← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9980

الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

حسن علي الشاذلي

Полный текст (467 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كاف لجعل الجريمة عمدية. وقد سبق أن أوضحنا هذا الخلاف في أركان الجريمة عمدا١. ب- جناية تتم بعمل مباشر غير إرادي: وإن كانت الجناية ناتجة عن عمل مباشر غير إرادي؛ كما لو انقلب نائم على طفل فقتله، فإنها تكون خطأ عند جمهور الفقهاء؛ لوجود المباشرة وانعدام القصد، وخالف في هذا الحنفية وبعض الحنابلة، فجعلوا هذا النوع يجري مجرى الخطأ، وليس خطأ؛ وذلك لأن النائم لا يوصف فعله بالعمد ولا بالخطأ، إلا أنه يعتبر كالخطأ في الأحكام؛ لأن المقتول مات بثقل جسمه، فكأنه مات بفعله؛ حيث يضاف القتل إليه في الظاهر، فيأخذ حكم الخطأ، فيجب فيه ما يجب في الخطأ من الدية -كما أوضحنا فيما سبق- فالخلاف في التكييف لا في الحكم٢. مصدر هذا الخطأ ومنشأ المسئولية: يمكننا أن نرد الخطأ الحادث في هذين النوعين من الجناية إلى عدم احتياط الجاني الاحتياط الكافي، وعدم حذره الحذر المطلوب عقلا، وقد يكون لرعونته وإهماله، سواء بدا هذا فيما صدر منه من أعمال إرادية، حيث لم يحط بالأبعاد التي يمكن أن يصيب بها طلقه الناري من مخلوقات أو أشياء غير الصيد الذي كان يقصده، وهذا أمر يختلف من شخص إلى شخص؛ ولكن الفقه الإسلامي لا يفرق في عقوبة القتل الخطأ بين شخص وشخص، أو ظهر هذا مما حدث منه من عمل مباشر غير إرادي؛ حيث

стр. 387

لم تحتط الأم أو الحاضنة مثلا في نومها بعيدا عن الطفل، أو تضع الطفل في مكان فيه من حدوث مثل هذا، كل هذا تترتب عليه مسئولية الفاعل، ومن ثم لزمته العقوبة. ج- جناية تتم بعمل إرادي غير مباشر: وقد تقع الجريمة خطأ بعمل إرادي غير مباشر، وهو "القتل بسبب" كما لو أحدث شيئا في ملك الغير أو في الطريق، فأدى إلى إتلاف نفس أو غيرها، فإن الجاني لم يباشر الجناية بنفسه، وإنما حدثت بسبب ما فعله وكانت نتيجة له. ولقد وضع الفقهاء شروطا لمسئولية الفاعل عما فعله، وهي كما بيناها آنفا: ١- أن يكون متعديا في فعله؛ أي: باشره في مكان لا يصح له أن يباشره فيه. ٢- أن يستمر هذا التعدي إلى أن يحدث التلف. ٣- وأن يكون فعله مما لم يتعود الناس فعله في مثل هذا المكان. ٤- وألا تنقطع الصلة بين السبب والنتيجة، أو ألا يحدث ما يقطع اتصال السبب بالنتيجة، كأن لم يبادر إلى إنقاذ نفسه، وقد كان في إمكانه ذلك، أو أن يتعدى عليه شخص فيقتله بعد وقوعه في الحفر حيا، أو يدفعه شخص في الحفرة ... ، فهنا تنقطع الرابطة بين السبب والنتيجة، ويضاف الإتلاف إلى السبب المباشر، فيعتبر هو قاتلا لنفسه في المثال الأول، ويعتبر المباشر هو القاتل في المثالين الأخيرين.

стр. 388

مصدر هذا الخطأ ومنشأ المسئولية: واضح من أمثلة "القتل بسبب خطأ" أن الفاعل أو الجاني يقوم بعمل غير مشروع، فيترتب على هذا العمل آثار غير مقصودة، فحفر بئر في ملك الغير بغير إذنه عمل غير مباح؛ لأن كل إنسان مسلط على ماله، وله وحده الحق في الانتفاع به دون غيره من الناس إلا بإذنه، وكذا لو وضع حجرا في الطريق، كان أيضا عمله غير مشروع؛ لأن حق العامة في سلامة الطريق يمنع أن يحدث فيه مثل هذا العمل، فإذا أحدث شيئا لا يحل له أن يحدثه كان مسئولا عن كل النتائج التي تترتب على فعله. ولقد اشترط الفقهاء لضمان الفاعل في القتل بسبب أن يكون الفعل مما يمكن التحرز عنه، فإن كان مما لا يتحرز عنه يسقط الضمان، وقد صرح بهذا القيد فقهاء الحنفية عندما تعرضوا للجناية التي يرتكبها السائق الدابة أو الراكب لها، والتي يمكن أن تطبق على حوادث السيارات وغيرها من المواصلات الحديثة التي حلت محل الدواب؛ حيث نصوا على أن الراكب لدابة في الطريق ضامن لما أصابت خطأ بيدها أو رجلها أو رأسها، أو كدمت أو خبطت، وكذا إذا صدمت، ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها، والأصل في ذلك أن المرور في طريق المسلمين مباح؛ ولكنه مقيد بشرط السلامة؛ لأنه يتصرف في حقه من وجه وفي حق غيره من وجه؛ لكونه مشتركا بين كل الناس. أما أنه يتصرف في حقه، فلأن الإنسان لا بد له من طريق يمشي فيه لترتيب مهماته، فالحجر عن ذلك حرج، والحرج مدفوع، وأما أنه يتصرف في حق غيره، فلأن غيره فيه كهو في الاحتياج، فبالنظر إلى حقه يستدعي الإباحة مطلقا، وبالنظر إلى حق غيره يستدعي الحجر مطلقا، فقلنا بإباحة مقيدة بشرط السلامة عملا بالوجهين، ويعتدل النظر من الجانبين، ثم إنما يتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه، ولا يتقيد بها فيما لا يمكن التحرز عنه؛ لما فيه من المنع عن التصرف وسد بابه، وهو مفتوح، والاحتراز عن الإبطاء وما يضاهيه ممكن، فإنه ليس من ضرورات التيسيير، فقيدناه بشرط السلامة عنه. والنفحة بالرجل والذنب ليست مما يمكنه الاحتراز عنه مع السير على الدابة فلم يتقيد به. فإن أوقفها في الطريق ضمن النفحة أيضا؛ لأنه يمكنه التحرز عن الإيقاف، وإن لم يمكنه عن النفحة، فصار متعديا في الإيقاف، وشغل الطريق به فمضمنه١، ولقد خصص الفقهاء باب الجناية البهيمة والجناية عليها، ووضعوا قاعدة للضمان وعدمه، وهي كون الفاعل متعديا في فعله، وكون الفعل مما لا يمكن التحرز عنه.

стр. 389

المبحث الثالث: عقوبة القتل الخطأ مدخل ... المبحث الثالث: عقوبة القتل خطأ: قد قررنا فيما سبق أن عقوبة القتل العمد تكون أخروية كما تكون دنيوية، أما القتل خطأ فإن عقوبته الأخروية مرفوعة؛ لأن الخطأ لا يوصف بالحل وبالحرمة، ولا بالحظر ولا بالإباحة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ١. وروي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حديث مشهور، فالقرآن والحديث يثبت أن الخطأ كله معفو عنه، لا جناح على الإنسان فيه، ولا يجب على الإنسان حكم في الجناية خطأ، إلا أن يوجب ذلك نص صريح أو إجماع متيقن.. وقد أثبت كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ عقوبة دنيوية للقتل خطأ، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ... ﴾ الآية٢، وأحاديث الرسول كثيرة سيأتي نصها في بيان مقدار الدية، فبقي ما عدا ما نص عليه القرآن والحديث مرفوعا، وهو الإثم وما يتبعه من عقوبة أخروية، وإن كان الخطأ لا يعرى عن الإثم من حيث ترك العزيمة، والمبالغة في التثبت في حال الرمي؛ إذ إن شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى، ونكتفي بهذا، ثم نوضح العقوبة الدنيوية من دية وكفارة وحرمان من الميراث والوصية.

стр. 390

النوع الأول: الدية: بينت الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ... ﴾ أن في الجناية خطأ الكفارة والدية، ولكنها لم توضح جنس المال الذي تدفع منه الدية، ومقداره، ومن يجب عليه دفعها، وكيفية أدائها، ولكن السنة النبوية الشريفة بينت كل ذلك، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى الدية١، وبينا جنس المال الذي تدفع منه، ونبين هنا مقدارها ومن يتحملها وكيفية أدائها. الفرع الأول: مقدار الدية في الخطأ ونوعها: الدية في الخطأ مائة من الإبل، كالدية في العمد وشبه العمد، إلا أن الفقهاء يختلفون في نوع الإبل التي تؤدَّى في الجناية خطأ إلى رأيين:

стр. 391

الرأي الأول: أنها أرباع كدية العمد، وهذا مروي عن علي والحسن والشعبي والحارث العكلي وإسحاق "خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض"، وقد استدلوا بما ذكره الأمير الحسين في الشفاء عن السائب بن زيد عن النبي ﷺ قال: "دية الإنسان خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض"، وقد أخرجه أبو داود موقوفا على علي ﵁ من طريق عاصم بن ضمرة قال: "في الخطأ أرباعا" فذكر الحديث، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود موقوفا من طريق علقمة والأسود١. وعن زيد: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. وقال طاوس: إنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون بنت مخاض، وعشرة بني لبون، مستدلا بما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور، رواه الخمسة إلا الترمذي٢. الرأي الثاني: أنها أخماس، وذلك هو قول جمهور الفقهاء "عبد الله بن

стр. 392

مسعود والنخعي والزهري وعكرمة والليث والثوري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية" إلا أن ابن مسعود والنخعي والحنفية والحنابلة يرونها كما جاءت في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض ذكرا" رواه الخمسة، وقال ابن ماجه في إسناده عن الحجاج: حدثنا زيد بن جبير، قال أبو حاتم الرازي: الحجاج يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: حدثنا فلان، فلا يرتاب به١. ويرى الفقهاء الآخرون أنها أخماس أيضا إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون، استنادا إلى ما روي في بعض طرق هذا الحديث أنها عشرون بنو لبون مكان قوله: عشرون ابن مخاض، وإلى ما روي عن النبي ﷺ في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض٢. وقال ابن قدامة في ترجيح الأخذ بحديث ابن مسعود "رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ولأن ابن لبون يحب على طريق البدل عن ابنة

стр. 393

مخاض في الزكاة إذا لم يجدها، فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب، ولأن موجبهما واحد فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض، ولأن ما قلناه "أي دفع ابن مخاض لابن لبون" هو الأقل "لأن ابن المخاض ما دخل في الثانية من عمره، وابن اللبون ما دخل في الثالثة"، فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف يجب على من ادعاه الدليل، فأما دية قتيل خبير فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا عمدا، فتكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، والخلاف في دية الخطأ"١. الفرع الثاني: العاقلة: العقل لغة: الحجر -أي المنع- والنُّهى -بضم الميم مع تشديدها جمع نهية- أي أداة التفكير التي تميز الإنسان عن الحيوان، والعقل أيضا: الدية، وعقل القتيل: أعطى ديته، وعقل له دم فلان: إذا ترك القود للدية، وعقل عن فلان: غرم عنه جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأداها عنه "وباب الكل: ضرب". والعاقلة: جمع عاقل، وهو دافع العقل أي الدية، وسمي دافعو الدية بالعاقلة، إما لأنهم يعقلون "يقيدون" الإبل -المقدمة دية- بفناء ولي المقتول، أو لأنهم يمنعون عن القاتل الأضرار من قصاص أو دية. من تجب عليه الدية في القتل الخطأ: للفقهاء رأيان فيمن تجب عليه هذه الدية: أولهما: يرى جمهور الفقهاء أن دية الخطأ على العاقلة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، ومنها

стр. 394

ما روي عن أبي هريرة أنه قال: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة، عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها، وما روي عن ابن عباس في قصة حمل ابن مالك قال: فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا، وماتت المرأة، فقضى على العاقلة بالدية"١. ولا شك أن إيجاب الدية هنا على العاقلة جاء على خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ٢، وقال أيضا: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣، وإنما وجب هنا على العاقلة لا لأن وزر القاتل عليهم، ولا تغليظا وتشديدا عليهم، ولكنه من قبيل المواساة المحضة لإنسان أخطأ، ولم يقصد جناية٤.

стр. 395

وثانيهما: حكي في البحر عن الأصم وابن علية وأكثر الخوارج: أن دية الخطأ في مال القاتل ولا تلزم العاقلة، وقد يستدل لهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، وقال النبي ﷺ : "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه" رواه النسائي، وقال أبي رمثة حين دخل عليه ومعه ابنه: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"، وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ رواه أحمد وأبو داود، والعقل أيضا يمنع أخذ الإنسان بذنب غيره. الترجيح: والرأي الأول هو الصحيح لورود آثار كثيرة عن النبي ﷺ في إيجاب دية الخطأ على العاقلة -وقد ذكرنا بعضا منها آنفا- وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة؛ لأن الآية إنما نفت أن يؤخذ الإنسان بذنب غيره، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني إنما الدية "عند الحنفية وكذا الشافعية على الأصح" على القاتل، وأمر هؤلاء القوم بالدخول معه في تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته.. وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم، وقال النبي ﷺ "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فهذا فعل مستحسن في العقول، مقبول في الأخلاق والعادات. وأما قوله ﷺ : "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة

стр. 396

أخيه" "ولا يجني عليك ولا تجني عليه" فإنه لا ينفي وجوب الدية عن العاقلة على هذا النحو الذي ذكرناه من معنى الآية من غير أن يلام على فعل الغير، أو يطالب بذنب سواه. وقد أضاف الكاساني وجها لطيفا في الجمع بين النصوص فقال: وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فنقول بموجبها، لكن لم قلتم: إن الحمل على العاقلة أخذ بغير ذنب؟ فإن حفظ القاتل واجب على عاقلته، فإذا لم يحفظوا فقد فرطوا، والتفريط منهم ذنب، ولأن القاتل إنما يقتل بظهر عشيرته، فكانوا كالمشاركين له في القتل١. وأيضا فإن وجوب الدية على العاقلة له وجوه سائغة مستحسنة في العقل: أحدهما: أنه جائز أن يتعبد الله تعالى بإيجاب المال عليهم لهذا الرجل من غير قتل كان منه، كما أوجب الصدقات في مال الأغنياء للفقراء. والثاني: أن وضع الدية على العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة؛ ولذلك أوجبها الحنفية على أهل ديوان القاتل دون أقربائه؛ لأنهم أهل نصرته، ألا يرى أنهم يتناصرون على القتال والحماية والذود عن الحريم، فلما كانوا متناصرين في القتال والحماية أمروا بالتناصر والتعاون على تحمل الدية؛ ليتساووا في حملها كما تساووا في حماية بعضهم بعضا. الثالث: أن في إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك، وهو داعٍ إلى الألفة وزوال ذات البين، ألا ترى أن رجلين ولو كانت بينهما عداوة فتحمل أحدهما عن صاحبه ما قد لحقه لأدى ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة. والرابع: أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل

стр. 397

القاتل أيضا عنه جنايته إذا جنى، فلم يذهب حمله للجناية ضياعا. والخامس: أن جنايات الخطأ تكثر بين الناس، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، وقد يستأصل كل أمواله، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تخفيفا عنه إذا كان معذورا في فعله "وينفرد هو بالكفارة" وبهذا فارق ضمان المال فإنه لا يكثير عادة، فلا تقع الحاجة إلى التخفيف، وما دون نصف عشر الدية حكمه حكم ضمان الأموال١. من تجب عليه الدية في الجناية خطأ ابتداء: اختلف الفقهاء أيضا فيمن تجب عليه الدية في الجناية خطأ ابتداء، كما اختلفوا في اشتراك الجاني مع العاقلة في دفع الدية، ونوضح آراءهم في كلا النقطتين: أ- من تجب عليه الدية ابتداء: للفقهاء رأيان فيمن تجب عليه الدية ابتداء: أولهما: يرى الحنفية والشافعية "على الأصح" أن دية الخطأ تجب ابتداء على القاتل، واستدلوا بأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ معناه: فليحرر رقبة وليؤد دية، وهذا الخطاب موجه إلى القاتل لا إلى العاقلة، وهذا يدل على أن الوجوب على القاتل ابتداء، وأيضا لأن سبب الوجوب هو القتل، وأنه وجد من القاتل لا من العاقلة، فكان الوجوب عليه لا عليها، وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة على القاتل.

стр. 398

وثانيهما: يرى كثير من الفقهاء "الشافعية في مقابلة الأصح" والحنابلة والظاهرية والإمامية وهو قول الأوزاعي والحسن بن حي وأبو سليمان: أن الدية تجب على العاقلة ابتداء، ولا تجب على القاتل؛ وذلك لما روي أن رسول الله ﷺ قد حكم بالدية على عصبة القاتلة، كما في حديث أبي هريرة: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها. ومن طريق مسلم بسنده عن المغيرة بن شعبة وذكر الحديث، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب" وجعل عليهم الدية، ثم يقول ابن حزم: فهذا نص حكم رسول الله ﵌ ببراءة الجانية من الدية جملة، وأن ميراثها لزوجها وبنيها، لا مدخل للغرامة فيه، والدية على عصبتها، وهي ليست عصبة لنفسها، لا في شريعة ولا في لغة، فصح يقينا أنه لا يغرم الجاني من دية النفس ولا من الغرة شيئا. ب- اشتراك الجاني مع العاقلة: وللفقهاء ثلاثة آراء في ذلك: أولها: يرى الحنفية والمالكية اشتراك الجاني مع العاقلة من الابتداء إلى الانتهاء؛ وذلك لأن العاقلة إنما أمرت بالدخول مع القاتل في تحمل الدية على سبيل المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب الجناية -كما بينا آنفا- فلا أقل من أن يشاركهم في أدائها. ثانيها: يرى الشافعية "على الأصح" والزيدية: أنها تجب على الجاني في الانتهاء، وذلك أنه عند فقد العاقلة -عند الزيدية- تكون في مال الجاني، وعند فقد العاقلة وعدم وجود بيت المال أو عدم انتظامه تكون في مال الجاني -عند الشافعية- لكن قبل ذلك لا يشترك في أدائها مع العاقلة.

стр. 399

ثالثها: يرى الحنابلة والشافعية "في مقابل الأصح" والإمامية والظاهرية: أنها لا تجب عليه ابتداء، وكذا انتهاء، مستدلين بالأدلة التي ذكرناها في الرأي الثاني "فيمن تجب عليه الدية" وقالوا أيضا: إن الجاني خطأ لم تلزمه الدية فلا يلزمه بعضها، كما لو أمره بالإمام بقتل رجل يعتقد أنه قتل بحق فبان مظلوما، فلا يلزمه شيء فكذا هنا، ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه. الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول في كلا النقطتين لعدة وجوه: أولها: أن الآية الكريمة أوجبت في القتل خطأ تحرير رقبة وتقديم الدية، والخطاب هنا موجه إلى القاتل، بدليل أن الكفارة تلزمه وتجب عليه هو فكذلك الدية، والكفارة تجب في ماله فكذا الدية، إلا أن السنة أضافت إلى ذمته ذمة العاقلة مواساة له وإعانة ورفقا بحاله ونظرا إليه. وثانيها: أن التعاون والتآزر بين أفراد العاقلة يكون أتم إذا اشترك الجاني معهم في دفع الدية، ويتحقق التعاطف والمواساة بين الجانبين. وثالثها: أن الدية تعويض عن المجني عليه وعقوبة، وهذه العقوبة وإن خففت عن القاتل لعدم قصده إلا أنه ليس من المقبول عقلا إسقاطها عنه جميعها وتكليف غيره بأدائها دونه، مما يؤدي إلى إيغار صدور العاقلة عليه وتغير شعورهم نحوه، وما لا يقبل عقلا يبعد أن يكون مقبولا شرعا. الفرع الثالث: حقيقة العاقلة: اختلف الفقهاء في تحديد مدلول العاقلة إلى رأيين: الرأي الأول: يرى الحنفية أن عاقلة الحر هم أهل ديوانه إذا كان

стр. 400

من أهل الديوان، وقد وافقهم المالكية في إحدى الروايتين "وأهل الديوان هم المقاتلة "الجيش" من الرجال الأحرار البالغين الذين كتبت أسماؤهم في الديوان، والديوان هو السجل الذي تدون فيه أسماء المحاربين" تؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين، ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته الأقرب فالأقرب على ترتيبت العصبات: الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم؛ لأن نصرته بهم، وهي المعتبرة في التعاقل، فإن لم تتسع القبيلة ضم إليهم أقرب القبائل نسبا، وضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات: الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم. الدليل: وقد استدل الحنفية على أن العاقلة هم أهل الديوان بإجماع الصحابة ﵃ على ذلك، فإنه روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانت الديات على القبائل فلما وضع عمر ﵁ الدواوين جعلها على أهل الدواوين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃ من غير نكير منهم. فإن قيل: قضى رسول الله ﷺ بالدية على العاقلة من النسب، فكيف يقبل قول عمر ﵁ على مخالفته فعل الرسول ﷺ ؟!! ولا نسخ بعد رسول الله ﷺ . فالجواب: أنه ليس بنسخ، بل هو تقرير للنص معنى؛ لأنه لو كان عمر ﵁ فعل ذلك وحده لكان الواجب حمل فعله على وجه لا يخالف فعل رسول الله ﷺ إلا أن فعله كان بمحضر من الصحابة ﵃ ولا يظن من عموم الصحابة مخالفة فعله ﵊ فدل هذا على أنهم فهموا أن فعله ﷺ كان معلولا بالنصرة، ولما صارت النصرة في زمانهم بالديوان، نقلوا العقل إلى

стр. 401

الديوان، فلا تتحقق المخالفة، وإنما هو تقرير معنى للنص الوارد، ووجهه أن التحمل من العاقلة كان للتناصر، وقبل وضع الديوان كان التناصر بالقبيلة، كما كان بالحلف وبالولاء وبالعد، وهو أن يعد الرجل من قبيلة، وبعد أن وضع عمر الديوان صار التناصر بالديوان، فصارت عاقلة الرجل أهل ديوانه، وأيضا فإنه لا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين والرقيق١ الدية؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة، مما يؤكد أن فعل الرسول ﷺ معلول بالنصرة، وقد أصبحت النصرة بالديوان٢ فيكون أهل الديوان هم العاقلة، فإن لم يكن القاتل ديوانا، كانت عاقلته قبيلته على حسب ما أوردناه آنفا. الرأي الثاني: قال جمهور الفقهاء "الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية وكذا المالكية في أحد الرأيين": إن العاقلة هم العصبة، وهم القرابة من قبل الأب، الذكور البالغون العقلاء، الأقرب فالأقرب. وقد استدلوا بأحاديث عن الرسول ﷺ منها ما روى جابر ﵁ قال: كتب رسول الله ﷺ : "على كل بطن عقولة"، ثم كتب: "إنه لا يحل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه" رواه مسلم وأحمد والنسائي. والحديث يدل على تحريم أن يتولى رجل ما مولى رجل آخر، وليس المراد بقوله: "بغير إذنه" أنه يجوز٣ ذلك مع الإذن، بل المراد التأكيد،

стр. 402

كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ . وعن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها "رواه مسلم". كما روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط، وهي حبلى، فقتلتها، وإحداهما لحيانية، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا نطق واستهل فمثل ذلك بطل، فقال رسول الله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب"، قال: وجعل عليهم الدية "رواه مسلم"١. فوجب أن نبدأ في العقل بالعصبة، كما أمر رسول الله ﷺ وألا نتجاوز البطن كما حد رسول الله ﷺ . انعدام العصبة النسبية: فإن لم توجد العصبة النسبية، فقال الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية "خلافا للظاهرية": تكون على العصبة السببية فالمعتق -بكسر التاء- ثم عصبته يتحملون الدية؛ وذلك لما روي عن الرسول ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب"، ولأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم فيدخلون في الدية كالقريب، ولا يعتبر أن يكونوا وراثين في الحال، بل متى كانوا يرثون -لولا الحجب- عقلوا؛ لأن النبي ﷺ

стр. 403

"قضى بالدية بين عصبة المرأة، لا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها"١، ولأن الموالي من العصبات فأشبهوا العصبة النسبية. الترجيح: نرى رجحان الرأي الأول؛ للأدلة التي ذكروها ولما يأتي: أولا: لقد كان التناصر في عصر الرسول ﷺ بين الأفراد بعد العقيدة بالقبيلة، والتناصر في القبيلة كان بقرابة الأب، هم العصبة، ولما فتحت بلاد كثيرة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأصبحت دولة الإسلام تمنح الرعوية الإسلامية لكل من اعتنق الإسلام وبها يباح له التنقل والعيش في المكان الذي يختاره، رحل العرب إلى الأمصار المختلفة ليعملوا ويرشدوا، ورحل العجم إلى بلاد العلم ليغترفوا من تعاليم الإسلام وينموا مواردهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وكانت الأمصار محط رحال الجميع، فأصبحت الأمصار تجمع من المواطنين جموعا لا تربطهم روابط النسب، وإنما تربطهم روابط وعلاقات مختلفة، وهذه العلاقات وتلك الروابط لا يمكن حصرها ولا ضبطها، فمنهم أهل العلم، ومنهم أهل التجارات، ومنهم أهل الحرف ... ولما كانت تنظيمات الدولة الإسلامية تقضي بتكوين وحدات إدارية، تتحمل كل وحدة منها تبعات ما يلحق بعض أفرادها، فإن جنى شخص منهم جناية خطأ تحملت هذه الوحدة معه دية المقتول، كما سبق أن أوضحنا تخفيفا عنه ومواساة لأهل المقتول، وكانت هذه الوحدة هي "عصبة الرجل"، أيام أن كان القبيلة لا زالت متجمعة في مكان معين

стр. 404

أما بعد حدوث هذا الانفتاح على الأقطار والشعوب المختلفة، وضعف الترابط بالقبيلة، فقد رأى عمر ﵁ أن يضع الدواوين فوضعها، وربط الجماعة التي تعيش في مكان واحد، أو تعيش على بقعة معينة من الأرض برباط دفاعي؛ حيث جعل للمقاتلين منهم سجلا تدون به أسماؤهم وجعل لهم مرتبات وعطايا ورباط اجتماعي؛ حيث جعلهم يتعاقلون الجنايات التي تقع من بعض أفرادهم خطأ، أو شبه عمد، على ما رآه بعض الفقهاء١. ومن هنا عالج عمر ﵁ هذا الوضع على أساس من فهم في النص الوارد عن الرسول ﷺ وهو أنه معلول بالنصرة، فهذا المعنى كان موجودا في عصر الرسالة في العصبة، أما في عصره فقد أصبح التناصر بالديوان. ثانيا: أن عمر ﵁ حين وضع الدواوين وحددها -كما ذكرنا- فإنه لم يهدم فكرة العصبة، بل إنه اعتد بها، طالما كانوا يعيشون في مكان واحد، وضم إليهم غيرهم ممن اقتضت ظروف حياتهم أن يعيشوا معهم، وأن يساكنوهم تلك البقعة من الأرض "الديوان" فكانت هذه المعاشرة رباطا جديدا به تضعف صلته بقرابته الأصلية التي تعيش في مكان بعيد لا تراه ولا يراها، ولا تأخذ على يده إن إراد شرا، ولا يأخذ على يد أحد منهم كذلك، وأصبح الآن في مكان يرتبط فيه مع الآخرين برباط العقيدة أولا، ثم رباط السكنى والمعاشرة ثانيا، ثم الرباط الثالث الذي قرره الشرع -كما فسره عمر- وهو رباط التناصر. إذن فقول عمر لم يهدم فكرة العصبة نهائيا، وإنما أقام فكرة الديوان لتحتوي العصبة، كما تحتوي من يعاشرونها معاشرة دائمة من الأشخاص

стр. 405

غير الأقارب؛ لأن رباط التناصر جمع بينهم، ومن هنا نرى رجحان ما ذهب إليه عمر ﵁ ومن تبعه من الفقهاء ومنهم الحنفية والمالكية في أحد الرأيين. ذوو الأرحام والزوج والأصل والفرع: إذا وجبت الدية على العصبة -إذا لم يكن القاتل ديوانيا بناء على الرأي الأول، أو كانت العاقلة هي العصبة بناء على الرأي الثاني- فهل يدخل في العاقلة ذوو الأرحام والزوج، وكذا الأصل والفرع؟ اختلف الفقهاء في دخول هؤلاء، ونوضح رأيهم فيما يلي: أولا: ذوو الأرحام والزوج: اختلف الفقهاء في دخولهم في العاقلة إلى رأيين: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء أن غير العصبات من الإخوة لأم وسائر ذوي الأرحام والزوج، وكل من عدا العصبات ليسوا من العاقلة، ولعلهم يستندون في هذا إلى أن مدلول العصبة معلوم لغة وفقها١، وإذا كان

стр. 406

معلوما فلا يمكن تجاوزه، ولقد قال ابن قدامة في الشرح الكبير: إنه لا خلاف بين أهل العلم على هذا١، غير أننا وجدنا رأيا مرجوحا للإمامية وهو: الرأي الثاني: يرى الإمامية -في رأي مرجوح- أن العاقلة هي الورثة لمال القاتل لو قتل، ولا يلزم من لا يرث ديته شيئا مطلقا؛ وقيل: هم المستحقون لميراث القاتل من الرجال العقلاء من قبل أبيه وأمه٢. ومن هذا يتضح لنا أن ذوي الأرحام قد يكونون من العاقلة -بناء على هذا الرأي- إذا كانوا وارثين، أو ممن يستحقون الإرث. الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول؛ لأن العصبة لا تطلق "كما قلنا" على هؤلاء لا لغة ولا اصطلاحا، وليس للرأي الثاني دليل يستند إليه. ثانيا: اختلف الفقهاء في الأصل والفرع؛ أي: الآباء والأبناء، هل هم من العاقلة أم لا؟ إلى رأيين: الرأي الأول: قال أبو حنيفة في رواية عنه ومالك وأحمد في رواية عنه، والإمامية "على غير المشهور": الأصل والفرع يدخلون في العصبة فيكونون من العاقلة؛ وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها: من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها" رواه أبو داود. فقد جعل الحديث الدية على العصبة، وعرفهم بأنهم الذين لا يرثون

стр. 407

من الميت إلا ما فضل عن أصحاب الفروض، وهذا يعم الأصل والفرع. ولأن الأب والابن عصبة فأشبهوا الإخوة فيعقلون معهم، ويؤكد ذلك أن العقل موضوع على التناصر، وهم من أهله، ولأن العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه، فكانوا أولى بتحمل عقله. الرأي الثاني: قال الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، والإمامية على المشهور: ليس الآباء والأبناء من العاقلة؛ وذلك لما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه، رواه أبو داود والنسائي. وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلتها وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا، فقال رسول الله ﷺ : "ميراثها لزوجها وولدها" رواه أبو داود. قالوا: فإذا ثبت هذا في الأولاد قسنا عليه الوالد؛ لأنه في معناه، ولأن مال ولده ووالده كماله؛ ولهذا لم تقبل شهادتهما له ولا شهادته لهما، ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا والآخر موسرا، وعتق عليه إذا ملكه، فلا تجب في ماله دية كما لم يجب في مال القاتل١. الترجيح: والرأي الثاني هو الراجح لصحة الأحاديث المروية عن الرسول ﷺ التي تثبت أنه لم يحمل عقل المرأة الهزلية لزوجها وولدها، وحمله عصبتها، فدل هذا على أنهما لا يدخلان في العاقلة، وكذا الوالد قياسا، ولعل الحكمة في ذلك أنه نظرا لاختلاط المنافع بين هؤلاء، يكون تحميلهم الدية فيه إجحاف بهم، وتشديد عليهم، والجناية خطأ قد

стр. 408

روعي فيها التخفيف، وليس من التخفيف أن يتحمل الجاني -كما هو رأي بعض الفقهاء١- وأن يتحمل أبناؤه وأبوه والزوج الدية مع العاقلة، وهم أسرة واحدة؛ لأن هذا سيؤدي إلى أن يتحملوا مقدارا كبيرا من الدية قد يثقل عليهم، وهذا لا يتناسب مع ما قصد إليه المشرع الحكيم من التخفيف عن الجاني. تحمل بيت المال عند انعدام العاقلة: إذا لم يوجد أحد من العاقلة فهل تسقط الدية أم تجب على بيت المال أم على الجاني في ماله؟ ثلاثة آراء: الرأي الأول: قال جمهور الفقهاء "أبو حنيفة في ظاهر الرواية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وكذا الإمامية إذا لم يوجد ضامن الجريرة، وهو مذهب الزهري": تجب في بيت المال، وقد استدلوا بما يأتي: ما روي أن النبي ﷺ ودى الذي قتل بخيبر؛ أي: دفع ديته. ما روي أن رجلا قتل في زحام في زمن عمر بن الخطاب، فلم يعرف قاتله، فقال علي بن أبي طالب لعمر ﵄: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم "أي لا يهدر" فأدى عمر ديته من بيت المال. وأيضا لأن بيت المال وارث من لا وارث له، فيجب فيه دية من لا عاقلة له؛ لأن الغرم بالغنم.

стр. 409

وبناء على هذا الرأي، فإن بيت المال يؤدي الدية كلها عند عدم وجود العاقلة، وكذا يؤدي الباقي إن كان له عاقلة لا تحمل الجميع. ويؤدي بيت المال هذه الدية دفعة واحدة على الأصح١؛ لأن النبي ﷺ أدى دية الأنصاري دفعة واحدة، وكذلك عمر ﵁، ولأن الدية بدل متلف فيجب كله في الحال كسائر بدل المتلفات، وإنما أجل على العاقلة تخفيفا عنهم، ولا حاجة إلى ذلك بالنسبة لبيت المال٢. الرأي الثاني: يريد الزيدية أنه إذا لم يكن للجاني عاقلة، أو كانت ولم تف الدية لقلتهم، أو كثرة اللازم، كانت الدية في ماله إن كان له مال يملكه، ثم إذا لم يكن له مال، أو كان له مال ولم يف، لزمت من بيت المال منجمة في ثلاث سنين، ثم إذا لم يكن ثمة بيت مال عقل عنه المسلمون في ثلاث سنين المقيمون في ناحيته، وإلا انتقل إلى أقرب جهة إليها٣. ولم يستدل المذهب لرأيه بأي دليل. الرأي الثالث: ذكر ابن حزم أن طائفة قالت: إنه لم يكن للجاني عاقلة فإنه لا شيء في جنايته، واستدلوا بما روي عن ابن جريج قال: زعم عطاء أن سائبة من سيب مكة أصابت إنسانا فجاء إلى عمر بن الخطاب، فقال له عمر: ليس لك شيء "قال" أرأيت لو شججته؟ قال: آخذ له منك حقه "قال" ولا تأخذ لي منه، قال: لا، قال: هو إذا الأرقم إن يتركني ألقم وإن يقتلوني أنقم، قال عمر: فهو الأرقم٤.

стр. 410

الترجيح: والرأي الأول -وهو رأي جمهور الفقهاء- هو الراجح؛ لما ذكرنا من الأدلة التي استند عليها من السنة ومن الأثر ولما يأتي: ١- أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا ... ﴾ الآية، أوجب الكفارة والدية في كل قتل وقع خطأ، ولم تبين الآية أن الدية إنما تجب عند وجود العاقلة، ولا تجب عند عدمها، بل جعلت الدية واجبة التسليم مطلقا لأهل المقتول خطأ، سواء وجدت العاقلة أو لم توجد. ٢- أن الرسول ﷺ قد قضى في الجنين بغرة، عبد أو أمة، أو عشر من الإبل، أو مائة شاة، وقد وقع هذا أيضا مجملا ولم يخص حالة دون حالة، فوجب أن تكون الدية حقا لأهل المقتول في جميع الحالات، وجدت العاقلة أم لم توجد. ٣- أن الأحاديث التي نظمت دفع الدية في القتل الخطأ مكملة لبعضها ومكونة لحكم تشريعي واحد، فقد وردت أحاديث تبين أن الدية هنا على العاقلة -كما أوضحنا فيما تقدم- كما أن الرسول ﷺ دفع دية الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال، وذلك حيث لم يعرف قاتله. وكذا قول علي لعمر ﵄ في الرجل الذي قتل في الزحام: "لا يطل دم امرئ مسلم" لا يكون إلا عن مسند ثبت عنده عن رسول الله ﷺ ولقد أخذ به عمر، وأدى الدية إلى أهل المقتول من بيت مال المسلمين، بل إن عمر ﵁ قد كتب إليه أبو موسى الأشعري يستفتيه في الرجل يموت بيننا ليس له رحم، ولا مولى، ولا عصبة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إن ترك رحما فرحم وإلا فالمولى،

стр. 411

وإلا فلبيت مال المسلمين، يرثونه، ويعقلون عنه١. فقد صرح عمر في هذا النص بأن بيت المال كما يكون وارث من لا وارث له، كذلك يقوم بدفع دية من لا عاقلة له؛ إذ الغرم بالغنم. فإن لم يوجد بيت المال أو تعذر الوصول إليه فيمكن أن نأخذ بقول المالكية والشافعية على الأصح: إنها تجب على الجاني في ماله وتنجم عليه على الظاهر؛ لأن القتل خطأ، فهو في هذه الحالة قائم مقام العاقلة "الشرح الكبير للدسوقي ج٤، ص٢٥١". مظاهر التخفيف في دفع العاقلة الدية: راعَى المشرع الحكيم ظروف الجناية من حيث كونها وقعت خطأ، فخفف عن الجاني عبثها وأشرك معه العاقلة، كما راعى ظروف العاقلة؛ حيث إنها لم ترتكب جناية ولم يكن لها اشتراك فعلي في اقتراف الجاني لها فخفف عنها، وقد بدأ التخفيف واضحا في عدة مظاهر: أولا: إعفاء من لا تمكنهم ظروفهم الطبيعية أو الاجتماعية من دفع الدية: العاقلة -سواء كانت هي أهل الديوان أم العصابات- قطعة من المجتمع يوجد فيها القوي والضعيف، والصغير والكبير، والقادر والعاجز؛ ولذلك رأينا الفقهاء يتناولون بالبحث من اكتنفتهم بعض مظاهر الضعف، طبيعيا كان الضعف أم اجتماعيا، أم ماليا، أم صحيا؛ نظرا لأن حالتهم تستدعي أن يواسوا ويساعدوا لا أن يواسوا غيرهم ويساعدوه٢، ونوضح ذلك فيما يلي:

стр. 412

أ- مظاهر الضعف الطبيعية كالصبي والجنون والأنوثة: اتفق الفقهاء على أن المرأة لا تعقل عن غيرها، واختلفوا في الصبي والمجنون إلى رأيين: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية" أن الصبي الذي لم يبلغ والمجنون والمرأة لا يشتركون مع العاقلة في دفع الدية؛ وذلك لقول عمر ﵁: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة -والمجنون حكمه حكم الصبي لاشتراكهما في الضعف العقلي- ولأن العقل "الدية" إنا يجب على أهل النصرة، والناس لا يتناصرون بالصبيان والمجانين؛ ولهذا لا توضع عليهم الجزية إذا كانوا ذميين؛ لأن الجزية بدل النصرة، وأيضا لأن هذا الضمان صلة وتبرع والصبيان والمجانين ليسوا من أهل التبرع. الرأي الثاني: يرى الظاهرية أن الصبي والمجنون يدخل في العاقلة يتحمل ما يتحملونه من الدية؛ وذلك لأن اسم العصبة يقع عليهم، والأحاديث قد جعلت الدية على العصبة، وليس هناك نص يخرجهم ولا إجماع، وأيضا فإن الغرامات المالية كزكاة الأموال- عند من يقول بإيجابها عليهم- وكزكاة الزروع والثمار عند الجميع، وكالنفقات التي تجب عليهم للأولياء والأمهات١، لا تسقط عنهم فكذلك الدية. الترجيح: ولما كان الرأي الأول يستند إلى قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" الحديث وقد تقدم"، وإلى ما روي عن عمر ﵁ في ذلك، وهو نص في المسألة، فإنهما يكونان خارجين بهذا النص، وأما قياسها على الزكاة والنفقات فيرد عليه بأنه لا قياس مع النص.

стр. 413

هذا فضلا عن الصبي والمجنون ممن يحتاج إلى الرعاية والعناية والمواساة، ويحتاج إلى المحافظة على أمواله وعدم تسربها، وبخاصة أنه مهما بلغت رعاية الولي لها إلا أنها لا تصل إلى رعاية الإنسان لماله بنفسه؛ ولهذا حذر القرآن الكريم في سورة النساء١ من ينالونها بغير وجه حق؛ نظرا للطمع الذي يسيطر على النفس البشرية أمام مال الغير، أيا كان هذا الغير. ب- مظاهر الضعف الاجتماعية، وهي الرق: وكذلك لا يعقل الرقيق عن غيره ولو كان مكاتبا؛ لأن هذا الضمان -كما قلنا- صلة وتبرع بالإعانة، والمملوك ليس من أهل التبرع؛ لأنه لا يملك؛ لأن "العبد وما ملكت يداه لسيده" كما قال رسول الله ﷺ ، فإذا أوجبنا عليه كان هذا إيجابا على السيد، فيجتمع على السيد واجبان، ما يدفعه عن نفسه وما يدفعه عن عبده، وفي هذا تثقيل يتنافى مع التخفيف المراعى في إيجابة الدية. ج- مظاهر الضعف المالية الفقر: للفقهاء في إيجاب الدية على الفقير رأيان: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة -غير رواية أخرى عن الإمام أحمد- والإمامية" أن الفقير لا يعقل عن أحد؛ لأن العاقلة إنما تحمل الدية مواساة منها للقاتل، والمواساة لا تلزم الفقير كما لا تلزمه الزكاة؛ إذ هو في حاجة إلى مواساة، ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل، فلا يجوز التثقيل بها على من

стр. 414

لا جناية منه، وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف له ما لا يقدر عليه "ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، ولأن الفقهاء قد أجمعوا على أنه لا يكلف أحد من العاقلة ما يثقل عليه ويجحف به، وتحميل الفقير شيئا منها يثقل عليه ويجحف بماله، وربما كان الواجب عليه جميع ماله أو أكثر منه، أو لا يكون له شيء أصلا، وهذا تكليف بما لا يطاق١. الرأي الثاني: يرى الزيدية، والإمام أحمد في رواية ذكرها أبو الخطاب: أن الفقير يتحمل في الدية كالغني؛ لأن المحمول شيء يسير وما لزمه يكون من جملة الديون التي عليه، ويبقى في ذمته، وقد نص الزيدية على أنه إن تعذر عليه الدفع فلا شيء عليه. الترجيح: يتضح مما تقدم أن الرأي الأول هو الراجح؛ وذلك لقوة الأدلة التي استند عليها، وأيضا لأن في إيجابها على الفقير ضياعا وإهدارًا لما شرعت له الدية؛ لأنهاشرعت مواساة ومساعدة لأسرة المقتول وتعويضا لهم عما فقدوه بفقدان عائلهم، فإذا وكل دفعها إلى الفقراء، وقد لا تتيسر حالتهم في المستقبل، أدى هذا إلى عدم أدائها إليهم، وهو ضد النص الكريم القائل: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ . د- مظاهر الضعف الصحية كالمرض والعمى: ذكر ابن قدامة أن المريض يعقل عن الجناية إذا لم يبلغ حد الزمانة، وكذا الشيخ إذا لم يبلغ حد الهرم؛ لأنهما من أهل النصرة والمواساة. أما الزمن والشيخ الفاني ففي اشتراكهما وجهان:

стр. 415

أحدهما: لا يعقلان؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة؛ ولهذا لا يجب عليهما الجهاد، ولا يقتلان إذا كانا من أهل الحرب، وكذلك يخرج على هذا الوجه الأعمى؛ لأنه مثلهما في هذا المعنى. والثاني: يعقلان؛ لأنهما من أهل المواساة؛ ولهذا تجب عليهما الزكاة، وهذا التوجيه ينتقض بالصبي والمجنون؛ إذ تجب عليهما الزكاة عند جمهور من الفقهاء ولا يدفعان الدية "وخالف في إيجاب الزكاة عليهما الحنفية وجمع من الصحابة والتابعين وأتباعهم"١. ثانيا: تحمل كل فرد قدر طاقته: يراعي التشريع الإسلامي دائما أن يكون التكليف بما يطاق، أما ما لا يطاق، فإنه لا يكلف الله به أحدًا، قال تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وقد راعى الفقهاء هذا في تحديدهم مقدار ما يدفعه كل فرد في العاقلة، إلا أنهم اختلفوا في طريقة التحديد إلى طائفتين: الطائفة الأولى: وهم المالكية والحنابلة والإمامية والظاهرية يرون أن يترك التحديد للاجتهاد، فيوضع على كل فرد بقدر طاقته، كما يوضع على العاقلة بقدر طاقتها، فلا يحد مقدار معين؛ وذلك لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف ولا يثبت بالرأي والتحكيم، ولا نص في هذه المسألة، فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات. الطائفة الثانية: وهم الحنفية والشافعية والزيدية، ورواية أخرى عن الإمام أحمد: يرون تحديد ما يجب على كل فرد من العاقلة

стр. 416

بمقدار معين في حدود ما يطيق.. وقد اختلفوا في المقدار١. أما الحنفية فقد قدروا على كل فرد ما لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة دراهم في الثلاث سنوات في كل سنة درهم، أو درهم وثلث٢. وأما الشافعية -ورواية عن الإمام أحمد- فقد ضربوا على الغني من العاقلة "وهو من يملك فاضلا عما يبقى له في الكفارة عشرين دينارا٣ أو قدرها، اعتبارا بالزكاة" نصف دينار على أهل الذهب، أو قدره دراهم على أهل الفضة، وهو ستة دراهم؛ لأن ذلك أول درجة المواساة في زكاة النقد، والزيادة عليه لا ضابط لها. كما أوجبوا على المتوسط من العاقلة "وهو من يملك فاضلا عما ذكرناه آنفا دون العشرين دينارًا، أو قدرها، وفوق ربع دينار؛ لئلا يبقى فقيرًا" ربع دينار أو ثلاثة دراهم؛ لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه، والغني الذي عليه نصف دينار. وقال الزيدية: يجب على كل واحد من عاقلة الجاني، غنيا كان أم فقيرا، دون عشرة دراهم. الترجيح: ونرى رجحان الأول الذي يقضي بترك التحديد لاجتهاد الحاكم؛ وذلك لأمور ثلاثة: أولها: أنه لم يرد نص ولا خبر، بتحديد ما يتحمله الفرد في العاقلة من

стр. 417

الدية، وفي هذا يقول الإمام النووي معقبا على ما قاله الشافعية من التحديد: "وكون الغني عليه نصف دينار، والمتوسط ربع لا يعرف في ذلك أثر ناص ولا خبر؛ لكنهم راعوا معنى المواساة". ثانيها: أنه لما لم يكن هناك نص ولا خبر، فإن الفقهاء اختلفوا في قياس هذه المسألة، فالرأي الأول قاسها على النفقات، فكما أن الأمر متروك في النفقات لاجتهاد الحاكم أو من أنابه عنه اتفاقا، فللحاكم أن يقدر النفقة على حسب حالة الشخص الواجبة عليه النفقة يسرا وعسرا، فكذلك الأمر هنا يترك لاجتهاد الحاكم حسب حالة الشخص.. وأما الشافعية فقد قاسوها على الزكاة، حتى أنهم جعلوا الغني هو من يملك نصابا، وأوجبوا عليه نصف دينار.. إلا أنهم لم يلتزموا بذلك، بل أوجبوا على من لم تجب عليه الزكاة وهو من يملك دون العشرين دينارا وأكثر من ربع دينار، وهو المتوسط، ربع دينار، فلم يطرد القياس في المسألة.. أما من حدد من الفقهاء بقدر معين دون قياس، بل راعى في ذلك التخفيف عن العاقلة، وقدر هذا التخفيف بمقدار معين كالحنفية والزيدية.. فإن مرجع التحديد عندهم هو الاجتهاد؛ وذلك لأنهم قالوا: إن هذا الأمر يسهل تحمله ولا يشق على من يجب عليه أداؤه.. ومن هنا كان هذا الرأي لا يختلف كثيرا عن رأي من قال بترك الأمر لاجتهاد الحاكم؛ لأنه عند الجميع يكون مصدره الاجتهاد. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نرى رجحان قياس هذه المسألة على تقدير النفقة، فيترك الأمر فيه لاجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه؛ وذلك لأن النفقة حق من حقوق العباد، والدية أيضا حق من حقوق العباد، فيصح لمن له هذا الحق التنازل عنه، أو الصلح عليه، أو الإبراء، وكذلك يكون له حق الاستيفاء.. إلى آخر ما نعلمه من خواص حقوق العباد، أما الزكاة فهي حق من حقوق الله تعالى، وحقوق الله تعالى لا يصح فيها إبراء ولا صلح

стр. 418

ولا تنازل وحق استيفائها يكون للإمام.. وإذا كان الحقان -حق النفقة وحق استيفاء الدية- متفقين في هذا ناسب قياس الأخير على الأول، فضلا عن كون القياس على الزكاة، لم يطرد فيما أوجبوه، كما سبق أن أوضحنا. ثالثها: أن في ترك أمر التحديد لاجتهاد الحاكم ليضع على كل فرد بقدر طاقته اعتدادا بما يكتنف المجتمع من تطورات اقتصادية، قد ترتفع حينا وقد تنخفض حينا آخر، وهذه التطورات لها آثار على قدرة الفرد على الأداء ارتفاعا وانخفاضا، فما يخف تحمله في زمن يثقل تحمله في زمن آخر، والعكس كذلك صحيح، وضمانا لمراعاة ظروف المجتمع وكل من المتحمل والمتحمل له، وتحقيقا لعدالة التحمل وعدالة الأداء ما دام القيد الذي التزمنا به مطبقا، وهو أن يضع على كل فرد بقدر طاقته. رابعها: إذا قلنا بترك الأمر لاجتهاد الحاكم، فإنني لا أرى أن يترك التحديد للاجتهاد الفردي للفضاء بحيث يحكم كل بما يراه.. بل أرى أن يكون التحديد بواسطة الدراسة الجماعية للمجتهدين لكل ظروف العصر ثم ما يرونه ويقرونه يطبقه الجميع -وهذا ما قرره الفقهاء الذين حددوا، كما رأينا فيما تقدم- ولا يتغير هذا التحديد إلا بدراسة أخرى على نفس المستوى مبنية على تغيرات في المجتمع استدعت هذه المراجعة، وفي هذا ضمان تام للحقوق واستقرار شامل للأحكام. طروء الإعسار أو الموت على أحد أفراد العاقلة: إذا أعسر أو مات أحد أفراد العاقلة فهل يسقط ما وجب عليه؟ اختلف الفقهاء في ذلك، ونبين آراءهم فيما يأتي: أولا: الإعسار: إذا أعسر أحد أفراد العاقلة بعد الحكم عليه فإما أن يكون إعساره قبل وجوب الأداء أو بعده، فإن كان إعساره قبل الوجوب فللفقهاء رأيان:

стр. 419

الرأي الأول: يرى المالكية أنه لا يسقط عن المعسر ما تقرر عليه بقدر طاقته، يحل محل بإعساره، ويصبح دينا في ذمته، وحينئذ ينظر إلى ميسرة، ويحبس لثبوت عسره لأجل الإنظار. الرأي الثاني: يرى الشافعية والحنابلة أنه لا شيء عليه؛ لأنه أصبح بالإعسار غير أهل للمواساة، أو لأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة، والزكاة لا بد فيها من توافر شروط وجوبها في آخر الحول. أما إن كان الإعسار بعد الحكم وبعد حلول الأجل، فإن فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة قالوا: لا يسقط الواجب عنه ويصبح دينا في ذمته. ثانيا: الموت: إذا مات أحد أفراد العاقلة بعد الحكم، فإما أن يموت قبل حلول أجل الأداء أو بعده، فإن مات قبل حلول أجل الأداء فللفقهاء رأيان: الرأي الأول: يرى المالكية: أنه لا يسقط عنه ما وجب عليه ويحل عليه الواجب بموته، ويستوفى من تركته؛ لأنه أصبح دينا في ذمته. الرأي الثاني: يرى الشافعية والحنابلة والزيدية: أنه لا شيء عليه، ويسقط بموته؛ لعدم وجوبه عليه؛ لأنه إنما يجب عليه آخر الحلول، وفي آخر الحلول لم يكن موجودًا. وإن مات بعد الحكم وبعد حلول الأجل، فللفقهاء رأيان أيضا: الرأي الأول: يرى المالكية والحنابلة والزيدية: أنه لايسقط عنه؛ لأنه حين الوجوب كان موجودا، ووجب عليه، وإذا وجب عليه أصبح دينا في ذمته، فيستوفى من تركته.

стр. 420

الرأي الثاني: نقل ابن قدامة في الشرح الكبير عن أبي حنيفة أنه يسقط بالموت؛ لأنه خرج عن أهلية الوجوب فأشبه ما لو مات قبل الحول. الترجيح: أرى رجحان القول بأنه إذا أعسر أو مات أو جن قبل حلول الأجل، وهو آخر الحلول، لا شيء عليه، وحينئذ يحل غيره من العاقلة محله، فإن لم يوجد ضم إلى العاقلة من يقوم بهذا الواجب حسب الأولويات التي قررها الفقهاء، فإن لم يوجد قام بالدفع بيت المال، كما هو رأي الشافعية والحنابلة. وذلك لأن في القول بإيجابه عليه مع عسره أو بعد موته إجحافا به وضياعا لحق ولي المقتول. كما أرى رجحان القول بأنه إذا حدث هذا بعد حلول الأجل أنه لا يسقط عنه ما قدر عليه؛ وذلك لأن الحق قد استقر في ذمته، وإذا ثبت في ذمته وجب عليه أداؤه فإن أعسر انتظر يسره، وإن مات أخذ من تركته، وإن جن أخذ من ماله. ثالثا: تحديد عدد العاقلة: ويثير هذا البحث سؤالا: هل للعاقلة عدد محدود وضحه الفقهاء؟ وللإجابة عنه نقول: إن بعض الفقهاء حدد عددا معينا للعاقلة، والبعض الآخر لم يحدد، ونوضح ذلك فيما يلي: الرأي الأول: حدد المالكية عددا معينا للعاقلة فقالوا: إن أقل عدد للعاقلة يلزم ألا ينقص عنه حتى لا يضم إليها غيرهم هو ٧٠٠ سبعمائة. وقيل: أقل حدها أن تزيد على ألف زيادة بينة كعشرين وقيل أربعة. فإذا وجدنا هذا العدد في أهل الديوان فلا يضم إليه عصبة الجاني.

стр. 421

وإن لم يبلغ أهل الديوان هذا العدد ضم إليهم العصبة، فإن لم يكن الجاني من أهل ديوان، وقلنا: إن العصبة يعقلون عنه، فإذا وجد هذا العدد في العشيرة، فلا يضم إليهم الفصيلة، وإلا ضمت إليهم.. وهكذا. وفي المذهب قول ثالث، وهو: أنه لا حد للعاقلة، وإنما ذلك يترك للاجتهاد، وظاهر كلام ابن عرفة أنه المذهب. الرأي الثاني: أما المذاهب الأخرى كالحنفية والشافعية والزيدية، فلم تحدد عددا؛ لأنه لما حددت ما يجب على كل فرد لم تحتج لمثل هذا التحديد؛ لأنه إذا زاد الواجب عن المقدار المحدد لكل شخص عندهم يضم إليهم من يليهم حسب الترتيب الذي أورده كل مذهب. وإذا كنا قد رجحنا فيما تقدم أن يترك التحديد على كل فرد للاجتهاد، فإنه على ضوء هذا الاجتهاد سيتحدد عدد العاقلة؛ لأننا إذا أوجبنا عن طريق الاجتهاد على كل فرد نصف دينار في السنة والدية ألف دينار، مقسمة على ثلاث سنين، وجب ألا يقل عدد العاقلة عن ثلثي الألف وهو "٦٦٧" تقريبا، حتى يمكن أن يحصل منهم في كل عام ثلث الدية، ويصح أن يزيد عددها فيقل الواجب على كل فرد. رابعًا: المدة التي تتحمل العاقلة فيها الدية: اختلف الفقهاء في تأجيل الدية في القتل الخطأ إلى رأيين: أولهما: ما أورده في نيل الأوطار من أنه حكي في البحر عن بعض الناس أن الدية تكون حالة؛ وذلك لأنه لم يرد عن النبي ﷺ تأجليها. ثانيهما: وهو رأي جمهور الفقهاء أنها تكون مؤجلة، ولهم في مقدار الأجل قولان:

стр. 422

الأول: ما روي عن ربيعة أنها تكون مؤجلة لمدة خمس سنوات. الثاني: وهو رأي الأكثر "الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، الزيدية، الإمامية" أنها تكون مؤجلة لمدة ثلاث سنوات، وقد استدلوا على هذا بما يأتي: ١- ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، وقد قال هذا أيضا علي وعبد الله بن عباس ﵄. ٢- وقد عزاه الإمام الشافعي في المختصر إلى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم١. ٣- الإجماع، وذلك أنه لما قضى عمر بهذا كان بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا، وقد نقل الإجماع الرافعي، والترمذي في جامعه، وابن المنذر. وتقسم الدية على هذه السنوات الثلاث، في كل سنة ثلث الدية. وتجب في آخر السنة، وقد قال الرافعي في تعليل هذا: إنه "كان سبب هذا أن الفوائد كالزروع والثمار تتكرر في كل سنة، فاعتبر مضيها ليجتمع عندهم ما يتوقعونه فيواسون عن تمكن". كما قال الحنفية: إنها تؤخذ من ثلاث عطايا إن كان القاتل من أهل الديوان "وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين"؛ لأنهم لهم في كل

стр. 423

سنة عطية، فإن عجلت العطايا الثلاث في سنة واحدة يؤخذ الكل في سنة واحدة، وإن تأخرت يتأخر حق الأخذ، وإن لم يكن من أهل الديوان تؤخذ منه، ومن قبيلته من النسب، في ثلاث سنين. خامسا: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولا ما دون أرش الموضحة: هذه الصور منها ما اتفق الفقهاء عليه ومنها ما اختلفوا فيه، ونوضح فيما يلي آراءهم في كل مسألة متوخين الإيجاز، وحصر الموضوع فيما تتحمله العاقلة دون غيره: أ- القتل العمد أو شبه العمد: قد أوضحنا فيما تقدم أن الدية في القتل العمد "سواء تصالحوا عليها أو وجبت بعد العفو عن القصاص" على قول من رأى أن الواجب أحد الشيئين القصاص أو الدية، أو في الصور التي وجبت فيها الدية، كقتل الوالد ولده ... " هذه الدية تجب في مال القاتل ولا تتحمل العاقلة منها شيئا١. أما الجناية شبه العمد، فإن الفقهاء قد اختلفوا في تحمل العاقلة الدية الواجبة فيها، وقد أضحنا فيما تقدم آراءهم وأدلتهم، ورجحنا أن تتحمل العاقلة هذه الدية٢. ب- موقف العاقلة من جناية العبد على غيره، أو جناية الغير عليه خطأ: اختص الفقهاء جناية العبد على الغير، أو جناية الغير عليه بأبحاث

стр. 424

موسعة، ونكتفي هنا ببحث موقف العاقلة من هاتين الجنايتين إذا كانت الجناية خطأ بإيجاز: ١- جناية العبد على غيره خطأ: إذا ارتكب العبد جناية خطأ على غيره فإن للفقهاء رأيين في تحمل العاقلة دية المجني عليه: أولهما: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية" ألا تتحمل العاقلة دية المجني عليه "وإنما تتعلق الجناية برقبته، كما صرح الشافعية والحنابلة. أو يخير المولى بين أن يدفعه بالجناية أو يفديه، كما قال الحنفية والزيدية" وقد حكى البيهقي الإجماع على ألا تتحمل العاقلة هذه الجناية، إلا أن هذا الإجماع لم يسلم؛ لما سيأتي إيضاحه في الرأي الثاني، وقد استدلوا لهذا الرأي بدليلين: الأول: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة" رواه الدارقطني، وقد فسروا هذا الخبر بأن المراد به أن العاقلة لا تعقل الجناية عمدا ولا جناية العبد على غيره، كما يدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك" فإن هذا الخبر نص في عدم تحمل العاقلة جناية المملوك. الثاني: قالوا: إن المعنى المعقول من تحمل العاقلة عن أحد أفرادها هو التناصر، ولا تناصر بالعبد، فلا تتحمل العاقلة عنه. وأيضا فإن تحمل العاقلة جناية الحر جاء على خلاف الأصل؛ أي: أنه جاء على خلاف القياس "فإن القياس أن يتحمل الجاني جنايته لا أن يتحملها غيره"، وما جاء على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.

стр. 425

الرأي الثاني: يرى الظاهرية أن تتحمل عاقلة العبد جنايته على غيره خطأ -سواء كان عبدا أم مدبرا، أم أم ولد، أم مكاتبا- وقد استدلوا بعموم ما قضى به رسول الله ﷺ من إيجاب الدية على العصبة، فقد قضى أن الدية والغرة على عصبة الجاني، وقوله ﷺ : "على كل بطن عقولة" ولم يخص حرا من عبد، فلو أراد ﷺ أن يخص حرا من عبد لبينه، فكل ما لم يبينه ﵊ فهو باطل.. وقد حكم ﵊ بأن على كل بطن عقولة، والبطون هي الولادات، أبا بعد أب، وهو في العجم كما هو في العرب، وفي الأحرار كما هو في العبيد، فيجب أن تكون الدية على عصبة العبد الجاني إن كان يعرف له نسب وكان له عصبة. فإن اعترض بأنهم لا يرثونه، أجيب بأن الدية على العصبة لا على الورثة بنص حكم النبي ﷺ . ولعل هذا الرأي أيضا يقول: إن الأخبار المستدل بها موقوفة، ولا حجة إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم١.
следующие страницы →