصد القتل، وهذه الكفارة تجب بالقتل وهو فيه مخطئ، ولا تجب بالضرب، ألا ترى أنها لا تجب بالضرب بدون القتل، وبعكسه تجب، فكذلك عند اجتماعهما يضاف وجوب الكفارة إلى القتل دون الضرب.
الترجيح:
ونرى رجحان الرأي الثالث "رأي جمهور الفقهاء"؛ وذلك لرجحان ما استندوا إليه، فإن القتل في شبه العمد خطأ، وإلا لوجب القصاص، وإذا كان خطأ فإن الآية أوجبت على من يقتل خطأ كفارة.
النوع الثالث: الحرمان من الميراث:
سبق أن بينا آراء الفقهاء في حرمان القتل عمدا بغير حق من ميراث مقتوله١، ونورد هنا آراءهم في أثر جريمة شبه العمد على هذا النوع من العقوبة، على النحو التالي:
أولا: أن من قالوا فيما تقدم "سعيد بن المسيب وابن جبير": إن القاتل عمدا لا يحرم من الميراث، فإنهم بطريق الأولى يقولون ذلك هنا.
стр. 362
ثانيا: أن من لم يفرق بين العمد وشبه العمد -وهم المالكية والزيدية والظاهرية- يجعلون بعض أنواع القتل شبه العمد عمدا موجبا للقصاص١، وإذا كان عمدا فإنه يكون مانعا من الميراث.
ثالثا: أما الفقهاء الذين فرقوا بين العمد وشبه العمد -وهم الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية- فإنهم قالوا: إن القتل شبه العمد مانع من الميراث أيضا كالقتل عمدا للأدلة التي ذكرت في حرمان القاتل عمدا من الميراث؛ وذلك لأن الحرمان من الميراث عقوبة للقتل؛ لقوله ﷺ : "ليس للقاتل شيء"، والشبهة التي وجدت في جريمة شبه العمد شبهة تؤثر في سقوط القصاص ولا تؤثر في حرمان الميراث.
الترجيح:
ونرى رجحان هذا الرأي الذي يقضي بحرمان القاتل قتلا شبه عمد من الميراث إذا كان الضرب عدوانا؛ وذلك لعموم الأحاديث التي أثبتت حرمان القاتل من الميراث، ولما في ذلك من تحقيق مصلحة راجحة هي: أن يكف الأقارب عن الاعتداء بعضهم على بعض، ويتوخون تدعيم علاقتهم -لا فصلها وقطعها- بمثل هذه الأعمال التي تؤدي إلى القتل؛ فإن صلة الرحم
стр. 363
مطلوبة شرعا وعقلا، فإذا خالف الإنسان، وارتكب مع قريبه ما يترتب عليه قطع هذه الصلة، فإنه من المناسب شرعا وعقلا ألا يستفيد القاتل ممن قتله، مالا أو غيره، جزاء ما اقترف؛ ولذلك فإن المشرع الحكيم رتب على هذه الجريمة قطع الصلة التي بها يرث قريبه، وهي القرابة؛ إذ إنه بالاعتداء عليه يكون قد قطع هذه القرابة، فوقع الشرع على المعتدي عقوبة أخرى من جنس ما أدت إليه جريمته، فما أحكم شرع الله وما أعدله!! حيث جعل الجزاء متناسبا مع العمل.
النوع الرابع: التعزير:
ستناول هذا النوع من العقوبة في مبحث مستقل بعد استيفاء أبحاث الجناية على النفس وما دونها، وسنبين أن لولي الأمر أن يضع العقوبة التي يراها، وهي عقوبة التعزير، على بعض الجرائم، ومنها هذا النوع، وأن يحدد نوعها حبسا أو جلدا أو غيرهما، وأن يقدرها بالمقدار الذي يتلاءم مع الجناية والجاني والمجتمع، ويتحقق الغرض من العقوبة، متوخيا في كل ذلك تحقيق المصلحة العامة.
стр. 364
المطلب الثالث: عقوبة الضرب المفضي إلى الموت في القانون:
نوجز في هذا المطلب رأي القانون في هذا النوع من الجريمة إيجازا يتلاءم مع مقصدنا من هذه الدراسة الفقهية على النحو التالي:
أولا: ركن هذه الجريمة:
بيَّن شراح القانون أن جريمة الضرب المفضي إلى الموت تتطلب توافر ركنين:
أحدهما: مادي، وهو يقوم على ثلاثة عناصر:
١- فعل الضرب أو الجرح أو إعطاء مواد ضارة.
٢- ثم موت المجني عليه.
٣- وقيام رابطة السببية بين الفعل والنتيجة "الموت"١.
وثانيهما: معنوي، وهو يقوم على أمرين: أحدهما إيجابي، والآخر سلبي:
أما الأول: فهو أن يكون لدى الجاني قصد ارتكاب الضرب.
وأما الثاني: فهو ألا يكون الجاني قد قصد ارتكاب القتل.
ونظرا إلى أننا قد أفضنا عند بيان أركان جريمة القتل العمد في تحليل هذه الأمور، وبينا موقف الفقه الإسلامي منها، فإننا نكتفي بما أوردناه هناك، وننتقل إلى العقوبة في القانون.
ثانيا: عقوبة الضرب المفضي إلى الموت:
إن الضرب المفضي إلى الموت باعتباره عملا غير مشروع يترتب عليه مسئوليتان كغيره من الأعمال غير المشروعة؛ الأولى: المسئولية الجنائية، وجزاؤها العقوبة، والثانية: المسئولية المدنية، وجزاؤها التعويض:
أ- جزاء المسئولية الجنائية لهذه الجناية:
стр. 365
لقد قضى القانون في المادة "٢٣٦/ ع/ م" بأن عقوبة هذا النوع من الجناية الأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى سبع، هذا إذا لم يصاحب هذه الجناية ظرف سبق الإصرار أو الترصد، فإن صاحبها هذا الظرف كانت العقوبة الأشغال المؤقتة أو السجن؛ أي: من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة.
ب- جزاء المسئولية المدنية لهذه الجناية:
كما قضت المادة "١٦٤/ ١/ مدني مصري" على أن "الشخص يكون مسئولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز، فالعمل غير المشروع باعتباره مصدرا من مصادر الالتزام يؤدي إلى أنه يثبت لمن وقع الضرر عليه حق المطالبة بالتعويض العادل عما أصابه من أضرار بسبب الفعل غير المشروع الواقع عليه".
ولا نريد أن نطيل في بيان الفرق بين المسئوليتين، ويكفي أن نبين أن جزاء المسئولية الجنائية يكون حق المطالبة به للنيابة العامة باعتبارها ممثلة للمجتمع، أما المسئولية المدنية فإن هذا الحق يكون لمن وقع عليه الضرر، كما أنه لا يجوز الصلح ولا التنازل في الأولى؛ لأن الحق فيها عام للمجتمع، ويجوز ذلك في الثانية؛ لأن الحق فيها خاص للفرد١، وهناك فروق أخرى يرجع إليها في كتب شرح القانون.
стр. 366
المطلب الرابع: المقارنة بين العقوبتين:
يتبين لنا مما تقدم أن الفقه الإسلامي جعل عقوبة القتل شبه العمد مادية بصورها المتقدمة، ثم إن هذا الفقه لا يأبَى إيقاع عقوبة التعزير على القاتل في هذه الجناية إذا رأى الإمام مصلحة في ذلك، وهذا المنهج في العقوبة أعدل من منهج القانون من وجوه:
أولا: نترك العقوبة البدنية التي نص عليها القانون، فإنه يمكن إدخالها في عقوبة التعزير في الفقه الإسلامي بصورتها العادية أو المشددة، فلا مجال حينئذ للكلام في هذه الناحية سوى أنه يجب أن يراعى في تقديرها تحقيق مصلحة المجتمع.
ثانيا: العقوبة المادية، وهي تتمثل في الفقه الإسلامي في: الدية والكفارة والحرمان من الميراث.
ويمكن أن نقول: إن هذا النوع من العقوبة -وخاصة الدية- يقابلها في القانون التعويض المدني -مع بعض التجاوز في تكييف كل من العقوبتين- إلا أن الفقه الإسلامي في هذا المجال -كما في غيره- يعلو على كل علاج لسد باب الجريمة وردع الجناة وزجر الآخرين، وذلك من وجوه:
стр. 367
الأول: أن الدية التي يجب دفعها إلى ولي الدم -على التفصيل الذي ذكرناه فيما تقدم- هي مقدار من المال حدده المشرع الحكيم على أساس موضوعي، لا يتفاوت بين إنسان وآخر بالعوارض الصحية أو الجسمانية أو الاجتماعية من كثرة كسب أو قلته، وبعكس هذا جعل القانون أساس التعويض ذاتيا وليس موضوعيا، ويتفاوت التعويض عندهم من شخص إلى شخص آخر باعتبار الظروف التي تحيط بمن وقع عليه الضرر طبقا لحالته الشخصية والصحية والجسمانية، وكذا المالية باعتبار كثرة كسبه أو قلته.
وبهذا المعيار الذي قرره القانون يتأصل التفاوت بين الناس تفاوتا لا يمكن حصره ولا ضبطه مما يتيح فرصة للتباين بين تقدير وتقدير، وحكم وحكم، وشخص وشخص، باعتبارات لا حصر لها.
وهذا ما عالجه الفقه الإسلامي علاجا موضوعيا؛ إذ إنه قد نظر إلى النفس البشرية، لا بهذه الاعتبارات، بل باعتبار إنسانيتها، وكونها كائنا حيا وقع عليه اعتداء، أحس بهذا الاعتداء الفقير والغني بإحساس واحد، ووقع عليهما ألم واحد، وفقد كل منهما ما فقده الآخر، ومن هنا كان موجب الجناية واحدا، فإن الأمور والاعتبارات التي قررها شراح القانون تعتبر عرضا لا جوهرا، والعرض من خاصيته التغير والتبدل، فقد يكون صحيحا اليوم ومريضا غدا -لا بسبب- وقد يكون غنيا في هذه اللحظة وفقيرا في اللحظة التي تليها، وقد يكون خامل الذكر آنًا ثم يعلو شأنه بعد قليل.. فهذه صفة العرض.
أما النظر إلى الجوهر وإلى الموضوع فهو أعدل وأدق، وهذا ما توخته الشريعة الإسلامية.
وأما كون الدية على القاتل، أو على العاقلة -كما رجحنا١ آنفا- فإن
стр. 368
ما نود أن نشير إليه هو أن الفقه الإسلامي يجعل هذا الحق واجب الأداء إلى ولي الدم، أيا كان المتحمل لهذا المال، فإنه في حالة عجز المتحمل عن الأداء، فإن بيت المال هو الذي يقوم بسداد الدية إلى ولي الدم؛ لأن بيت المال هو الذي يرث من لا وارث له، فيجب أن يدي من لا يمكن أداء ديته؛ لأن الغنم بالغرم، وليس في الإسلام دم يهدر، إلا ما أهدره المشرع الحكيم لحكمة رآها ومصلحة قدرها، فإذا كان الشخص معصوما، واعتدي عليه، فإن دمه لا يضيع بأي سبب من الأسباب..
وهذا تقدير رفيع وسمو في التشريع لا يدانيه تقدير، ولا يلحقه تشريع، يوثق الروابط بين الفرد والمجتمع، بين الفرد ودولته، ويجعل حرص الفرد والجماعة على الدولة لا يدانيه إلا حرص الدولة على الفرد والجماعة؛ نظرا للتكافل التام بين الاثنين، وهذا بالإضافة إلى ربط الفرد بعاقلته رباطا يجعلها دائما تحرص على توجيه النصح والإرشاد لأفرادها، والتحذير والتأديب لمن يشذ من بينهم؛ نظرا لما يلحقهم جميعا من الغرامة، وسنبحث في فقرة مستقلة نظام العاقلة في الفقه الإسلامي في مبحث الجريمة خطأ.
أما التعويض المدني في القانون، فإنه منظور إليه على أنه حق شخصي يتعلق بذمة من يتسبب فيه، ومن شأن الحقوق الشخصية أنه إذا وجد له مال أمكن الوفاء بالتعويض، وإن لم يوجد له مال حتى موته ضاع حق صاحب الحق، وأصبحت أسرة المجني عليه في حالة يُرثى لها.
وهذا المسلك فضلا عن أنه يغري العاطلين وحثالة الناس على الإجرام -وهذا خطر كبير- فإنه يفتح مجالا للتهرب من مثل هذه الحقوق قبل وجوبها، في المرحلة التي تسبق الإعداد للجريمة، طالما أن ذلك يضيع حتى أصحاب الحق، مما يفتت الترابط والتعاطف بين الدولة والأفراد.
والثاني: أنه بجانب الدية أوجب الفقه الإسلامي عقوبتين أخريين:
стр. 369
أولاهما: الكفارة، وهي حق من حقوق الله تعالى، يجب في ذمة القاتل وفي ماله، وقد سبق أن بينا نوعها في القتل العمد١.
وثانيتهما: حرمان القاتل من ميراث مقتوله؛ سدا لباب الطمع، في الوصول إلى ماله قبل أن يئون أوانه٢.
ولعلنا بهذا ندرك عدالة العقوبة في الفقه الإسلامي وإحاطتها وشمولها وعلاجها لكل الجوانب التي تسد باب الجريمة وتوثق الروابط بين الجميع.
стр. 370
الفصل الثالث: القتل الخطأ وموجبه
المبحث الأول: حقيقة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي
...
الفصل الثالث: القتل الخطأ وموجبه:
نفرد هذا الفصل للنوع الثالث من الجريمة؛ وهو القتل خطأ، ونجعله في أربعة مباحث؛ نبين في الأول: حقيقته عند الفقهاء، وفي الثاني: أركان الجريمة الخطأ في الفقه الإسلامي، وفي الثالث: موجبه، وفي الرابع: حقيقته وموجبه في القانون مع المقارنة بالفقه الإسلامي.
المبحث الأول: حقيقة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي:
الأصل في هذا الفصل هو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.
سبب نزول هذه الآية: لقد نزلت الآية بسبب أن عياش بن ربيعة قتل الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة العامري لحنة٢ كانت بينهما؛ إذ إنه
стр. 371
لما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه، فلما أخبر "بإسلامه" أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته، فنزلت الآية.
معنى الآية: ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ ليس على النفي، وإنما هو على التحريم والنهي، ولو كانت للنفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط، فإن ما نفاه الله لا يجوز وجوده؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا.
وقال قتادة: المعنى ما كان له ذلك بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول، وهو الذي يكون فيه "إلا" بمعنى "لكن"، التقدير: ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله. وقيل: هواستثناء متصل؛ أي: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ فلا يقتص منه؛ ولكن فيه كذا وكذا "وفي الآية وجوه أخرى فنكتفي منها بذلك".
معنى الخطأ: الخطأ اسم من أخطا خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء، يقال لمن أراد شيئا ففعل غيره: أخطأ، ولمن فعل غير الصواب: أخطأ١.
ونقصد بالخطأ هنا: كل ما يصدر عن الإنسان بإرادته، فيؤدي إلى إلإضرار بإنسان أو بغيره ممن لم يرد وقوع الفعل به.
فالمخطئ أراد الفعل وقصده؛ ولكنه لم يرد وقوعه بالصفة التي وقع بها؛ نظرا لخطأ في الفعل أو في القصد أو فيهما، أو بعبارة أخرى: نظرا لحدوث ظروف أدت إلى خلل في القصد أو في التوجيه أو فيهما.
стр. 372
ومن هنا فإن الخطأ لا يوصف بالخطر ولا بالإباحة، ولا بالحل ولا بالحرمة، ونوضح فيما يلي أنواع الجناية خطأ، ثم ما في معنى الخطأ.
أنواع الخطأ:
الخطأ يتنوع بتنوع أركان العمل الذي أدى إليه، وأي عمل من الأعمال يحتاج إلى أمرين:
أولهما: القصد، وهو أمر باطني؛ لأنه عمل من أعمال القلب لا يمكن معرفته إلا بالقرائن والظروف المحيطة بالعمل.
وثانيهما: فعل الجارحة، وهو ما صدر عن الإنسان من عمل -إيجابي أو سلبي- أدى إلى هذه النتيجة "الموت أو الجرح ... " كالرمي والضرب ونحوهما من الأفعال، فإن اتصل الخطأ بالأول كان خطأ في القصد، وإن اتصل بالثاني كان خطأ في الفعل، وإن اتصل بهما كان خطأ فيهما:
١- الخطأ في القصد: ومثاله أن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم، فإن الخطأ هنا واقع في القصد؛ لأن الفعل كان موجها إلى شيء معين فأصاب هذا الشيء، ولم يحدث خطأ في التوجيه كفعل مادي بحت، ولكن الخطأ قد حدث في القصد، فإنه كان يظنه صيدا؛ أي: مباح الدم، فتبين أنه إنسان؛ أي: أنه غير مباح الدم.
فالخطأ في القصد يتحقق حينما يكون الفعل من حيث التوجيه والإصابة بعيدا عن الخطأ، أو نقول: إن الفعل الذي أدى إلى الجناية من حيث كونه عملا ماديا قد تم دون خطأ؛ ولكن الخطأ وقع في القصد والإرادة؛ فقد أراد شيئا مباحا؛ ولكن الظروف خارجة عن إرادته لم يتبين حقيقة ما وجه إليه الرمية فأصاب إنسانا لا يحل له قتله أو الاعتداء عليه.
٢- الخطأ في الفعل: ومثاله أن يرمي صيدا فيخطئ في التوجيه فيصيب آدميا كان قريبا من الصيد، فهنا الفعل كان موجها إلى غرض مباح، وهو
стр. 373
صيد حيوان أو طائر، فصدر منه خطأ في الفعل، أدى إلى اتجاه الرمية بعيدا عن هذا الغرض، فأصابت آدميا معصوم الدم.
فالخطأ في الفعل: هو أن يقصد فعلا فيصدر منه فعل آخر.
٣- الخطأ في القصد والفعل: ومثاله ما لو رمى آدميا يظنه صيدا، فأخطأ فأصاب غيره من الناس، فإن الرمية كانت موجهة إلى هدف يظنه صيدا، ولكنه كان في الحقيقة آدميا، فلو أنه أصابه لكان خطأ في القصد ولكن الرمية لم تصبه وأصابت شخصا آخر معصوم الدم، فحدث خطأ في الفعل أيضا؛ إذ إنه قصد فعلا فصدر منه فعل آخر، فتبين لنا بهذا أن الخطأ وقع في القصد وفي الفعل١.
стр. 374
وهذا التقسيم هو ما قرر الفقهاء بإجماع اعتباره خطأ.
стр. 375
ب- أنواع الجنايات التي هي في معنى الخطأ:
على ضوء ما قرره الفقهاء في تكييف جناية الخطأ رأينا الجمهور منهم يلحقون بهذه الجناية بعض الجنايات التي تتقارب معها من كل وجه أو بوجه من الوجوه؛ وذلك لأن هذه الجرائم الملحقة بالخطأ تتميز بعدم وجود عنصر من عنصري الخطأ، وهو القصد، أما الفعل -وهو العنصر الثاني- فإما أن يكون موجودا ولكن وجوده كان بدون اختيار وكسب مع أنه كان بالمباشرة، أو يكون وجوده باختيار الجاني؛ ولكن لم يكن مباشرا؛ بل تسبب في قوعها، ونبين حكم كل فيما يلي:
стр. 376
النوع الأول: فعل غير إرادي يؤدي إلى جناية:
إذا صدر من الشخص فعل غير إرادي فأدى إلى جناية، كما لو كان نائما أو مغمى عليه ونحو ذلك، فانقلب على شخص فقتله، فإن هذه الجناية ليست خطأ، ولكنها تأخذ حكم الخطأ، ويجري عليها ما يجري على الخطأ من أحكام.
أما أنها ليست خطأ، فلأن النائم والمغمى عليه لا يوصف فعله بالعمد والخطأ؛ لأن ذلك الوصف فرع الإرادة والقصد، والنوم حالة طبيعية تعتري الإنسان يفقد أثناءها وعيه وإحساسه وإرادته وإدراكه وقصده بصفة مؤقتة، فما يصدر منه من أفعال لا يوصف بالعمد ولا بالخطأ.
وأما أن هذه الجناية تأخذ حكم الخطأ؛ فذلك لأن هذه الجناية -وإن لم يصاحبها القصد- فقد تمت بثقل جسمه، فكان جسمه مباشرا للقتل، وكان أداة له، فكأنه مات بفعله، فكان هذا القتل في معنى القتل الخطأ، وإذا كان كذلك كان ما أورده الشرع من أحكام في الخطأ واردًا هنا دلالة.
إلا أنه يجب التأكد من أن موته قد تم من هذا الفعل، فإن حدث شك في أنه هل مات بفعله أم بسبب آخر؟ فإن الإمام ابن حزم ذكر في امرأة نامت بقرب ابنها فوُجد ميتا أنه في حالة الشك "لا دية في ذلك ولا كفارة؛ لأننا على يقين من براءتها من دمه، ثم على شك أمات من فعلها أم لا؟ والأموال محرمة إلا بيقين، والكفارة إيجاب شرع، والشرع لا يجب إلا بنص أو إجماع، فلا يحل أن تلزم غرامة ولا صياما، ولا أن تلزم عاقلتها دية بالظن الكاذب"١.
стр. 377
النوع الثاني: القتل بسبب:
القتل بسبب: هو أن يفعل الإنسان فعلا يؤدي إلى تلف إنسان أو غيره بواسطة؛ كما لو حفر بئرا، أو أوقد نارا، أو وضع حجرا، فتلف به إنسان أو غيره١، فإن التلف لم يحدث بفعل الجاني مباشرة، وإنما حدث بسبب
فعله وبواسطته؛ حيث أدى وضع الحجر مثلا إلى اصطدامه به واصطدامه به أدى إلى سقوطه، وسقوطه أدى إلى تلفه ... فالفعل أدى إلى التلف بواسطة، ولم يؤد إليه مباشرة، فإذا حدث التلف بسبب هذا الفعل، فإن
стр. 380
الأمر لا يخلو من أن يكون الجاني متعديا في فعله أو غير متعد، ومن أن يكون قاصدا الجناية أو غير قاصد لها، ويتفرع عن هذا أربع صور؛ لأنه إما أن يوجد التعدي مع قصد الجناية، أو يوجد التعدي مع عدم قصدها، أو لا يوجد أي منهما، أو لا يوجد التعدي مع وجود التقصير، ونوضح آراء الفقهاء في كل صورة من هذه الصور:
الصورة الأولى: أن يوجد التعدي في الفعل مع قصد الجناية:
ولما كانت هذه الصورة التي توافر فيها التعدي في الفعل، كما توافر فيها قصد الجناية هي إحدى صور القتل العمد، وقد سبق أن فصلنا آراء الفقهاء في الجريمة العمدية التي يتم فيها إزهاق روح المقتول بواسطة أي فعل غير مباشر "القتل بسبب ص٥٨-٦٤" فلا داعي للإعادة.
الصورة الثانية: أن يوجد التعدي في الفعل مع عدم قصد الجناية:
وذلك كما لو حفر بئرا في غير ملكه، فتلف به إنسان أو حيوان، فإن الفاعل لذلك يعتبر متعديا؛ لأنه قد أحدث هذا الفعل في مكان لا يحق له أن يفعله فيه، فإذا لم يصاحب هذا التعدي قصد الجناية، فهل تعتبر الجريمة خطأ؟
للفقهاء آراء ثلاثة:
أولها وأشدها: هو رأي الإمامية: أنها تعتبر شبه عمد، فتجب الدية في ماله، إن كان التالف نفسا، والضمان إن كان مالا، وذلك بشرط ألا يتمكن المجني عليه من الخلاص، فإن تمكن من الخلاص مما وقع فيه، ولم يخلص نفسه لا يجب على الفاعل شيء.
стр. 381
الرأي الثاني: أنها تعتبر خطأ، وهو رأي جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، ورأي عند الحنابلة، والزيدية- وإذا كانت خطأ، فيكون موجبها موجب القتل الخطأ من الكفارة والدية على العاقلة، وإنما كانت الجناية هنا خطأ؛ لأن الفاعل لم يقصد بفعله الجناية، فعدم توافر هذا القصد يجعل الجناية خطأ.
معيار التعدي: يعتبر الإنسان بفعله متعديا إذا توافر في فعله ما يأتي:
أولا: أن يكون هذا القتل قد تم في مكان لا يباح له أن يفعله فيه، وذلك كما لو كان في ملك غيره بغير إذنه، أو في ملك عام كالطريق ونحوه، وإن كان في أرض موات فلا بد أن يكون فعله لمنفعة ولو لعامة الناس، وإلا كان متعديا في فعله "وهذا رأي جمهور الفقهاء"١.
ثانيا: ألا يتعود الناس هذا الفعل في مثل هذا المكان، فلو تعود الناس فعله سقطت المسئولية عن فاعله، ولم يضمن ما تلف بسبب فعله من نفس أو مال "كمال صرح الشافعية والزيدية".
ثالثا: أن تظل صفة التعدي مصاحبة للفعل إلى حين التلف، فلو رضي المالك بإبقاء الفعل، أو ملك الفاعل البقعة زال الضمان "كما صرح الشافعية والحنفية".
رابعا: أن يتصل السبب بالنتيجة؛ بحيث لا يقطع هذا الاتصال أمر آخر يحدث النتيجة؛ كما لو ألقى إنسان شخصا في هذه الحفرة، فإن العقوبة تقع على الملقِي دون الحافر.
وكذا لو تمكن الواقع في الحفرة من الخلاص ولم يخلص نفسه، فإن هذا
стр. 382
التمكن يقطع الصلة بين السبب والنتيجة، ويصبح قاتلا لنفسه, وليس على الحافر شيء "وهذا ما صرح به الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية".
وكذا لو كان الوقوع غير مؤثر؛ ولكنه بقي في الحفرة أياما ثم مات جوعا أو عطشا، فلا ضمان على الحافر "كما صرح الحنفية والشافعية".
وكذا لو قصد المجني عليه إيقاع نفسه فيها انتفت المسئولية وسقط الضمان؛ لأنه يعتبر هو القاتل لنفسه.
الرأي الثالث: أن هذه الجناية تجري مجرى الخطأ وليست خطأ -وهو رأي الحنفية، ورأي بعض الحنابلة- وذلك لأن الخطأ والقتل بسبب يختلفان في بعض الوجوه ويتفقان في بعضها؛ فإنهما يختلفان في:
١- أن الفعل الذي أدى إلى الجناية كان فعلا مباحا في ذاته، سواء كان الخطأ في الفعل أو في القصد أو فيهما، أما الفعل الذي أدى إليها في "القتل بسبب" فإنه غير مباح؛ لأنه قام به في مكان لا يحق له أن يفعله فيه، فهو متعد بفعله.
٢- أن الفاعل في القتل الخطأ متهم؛ لاحتمال أنه قصد القتل في الباطن، وأما في القتل بسبب فإنه ليس بقاتل ولا متهم؛ وذلك لأن شبهة التهمة في القتل الخطأ قائمة؛ لأن ادعاء الخطأ مسألة تحتمل القبول والرفض، والبحث والاجتهاد في تعريف حقيقة الفعل الذي أدى إلى القتل أهو خطأ أم عمد؟ لأن النوايا مسألة خفية يتعرف عليها بالمظاهر الخارجية. أما القتل بسبب فإن شبهة التهمة فيه بعيدة؛ لأن حافر البئر لا علم له بأن هذا الشخص سيمر من هذا المكان، وأنه إذا مر سيقع في هذه الحفرة، ولا ينتبه إلى وجودها في طريقه، أما إذا كان يعلم بذلك فإن القصد الجنائي يكون موجودا، وهذه هي الصورة الأولى.
стр. 383
والذي يتفقان فيه: هو أن الفاعل في كل من الخطأ والقتل بسبب لم يقصد الجناية بالفعل الذي أدى إليها.
ولما كان بينهما هذا الاختلاف والاتفاق قالوا: إن هذه الجناية ليست خطأ؛ وإنما تجري مجرى الخطأ؛ فأوجبوا فيها الدية على العاقلة، ولم يوجبوا فيها كفارة ولا حرمانا من الميراث، كما سيأتي إيضاحه تفصيلا في موجب الجناية خطأ.
وقد وافقوا على الشروط التي وضعها أصحاب الرأي الثاني لاعتبار هذه الجناية خطأ، فإذا اختل شرط منها انتفت المسئولية، وسقط الضمان١.
الصورة الثالثة: ألا يوجد التعدي في الفعل، وألا يوجد قصد الجناية، وذلك كما لو حفر البئر في ملكه، فمر إنسان أو حيوان فوقع فيها، فإن المالك له الحق في الانتفاع بملكه كيفما شاء، سواء حفر أم بنى في حدود المشروع، فإذا عمل ذلك فإن فعله لا يوصف بالتعدي؛ وإنما الذي يوصف بالتعدي هو ذلك الذي اقتحم عليه ملكه وسار فيه فتردى في البئر أو عطب في الأحجار التي وضعها المالك فيه.. فعنصر التعدي هنا غير موجود، وكذلك في صورتنا، فإن صورتنا هذه لا بد أن يثبت أن قصد الجناية غير موجود، فإذا كان كذلك فإن الفقهاء قد اتفقوا على نفي المسئولية عن الحافر أو واضع الأحجار وما شابه ذلك من الأفعال، وإذا انتفت المسئولية فإنه لا يكون عليه ضمان لا للأنفس ولا للأموال.
الصورة الرابعة: انعدام التعدي في الفعل مع وجود التقصير:
وقد لا يكون التعدي مصاحبا للفعل كما لو حفر بئرا في ملكه، ولكن
стр. 384
وجد تقصير من الفاعل أدى إلى الجناية، ففي هذه الحالة يكون التقصير أساسا لنشوء المسئولية، وإذا وجدت المسئولية وجب الضمان.
فقد صرح الشافعية بأنه لو حفر شخص بئرا واستدعى إلى المنزل شخصا، لا بد وأن يمر في هذا المكان، ولم يعلمه بذلك، أو كان أعمى، فتردى فيها، فإنه يضمن١.
كما جاء في الشرح الكبير لابن قدامة "الحنبلي" ج٩، ص٥٩١: "فإن حفر إنسان في ملكه بئرا فوقع فيها إنسان أو دابة فهلك به، وكان الداخل بغير إذنه، فلا ضمان على الحافر؛ لأنه لا عدوان منه، وإن دخل بإذنه، والبئر بينة مكشوفة، والداخل بصير يبصرها، فلا ضمان أيضا؛ لأن الواقع هو الذي أهلك نفسه، فأشبه ما لو قدم إليه سيفا فقتل به نفسه، وإن كان الداخل أعمى، أو كانت البئر في ظلمة لا يبصرها الداخل، أو غطى رأسها، فلم يعلم الداخل بها حتى وقع فيها فعليه ضمانه".
وبهذا قال شريح والشعبي والنخعي وحماد ومالك، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
стр. 385
المبحث الثاني: أركان الجريمة خطأ:
على ضوء ما أوردناه آنفا في المبحث الأول يمكننا أن نستخلص الحقائق الآتية:
أولا: أننا نقصد بالجناية هنا الجناية على إنسان حي معصوم الدم بإزهاق روحه أو المساس بجسمه أو صحته، كما سبق أن قررنا هذا في أركان الجريمة عمدا وشبه عمد.
ثانيا: أن ما يميز الجريمة خطأ عن الجريمة عمدا أو شبه عمد هو عدم وجود قصد جنائي؛ لأن الجاني هنا لم يقصد بفعله قتل المجني عليه أو إيقاع الضرر به، وإنما حدث ذلك نتيجة خطأ في الفعل أو في القصد أو فيهما.. قد يكون نتيجة إهمال أو تقصير أو عدم حيطة وقلة حذر.
ثالثا: الفعل الذي أدى إلى وقوع الجناية:
إذا نظرنا إلى ما أورده الفقهاء آنفا من صور الخطأ نجد أن هذه الجناية قد تكون نتيجة عمل إرادي، أراده الفاعل وإن لم يرد نتيجته، أو عمل غير إرادي، صدر عن الإنسان أثناء فقد وعيه وإدراكه وإرادته فقدانا طبيعيا، فأدى هذا إلى قتل أو جرح أو إتلاف، والجناية التي تتم بفعل إرادي إما أن تتم بالمباشرة، بأن لم يتخلل بين الفعل الذي أدى إلى الإتلاف والإتلاف واسطة، أو بغير المباشرة، بأن تكون هناك واسطة بين الفعل والنتيجة. ونوضح ذلك فيما يلي:
أ- جناية تتم بعمل مباشر إرادي:
إن كانت الجناية بفعل إرادي مباشر، سواء كانت نتيجة خطأ في الفعل أو في القصد أو فيهما، فإنه لا يشترط عند جمهور الفقهاء أن يكون العمل في ذاته والنتيجة التي يريدها مشروعين، فلو رمى إنسانا معصوم الدم قاصدا قتله أو الاعتداء عليه، فأخطأ فأصاب إنسانا آخر بهذه الصفة كانت جنايته خطأ؛ لعدم قصد قتل هذا الشخص بالذات، وقد خالف في هذا الحكم المالكية وبعض الحنابلة؛ حيث يرون هذه الجريمة جريمة عمدية لوجود القصد الجنائي نحو آدمي حي معصوم الدم، ولا يهم بعد هذا كونه زيدا أو عمرا من الناس، فوجود القصد الجنائي في ذاته نحو معصوم أيا كان هذا المعصوم
стр. 386
كاف لجعل الجريمة عمدية. وقد سبق أن أوضحنا هذا الخلاف في أركان الجريمة عمدا١.
ب- جناية تتم بعمل مباشر غير إرادي:
وإن كانت الجناية ناتجة عن عمل مباشر غير إرادي؛ كما لو انقلب نائم على طفل فقتله، فإنها تكون خطأ عند جمهور الفقهاء؛ لوجود المباشرة وانعدام القصد، وخالف في هذا الحنفية وبعض الحنابلة، فجعلوا هذا النوع يجري مجرى الخطأ، وليس خطأ؛ وذلك لأن النائم لا يوصف فعله بالعمد ولا بالخطأ، إلا أنه يعتبر كالخطأ في الأحكام؛ لأن المقتول مات بثقل جسمه، فكأنه مات بفعله؛ حيث يضاف القتل إليه في الظاهر، فيأخذ حكم الخطأ، فيجب فيه ما يجب في الخطأ من الدية -كما أوضحنا فيما سبق- فالخلاف في التكييف لا في الحكم٢.
مصدر هذا الخطأ ومنشأ المسئولية:
يمكننا أن نرد الخطأ الحادث في هذين النوعين من الجناية إلى عدم احتياط الجاني الاحتياط الكافي، وعدم حذره الحذر المطلوب عقلا، وقد يكون لرعونته وإهماله، سواء بدا هذا فيما صدر منه من أعمال إرادية، حيث لم يحط بالأبعاد التي يمكن أن يصيب بها طلقه الناري من مخلوقات أو أشياء غير الصيد الذي كان يقصده، وهذا أمر يختلف من شخص إلى شخص؛ ولكن الفقه الإسلامي لا يفرق في عقوبة القتل الخطأ بين شخص وشخص، أو ظهر هذا مما حدث منه من عمل مباشر غير إرادي؛ حيث
стр. 387
لم تحتط الأم أو الحاضنة مثلا في نومها بعيدا عن الطفل، أو تضع الطفل في مكان فيه من حدوث مثل هذا، كل هذا تترتب عليه مسئولية الفاعل، ومن ثم لزمته العقوبة.
ج- جناية تتم بعمل إرادي غير مباشر:
وقد تقع الجريمة خطأ بعمل إرادي غير مباشر، وهو "القتل بسبب" كما لو أحدث شيئا في ملك الغير أو في الطريق، فأدى إلى إتلاف نفس أو غيرها، فإن الجاني لم يباشر الجناية بنفسه، وإنما حدثت بسبب ما فعله وكانت نتيجة له.
ولقد وضع الفقهاء شروطا لمسئولية الفاعل عما فعله، وهي كما بيناها آنفا:
١- أن يكون متعديا في فعله؛ أي: باشره في مكان لا يصح له أن يباشره فيه.
٢- أن يستمر هذا التعدي إلى أن يحدث التلف.
٣- وأن يكون فعله مما لم يتعود الناس فعله في مثل هذا المكان.
٤- وألا تنقطع الصلة بين السبب والنتيجة، أو ألا يحدث ما يقطع اتصال السبب بالنتيجة، كأن لم يبادر إلى إنقاذ نفسه، وقد كان في إمكانه ذلك، أو أن يتعدى عليه شخص فيقتله بعد وقوعه في الحفر حيا، أو يدفعه شخص في الحفرة ... ، فهنا تنقطع الرابطة بين السبب والنتيجة، ويضاف الإتلاف إلى السبب المباشر، فيعتبر هو قاتلا لنفسه في المثال الأول، ويعتبر المباشر هو القاتل في المثالين الأخيرين.
стр. 388
مصدر هذا الخطأ ومنشأ المسئولية:
واضح من أمثلة "القتل بسبب خطأ" أن الفاعل أو الجاني يقوم بعمل غير مشروع، فيترتب على هذا العمل آثار غير مقصودة، فحفر بئر في ملك الغير بغير إذنه عمل غير مباح؛ لأن كل إنسان مسلط على ماله، وله وحده الحق في الانتفاع به دون غيره من الناس إلا بإذنه، وكذا لو وضع حجرا في الطريق، كان أيضا عمله غير مشروع؛ لأن حق العامة في سلامة الطريق يمنع أن يحدث فيه مثل هذا العمل، فإذا أحدث شيئا لا يحل له أن يحدثه كان مسئولا عن كل النتائج التي تترتب على فعله.
ولقد اشترط الفقهاء لضمان الفاعل في القتل بسبب أن يكون الفعل مما يمكن التحرز عنه، فإن كان مما لا يتحرز عنه يسقط الضمان، وقد صرح بهذا القيد فقهاء الحنفية عندما تعرضوا للجناية التي يرتكبها السائق الدابة أو الراكب لها، والتي يمكن أن تطبق على حوادث السيارات وغيرها من المواصلات الحديثة التي حلت محل الدواب؛ حيث نصوا على أن الراكب لدابة في الطريق ضامن لما أصابت خطأ بيدها أو رجلها أو رأسها، أو كدمت أو خبطت، وكذا إذا صدمت، ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها، والأصل في ذلك أن المرور في طريق المسلمين مباح؛ ولكنه مقيد بشرط السلامة؛ لأنه يتصرف في حقه من وجه وفي حق غيره من وجه؛ لكونه مشتركا بين كل الناس.
أما أنه يتصرف في حقه، فلأن الإنسان لا بد له من طريق يمشي فيه لترتيب مهماته، فالحجر عن ذلك حرج، والحرج مدفوع، وأما أنه يتصرف في حق غيره، فلأن غيره فيه كهو في الاحتياج، فبالنظر إلى حقه يستدعي الإباحة مطلقا، وبالنظر إلى حق غيره يستدعي الحجر مطلقا، فقلنا بإباحة مقيدة بشرط السلامة عملا بالوجهين، ويعتدل النظر من الجانبين، ثم إنما يتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه، ولا يتقيد بها فيما لا يمكن التحرز عنه؛ لما فيه من المنع عن التصرف وسد بابه، وهو مفتوح، والاحتراز عن الإبطاء وما يضاهيه ممكن، فإنه ليس من ضرورات التيسيير، فقيدناه بشرط السلامة عنه.
والنفحة بالرجل والذنب ليست مما يمكنه الاحتراز عنه مع السير على الدابة فلم يتقيد به.
فإن أوقفها في الطريق ضمن النفحة أيضا؛ لأنه يمكنه التحرز عن الإيقاف، وإن لم يمكنه عن النفحة، فصار متعديا في الإيقاف، وشغل الطريق به فمضمنه١، ولقد خصص الفقهاء باب الجناية البهيمة والجناية عليها، ووضعوا قاعدة للضمان وعدمه، وهي كون الفاعل متعديا في فعله، وكون الفعل مما لا يمكن التحرز عنه.
стр. 389
المبحث الثالث: عقوبة القتل الخطأ
مدخل
...
المبحث الثالث: عقوبة القتل خطأ:
قد قررنا فيما سبق أن عقوبة القتل العمد تكون أخروية كما تكون دنيوية، أما القتل خطأ فإن عقوبته الأخروية مرفوعة؛ لأن الخطأ لا يوصف بالحل وبالحرمة، ولا بالحظر ولا بالإباحة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ١.
وروي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حديث مشهور، فالقرآن والحديث يثبت أن الخطأ كله معفو عنه، لا جناح على الإنسان فيه، ولا يجب على الإنسان حكم في الجناية خطأ، إلا أن يوجب ذلك نص صريح أو إجماع متيقن.. وقد أثبت كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ عقوبة دنيوية للقتل خطأ، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ... ﴾ الآية٢، وأحاديث الرسول كثيرة سيأتي نصها في بيان مقدار الدية، فبقي ما عدا ما نص عليه القرآن والحديث مرفوعا، وهو الإثم وما يتبعه من عقوبة أخروية، وإن كان الخطأ لا يعرى عن الإثم من حيث ترك العزيمة، والمبالغة في التثبت في حال الرمي؛ إذ إن شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى، ونكتفي بهذا، ثم نوضح العقوبة الدنيوية من دية وكفارة وحرمان من الميراث والوصية.
стр. 390
النوع الأول: الدية:
بينت الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ... ﴾ أن في الجناية خطأ الكفارة والدية، ولكنها لم توضح جنس المال الذي تدفع منه الدية، ومقداره، ومن يجب عليه دفعها، وكيفية أدائها، ولكن السنة النبوية الشريفة بينت كل ذلك، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى الدية١، وبينا جنس المال الذي تدفع منه، ونبين هنا مقدارها ومن يتحملها وكيفية أدائها.
الفرع الأول: مقدار الدية في الخطأ ونوعها:
الدية في الخطأ مائة من الإبل، كالدية في العمد وشبه العمد، إلا أن الفقهاء يختلفون في نوع الإبل التي تؤدَّى في الجناية خطأ إلى رأيين: